← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

ويقال: ابن عمار. روى له أبو داود وابن ماجه وذكر ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عنه. وأخرجه ابن أبي شيية في "مصنفه" (١): نا ابن مهدي عن سفيان عن بكير بن عطاء عن حريث بن سليم قال: "سمعت عليًّا ﵁ لبى بالحج والعمرة فبدأ بالعمرة، فقال عثمان: إنك ممن ينظر إليه. فقال علي: وأنت ممن ينظر إليه". ص: وقد روى عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﵇ كان قرن في حجة الوداع. حدثنا علي بن شيبة قال: ثنا يحيى بن يحيى قال: ثنا داود بن عبد الرحمن عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: "اعتمر رسول الله ﵇ أربع عُمَر: عمرة الحديبية وعمرته من العام القابل وعمرته في الجعرانة وعمرته مع حجته وحج حجة واحدة". ش: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيحين ما خلا ابن شيبة ويحيى بن يحيى شيخ الشيخين. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا النفيلي وقتيبة قالا: ثنا داود بن عبد الرحمن العطار عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: "اعتمر رسول الله ﵇ أربع عُمَر: عمرة الحديبية والثانية حين تواطؤا على عمرة قابل-قال قتيبة: هي عمرة القضاء في ذي القعدة- والثالثة من الجعرانة والرابعة التي قرن مع حجته". والترمذي (٣): ثنا قتيبة ثنا داود ... إلى آخره "عمرة الحديبية والعمرة الثانية من قابل، وعمرة القضاء في ذي القعدة، والعمرة الثالثة في الجعرانة، والعمرة الرابعة التي مع حجته". قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن غريب.

стр. 4552

وابن ماجه (١): ثنا أبو إسحاق الشافعي إبراهيم بن محمد نا داود بن عبد الرحمن ... إلى آخره، نحو رواية الطحاوي. وذكر الترمذي أنه روي مرسلاً، فقال: ثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي قال: ثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن النبي ﵇ فذكر نحوه ولم يذكر فيه عن ابن عباس. قوله: "أربع عمر" بضم الميم وفتح الميم جمع عمرة. قوله: "عمرة الحديبية" أي إحداها عمرة الحديبية وهي بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وسكون الياء آخر الحروف وكسر الباء الموحدة وفتح الياء آخر الحروف وفي آخره هاء وهي موضع بعضه في الحل وبعضه الآخر في الحرم وهو أبعد أطراف الحرم عن البيت وهو الموضع الذي صدّ فيه المشركون رسول الله ﵇ عن زيارة البيت، وفي "المطالع": "الحديبية" بتخفيف الياء ضبطاها على المتقنين، وعامة الفقهاء والمحدثين يشددونها وهي قرية ليست بالكبيرة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة وبين الحديبية وبين المدينة تسع مراحل ومرحلة إلى مكة، وقد جاء في الحديث وهي بئر قال مالك: وهي من الحرم. وقال ابن القصار: بعضها من الحل، وكانت غزوة الحديبية سنة ست بلا خلاف. قوله "وعمرته في العام القابل" أي الثانية عمرته ﵇ في السنة القابلة وهي سنة سبع من الهجرة وهي التي تسمى عمرة القضاء ويقال: [لها] (٢) القصاص ورجحه السهيلي، ويقال: عمرة القضية، وقال ابن إسحاق: لما رجع رسول الله ﵇ من حنين إلى المدينة أقام شهر ربيع وجمادين ورجب وشعبان ورمضان وشوال يبعث فيما بين ذلك سراياه، ثم خرج في ذي القعدة في الشهر الذي صَدَّه فيه المشركون معتمرًا عمرة القضاء مكان عمرته التي صدوه عنها وأنزل الله في ذلك:

стр. 4553

﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (١). وروي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﵇ ساق في عمرة القضاء ستين بدنة. وقوله: "وعمرته في الجعرانة" وكانت في سَنة ثمان من الهجرة بعد فراغه من قسمة غنائم هوازن، والجعرانة بكسر الجيم وسكون العين قد مرّ تفسيرها مستوفى. قوله: "وعمرته مع حجته" أي العمرة الرابعة عمرته ﵇ مع حجة الوداع وهذا يدل على أنه ﵇ كان قارنًا في حجة الوداع، ويدل على أن القران أفضل من الإِفراد والتمتع ثم إن عُمره ﵇ كان جميعها في أشهر الحج إلاَّ ما جاء من رواية ابن عمر أن واحدة منها كانت في رجب، وأنكرت ذلك عليه عائشة -رضى الله عنها- فسكت ولم يراجعها، وذلك دليل على إثبات قول عائشة وصحة روايتها، إذ لو كان ابن عمر على بصيرة مما قال لراجعها في ذلك. وعن قتادة قال: "سألت أنس بن مالك، قلت: كم حج رسول الله ﵇؟ قال: حجة واحدة، واعتمر أربع عمر، عمرته في زمن الحديبية وعمرته في ذي القعدة من المدينة وعمرته من الجعرانة في ذي القعدة حيث قسم غنيمة حنين وعمرته مع حجته". رواه البخاري (٢)، ومسلم (٣)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥). فإن قيل: ما تقول فيما روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "اعتمر رسول الله ﵇ ثلاث عمر وكل ذلك في ذي القعدة يلبي حتى يستلم الحجر". رواه الإِمام أحمد (٦)؟

стр. 4554

قلت: قالوا: هذا غريب، وهذه الثلاث العُمر اللاتي وقعن في ذي القعدة ما عدا عمرته مع حجته فإنها وقعت في ذي الحجة مع حجته، وإن أراد ابتداء الإِحرام بهن في ذي القعدة فلعله لم يرد عمرة الحديبية؛ لأنه ﵇ صُدَّ عنها ولم يفعلها، وكان نافع ومولاه ابن عمر ينكران كون رسول الله ﵇ اعتمر من الجعرانة بالكلية وذلك فيما رواه البخاري (١) ومسلم قال نافع: "ولم يعتمر رسول الله ﵇ من الجعرانة ولو اعتمر لم يخف على عبد الله". وروى مسلم (٢) عن نافع: "ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله ﵇ من الجعرانة فقال: لم يعتمر منها" وهذا غريب جدًّا عن ابن عمر ومولاه نافع إنكارهما عمرة الجعرانة، وقد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد، وذكر ذلك أصحاب المغازي والسير كلهم، وهذا أيضًا كما ثبت في "الصحيحين" (٣): عن عائشة أنها أنكرت على ابن عمر قوله: إن رسول الله ﵇ اعتمر في رجب، فقالت: "يغفر الله لأبي عبد الرحمن، ما اعتمر رسول الله ﵇ إلاَّ وهو شاهد وما اعتمر في رجب قط". ص: فإن قال قائل: فكيف تقبلون هذا عن ابن عباس وقد رويتم عنه في الفصل الأول أن رسول الله ﵇ تمتع؟ قيل له: قد يجوز أن يكون رسول الله ﵇ أحرم في بدء أمره بعمرة فمضى فيها متمتعًا بها؟ ثم أحرم بحجة قبل طوافه فكان في بدء أمره متمتعًا وفي آخره قارنًا، فأخبر ابن عباس في الحديث الأول بتمتع رسول الله ﵇ لينفي قول من كره المتعة، وأخبر في هذا الحديث الثاني بقرانه على ما كان صار إليه أمره بعد إحرامه بالحجة، فثبت بذلك أن رسول الله ﵇ قد كان في حجة الوداع متمتعًا بعد إحرامه بالعمرة إلى أن أحرم بالحجة فصار بذلك قارنًا.

стр. 4555

ش: تقرير السؤال أن يكون: كيف تقبلون هذا الحديث وهو قوله: "اعتمر رسول الله ... " إلى آخره. والحال أنكم قد رويتم عنه أي عن ابن عباس في الفصل الأول أنه ﵇ تمتع وبين الروايتين منافاة؟ والجواب ظاهر وفهم من كلامه، أن من أحرم بعمرة لأجل التمتع إذا أحرم قبل طوافه للعمرة وأن ذلك يجوز، وإذا أحرم بحجة بعد طوافه للعمرة لا يكون قارنًا بل يكون متمتعًا وظهر من هذا أيضًا أن من ذهب إلى أن النبي ﵇ كان متمتعًا في حجته كان معناه بالنظر إلى بداية أمره ومن ذهب إلى أنه كان قارنًا كان معناه بالنظر إلى نهاية أمره؛ لأنه ﵇ لما أحرم بالحجة بعد إحرامه للعمرة قبل الطواف صار قارنًا لما قلنا، والاعتبار لخاتمة الأعمال، فلذلك ذهب الكوفيون أنه ﵇ كان قارنًا في حجته حتى قال أحمد بن حنبل: لا شك أنه ﵇ كان قارنًا والمتعة أحب إليَّ، فقال ابن جرير الطبري: إن جملة الحال له أنه لم يكن متمتعًا؛ لأنه قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة، ولا كان مفردًا لأن الهدي كان معه واجبًا كما قال وذلك لا يكون إلاَّ للقارن، ولأن الروايات الصحيحة تواترت بأنه قرنهما جميعًا، فكان من زاد أولى، ووجه الاختلاف: أن النبي ﵇ لما كان عند الإِحرام جعل يلبي تارة بالحج وتارة بالعمرة وتارة بهما جميعًا ثم إن الذين رووا الإِفراد اختلف عنهم ومن روى القران لم يختلف عليه فالأخذ بقول من لم يختلف عليه أولى، ولأن معه زيادة وهي مقبولة من الثقة والله أعلم. ص: وقد حدثنا فهد قال: ثنا النفيلي قال: ثنا زهير بن معاوية قال: ثنا أبو إسحاق عن مجاهد قال: "سئل ابن عمر ﵄: كم اعتمر رسول الله ﵇؟ فقال: مرتين، فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أن رسول الله ﵇ قد اعتمر ثلاثًا سوى عمرته التي قرنها بحجته". ش: إسناده صحيح والنفيلي هو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل أبو جعفر الحراني شيخ البخاري وأبي داود وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي وذكره لدلالته أن رسول الله ﵇ كان قارنًا في حجته وذلك لأن قول عائشة: "سوى عمرته التي قرنها بحجته" نص صريح على أنه ﵇ كان قارنًا.

стр. 4556

وأخرجه أبو داود (١): ثنا النفيلي قال: ثنا زهير ... إلى آخره نحوه سواء. وأخرجه النسائي (٢): أيضًا نحوه، وأخرجه ابن ماجه مختصرًا (٣)، وقال يحيى بن سعيد القطان: لم يسمع مجاهد من عائشة وكان شعبة ينكر أن يكون مجاهد سمع من عائشة وقال يحيى بن معين: لم يسمع مجاهد من عائشة وقال أبو حاتم الرازي: مجاهد عن عائشة مرسل. قلت: أخرج البخاري (٤) ومسلم (٥) في "صحيحيهما" حديث مجاهد عن عائشة ﵂. ص: فإن قال قائل: فكيف تقبلون مثل هذا عن عائشة وقد رويتم عنها في أول هذا الباب ما قد رويتم من إفراد رسول الله ﵇ وعلى ما ذكرتم؟ قيل له: ذلك عندنا والله أعلم، على نظير ما صححنا عليه حديث ابن عباس فيكون ما قد علمت عائشة من أمر رسول الله ﵇ أنه ابتدأ فأحرم بعمرة لم يقرنها حينئذ بحجة فمضى فيها على أن يحج وقت الحج فكان في ذلك متمتعًا بها، ثم أحرم بحجة منفردة في إحرامه بها لم يبتد معها إحرامًا بعمرة فصار بذلك قارنًا لها إلى عمرته المتقدمة فقد كان في إحرامه على أشياء مختلفة، كان في أوله متمتعًا وصار محرمًا بحجة أفردها في إحرامه فلزمته مع العمرة التي قد كان قدمها، فصار في معنى القارن والمتمتع وأرادت -يعني- عائشة بذكرها الإِفراد خلافًا للدين يروون أن النبي ﵇ أهلَّ بهما جميعًا. ش: تقرير السؤال أن يقال: كيف تقبلون هذا الحديث عن عائشة وتحتجون به فيما ذهبتم إليه والحال أنكم قد رويتم عنها في أول الباب من طريق عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ أفرد بالحج " ومن

стр. 4557

طريق إبراهيم، عن عائشة قالت: "خرجنا ولا نرى إلاَّ أنه الحج"، وأراد بقوله: "وتمتعه" ما في حديثها الذي رواه محمد بن عبد الرحن بن نوفل عن عروة عن عائشة قالت: "خرجنا مع رسول الله ﵇ عام حجة الوداع". الحديث. وتقرير الجواب: أن يقال: إنها أخبرت أولاً بَأنه ﵇ أفرد الحج وذلك لأنها شاهدت أولاً أنه أحرم بعمرة منفردة فمضى فيها على أن يحج وقت الحج فصار بذلك متمتعًا ثم أحرم بحجة منفردة فصار بذلك قارنًا فقد كان ﵇ في إحرامه ذلك على أشياء مختلفة لأنه كان في أوله متمتعًا وصار محرمًا بحجة أفردها في إحرامه فلزمته مع عمرته المتقدمة فصار بذلك في معنى القارن والمتمتع وهذا نظير ما ذكره في حديثي ابن عباس ثم إن عائشة ﵂ أرادت بقولها: إن رسول الله ﵇ أفرد الحج إنكارًا على الذين رووا أن النبي أهلَّ بالحج والعمرة معًا في زمن واحد ولم ترد أنه ﵇ كان عامئذ مفردًا بالحج، فافهم وقال أبو عمر: الاضطراب عن عائشة في حديثيها في الحج عظيم وقد أكثر العلماء في توجيه الروايات فيه ودفع بعضهم بعضها ببعض ولم يستطيعوا الجمع بينها. وقال القاضي عياض: قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث وعلماؤنا وغيرهم فمن مجيد منصف ومن مقصر متكلف ومن مطيل مكثر ومن مقتصد مختصر وأوسعهم نفسًا في ذلك أبو جعفر الطحاوي المصري فإنه تكلم في ذلك على ألف ورقة وتكلم في ذلك أيضًا معه أبو جعفر الطبري، وبعدهم أبو عبد الله بن أبي صفرة وأخوه المهلب والقاضي أبو عبد الله بن المرابط والقاضي أبو الحسن ابن القصار البغدادي والحافظ أبو عمر بن عبد البر وغيرهم وأولى ما يقال في هذا على ما محصناه من كلامهم واخترناه من اختياراتهم ما هو أجمع للروايات وأشبه بمساق الأحاديث: أن النبي ﵇ أتاح للناس فعل هذه الثلاثة الأشياء ليدل على جواز جميعها إذ لو أمر بواحد لكان غيره لا يجرئ وإذ كان ﵇ لم يحج سوى هذه الحجة فأضيف الكل إليه وأخبر كل واحد بما أمره به وأباحه له ونسبه إلى النبي ﵇، إما لأمره بذلك أو لتأويله عليه، وقد قال بعض علمائنا: إنه ﵇ أحرم منتظرا ما يؤمر

стр. 4558

به من إفراد أو تمتع أو قران؛ إذ كان أمر بالآذان بالحج مطلقًا فنقل ذلك عنه من سمعه حينئذ ثم زاد في تلبيته ذكر العمرة، ولعل ذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) فنقل ذلك عنه من سمع القران ثم جاءه الوحي بالعقيق على ما جاء في الحديث الصحيح بقوله: "صلِّ في هذا الوادي المبارك وقيل: عمرة في حجة" فنقل التمتع عنه من نقله ولعل من نقل القران نقله من هذا اللفظ. ص: وقد حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا يعقوب بن حميد قال: ثنا ابن عيينة عن أيوب بن موسى عن نافع: "أن ابن عمر خرج من المدينة إلى مكة مهلًّا بالعمرة مخافة الحصر ثم قال: ما شأنهما إلَّا واحدًا أشهدكم أني أوجبت إلى عمرتي هذه حجة ثم قدم فطاف لهما طوافًا واحدًا وقال: هكذا فعل رسول الله ﷺ ". وحدثنا أحمد -هو ابن داود بن موسى- قال: ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب قال: ثنا عبد العزيز بن محمد عن موسى بن عقبة عن نافع: "أن ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير ﵄ فأحرم بعمرة فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال وإنا نخاف من نُصَد عن البيت فقال: قد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، أشهدكم أني قد أوجبت حجًّا مع عمرتي فانطلق يهل بهما جميعًا حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة ولم يزد على ذلك ولم ينحر ولم يحلق ولم يحل من شيء حرم عليه حتى يوم النحر، فحلق ورأى أنه قد قضى طواف الحج بطوافه ذلك الأول ثم قال: هكذا صنع رسول الله ﵇". حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا شعيب بن الليث قال: ثنا الليث عن نافع: "أن عبد الله بن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير، فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال وإنا نخاف أن يصدوك فقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، إذًا أصنع كما صنع رسول الله ﵇، إني أشهدكم أني قد أوجبت حجًّا مع عمرة ثم خرج حتى إذا كان بظهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلَّا واحدًا،

стр. 4559

أشهدكم أني قد أوجبت حجًا مع عمرتي وأهدى هديا اشتره بقديد، فانطلق يُهل بهما جميعًا، حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبين الصفا والمروة ولم يزد على ذلك، ولم ينحر ولم يحلق ولم يقصر ولم يحل من شيء حرم عليه، حتى كان يوم النحر فنحر وحلق، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول وكذا فعله رسول الله ﵇". ش: هذه ثلاث طرق صحاح فيها دلالة على تفضيل القران وعلى أنه ﵇ كان قارنًا وذلك لأن ابن عمر ﵄ أضاف إلى عمرته حجة قبل أن يطوف لها، فهذا هو القران، ثم قال: "هكذا فعل رسول الله ﵇، أراد أنه ﵇ كان قد قرن إلى عمرته حجًّا". الأول: عن أحمد بن داود المكي عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني نزيل مكة عن سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن عمرو بن سعيد الأموي المكي روى له الجماعة، عن نافع ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) بأطول منه: ثنا إسماعيل، نا أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر دخل عليه ابنه عبد الله بن عبد الله وظهره في الدار فقال: إني لا آمن أن يكون العام بين الناس قتال فنصد عن البيت فلو أقمت، فقال: خرج رسول الله ﵇ فحال قريش بينه وبين البيت، فإن يحل بيني وبينه أفعل كما فعل رسول الله ﵇، فقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، قال: إني قد أوجبت عمرة، ثم سار حتى إذا كان بالبيداء، قال: ما أرى أمرهما إلَّا واحدًا، أشهدكم أني قد أوجبت مع عمرتي حجًّا ثم قدم فطاف لهما طوافًا واحدًا". وأخرجه البخاري (٢) نحوه.

стр. 4560

قوله: "مهلًّا" نصب على الحال من الضمير الذي في "خرج" و"مخافة الحصر" نصب على التعليل. الثاني: عن أحمد بن داود أيضًا ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن مثنى، قال: ثنا يحيى -وهو القطان- عن عبيد الله، قال: حدثني نافع: "أن عبد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله كَلَّما عبد الله حين نزل الحجَّاج لقتال ابن الزبير وقالا: لا يضرك ألَّا تحج العام، فإنا نخشى أن يكون بين الناس قتال يحال بينك وبين البيت، قال: إن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل رسول الله ﵇ وأنا معه، حين حالت كفار قريش بينه وبين البيت، أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، فانطلق حتى أتى ذا الحليفة فلبى بالعمرة ثم قال: إن خُلي سبيلي قضيت عمرتي وإن حيل بيني وبينه فعلت كما فعل رسول الله ﵇ وأنا معه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢) ثم سار حتى إذا كان بظهر البيداء قال: ما أمرهما إلَّا واحدٌ إن حيل بيني وبين العمرة حيل بيني وبين الحج، أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرة، فانطلق حتى ابتاع بقديد هديًا، ثم طاف لهما طوافًا واحدًا بالبيت وبين الصفا والمروة ثم لم يحل منهما حتى حل منهما بحجة يوم النحر". قوله "أن تصد" على صيغة المجهول أي تمنع. قوله: "أشهدكم أني قد أوجبت حجًّا مع عمرتي" إنما لم يكتف بالنية على ما تقدم؛ ليعرف من كان معه ويقتدي بمن أعلمه أنه يعتمر ذلك وفيه جواز إرداف الحج على العمرة وهو قول جمهور العلماء، وفيه أنه قرن وأخبر أنه فعل النبي ﵇. الثالث: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سعد ... إلى آخره.

стр. 4561

وأخرجه البخاري (١) والنسائي (٢): كلاهما عن قتيبة، عن ليث، عن نافع: "أن ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير فقيل له: إن الناس كائن بينهم قتال وإنا نخاف أن يصدوك ... " إلى آخره نحوه. قوله: "بظهر البيداء" قد ذكرنا أن البيداء صحراء مقحلة بذي الحليفة. قوله: "بقديد" أي في قديد بضم القاف وفتح الدال وهو موضع قريب. قوله: "فانطلق يهل بهما معًا" أبي بالعمرة والحج، أراد أنه يرفع صوته بالتلبية محرمًا بها. قوله: "ولم ينحر ولم يحلق ولم يقصر" وذلك لأنه قرن والقارن لا يفعل شيئاً من ذلك إلَّا يوم النحر. ص: فإن قال قائل: فكيف تقبلون مثل هذا عن ابن عمر وقد رويتم فيما تقدم أن النبي ﵇ تمتع؟ فجوابنا له في ذلك مثل جوابنا له في حديث ابن عباس وعائشة ﵃. ش: السؤال ظاهر وهو أن عبد الله بن عمر ﵄ روى عنه سالم أنه قال: حسن، حين سأله رجل من أهل الشام عن التمتع. الحديث، وقد ذكر فيما مضى من هذا الباب. وتقرير الجواب أن يقال: إن رسول الله قد كان أحرم في أول أمره بعمرة فمضى فيها متمتعًا ثم أحرم قبل طوافه فصار بهذا قارنًا كما قد ذكرنا قبل هذا في حديثي ابن عباس وحديثي عائشة. ص: وقد حدثنا فهد قال: ثنا الحماني، قال: ثنا عبد السلام بن حرب عن سعيد عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عمران بن الحصين: "أنه سمع النبى ﵇ يلبي بعمرة وحجة".

стр. 4562

ش: إسناده صحيح والحماني وهو يحيى بن عبد الحميد أبو زكريا الكوفي قال ابن معين صدوق ثقة (١)، وسعيد هو ابن أبي عروبة. وأخرجه مسلم (٢): ثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنا عيسى بن يونس قال: نا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عمران بن حصين، قال: "أعلم أن رسول الله ﵇ جمع بين حج وعمرة". ص: وقد حدثنا نصر بن مرزوق قال: ثنا علي بن معبد قال ثنا: إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس ﵁ عن النبي ﵇: "أنه لبى بعمرة وحجة، [وقال: لبيك بعمرة وحجة] (٣)، فذكر بكر بن عبد الله المزني لابن عمر قول أنس قال: وهل أنس إنما أهل رسول الله ﵇ بالحج وأهللنا به معه فلما قدمنا مكة قال: من لم يكن معه هدي فليحل، قال بكر: فرجعت إلى أنس فأخبرته بقول ابن عمر، فلم يزل يذكر ذلك حتى مات". حدثنا حسين بن نصر قال: ثنا أحمد بن يونس قال: ثنا زهير بن معاوية قال: ثنا حميد قال: وحدثني بكر بن عبد الله عن أنس مثله. قال بكر: "فذكرت ذلك لابن عمر فقال: وهل أنس إنما أهل رسول الله ﵇ بالحج وأهللنا به". حدثنا حسين -هو ابن نصر- قال: سمعت يزيد بن هارون قال: ثنا حميد ... فذكر مثله بإسناده وزاد: "فلما قدم رسول الله ﵇ قال: من لم يكن معه هدي فليحل، وكان مع رسول الله ﵇ هدي فلم يحل".

стр. 4563

حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا حجاج قال: ثنا حماد عن حميد عن بكر قال: "أخبرت بن عمر بقول أنس فقال: نسي أنس فلما رجع قال: بكر لأنس: إن ابن عمر يقول: نسي فقال: إن تعدونا إلَّا صبيانًا، بل سمعت رسول الله ﵇ يقول: لييك بعمرة وحجة معًا". أفلا ترى أن ابن عمر إنما أنكر على أنس قوله: إن رسول الله ﵇ أهل بهما جميعًا، وإنما كان الأمر عند ابن عمر أن رسول الله ﵇ أهل بحجة ثم صيرها عمرة بعد ذلك وأضاف إليها حجة فصار حينئذ قارنًا، فأما في بدء إحرامه فإنه كان عنده مفردًا. ش: هذه أربع طرق صحاح: عن أنس ﵁ يخبر فيها أن رسول الله ﵇ كان قارنًا، ذكرها ها هنا ليبين أن إنكار عبد الله بن عمر على أنس فيه إنما كان على قوله: إنه ﵇ أهل بالعمرة والحج جميعًا، لا على أنه أنكر عليه القران، فإن الحكم عند ابن عمر أنه ﵇ أهل بحجة وحدها ثم صيرها عمرة ثم أضاف إليها حجة فصار في ذلك الوقت قارنًا لا من أول الأمر؛ لأنه كان في أول الأمر عنده مفردًا وبهذا يحصل التوفيق بين كلامي أنس وابن عمر ﵃. والتحقيق فيه أن ابن عمر ﵄ لم يكن وقف على حقيقة أمر الرسول ﵇ في بدء الأمر فلذلك أنكر على أنس، وأنس ﵁ فممن وقف على حقيقة الأمر حيث قال بالتصريح: سمعت رسول الله ﵇ أهل بهما جميعًا"، فإن قيل: قد قال البيهقي: يحتمل أن يكون سمع النبي ﵇ يعلم غيره كيف يهل بالقران لا أن يهل بهما عن نفسه، قلت: ذكر ابن حزم في "حجة الوداع" أن ستة عشر من الثقات اتفقوا على أنس، على أن لفظ النبي ﵇ كان إهلالًا بحجة وعمرة معًا وصرحوا عن أنس أنه سمع ذلك منه ﵇ والقول بأنه يحتمل .... إلى آخره. رد للحديث الصريح بمجرد احتمال بعيد يمكن أن يقال في رواية من روى أنه ﵇ أفرد أو تمتع وكيف يصلح ذلك مع قوله: سمعت رسول الله ﵇ يقول: لبيك بعمرة وحجة معًا؟! فإن قيل: إنما رد ابن عمر على أنس قوله: أهلَّ رسول الله ﵇ بحج وعمرة لأجل صغر

стр. 4564

أنس حينئذ وقلة ضبطه ألا ترى إلى ما روى الييهقي (١): من حديث سعيد بن عبد العزيز عن زيد بن أسلم وغيره: "أن رجلَّا أتى ابن عمر فقال بم أهل رسول الله ﵇؟ قال: بالحج فانصرف، ثم أتاه في العام القابل فقال: بم أهل رسول الله ﵇؟ قال: ألم تأتني عام أول؟! قال: بلى ولكن أنس يزعم أنه قرن، قال: إن أنسًا كان يدخل على النساء وهن مكشفات الرءوس، وإني كنت تحت ناقة رسول الله ﵇ يمسني لعابها اسمعه يلبي بالحج". وأخرجه الطرطوشي في كتاب "الحج" ولفظه: "كان أنس صغيرًا يتولج على النساء وهن مكشفات لا يستترن منه لصغره، وأنا آخذ بزمام ناقة النبي ﵇ يمسني لعابها -وفي لفظ يسل عليّ لعابها- سمعته يهل بالحج مفردًا وأهللنا مع النبي ﵇ بالحج خالصًا لا يشوبه شيء" فقلت: هذا فيه نظر؛ لأن حجة الوداع كانت وسن أنس ﵁ نحو العشرين فكيف يدخل على النساء وقد جاء في الصحيح أنه منع من الدخول عليهن حين بلغ خمس عشرة سنة، وذلك قبل الحجة بنحو خمس سنين؟! وأيضًا مكان سنه نحو سن ابن عمر ولعله لا يكون بينهما إلَّا نحو من سنة أو دونها، ولئن سلمنا ذلك فيجاب بما ذكره الطحاوي، وبما ذكرنا يُرَدُّ كلام ابن بطال أيضًا حيث يقول: وما يدل على قلة ضبط أنس: قوله في الحديث: "فلما قدمنا، أمر النبي ﵇ فحلوا حتى إذا كان يوم التروية أهلوا بالحج" وهذا لا معنى له ولا يفهم إن النبي ﵇ قارنًا كان كما قال والأئمة متفقة على أن القارن لا يجوز له الإِحلال حتى يفرغ من عمل الحج كله؛ فلذلك أنكر عليه ابن عمر وإنما حلَّ من كان أفرد الحج وفسخه في عمرة ثم تمتع. الطريق الأول: عن نصر بن مرزوق عن علي بن معبد بن شداد العبدي الكوفي الرقي نزيل مصر، وثقه أبو حاتم، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني، روى له الجماعة، عن حميد الطويل عن أنس ﵁.

стр. 4565

وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١): أخبرنا الحسين بن سفيان الشيباني قال: نا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: ثنا أبو ضمرة عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: "سمعت رسول الله ﵇ يقول: لبيك بعمرة وحجة، قال حدثني بكر بن عبد الله المزني أنه ذكر حديث أنس بن مالك لابن عمر فقال: وهل أنس، أفرد رسول الله ﵇ الحج، قال: فذكرت قول ابن عمر لأنس بن مالك فقال ما يحسب ابن عمر إلَّا أنا صبيان". قوله: "وَهِلُ" بفتح الواو وكسر الهاء يقال: "وهل في الشيء وعن الشيء يُوهِلُ وَهَلًا إذا غلط فيه وسهى وأما "وَهَلَ إليه" بالفتح فمعناه ذهب وعمد إليه وهو يريد غيره. الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري ومسلم وأبي داود عن زهير بن معاوية عن حميد الطويل. وعن بكر بن عبد الله المزني عن أنس بن مالك ﵁. وأخرج البخاري (٢) نحوه. الثالث: عن حسين أيضًا ... إلى آخره. الرابع: عن محمد بن خزيمة عن حجاج بن المنهال شيخ البخاري عن حماد بن سلمة عن حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٣): نا شريح بن يونس قال: ثنا هشيم قال: ثنا حميد عن بكر عن أنس قال: "سمعت النبي يلبي بالحج والعمرة جميعًا، قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر ﵄، فقال: لبى بالحج وحده، فلقيت أنسًا فحدثته بقول ابن عمر فقال أنس: ما تعدوننا إلَّا صبيانًا سمعت رسول الله ﵇ يقول لبيك بعمرة وحجًا".

стр. 4566

ص: ثم قد تواترت الروايات بعد ذلك عن أنس ﵁ بدخول النبي ﵇ فيهما جميعًا. حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا حبان قال: ثنا وهيب قال: ثنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس: "أن النبي ﵇ لما استوت راحلته على البيداء جمع بينهما". حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا عبد الله بن بكر، عن حميد، عن أنس (ح). وحدثنا ابن مرزوق قال: ثنا عبد الصمد قال: ثنا شعبة عن أبي قزعة عن أنس قال: "سمعت النبي ﵇ يقول: لبيك بعمرة وحجة". حدثنا فهد قال: ثنا أحمد بن يونس قال: ثنا أبو شهاب عن ابن أبي ليلى عن ثابت البناني عن أنس عن النبي ﵇ مثله. حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا حجاج قال: ثنا حماد عن حميد عن أنس عن النبي ﵇ مثله. حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عمرو بن خالد قال: ثنا عبيد الله بن عمرو -وهو الرقي- عن أيوب عن أبي قلابة وحميد بن هلال عن أنس بن مالك قال: "كنت ردف أبي طلحة وركبتي تمس ركبة النبي ﵇، فلم يزالوا يصرخون بهما جميعًا بالحج والعمرة". حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو عاصم عن سفيان عن يحيى بن أبي إسحاق قال: سمعت أنسًا يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لبيك بعمرة وحجة معًا". حدثنا أبو أُميَّة قال: ثنا عمرو بن عاصم الكلابي (ح). وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب. قالا: ثنا همام عن قتادة عن أنس قال: "اعتمر رسول الله ﵇ عمرة من الحديبية، وعمرة من العام المقبل، وعمرة من الجعرانة وعمرة حيث قسم غنائم حنين وعمرة مع حجته، وحج حجة واحدة".

стр. 4567

حدثنا أبو أمية قال: ثنا الحسن بن موسى وابن نفيل قالا: ثنا أبو خيثمة عن أبي إسحاق عن أبي أسماء عن أنس قال: "خرجنا نصرخ بالحج فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله ﵇ أن نجعلها عمرة وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة، ولكني سقت الهدي وقرنت الحج بالعمرة". ففي هذا الحديث من قول رسول الله ﵇ أنه قرن الحج بالعمرة؛ فقد دل ذلك على صحة قول من أخبر من فعله بما يوافق ذلك. ش: أي قد تكاثرت الروايات وتظاهرت عن أنس ﵁ أن النبي ﵇ كان قارنًا، وهو معنى قوله: "بدخول النبي ﵇ فيهما جميعًا" أي في العمرة والحج وهو عين القران، وقد ذكرنا عن ابن حزم أنه قال ستة عشر من الثقات اتفقوا على أنس ﵁ على أن لفظ النبي ﵇ كان إهلالًا بحجة وعمرة معًا، وصرحوا عن أنس أنه سمع ذلك منه ﵇ وهم: بكر بن عبد الله المزني وأبو قلابة وحميد الطويل، وأبو قزعة، وثابت البناني، وحميد بن هلال، ويحيى بن أبي إسحاق وقتادة، وأبو أسماء، والحسن البصري، ومصعب بن سليم، ومصعب بن عبد الله بن الزبرقان، وسالم بن أبي الجعد، وأبو قدامة، وزيد بن أسلم، وعلي بن زيد. وقد أخرج الطحاوي ﵀: عن تسعة منهم أولهم بكر بن عبد الله وآخرهم أبو أسماء على الترتيب الذي ذكرناه. أما حديث بكر بن عبد الله المزني فقد مضى ذكره. وأما حديث أبي قلابة فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق عن حبَّان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- بن هلال عن وهيب بن خالد البصري عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي أحد الأئمة الأعلام عن أنس. وأخرجه البخاري (١) مطولاً: ثنا موسى بن إسماعيل ثنا وهيب ثنا أيوب عن

стр. 4568

أبي قلابة عن أنس قال: "صلى رسول الله ﵇ ونحن معه بالمدينة الظهر أربعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين ثم بات بها حتى أصبح ثم ركب حتى استوت به راحلته على البيداء حمد الله وسبح وكبر ثم أهل بحج وعمرة وأهلَّ الناس بهما، فلما قدمنا أمر الناس فحلوا، حتى كان يوم التروية أهلوا بالحج قال: ونحر النبي ﵇ بدنات بيده قيامًا وذبح رسول الله ﵇ بالمدينة كبشين أملحين. وأما حديث حميد الطويل فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق عن عبد الله بن بكر بن حبيب السلمي البصري عن حميد الطويل عن أنس. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن علية عن حميد عن أنس: "أن النبي ﵇ قال: "لبيك بعمرة وحجة معًا". الثاني: عن محمد بن خزيمة عن حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن حميد عن أنس. وأخرجه "الترمذي" (٢): ثنا قتيبة قال: نا حماد بن زيد عن حميد عن أنس قال: سمعت النبي ﵇ يقول: "لبيك بعمرة وحجة". قال أبو عيسى: حديث أنس حديث صحيح. وأما حديث أبي قزعة فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح عن إبراهيم بن مرزوق عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة عن أبي قزعة سويد بن حجير الباهلي البصري روى له الجماعة سوى البخاري. وأخرجه ابن حزم (٣) نحوه.

стр. 4569

وأما حديث ثابت البناني فأخرجه عن فهد بن سليمان عن أحمد بن يونس شيخ البخاري عن أبي شهاب الأصغر الحناط -بالنون- الكوفي واسمه عبد ربه بن نافع روى له الجماعة سوى الترمذي عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه قاضي الكوفة، فيه لين عن ثابت البناني عن أنس. وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا وكيع ثنا ابن أبي ليلى عن ثابت عن أنس عن النبي ﵇ أنه قال: "لبيك بحج وعمرة معًا". وأما حديث حميد بن هلال فأخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي عن عمرو بن خالد الحراني شيخ مسلم عن عبيد الله بن عمرو الرقي عن أيوب السختياني عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، وعن حميد بن هلال بن ضمرة العدوي روى له الجماعة كلاهما عن أنس بن مالك. وأخرجه "البزار" في "مسنده" (١): ثنا سلمة بن شبيب ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة وحميد بن هلال عن أنس قال: "كنت ردف أبي طلحة وإن ركبته لتمس ركبة رسول الله ﵇ وهو يلبي بالحج والعمرة". فإن قيل: قال البزار: هذا الحديث يدل على أن أبا طلحة كان يلبي بالحج والعمرة والنبي ﵇ يسمع ذلك فلا ينكره؛ لأن أنسًا لم يقل في هذا الحديث: فسمعت النبي يلبي وإنما قال: سمعته يعني أبا طلحة. قلت: روى العدني هذا الحديث في "مسنده": ثنا بشر بن السري ثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: "كنت رديف أبي طلحة وهو يساير النبي ﵇ وإن رجلي لتمس عرز النبي ﵇ فسمعته يلبي بالحج والعمرة معًا" انتهى.

стр. 4570

فها هنا صرح بقوله: سمعته أي النبي ﵇ لأن الضمير يعود إلى أقرب المذكورين فافهم. فإن قيل: قال البيهقي: قال الفسوي: سمعت سليمان يقول: سمع أبو قلابة هذا من أنس وهو فقيه وروى حميد ويحيى بن أبي إسحاق عن أنس سمع النبي يلبي بعمرة وحج ثم قال: ولم يحفظا وإنما الصحيح ما قال أبو قلابة: إن النبي ﵇ أفرد الحج وقد جمع بعض الصحابة بين الحج والعمرة فإنما سمع أنس أولئك الذين جمعوا بينهما. قلت: قول أنس ﵁: يصرخون بها يندرج فيه النبي ﵇ وأصحابه كما صرح به في الرواية الأخرى حيث قال: "أهلَّ الناس بهما" وفي هذا جمع بين الروايتين وقول سليمان بن حرب: "لم يحفظا" قول لا دليل عليه، بل حفظا وتابعهما على ذلك جماعة وهم الذين ذكرناهم فإن كلهم اتفقوا على أنس على أن لفظ النبي ﵇ كان إهلالًا بحجة وعمرة معًا وعلى تقدير التنافي بين الروايتين فرواية هؤلاء الجماعة أولى، ولم يَرْو أبو قلابة الإِفراد أصلاً فيما علمنا فضلاً عن أن يكون ذلك هو الصحيح كما زعم سليمان بل الذي في الصحيح أنه روى القران وقد صرح هؤلاء الجماعة عن أنس أنه سمع ذلك منه ﵇ فانتهى قول سليمان إنما سمعه من بعض أصحابه. وأما حديث يحيى بن أبي إسحاق فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري عن سفيان الثوري عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي البصري روى له الجماعة، عن أنس ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن علية عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس أنه سمع النبي ﵇ يقول: "لبيك بعمرة وحجة".

стр. 4571

وأخرجه أبو داود (١) والنسائي (٢) وابن ماجه (٣) نحوه. وأما حديث قتادة فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي عن عمرو بن عاصم بن عبيد الله الكلابي أبي عثمان البصري شيخ البخاري عن همام بن يحيى عن قتادة، عن أنس. وأخرجه البخاري (٤): عن حسان عن همام عن قتادة عن أنس ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني عن الخصيب بن ناصح البصري عن همام عن قتادة عن أنس. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٥): ثنا بهزُ وعبد الصمد -المعنى- قالا: ثنا همام بن يحيى نا قتادة قال: "سألت أنس بن مالك قلت: كم حج رسول الله ﵇؟ قال: حجة واحدة واعتمر أربع مرات: عمرته في الحديبية وعمرته في ذي القعدة من المدينة وعمرته من الجعرانة في ذي القعدة حيث قسم غنيمة حنين وعمرته مع حجته". وأما حديث أبي أسماء فأخرجه عن أبي أمية أيضًا عن الحسن بن موسى الأشيب شيخ أحمد روى له الجماعة. وعن عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل النفيلي الحراني شيخ البخاري وأبي داود كلاهما عن أبي خيثمة زهير بن معاوية أحد أصحاب أبي حنيفة روى له الجماعة، عن

стр. 4572

أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي روى له الجماعة، عن أبي أسماء الصيقل، سئل أبو زرعة عنه فقال: لا أعرف اسمه، روى له أحمد والنسائي. والحديث أخرجه النسائي (١): نا هناد بن السري عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي أسماء عن أنس قال: "سمعت رسول الله ﵇ يلبي بهما". وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا أسود بن عامر أو حسن بن موسى نا زهير، عن أبي إسحاق عن أبي أسماء الصيقل عن أنس بن مالك قال: "خرجنا نصرخ بالحج فلما قدمنا مكة أمرنا رسول الله ﵇ .... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء. قوله: "نصرخ بالحج" أي نرفع صوتنا به. قوله: "أن نجعلها عمرة" فيه حجة لمن يرى بفسخ الحج في عمرة وهو مذهب أحمد وأهل الظاهر، ومنع من ذلك أبو حنيفة والشافعي ومالك وأجابوا عن ذلك بأن فسخ الحج في العمرة قد كان خص به أصحاب رسول الله ﵇. قوله: "قرنت الحج والعمرة" أي قرنت بينهما فهذا صريح على أنه ﵇ قد كان قارنًا في حجته فقوله هذا قد دل على صحة قول من أخبر من فعله أيضًا أنه جمع بين الحج والعمرة فثبت قران النبي ﵇ في حجته بقوله وفعله فلم يبق بعد هذا شيء وليس ما وراء عناد أيّ قربة. وأما حديث الحسن البصري فأخرجه البزار في "مسنده": نا الحسن بن قزعة نا سفيان بن حبيب نا أشعث عن الحسن عن أنس: "أن النبي ﵇ أهل هو وأصحابه بالحج والعمرة ... " الحديث. وأما حديث مصعب بن سليم فأخرجه العدني في "مسنده": ثنا وكيع عن مصعب ابن سليم أنه سمع أنس بن مالك يقول: "أهلَّ رسول الله ﵇ بحجة وعمرة".

стр. 4573

وأما حديث مصعب بن عبد الله بن الزبرقان. فأخرجه العدني أيضًا: ثنا سفيان نا حميد الكوفي ومصعب بن عبد الله بن الزبرقان قال: عن أنس، قال: سمعت النبي ﵇ يقول: "لبيك بحجة وعمرة -أو بعمرة وحجة- معًا". وأما حديث سالم بن أبي الجعد فأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يحيى بن آدم نا شريك عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أنس يرفعه إلى النبي ﵇: "أنه جمع بين العمرة والحج فقال: لبيك بحجة وعمرة". وأما حديث أبي قدامة فأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (٢): ثنا روح بن عبادة، ثنا شعبة، عن يونس بن عُبيد، عن أبي قدامة الحنفي، قال: "قلت لأنس: بأي شيء كان رسول الله ﵇ يهل، فقال سمعته سبع مرار: بعمرة وحجة، بعمرة وحجة". وأما حديث زيد بن أسلم فأخرجه البزار في "مسنده": ثنا الحسن بن عبد العزيز ومحمد بن مسكين قالا: نا بشر بن بكر عن سعيد بن عبد العزيز عن زيد بن أسلم عن أنس: "أن النبي ﵇ أهلَّ بحج وعمرة". وأما حديث علي بن زيد فكذلك أخرجه البزار: ثنا إبراهيم بن سعيد نا علي بن حكيم عن شريك عن علي بن زيد عن أنس: "أن النبي ﵇ لبى بهما جميعًا". ص: وقد حدثنا يونس قال: ثنا عبد الله بن يوسف (ح). وحدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا شعيب قالا: ثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران أنه قال: "حججت مع موالي فدخلت على أم سلمة ﵂ فسمعتها تقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: أهلوا يا آل محمد بعمرة في حجة" وهذا أيضًا مثل ذلك. ش: أخرج حديث أم سلمة ﵂ من طريقين صحيحين؛ لوجود الأمر من النبي ﵇ فيه بالقران كما في حديث أبي أسماء عن أنس وإليه أشار بقوله:

стр. 4574

"وهذا مثل ذلك" وهذا أيضًا يدل على صحة قول من أخبر من فعله ﵇ بما يوافق ذلك الطريق. الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري عن عبد الله بن يوسف التنيسي المصري شيخ البخاري، عن شعيب بن الليث عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري عن أسلم أبي عمران التجيبي مولى تجيب وأسلم هذا هو ابن عمران ويكنى بأبي عمران أيضًا، ذكره ابن حبان في الثقات التابعين. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) بأتم منه: ثنا حجاج ثنا الليث بن سعد المصري، حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أبي عمران أسلم قال: "حججت مع موالي، فدخلت على أم سلمة زوج النبي ﵇ فقلت: أعتمر قبل أن أحج؟ قالت: إن شئت فاعتمر قبل أن تحج وإن شئت فبعد أن تحج، قال: فقلت: إنهم يقولون: من كان فلا يصلح أن يعتمر قبل أن يحج، قال: فسألت: أمهات المؤمنين فقلن مثل ما قالت فرجعت إليها فأخبرتها بقولهن، قال: فقالت: نعم وأشفيك؟ سمعت رسول الله ﵇ يقول: أهلوا يا آل محمد بعمرة في الحج". الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي عن شعيب بن الليث عن الليث بن سعد ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا مطلب بن شعيب الأزدي نا أبو صالح عبد الله بن صالح حدثني الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال: "حججت مع مولاي فدخلت على أم سلمة فقالت: "سمعت رسول الله ﵇، يقول: أهلوا يا أمة محمد بحجة وعمرة". قوله: "حججت مع مواليَّ" بتشديد الياء وهو جمع (مولى) وفي رواية الطبراني: "مع مولاي" بالإِفراد.

стр. 4575

ص: وقد حدثنا فهد قال: ثنا الحماني قال: ثنا أبو خالد وأبو معاوية (ح). وحدثنا فهد قال: ثنا عمر بن حفص قال: ثنا أبي قالوا جميعًا: عن الحجاج عن الحسن بن سعد عن ابن عباس عن أبي طلحة: "أن النبي ﵇ قرن بين الحج والعمرة". ش: هذان طريقان صحيحان من جملة الحجج في أن النبي ﵇ كان قارنًا في حجته؛ لأن أبا طلحة أخبر في حديثه أن قربه بين الحج والعمرة: الأول: عن مهدي بن سليمان عن يحيى بن عبد الحميد الحماني عن أبي خالد الأحمر سليمان بن حيان وأبي معاوية الضرير محمد بن خازم كلاهما عن الحجاج بن أرطاة قاضي الكوفة عن الحسن بن سعد القرشي الهاشمي مولى علي بن أبي طالب عن عبد الله بن عباس عن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري ﵁. وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا علي بن محمد ثنا أبو معاوية ثنا حجاج عن الحسن بن سعد عن ابن عباس قال: أخبرني أبو طلحة: "أن رسول الله ﵇ قرن بين الحج والعمرة". الثاني: عن فهد أيضًا عن عمر بن حفص عن أبيه حفص بن غياث عن الحجاج بن أرطاة ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا معاوية بن المثنى نا مسدد نا أبو معاوية عن حجاج بن أرطاة عن الحسن بن سعد عن ابن عباس أخبرني أبو طلحة: "أن رسول الله ﵇ قرن بين الحج والعمرة". ص: حدثنا أبو بكرة وعلي بن معبد قالا: ثنا مكي بن إبراهيم قال: ثنا داود بن يزيد الأودي قال: سمعت عبد الملك بن ميسرة الزراد قال: سمعت النزال بن سبرة

стр. 4576

يقول: سمعت سراقة بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة قال: وقرن رسول الله ﵇ في حجة الوداع". ش: هذا أيضًا من جملة الحج في تفضيل القران وأن رسول الله ﵇ كان قارنًا في حجة الوداع؛ لأن سراقة بن مالك قد صرح في حديثه بأنه ﵇ قرن في حجة الوداع، أخرجه عن أبي بكرة بكَّار القاضي وعلي بن معبد بن نوح المصري كلاهما عن مكي بن إبراهيم بن بشير البلخي شيخ البخاري عن داود بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي الزعافري الكوفي الأعرج فيه مقال فعن أحمد وابن معين: ضعيف وعنه: ليس حديثه بشيء، وعن النسائي ليس بثقة، روى له أبو داود وابن ماجه وهو يروي عن عبد الملك ميسرة الهلالي الزراد -وهو الذي يعمل الزرد- أبو سعد عن النزال بن سبرة الهلالي الكوفي قال العجلي: كوفي تابعي ثقة من كبار التابعين وفي "التهذيب": مختلف في صحبته، عن سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، من مشاهير الصحابة، وهو الذي لحق النبي ﵇ وأبا بكر ﵁ حين خرجا مهاجرين إلى المدينة فدعا النبي ﵇ فارتطمت فرسه إلى بطنها ثم دعا له فنجاه الله، وقصته مشهورة. فإن قيل: هذا الحديث ضعيف لأن فيه داود بن يزيد ولا يصلح الاستدلال به، قلت: قال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا جاوز الحد إذا روى عنه ثقة وأن كان ليس بقوي في الحديث، فإنه يكتب حديثه ويقبل. فهذا كما ترى قد روى عنه مكي بن إبراهيم وهو ثقة بالاتفاق فيقبل حديثه حينئذ. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): نا محمد بن عبد الله الحضرمي نا سعيد بن عمرو الأشعثي نا يونس بن بكير نا داود بن يزيد الأودي عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة عن سراقة بن مالك بن جعشم قال: "أهل رسول الله ﵇ بحجة وعمرة وسمعته يقول: دخلت العمرة في الحج إلى اليوم القيامة".

стр. 4577

قوله: "دخلت العمرة في الحج" معناه دخل وقت العمرة في وقت الحج؛ لأن سبب ذلك أنهم كانوا يعدون العمرة في وقت الحج من أفجر الفجور، ثم رخص لهم النبي ﵇، فقال: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" أي دخل وقت العمرة في وقت الحج -وهو أشهر الحج، وقد استدل الشافعي بهذا على أن القارن يطوف للعمرة والحج طوافًا واحدًا ويسعى سعيًا واحدًا لأن معناه عنده دخل إحرام العمرة في إحرام الحج، قلنا: معنى الحديث يحتمل ما ذكرناه ويحتمل ما ذكره فلا يكون حجة على دعواه مع الاحتمال. وروى عبد الرزاق (١): عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه: "أنه سئل عن قول رسول الله ﵇ دخلت العمرة في الحج، فقال هو الرجل يفرد الحج ويذبح، فقد دخلت له عمرة في الحج فوجبتا له جميعًا والله أعلم. واستدل به بعض أصحابنا على أن العمرة ليست فريضة؛ لأن معناه: دخل فرض العمرة في فرض الحج على معنى أن فرضها قد سقط بالحج ثم اعلم أن الطحاوي كما ترى قد أخرج في تفضيل القران وأن النبي ﵇ كان قارنًا أحاديث عن عشرة أنفس من الصحابة ﵃ وهم عمر بن الخطاب وعبد الله ابن عمر وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعمران بن حصين وأنس بن مالك -بعدة طرق- وأبو طلحة وسراقة بن مالك وعائشة وأم سلمة زوجا النبي ﵇. وفي الباب أيضًا عن أبي قتادة وجابر ومعاوية والهرماس بن زياد وأبي هريرة. أما حديث أبي قتادة فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا حفص، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعت عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه يقول: "إنما قرن رسول الله ﵇ لأنه أُخْبِرَ أنه ليس بحاج بعدها".

стр. 4578

وأخرجه الحاكم (١) وقال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه. وأما حديث جابر فأخرجه الترمذي (٢) محسنًا عنه: "أن رسول الله ﵇ قرن الحج والعمرة". قال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر بهذا الإِسناد. وأما حديث معاوية فأخرجه أبو داود (٣): من حديث أبي شيخ خيوان: "أن معاوية قال للصحابة: هل تعلمون أن النبي ﵇ نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ فقالوا: لا". وأما حديث الهرماس بن زياد فأخرجه الكجي في "سننه" (٤): ثنا سليمان بن داود، نا يحيى بن ضريس، عن عكرمة بن عمار، عن الهرماس بن زياد، قال: "سمعت النبي ﵇ على ناقته قال: لبيك حجة وعمرة معًا". وأما حديث أبي هريرة فأخرجه "مسلم" (٥) عنه عن النبي ﵇: "والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجًّا أو معتمرًا أو ليثنيهما". فهؤلاء خمسة عشر صحابيًّا رووا القران عن النبي ﵇. وقال الخطابي: جواز القران بين الحج والعمرة إجماع من الأئمة، ولا يجوز أن يتفقوا على جواز شيء نهي عنه، والله أعلم. ص: فقد اختلفوا عن النبي ﵇ في إحرامه في حجة الوداع ما كان؟ فقالوا: ما روينا وتنازعوا في ذلك على ما قد ذكرنا وقد أحاط علمنا أنه لم يكن إلا على أحد

стр. 4579

تلك المنازل الثلاثة إما متمتع وإما مفرد وإما قارن، فأولى بنا أن ننظر إلى معاني هذه الآثار ونكشفها لنعلم من أين جاء اختلافهم فيها ونقف من ذلك على إحرامه ﷺ ما كان؟ فاعتبرنا ذلك فوجدنا اللين يقولون: إنه أفرد يقولون: كان إحرامه بالحج مفردًا لم يكن من قبل ذلك إحرام بغيره، وقال آخرون: بل قد كان قبل إحرمه بتلك الحجة أحرم بعمرة ثم أضاف إليها هذه الحجة، هكذا يقول الذين قالوا: قرن، وقد أخبر جابر ﵁ في حديثه وهو أحد الذين قالوا: إن النبي ﵇ أن رسول الله ﵇ أحرم بالحجة حين استوت به ناقته على البيداء وقال ابن عمر ﵄: من عند المسجد وهو أيضًا ممن قال: إن رسول الله ﵇ أفرد الحج في أول إحرامه، وكان بدء إحرمه ﵇ عند ابن عمر وجابر بعد خروجه من المسجد، وقد ثبتنا عنه فيما تقدم من كتابنا هذا أنه قد كان أحرم في دبر الصلاة في المسجد فيحتمل أن يكون الذين قالوا: قرن سمعوا تلبيته في المسجد بالعمرة ثم سمعوا بعد ذلك تلبيته الأخرى خارجًا من المسجد بالحج خاصة فعلموا أنه قرن وسمعه الذين قالوا: إنه أفرد وقد لبى بالحج خاصة ولم يكونوا سمعوا تلبيته قبل ذلك بالعمرة فقالوا: أفرد وسمعه قوم أيضًا، وقد لبى في المسجد بالعمرة ولم يسمعوا تلبيته بعد خروجه منه بالحج، ثم رأوه بعد ذلك يفعل ما يفعل الحاج في الوقوف بعرفة وما أشبه ذلك وكان ذلك عندهم بعد خروجه من العمرة فقالوا: تمتع، فروى كل قوم ما علموا وقد دخل جميع ما علمه الذين قالوا أفرد وما علمه الذين قالوا: إنه تمتع فيما علم الذين قالوا: إنه قرن، لأنهم أخبروا عن تلبيته بالعمرة ثم بالحجة بعقب ذلك وصار ما ذهبوا إليه من ذلك وما رووا أولى مما ذهب إليه من خالفهم وما رووا ثم قد وجدنا بعد ذلك أفعال رسول الله ﵇ تدل على أنه قد كان قارنًا وذلك أنه ﵇ لا يختلف عنه أنه لما قدم مكة أمر أصحابه أن يحلوا إلَّا من كان ساق منهم هديَّا، وثبت هو على إحرامه فلم يحل منه إلَّا في وقت ما يحل الحاج من حجه وقال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة" هكذا حكاه عنه جابر بن عبد الله ﵁ وهو ممن يقول:

стр. 4580

إنه أفرد، وسنذكر ذلك وما روي فيه في باب فسخ الحج -إن شاء الله تعالى- فلو كان إحرمه ذلك كان بحجة لكان هديه الذي ساق تطوعًا فالهدي التطوع لا يمنع من الإِحلال الذي يحله الرجل إذا لم يكن معه هدي ولكان حكمه ﵇-وإن كان قد ساق هديًا- كحكم من لم يسق هديًا؛ لأنه لم يخرج على أن يتمتع فيكون ذلك الهدي للمتعة فيمنعه من الإِحلال الذي كان يحله لو لم يسق هديًا، ألَّا ترى أن رجلاً لو خرج يريد التمتع فأحرم بعمرة أنه إذا طاف وسعى وحلق حل منها ولو كان ساق هديًا لمتعته لم يحل حتى يوم النحر ولو كان ساق هديًا تطوعًا حل قبل يوم النحر بعد فراغه من العمرة فثبت بذلك أن هدي النبي ﵇ لما كان قد منعه من الإِحلال وأوجب ثبوته على الإِحرام إلى يوم النحر أن حكمه غير حكم هدي التطوع، فانتفى بذلك قول من قال: إنه كان مفردًا وقد ذكرنا فيما تقدم من هذا الباب عن حفصة ﵂ أنها قالت لرسول الله ﵇: ما شأن الناس، حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إني قد قلدت هديي ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أنحر فدل ذلك على ما ذكرنا، وعلى أن ذلك الهدي كان هديًا بسبب عمرة يراد بها قران أو متعة فنظرنا في ذلك فإذا حفصة قد دل حديثها هذا على أن ذلك القول من رسول الله ﵇ كان بمكة لأنه كان منه بعد ما حل الناس وقد يجوز أن يكون النبي ﵇ قد طاف قبل ذلك أو لم يطف فإن كان قد طاف قبل ذلك ثم أحرم بالحجة من بعد فإنما كان متمتعًا ولم يكن قارنًا؛ لأنه إنما أحرم بالحجة بعد فراغه من طواف العمرة وإن لم يكن طاف قبل ذلك حتى أحرم بالحجة فقد كان قارنًا؛ لأنه إنما أحرم بالحجة بعد فراغه من طواف العمرة وإن لم يكن طاف قبل ذلك حتى أحرم بالحجة فقد كان قارنًا؛ لأنه قد لزمته الحجة قبل طوافه للعمرة، فلما احتمل ذلك ما ذكرنا كان أولى الأشياء بنا أن نحمل هذه الآثار على ما فيه اتفاقها لا على ما فيه تضادها، وكان علي بن أبي طالب وابن عباس وعمران بن حصين وعائشة ﵃ قد روينا عنهم أن رسول الله ﵇ تمتع، ورينا عنهم أنه قرن وقد ثبت من قوله ما يدل على أنه قدم مكة ولم يكن أحرم بالحج قبل ذلك، فإن جعلنا إحرامه بالحجة قبل الطواف للعمرة ثبت

стр. 4581

الحديثان جميعًا، فكان رسول الله ﵇ قد كان متمتعًا إلى أن أحرم بالحجة فصار قارنًا، وإن جعلنا إحرامه بالحجة كان بعد طوافه للعمرة جعلناه متمتعًا ونفينا أن يكون قارنًا فجعلناه متمتعًا في حال، قارنًا في حال فثبت بذلك أن طوافه للعمرة كان بعد إحرامه بالحجة وثبت بذلك أن رسول الله ﵇ كان في حجة الوداع قارنًا. ش: أي فقد اختلف العلماء والفقهاء من أصحاب المذاهب عن النبي ﵇ في صفة إحرامه في حجة الوداع ما كان مفردًا أو متمتعًا أو قارنًا؟ فذكروا في ذلك ما روي في هذا الباب من الأحاديث وتنازعوا في ذلك ولا شك أنه كان على واحد من هذه الثلاثة، فالطريقة في معرفة ذلك النظر إلى معاني هذه الآثار والكشف التام حتى نعلم من أين جاء هذا الاختلاف، ثم يوقف على إحرامه ﵇ بأيهما كان، فالذين قالوا: إنه كان مفردًا يدعون أن إحرامه بالحج كان مفردًا لم يكن منه أحرام آخر قبل ذلك والذين قالوا: إنه كان قارنًا أو متمتعًا يدعون أنه كان قد أحرم بعمرة قبل إحرامه بالحج ومنشأ الاختلاف من وقت وجود إحرامه ﵇ وقد كان جابر أخبر في حديثه أنه أحرم حين استوت به ناقته على البيداء وابن عمر أخبر أنه أحرم من عند المسجد، والحال أن كلاًّ منهما ممن روى أنه أفرد، وجاء عن ابن عمر أنه أحرم في دبر الصلاة في المسجد، فالذين قالوا: إنه قرن يحتمل أن يكونوا سمعوا تلبية النبي ﵇ بالعمرة في المسجد ثم سمعوا بعده تلبيته بالحج خارج المسجد فحكموا بذلك أنه قرن والذين قالوا: إنه أفرد يحتمل أن يكونوا سمعوا تلبيته بالحج وحدها ولم يسمعوا تلبيته بالعمرة قبل ذلك فحكموا به أنه أفرد والذين قالوا: إنه تمتع يحتمل أن يكونوا سمعوا تلبيته بالعمرة في المسجد فقط ولم يسمعوا تلبيته بالحج بعد ذلك، ثم زاد النبي ﵇ بعد ذلك فعل ما يفعله الحاج الفرد من الوقوف بعرفة ومزدلفة ونحو ذلك وكان ذلك عندهم بعد أن علموا خروجه ﵇ من العمرة فحكموا بذلك أن تمتع فهذا هو أصل الاختلاف ومنشأه ثم حُكم من حكم بالقران أولى والأخذ به أحق وأفضل؛ لأن ما حكم به الفريقان الآخران داخل فيما حكم به من حكم بالقران؛ لأنهم أخبروا عن تلبيته بالعمرة ثم عن تلبيته بالحجة عقبها وهذا

стр. 4582

هو عين القران، ثم شد ذلك وقواه ما وجد من أفعاله ﵇ بعد ذلك الدالة على أنه قد كان قارنًا، وذلك لأنه لم يختلف أحد أنه لما دخل مكة أمر أصحابه بالإِحلال إلَّا من كان سائق الهدي وثبت هو ﵇ على إحرامه ولم يحل إلَّا يوم النحر، فلو كان إحرامه هذا بحجة فقط لكان هديه الذي ساقه تطوعًا والهدي التطوع لا يمنع من الإِحلال فلما لم يمنعه وأوجب استمراره على إحرامه إلى يوم النحر، علمنا أنه لم يكن مفردًا، فانتفى بذلك قول من ادعى أنه كان مفردًا وبقي الكلام بين كونه متمتعًا أو قارنًا فإن كان إحرامه بالحجة بعد طوافه للعمرة كان بذلك متمتعًا وإن كان قبل ذلك كان قارنًا فصار متمتعًا في حال وقارنًا في حال ولكن حديث حفصة ﵂ قد دل على أن طوافه للعمرة كان بعد إحرامه بالحجة فتعين بذلك أن يكون قارنًا في حجة الوداع. والله أعلم. ص: فقال قائل ممن كره القران والتمتع لمن استحبهما: اعتللتم علينا بقول الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) في إباحة المتعة وليس ذلك كذلك، وإنما تأويل هذه الآية: ما رُوي عن عبد الله بن الزبير ﵁[فذكر ما] (٢) حدثنا محمد بن الحجاج ونصر بن مرزوق قالا: ثنا الخصيب بن ناصح قال: ثنا وهيب بن خالد عن إسحاق بن سويد قال: "سمعت عبد الله بن الزبير وهو يخطب يقول: يا أيها الناس ألا إنه والله ما التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون ولكن التمتع بالعمرة إلى الحج: أن يخرج الرجل حاجًّا فيحبسه عدو أو مرض أو أمر يعذر به حتى تذهب أيام الحج، فيأتي البيت فيطوف به سبعًا ويسعى بين الصفا والمروة ويتمتع بحله إلى العام المقبل فيحج ويهدر". حدثنا ابن خزيمة قال: ثنا حجاج قال: ثنا حماد قال: ثنا إسحاق بن سويد ... فذكره نحوه. قالوا: فهذا تأويل هذه الآية.

стр. 4583

قيل لهم: لئن وجب بأن يكون تأويلها كذلك لقول ابن الزبير، فإن تأويلها أحرى ألَّا يكون كذلك كما رويناه عن رسول الله ﵇ وعن أصحابه من بعده مثل عمر وعلي ومن ذكرنا معهم فيما تقدم من هذا الباب. وقد حدثنا يونس قال: ثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم -أو مالك بن الحارث- عن أبي نصر قال: "أهللت بالحج فأدركت عليًّا ﵁ فقلت: إني أهللت بالحج أفأستطيع أن أضم إليه عمرة؟ فقال: لا، لو كنت أهللت بالعمرة ثم أردت أن تضيف إليها الحج فعلت". حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا حجاج قال: ثنا أبو عوانة عن يزيد بن أبي زياد عن علي بن حسين عن مروان بن الحكم، قال: "كنا مع عثمان بن عفان ﵁ فسمعنا رجلاً يهتف بالحج والعمرة فقال عثمان: من هذا؟ قالوا: عليّ، فسكت". حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا الخصيب قال: ثنا همام عن قتادة عن جري بن كليب وعبد الله بن شقيق: "أن عثمان ﵁ خطب، فنهى عن المتعة فقام علي ﵁ فلبى بهما، فأنكر عثمان ذلك، فقال علي: إن أفضلنا في هذا الأمر أشدنا اتباعًا له". حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا حجاج قال: ثنا هشيم قال: ثنا أبو بشر عن سليمان اليشكري عن جابر بن عبد الله قال: "لو أهللت بالحج والعمرة طفت لهما طوافًا واحدًا ولكنت مُهْدِيًّا". قال أبو جعفر ﵀: فهذا من ذكرنا من أصحاب رسول الله ﵇ قد صرف تأويل قول الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) إلى خلاف ما صرفه إليه عبد الله بن الزبير، وهو أصح التأويلين عندنا والله أعلم، لأن في الآية ما يدل على فساد تأويل ابن الزبير؛ لأن الله قال ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (١) والصيام في الحج لا يكون بعد فوت الحج ولكنه قبل فوته ثم قال: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ

стр. 4584

عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) فكأن الله إنما جعل المتعة وأوجب فيها ما أوجب على من فعلها إذا لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام وقد أجمعت الأمة أن من كان أهله حاضري المسجد الحرام أو غير حاضري المسجد الحرام ففاته الحج أن حكمه في ذلك وحكم غيره سواء وأن حاله بحضور أهله المسجد الحرام لا يخالف حاله ببعدهم عن المسجد الحرام فثبت بذلك أن المتعة التي ذكرها الله في هذه الآية هي التي يفترق فيها من كان أهله بحضرة المسجد الحرام ومن كان أهله بغير حضرة المسجد الحرام، وذلك في التمتع بالعمرة إلى الحج التي كرهها مخالفنا. ش: لما كان قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) من جملة الحجج التي [احتج] (٢) بها من استحب القران والتمتع على من كرههما واستحب الإِفراد ومن جملة ما اعتلوا به عليهم في إباحة المتعة قامت طائفة منهم واعترضوا، فقالوا: استدلالكم بالآية المذكورة واحتجاجكم بها علينا فيما تدعون به غير صحيح؛ لأن تأويل الآية غير ما ذهبتم إليه وإنما تأويله ما بينه عبد الله بن الزبير ﵄ في خطبته، وهو الذي أخرجه في طريقين: الأول: عن محمد بن الحجاج ونصر بن مرزوق، كلاهما عن الخصيب -بفتح الخاء المعجمة- بن ناصح الحارثي عن وهيب بن خالد البصري روى له الجماعة عن إسحاق بن سويد بن هبيرة البصري ثقة روى له الشيخان عن عبد الله بن الزبير. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا معتمر بن سليمان، عن إسحاق بن سويد، قال: سمعت ابن الزبير، قال: "إنما التمتع بالعمرة إلى الحج: أن يهل الرجل بالحج فيحصره إما مرض أو عدو أو أمر يحبسه".

стр. 4585

الثاني: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن إسحاق بن سويد ... إلى آخره. وأخرجه أبو عمر في "التمهيد" (١) نحوه. قوله: "قالوا" أي الذين كرهوا التمتع والقران وقد ذكرنا أن التمتع على أربعة أنواع. أحدها: التمتع المعروف وهو الذي قاله ابن عمر: أن يعتمر في أشهر الحج قبل الحج ثم يقيم بمكة حتى يدركه الحج ويحج من عامه، ولا خلاف أن هذا التمتع هو المراد بقوله تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (٢). والثاني: القران عند جماعة من العلماء؛ لأن القارن متمتع بسقوط سفره الثاني، فالقران والتمتع يتفقان في هذا المعنى، ويتفقان عند أكثر العلماء في الهدي والصيام لمن لم يجد. والثالث: فسخ الحج في العمرة، وجمهور العلماء يكرهونه. والرابع: ما قاله ابن الزبير. قوله: "قيل لهم" إلى آخره جواب عما قاله أولئك القوم، بيانه أن يقال: إن عبد الله بن الزبير أول تأويلًا في الآية يخالفه ما أوله غيره من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب ﵁ وأخرج عنه في ذلك من ثلاث طرق: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي -أو مالك بن الحارث السلمي الرقي- وهؤلاء كلهم رجال الصحيح، عن أبي نصر بنون مفتوحة وصاد مهملة ساكنة، وقال ابن ماكولا بضاد معجمة وهو أبو نضر السلمي، قال الدارقطني والبيهقي أبو نصر هذا مجهول.

стр. 4586

قوله: "أفأستطيع" الهمزة فيه للاستفهام. قوله: "لو كنت أهللت بالعمرة" إلى آخره وهذا يدل على أن عليًّا ﵁، لا يرى إضافة العمرة إلى الحج، وهذا الباب فيه اختلاف بين العلماء، فقال أبو عمر: العلماء مجمعون على أنه إذا دخل الحج على العمرة في أشهر الحج قبل الطواف بالبيت أنه جائز له ذلك ويكون قارنًا بذلك، ويلزمه ما يلزم الذي أنشأ العمرة والحج معًا. وقالت طائفة من أصحاب مالك: له أن يدخل الحج على العمرة وإن كان قد طاف ما لم يركع ركعتي الطواف، وقال بعضهم: له ذلك بعد الطواف ما لم يكمل السعي بين الصفا والمروة، وهذا كله شذوذ عند أهل العلم، وقال أشهب: متى طاف لعمرته ولو شوطًا واحدًا لم يكن له إدخال الحج عليها، وهذا هو الصواب إن شاء الله فإن فعل وأدخل الحج على العمرة بعد ذلك فقد اختلفوا فيما يلزم في ذلك، فقال مالك: من أدخل الحج على العمرة بعد أن يفتتح الطواف لزمه ذلك وصار قارنًا، وروي مثل ذلك عن أبي حنيفة، والمشهور عنه أنه لا يجوز إلَّا قبل الأخذ في الطواف. وقال الشافعي لا يكون قارنًا، وذكر أن ذلك قول عطاء وبه قال أبو ثور وغيره. واختلفوا في إدخال العمرة على الحج، فقال مالك: يضاف الحج إلى العمرة ولا تضاف العمرة إلى الحج، فإن أهلَّ أحد بالحج ثم أضاف العمرة إلى الحج فليست العمرة بشيء، ولا يلزمه شيء، وهو أحد قولي الشافعي وهو المشهور عنه بمصر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: من أهلَّ بحجة ثم أضاف إلى الحج عمرة، فهو قارن، ويكون عليه ما على القارن، قالوا: ولو طاف لحجته شوطًا واحدًا ثم أهل بعمرة لم يكن قارنًا ولم يلزمه، لأنه قد عمل في الحج. وقال الأوزاعي: لا بأس أن يضيف العمرة إلى الحج بعد ما يهل بالحج. وقال أبو ثور: إذا أحرم بحجة فليس له أن يضيف إليها عمرة ولا يُدخل إحرامًا على إحرام كما لا يُدخل صلاة على صلاة.

стр. 4587

قال أبو عمر: هذا قول شاذ، وفعل ابن عمر في خبر إدخاله الحج على العمرة، ومعه على ذلك جمهور العلماء خير من قول أبي ثور الذي لا أصل له إلَّا القياس الفاسد في هذا الموضع. وفي هذا الباب: اختلافهم فيمن أهل بحجتين أو بعمرتين أو أدخل حجة على حجة أو عمرة على عمرة، فقال مالك: الإِحرام بحجتين أو عمرتين لا يجوز ولا يلزمه إلَّا واحدة، وبذلك قال الشافعي ومحمد بن الحسن. قال الشافعي: وكذلك لو أحرم بحج ثم أدخل عليه حجًّا آخر قبل أن يكمل فهو مهل بحج واحد ولا شيء عليه في الثاني من فدية ولا قضاء ولا غيره، وقال أبو حنيفة: تلزمه الحجتان ويصير رافضًا لإِحداهما حين يتوجه إلى مكة، وقال أبو يوسف: تلزمه الحجتان ويصير رافضًا ساعتئذٍ. وذكر الجوزجاني عن محمد قال: قال أبو حنيفة وأبو يوسف: من أهل بحجتين معًا أو أكثر فإن توجه إلى مكة وأخذ في العمل، فهو رافض لها كلها إلَّا واحدة، وعليه لكل حجة رفضها دم وحجة وعمرة. الطريق الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن أبي عوانة الوضاح الشكري، عن يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي الكوفي فيه مقال فعن يحيى: لا يحتج بحديثه، وعنه: ليس بالقوي، وعنه: ضعيف الحديث، وقال العجلي: جائز الحديث، وقال أبو زرعة: لين يكتب حديثه ولا يحتج به، روى له مسلم مقرونًا بغيره، واحتج به الأربعة. عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين روى له الجماعة، عن مروان بن الحكم ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (١): ثنا محمد بن بشار، نا غندر، نا شعبة، عن الحكم، عن علي بن الحسين، عن مروان بن الحكم: "شهدت عثمان وعليًّا ﵄ وعثمان ينهى

стр. 4588

عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأى عليٌّ ذلك؛ أهل بهما: لبيك بعمرة وحجة، قال: ما كنت لأدع سنة رسول الله ﵇ لقول أحد". قوله: "يهتف بالحج والعمرة" أي يرفع صوته ملبيًا بهما. الثالث: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن جري بن كليب -بالتصغير فيهما- السدوسي البصري، قال أبو حاتم: شيخ لا يحتج بحديثه، روى له الأربعة حديثا واحدًا، عن عليّ في الأضحية، عن شقيق بن عبد الله بن شقيق العقيلي البصري روى له الجماعة، البخاري في الأدب، كلاهما عن عثمان ﵁. ومئهم: جابر بن عبد الله، أخرج حديثه عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن هشيم بن بشير، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن سليمان ابن قيس اليشكري البصري، وهذا إسناد صحيح. قوله: "وهو أصح التأويلين عندنا" أبي الذي أوله من ذكره من الصحابة هو أصح التأويلين، وقد بين وجه ذلك بقوله: "لأنه في الآية ما يدل على فساد ... " إلى آخره وهو ظاهر. ثم اعلم أن العلماء اختلفوا في حاضري المسجد الحرام من هم؟ فذهب طاوس ومجاهدًا إلى أنهم أهل الحرم، وبه قال داود، وقالت طائفة: أهل مكة بعينها، روي ذلك عن نافع وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وهو قول مالك، قال: هم أهل مكة وذي طوى وشبهها، وأما أهل منى وعرفة والمناهل مثل قديد ومر الظهران وعسفان فعليهم دم، وذهب أبو حنيفة إلى أنهم أهل المواقيت فمن دونهم إلى مكة، وهو قول عطاء ومكحول، وهو قول الشافعي بالعراق، وقال الشافعي أيضًا وأحمد: من كان من الحرم على مسافة لا تقصر في مثلها الصلاة فهو من حاضري المسجد الحرام، واختلفوا أيضًا في التمتع لأهل مكة، فقال الشافعي ومالك وأحمد وداود: إن المكي لا يكره له التمتع ولا القران، وإن تمتع لم يلزمه دم، وقال أبو حنيفة: يكره له التمتع

стр. 4589

والقران، وإن تمتع أو قرن فعليه دم جبرًا، وهما في حق الأفاقي مستحبان ويلزمه الدم شكرًا، وقال أبو عمر والحسن وطاوس: ليس لأهل مكة متعة، ذكره ابن المنذر، والله أعلم. ص: وقد روى ابن عباس في ذلك عن النبي ﵇ ما قد حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا المعلى بن أسد، قال: ثنا وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: "كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج أفجر الفجور، وكانوا يسمون المحرم صفرا، ويقولون: إذا برأ الدبر وعفى الأثر، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقدم رسول الله ﵇ وأصحابه صبيحة رابعة وهم ملبون بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، قالوا: يا رسول الله، أي حل نحل؟ قال: الحل كله". فهذا ابن عباس ﵄ قد أخبر أن رسول الله ﵇ إنما فسخ الحج إلى العمرة، ليُعَلِّمَ الناس خلاف ما كانوا يكرهون في الجاهلية، وليعلموا أن العمرة في أشهر الحج مباحة كهي في غير أشهر الحج. ش: أي قد رُوي عن عبد الله بن عباس في إباحة التمتع بالعمرة إلى الحج الذي كرهه مخالفنا فإن ابن عباس ﵄ أخبر في حديثه أن رسول الله ﵇ فسخ الحج إلى العمرة ليعلم الناس خلاف ما كانوا يكرهونه في الجاهلية، وفي هذا الباب خلاف قد ذكرناه. وفيه أيضًا إباحة العمرة في أشهر الحج كما هي في غيرها، وهو معنى قوله: "كهي في غير أشهر الحج" أي كالعمرة في غير أشهر الحج، أي كما أنها مباحة في غير أشهر الحج، وإسناد الحديث صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن خزيمة. وأخرجه البخاري (١): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب، نا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا، ويقولون: برأ الدبر، وعفى الأثر، وانسلخ

стр. 4590

صفر؛ حلت العمرة لمن اعتمر، قدم النبي ﵇ وأصحابه صبيحة رابعة مُهلِّين بالحج، وأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله، أي الحل؟ قال: الحل كله". وأخرجه مسلم (١) أيضًا: حدثني محمد بن حاتم، قال: ثنا بهز، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض .. " إلي آخره نحو رواية البخاري. وأخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣) أيضًا. قوله: "كانوا" يعني الجاهلية، وذلك من تحكماتهم المبتدعة. قوله: "أفجر الفجور" أي أعظم الذنوب، وفي رواية مسلم: "من الفجور" (٤) وهو من فَجَرَ يَفْجُر فُجورًا، من باب نَصَر: ينصُرُ، والفاجر المنبعث في المعاصي والمحارم. قوله: "وكانوا يسمون المحرم صفرًا" إخبار عن النسيء الذي كانوا يفعلونه كانوا يسمون المحرم صفرًا ويحلونه وينسئون المحرّم أي يؤخرون تحريمه إلى ما بعد صفر لئلا تتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرّمة فتضيق عليهم أمورهم في الإِغارة وغيرها فضللهم الله بذلك، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٥) الآية. وقال القرطبي: يُحِلُّون من الأشهر الحرم ما احتاجوا إليه، ويحرمون مكان ذلك غيره.
следующие страницы →