قوله: "أفأستطيع" الهمزة فيه للاستفهام.
قوله: "لو كنت أهللت بالعمرة" إلى آخره وهذا يدل على أن عليًّا ﵁، لا يرى إضافة العمرة إلى الحج، وهذا الباب فيه اختلاف بين العلماء، فقال أبو عمر: العلماء مجمعون على أنه إذا دخل الحج على العمرة في أشهر الحج قبل الطواف بالبيت أنه جائز له ذلك ويكون قارنًا بذلك، ويلزمه ما يلزم الذي أنشأ العمرة والحج معًا.
وقالت طائفة من أصحاب مالك: له أن يدخل الحج على العمرة وإن كان قد طاف ما لم يركع ركعتي الطواف، وقال بعضهم: له ذلك بعد الطواف ما لم يكمل السعي بين الصفا والمروة، وهذا كله شذوذ عند أهل العلم، وقال أشهب: متى طاف لعمرته ولو شوطًا واحدًا لم يكن له إدخال الحج عليها، وهذا هو الصواب إن شاء الله فإن فعل وأدخل الحج على العمرة بعد ذلك فقد اختلفوا فيما يلزم في ذلك، فقال مالك: من أدخل الحج على العمرة بعد أن يفتتح الطواف لزمه ذلك وصار قارنًا، وروي مثل ذلك عن أبي حنيفة، والمشهور عنه أنه لا يجوز إلَّا قبل الأخذ في الطواف.
وقال الشافعي لا يكون قارنًا، وذكر أن ذلك قول عطاء وبه قال أبو ثور وغيره.
واختلفوا في إدخال العمرة على الحج، فقال مالك: يضاف الحج إلى العمرة ولا تضاف العمرة إلى الحج، فإن أهلَّ أحد بالحج ثم أضاف العمرة إلى الحج فليست العمرة بشيء، ولا يلزمه شيء، وهو أحد قولي الشافعي وهو المشهور عنه بمصر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: من أهلَّ بحجة ثم أضاف إلى الحج عمرة، فهو قارن، ويكون عليه ما على القارن، قالوا: ولو طاف لحجته شوطًا واحدًا ثم أهل بعمرة لم يكن قارنًا ولم يلزمه، لأنه قد عمل في الحج.
وقال الأوزاعي: لا بأس أن يضيف العمرة إلى الحج بعد ما يهل بالحج.
وقال أبو ثور: إذا أحرم بحجة فليس له أن يضيف إليها عمرة ولا يُدخل إحرامًا على إحرام كما لا يُدخل صلاة على صلاة.
стр. 4587
قال أبو عمر: هذا قول شاذ، وفعل ابن عمر في خبر إدخاله الحج على العمرة، ومعه على ذلك جمهور العلماء خير من قول أبي ثور الذي لا أصل له إلَّا القياس الفاسد في هذا الموضع.
وفي هذا الباب: اختلافهم فيمن أهل بحجتين أو بعمرتين أو أدخل حجة على حجة أو عمرة على عمرة، فقال مالك: الإِحرام بحجتين أو عمرتين لا يجوز ولا يلزمه إلَّا واحدة، وبذلك قال الشافعي ومحمد بن الحسن.
قال الشافعي: وكذلك لو أحرم بحج ثم أدخل عليه حجًّا آخر قبل أن يكمل فهو مهل بحج واحد ولا شيء عليه في الثاني من فدية ولا قضاء ولا غيره، وقال أبو حنيفة: تلزمه الحجتان ويصير رافضًا لإِحداهما حين يتوجه إلى مكة، وقال أبو يوسف: تلزمه الحجتان ويصير رافضًا ساعتئذٍ.
وذكر الجوزجاني عن محمد قال: قال أبو حنيفة وأبو يوسف: من أهل بحجتين معًا أو أكثر فإن توجه إلى مكة وأخذ في العمل، فهو رافض لها كلها إلَّا واحدة، وعليه لكل حجة رفضها دم وحجة وعمرة.
الطريق الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن أبي عوانة الوضاح الشكري، عن يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي الكوفي فيه مقال فعن يحيى: لا يحتج بحديثه، وعنه: ليس بالقوي، وعنه: ضعيف الحديث، وقال العجلي: جائز الحديث، وقال أبو زرعة: لين يكتب حديثه ولا يحتج به، روى له مسلم مقرونًا بغيره، واحتج به الأربعة.
عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين روى له الجماعة، عن مروان بن الحكم ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (١): ثنا محمد بن بشار، نا غندر، نا شعبة، عن الحكم، عن علي بن الحسين، عن مروان بن الحكم: "شهدت عثمان وعليًّا ﵄ وعثمان ينهى
стр. 4588
عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأى عليٌّ ذلك؛ أهل بهما: لبيك بعمرة وحجة، قال: ما كنت لأدع سنة رسول الله ﵇ لقول أحد".
قوله: "يهتف بالحج والعمرة" أي يرفع صوته ملبيًا بهما.
الثالث: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن جري بن كليب -بالتصغير فيهما- السدوسي البصري، قال أبو حاتم: شيخ لا يحتج بحديثه، روى له الأربعة حديثا واحدًا، عن عليّ في الأضحية، عن شقيق بن عبد الله بن شقيق العقيلي البصري روى له الجماعة، البخاري في الأدب، كلاهما عن عثمان ﵁.
ومئهم: جابر بن عبد الله، أخرج حديثه عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن هشيم بن بشير، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن سليمان ابن قيس اليشكري البصري، وهذا إسناد صحيح.
قوله: "وهو أصح التأويلين عندنا" أبي الذي أوله من ذكره من الصحابة هو أصح التأويلين، وقد بين وجه ذلك بقوله: "لأنه في الآية ما يدل على فساد ... " إلى آخره وهو ظاهر.
ثم اعلم أن العلماء اختلفوا في حاضري المسجد الحرام من هم؟ فذهب طاوس ومجاهدًا إلى أنهم أهل الحرم، وبه قال داود، وقالت طائفة: أهل مكة بعينها، روي ذلك عن نافع وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وهو قول مالك، قال: هم أهل مكة وذي طوى وشبهها، وأما أهل منى وعرفة والمناهل مثل قديد ومر الظهران وعسفان فعليهم دم، وذهب أبو حنيفة إلى أنهم أهل المواقيت فمن دونهم إلى مكة، وهو قول عطاء ومكحول، وهو قول الشافعي بالعراق، وقال الشافعي أيضًا وأحمد: من كان من الحرم على مسافة لا تقصر في مثلها الصلاة فهو من حاضري المسجد الحرام، واختلفوا أيضًا في التمتع لأهل مكة، فقال الشافعي ومالك وأحمد وداود: إن المكي لا يكره له التمتع ولا القران، وإن تمتع لم يلزمه دم، وقال أبو حنيفة: يكره له التمتع
стр. 4589
والقران، وإن تمتع أو قرن فعليه دم جبرًا، وهما في حق الأفاقي مستحبان ويلزمه الدم شكرًا، وقال أبو عمر والحسن وطاوس: ليس لأهل مكة متعة، ذكره ابن المنذر، والله أعلم.
ص: وقد روى ابن عباس في ذلك عن النبي ﵇ ما قد حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا المعلى بن أسد، قال: ثنا وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: "كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج أفجر الفجور، وكانوا يسمون المحرم صفرا، ويقولون: إذا برأ الدبر وعفى الأثر، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر فقدم رسول الله ﵇ وأصحابه صبيحة رابعة وهم ملبون بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، قالوا: يا رسول الله، أي حل نحل؟ قال: الحل كله".
فهذا ابن عباس ﵄ قد أخبر أن رسول الله ﵇ إنما فسخ الحج إلى العمرة، ليُعَلِّمَ الناس خلاف ما كانوا يكرهون في الجاهلية، وليعلموا أن العمرة في أشهر الحج مباحة كهي في غير أشهر الحج.
ش: أي قد رُوي عن عبد الله بن عباس في إباحة التمتع بالعمرة إلى الحج الذي كرهه مخالفنا فإن ابن عباس ﵄ أخبر في حديثه أن رسول الله ﵇ فسخ الحج إلى العمرة ليعلم الناس خلاف ما كانوا يكرهونه في الجاهلية، وفي هذا الباب خلاف قد ذكرناه.
وفيه أيضًا إباحة العمرة في أشهر الحج كما هي في غيرها، وهو معنى قوله: "كهي في غير أشهر الحج" أي كالعمرة في غير أشهر الحج، أي كما أنها مباحة في غير أشهر الحج، وإسناد الحديث صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن خزيمة.
وأخرجه البخاري (١): ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب، نا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا، ويقولون: برأ الدبر، وعفى الأثر، وانسلخ
стр. 4590
صفر؛ حلت العمرة لمن اعتمر، قدم النبي ﵇ وأصحابه صبيحة رابعة مُهلِّين بالحج، وأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله، أي الحل؟ قال: الحل كله".
وأخرجه مسلم (١) أيضًا: حدثني محمد بن حاتم، قال: ثنا بهز، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض .. " إلي آخره نحو رواية البخاري.
وأخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣) أيضًا.
قوله: "كانوا" يعني الجاهلية، وذلك من تحكماتهم المبتدعة.
قوله: "أفجر الفجور" أي أعظم الذنوب، وفي رواية مسلم: "من الفجور" (٤) وهو من فَجَرَ يَفْجُر فُجورًا، من باب نَصَر: ينصُرُ، والفاجر المنبعث في المعاصي والمحارم.
قوله: "وكانوا يسمون المحرم صفرًا" إخبار عن النسيء الذي كانوا يفعلونه كانوا يسمون المحرم صفرًا ويحلونه وينسئون المحرّم أي يؤخرون تحريمه إلى ما بعد صفر لئلا تتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرّمة فتضيق عليهم أمورهم في الإِغارة وغيرها فضللهم الله بذلك، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٥) الآية.
وقال القرطبي: يُحِلُّون من الأشهر الحرم ما احتاجوا إليه، ويحرمون مكان ذلك غيره.
стр. 4591
ثم اعلم أن قوله: "صفرا" قد وقع في رواية الطحاوي بلا ألف وكذا وقع في صحيح مسلم، ووقع في رواية البخاري "صفرًا" بالألف قيل هو الصحيح، وهو مصروف بلا خلاف.
قلت: وذكر في "المحكم": كان أبو عُبيدة لا يصرفه، فقيل له: لم لا تصرفه فإن النحويين قد أجمعوا على صرفه؟ وقالوا: لا يمنع الحرف من الصرف إلَّا علتان، فأَخَبَرْنَا بالعلتين فيه. فقال: نعم، العلتان: المعرفة والساعة، قال أبو عمر المطرزي: يرى أن الأزمنة كلها ساعات، والساعات مؤنثة.
وهذا الشهر الذي بعد المحرم، سمي صفرًا لأنهم كانوا يمتارون الطعام فيه من المواضع، قاله في "المحكم".
وقيل: سمي بذلك لإِصفار مكة من أهلها إذا سافروا، ورُوي عن رؤبة أنه قال: سموا الشهر صفرًا؛ لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل، فيتركون من لقوا صِفْرًا من المتاع، وذلك أن صفرًا بعد المحرم فقالوا صَفِرَ الناس.
فإذا جمعوه مع المحرم قالوا: صفران، والجمع: أصفار.
وقال القزاز: ربما سموا الشهر صفرًا لأنهم كانوا يخلون البيوت فيه لخروجهم إلى بلاد يقال لها الصفرية.
وقيل: لأنهم كانوا يخرجون إلى الغارة فتبقى بيوتهم صفرًا، وفي العلم الشهور لا في الخطاب: العرب تقول: صفر وصفران. وصفارين وصفارير وأصفار. قال: وقيل أن العرب كانوا يجعلون في كل أربع سنين شهرًا يسمونه صفر الثاني، فتكون السنة ثلاثة عشر شهرًا؛ كي يستقيم لهم الأزمان على موافقة أسمائها مع الشهور، ولذلك قال ﷺ : "السنة اثني عشر شهرًا" وكانوا يتطيرون به ويقولون: إن الأمور فيه متعلقة والآفات واقعة.
قوله "إذا برأ الدَّبر": الدَّبر بفتح الدال المهملة والباء الموحدة بعدها راء: يعني الجرح الذي يكون في ظهر الدابة، قال ابن سيدة: والجمع دَبُر وأدبار
стр. 4592
ودُبِرَ دَبِرًا فهو دَبِر ودَابر والأتن دَبِرَةٌ ودَبْراء، وإبل دَبْراء وقد أَدْبَرَهَا الحمل، يريدون: أن الإِبل كانت تدبر بالسير عليها إلى الحج، قلت: بابه من باب عَلِمَ يَعْلَمُ، قال عياض هو أن تقرح خف البعير.
قوله: "وعفى الأثر" أي درس أثر الحاج في الطريق وانمحى بعد رجوعهم بوقوع الأمطار وغيرها بطول مرور الأيام، قال الخطابي: وعفى الأثر أي أثر الدبر المذكور، وفي رواية لأبي داود (١): "وعفى الوبر" يعني أثر وبر الإِبل الذي حلقه رحال الحاج، وعفى من الأضداد ويكون معناه بمعنى كثر قال: تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ (٢): أي كثروا، وقال الخطابي في عفى الدبر: أي طَرَّ وكثر.
قوله: "صبيحة رابعة" أي ليلة رابعة.
قوله: "وهم ملبون بالحج" جملة حالية، وفيه دليل على أنهم كانوا مفردين بالحج، ومن فوائد هذا الحديث: استحباب الدخول في مكة نهارًا وكان ابن عمر يستحب دخولها نهارًا لذلك، وإليه ذهب عطاء والنخعي وابن راهويه وابن مندة والشافعي في أصح الوجهين.
وفي الوجه الآخر: دخولها ليلاً ونهارًا سواء، لا أفضلية لأحدهما على الآخر، وهو قول طاوس والثوري.
وعن عائشة ﵂: دخولها ليلاً أفضل من النهار، وإليه ذهب سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز.
ص: فإن قال قائل: فقد ثبت بهذا عن ابن عباس: أن إحرام رسول الله ﵇ إنما كان بحجة مفردة، فقد خالف هذا ما رويتم عنه من تمتع رسول الله ﵇ وقرانه.
قيل له: ما في هذا خلاف لذلك؛ لأنه قد يجوز أن يكون إحرامه أولاً كان بحجة حتى قدم مكة ففسخ ذلك بعمرة، ثم فلم تتضاد على أنها عمرة وقد عزم أن يحرم
стр. 4593
بعدها بحجة فكان في ذلك متمتعًا، ثم لم يطف للعمرة حتى أحرم بالحجة فصار بذلك قارنًا، فهذه وجوه أحاديث ابن عباس قد صحت والتأمت على القران الذي كان قبله التمتع والإِفراد فلم تتضاد إلَّا أن في قوله: "لولا أني سقت الهدي لحللت كما حل أصحابي" دليلًا على أن سياقة الهدي قد كانت في وقت أحرم فيه بعمرة يريد بها التمتع إلى الحجة؛ لأنه لو لم يكن فعل ذلك لكان هديه تطوعًا، والتطوع في الهدي غير مانع من الإِحلال الذي يكون لو لم يكن الهدي، فدل ذلك على أن إحرام رسول الله ﵇ كان أولاً بعمرة، ثم أتبعها حجة على السبيل الذي ذكرنا فيما تقدم من هذا الباب.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن حديث ابن عباس هذا يدل على أن النبي ﵇ كان محرمًا مفردًا بالحج، وحديثه الآخر الذي مضى ذكره في هذا الباب يدل على أنه كان متمتعًا، وهو ما رواه ليث عن طاوس عنه قال: "تمتع رسول الله ﵇ ... " الحديث.
وحديثه الآخر الذي مضى أيضًا في هذا الباب يدل على أنه كان قارنًا، وهو ما رواه عكرمة عنه عن عمر قال: "سمعت النبي ﵇ وهو بالعقيق يقول: أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة" فهذه الآثار كما ترى متضادة يخالف بعضها بعضًا، وتقرير الجواب أن يقال: لا نسلم ذلك؛ لأن حالات الحاج ثلاث وهي: الإِفراد والتمتع والقران، وكان النبي ﵇ متلبسًا بهذه الحالات كلها لأنه كان أولاً محرمًا بحجة فكان على ذلك حتى قدم مكة ففسخ ذلك بعمرة، ثم أقام على أنها عمرة وقد نوى أن يحرم بعدها بحجة، فكان في ذلك متمتعًا، ثم قبل أن يطوف للعمرة أحرم بالحجة فصار بذلك قارنًا، فصارت أحاديث ابن عباس صُرِفَ كل واحد منها إلى حالة من تلك الحالات التي تناسب ذلك، وكذلك الجواب في رواية كل من اضطربت الروايات عنه في صفه حج النبي ﵇ فبذلك يرتفع التضاد، والله أعلم.
стр. 4594
قوله: "إلَّا" أي في قوله "لولا أني سقت الهدي" استثناء من قوله: "قد يجوز أن يكون إحرامه أولا بحجة" بيانه أنه لو كان إحرامه بحجة لكان هديه الذي ساقه تطوعًا، فالهدي التطوع لا يمنع من الإِحلال الذي يحله الرجل، فقوله: "لولا أني سقت الهدي .. " إلى آخره. دليل على أن سوقه الهدي كان حين اعتمر بعمرة يريد بها التمتع إلى الحج، فلذلك لم يحل حين حل أصحابه، فثبت بذلك أن هديه لما كان منعه من الإِحلال وأوجب ثبوته على الإِحرام، إلى يوم النحر كان غير هدي التطوع، وأن إحرامه كان أولاً بعمرة ثم اتبعها حجة، فكان بذلك متمتعًا، ثم أحرم بحجة مفردة فصار بذلك قارنًا لها إلى عمرته المتقدمة كما ذكره هكذا فيما مضى عند حديث عائشة وعمران بن حصين ﵄.
ص: ولما ثبت بما وصفنا إباحة العمرة في أشهر الحج، أردنا أن ننظر هل الهدي الواجب في القران لنقصان دخل العمرة أو الحجة إذا قرنتا أم لا؟ فرأينا ذلك الهدي يؤكل منه، وكذلك رسول الله ﵇ فعله.
حدثنا محمد بن خزيمة وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: حدثني ابن الهاد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله في الحديث الطويل قال: "وكان علي ﵁ قدم من اليمن يهدي رسول الله ﵇ وكان جماعة الهدي الذي قدم به رسول الله ﵇ وعلي من اليمن مائة بدنة فنحر رسول الله ﵇ منها ثلاثاً وستين بيده ونحر علي ﵁ سبعًا وثلاثين، فأشرك عليًّا في هديه، ثم أخذ من كل بدنة بضعة فجعلت في قدر وطبخت، فأكل رسول الله ﵇ وعلي ﵁ من لحمها، وشربا من مرقها، فلما كان رسول الله ﵇ قد ثبت عنه بما قد ذكرنا قبل هذا الفصل أنه قرن، وأنه كان عليه لذلك هدي، ثم أهدي هذه البدن التي ذكرنا، فكل من كل بدنة ما وصفنا، ثبت بذلك إباحة الأكل من هدي المتعة والقران، فلما كان ذلك الهدي مما يؤكل منه، اعتبرنا حكم الدماء الواجبة للنقصان هل هي كذلك أم لا، فرأينا الدم الواجب في قص الأظفار وحلق الشعر والجماع
стр. 4595
وكل دم يجب لترك شيء من الحجة لا يؤكل [شيء من] (١) ذلك فكان كل دم وجب لإِساءة أو نقصان لا يؤكل منه، وكان دم المتعة والقران يؤكل منهما، فثبت أنهما وجبا لمعنى خلاف الإِساءة والنقصان، فهذه حجة قاطعة على من كره القران والتمتع بالعمرة إلى الحج.
ش: أراد بقوله: "بما وصفنا" ما ذكره في حديث ابن عباس المذكور عن قريب الذي فيه إباحة العمرة في أشهر الحج، ثم بين أن دم المتعة والقران دم شكر لا دم نقصان؛ لأنا رأينا الدماء الواجبة عن الجنايات لا يؤكل منها شيء، ورأينا دم المتعة والقران يؤكل منه شيء، والدليل عليه حديث جابر ﵁ فإنه يخبر أن رسول الله ﵇ أكل من الذي ذبحه في قرانه، فدل أنه أنما وجب شكرًا ولم يجب جبرًا لنقصان أو لأجل إساءة، وفي هذا الباب خلاف بين السلف، فرُوي عن نافع عن ابن عمر قال: يؤكل من كل شيء إلَّا من جزاء الصيد أو النذر، وقاله علي، قال: ولا مما جعل للمساكين.
وقال الحسن: يؤكل من كل شيء إلَّا في جزاء الصيد.
وقال الأوزاعي: يؤكل من الهدي خمسة أنواع: النذر والمتعة والتطوع والوصية والمحصر، إلَّا الكفارات كلها.
وقال أبو حنيفة: لا يؤكل من شيء من الهدي إلَّا المتعة والقران والتطوع إذا بلغ محله، وقيل: يؤكل من كل ذلك إلَّا التطوع وجزء الصيد وفدية الأذى ونذر المساكين.
وعند الشافعي: لا يؤكل من دم المتعة والقران، وقد بينا ذلك في الفروع.
قوله: "وكذلك رسول الله ﵇ فعله" أي فعل الأكل من دم المتعة والقران، ثم بين ذلك بقوله: حدثنا محمد بن خزيمة ... إلى آخره وإسناده صحيح وابن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني روى له الجماعة،
стр. 4596
وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أبو عبد الله المدني الصادق، وأبوه محمد بن علي الباقر، وهذا الحديث طويل وقد سقناه كله في أول الباب من رواية مسلم، والطحاوي أخرج بعضه أيضًا هناك عن ربيع، عن أسد، عن حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر.
قوله: "ثلاثًا وستين بيده" وفي بعض الروايات "ثلاثاً وستين بدنة" وكل ذلك صواب، لكن المروي هو نحر النبي ﵇ بيده وهو أصوب ها هنا -إن شاء الله- لقوله "ونحر علي سبعًا وثلاثين".
فإن قيل: ما الحكمة في أنه ﵇ نحر ثلاثاً وستين بدنة بيده واقتصر على هذا العدد؟
قلت: فكأنه ﵇ أشار بذلك إلى منتهي عمره؛ لأنه عُمِّر ثلاثًا وستن سنة فيكون قد نحر عن كل سنة من عمره بدنة.
قوله "بضعة" بفتح الباء أي قطعة من لحمها قال القاضي: لما كان الأكل من جميع لحمها فيه كلفة، جمعه في قدر واحد فيكون تناوله من المرق كالأكل من الجميع، وقال ويحتج بهذا لقولنا: إنه من حلف ألَّا يأكل لحمًا فشرب مرقة، فإنه حانث؛ لحصول اللحم فيه، إلَّا أن يكون له مقصد ونيَّة.
قلت: الأيمان تبني على العرف، فلا يقال في العرف لمن شرب مرقة لحم: إنه أكل لحمًا، فحينئذ لا يحنث [من حلف] (١) لا يأكل من هذا اللحم فشرب من مرقه والله أعلم.
ص: ثم الكلام بعد ذلك بين الذين جوزوا التمتع والقران في تفضيل بعضهم القران على التمتع وفي تفضيل الآخرين التمتع على القران، فنظرنا في ذلك فكان في القران تعجيل الإِحرام بالحج وفي التمتع تأخيره، وكان ما عجل من الإِحرام بالحج
стр. 4597
فهو أفضل وأتم لذلك الإِحرام، وقد روي عن علي ﵁ في قول الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) قال: "تمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك".
حدثنا بذلك ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سَلِمة، عن علي ﵁ بذلك، فلما كان في القران يقدم الإِحرام بالحج على الوقت الذي يحرم به في التمتع كان القران أفضل من التمتع، وكل، ما ثبتنا وصححنا في هذا الباب قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي ثم الكلام بعد أن بينا أن دم المتعة والقران دم شكر لما وفق للجمع بين النسكين في سفر واحد بين الفريق الذين جوزوا التمتع والقران، وهم جمهور الفقهاء من التابعين ومن بعدهم منهم الأئمة الأربعة في تفضيل بعضهم القران على التمتع وهم الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وإسحاق والمزني من أصحاب الشافعي، وفي تفضيل الفريق الآخرين التمتع على القران وهم الحسن البصري وعطاء وسالم والقاسم وأحمد بن حنبل والشافعي في قول، فنظرنا في ذلك أي في وجه تفضيل هذه الأشياء بعضها على بعض، فكان في القران أي وجد تعجيل الإِحرام بالحج؛ لأن القارن يجمع بين العمرة والحج من الميقات في أول شروعه، وفي التمتع تأخيره أي تأخير الإِحرام بالحج؛ لأن المتمتع إنما يحرم بالحج يوم التروية من الحرم، وكان ما عجل من الإِحرام بالحج فهو أفضل، وأتم لذلك الإِحرام، والدليل عليه ما رُوي عن علي ﵁ أنه قال: في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١): "تمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك".
وأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة -بكسر اللام- المرادي الكوفي من فقهاء الكوفة بعد الصحابة، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال أبو بكر الرازي في تفسير هذه الآية: ورُوي عن علي وعمر وسعيد بن جبير وطاوس أنهم قالوا: "إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك".
стр. 4598
وقال الكاساني: وكذا قال عبد الله بن مسعود ﵁.
قوله: "فلما كان ... " إلى آخره بيان نتيجة الكلام الذي قبله، وهو ظاهر قوله: "وكل ما ثتبنا" من التثبيت، ويجوز: "وكل ما بينا من التبين" والأول أكثر في النُّسَخِ والله أعلم.
***
стр. 4599
ص: باب: الهدي يساق لمتعة أو قران هل يركب أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان الهدي الذي يسوقه الحاج لأجل التمتع أو القران هل يجوز ركوبه أم لا؟
"الهدي" اسم لما يهدى إلى الحرم من الأنعام، أعني من الإِبل والبقر والغنم، وهو بإسكان الدال وتخفيف الياء، وفيه لغة أخرى وهي كسر الدال وتشديد الياء، يقال: أهديت إلى البيت هديًا وهدِيًّا، ذكره ثعلب في "فصيحه" وسوى بينهما، ويقال: اللغة الأول هي الأفصح والأشهر، وقال اللحياني: وواحد الهدي هدية، وقال الفراء: أهل الحجاز وبنو أسد يخففون ياء الهدي، وتميم وسفلى قريش يثقلون الياء، وقد قرئ بالوجهين جميعًا ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) والهَدِيُّ محله، وهو قول الأكثرين، وفي الحديث: "هلك الهدي ومات الودي" قال الهروي: أي هلكت الإِبل ويبست النحل والعرب تقول: كم هدي بني فلان أي كم إبلهم.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ ، رأى رجلاً يسوق بدنة، قال: اركبها، فقال: يا رسول الله، إنها بدنة، قال: اركبها ويلك".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن [ابن] (٢) عجلان، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن عمه موسى ابن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله، غير أنه قال له في الثالثة أو الرابعة: "اركبها ويحك".
стр. 4600
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "مر رسول الله ﵇ برجل يسوق بدنة، قال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: حدثني معتمر، عن أيوب، عن عكرمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇: "أنه رأى رجلاً يسوق بدنة، قال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها، قال: فلقد رأيته يساير النبي ﵇ في عنقها نعل".
ش: هذه ستة طرق:
الأول: رجاله رجال الصحيح كلهم، وأبو الزناد -بالنون-: عبد الله بن ذكوان، والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز.
وأخرجه البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
وأبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك.
والنسائي (٤): عن قتيبة، عن مالك، ولفظ الموطأ (٥): "اركبها ويلك، في الثالثة أو الرابعة"، ولفظ البخاري: "اركبها ويلك، في الثالثة" ولفظ مسلم: "ويلك اركبها، ويلك اركبها".
стр. 4601
قوله: "يسوق بدنة": أراد بها الإِبل ها هنا، والبدنة تقع على الجمل والناقة والبقرة، ولكن بالإِبل أشبه ووسميت (بدنة) لعظمها وسمنها.
قوله: "اركبها ويلك": مخرجه مخرج الدعاء عليه إذ أبى من ركوبها في أول مرة، وقال له: إنها بدنة، وقد كان يعلم [أن] (١) رسول الله ﵇ يعلم أنها بدنة فكأنه قال: الويل لك في مراجعتك إياي فيما لا تعرفه وأعرفه، قال الأصمعي: "ويل" كلمة عذاب، و"ويح" كلمة رحمة، وجاء في الحديث: "أن ويلًا وادي في جهنم" (٢).
وقال القاضي: وقيل في قوله: "ويلك" تأديبُ مَنْ راجع العَالِم في فتواه بغليظ الكلام.
وقد قيل: إن "ويلك" ها هنا قد تكون إغراء بما أمر به من ركوبها، إذْ رآه قد تحرج منه.
الثاني: أيضًا رجاله كلهم رجال الصحيح، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن ابن الحارث بن أبي ذئب المدني، وعجلان هو مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة والد محمد بن عجلان.
وأخرجه البزار في "مسنده" (٢): ثنا عمرو بن علي، ثنا أبو عاصم، ثنا ابن أبي ذئب، عن عجلان مولى المشمعل، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇: "أنه سئل عن ركوب البدنة، قال: اركبها، قال: إنها بدنة قال: اركبها ويلك أو ويحك".
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الوهبي الكندي شيخ البخاري في غير الصحيح، عن محمد بن إسحاق بن يسار، عن عمه موسى بن يسار روى له الجماعة إلَّا البخاري، عن أبي هريرة، وهذا أيضًا إسناد صحيح.
стр. 4602
وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا الحجاج بن يوسف المعروف بابن الشاعر، نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن موسى بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇: "أنه رأى رجلاً يسوق بدنة، قال: اركبها، قال: إنها بدنة. قال: اركبها".
الرابع: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة، وهذا أيضًا إسناد صحيح.
الخامس: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن موسى بن أبي عثمان التبان المدني، وقيل: الكوفي مولى المغيرة بن شعبة، قال أبو حاتم: كوفي شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات" واستشهد به البخاري في "الصحيح" وروى له في غيره، وروى له أبو داود والنسائي وابن ماجه، عن أبيه أبي عثمان واسمه عمران وقيل: سعد، وقيل: لا يعرف اسمه، استشهد به البخاري في "الصحيح" وروى له أبو داود والترمذي.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عبد الله بن الوليد ومؤمل، قالا: ثنا سفيان، حدثني أبو الزناد، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: "مرَّ رسول الله ﵇ برجل يسوق بدنة، قال: اركبها، قال: يا رسول الله إنها بدنة، قال: اركبها".
السادس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي البصري شيخ البخاري ومسلم، عن يزيد بن زريع العيشي البصري، عن معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي البصري، عن أيوب السختياني، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن أبي هريرة ﵁، وهذا إسناد صحيح.
стр. 4603
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الرزاق، نا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: "مرَّ النبي ﵇ برجل يسوق بدنة، قال النبي ﵇: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها، قال أبو هريرة: فلقد رأيته يساير النبي ﵇ وفي عنقها نعل".
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا هشيم، عن الحجاج بن أرطاة، عن نافع: "أن ابن عمر ﵄ رأى رجلاً يسوق بدنة، قال: اركبها، وما أنتم مستنين سنة أهدى من سنة محمد ﷺ ".
ش: يعقوب فيه مقال، والباقي ثقات.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "مرّ رسول الله ﵇ برجل، وهو يسوق بدنة قال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها".
حدثنا عبد الله بن محمد بن خُشيش البصري، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم قال: ثنا هشيم وشعبة، قالا: ثنا قتادة، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان.
الأول: عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون الواسطي .. إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): نا عمرو الناقد وسريج بن يونس، قالا: نا هشيم، قال: نا حميد، عن ثابت، عن أنس، قال [وأظنني] (٣) قد سمعته من أنس.
وحدثني يحيى بن يحيى -واللفظ له- قال: ثنا هشيم، عن حميد، عن ثابت البناني، عن أنس، قال: "مرَّ رسول الله ﵇ برجل يسوق بدنة، فقال: اركبها.
فقال: إنها بدنة، قال: اركبها، مرتين أو ثلاثًا".
стр. 4604
وأخرجه النسائي (١): نا محمد بن المثنى، قال: نا خالد، قال: ثنا حميد، عن ثابت، عن أنس: "أن النبي ﵇ رأى رجلاً يسوق بدنة، وقد جهده المشي، قال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها وإن كانت بدنة".
الثاني: عن ابن خُشيش بالمعجمات وضم الأول، عن مسلم بن إبراهيم الأزدي البصري القصاب شيخ البخاري، عن هشام الدستوائي وشعبة، كلاهما عن قتادة، عن أنس.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا هشام وشعبة، قالا: ثنا قتادة، عن أنس: "أن النبي ﵇ رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها -ثلاثًا".
وأخرجه الترمذي (٣): نا قتيبة، نا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس بن مالك: "أن النبي ﵇ رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال: اركبها. فقال: يا رسول الله، إنها بدنة، قال له: -في الثالثة أو الرابعة-: ويحك أو ويلك".
وأخرجه ابن ماجه (٤): ثنا علي بن محمد، ثنا وكيع، عن هشام صاحب الدستوائي، عن قتادة، عن أنس بن مالك: "أن النبي ﵇ مُرَّ عليه ببدنة، فقال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها. قال: فرأيته راكبها مع النبي ﵇ في عنقها نعل".
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الرجل الذي ساق بدنة لمتعة أو قران أن له أن يركبها، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: مجاهدًا وعروة بن الزبير وأحمد وإسحاق وآخرين من أهل الحديث، فإنهم قالوا: القارن أو المتمتع يجوز له أن يركب بدنته مطلقًا، وفي
стр. 4605
"الاستذكار" ذهب أهل الظاهر إلى جواز ركوب الهدي من ضرورة وغير ضرورة، وبعضهم يوجب ذلك لقول النبي ﵇: "اركبها". وذهبت طائفة من أهل الحديث أنه لا بأس بركوب الهدي على كل حال.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: إنما كان هذا من النبي ﵇ لضرٍّ رآه من الرجل، فأمره بما أمره به لذلك، وهكذا نقول نحن: لا بأس بركوبها في حال الضرورة، ولا يجوز في حال الوجود.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأصحابهم، فإنهم قالوا: لا يُركب الهدي إلَّا عن ضرورة واحتياج إليه، وقال الترمذي: وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ وغيرهم في ركوب البدنة إذا احتاج إلى ظهرها، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعضهم: لا يركب ما لم يضطر إليه انتهى.
وقال ابن القاسم: فإن ركبها محتاجًا فليس عليه أن ينزل إذا استراح، وقال القاضي إسماعيل: مذهب مالك يدل على أنه إذا استراح نزل، وقال ابن التين: وعن بعض الشافعية والحنفية إن نقصها ركوبه ضمن النقصان.
وقال أبو عمر: وقال أبو حنيفة والشافعي: إن نقصها الركوب، أو شرب لبنها فعليه قيمة ما شرب من لبنها وقيمة ما نقصها الركوب.
ص: فاحتمل أن يكون النبي ﵇ أمر بذلك للضرورة كما قالوا، واحتمل أن يكون ذلك لا للضرورة ولكن؛ لأن حكم البدن كذلك تركب في حال الضرورة، وفي حال الوجود، فنظرنا في ذلك فإذا نصر بن مرزوق قد حدثنا، قال: ثنا علي ابن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ رأى رجلاً يسوق بدنة وقد جهد، قال: اركبها، قال: يا رسول الله، إنها بدنة، قال: اركبها".
стр. 4606
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان والنفيلي، قالا: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا حميد الطويل، عن ثابت، عن أنس: "أن النبي ﵇ رأى رجلاً يسوق بدنة، فكأنه رأى به جهد، فقال: اركبها، قال: إنها بدنة، قال: اركبها وإن كانت بدنة".
ش: أشار بهذا الكلام إلى أن ما جاء من أمره ﵇ بركوب البدنة مطلقًا فإنه محمول على التقييد بالضرورة والاحتياج إليه، ولكن لأن ما ذكر في الأمر بالركوب في الأحاديث المذكورة يحتمل أن يكون ذلك للضررة كما قاله أهل المقالة الثانية، ويحتمل أن يكون حكم البدنة أنها تركب مطلقًا، فنظرنا في أمر هذين الاحتمالين، فوجدنا بعض الأحاديث المروية في هذا الباب تدل على ترجيح أحد الاحتمالين، وهو ما قاله أهل المقالة الثانية، وذلك في حديث أخرجه من طريقين بإسناد صحيح.
الأول: عن نصر بن مرزوق، عن علي بن معبد بن شداد، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني، عن حميد الطويل، عن أنس ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (١): كما ذكرناه فإنه فيه: "وقد جُهِدَ" على صيغة المجهول، أي أعيي وكلّ، وفي رواية النسائي: "وقد جهده المشي" أي غلب عليه وشق، فدلّ ذلك أن أمره المطلق فيما استدلت به الطائفة الأولى محمول على حالة الضرورة.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، وعن عبد الله بن محمد بن نفيل النفيلي الحراني شيخ البخاري وأبي داود، كلاهما عن زهير بن معاوية، عن حميد الطويل، عن ثابت عن أنس.
وأخرجه أحمد (٢) نحوه.
قوله: "جُهدًا" بضم الجيم: مشقة وتعبًا.
стр. 4607
ص: وقد روى في حديث ابن عمر حرف يدل على هذا المعنى: حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا هشيم، عن الحجاج، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يقول في الرجل إذا ساق بدنته فَأَعْي: اركبها، وما أنتم بمستنين بسنة هي أهدى من سنة النبي ﵇". فدل ذلك أيضًا على أن ما أمر به ابن عمر وأخبر أنه سنة محمد ﵇ هو ركوب البدنة في حال الضرورة.
ش: أي قد روي في حديث عبد الله بن عمر الذي أخرجه فيما مضى عن قريب عن أحمد بن داود، عن يعقوب بن حميد، عن هشيم، عن الحجاج، عن نافع، عنه حرف، أي لفظة أو كلمة من إطلاق اسم الجزء على الكل وأراد به قوله: "نا يحيى" يدل على هذا المعنى وهو الذي ذكره وأن الركوب مقيد بالعجز والضرورة، فإنه إنما كان يقول لصاحب البدنة: اركبها، إذا رآه قد أعيى وعجز عن المشي ولم يجد غيرها وكان مضرورًا إلى ذلك محتاجًا إليه، وأنه أخبر في حديثه أن ركوب البدنة في حال الضرورة هو سنة محمد ﵇.
وأخرج الحديث هنا عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن هشيم بن بشير، عن الحجاج بن أرطاة، عن نافع ... إلى آخره.
فهذا مقيد، وذاك الحديث مطلق، فحمل ذلك المطلق على هذا المقيد، فافهم.
ص: ثم التمسنا حكم ركوب الهدي في غير حال الضرورة هل نجد له ذكرًا في غير هذه الآثار؟ فإذا فهد قد حدثنا، قال: ثنا أبو بكر بن أبى شيبة، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن جريح، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهرًا".
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا ابن أبي مريم (ح).
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله صالح، قالا: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر -في ركوب الهدي- سمعت رسول الله ﵇ يقول: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا".
стр. 4608
فأباح النبي ركوبها في حال الضرورة ومنع من ذلك إذا ارتفعت الضرورة ووجد غيرها، فثبت بذلك أن هكذا حكم الهدي من طريق الآثار، تركب للضرورات وتترك لارتفاع الضرورات.
ش: أي ثم طلبنا حكم ركوب الهدي في غير حال الضرورة هل يوجد في غير هذه الأحاديث المذكورة؟ فإذا فهد بن سليمان ... إلى آخره.
وأخرجه من حديث جابر بن عبد الله من ثلاث طرق:
الأول: عن فهد، عن أبي بكر بن أبي شيبة صاحب "المسند" و"المصنف"، عن أبي خالد الأحمر سليمان بن حيان، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس، عن جابر، وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه مسلم (١): حدثني محمد بن حاتم، قال: أنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، قال "سمعت جابر بن عبد الله سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبي ﵇ يقول: اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا".
الثاني: عن يزيد بن سنان، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة، عن أبي الزبير محمد بن مسلم، عن جابر، وعبد الله بن لهيعة فيه مقال، والحديث صحيح.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة ... إلى آخره.
وهذا كالذي قبله.
وآخرجه أبو داود (٢): ثنا أحمد بن حنبل، قال: نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، قال: "سألت جابر بن عبد الله عن ركوب
стр. 4609
الهدي، فقال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا".
وأخرجه النسائي (١): عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج ... إلى آخره نحوه.
قوله: "إذا ألجئت إليها" أبي إذا اضطررت إليها، أي إلى ركوبها.
ص: ثم اعتبرنا حكم ذلك من طريق النظر كيف هو؟ فرأينا الأشياء على ضربين:
فمنها: ما الملك فيها متكامل لم يدخله شيء (يزيله) (٢) عنه شيئاً من أحكام الملك كالعبد الذي لم يدبره مولاه، وكالأمة التي لم تلد من مولاها، وكالبدنة التي لم يوجبها صاحبها، فكل ذلك جائز بيعه وجائز الاستمتاع به وجائز تمليك منافعه بإبدال وبلا إبدال.
ومنها: ما قد دخله شيء منع من بيعه ولم يُزل عنه حكم الانتفاع به، من ذلك: أم الولد التي لا يجوز لمولاها بيعها، والمدبر -في قول من لا يرى بيعه- فذلك لا بأس بالانتفاع به وبتمليك منافعه التي لربِّه أن ينتفع بها بإبدال وبلا إبدال، وكان ما له أن ينتفع به فله أن يملك منافعه من شاء بإبدال وبلا إبدال.
ثم رأينا البدنة إذا أوجبها ربها كلٌ قد أجمع أنه لا يجوز له أن يؤجرها ألَّا يتعوض بمنافعها بدلاً، فكما كان ليس له له تمليك منافعها ببدل كان كذلك ليس له الانتفاع بها ولا يكون له الانتفاع بشيء إلَّا شيء له التعوض بمنافعه إبدالًا منها، فهذا هو النظر أيضًا، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي ثم اعتبرنا حكم ركوب الهدي من طريق النظر والقياس، ووجهه ظاهر.
стр. 4610
قوله: "ما الملك فيه متكامل" كلمة "ما" موصولة مبتدأ، وقوله: "الملك فيه متكامل" جملة صلتها.
وقوله: "لم يدخله شيء" خبر المبتدأ.
قوله: "جائز تمليك منافعه بإبدال" كالإِجازة.
قول: "وبلا إبدال" كالعادة.
قوله: "والمدبر في قول من لا يرى بيعه" وأراد بهم الحنفية؛ فإنهم لا يجوزون بيع المدبر، ولكن المدبر المطلق وهو الذي علق عتقه بالموت من غير تعرض بصفة كقوله: أنت حر بعد موتى أو إن مت فأنت حر، وعند مالك والشافعي وأحمد يجوز بيعه، وسيجيء الكلام فيه في بابه إن شاء الله.
قوله: "وكلٌ قد أجمع" أي كل العلماء قد أجمعوا، والله أعلم.
ص: وقد روي ذلك عن جماعة من المتقدمين، حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة -أراه- عن مغيرة، عن إبراهيم: "قال: لا تشرب لبن البدنة ولا تركبها إلَّا أن تضطر إلى ذلك".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: "البدنة إذا احتاج إليها سائقها ركبها ركوبًا غير فادح".
حدثنا محمد، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن قيس، عن عطاء مثله.
ش: أي وقد رُوي ما ذكرنا من إباحة ركوب البدنة عند الضرورة عن جماعة من التابعين، وأخرج في ذلك عن ثلاثة منهم، وهم: إبراهيم النخعي، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، ورجالها كلهم ثقات، ومغيرة هو ابن مقسم الضبي، وحجاج هو ابن المنهال الأنماطي شيخ البخاري، وحماد هو ابن سلمة، وليث وهو ابن سعد المكي.
стр. 4611
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن عبد الصمد، عن حماد [بن] (٢) سلمة، عن هشام، عن أبيه: "قال في البدنة: إذا احتاج إليها سائقها ركبها غير فادح، ويشرب فضل ريِّ ولدها".
قوله: "إلا أن تضطر إلى ذلك" إشارة إلى الركوب، يعني إذا احتاج إلى الركوب يركبها بالمعروف، وقيل: يجوز أن تكون الإِشارة إلى الجميع، يعني إلى الشرب والركوب، يعني إذا احتاج إلى شرب لبنها أيضًا يشربها، ولكن عليه القيمة عند أبي حنيفة والشافعي.
وقال أبو عمر: كره مالك شرب لبنها بعد ري فصيلها، فإن فعل شيئاً من ذلك فلا شيء عليه.
وعن مجاهد (٣): "إن احتاج إلى اللبن شرب، وإن احتاج إلى الركوب ركب، وإن احتاج إلى الصوف أخذ".
وعن الشعبي (٤): "لا يشرب من لبنها إلَّا أن يرمل".
وعن عروة (٥): "إذا احتاج إلى الركوب ركبها غير فادح، ويشرب فضل ريّ ولدها".
وعن عطاء (٦): "إن احتاج إلى ظهرها ركب وحمل عليها بالمعروف".
وكل ذلك أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه".
قوله: "غير فادح" نصب على الحال من الضمير المرفوع في "ركبها" أبي غير مثقل عليها، من فدحه بالفاء إذا أثقله، وقال الجوهري: فدحه الدين: أثقله.
стр. 4612
ص: وقد رُوي عن المتقدمين في قول الله ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (١) حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد.
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، عن سفيان وحبان عن حماد، كلاهما عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٢) قال: في ظهورها وألبانها وأصوافها وأوبارها حتى تصير بدنًا".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، قال: أنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (١) قال: هي الإِبل ينتفع بها حتى تقلد".
حدثنا أبو بكر قال ثنا أبو داود قال ثنا ورقاء عن منصور عن إبراهيم ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (١) قال: إن احتاج ظهرها ركب، وإن احتاج لبنها شرب، يعني البدن".
ش: أخرج التفسير المذكور عن مجاهد وإبراهيم النخعي، أما مجاهد فمن ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد.
الثاني: عن ابن مرزوق أيضًا، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري وحبان -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- عن ابن هلال، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن أبي نجيح يسار المكي، عن مجاهد.
الثالث: عن ابن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد ... إلى آخره.
стр. 4613
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو خالد، عن الحجاج، عن القاسم، عن مجاهد: " ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٢) قال: في ألبانها وظهورها وفي أوبارها حتول تسمى بدنًا، فإذا سميت بدنا فمحلها إلى البيت العتيق".
قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وإنما يَعْتَدُّ الله بالمنافع الدينية قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (٣) وأعظم هذه المنافع وأبعدها شرطًا في النفع محلها إلى البيت أي وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها منتهية إلى البيت، كقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٤) والمراد نحرها في الحرم الذي هو في حكم البيت، لأن الحرم هو حريم البيت.
قوله: "إلى أجل مسمى" أي إلى أن تنحر ويتصدق بلحومها ويؤكل منها.
وأما عن إبراهيم فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن ورقاء بن عمر اليشكري أبي بشر الكوفي، روى له الجماعة، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده".
...
стр. 4614
ص: باب: ما يقتل المحرم من الدواب
ش: أي هذا باب في بيان ما يجوز للمحرم أن يقتل من الدواب؟ وهو جمع دابة، قال صاحب "المنتهى": كل ماشٍ على الأرض دابة ودبيت، والهاء للمبالغة، والدابة في التي تركب أشهر.
وفي "المحكم": الدابة تقع على المذكر والمؤنث، وحقيقته الصفة.
وقال الجوهري: دَبَّ على الأرض يدب دبيبًا، وكل ماشٍ على الأرض دابة ودبيب، والدابة التي تركب.
قلت: الدابة في الأصل لكل ما يدب على وجه الأرض، ثم نقله العرف العام إلى ذات القوائم الأربع من الخيل والبغال والحمير، ويسمي هذا منقولًا عرفيًّا، كما يسمي نحو الصلاة والصيام: منقولًا شرعيًّا، لأنهما في الأصل للدعاء ومطلق الإِمساك، ثم نقله الشرع إلى الأركان المخصوصة والإِمساك المخصوص مع النية، وكما تسمي اصطلاحات النحاة والنظار منقولًا اصطلاحيًّا.
وقال ابن خالويه: ليس في كلام العرب تصغير بالألف إلَّا حرفان ذكره الشيباني عن أبي عمرو الهذلي: دوابة تصغير دويبة وهداهد بمعنى هديهد.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا وهيب، قال: أخبرني مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحداءة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان، ورجالهما كلهم رجال الصحيح ما خلا ربيعًا، وأخرجه البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
стр. 4615
ومسلم (١): عن يحيى، عن مالك.
وأخرجه النسائي (٢): عن قتيبة بن سعيد، قال: نا الليث، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ أذن في قتل خمس من الدواب للمحرم: الغراب، والحداءة، والفأرة، والكلب العقور، والعقرب".
قوله: "جناح" أي إثم وحرج.
قوله: "الغراب" أي أحدها الغراب، قال أبو المعالي: هو واحد الغربان، وجمع القليل: أغربة، ويجمع على غُرُب أيضًا، وفي "الجامع" ويجمع على أغرب أيضًا، وفي "المحكم" غرابين جمع الجمع، وقيل: سمى غرابًا لأنه نأى واغترب لمَّا نوح ﵇ يستخبر أمر الطوفان، وفي كتاب "الحيوان" للجاحظ: الغراب الأبقع غريب، وهو غراب البين، وكل غراب فقد يقال له: غراب البين إذا أرادوا به الشؤم إلَّا غراب البين نفسه، فإنه غراب صغير، وإنما قيل لكل غراب: غراب البين لسقوطه في مواضع منازلهم إذا بانوا، وناس يزعمون أن تسافدها على غير تسافد الطير وأنها تزاقُّ بالمناقير وتلقح من هنالك، وفي "الموعب" الغراب الأبقع هو الذي في صدره بياض، وفي "المحكم" غراب أبقع يخالط سواده بياض، وهو أخبثها، وبه يضرب المثل لكل خبيث، وقال أبو عمر: هو الذي في بطنه وظهره بياض، وذكر صاحب "الهداية": المراد بالغراب آكل الجيف، وهو الأبقع، روي ذلك عن أبي يوسف.
قوله: "والحداءة" بكسر الحاء وبعد الدال ألف ممدودة بعدها همزة مفتوحة، وجمعها "حِدَء" مثل عِنب و"حدّان" كذا في "الدستور" وقال الجوهري: ولا يقال: حَدَاه، وفي "المطالع" الحداءة لا يقال فيها إلَّا بكسر الحاء، وقد جاء الحِدَاء يعني بالفتح وهو جمع حَداءة أو مذكرها، وجاء الحُدَيَّا على وزن الثريَّا.
стр. 4616
قوله: "والعقرب" قال ابن سيدة: "العقرب" للأنثى: عقربة، والعقربان للذكر منها، وفي "المنتهى": الأنثى "عقرباء" ممدود غير مصروف، وقيل: "العقربان" دويبة كثيرة القوائم غير العقرب، وعقربة شاذة، ومكان معقرب بكسر الراء -ذو عقارب، وأرض معقربة، وبعضهم يقول: معقرة كأنه ردَّ العقرب إلى ثلاثة أحرف، ثم بنى عليه، وفي "الجامع": ذكر العقارب عُقْربان والدابة الكثيرة القوائم عقرَّبان بتشديد الباء.
قوله: "والفأرة" واحدة الفئران والفئرة، ذكره ابن سيدة، وفي "الجامع": أكثر العرب على همزها.
قوله: "الكلب العقور" ذكر أبو عمر: أن ابن عيينة قال: هو كل سبع يعقر، ولم يخص الكلب، قال سفيان: وكذا فسره لنا زيد بن أسلم، وكذا قال أبو عُبيد، وعن أبي هريرة: الكلب العقور الأسد، وعن مالك: هو كل ما عقر الناس وعدا عليهم، مثل: الأسد والنمر والفهد، فأما ما كان من السباع لا يعدو، مثل الضبع والثعلب وشبههما فلا يقتله المحرم، وإن قتله فداه، وزعم النووي أن العلماء اتفقوا على جواز قتل الكلب العقور للمحرم والحلال في الحل والحرم، واختلفوا في المراد به، فقيل: هو الكلب المعروف، حكاه عياض عن أبي حنيفة والأوزاعي والحسن بن حيّ، وألحقوا به الذئب، وحمل زفر الكلب على الذئب وحده، وذهب الشافعي والثوري وأحمد وجمهور العلماء إلى أن المراد كل مفترس غالبًا. قال أبو المعاني: جمع الكلب أكلب وكلاب وكليب وهو جمع عزيز لا يكاد يوجد إلَّا القليل نحو عبد وعبيد، وجمع الأكلب أكالب، وفي "المحكم" وقد قالوا في جمع كلاب: كلابات، والكالب كالجامل جماعة الكلاب، والكلبة أنثى الكلاب وجمعها كلبات ولا يكسَّر.
واستفيد من الحديث:
جواز قتل هذه الخمسة من الدواب للمحرم، فإذا أبيح للمحرم فللحلال بالطريق الأولى، أما الغراب فقد قلنا المراد به الأبقع وهو الذي يأكل الجيف، كما قال صاحب "الهداية" وقال القرطبي: هذا تقييد لمطلق الروايات التي ليس فيها
стр. 4617
الأبقع، وبذلك قالت طائفة، فلا يجيزون إلَّا قتل الأبقع خاصة، وطائفة رأوا جواز قتل الأبقع وغيره من الغربان، ورأوا أن ذكر الأبقع إنما جرى لأنه الأغلب.
قلت: روى مسلم (١) عن ابن مثنى وابن بشار، كلاهما عن محمد بن جعفر، عن شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، عن النبي ﵇ أنه قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: والحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحدئا" فالروايات المطلقة محمولة على هذه الرواية المقيدة، وذلك لأن الغراب إنما أبيح قتله لكونه يبتدئ بالأذى ولا يبتدئ بالأذى إلَّا الغراب الأبقع، أما الغراب غير الأبقع فلا يبتدئ بالأذى فلا يباح قتله كالعقعق وغراب الزرع، ولأن الغراب الأبقع يأكل الجيف ويقع على وبر البعير وصاحبه قريب منه بخلاف غيره فإنه لا يأكل الجيف.
فإن قيل: قال ابن بطال: هذا الحديث لا يعرف إلَّا من حديث سعيد ولم يروه عنه غير قتادة وهو مدلس، وثقات أصحاب سعيد من أهل المدينة لا يوجد عندهم هذا القيد، مع معارضة حديث ابن عمر وحفصة ﵃ فلا حجة فيه حينئذ.
قلت: هذا الذي ذكره ليس بعلة يرد بها الحديث.
وقوله: "مع معارضة حديث ابن عمر وحفصة" غير صحيح إذ لا معارضة بين الحديثين وإنما هما مطلق ومقيد، فحمل المطلق على المقيد كما ذكرنا، وقال ابن بطال أيضًا: روى عن عكرمة ومجاهد أنهما قالا: لا يقتل الغراب ولكن يرمي قال: وهذا خلاف السنة.
قلت: روي عن محمد بن الحنفية، عن علي ﵁: "يقتل الغراب الأبقع، ويرمى الغراب تخويفًا، وأما الغراب الذي يأكل الزرع فهو الذي يرمى ولا يقتل، وهو الصفة الذي استثناه مالك من جملة الغربان، قال القشيري: في قتله قولان للمالكية: أشهرها القتل لعموم الحديث، وأما منع القتل فإنه اعتبر الصفة التي علل
стр. 4618
بها القتل وهو الفسق على ما يشهد به إيماء اللفظ، وهذا الفسق معدوم في الصغار حقيقة، والحكم يزول بزوال علته، وعن أبي مصعب فيما ذكره ابن العربي: في الغراب والحدأة وإن لم يبدءا بالأذى ويؤكل لحمهما عند مالك، ورُوي عنه المنع في المحرم سدًّا لذريعة الاصطياد، قال أبو بكر: وأصل المذهب ألَّا يقتل من الطير إلَّا ما آذى بخلاف غيره فإنه يقتل ابتداء، وقال أبو عمر: الأبقع من الغربان الذي في ظهره وبطنه بياض، وكذلك الكلب الأبقع أيضًا، والغراب الأذرع، والذرعى هو الأسود، والغراب الأعصم هو الأبيض الرجلين وكذلك الوَعِلُ عصمته بياض في رجليه، وقال مجاهد: يرمى الغراب ولا يقتله، وقال به قوم، واحتجوا بحديث أبي سعيد الخدري (١): "أن النبي ﵇ سئل عما يقتله المحرم، فقال: الحية والعقرب والفويسقة ويرمي الغراب ولا يقتله" وقال أبو عمر: حديث عبد الرحمن بن [أبي أنعم] (٢) عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﵇ أنه قال في الغراب: "يرميه المحرم ولا يقتله" فليس مما يحتج به على مثل حديث نافع عن ابن عمر وسالم عن ابن عمر أنه أباح للمحرم قتل الغراب، وقال أبو عمر: احتج من كره أكل الغراب وغيره من الطير التي تأكل الجيف ومن كره أكل هوام الأرض أيضًا بحديث النبي ﵇ هذا "أنه أمر بقتل الغراب والحدأة والعقرب والحية والفأرة"، قال: وكل ما أمر رسول الله ﵇ بقتله فلا يجوز أكله، هذا قول الشافعي وأبي ثور وداود، وقال مالك: لا بأس بأكل سباع الطير كلها، الرخم والنسور والعقبان وغيرها، ما أكل الجيف منها وما لم يأكل، قال: ولا بأس بأكل لحوم الدجاج الجلالة وكل ما يأكل الجيف، وهو قول الليث بن سعد ويحيى بن سعيد وربيعة وأبي الزناد، وقال الأوزاعي: الطير كله حلال إلَّا أنهم يكرهون الرخم، وقال مالك: لا بأس بأكل الحية إذا ذكيت، وهو قول: ابن أبي ليلى والأوزاعي، إلَّا أنهما لم يشترطا فيها الزكاة، وقال ابن القاسم عن مالك: لا بأس بأكل الضبع (*)، وقال ابن القاسم: لا بأس بأكل
стр. 4619
خشاش الأرض وعقاربها ودودها في قول مالك، وقال مالك: لا بأس بأكل القنفذ وفراخ النحل ودود الجبن والتمر ونحوه، وأما الحداءة فإنه يجوز قتلها سواء كان للمحرم أو للحلال لأنها تبتدئ بالأذى وتخطف اللحم من أيدي الناس، وروي عن مالك في الحداءة والغراب أنه لا يقتلهما المحرم إلَّا أن يبتدئا بالأذى، والمشهور من مذهبه خلافه، وأما العقرب فإنه يجوز قتله مطلقًا حتى في الصلاة، لأنه يقصد اللدغ ويتبع الحسَّ، وذكر أبو عمر عن حماد بن أبي سليمان والحكم أن المحرم لا يقتل الحية ولا العقرب. رواه عنهما شعبة، قال: وحجتهما أنهما من هوام الأرض، وقال القاضي: لم يختلف في قتل الحية والعقرب، ولا في قتل الحلال الوزغ في الحرم وقال أبو عمر: لا خلاف عند مالك وجمهور العلماء في قتل الحية والعقرب في الحل والحرم وكذلك الأفعى.
وأما الفأرة فإنه يجوز قتلها مطلقًا، وقال ابن المنذر: لا خلاف بين العلماء في جواز قتل المحرم الفأرة، إلَّا النخعي فإنه منع المحرم من قتلها، وهو قول شاذ، وقال القاضي: وحكى الساجي عن النخعي أنه لا يقتل المحرم الفأرة فإن قتلها فداها، وهذا خلاف النص، فافهم.
ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن محمد بن العجلان، عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ بنحو حديث مالك والليث، يعني أن رسول الله ﵇ قال: "خمس من الدواب يقتلن في الحرم: العقرب والحدأة والغراب والفأرة والكلب العقور" إلَّا أنه قال في حديثه: "والحية والذئب والكلب العقور".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: "الكلب العقور: الأسد".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا حفص بن ميسرة، قال: حدثني زيد بن أسلم، عن ابن سيلان، عن أبي هريرة مثله.
стр. 4620
ش: هله ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن علي بن عبد الرحمن، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الشافعي المصري روى له الجماعة، عن محمد بن عجلان المدني، احتجت به الأربعة، عن القعقاع بن حكيم الكناني المصري روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح، عن أبي صالح ذكوان الزيات روى له الجماعة.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا علي بن بحر، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، قال: ثنا محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "خمس قتلهن حلال في الحرم: الحية والعقرب والحدأة والفأرة والكلب العقور".
والثاني: عن محمد بن خزيمة، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن زهير بن محمد التميمي العنبري أبي المنذر الخرساني الخَرَقي من أهل قرية من قرى مرو تسمى خَرَق روى له الجماعة ... إلى آخره.
وأخرجه أبو عمر نحوه (٢).
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن منصور الخرساني شيخ مسلم وأبي داود، عن حفص بن ميسرة العقيلي الثقة، عن زيد بن أسلم، عن ابن سيلان بكسر السين المهملة وسكوت الياء آخر الحروف وهو عبد ربه بن سيلان وثقه ابن حبان وقال: عداده في أهل الكوفة.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: الكلب العقور الذي أباح النبي ﵇ قتله هو الأسد، وكل سبع عقور فهو داخل في ذلك.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري
стр. 4621
وأبا عُبيد القاسم بن سلام ومالكًا -في رواية- والشافعي وأحمد -في رواية- فإنهم قالوا: الكلب العقور هو الأسد، وكل سبع عقور فهو داخل في الحكم المذكور، وقال أبو عمر عن مالك: الكلب العقور هو كل ما عقر الناس وعدا عليهم مثل الأسد والنمر والفهد، وأما ما كان من السباع لا يعدو مثل الضبع والثعلب وشبههما فلا يقتله المحرم، وإن قتله فداه.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: الكلب العقور هو الكلب المعروف، وليس الأسد منه في شيء، وقالوا: ليس في حديث أبي هريرة عن النبي ﵇ أن الكلب العقور هو الأسد، وإنما ذلك من قول أبي هريرة-﵁.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الأوزاعي والحسن ابن يحيى وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد -في رواية- فإنهم قالوا: الكلب العقور هو الكلب المعروف، وإنما أبيح قتله لأن من شأنه العدو على الناس وعقرهم ابتداء من حيث الغالب ولا يكاد يهرب من بني آدم حتى إن الأسد أو الذئب أو الفهد أو النمر إذا عدا على المحرم فله أن يقتله وليس عليه شيء.
قوله: "وقالوا" أي هؤلاء الآخرون "ليس في حديث أبي هريرة عن النبي ﵇ أن الكلب العقور هو الأسد وإنما هو من كلام أبي هريرة" إنما قال ذلك لأن الأسد يعقر الناس ويعدو عليهم ويخيفهم كما أن الكلب العقور كذلك، وقد قلنا إن كل حيوان مفترس إذا عدا على المحرم وأخافه يصير حكمه حينئذ حكم الكلب العقور، فلا وجه إذن في تخصيص الأسد بالحكم المذكور.
ص: وقد وجدنا عن رسول الله ﵇ نصًّا ما يدفع ذلك، وهو ما حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا محمد بن بكر، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن عُبيد بن عمير، أن عبد الرحمن بن أبي عمار أخبره، قال: "سألت جابر بن عبد الله عن الضبع، فقلت: آكلها؟ قال: نعم، قال: أصيد هي، قال: نعم، قلت: سمعت ذلك عن النبي ﵇ فقال نعم".
стр. 4622
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا حسان وشيبان وهدبة، قالوا: ثنا جرير بن حازم (ح).
وحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو غسان (ح).
وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج بن منهال قالا: ثنا جرير، قال: ثنا عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: ثنا ابن أبي عمار، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ سئل عن الضبع، فقال: هي من الصيد، وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشًا".
حدثنا هارون بن كامل، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب، قال: ثنا إسماعيل بن أمية وابن جريج وجرير بن حازم، أن عبد الله بن عُبيد بن عمير حدثهم، قال: ثنا ابن أبي عمار: "أنه سأل جابر بن عبد الله عن الضبع، فقال: آكلها؟ فقال: نعم، قلت: أصيدهي؟، قال: نعم، قلت: أسمعت ذلك من رسول الله ﵇؟ قال: نعم".
حدثنا يزيد، قال: ثنا حبان (ح).
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي قالا: ثنا حسان بن إبراهيم، عن إبراهيم الصائغ عن عطاء، عن جابر، عن النبي ﵇ مثله، وزاد: "وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشًا مسنًّا وتؤكل".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن منصور بن زاذان، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: "قضى في الضبع إذا قتلها المحرم بكبش". فلما كانت الضبع هي سبع ولم يبح النبي ﵇ قتلها، وجعلها صيدًا، وجعل على قاتلها الفداء؛ دَلَّنَا ذلك على أن الكلب العقور ليس هو السبع، وبطل بذلك ما ذهب إليه أبو هريرة، وكان الكلب العقور هو الكلب الذي تعرفه العامة.
ش: أي قد وجدنا عن النبي ﵇ نصًّا صريحًا يدفع ما ذكره أهل المقالة الأولى من قولهم: الكلب العقور هو الأسد وكل عقور من السباع، محتجين بقول أبي هريرة،
стр. 4623
بيان ذلك أن الضبع سبع، لأن السبع حيوان مفترس جارح، فكذلك الضبع يفترس ويجرح غالبًا، والنبي ﵇ لم يبح قتلها في حديث جابر، وجعلها من جملة الصيود، وأوجب على قاتلها الجزاء، فدل ذلك على أن الكلب ليس هو السبع، وكان هو الذي يعرفه الناس ويعهدونه، لا كما ذهب إليه أبو هريرة.
ثم إنه أخرج حديث جابر بن عبد الله من ثماني طرق صحاح:
الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن محمد بن بكر بن عثمان البرساني شيخ أحمد وابن معين الثقة، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عبد الله بن عُبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر الليثي المكي، عن عبد الرحمن بن أبي عمار المكي الملّقب بالقس لعبادته، عن جابر بن عبد الله.
وهذا الإِسناد على شرط مسلم، وأخرجه الترمذي (١): ثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أنا ابن جريج، عن عبد الله بن عُبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار، قال: "قلت لجابر: الضبع أصيد هو؟ قال: نعم. قال: قلت: آكله؟ قال: نعم، قال: قلت له: أقاله رسول الله ﵇؟ قال: نعم" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
الثاني: عن يزيد بن سنان أيضًا، عن حبان -بفتح الحاء- بن هلال، وشيبان بن فروخ الأيلي شيخ مسلم وأبي داود، عن هُدبة بن خالد شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، ثلاثتهم عن جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي عمار، عن جابر.
وأخرجه أبو داود (٢): نا محمد بن عبد الله الخزاعي، قال: نا جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عبد الرحمن أبي عمار، عن جابر بن عبد الله، قال: "سألت رسول الله ﷺ عن الضبع، فقال: هو صيد، ويُجعل فيه كبش إذا صاده المحرم".
стр. 4624
الثالث: عن علي بن شيبة، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل شيخ البخاري، عن جرير بن حازم، عن عبد الله بن عمير ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن وكيع، عن جرير بن حازم، عن عبد الله بن عمير ... إلى آخره نحوه.
الرابع: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن جرير ... إلى آخره.
وأخرجه الدارقطني (٢): نا محمد بن القاسم بن زكريا، نا أبو كريب، ثنا قبيصة، عن جرير بن حازم، حدثني عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي عمار، عن جابر بن عبد الله قال: "سئل رسول الله ﵇ عن الضبع، فقال: هي صيد، وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشًا".
الخامس: عن هارون بن كامل الفهري، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص المكي، وعبد الملك بن جريج، وجرير بن حازم، ثلاثتهم عن عبد الله بن عمير ... إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٣): نا هشام بن عمار ومحمد بن الصباح، قالا: ثنا عبد الله بن رجاء المكي، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار وهو عبد الرحمن: "قال سألت جابر بن عبد الله عن الضبع أصيد هو؟ قال: نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت: أشيء سمعت من رسول الله ﵇؟ قال: نعم".
стр. 4625
السادس: عن يزيد بن سنان، عن حبان بن هلال، عن حسان بن إبراهيم بن عبد الله الكرماني أحد أصحاب أبي حنيفة، عن إبراهيم بن ميمون الصائغ المروزي، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث حسان بن إبراهيم، نا إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر، قال رسول الله ﵇: "الضبع فكلها وفيها كبش سمين إذا أصابها المحرم".
السابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن حسان بن إبراهيم الصائغ ... إلى آخره.
الثامن: موقوف، عن صالح بن عبد الرحمن .. إلى آخره.
ورجاله رجال الصحيح ما خلا عبد الرحمن.
ويستفاد من هذا الحديث شيئان:
أحدهما: كون الضبع صيدًا فلا يجوز للمحرم قتله، ولو قتله يجب عليه الجزاء، وعن الشافعي قولان، أصحهما الوجوب.
والآخر: كون الضبع مما يؤكل، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، وعند أبي حنيفة وأصحابه وعبد الله بن المبارك لا يؤكل الضبع، وقال الأوزاعي: كان العلماء بالشام يعدونها من السباع، ويكرهون أكلها، واستدلت الحنفية على ذلك بنهيه ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع، وقالوا: الضبع لها ناب فهي من السباع، وكذلك الخلاف في الثعلب، وقالوا: حديث جابر منسوخ، وسيأتي تحقيق الكلام في بابه إن شاء الله تعالى.
ص: فإن قال قائل: فلم تبيحون قتل الذئب؟ قيل له: لأن النبي ﵇ قال: "خمس من الدواب يقتلن في الحرم والإِحرام فذكر الخمس ما هن، فَذِكْرُ الخمس