وأبا عُبيد القاسم بن سلام ومالكًا -في رواية- والشافعي وأحمد -في رواية- فإنهم قالوا: الكلب العقور هو الأسد، وكل سبع عقور فهو داخل في الحكم المذكور، وقال أبو عمر عن مالك: الكلب العقور هو كل ما عقر الناس وعدا عليهم مثل الأسد والنمر والفهد، وأما ما كان من السباع لا يعدو مثل الضبع والثعلب وشبههما فلا يقتله المحرم، وإن قتله فداه.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: الكلب العقور هو الكلب المعروف، وليس الأسد منه في شيء، وقالوا: ليس في حديث أبي هريرة عن النبي ﵇ أن الكلب العقور هو الأسد، وإنما ذلك من قول أبي هريرة-﵁.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الأوزاعي والحسن ابن يحيى وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد -في رواية- فإنهم قالوا: الكلب العقور هو الكلب المعروف، وإنما أبيح قتله لأن من شأنه العدو على الناس وعقرهم ابتداء من حيث الغالب ولا يكاد يهرب من بني آدم حتى إن الأسد أو الذئب أو الفهد أو النمر إذا عدا على المحرم فله أن يقتله وليس عليه شيء.
قوله: "وقالوا" أي هؤلاء الآخرون "ليس في حديث أبي هريرة عن النبي ﵇ أن الكلب العقور هو الأسد وإنما هو من كلام أبي هريرة" إنما قال ذلك لأن الأسد يعقر الناس ويعدو عليهم ويخيفهم كما أن الكلب العقور كذلك، وقد قلنا إن كل حيوان مفترس إذا عدا على المحرم وأخافه يصير حكمه حينئذ حكم الكلب العقور، فلا وجه إذن في تخصيص الأسد بالحكم المذكور.
ص: وقد وجدنا عن رسول الله ﵇ نصًّا ما يدفع ذلك، وهو ما حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا محمد بن بكر، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عبد الله بن عُبيد بن عمير، أن عبد الرحمن بن أبي عمار أخبره، قال: "سألت جابر بن عبد الله عن الضبع، فقلت: آكلها؟ قال: نعم، قال: أصيد هي، قال: نعم، قلت: سمعت ذلك عن النبي ﵇ فقال نعم".
стр. 4622
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا حسان وشيبان وهدبة، قالوا: ثنا جرير بن حازم (ح).
وحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو غسان (ح).
وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج بن منهال قالا: ثنا جرير، قال: ثنا عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: ثنا ابن أبي عمار، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ سئل عن الضبع، فقال: هي من الصيد، وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشًا".
حدثنا هارون بن كامل، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيوب، قال: ثنا إسماعيل بن أمية وابن جريج وجرير بن حازم، أن عبد الله بن عُبيد بن عمير حدثهم، قال: ثنا ابن أبي عمار: "أنه سأل جابر بن عبد الله عن الضبع، فقال: آكلها؟ فقال: نعم، قلت: أصيدهي؟، قال: نعم، قلت: أسمعت ذلك من رسول الله ﵇؟ قال: نعم".
حدثنا يزيد، قال: ثنا حبان (ح).
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي قالا: ثنا حسان بن إبراهيم، عن إبراهيم الصائغ عن عطاء، عن جابر، عن النبي ﵇ مثله، وزاد: "وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشًا مسنًّا وتؤكل".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن منصور بن زاذان، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: "قضى في الضبع إذا قتلها المحرم بكبش". فلما كانت الضبع هي سبع ولم يبح النبي ﵇ قتلها، وجعلها صيدًا، وجعل على قاتلها الفداء؛ دَلَّنَا ذلك على أن الكلب العقور ليس هو السبع، وبطل بذلك ما ذهب إليه أبو هريرة، وكان الكلب العقور هو الكلب الذي تعرفه العامة.
ش: أي قد وجدنا عن النبي ﵇ نصًّا صريحًا يدفع ما ذكره أهل المقالة الأولى من قولهم: الكلب العقور هو الأسد وكل عقور من السباع، محتجين بقول أبي هريرة،
стр. 4623
بيان ذلك أن الضبع سبع، لأن السبع حيوان مفترس جارح، فكذلك الضبع يفترس ويجرح غالبًا، والنبي ﵇ لم يبح قتلها في حديث جابر، وجعلها من جملة الصيود، وأوجب على قاتلها الجزاء، فدل ذلك على أن الكلب ليس هو السبع، وكان هو الذي يعرفه الناس ويعهدونه، لا كما ذهب إليه أبو هريرة.
ثم إنه أخرج حديث جابر بن عبد الله من ثماني طرق صحاح:
الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن محمد بن بكر بن عثمان البرساني شيخ أحمد وابن معين الثقة، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن عبد الله بن عُبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر الليثي المكي، عن عبد الرحمن بن أبي عمار المكي الملّقب بالقس لعبادته، عن جابر بن عبد الله.
وهذا الإِسناد على شرط مسلم، وأخرجه الترمذي (١): ثنا أحمد بن منيع، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أنا ابن جريج، عن عبد الله بن عُبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار، قال: "قلت لجابر: الضبع أصيد هو؟ قال: نعم. قال: قلت: آكله؟ قال: نعم، قال: قلت له: أقاله رسول الله ﵇؟ قال: نعم" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
الثاني: عن يزيد بن سنان أيضًا، عن حبان -بفتح الحاء- بن هلال، وشيبان بن فروخ الأيلي شيخ مسلم وأبي داود، عن هُدبة بن خالد شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، ثلاثتهم عن جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي عمار، عن جابر.
وأخرجه أبو داود (٢): نا محمد بن عبد الله الخزاعي، قال: نا جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عبد الرحمن أبي عمار، عن جابر بن عبد الله، قال: "سألت رسول الله ﷺ عن الضبع، فقال: هو صيد، ويُجعل فيه كبش إذا صاده المحرم".
стр. 4624
الثالث: عن علي بن شيبة، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل شيخ البخاري، عن جرير بن حازم، عن عبد الله بن عمير ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن وكيع، عن جرير بن حازم، عن عبد الله بن عمير ... إلى آخره نحوه.
الرابع: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن جرير ... إلى آخره.
وأخرجه الدارقطني (٢): نا محمد بن القاسم بن زكريا، نا أبو كريب، ثنا قبيصة، عن جرير بن حازم، حدثني عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي عمار، عن جابر بن عبد الله قال: "سئل رسول الله ﵇ عن الضبع، فقال: هي صيد، وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشًا".
الخامس: عن هارون بن كامل الفهري، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص المكي، وعبد الملك بن جريج، وجرير بن حازم، ثلاثتهم عن عبد الله بن عمير ... إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٣): نا هشام بن عمار ومحمد بن الصباح، قالا: ثنا عبد الله بن رجاء المكي، عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن أبي عمار وهو عبد الرحمن: "قال سألت جابر بن عبد الله عن الضبع أصيد هو؟ قال: نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت: أشيء سمعت من رسول الله ﵇؟ قال: نعم".
стр. 4625
السادس: عن يزيد بن سنان، عن حبان بن هلال، عن حسان بن إبراهيم بن عبد الله الكرماني أحد أصحاب أبي حنيفة، عن إبراهيم بن ميمون الصائغ المروزي، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث حسان بن إبراهيم، نا إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر، قال رسول الله ﵇: "الضبع فكلها وفيها كبش سمين إذا أصابها المحرم".
السابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن حسان بن إبراهيم الصائغ ... إلى آخره.
الثامن: موقوف، عن صالح بن عبد الرحمن .. إلى آخره.
ورجاله رجال الصحيح ما خلا عبد الرحمن.
ويستفاد من هذا الحديث شيئان:
أحدهما: كون الضبع صيدًا فلا يجوز للمحرم قتله، ولو قتله يجب عليه الجزاء، وعن الشافعي قولان، أصحهما الوجوب.
والآخر: كون الضبع مما يؤكل، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، وعند أبي حنيفة وأصحابه وعبد الله بن المبارك لا يؤكل الضبع، وقال الأوزاعي: كان العلماء بالشام يعدونها من السباع، ويكرهون أكلها، واستدلت الحنفية على ذلك بنهيه ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع، وقالوا: الضبع لها ناب فهي من السباع، وكذلك الخلاف في الثعلب، وقالوا: حديث جابر منسوخ، وسيأتي تحقيق الكلام في بابه إن شاء الله تعالى.
ص: فإن قال قائل: فلم تبيحون قتل الذئب؟ قيل له: لأن النبي ﵇ قال: "خمس من الدواب يقتلن في الحرم والإِحرام فذكر الخمس ما هن، فَذِكْرُ الخمس
стр. 4626
يدل على أن غير الخمس حكمه غير حكمهن وإلَّا لم يكن لذكر الخمس معنى، فالذين أباحوا قتل الذئب أباحوا قتل جميع السباع، والذين منعوا قتل الذئب حظروا قتل سائر السباع غير الكلب العقور خاصة، وثبت خروج الضبع من القتل، ولم يكن كلبًا عقورًا وثبت أن الكلب العقور هو الكلب الذي تعرفه العامة.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن العلة في قتل الكلب العقور هو عدوه على بني آدم وابتداؤه بالأذى، فهذا المعنى موجود في الذئب بل الذئب أحرئ من الكلب في ذلك، فكان ينبغي أن يباح قتل الذئب للمحرم كالكلب العقور، حتى أن زفر حمل الكلب العقور على الذئب.
وتقدير الجواب أن النبي ﵇ نص على قتل خمس من الدواب في الحرم والإِحرام، وبين الخمس ماهن، فدل هذا أن حكم غير هذه الخمس غير حكم الخمس، وإلَّا لم يكن لتنصيصه على الخمس فائدة، فالذئب خارج من الخمس، فلا يباح قتله إلَّا إذا بدأنا بالأذى، وقال عياض: ظاهر قول الجمهور أن المراد أعيان ما سمي في هذا الحديث، وهو ظاهر قول مالك وأبي حنيفة، ولهذا قال مالك: لا يقتل المحرم الوزغ، وإن قتله فداه، ولا يقتل خنزيرًا ولا قردًا مما لا يطلق عليه اسم كلب في اللغة، إذ جعل الكلب صفة فيه لا اسمًا، وهو قول كافة العلماء، وإنما قال رسول الله ﵇ خمس، فليس لأحد أن يجعلهن ستًّا ولا سبعًا، وقال أيضًا: مالك والشافعي يريان أن التحريم متعلق بمعاني هذه الخمس دون أسمائها، وأنها إنما ذكرت لينبه بها على ما يشاركها في العلة ولكنهما اختلفا في العلة ما هي؟ فقال الشافعي: العلة أن لحومها لا تؤكل، وكذلك كل ما لا يؤكل لحمه في الصيد مثلها، ورأى مالك أن العلة كونها مضرة لينبه به على ما يضر الأبدان، على جهة المواجهة والمغالبة، وذكر العقرب لينبه به على ما يضر بالأجسام على جهة الاختلاس، وكذلك ذكر الحدأة والغراب، للتنبيه على ما يضر بالأموال مجاهرة، وذكر الفأرة للتنبيه على ما يضر بالأموال اختفاء.
стр. 4627
قوله: "فالذين أباحوا" أي القوم الذين أباحوا قتل الذئب للمحرم وأراد بهم: الثوري والشافعي وأحمد وابن عيينة وزيد بن أسلم، فإنهم قالوا: لفظة الكلب لم تختص بالاسم، وإنما ينطلق على كل عادٍ مفترس غالبًا كالسباع والفهد والذئب.
قوله: "والذين منعوا" أي القوم الذين منعوا، وأراد بهم: الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن حي.
قوله: "حظروا" أي منعوا، من قولهم: حظرت الشيء إذا منعته، وهو في الأصل راجع إلى المنع، لأن الحظر هو المنع، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (١) أي ممنوعًا.
ص: فأما ما رُوي عن النبي ﵇ فيما يقتل في الإِحرام والحرم، فما حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي وأحمد بن عبد الرحمن، قالا: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، قال: قالت حفصة ﵂: قال رسول الله ﷺ : "خمس من الدواب يقتلهن المحرم: الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور".
حدثنا ربيع الجيزي قال: ثنا أبو زرعة، قال: ثنا يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، أن عبد الله بن عمر قال: قالت حفصة: قال رسول الله ﵇ ... ثم ذكر مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن عيسى بن إبراهيم ... إلى آخره، ويونس هو ابن يزيد الأيلي، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري.
وأخرجه البخاري (٢): حدثني أصبغ، قال: أخبرني عبد الله بن وهب، عن
стр. 4628
يونس ... إلى آخره نحوه، ولفظه: "خمس من الدواب لا حرج على من قتلهن" والباقي نحوه.
وأخرجه مسلم (١): عن حرملة بن يحيى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس ... إلى آخره نحوه.
الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد الحجري المصري المؤذن.
وأخرجه الطبراني (٢): نا مسعدة بن سعد العطار المكي، نا إبراهيم بن المنذر الحزامي، نا عبد الله بن وهب ... إلى آخره نحو رواية البخاري.
وقال أبو عمر: رواية نافع عن ابن عمر مقتصرة على إباحة قتل الخمسة للمحرم في حال إحرامه في الحل والحرم جميعًا، وفي رواية سالم: "لا جناح على من قتلهن في الحل والحرم" وهذا أعم، لأنه يدخل فيه المحرم وغير المحرم، ومعلوم أنه ما جاز للمحرم قتله فغير المحرم أحرى أن يجوز ذلك له لكن لكل وجه منها حكم، وفي رواية أيوب: "قيل لنافع: فالحية؟ قال: الحية لا شك في قتلها"، وفي لفظ "لا يختلف في قتلها" قال أبو عمر: وليس كما قال نافع؛ قد اختلف العلماء في جواز قتل الحية للمحرم، ولكنه شذوذ، وليس في حديث ابن عمر عن أحد من الرواة ذكر الحية، وهو محفوظ من حديث عائشة وأبي سعيد وابن مسعود ﵁.
قلت: فيه نظر؛ لأن الييهقي (٣) روى من حديث حجاج بن أرطاة، عن وبرة، سمع ابن عمر يقول: "أمر رسول الله ﵇ بقتل الذئب والفأرة والحدأة، فقيل: أين الحية والعقرب؟ فقال: قد كان يقال ذلك".
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو عوانة، قال: ثنا
стр. 4629
زيد بن جبير: "أن رجلاً سأل ابن عمر ﵄ عما يقتل المحرم؟ قال: أخبرتني إحدى نسوة رسول الله ﵇ إنه كان يأمر ... " ثم ذكر مثله.
ش: إسناده صحيح، ومحمد بن خزيمة بن راشد، وحجاج هو ابن منهال شيخ البخاري، وأبو عوانة الوضاح اليشكري روى له الجماعة، وزيد بن جبير بن حرمل الطائي الكوفي روى له الجماعة.
وأخرجه البخاري (١): نا مسدد، نا أبو عوانة، عن زيد بن جبير، قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: "حدثتني إحدى نسوة النبي ﵇ عن النبي ﵇ يقتل المحرم ... ".
وأخرجه مسلم (٢) نا أحمد بن يونس، قال: نا زهير، قال: ثنا زيد بن جبير: "أن رجلاً سأل ابن عمر ما يقتل المحرم من الدواب، فقال: أخبرني إحدى نسوة النبي ﵇ أنه أقر أو أمر أن يقتل الفأرة والعقرب والحدأة والكلب العقور والغراب".
فإن قيل: زيد بن جبير لم يسمع من عبد الله بن عمر، قال العجلي: زيد بن جبير ثقة ليس بتابعي، في عداد الشيوخ.
قلت: قد خرّج البخاري في روايته بسماعه عن ابن عمر، وقد ذكرناه الآن.
ص: حدثنا محمد بن عمرو قال: ثنا أسباط بن محمد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "سئل النبي ﵇ ما يقتل المحرم ... " فذكر مثله.
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عبد الأعلى بن حماد، قال: ثنا وهيب، قال ثنا أيوب (ح).
وحدثنا يزيد، قال: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ مثله.
стр. 4630
حدثنا يزيد، قال: ثنا شيبان، قال: ثنا جرير، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ نحوه.
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ مثله.
يزيد، قال: ثنا القعنبي، قال: قرأت على مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال شعبة: قلت عن النبي ﵇؟ قال: نعم، وهو متثاقل مثله.
ش: هذه سبع طرق صحاح:
الأول: [...] (١).
الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز، عن علي بن حماد البصري المعروف بالنرسي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن وهيب بن خالد عن أيوب السختياني عن نافع عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه النسائي (٢) أيضًا: أنا زياد بن أيوب، قال: نا ابن علية، قال: نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: "قال رجل: يا رسول الله، ما نقتل من الدواب إذا أحرمنا؟ قال: خمس لا جناح على من قتلهن: الحدأة، والغراب، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور".
الثالث: عن يزيد بن سنان أيضًا، عن موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي، شيخ البخاري وأبي داود، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر.
стр. 4631
وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو كامل، قال: نا حماد، قال: نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ... نحوه.
الرابع: عن يزيد أيضًا، عن شيبان بن فروخ شيخ مسلم وأبي داود، عن جرير بن حازم، عن نافع عن ابن عمر.
الخامس: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ... نحوه.
السادس: عن يزيد بن سنان، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): نا إسحاق، نا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﷺ قال: خمس من الدواب من قتلهن وهو محرم فلا جناح عليه: العقرب، والفأرة، والكلب العقور، والغراب، والحدأة".
السابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة بن الحجاج، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر.
قوله: "وهو متناقل" جملة وقعت حالاً من عبد الله بن دينار.
وقوله: "مثله" أي مثل الحديث المذكور، يتعلق بقوله: "حدثنا" وليس بمتعلق بقوله "وهو متثاقل".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب عن عائشة ﵂ عن النبي ﵇ ... مثله.
стр. 4632
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا شعبة ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "الغراب الأبقع".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله ﵇ قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الكلب العقور، والفأرة، والحدأة، والعقرب، والغراب".
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق عن أبو عامر عبد الملك بن عمرو القيسي العقدي، عن شعبة ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا غندر، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، عن النبي ﵇: "ليقتل المحرم الفأرة والعقرب والحدأة والغراب والكلب العقور". وفي رواية: "والحية".
الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن مسلم بن إبراهيم القصاب، عن شعبة ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن شيبة، قال: نا غندر، عن شعبة (ح).
ونا ابن مثنى وابن بشار، قالا: نا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، عن النبي ﵇ أنه قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحُديَّا".
وأخرجه النسائي (٣) وابن ماجه (٤) نحوه.
стр. 4633
الثالث: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو الربيع الزهراني، قال: نا حماد -وهو ابن زيد- قال: نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵇: "خمس فواسق يقتلن في الحرم: العقرب، والفأرة، والحُديا، والغراب، والكلب العقور".
وأخرجه البخاري (٢): عن يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ... نحوه.
قوله: "فواسق" جمع فاسقة، ومعنى تسميتها فواسق أن أصل الفسق في كلام العرب: الخروج، ومنه سمي الفاسق لخروجه عن أمر الله وطريق طاعته، فسميت هذه الخمس فواسق لخروجها عن الحرمة التي لغيرهن، وأن قتلهن للمحرم وفي الحرم مباح.
وقال الفراء: سميت الفأرة بذلك لخروجها من جحرها.
وقال ابن قتيبة: سمي الغراب بذلك لتخلفه عن نوح ﵇ حين أرسله ليأتيه بخبر الأرض، فترك أمره ووقع على جيفة، ويقال: إنه يقع على وبر البعير وينقب الفراء، ويقال: سميت الحدأة بذلك لأنها تغير على اللحم وكرش والعقرب لأنه يتبع الحس ويلدغ اختلاسًا، والفأرة لأنها تسرق أموال الناس وتفسد بضائعهم، والكلب العقور لأنه من شأنه العدو على الناس وعقرهم ابتداء، ولا يكاد يترك من بني آدم.
ص: حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا موسى بن أعين، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن
стр. 4634
رسول الله ﵇ أنه قال: "يقتل المحرم الحية والعقرب والفأرة والفويسقة. قال يزيد: وعدّ غير هذا فلم أحفظ، قال قلت: ولم سميت الفأرة الفويسقة؟ قال: استيقظ رسول الله ﵇ ذات ليلة وقد أخذت فأرة فتيلة لتُحَرِّق على رسول الله ﵇، فقام إليها فقتلها، وأحل قتلها لكل محرم أو حلال".
ش: علي بن معبد بن شداد العبدي أحد أصحاب محمد بن الحسن، وثقه أبو حاتم، وموسى بن أعين الجزري أبو سعيد الحراني روى له الجماعة سوى الترمذي، ويزيد بن أبي زياد القرشي الكوفي فيه مقال، فعن يحيى: لا يحتج بحديثه. وعنه: ضعيف الحديث. وقال العجلي: جائز الحديث، روى له مسلم مقرونًا بغيره، واحتج به الأربعة، وابن أبي نعم هو عبد الرحمن بن أبي نعم البجلي الكوفي العابد روى له الجماعة، وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك.
والحديث أخرجه ابن ماجه (١): ثنا أبو كريب، نا محمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵇ أنه قال: "يقتل المحرم الحية والعقرب والسبع العادي والكلب العقور والفأرة الفويسقة، فقيل له: لم قيل لها الفويسقة؟ قال: لأن رسول الله ﵇ استيقظ لها وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت".
وأخرجه أبو داود (٢): نا أحمد بن حنبل، نا هشيم، قال: أنا يزيد بن أبي زياد، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي نعم البجلي، عن أبي سعيد الخدري: "أن النبي ﵇ سئل عما يقتل المحرم، قال: الحية، والعقرب، والفويسقة، ويَرمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي".
وأخرجه الترمذي (٣) مختصرًا: نا أحمد بن منيع، قال: نا هشيم، قال: نا يزيد بن
стр. 4635
أبي زياد، عن ابن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵇ قال: "يقتل المحرم السبع العادي". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
ص: فهذا ما أباح النبي ﵇ للمحرم قتله في إحرمه، وأباح للحلال قتله في الحرم، وعدَّ ذلك خمسًا، فذلك ينفي أن يكون (أشكال) (١) شيء من ذلك كحكم هذه الخمس إلَّا ما اتفق عليه من ذلك أن النبي ﵇ عناه.
ش: أي فهذا المذكور وهو الخمس الفواسق التي أباح النبي ﵇ قتلها في الحل والحرم للمحرم والحلال، ونص عليها بالعدد، والتنصيص عليها بالعدد ينافي أن يكون أشكال شيء أي أنظاره وأمثاله كحكم هذه الخمس، ألا ترى أنه ذكر الحدأة والغراب وهما من ذي المخلب من الطيور وعينهما؛ فلا يلحق بهما سائر ذوي المخالب من الطيور، كالصقر والبازي والشاهين والعقاب ونحو ذلك، وهذا بلا خلاف.
فإن قلت: التنصيص على الشيء باسمه العلم لا يقتضي الخصوص سواء كان المنصوص عليه باسم العدد مقرونًا أو لم يكن، فكيف تقول فذلك ينفي أن يكون أشكال شيء من ذلك كحكم هذه الخمس؟
قلت: هذا الباب فيه خلاف، فذهب قوم إلى أن المنصوص إذا كان مقرونًا بالعدد، يدل على نفي الحكم عن غيره، لأن في إثبات الحكم في غيره إبطال العدد المنصوص، وذا لا يجوز، كما في قوله ﵇: "أحلت لنا ميتتان ودمان .. " الحديث (٢) فيحتمل أن يكون الطحاوي قد ذهب إلى هذا المذهب.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن لا يجوز قتل الحية للمحرم على قوله.
قلت: ذكر ابن برندة في أحكامه: قال الطحاوي: لا يقتل المحرم الحية ولا الوزغ ولا شيئًا غير الحدأة والغراب والكلب العقور والفأرة والعقرب، فهذا يدل
стр. 4636
على أنه قصر هذا الحكم على الخمس المنصوص عليه في الحديث، ولكن الذي يفهم من كلامه ها هنا أن للمحرم قتل الحية لورود الحديث بذلك عمومًا وخصوصًا، على ما يأتي ذكره عن قريب إن شاء الله، ولا يقال: إنه ينافي ما ذكره من قوله: ينفي أن يكون أشكال شيء من ذلك كحكم الخمس، لأنا نقول: إنه دفع هذا بقوله إلَّا ما اتفق عليه من ذلك أن النبي ﵇ عناه أي قصده، والحية من جملة ما عَنَاه من ذلك، على ما يأتي من حديث عبد الله بن مسعود: "أن النبي ﵇ أمرهم بقتل الحية في منى". وجاء أحد الخمس الحية فيما رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري كما ذكرناه الآن.
ص: فإن قال قائل فقد رأينا الحية مباح قتلها في ذلك كله، وكذلك جميع الهوام فإنما ذكر النبي ﵇ من ذلك العقرب خاصة، فجعلتم كل الهوام كذلك فما تنكرون أن تكون السباع كذلك أيضًا، فيكون ما ذكر إباحة قتله منها إباحة لقتل جميعهن.
قيل له: قد أوجدنا له عن النبي ﵇ نصًّا في الضبع وهي من السباع، أنها غير داخلة فيما أباح قتله من الخمس، فثبت بذلك أن النبي ﵇ لم يرد قتل سائر السباع بإباحته قتل الكلب العقور، وإنما أراد بذلك خاصًّا من السباع، ثم قد رأيناه أباح مع ذلك أيضًا قتل الغراب والحداءة وهما من ذوي المخلب من الطير، وقد أجمعوا أنه لم يرد بذلك كل ذي مخلب من الطير، لأنهم قد أجمعوا أن العقرب والصقر والبازي ذوو مخلب غير مقتولين في الحرم كما يقتل الغراب والحداءة، وإنما الإِباحة من النبي ﵇ لقتل الغراب والحداءة عليها خاصة لا على ما سواهما من كل ذي مخلب من الطير، وأجمعوا أن النبي ﵇ أباح قتل العقرب في الإِحرام والحرم، وأجمعوا أن جميع الهوام مثلها، وأن مراد النبي ﵇ بإباحة قتل العقرب قتل جميع الهوام، فذو الناب من السباع بذي المخلب من الطير أشبه منه بالهوام، مع ما قد بين ذلك، وشدَّه ما رواه جابر عن النبي ﵇ في حديث الضبع.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن الحية يباح قتلها لكل أحد في كل الأحوال وكل الأمكنة، وكذلك سائر الهوام القتالة كالرتيلاء والزنبور وأم أربعة وأربعين
стр. 4637
ونحوها، والنبي ﵇ إنما ذكر في الخمس الفواسق المذكورة العقرب خاصة وأشركتم في الحكم المذكور الحية وسائر الهوام قياسًا على العقرب، فلِمَ لا تشركون سائر السباع للكلب العقور المذكور بعينه بينهن فتكون إباحة قتل الكلب العقور إباحة لقتل غيره من السِّباع.
وتقرير الجواب أن يقال: لا نسلم أن يكون ما ذكرتم من القياس صحيحًا؛ وذلك لأن النبي ﵇ قد نص على الضبع -وهو من السِّباع- أنه صيد، وأنه غير مباح قتله من الخمس، فدل هذا كله أنه ﵇ لم يرد بإباحته قتل الكلب العقور إباحة قتل سائر السِّباع، وإنما أراد بذلك خاصًا من السِّباع، ألا ترى أنه ﵇ أباح قتل الغراب والحداءة والحال أنهما من ذوي المخلب من الطير، وقد أجمع العلماء كلهم على أنه لم يرد بذلك كل ذي مخلب من الطير، لأنكم أنتم ونحن مجمعون على الحداءة أن نحو العقاب والصقر والبازي لا يقتل في الحرم كما يقتل الغراب والحداءة، فثبت بهذا أن الإِباحة من النبي ﵇ لقتل الغراب والحداءة بأعيانهما خاصة لا على ما سواهما من سائر ذوي مخلب من الطير.
قوله: "وأجمعوا أن جميع الهوام مثلها" أي مثل العقرب، والتحقيق فيه أن المراد من الكلب العقور عنى ما سمي به فلا يلحق به غيره من السِّباع، والمراد من العقرب معناها وهو قصدها الأذى والإِهلاك بطريق الاختلاس يلحق بها غيرها من سائر الهوام المؤذية كالحية والرتيلاء وأم الأربعة والأربعين والسام الأبرص والوزغة والنمل المؤذية ونحو ذلك، ولا يقال: إن هذا تحكم؛ لأنا نقول: لولا حديث جابر في الضبع لكان المراد من الكل معانيها لا أعيانها فافهم.
قوله: "فذو الناب من السِّباع بذي المخلب من الطير أشبه منه بالهوام" جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: يلحق سائر السِّباع في القتل بالعقرب وسائر الهوام ليصير حكمها حكم العقرب والهوام.
стр. 4638
وتقرير الجواب أن يقال: إن إلحاق الشيء بالشيء إنما يكون إذا كان بينهما شبه، والشبه بين السِّباع والهوام بعيد، والأقرب أن يلحق السِّباع بذي المخلب من الطيور لقرب المشابهة بينهما.
ص: فإن قال قائل: إنما جعل النبي ﵇ حكم الضبع كما ذكرت لأنها تؤكل، فأما ما كان لا يؤكل من السباع فهو كالكلب.
قيل: قد غلطت في التشبيه، لأنا قد رأينا النبي ﵇ قد أباح قتل الغراب والحداءة والفأرة، وأكل لحوم هؤلاء مباح عندكم، فلم يكن إباحة أكلهن ما يوجب حرمة قتلهن، فكذلك الضبع ليست إباحة أكلها أوجب حرمة قتلها، وإنما منع من قتلها أنها صيد، وإن كانت سبعًا، وكل السِّباع كذلك الَّا الكلب الذي خَصَّه النبي ﵇ بما خص به.
ش: هذا السؤال وارد على الجواب عن السؤال المتقدم، تقريره أن يقال: إنما جعل النبي ﵇ حكم الضبع كما ذكرت من أنها غير داخلة فيما أبيح قتله من الخمس لأنها تؤكل، فأما ما كان لا يؤكل من السباع فينبغي أن يكون كالكلب في إباحة القتل.
وتقرير الجواب أن يقال: إن هذا التشبيه أعني تشبيه سائر السباع [بالكلب] (١) العقور في هذا الحكم غلط، وذلك لأن النبي ﵇ قد أباح قتل الغراب والحداءة والفأرة، والحال أن لحوم هؤلاء مباح عندكم فلم يكن إباحة قتلهن مما يوجب حرمة قتلهن، فكذلك الضبع ليس أوجب حرمة قتلها إباحة قتلها وإنما أوجب ذلك كونها من الصيد فافهم.
قوله: "يباح عندكم" الخطاب فيه للمالكية ومن تبعهم في هذا، قال أبو عمر: قال مالك: لا بأس بأكل سباع الطير كلها، الرخم والنسور والعقبان وغيرها، ما أكل الجيف منها وما لم يكن (*)، وهو قول الليث بن سعد ويحيى بن سعيد وربيعة
стр. 4639
وأبي الزناد، وقال الأوزاعي: الطير كله حلال إلَّا أنهم يكرهون الرخم، وقال ابن القاسم: لا بأس بأكل خشاش الأرض وعقاربها ودودها في قول مالك.
قلت: خِشاش -بكسر الخاء المعجمة-: الحشرات، قال الجوهري: وقد تفتح الخاء وهو يتناول الفأرة والوزغة والحية والعقرب والسام الأبرص ونحو ذلك من هوام الأرض.
ص: فإن قال قائل: فكيف يكون سائر السِّباع كذلك وهي لا تؤكل؟! قيل له: قد يكون من الصيد ما لا يؤكل ويباح للرجل صيده ليطعمه كلابه إذا كان في الحل حلالًا.
ش: هذا السؤال دار في قوله: "وكل السِّباع كذلك" أي كيف تكون سائر السباع كالضبع والحال أنها لا تؤكل بخلاف الضبع فإنها تؤكل؟! وهذا على مذهبهم، فأجاب عنه بقوله: "قيل له ... إلى آخره" يعني أن الصيد لا يلزم منه أن يكون فيما يؤكل لحمه، وقد يكون من الصيد ما لا يؤكل لحمه فيصاد إما لجلده، وإما لدفع أذاه، وإما ليطعم لحمه كلابه ليتمرن على الصيد ويغرس على إمساكه، وإما لعظمه، أو وجه من الوجوه، وكل ذلك يجوز في الحل للحلال، والله أعلم.
ص: وقد رُوي عن النبي ﵇ في قتل الحية أيضًا ما حدثنا أبو أمية، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله قال: "أمرنا رسول الله ﵇ بقتل الحية ونحن بمنى" فقد دل ذلك على أن سائر الهوام مباح قتله في الإِحرام والحرم.
ش: ذكر هذا تأييدًا لما قاله من إلحاق الحية وجميع الهوام بالعقرب في إباحة القتل في الكل مع تنصيص العقرب وحدها.
وأخرجه بإسناد صحيح: عن أبي أميه محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن موسى بن داود الضبي الخلقاني قاضي طرسوس، روى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، عن حفص بن غياث النخعي قاضي الكوفة وأحد أصحاب
стр. 4640
أبي حنيفة روى له الجماعة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد النخعي، عن عبد الله بن مسعود ﵁.
وأخرجه مسلم (١): حدثني أبو كريب، قال: ثنا حفص بن غياث، قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ أمر محرمًا بقتل حية بمنى".
وقال ابن بطال: أجمع العلماء على جواز قتل الحية في الحل والحرم، وقال الطبري: فإن قيل: قد صح أمر النبي ﵇ بقتل الحيات، فما أنت قائل في قوله أيضًا: نهى عن قتل حيات البيوت؟ قيل له: اختلف السلف قبلنا في ذلك، فقال بعضهم بظاهر الأمر بقتل الحيات كلها من غير استثناء شيء منها، كما روى أبو إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله، قال رسول الله ﵇: "اقتلوا الحيات كلهن، فمن خاف ثأرهن فليس مني" (٢) وروي هذا أيضًا عن عمر (٣) ﵁.
وقال آخرون: لا ينبغي أن نقتل عوامر البيوت وسكانها إلَّا بعد مناشدة العهد الذي أخذ عليهن، فإن ثبت بعد إنشاده قتل، قال الطبري: وجميع هذه الأخبار عن النبي ﵇ حق وصدق وليس في شيء منها خلاف لصاحبه، والرواية عنه أنه أمر بقتل الحيات من غير استثناء شيء منها خبر مجمل بين معناه الخبر الآخر، نهى عن قتل جنان البيوت إلَّا بعد النشدة حذار الإِصابة فيلحقه ما لحق الفتى المعرس بأهله، روى ابن أبي مليكة، عن عائشة بنت طلحة: "أن عائشة ﵂ رأت في مغتسلها حية فقتلتها، فأتيت في منامها، فقيل لها: إنك قتلت مسلمًا، فقالت: لو كان مسلمًا ما دخل على أمهات المؤمنين فقيل: ما
стр. 4641
دخل عليك إلَّا وعليك ثيابك، فأصبحتْ فزعة، ففرقت في المساكين اثني عشر ألفًا". وقال ابن قانع: لا تنذر عوامر البيوت إلَّا بالمدينة خاصة، على ظاهر الحديث، وقال مالك: تنذر بالمدينة وغيرها، وهو بالمدينة أوجب، ولا تنذر بالصحاري، وقال غيره: المدينة وغيرها سواء في الإِنذار.
قلت: "جنان البيوت" بكسر الجيم، واحدها جن، والإِثنان والجمع جنان، مثل صنو، وصنوان للاثنين والجمع، وهي الحيات، وروي عن ابن عباس: الجنان مسخ الجن كما مسخت القردة من بني إسرائيل والله أعلم.
ص: وجميع ما صححنا في هذا الباب قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏ غير الذئب فإنهم جعلوه في ذلك كالكلب سواء.
ش: أي فإن أبا حنيفة وصاحبيه جعلوا الذئب في حكم إباحة قتله كالكلب العقور، فلا يجب بقتله شيء، وذكر في "مطامح الأفهام": قال أبو حنيفة: لا يقتل من الكلاب العقورة إلَّا السبع الإِنسي، والذئب الوحشي، لأنه في معناه وخلقته، واختلف قول مالك في الذئب هل يقتل أم لا. انتهى.
فهذا كما رأيت قد ألحق أبو حنيفة وصاحباه الذئب بالكلب المذكور في الحديث، وأما زفر بن الهذيل فإنه قال: المراد بالكلب في الحديث هو الذئب. والله أعلم بالصواب.
***
стр. 4642
ص: باب: الصيد يذبحه الحلال هل للمحرم أن يأكل منه أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم الصيد الذي يذبحه الحلال، هل يجوز للمحرم أن يأكل منه أم لا يجوز؟
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد (ح).
وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل: "أن عثمان بن عفان ﵁ نزل قديدًا، فأتى بالحجل في الجفان شائلة بأرجلها، فأرسل إلى علي ﵁ وهو يضفز بعيرًا له، فجاءه والخبط يتحات من يديه فأمسك علي ﵁ وأمسك الناس، فقال علي ﵁: من ها هنا من أشجع؟ هل علمتم من رسول الله ﵇ جاءه أعرابي ببيضات نعام وتتمير وحش، فقال: أطمعهن أهلك، فأنا حرم، قالوا نعم".
ش: هذان طريقان:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، أسد السنة، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان البصري المكفوف، فيه مقال فعن أحمد ليس بالقوي، وعن يحيى ضعيف، وعنه ليس بحجة، وقال العجلي: كان يتشيع لا بأس به. وقال الترمذي: صدوق إلَّا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره، روى له مسلم مقرونًا بنائب القناني واحتج به الأربعة.
عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي روى له الجماعة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، نا حماد بن سلمة، أنا علي بن زيد، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل: "أن عثمان نزل قديدًا، فأتى بالحجل ... " إلى آخره
стр. 4643
نحو رواية الطحاوي غير أن بعد قوله: قالوا بلى فتورك عثمان عن سريره ونزل، فقال: خبثت علينا".
وأخرجه عبد الله بن أحمد (١): حدثني هدبة، عن خالد، نا همام نا علي بن زيد، عن عبد الله بن الحارث: "أن أباه ولى طعام عثمان، قال: فكأني أنظر إلى الحجل حوالي الجفان، فجاء رجل فقال إن عليًّا ﵁ يكره هذا، فبعث إلى علي وهو ملطخ بدنه بالحبط، فقال: إنك لكثير الخلاف علينا، فقال علي: أذكر الله من شهد النبي ﵇ أُتي بعجز حمار وحش وهو محرم، فقال: إنا محرمون فأطعموه أهل الحل؟ فقام رجال فشهدوا، ثم قال: أذكر الله رجلاً شهد النبي ﵇ أُتي بخمس بيضات -بيض نعام- فقال: إنا محرمون فأطمعوه أهل الحل؟ فقام رجال فشهدوا، فقام عثمان ﵁ فدخل فسطاطه وتركوا الطعام على أهل الماء".
الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٢): نا محمد بن كثير، قال: نا سليمان بن كثير، عن حميد الطويل، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه قال: وكان الحارث خليفة عثمان ﵁ على الطائف، فصنع لعثمان طعامًا وصنع فيه من الحجل واليعاقيب ولحوم الوحش، قال: فبعث إلى علي بن أبي طالب ﵁ فجاءه الرسول وهو يخبط لأباعر له، فجاء وهو ينفض الخبط عن يده، فقالوا له: كل، قال: أطعموا قومًا حلالاً فأنا محرم، قال علي: أنشد من كان ها هنا من أشجع، أتشهدون أن رسول الله ﵇ أهدى إليه رِجْل حمارٍ وحشي وهو محرم فأبى أن يأكله؟ قالوا: نعم".
قوله: "نزل قديدا" هو اسم موضع قد ذكرناه.
стр. 4644
قوله: "بالحجل" بفتح الحاء والجيم وهو [القَبَج] (١) الطائر المعروف، واحده حجلة.
"والجفان" جمع "جفنة" وهي القصعة.
قوله: "شائلة" نصب على الحال من الحجل.
قوله: "وهو يضفز بعيرًا له" بالضاد والزاي المعجمتين بينهما فاء، يقال: ضفزت البعير إذا علفته الضفائز، وهي اللقم الكبار، واحدتها ضفيزة، والضفيز شعير يجرش وتعلفه الإِبل.
قوله: "والخبط يتحات من يديه" جملة اسمية وقعت حالاً من الضمير المرفوع في "فجاءه" والخبط بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة، على وزن فَعَلْ بالتحريك بمعنى مفعول، وهو الورق الساقط من الشجر، وهو من علف الإِبل، والخَبْط بالتسكين ضرب الشجرة بالعصي ليتناثر ورقها، والمخبط بكسر الميم العصي الذي يخبط به الشجرة، ومعنى يتحات: يتساقط ويتناثر.
قوله: "من أشجع" بسكون الشين المعجمة وفتح الجيم بعدها عين مهملة، هو أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس [بن] (٢) غيلان بن مضر، بطن وقيل: قبيلة، والأول أظهر.
قوله: "وتتمير وحش" التتمير قطع اللحم صغارًا كالتمر وتجفيفه وتنشيفه، وأراد به ما قدَّد من لحوم الوحش.
قوله: "فأنا حُرُم" بضمتين، جمع حرام.
و"اليعاقيب" جمع يعقوب وهو الذكر.
يستفاد منه: جواز أكل لحم الحجل، ولحم الحمر الوحش، والنعام وبيضها.
стр. 4645
وفيه دلالة على فضيلة علي بن أبي طالب وغزارة علمه، وغاية مسكنته وتواضعه.
وفيه أن الإِمام إذا أشكل عليه أمر سعي له، بل يجب عليه أن يسأل أهل العلم.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا الحديث، فقالوا: لا يحل للمحرم أن يكل لحم صيد قد ذبحه حلال؛ لأن الصيد نفسه حرام عليه، فلحمته أيضًا حرام عليه.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشعبي وطاوسًا ومجاهدًا وجابر بن زيد أبا الشعباء والثوري والليث بن سعد ومالكًا في رواية وإسحاق في رواية فإنهم قالوا: لا يحل للمحرم أن يأكل لحم صيد قد ذبحه حلال بوجه من الوجوه، وروي ذلك عن علي (١) وابن عمر (٢) وابن عباس (٣) ﵃ سواء صِيدَ من أجله أو لم يُصَد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٤) قال ابن عباس (٥): هي مبهمة.
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن عمران، قال: ثنا أبي، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن ابن عباس، عن علي ﵃: "أن النبي ﵇ أتى بلحم صيد وهم محرم فلم يأكله".
ش: أي احتج هؤلاء القوم أيضًا بحديث علي ﵁ أخرجه عن فهد بن سليمان، عن محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي شيخ البخاري في غير الصحيح، قال أبو حاتم: كوفي صدوق، عن أبيه
стр. 4646
عمران بن محمد، وثقه ابن حبان، وقال الأزدي: ليس بذاك، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة، فيه لين، وقال أبو حاتم: كان محله الصدق، روى له الأربعة، عن عبد الكريم بن مالك الجزري أبي سعيد الحراني روى له الجماعة، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل روى له الجماعة.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١): ثنا عثمان بن عمران بن محمد بن أبي ليلى، عن أبيه، عن عبد الكريم ... إلى آخره نحوه سواء.
قلت: أخرج البزار في "مسنده" (٢) عن علي بهذا الإِسناد ما يخالف هذه الرواية، فقال: ثنا محمود بن بكر بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبي، قال: نا عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي ﵁: "أن النبي ﵇ رخص في لحم الصيد للمحرم". ثم قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه إلَّا عبد الكريم، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي ﵁، ورواه عنه محمد بن أبي ليلى، ورواه عن محمد: عمران بن أبي ليلى وعيسى بن المختار.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عبد الكريم، عن قيس بن مسلم الجدلي، عن الحسن بن محمد بن علي، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ أهُدي إليه وشيقة ظبي وهو محرم فرده". وقال يونس: سمعته كله عن سفيان غير قوله: "وشيقة" فإني لم أفهم ذلك منه، وحدثنيه بعض أصحابنا عنه.
ش: يونس هو ابن عبد الأعلى، وسفيان هو ابن عيينة، وعبد الكريم هو ابن مالك الجزري، وقيس بن مسلم الجدلي العدواني الكوفي روى له الجماعة، والحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية وروى له الجماعة.
стр. 4647
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الرزاق، نا الثوري، عن قيس بن مسلم، عن حسن بن محمد، عن عائشة قالت: "أهُدي لرسول الله ﵇ وشيقة ظبي وهو محرم فلم يأكله".
وأخرجه أبو قرة في "سننه": من حديث ابن جريج، أخبرني عبد الكريم، عن قيس بن مسلم، عن حسن بن محمد بن علي، قال: قالت عائشة: "أهديت للنبي ﵇ ظبية فيها وشيقة صيد وهو حرام فأبى أن يأكله".
قوله: "وشيقة ظبي" الوشيقة أن يؤخذ اللحم فيغلى قليلاً ولا ينضج ويحمل في الأسفار، وقيل: هي القديد، وقد وشقت اللحم أشِقْه وشقًا واتشقت مثله، ويجمع على وشيق ووشائق.
قوله: "ظبية فيها وشيقة صيد" جراب صغير عليه شعر، وقيل: هي شبه الخريطة والكيس، وجاء في حديث آخر: "أهدى إلى النبي ﵇ ظبية فيها خرز فأعطى الآهل منها والعزب" (٢).
ص: وليس في هذا الحديث ذكر علة رده لحم الصيد ما هي؟ فقد يحتمل أن يكون ذلك لعلة الإِحرام، ويحتمل أن يكون لغير ذلك، فلا دلالة في هذا الجانب لأحد.
ش: أراد بهذا الكلام أن الأحاديث المذكورة لا تصلح أن تكون حجة لأهل تلك المقالة، لأنه لم يبين فيها علة الرد ماذا كانت؟ فقد يحتمل أن تكون العلة هي كونه محرمًا، ويحتمل أن تكون غير ذلك، فلا يتم به الاستدلال، ولقائل أن يقول: هذا يتمشى من حديث علي وعائشة لوجود الاحتمالين المذكورين فيه؟ وأما الحديث الأول الذي كانت الهدية فيه لعثمان ﵁ فإن علة الرد فيه ظاهرة وهي قوله: "فأنا محرم" فافهم.
стр. 4648
ص: وقد رُوي عن عائشة ﵂ من رأيها في الصيد يصيده الحلال فيذبحه، أنه لا بأس بأكله للمحرم.
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، قال: حدثني شيخ كخير الشيوخ يقال له: عبيد الله بن عمران القريعي، قال: سمعت عبد الله بن شماس يقول: "أتيت عائشة ﵂ فسألتها عن لحم الصيد يصيده الحلال ثم يهديه للمحرم. فقال: اختلف فيها أصحاب رسول الله ﵇ فمنهم من حرم، ومنهم من أحله، وما أرى بشيء منه بأسًا".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن عمران بن عبيد الله -أو عبيد الله بن عمران- رجل من بني تميم، عن عبيد الله بن شماس، عن عائشة ... مثله.
فهذه عائشة لم يكن رد النبي ﵇ لحم الصيد على الحلال عندها على ما قد دلها على حرمته على المحرم.
ش: أخرج هذا عن عائشة من طريقين شاهدًا لما قاله في الاحتمال المذكور من حديث عائشة الذي رواه عنها الحسن بن محمد بن علي ﵃ وذلك لأنها قالت: وما أرى بشيء منه بأسًا، فقولها هذا يدل على أن رد النبي ﵇ لحم الصيد على الحلال لم يكن لأجل حرمته على المحرم وهو معنى.
قوله: "فهذه عائشة ... إلى آخره" وهي جملة من المبتدأ والخبر.
وقوله: "رد النبي ﵇" اسم لم يكن.
وقوله: "على ما قد دلها" خبره، والضمير المنصوب في "دلها" يرجع إلى عائشة فافهم.
الطريق الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث التميمي البصري، عن شعبة بن الحجاج، عن عبيد الله بن عمران القريعي، وثقه بن حبان، وقال أبو حاتم: شيخ. ونسبته إلى قريع -بضم القاف- بطن
стр. 4649
من بني تميم، عن عبد الله بن شماس ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه وقال: لم يرو عنه غير عبيد الله بن عمران القريعي وسكت عنه، وفي "التكميل": عبيد الله بن شماس، عن عائشة، وعنه عبيد الله بن عمران القريعي مجهولان.
الثاني: عن ابن مرزوق أيضًا، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن عمران بن عبيد الله -أو عبيد الله بن عمران- رجل من بني تميم هو القريعي المذكور.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث شعبة، عن عبيد الله بن عمران، عن عبد الله بن شماس، قال: "أتيت عائشة ﵂ فسألتها عن لحم الصيد يهديه الحلال للحرام؟ فقالت: اختلف فيها أصحاب رسول الله ﵇ فكرهه بعضهم، وليس به بأس" انتهى.
قوله: "فقالت: اختلف فيها أصحاب رسول الله ﵇" وذلك لأن علي بن أبي طالب وابن عباس قد ذهبا إلى التحريم مطلقًا، وخالفهما عمر وعثمان وطلحة والزبير ﵃.
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس أنه قال لزيد بن أرقم: "حدثتني أن رسول الله ﵇ أُهدي له عضو صيد وهو محرم فلم يقبله".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، قال: لما قدم زيد بن أرقم أتاه ابن عباس فقال: أهدى رجل إلى النبي ﵇ لحم صيد فرده، وقال: إني حرام".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قيس عن عطاء: "أن ابن عباس قال لزيد بن أرقم: هل علمت أن النبي ﵇ أهُدي له عضو صيد وهو محرم فلم يقبله؟ قال: نعم".
стр. 4650
فهذا أيضًا مثل حديث علي عن النبي ﵇، وفيه أن رسول الله ﵇ إنما رد ذلك العضو الذي أهداه إليه لأنه حرام.
ش: أي احتج أولئك القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عباس عن زيد بن أرقم، وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن الحجاج بن محمد المصيصي الأعور، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن الحسن بن مسلم بن يناق المكي، عن طاوس عن عبد الله بن عباس.
وأخرجه مسلم (١): حدثني زهير بن حرب، قال نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "قدم زيد بن أرقم فقال له عبد الله بن عباس يستذكره: كيف أخبرتني عن لحم صيد أُهدي لرسول الله ﵇ وهو حرام؟ قال: قال: أهدي له عضو من لحم صيد فرده فقال: إنا لا نأكله إنا حرم".
الثاني: عن ابن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك ابن جريج ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٢): أنا عمرو بن علي، عن يحيى وأبي عاصم، كلاهما عن ابن جريج ... إلى آخره نحوه.
الثالث: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد المكي، عن عطاء بن أبي رباح المكي، عن ابن عباس.
وأخرجه أبو داود (٣): نا أبو سلمة، ثنا حماد، عن قيس، عن عطاء عن ابن عباس أنه قال يا زيد بن أرقم هل علمت أن النبي ﵇ أُهدي إليه عضو صيد فلم يقبله وقال أنا حرم: قال نعم.
стр. 4651
وأخرجه النسائي (١) أيضًا: عن أحمد بن سليمان، عن عفان، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره نحوه.
قوله: "فهذا أيضًا مثل حديث علي" أي هذا الحديث مثل حديث علي بن أبي طالب عن النبي ﵇ المذكور في أول الباب، حيث ذكر في كل واحد منهما ما يدل على الرد، ففي حديث علي قوله: "فأنا حرم"، وفي حديث ابن عباس عن زيد بن أرقم: "إني حرام".
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، عن الصعب بن جثامة قال: "مرّ بي رسول الله ﵇ وأنا بالإِبواء أو بودان فأهديتُ [له] (٢) لحم حمار وحشي فرده عليَّ، فلما رأى الكراهة في وجهي قال: ليس بنا رد عليك ولكنا حرم".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا أسد، قال: ثنا المسعودي، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري ... فذكر بإسناده مثله.
ش: أي واحتج أولئك القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث الصعب بن جثامة، وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى ... إلي آخره، والكل رجال الصحيح.
وأخرجه ابن ماجه (٣): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار، قالا: ثنا سفيان بن عُيينة.
وثنا محمد بن رمح، أنا الليث بن سعد، جميعًا عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: أنبأنا الصعب بن جثامة قال: "مر بي رسول الله ﵇ وأنا بالأبواء أو بودان ... " إلى آخره نحوه سواء.
стр. 4652
الثاني: عن سليمان بن شعيب بن الكيساني صاحب محمد بن الحسن الشيباني، عن أسد بن موسى، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، عن إسحاق بن راشد الجزري ويقال: الرقي الأموي، عن محمد ابن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الفقيه الأعمى المدني، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، عن عبد الله بن عباس.
وأخرجه الطبراني في "معجمه" (١): نا أحمد بن زهير التستري، نا علي بن شعيب السمسار ثنا أبو النضر، ثنا المسعودي، عن إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة قال: "أهديت لرسول الله ﵇ حمار وحشي وهو محرم، فرده، فلما رأى الذي في وجهي قال: ليس بنا رد عليك، ولكنا حرم".
وهذا الحديث أخرجه الجماعة غير أبي داود (٢).
قوله: "وأنا بالأبواء" جملة حالية، والأبواء بفتح الهمزة ممدود قرية من عمل الفرع بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلاً، وفي "المطالع" وسميت بذلك لما فيها من الوباء، ولو كان كما قيل: لقيل: الأوباء، أو يكونا مقلوبًا منه، وبه توفيت أم رسول الله ﵇، والصحيح أنه إنما سميت بذلك لتبوء السيول بها، قاله ثابت.
و"وَدَّان" بفتح الواو وتشديد لدال قرية جامعة من ناحية الفرع بينها وبين الأبواء ثمانية أميال ينسب إليها الصعب بن جثامة الليثي الوادني لأنه كان ينزلها، وكان هاجر إلى النبي ﵇ ومات في خلافة أبي بكر ﵁، وفي "المطالع": "ودان"
стр. 4653
قرية جامعة من عمل الفرع بينهما وبين هرشي نحو ستة أميال، وبينها وبين الأبواء نحو من ثمانية أميال، قريب من الجحفة.
وقوله: "ولكنا حرم" بضمتين جمع حرام.
ص: فقيل لهم: هذا حديث مضطرب قد رواه قوم على ما ذكرنا، ورواه آخرون فقالوا: إنما أُهدي إليه حمارًا وحشيًّا.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس: "أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله ﵇ حمارًا وحشيَّا ... " ثم ذكر مثل حديثه عن سفيان.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب عن ابن شهاب ... ، فذكر بإسناده مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا شعيب بن الليث، عن أبيه، عن الزهري ... ، فذكر بإسناده مثله.
ففي هذه الأحاديث أن الهدية التي ردها رسول الله ﵇ على الصعب من أجل أنه حرام كانت حمارًا وحشيًّا فإن كان ذلك كذلك فإن هذا لا يختلف أحد في حرمته على المحرم، غير أن سعيد بن جبير قد روى هذا الحديث عن ابن عباس فزاد فيه حرفًا على ما رواه عبيد الله بيَّن بذلك الحرف أن الحمار كان مذبوحًا.
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابي، قال: ثنا سفيان، عن أبي الهذيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله ﵇ حمارًا وحشيًّا، فرده، وكان مذبوحًا".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله ﵇ حمارًا وحشيًّا يقطر دمًا، فرده عليه، وقال: إني حرام".
стр. 4654
ففي هذا الحديث أن ذلك كان مذبوحًا، وقد رده رسول الله ﵇ لأنه حرام، وقد رُوي أيضًا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان عجز حمار وحشي أو فخذ حمار.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر وهب عن شعبة، عن الحكم، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس: "أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله ﵇ عجز حمار وحشي وهو بقديد يقطر دمًا، فرده".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال قال: ثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت منصورًا، عن الحكم بن عتيبة ... ، فذكر بإسناده مثله غير أنه قال: "رجل حمار".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا شعبة، عن الحكم وحبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن الصعب بن جثامة أهدى إلى رسول الله ﵇-قال أحدهما عجز حمار وقال الآخر فخذ حمار- وحشي يقطر دمًا، فرده".
فقد اتفقت هذه الآثار المروية عن ابن عباس في حديث الصعب عن رسول الله ﵇ في رده الهدية عليه أنها كانت في لحم صيد غير حي، فذلك حجة لمن كره للمحرم كل لحم الصيد وإن كان الذي تولى صيده وذبحه حلال.
ش: أي قيل لأولئك القوم الذين احتجوا في جملة ما احتجوا به من حديث الصعب بن جثامة: هذا حديث مضطرب لا يتم به الاستدلال، وقد بين اضطرابه من ثمانية طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن مالك بن أنس، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره. والكل رجال الصحيح.
стр. 4655
وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، عن الصعب بن جثامة الليثي: "أنه أهدى لرسول الله ﵇ حمارًا وحشيًّا وهو بالأبواء -أو بودان- فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلَّا أنا حرم".
وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك.
والنسائي (٣): عن قتيبة بن سعيد، عن مالك.
قوله: "أهدى لرسول الله ﵇" الأصل في أهدي التعدي بإلى، وقد يتعدى باللام ويكون بمعناه، قيل: ويحتمل أن تكون اللام بمعنى أجل، وهو ضعيف.
قوله: "لم نردَّه عليك" قال القاضي: كذا رواية المحدثين في هذا الحرف بفتح الدال، ورده محققوا شيوخنا من أهل العربية، وقالوا: "لم نردُّه" بضم الدال، وكذا وجدته بخط بعض الأشياخ أيضًا وهو الصواب عندهم، على مذهب سيبويه في مثل هذا من المضاعف إذا دخله الهاء أن يضم ما قبلها في الأمر، ونحوه من المجزوم؛ مراعاة للواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء مكان ما قبلها ولي الواو، ولا يكون ما قبل الواو إلَّا مضمومًا، هذا في المذكر، وأما المؤنث مثل لم نردها وأختها مفتوح الواو إلَّا مضمومًا هذا في المذكر وأما المؤنث مثل لم نردها وأختها فمفتوح الدال مراعاة للألف، قلت: في مثل هذا الصيغة قيل: دخول الهاء عليها يجوز أربعة أوجه: الفتح لأنه أخف الحركات، والضم اتباعًا لضمة عين الفعل، والكسر لأنه الأصل في تحريك الساكن، والعكس، وأما بعد دخول الهاء فلا فيجوز فيه غير الكسر فافهم.
стр. 4656
قوله: "إلَّا أنَّا حُرُم" بفتح "أنا" على أنه تعدي إليه الفعل بحرف التعليل، فكأنه قال: لأنا، وقال أبو الفتح القشيري: "إنَّا" مكسورة الهمزة لأنها ابتدائية و"أَنَّا" حرم مفتوحة لأنه حذف منها لام التعليل.
الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن محمد بن مسلم الزهري ... إلى آخره، وهؤلاء كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا عمر بن حفص السدوسي، ثنا عاصم ابن علي، نا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة: "أنه أهدى إلى رسول الله ﵇ حمارًا وحشيًّا فرده عليه، فلما رأى ما في وجهي من رد هديته قال: أما إنه ليس بنا رد عليك ولكنا حرم".
الثالث: عن يونس أيضًا، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن الزهري ... إلى آخره، وهؤلاء أيضًا كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا قتيبة، قال: ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله، أن ابن عباس أخبره، أن الصعب بن جثامة أخبره: "أن رسول الله ﵇ مرّ به بالأبواء -أو بودان- فأهدى له حمارًا وحشيًّا فرده عليه، فلما رأى رسول الله ﵇ في وجهه الكراهية؛ فقال: إنه ليس بنا رد عليك، ولكنا حرم".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
الرابع: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي الهذيل غالب بن الهذيل الأودي الكوفي، وثقه ابن حبان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ... إلى آخره.
стр. 4657
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، ثنا الفريابي، عن سفيان، عن غالب أبي الهذيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ... إلى آخره نحوه.
الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي، عن سعيد بن جبير.
وأخرجه "مسلم" (١): نا يحيى بن يحيى، قال: أنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت منصورًا يحدث، عن الحكم (ح).
ونا ابن المثنى وابن بشار، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: نا شعبة، عن الحكم (ح).
ونا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: نا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت جميعًا عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -في رواية منصور: عن الحكم-: "أهدى الصعب بن جثامة إلى النبي ﵇ رجل حمار وحشي". وفي رواية شعبة عن الحكم: "عجز حمار وحشي يقطر دمًا"، وفي رواية شعيب عن حبيب: "أهدي للنبي ﵇ شق حمار وحشي فرده".
السادس: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، ووهب بن جرير، كلاهما عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ... إلى آخره.
وأخرجه البزار في "مسنده": نا محمد بن المثنى، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن الصعب بن جثامة أهدى إلى رسول الله ﵇ وهو بقديد وهو محرم لحم حمار وحشي، فرده رسول الله ﵇ وهو يقطر دمًا".
стр. 4658
السابع: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن معتمر ابن سليمان، عن منصور بن زاذان، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وأخرجه الطبراني (١): نا معاذ بن المثنى، نا مُسّدد، نا معتمر بن سليمان، قال: سمعت منصورًا يحدث، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "أهدى الصعب بن جثامة رجل حمار وحشي يقطر دمًا إلى رسول الله ﵇ وهو محرم بقديد، فردها".
الثامن: عن أحمد بن داود المكي، عن سليمان بن حرب شيخ البخاري وأبي داود، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة وحبيب بن أبي ثابت، كلاهما عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث العباس الأسفاطي، عن سليمان وأبي الوليد، قالا: نا شعبة، عن الحكم وحبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن الصعب بن جثامة أهدى إلى النبي ﵇-قال أحدهما: بقديد عجز حمار- وقال الآخر: حمار وحشي، فرده".
وقال أبو جعفر الطبري: الأخبار عن الصعب مضطربة، والصحيح أنه حمار حيّ؛ للإِجماع على منع قبول المحرم هبة الصيد، وكيف تكون رجله وهو يقول لم نرده عليك إلَّا أنا حرم؟!.
وقال القاضي: قال الإِمام: بوب البخاري على حديث الصعب ما دل على أنه تأول أن الحمار كان حيًّا، فعلى هذا يكون فيه حجة على أن المحرم يرسل ما كان بيده من صيد، وفيه أيضًا أن الهبة لا تدخل في ملك الموهوب إلَّا بالقبول، وأن قدرته على ملكها لا تصيره مالكها، ثم قال: وفي بعض طرق حديث الصعب ما يقدح في
стр. 4659
تأويل من تأول الحديث على أن الحمار حي، وهو قوله: "رجل حمار" وفي طريق آخر "عجز حمار وحشي يقطر دمًا"، وفي طريق آخر "شق حمار"، وفي رواية زيد بن أرقم: "أهدى للنبي ﵇ عضو من لحم صيد فرده وقال: إنا لا نأكله إنا حرم" فبهذه الروايات يحتج من يقول من الناس: إن المحرم لا يأكل لحم صيد وإن لم يصد من أجله.
وقال إسماعيل: سمعت سليمان بن حرب يتأول هذا الحديث على أنه صيد من أجله، ولولا ذلك لكان أكله جائزًا، وقال سليمان: ومما يدل على أنه صيد من أجله قولهم في الحديث: "فرده يقطر دمًا كأنه صيد في ذلك الوقت".
وقال ابن بطال: اختلاف روايات حديث الصعب تدل على أنها لم تكن قضية واحدة، وإنما كانت قضايا، فمرة أهدى إليه الحمار كله، ومرة عجزه، ومرة رجله، لأن مثل هذا لا يذهب على الرواة ضبطه حتى يقع فيه التضاد في النقل والقصة واحدة.
وقال القرطبي: بوب البخاري على هذا الحديث وفهم منه الحياة، والروايات الآخر تدل على أنه كان ميتًا، وأنه آتاه بعضو منه، وطريق الجمع: أنه جاء بالحمار ميتا فوضعه بقرب النبي ﵇ ثم قطع منه ذلك العضو فأتاه به، فصدق اللفظان، أو يكون أطلق اسم الحمار وهو يريد بعضه وهذا من باب التوسع والتجوز، أو نقول: إن الحمار كان حيًّا فيكون قد أتاه به، فلما رده وأقره بيده ذكاه، ثم أتاه بالعضو المذكور، ولعل الصعب ظن أنه إنما رده لمعنى يخص الحمار بجملته، فلما جاء بجزئه أعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد كحكم الصيد لا يحل للمحرم قبوله ولا تملكه.
وقال البيهقي: قال الربيع: قال الشافعي: فإن كان الصعب أهدى إلى النبي ﵇ الحمار حيًّا فليس لمحرم ذبح حمار وحشي وإن كان أهدى له لحمًا فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده، وأيضًا في حديث جابر وحديث مالك أن الصعب أهدى حمارًا، أثبت من حديث من قال: أهدى له لحم حمار.
стр. 4660
قال البيهقي: وقد روي في حديث الصعب أنه أكل منه، ثم روى بإسناده (١): عن يحيى بن سليمان الجعفي، ثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه: "أن الصعب بن جثامة أهدى للنبي ﵇ عجز حمار وحشي وهو بالجحفة فأكل منه، وأكل منه القوم". هذا إسناد صحيح، قال البيهقي: إن كان محفوظًا، فكأنه ﵇ رد الحي وقبل اللحم.
قلت: قال الذهبي: بل هذا خبر منكر شاذ، ويحيى بن أيوب قد ضُعِّفَ، وله أحاديث منكرة، ولكنه من رجال الصحيحين انتهى، وفي سنده أيضًا يحيى بن سليمان الجعفي، قال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن حبان: ربما أغرب، وأما يحيى بن أيوب الغافقي المصري فقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال أحمد: كان سيء الحفظ يخطئ خطأ كثيرًا، وكذبه مالك في حديثين فعلى هذا لا يشتغل بتأويل هذا الحديث لأجل سنده لمخالفته للحديث الصحيح، وقول البيهقي: "وقبل اللحم" يرده ما في الصحيح أنه ﵇ رده.
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ خلاف ذلك.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن ويحيى بن عبد الله بن سالم، عن عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ قال: لحم الصيد حلال لكم وأنتم حرم، ما لم تصيدوه أو يصاد لكم".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو، عن رجل من الأنصار، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا إبراهيم بن سويد، قال: حدثني عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أبي موسى، عن النبي ﵇ مثله.