← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهّدها؛ فقد وجب الغسل". وأخرجه مسلم (١): عن زهير بن حرب (وآخرين) (٢) عن معاذ بن هشْام، عن أبيه، عن قتادة إلى آخره نحوه. وأخرجه أبو داود (٣) عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام وشعبة، عن قتادة ... إلى آخره، ولفظه: "إذا قعد بين شعبها الأربع، وألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل". وأخرجه ابن ماجه (٤): عن ابن أبي شيبة، عن الفضل بن دكين، عن هشام الدستوائي، عن قتادة ... إلى آخره نحوه. قوله: "بين شُعَبها" بضم الشين: النواحي، جمع شعبة، ويروى أشعبها جمع شعب. وقال ابن الأثير: الشعبة الطائفة من كل شيء والقطعة منه. واختلفوا في المراد بالشُعب الأربع، فقيل: هي اليدان والرجلان. وقيل: الرجلان والفخذان. وقيل: الرجلان والشفران. واختار القاضي عياض أن المراد: شعب الفرج الأربع، أي نواحيه الأربع، وكأنه يحوم على طلبه الحقيقة الموجبة للغسل. والأقرب أن يكون المراد: اليدين والرجلن، أو الرجلين والفخذين، ويكون الجماع مكنَّيا عنه بذلك، يكتفي بما ذكر عن التصريح، وإنما رجح هذا لأنه أقرب إلى الحقيقة في الجلوس بينها، والضمير يرجع إلى المرأة وإن لم يمض ذكرها لدلالة السياق عليه كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٥).

стр. 492

قوله: "ثم جَهَدها" بفتح الهاء، أي بلغ جهده فيها. وقيل: بلغ مشقتها. وقيل: كدها بحركته. قوله: "وألزق الختان" أي: موضع الختان؛ لأن الختان اسم للفعل، أي ألزق موضع الختان بموضع الختان منها. ص: حدثنا محمَّد بن علي بن داود البغدادي، قال: ثنا عفان بن مسلم، قال: ثنا همام وأبان، عن قتادة، فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا همام وأبان، قالا: ثنا قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇: "إذا جلس بين شعبها الأربع وأجْهد نفسه؛ فقد وجب الغسل أَنْزَلَ أو لم يُنزِلْ". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا هشام، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذا طريق آخر أيضًا، وهو أيضًا صحيح. عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن هشام الدستوائي ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): حدثني عمرو بن الهيثم أبو قطن، ثنا هشام، عن قتادة [عن الحسن] (٣) عن أبي رافع، عن أبي هريرة -قال أبو قطن: في الكتاب مرفوع-: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جَهَدها؛ فقد وجب الغسل".

стр. 493

ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﵇: "إذا قعد بين شعبها الأربع، ثم ألزق الختان بالختان، فقد وجب الغسل". ش: إسناده حسَن. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن إسماعيل بن عُلَيّةَ، عن علي بن زيد بن جدعان ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي، قال: ثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن حبان بن واسع، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغسل". ش: أحمد بن عبد الرحمن: المعروف ببَحْشَل، وعمّه: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن لهيعة فيه مقال، وحَبَّان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- وقد روي هذا الحديث عن عائشة من وجوه كثيرة. ص: قال أبو جعفر: فهذه الآثار تُضَاد الآثار الأول، وليس في شيء من ذلك دليل على: الناسخ في ذلك ما هو؟ فنظرنا في ذلك؛ فإذا علي بن شيبة قد حدثنا، قال: ثنا الحِماني، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سهل بن سعد، عن أبي بن كعب قال: "إنما كان الماء من الماء في أول الإِسلام، فلما أحكم الله الأمور نهي عنه". ش: أشار بهذه الآثار إلى الأحاديث التي رُويت عن أبي هريرة وعائشة المذكورة آنفا، ومضاددتها الآثار الأول ظاهرة؛ لأن فيها عدم الغُسل بلا إنزال، وها هنا وجوبه مطلقا، ولكن ليس في هذه الآثار شيء صريح يدل على النسخ؛ لعدم التعرض إلى شيء من التاريخ فنظرنا، فوجدنا حديث أبي بن كعب يصرح بانتساخ أحاديث "الماء من الماء" وهو الذي رواه الطحاوي عن علي بن شيبة،

стр. 494

عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سهل بن سعد الصحابي ﵁. وأخرجه الترمذي (١): عن أحمد بن منيع، عن عبد الله بن المبارك ... إلى آخره نحوه، وقال: هذا حديث صحيح (٢). ص: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي، قال أخبرني عمرو بن الحارث، قال: قال ابن شهاب: حدثني بعض مَنْ أرضى، عن سهل بن سعد، أن أبي بن كعب الأنصاري أخبره: "أن رسول الله ﵇ جعل الماء من الماء رخْصة في أول الإسلام، ثم نهى عن ذلك، وأمر بالغسل". ش: عمه هو عبد الله بن وهب، وعمرو بن الحارث روى له الجماعة، وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري. قلت: "بعض من أرضى" مجهول، والظاهر أنه أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج. لأن البيهقي روى هذا الحديث (٣) ثم قال: ورويناه بإسناد آخر موصول عن أبي حازم، عن سهل بن سعد. ويشبه أن يكون الزهري أخذه عن أبي حازم. ورواه معمر عن الزهري موقوفا على سهل، والحديث محفوظ عن سهل، عن أبي بن كعب. أخرجه أبو داود في كتاب "السنن" انتهى كلامه. وقال بعض شراح البخاري: فهذا كما ترى ابن شهاب قد صرح بعدم سماعه من سهل، وإن كان معروفا بالسماع منه. وقال البَيهقي: وهذا الحديث لم يسمعه الزهري من سعد.

стр. 495

وقال الحازمي: وقفه بعضهم على سهل، وروي بإسناد آخر موصى عن أبي حازم عن سهل. ولم يجر فيه الحازمي على الاصطلاح الحديثي، فإن قول سَهْل: "كان القول في الماء من الماء رخصة" داخل في المرفوع، وقول الزهري: "من أرضى"، ليس تعديلا للمحدث المبهم عند الجُمهور، ولسنا من تقليد الزهري في إيراد ولا صدر، الفهم إذا بَيَّين اسمه وعَدَّله. وقال: ابن حزم: هذا الرجل الذي لم يسمّه عمرو بن الحارث يُشبه أن يكون سلمة بن دينارة لأن مبشر بن إسماعيل روى هذا الخبر عن أبي غسّان محمدْ بن طريف، عن أبي حازم عن سهل. وقال ابن حبان في "صحيحه" (١) يشبه أن يكون الزهري سمع الخبر من سَهْلٍ -كما قاله غُنْدُر- وسمعه عن بعض منْ يَرْضاه عن سهل، فرواه مرة عن سهل ومرة عن الذي رضيه عنه، وقد تتبّعتُ طرق هذا الحديث على أن أَجد أحدا رواه عن سهل؛ فلم أجد أحدا في الدنيا رواه إلَّا أبا حَازم، فيُشْبه أن يكون المُبْهَم هُو، والله أعلم. وقال موسى بن هارون (٢): وقد روى أبو حازم هذا الخبر عن سَهْل، وأظن ابن شهاب سمعه منه؛ لأنه لم يسمعه من سهل، وقد سمع من سهل أحاديث، فإن سمعه من أبي حازم؛ فإنه رَضِيٌّ كما قال. وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٣): إنما رواه ابن شهاب عن أبي حازم، وهو حديث صحيح ثابت بنقل العدول له. وأخرجه أبو داود (٤): ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عَمرو-

стр. 496

يَعْني ابن الحارث- عن ابن شهاب، قال: حدثني بعض مَنْ أرضى، أن سهل بن سعد الساعديّ أخبره، أن أبي بن كعب أخبره: "أن رسول الله ﵇ إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الإِسلام؛ لقلة الثياب، ثم أمر بالغُسْل، ونهى عن ذلك". قال أبو داود: يَعني "الماء من الماء". ص: حدثنا يّزيد بن سنان وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقيل، عن ابن شهاب، قال: قال سهل بن سَعْد الساعدي، قال: حدثني أبي بن كعب، ثم ذكر مثله. ش: هذا طريق آخر، وعبد الله بن صالح: كاتب الليث بن سعد، وعُقيل -بضم العين وفتح القاف-: هو ابن خالد الأيلي، وابن شهاب: هو محمَّد بن مسلم الزهريّ. ولم يصرح ابن شهاب في هذا بالسماع عن سهل بن سَعْدٍ، وإنما علّقه حيث قال: قال ابن سعد. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): مُعَنْعَنا، ولكنه موقوف على سهل، فقال: ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ، عن سهل بن سَعد قال: "إنما كان قول الأنصار: الماء من الماء، رخصة في أول الإسلام، ثم كان الغُسل بَعْدُ". وكذا أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢) وقال: نا معمر، عن الزهري، عن سهل بن سعد الساعدي -وكان قد أدرك النبي ﷺ - قال: "إنما كان قول الأنصار: الماء من الماء؛ رخصه في أول الإِسلام، ثم أخذنا بالغسل بعد ذلك إذا مسّ الختان الختان". ص: قال أبو جعفر ﵀: فهذا هو أبي يُخبر أن هذا هو الناسخ لقوله: الماء من الماء". وقد رُوي عنه بعد ذلك من قوله: ما يَدُل على هذا أيضًا.

стр. 497

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن كعب. (ح). وحدثنا يونس، أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن كعب، عن محمود بن لبيد: "أنه سأل زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله ثم يكْسِل ولا يُنْزل؛ فقال زيد ﵁: يَغْتسلُ. فقلت له: إن أبي بن كعب كان لا يرى فيه الغسل. فقال زيد: إن أُبَيّا قد نزع عن ذلك قبل أن يموت". قال أبو جعفر ﵀: فهذا أبي ﵁ قد قال هذا، وقد رَوى عن النبي ﵇ خلاف ذلك؛ فلا يجوز (هذا) (١) إلَّا وقد ثبت نسخ ذلك عنده من رسول الله ﷺ . ش: أي هذا أبي بن كعب يُخْبر في حديثه الذي روى عنه سهل بن سعد: أن حديث "الماء من الماء" منسوخ؛ لأنه صرح فيه أنه كان رخصة في أول الإسلام. قوله: "وقد روي عنه بعد ذلك من قوله: ما يدل على هذا أيضًا" أي قد روي عن أبي بن كعب بعد هذا الحديث المرفوع من قول نفسه ما يدل على أن حديث "الماء من الماء" منسوخ؛ وذلك لأن أُبَيّا كان ممن روى هذا الحديث عن النبي ﵇. ثم قوله بعد هذا ما يخالف ما رواه يدلّ على أن النسخ قد ثبت عنده من رسول الله ﵇. إذ لو لم يثبت عنده هذا؛ لما وسعه أن يخالف ما رواه. ثم إنه أخرج حديث أبي من طريقين صحيحين: أحدهما: عن علي بن شيبة بن الصلت البصري، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الله بن كعب الحميري مولى عثمان بن عفان، عن محمود بن لبيد بن عقبة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن كعب، عن محمود بن لبيد قال: "سألت زيد بن ثابت عن الرجل

стр. 498

يجامع ثم لا ينزل؛ قال: عليه الغسل. قال: قلت له: إن أُبَيّا كان لا يرى ذلك. فقال: إن أُبَيّا نزع عن ذلك قبل أن يموت". وأخرجه عبد الرزاق أيضًا في "مصنفه" (١): عن الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن محمود بن لبيد، قال: "قلت لزيد بن ثابت: إن أبي بن كعب كان يفتي بذلك. فقال زيد: إن أُبَيّا قد نزع عن ذلك قبل أن يموت". والآخر: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): أنا أبو أحمد عبد الله بن محمَّد بن الحسن العدل، أنا أبو بكر محمَّد بن جعفر المزكي، نا محمَّد بن إبراهيم العبدي، ثنا يحيى بن بكير، ثنا مالك ... إلى آخره نحوه. قوله: "قد نزع [عن] (٣) ذلك" أبي قد أَقلع وأمسك عن عدم الغسل من الإكسال. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب "أن عمر بن الخطاب وعثمان وعائشة زوج النبي ﵇ كانوا يقولون: إذا مَسَّ الختان الختان فقد وجب الغسل". قال أبو جعفر ﵀: فهذا عثمان أيضًا يقول هذا، وقد رَوَى عن رسول الله ﵇ خلافه، فلا يجوز هذا إلَّا وقد ثبت النسخ عنده. ش: إسناده صحيح على شرط مسلم.

стр. 499

وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: "كان عمر وعثمان وعائشة والمهاجرون الأولون، يقولون: إذا مَسَّ الختان الختان وجب الغسل". وأخرجه البيهقي (٢): من حديث مالك نحوه. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حميد الصائغ، قال: ثنا حبيب بن شهاب، عن أبيه، قال: "سألت أبا هريرة ﵁: ما يوجب الغسل؟ فقال: إذا غابت المُدَوَّرة". وعنه في هذا الباب ما يخالف ذلك. ش: إسناده صحيح، وحميد بن أبي زياد، وحبيب بن شهاب بن مُدْلج العنبري التميمي البصري. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا ابن علية، عن حبيب بن شهاب، عن أبيه قال: قال أبو هريرة: "إذا غابت المدورة فقد وجب الغسل". قوله: "المُدَّورة" بضم الميم: حشفة الذكر. قوله: "وعنه في هذا الباب ما يخالف ذلك" أي: وعن أبي هريرة في باب الغسل ما يخالف هذه الرواية، وذلك أنه قد روى فيما مضى عن النبي ﵇ حديث: "الماء من الماء". فقوله هذا بعد روايته ما يخالفها يدل على ثبوت النسخ عنده، وفي بعض النُّسَخ: "وقد رَوَي عن رسول الله ﵇ ما قد ذكرنا، فهذا أيضًا دليل على نسخ ذلك". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، وعن زيد بن أنيسة، عن عمرو بن مرة الجملي، عن سعيد بن المسيب قال: "كان

стр. 500

رجال من الأنصار يفتون أن الرجل إذا جامع المرأة ولم ينزل فلا غسل عليه، وكان المهاجرون لا يتابعونهم على ذلك. قال أبو جعفر ﵀: فهذا يدل على نسخ ذلك أيضًا؛ لأن عثمان والزبير من المهاجرين، وقد سمعا من رسول الله ﵇ ما قد روينا عنهما في أول هذا الباب، ثم قد قالا بخلاف ذلك، فلا يجوز ذلك منهما إلا وقد ثبت النسخ عندهما، ثم قد كشف ذلك عمر بن الخطاب ﵁ بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، فلم يثبت ذلك عنده، فحمل الناس على غيره، وأمرهم بالغسل، ولم يعترض عليه في ذلك أحد، وسلموا ذلك له، فذلك دليل على رجوعهم أيضًا إلى قوله. ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح؛ ما خلا فهذا وعلي بن معبد. وأكَّدَ ما ذكره من النسخ بشيئين آخرين أيضًا؛ أحدهما: بعدم متابعة المهاجرين لإفتاء الأنصار. والثاني: بكشف عمر عن ذلك، وحمله الناس بعده على الغسل، وتسليم الصحابة له بذلك، فهذا كله مما يثبت النسخ. ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حيَّة، قال: سمعت عبيد بن رفاعة الأنصاري يقول: "كنا في مجلس فيه زيد بن ثابت ﵁ فتذاكروا الغسل من الإنزال، فقال زيد: ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة، فقام رجل من أهل المجلس فأتى عمر ﵁ فأخبره بذلك، فقال عمر للرجل اذهب أنت بنفسك فأتني به حتى تكون أنت الشاهد عليه، فذهب فجاء به، وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله ﵇ فيهم علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل ﵄ فقال له عمر: كنت عُدَيُّ نفسه، تفتي الناس بهذا؟! فقال زيد أَمَ والله ما ابتدعته، ولكني سمعته من أعمامي: رفاعة بن رافع، ومن أبي أيوب الأنصاريَ،

стр. 501

فقال عمر: يا عباد الله، فمن أسأل بعدكم، وأنتم أهل بدرٍ الأخيار؟ فقال علي بن أبي طالب ﵁: فأرسل إلى أزواج النبي ﵇؛ فإنه إن كان شيء من ذلك ظهرن عليه، فأرسل إلى حفصة فسألها، فقالت لا علم لي بذلك. ثم أرسل إلى عائشة ﵂، فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فقال عمر ﵁ عند ذلك: لا أعلم أحدا فعله ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالا". ش: هذا بيان قوله: "وقد كشف ذلك عمر بن الخطاب ﵁" فهذا عمر قد كشف ذلك [عند] (١) الصحابة بعد أن أنكر على زيد بن ثابت فتواه، ثم لما جاءه خبر عائشة ﵂ حمل الناس على وجوب الغسل من الإكسال، وأوعد من لم يغتسل [منه] (٢) بالنكال، ووافقته الصحابة على ذلك، فانعقد إجماعا على وجوب الغسل بالإيلج وإن لم ينزل. ثم رجال الأثر المذكور ثقات، غير أن في عبد الله بن لهيعة مقالا. وأبو عبد الرحمن المقرئ اسمه عبد الله بن يزيد. ومعمر بن أبي حَيَّةَ -بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف- ويقال: ابن أبي حُيَيَّة-بضم الحاء وفتح الياء الأولى، وعبيد بن رفاعة، ذكره عبد الغني في الصحابة، وذكره ابن حبان في التابعين الثقات، وقال ابن الأثير: قيل: إنه أدرك النبي ﵇، في صحبته خلاف. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حُيَيَّة مولى ابنة صفوان، عن عبيد بن رفاعة بن رافع، عن أبيه رفاعة بن رافع قال: "بينا أنا عند عمر بن الخطاب ﵁ إذ دخل عليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا زيد بن

стр. 502

ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة، فقال عمر: عَلَيَّ به، فجاء زيد، فلما رآه عمر ﵁ قال: أي عدوَّ نفسه، قد بلغت أن تفتي الناس برأيك، فقال: يا أمير المؤمنين، بالله ما فعلت، لكني سمعت من أعمامي حديثا، فحدثت به، من أبي أيوب، ومن أبي بن كعب، ومن رفاعة بن رافع، فأقبل عمر على رفاعة بن رافع، فقال: وقد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم المرأة فأكسل لم يغتسل؟ فقال: قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ فلم يأتنا من الله فيه تحريم، ولم يكن من رسول الله ﵇ فيه نهي، قال: رسول الله ﵇ يعلم ذلك؟ قال لا أدري، فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار، فجمعوا له، فشاورهم، فأشار الناس: ألَّا غسل في ذلك؛ إلَّا ما كان من معاذ وعلي، فإنهما قالا: إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، فقال عمر ﵁: هذا وأنتم أصحاب بدر وقد اختلفتم، فَمَنْ بعدكم أشدُّ اختلافا، قال: فقال علي: يا أمير المؤمنين إنه ليس أحدٌ أعلمَ بهذا من شأن رسول الله ﵇ من أزواجه، فأرسل إلى حفصة ﵂؛ فقالت: لا علم لي بهذا، فأرسل إلى عائشة ﵂، فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فقال عمر ﵁: لا أسمع برجل فعل ذلك إلَّا أوجعته ضربا". قوله: "أنت عُدَيّ نفسه" بضم العين، وفتح الدال، مصغر عَدوّ؛ لأن العدو إذا صُغِّر يكون على عُدَيْو، على وزن فعيل ثم تقلب الواو ياء، وتدغم الياء في الياء، وقد جاء في رواية ابن أبي شيبة وغيره بالتكبير. قوله: "أَمَ والله" أصله "أمَاَ" بالفتح والتخفيف، وهو في كلام العرب على وجهين: أحدهما: أن يكون حرف استفتاح، بمنزلة "ألا"، ويكثر قبل القسم، وقد يحذف الألف مع ترك الإبدال، وها هنا كذلك. والثاني: أن يكون بمعنى حقّا، وفيه خلاف. قوله: "ظهرن عليه" بمعنى أحطن به علمًا، من قولهم: ظهرنا عليهم. أي غلبناهم وأحطنا بهم، وأصل الظهور: التبيّن.

стр. 503

قوله: "نكالا" أي عبرة لغيره، بمعنى يوقع به نكالا حتى يصير عبرة لغيره. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن نمير، قال: ثنا ابن إدريس، عن محمَّد بن إسحاق ... (١) عن أبي جعفر محمَّد بن علي، قال: "أجمع المهاجرون أنه ما أوجب عليه الحدّ من الجلد والرجم؛ أوْجَب الغُسْلَ، أبو بكر، وعمر، وعثمان وعَليّ ﵃. ش: رجاله ثقات، والحجاج هو ابن أرطاة الكوفي القاضي، روى له مسلم مقرونا بغيره (٢). ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ المعروف بالباقر. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣) عن حفص، عن حجاج ... إلى آخره نحوه. قوله: "ما أوجب عليه الحدّ من الجلد والرجم" أي: كل شيء أوجب عليه الحد إما جلد وإما رجم فهو يوجب الغسل، ومجاوزة الختان الختان توجب الجلد في غير المحصن، والرجم في المحصن، فكذا توجب الاغتسال، وكذا يثبت بها التحليل للزوج الأول، والإنزال ليس بشرط؛ ولهذا يحصل التحليل بإدخال المراهق. ص: حدثنا يزيد، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الله: "في الرجل يُجامع فلا ينزل، قال: إذا بلغتُ ذلك اغتسلت". ش: رجاله ثقات أَجِلَّاء، وهو من مراسيل إبراهيم النخعي؛ لأن إبراهيم لم يدرك عبد الله بن مسعود.

стр. 504

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا محمَّد بن النضر الأزدي، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، عن منصور، عن إبراهيم قال: "سئل عبد الله عن الرجل يجامع (المرأة) (٢) فلا يُمْنِي. قال: أما أنا فإذا بلغت ذلك من المرأة اغتسلت". قوله: "في الرجل" أي في حكم الرجل الذي يجامع من غير إنزال. قوله: "يجامع" جملة وقعت حالا عن الرجل، ويجوز أن تكون صفة، باعتبار زيادة الألف واللام، أو باعتبار أن الألف واللام إذا كان لتعريف الجنس يكون قريبا من النكرة. قوله: "إذا بلغتُ ذلك" بضم التاء، أي إذا بلغت أنا ذلك، أي الفعل المذكور في المرأة، يعني إذا جامعت أنا ولم أنزل؛ اغتسلت. فهذا عبد الله أيضًا يَرَى الاغتسالَ لمجرّد الإيلاج. ص: حدثنا يزيد، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، مثله. ش: هذا طريق آخر صحيح مسند؛ لأن إبراهيم في هذا روى عن علقمة، عن عبد الله، وسفيان: هو الثوري، والأعمش: سليمان. وأخرجه ابن أبي شيبة (٣): ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "أما أنا فإذا بلغت ذلك منها اغتسلت". ص: حدثنا يونُسُ، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: "إذا خلف الختان الختان؛ فقد وجب الغسل". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه مالك في "موطأه" (٤).

стр. 505

قوله: "إذا خَلَفَ الختان الختان" معناه: إذا صار أحدهما موضع الآخر، وهو عبارة عن مجاوزة أحدهما الآخر بعد الملاقاة، كما يقال: خلافُ فلان فلانا إذا كان عوضه خليفة عنه، وهو بتخفيف اللام. وأما بالتشديد فمعناه التأخير، يقال: خَلَّفتُ فلانا ورائي فَتَخَلَّف عني، أي تأخر. فافهم. ص: حدثنا رَوْحٌ، قال: حدثنا ابن بُكير، قال: ثنا حماد بن زيد، عن الصَقْعَب، عن (عبد الرحمن) (١) بن الأسود، قال: "وكان أبي يَبْعثني إلى عائشة ﵂ قبل أن احتلم، فلما احتلمت، جئت فناديتُ، فقلتُ: ما يوجَب الغسل؟ قالت: إذا التقت المواسي". ش: إسناده صحيح، وروح: هو ابن الفرج القطان. وابن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير. والصقعب بن زهير بن عبد الله، وثقة ابن حبان. وعبد الرحمن بن الأسود النخعي الكوفي، وقد رأيت في نسخ عديدة عبد الله ابن الأسود موضع عبد الرحمن، وهو غلط أو تحريف، وأبوه: الأسود بن زيد، صاحب عبد الله بن مسعود، تابعي مشهور. وأخرجه محمد بن سعد في "الطبقات" (٢): أنا عارم بن الفضل، ثنا حماد بن زيد، عن الصقعب بن زهير، عن عبد الرحمن بن الأسود، قال: "بعثني أبي إلى عائشة أسألها سنة احتلمت فأتيتها، فناديتها من وراء الحجاب، فقالت: أفعلتَها أَيْ لُكَعُ؟ قلت: قال لك أبي: ما يوجب الغسل؟ قالت إذا التقت المواسي". وأخرجه أيضًا الحافظ أبو بكر أحمد بن أبي خيثمة في "تاريخه": ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد بن زيد، ثنا الصقعب ... إلى آخره نحوه.

стр. 506

ورواه البخاريّ في "تاريخه" (١): من وجه آخر: عن أبي نعيم، عن العلاء بن زهير، قال: حدثني عبد الرحمن بن الأسود، قال: "كنت أدخل على عائشة ﵂ بغير إذن وأنا غلام، حتى إذا احتلمت استأذنت ... " الحديث (٢). قوله: "إذا التقت المواسي" كناية عن التقاء الختانين؛ لأن الختان يكون بالمُوسَى، فذكرت المواسي وأرادت بها المواضع التي تختن بها، وهذه من أحسن الكلمات، حيث صدرت من امرأة عظيمة الشأن، لشاب أَوّل ما احتلم، وكلاهُما بصدد الحياء والخجل، فَخَاطَبَتْهُ بما يُفْهِمُه من غير ذكر لما يُسْتَحى منه، ونظير ذلك من الكناية: ما جاء في حديث عمر ﵁ "أن يقتلوا من جرت عليه المواسي" (٣) أراد به من نبتت عانته؛ لأن المواسي إنما تجري على مَنْ أَنْبتَ، والمواسي جمع مُوسَى. قال الجوهري: الموُسَى: ما يحلق به، ذكره في باب وَسَيَ؛ ليدل على أن ميمه زائدة، يقال: أوسى رأسه أي حَلقَ. ص: حدثنا يُونَس، قال: ثنا ابنُ وهب، أن مالكا حدثه، عن أبي النضر، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: "سألت عائشة ﵂ ما يوجب الغسل؟ فقالت: إذا جاوز الختان الختان؛ فقد وجب الغُسل". ش: إسناده صحيح مصريّ ومدنيّ، وأبو النضر -بالنون والضاد المعجمة- واسمه سالم بن أبي أمية القرشي المدني. وأبو سلمة: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف ﵄

стр. 507

وأخرج ابن أبي شيبة (١): نحوه من حديث عطاء عن عائشة. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله، عن عبد الكريم، عن ميمون بن مهران، عن عائشة قالت: "إذا التقى الختانان وجب الغسل". ش: إسناده صحيح، وعبيد الله: هو ابن عَمروَ الرَّقي، وعبد الكريم هو ابن مالك الجزري الحراني. وأخرج العدني في "مسنده" نحوه موقوفا ومرفوعا. ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الله بن محمَّد بن أسماء، قال: ثنا جُويرية بن أسماء، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "وإذا أخلف الختان الختان فقد وجب الغسل". ش: إسناده صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا أبو أسامة، عن عبد الله بن محمَّد بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر قال: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل". قوله: "أخلف" لغة في خلف، والمعنى: إذا جاوز الختان الختان وقد ذكرنا تحقيقه عن قريب. ص: حدثنا أحمد، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عاصم، عن زرّ، عن علي ﵁، مثله. ش: إسناده صحيح، وأحمد: هو ابن داود المكي، شيخ الطبراني ثقة. ومُسَدد: هو ابن مُسرهد، شيخ البخاري وأبي داود. وعاصم: هو ابن بَهْدلة، وهو ابن أبي النجود الكوفي المقرئ، أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له الجماعة الشيخان مقرونا بغيره.

стр. 508

وزِرّ -بكسر الزاي وتشديد الراء-: هو ابن حبيش الكوفي، مخضرم، روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة "مصنفه" (١): ثنا أبو بكر بن عيّاش، عن عاصم، عن زرّ، عن عليّ قال: "إذا التقى الختانان (وجب) (٢) الغسل". ص: قال أبو جعفر ﵀: فثبت بهذه الآثار التي رويناها صحة قول من ذهب إلى وجوب الغسل بالتقاء الختانين، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار، وأما وجهه من طريق النظر: فإنا رأيناهم لم يختلفوا أن الجماع في الفرج الذي لا إنزال معه حدث، فقال قوم: هو أَغْلظ الأحداث فأوجبوا فيه أغلظ الطهارات، وهو الغسل. وقال قوم: هو كأخف الأحداث، فأوجبوا فيه أخف الطهارات، وهو الوضوء، فأردنا أن ننظر إلى التقاء الختانين؛ هل هو أغلظ الأشياء فنُوجب فيه أغلظ ما يجب في ذلك؟ فوجدنا أشياء يُوجبها الجماع، وهي: فساد الصوم والحج، فكان ذلك بالتقاء الختانين وإن لم يكن معه إنزال، ويوجب ذلك في الحج الدم وقضاء الحج، ويوجب في الصيام القضاء والكفارة في قول مَنْ يوجبها. ولو كان جامع فيما دون الفرج؛ وجب عليه في الحج دم فقط، ولم يجب عليه في الصيام شيء إلَّا أن ينزل، وكلُ ذلك محرَّمٌ عليه في حجه وصيامه. وكان من زَنَى بامرأةٍ حُدَّ وإن لم يُنَزل، ولو فعل ذلك على وجه شبهة فسقط بها الحدّ عنه؛ وجب عليه المهر. وكان لو جامعها فيما دون الفرج لم يجب في ذلك عليه حَدٌّ ولا مهر، ولكنه يعزَّر إذا لم تكن هناك شُبهة.

стр. 509

وكان الرجل إذا تزوج امرأة فجامعها جماعا لا خلوة معه في الفرج، ثم طلقها، كان عليه المهر، أنزل أو لم يُنزل، ووجبت عليها العدة، وأحلّها ذلك لزوجها الأول، ولو جامعها فيما دون الفرج لم يجب [عليه] (١) في ذلك شيء، وكان عليه في الطلاق نصف المهر إن كان سمّى لها مهرا، أو المتعة إذا لم يكن سمّى لها مهرا، فكان يجب في هذه الأشياء التي وصفنا التي لا إنزال معها، أغلظ ما يجب في الجماع الذي معه الإنزال من الحدود والمهور وغير ذلك. فالنظر على ذلك، أن يكون كذلك هو في [حكم] (٢) الأحداث، أغلظ الأحداث، ويجب فيه أغلظ ما يجب في الأحداث، وهو الغسل. ش: مُلَخّص وجه النظر والقياس: أنه مبني على مقدمة مُسلَّمَةٌ عند الكل، وهي أن الجماع في الفرج بلا إنزال حديث، ولكن الخلاف في صفته، فقال قومُ وهم الأئمة الأربعة ومن تبعهم: هو حدث غليظٌ؛ فَيجب فيه طهارة غليظة وهو الغسل. وقال قوم وهم عطاء، والأعمش، وهشام، وداودُ: هو حدث خفيف، فتجب فيه طهارة خفيفة، وهو الوضوء. ثم نظرنا فيه فوجَدْنا أشياء تتعلقٌ به كما تتعلق بالجماع في الفرج بالإنزال، وهي: فساد الصوم والحج، ووجوب الحدّ والمهر عند سقوطه بالشبهة، ووجوب العدة والتحليل للزوج الأول، فإذا تساويا في هذه الأشياء فالنظر عليه تساويهما في أغلظ الطهارات؛ وهي الغُسل. ويؤيد ذلك ما روي عن عكرمة: "توجب القتل والرجم، ولا توجب إناء من ماء؟ ".

стр. 510

رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن ابن عُلَيّه عنه. وروى أيضًا (٢): عن وكيع، عن ابن عون، عن الشعبي قال: قال شريح: "أتوجب أربعة آلاف، ولا توجب إناء من ماء؟ يعني في الذي يخالط ثم لا ينزل" وفي رواية عبد الرزاق (٣): "ولا توجب قدحا من ماء؟ ". ص: وحجة أخرى في ذلك: أنا رأينا هذه الأشياء التي وجبت بالتقاء الختانين إذا كان بعدها الإنزال، لم يجب بالإنزال حكم ثان، وإنما الحكم لالتقاء الختانين، ألا ترى أن رجلًا لو جامع امرأة جماع زنا فالتقى ختاناهما وجب الحد عليهما بذلك؟ ولو أقام عليها حتى أنزل لم يجب عليه في ذلك الإنزال شيء بعدما وجب بالتقاء الختانين، وكان ما يحكم به في هذه الأشياء على من جامع فأنزل هو ما يحكم به عليه إذا جامع ولم يُنْزل، وكان الحكم في ذلك لالتقاء الختانين لا للإنزال الذي يكون بعده، فالنظر على ذلك أن يكون الغسل الذي يجب على من جامع وأنزل هو بالتقاء الختانين، لا بالأنزال الذي يكون بعده، فثبت بذلك قول الذين قالوا: إن الجماع يوجب الغسل كان معه إنزال أو لم يكن، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد، وعامّة العلماء ﵏. ش: مُلخَّص هذه الحجة: أن الأشياء التي ذكرناها في الحجة الأولى وجدناها متعلقة بمجرد التقاء الختانين، فالنظر عليه أن يكون الغسل الذي يجب على من جامع وأنزل بالتقاء الختانين لا بالإنزال الذي يكون بعده، وتعليق الأشياء المذكورة بالتقاء الختانين والغسل بالإنزال في محل واحد في حكم واحد خارج عن القياس والنظر.

стр. 511

ص: وحجة أخرى في ذلك: أن فهذا حدثنا، قال: ثنا علي بن مَعبد، قال: ثنا عبيد الله، عن زيد، عن جابر -هو بن يزيد- عن أبي صالح قال: سمعت عمر بن الخطاب يخطب فقال: "إن نساء الأنصار يُفْتَين أن الرجل إذا جامع فلم يُنْزل كان على المرأة الغسل، وأنه لا غسل عليه، وأنه ليس كما أُفْتَيْن؛ إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل". قال أبو جعفر ﵀: معنى هذا أن الأنصار كانوا يَروْن أن الماء من الماء، إنما هو في الرجال المجامعين، لا في النساء المجامَعَات، وأن المخالطة توجب على النساء وإن لم يكن معها إنزال، وقد رأينا الإنزال يستوي فيه حكم النساء والرجال في وجوب الغسل عليهم، فالنظر على ذلك: أن يكون حكم المخالطة التي لا إنزال معها يستوي فيها حكم الرجال والنساء في وجوب الغسل عليهم. ش: تحرير هذه الحجة: أن الأنصار كانوا يفتون لنسائهم بوجوب الغسل عليهن عند الإكسال، ولا يَروْن ذلك على الرجال، والدليل على ذلك ما رواه أبو صالح عن عمر، وهو مولاه، ولا يعرف له اسم، وثقه ابن حبان. روى عنه جابر بن يزيد الجعفي، فيه مقال كثير، ومنهم من وثقه. وروي عنه عبيد الله بن عمرو الرقيّ. وقد وجدنا حكم الرجال والنساء سواء في الجماع الذي بالإنزال؛ فالنظر عليه: أن يكون حكمهما سواء في الأكسال. قوله: "يفْتَيْنَ" على صيغة المجهول من المضارع. قلت: "أُفْتَيْن" على صيغة المجهول في الماضي، فافهم.

стр. 512

حقوق الطبع محفوظة لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية إدارة الشئون الإسلامية دولة قطر الطبعة الأولى / ١٤٢٩ هـ -٢٠٠٨ م قامت بعمليات الإخراج الفني والطباعة دار النوادر لصاحبها ومديرها العام نور الدين طالب سوريا- دمشق -ص. ب: ٢٤٣٠٦ لبنان- بيروت- ص. ب: ٥١٨٠/ ١٤ هاتف: ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠٠١ - فاكس ٠٠٩٦٣١١٢٢٢٧٠١١ www.daralnawader.com

стр. 513

ص: باب: أكل ما غيرت النار هل يوجب الوضوء أم لا ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم أكل ما مسته النار، هل يوجب الوضوء أم لا؟ ولما فرغ عن بيان حكم الطهارتين شرع في بيان ما يوجب الوضوء وما لا يوجب، وما ينقضه وما لا ينقضه. ص: حدثنا ابن أبي داود، وأحمد بن داود، قالا: ثنا أبو عمر الحَوْضي، قال: نا همام، عن مطر الورّاق، قال: "قلت: عَمَّن أخذ الحسن الوضوء مما غيرت النار؟ قال: أخذه الحسن عن أنس، وأخذه أنس عن أبي طلحة، وأخذه أبو طلحة عن رسول الله ﵇". ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وأبو عمر اسمه حفص بن عمر، ونسبته إلى حوض داود مَحِلَّةٌ ببغداد. وأبو طلحة اسمه زيد بن سهل الأنصاري، الصحابي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن عفّان، عن همام ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن الزهريّ، قال: حدثني أبي، عن أبيه -وهو محمَّد بن عبد الله القاري- عن أبي طلحة صاحب رسول الله ﵇: "أنه أكل ثَوْرَ أقطٍ، فتوضأ منه. قال عمرو: الثور: القطعة. ش: إسناده صحيح، والقاريّ -بتشديد الياء- نسبة إلى قارة وهم بنو الهُون ابن خريمة.

стр. 514

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): عن علي بن عبد العزيز، عن سعيد بن منصور، عن يعقوب بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن أبي طلحة ... إلى آخره نحوه. قوله: "ثور أقط" بإضافة ثور إلى أقط، والثور -بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو-: هو القطعة من الأقط ويجمع على أثوار. وقال الجوهري: والجمع: ثِوَرَة وكذا يجيئ جمع الثور من البقر: ثِوَرَة. وقال المبرد: يقولون: ثمرة للفرق بين الجَمْعين. والأقِط -بفتح الهمزة وكسر القاف-: لبن جامد مستحجر، وربما تُسَكَّن القاف في الشعر وتُنقل حركتها إلى ما قبلها. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله ﵇ قال: "توضئوا مما غَيَّرَتِ النار". ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة بكَّار القاضي. وأبو عامر: هو عبد الملك بن عمرو العقدي البصري. وابن أبي ذئب: هو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب. والزهري هو محمَّد بن مسلم. وأخرجه النسائي (٢): أبنا هشام بن عبد الملك [حدثنا محمَّد] (٣) ثنا الزبيدي أخبرني الزهري ... إلى آخره، نحوه سواء.

стр. 515

قوله: "مما غيرت النار" أي مما غيرته، والمفعول محذوف، وهو يتناول كل شيء تغيره النار من المأكولات. ص: حدثنا ابن أبي داود وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب ... فذكر مثله بإسناده. ش: إسناده صحيح، وعبد الرحمن بن خالد كان أمير مصر لعبد الملك بن مروان، روى له البخاريّ. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا مطلب بن شعيب الأزدي، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، قال: قال محمَّد بن مسلم، أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام، أن خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري أخبره، أن أباه زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "توضئوا مما مَسَّتِ النار". ص: حدثنا نصر بن مرزوق، وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقَيْل، عن ابن شهاب ... فذكر مثله بإسناده. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وعُقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا حجاج، ثنا ليث، حدثني عُقَيل، عن ابن شهاب، أنه قال: أخبرني عبد الملك بن أبي بكر، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن خارجة بن زيد الأنصاري أخبره، أن أباه زيد بن ثابت، قال: سمعت رسول يقول: "توضئوا مما مَسَّت النار".

стр. 516

ص: حدثنا نصر بن مرزوق، وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، أنه سأل عروة بن الزبير عن ذلك، فقال عروة: سمعت عائشة ﵂ تقى: قال رسول الله ﷺ ، ... فذكر مثله. ش: إسناده صحيح، وسعيد بن خالد روى له مسلم (١) هذا الحديث فقط، وقال: ثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: حدثني عقيل بن خالد قال: قال ابن شهاب: أخبرني سعيد بن خالد ... إلى آخره نحوه سواء. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا حرب بن شداد، عن يحيى ابن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أن أبا سفيان بن سعيد بن المغيرة أخبره: "أنه دخل على أم حبيبة زوج النبي ﵇ فدعت له بسويق فشرب، ثم قالت: يا ابن أخي، توضأ. فقال: إني لم أُحْدِث شيئا! فقالت: إن رسول الله ﵇ قال: توضئوا مما مست النار". ش: إسناده صحيح، وأبو سفيان بن سعيد وثقه ابن حبان. وأم حبيبة اسمها رَمْلَة بنت أبي سفيان، زوج النبي ﵇. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سفيان بن المغيرة بن الأخنس: "أنه دخل على أم حبيبة، فسقته سَوِيْقًا، ثم قام يصلي، فقالت له: توضأ يا ابن أخي، فإني سمعت رسول الله ﵇ يقول: توضئوا مما مست النار". وأخرجه أبو داود (٣): ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبان، عن يحيى -

стр. 517

يعني ابن أبي كثير- عن أبي سلمة، أن أبا سفيان بن سعيد بن المغيرة حدثه: "أنه دخل على أم حبيبة، فسقته قدحا من سويق، فدعى بماء فمضمض، قالت: يا ابن أخي، ألا تتوضأ؟ إن رسول الله ﵇ قال: توضئوا مما غَيَّرَتِ النار -أو مست النار". قوله: "مما مست النار" أي: مما أصابته النار. ص: حدثنا ربيع الجيزيُّ، قال: ثنا إسحاق بن بكر بن مضر، قال: ثنا أبي، عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سوادة، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس، عن أم حبيبة، مثله، غير أنه قال: "يا ابن أختي". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وأبو سفيان بن سعيد هو المذكور في الطريق الذي قبله، وهو ابن المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي. وأخرجه النسائي (١): أنا هشام بن عبد الملك، ثنا ابن حرب، قال: ثنا الزُّبَيْدي، عن الزهري، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره، عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس بن شريق: "أنه دخل على أم حبيبة زوج النبي ﵇ وهي خالته، فسقته سويقا، ثم قالت له: توضأ يا ابن أختي؛ فإن رسول الله ﵇ قال: توضئوا مما مست النار". قوله: "غير أنه قال: يا ابن أختي" هكذا وقع في رواية أبي داود والنسائي كما ذكرنا، ووقع كلاهما في رواية الطحاوي، ووقع في رواية أحمد: "يا ابن أخي" كما ذكرنا، وفي رواية أخرى له: "يا ابن الأخ". ص: حدثنا ابنُ أبي داود وفهدٌ، قالا: أنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح.

стр. 518

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١) مختصرا: أنا موسى بن عيسى، أنا أبو اليمان، نا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس، عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله ﵇: "توضئوا مما مسّت النار". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيدُ بن عامر، قال: حدثنا محمَّد بن عَمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "توضئوا مما غيرت النار ولو من ثور أقط". ش: إسناده حسن جيد. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يزيد بن هارون، أنا [محمد] (٣) عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، نحوه سواء. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "توضئوا من ثور أقط". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا حسن جَيَّد. وأخرجه الحديث في "مسنده": ثنا الدراورديّ، عن محمَّد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "توضئوا مما مست النار ولو من أثوار أقط". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدَّمِيُّ، قال: ثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : "توضؤوا مما مست النار ولو من ثور أقط، فقال ابن عباس: يا أبا هريرة، فإنا ندهن بالدهن وقد سخن بالنار! ونتوضأ بالماء وقد سخن بالنار! فقال: يا ابن أخي، إذا سمعت الحديث من رسول الله ﵇ فلا تضرِبْ له الأمثال".

стр. 519

ش: إسناده صحيح، والمُقدَّمي هو محمَّد بن أبي بكر بن عطاء بن مقَدَّم- بفتح الدال. وأخرجه الترمذي (١): ثنا ابن أبي عمر، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط. قال: فقال له ابن عباس: يا أبا هريرة، (أتوضأ) (٢) من الدهن، (أتوضأ) (٣) من الحميم؟! قال: فقال أبو هريرة: يا ابن أخي، إذا سمعت حديثا عن رسول الله ﵇ فلا تضرب له مثلا". قوله: "وقد سخن" جملة فعلية وقعت حالا في الموضعين. قوله: "فلا تضرب له الأمثال" أي لا تصف له الأمثال، يقال: ضرب مثلا. أي وَصَفَ وَبَيَّنَ. إنما قال له هكذا لأنه فهم منه الإنكار عليه. "والحَميم" بفتح الحاء: الماء الحار. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا بكر بن مضر. قال: ثنا الحارث بن يعقوب، أن عراك بن مالك أخبره، قال: سمعت أبا هريرة يَقولُ: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "توضؤوا مما مسّت النار". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم. وأخرجه السّراج في "مسنده": ثنا الحسن بن عبد العزيز الجَرويُّ، ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا بكر بن مضر ... إلى آخره نحوه سواء.

стр. 520

ص: حدثنا ربيع الجيزيّ، قال: ثنا إسحاق بن بكر بن مضر، قال: حدثني أبي، عن جعفر بن ربيعة، عن بكر بن سَوادة، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ قال: "رأيت أبا هريرة يتوضأ على ظهر المسجد، فقال: قلت أثوارَ أقطٍ فتوضأت؛ إني سمعت رسول الله ﵇ يقول: توضئوا مما مست النار". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وعمر بن عبد العزيز هو: الخليفة العادل والإمام الصالح. وأخرجه النسائي (١) وقال: أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود، قال: ثنا إسحاق ابن بكر ... إلى آخره نحوه سواء. وهذا مما اشترك فيه الطحاوي والنسائي في تخريجه عن شيخ واحد. قوله: "أثوار أقط" بالإضافة، والأثوار جمع ثور وقد فسرناه. ص: حدثنا فهد وابن أبي داود، قالا: نا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن فهد بن سليمان وإبراهيم بن أبي داود البولّسي، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن عبد الرحمن بن خالد، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن قارظ، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (٢): نا عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: حدثني عُقيل بن خالد، قال: قال ابن شهاب: أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن خارجة بن زيد الأنصاري أخبره، أن أباه زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "الوضوء مما مسّت النار".

стр. 521

قال ابن شهاب (١): أخبرني عمر بن عبد العزيز، أن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أخبره، "أنه وجد أبا هريرة يتوضأ على المسجد، فقال: إنما أتوضأ من أثوار أقط كلتها، سمعت رسول الله ﵇[يقول]، (٢) توضئوا مما مست النار". ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبان بن يزيد، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن المُطلب بن حنطب، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. وأخرجه النسائي (٣)، أنا إبراهيم بن يعقوب، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا أبي، عن حسين المعلم، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عبد الرحمن بن عَمرو الأوزاعي، أنه سمع المطلب بن عبد الله بن حنطب يقول: قال ابن عباس ﵁: "أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالا لأن النار مسته؟! فجمع أبو هريرة حصى فقال: أشهد عدد هذا الحصى أن رسول الله ﵇ قال: توضئوا مما مست النار". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، عن حسين المعلم، عن يحيى فذكر مثله بإسناده. ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود، عن أبي معمر عبد الله بن عمرو المُقْعد البصري شيخ البخاريّ، عن عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي، عن المطلب بن حنطب، عن أبي هريرة.

стр. 522

وأخرجه السّراج في "مسنده" من حديث يحيى، عن الأوزاعي، عن المطلب بن حنطب، عن ابن عباس قال: "أتوضأ من طعام أجده حلالًا في كتاب الله لأن النار محشته؟! فجمع أبو هريرة حصى وقال: أشهد عدد هذا الحصى، سمعت رسول الله ﵇ يقول: توضئوا مما غيرت النار". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهديّ عن معاوية بن صالح، عن سليمان أبي الربيع، عن القاسم مولى معاوية، قال: "أتيت المسجد، فرأيت الناس مجتمعين على شيخ يحدثهم، قلت: من هذا؟ قالوا: سهل بن الحنظلية. فسمعته يقول: قال رسول الله ﷺ : من أكل لحما فليتوضأ". ش: إسناده جيد، ويحيى بن معين: الحجة الثبت في الحديث ورجاله. وسليمان: هو ابن موسى أبو الربيع، الدمشقي الأسدي الأشدق (١)، روى له الجماعة إلَّا البخاري. والقاسم بن عبد الرحمن الشامي مولى معاوية بن أبي سفيان، وثقه يحيى بن معين والعجلي والترمذي، وضعفه جماعة، وروى له الأربعة.

стр. 523

وسهل بن الحنظلية: هو سهل بن عَمرو -والحنظلية أمه- الأنصاري الصحابي. وأخرجه أحمد في "مسنده": ثنا عبد الرحمن بن مهدي ... إلى آخره ونحوه. ولفظه: "دخلت مسجد دمشق" والباقي نحو رواية الطحاوي. ص: حدثنا ابن خزيمة، ثنا حجاج، ثنا حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من أصحاب النبي ﵇ قال: "كنا نتوضأ مما غيرت النار، ونمضمض من اللبن، ولا نمضمض من التمر". ش: إسناده صحيح، وحجاج هو ابن المنهال، وحماد هو ابن سلمة، وأيوب هو السختياني، وأبو قلابة: عبد الله بن زيد الجَرمي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) مختصرًا: ثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من هذيل -أراه قد ذكر أن له صحبة- قال: "يتوضأ مما غيرت النار". ص: فذهب قوم إلى الوضوء مما غيرت النار، واحتجوا في ذلك بهذ الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري، والزهري، وأبا قلابة، وأبا مجلز، وعمر بن عبد العزيز، ويحيى بن يعمر. فإنهم ذهبوا إلى وجوب الوضوء مما غيرت النار، واحتجوا فيه بالآثار المذكورة، وهو قول ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبي طلحة، وأبي موسى، وأبي هريرة، وأنس، وعائشة أم المؤمنين، وأم حبيبة أم المؤمنين، وأبي أيوب، وأبي موسى. وقال ابن حزم: والأحاديث في ذا ثابتة، ولولا أنها منسوخة لقلنا بها (٢). وفي "المغني" لابن قدامة: وأكل لحم الإبل ينقض الوضوء على كل حال، نيئا ومطبوخا ومشويّا، عالما كان أو جاهلا. وبهذا قال جابر بن سمرة، ومحمد بن

стр. 524

إسحاق (١)، وأبو خيثمة، ويحيى بن يحيى، وابن المنذر (٢). وقال الخطابي: ذهب إلى هذا عامَّه أصحاب الحديث، فإن شرب من ألبان الإبل فالظاهر عن أحمد أنه لا وضوء عليه. وعنه: عليه الوضوء. وفيما سوى اللحم من أجزاء البعير من كبده وطحاله وسنامه ودهنه ومرقه وجهان، أحدهما: لا ينقض كاللبن، والثاني: ينقض؛ لأنه من الجملة، وما عدا لحم الجزور من الأطعمة لا وضوء فيه لحما أو غير لحم، حلالا أو حراما، مسته النار أو لم تمسه (٣). ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا وضوء في شيء من ذلك. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري، والأوزاعي، وأبا حنيفة، ومالكا، وأحمد، وإسحاق، وأبا ثور، وأهل الشام، وأهل الكوفة، والحسن بن حيّ، والليث بن سعد، وأبا عبيد، وداود بن علي، وابن جرير الطبري؛ فإنهم قالوا: لا وضوء في شيء من ذلك، إلَّا أن أحمد يرى نقض الوضوء في لحم الجزور فقط كما ذكرناه. وقال ابن المنذر: وكان أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وعامر بن ربيعة، وأبو أمامة، وأبي بنُ كعب، وأبو الدرداء، لا يرون الوضوء مما مسته النار. ص: وذهبوا في ذلك إلى ما روي عن رسول الله ﵇[من] (٤) ذلك: ما حدثنا يونس، قال: أنا بن وهب، أن مالكا حدثه. ح وحدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك، عن زيد بن

стр. 525

أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ أكل كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ". ش: أي ذهب هؤلاء الآخرون في عدم وجوب الوضوء مما مسته النار إلى ما روي عن رسول الله ﵇ من أحاديث تدل على ذلك، منها حديث ابن عباس أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح من وجهين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن زيد ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس. وأخرجه البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو المصري، عن القعنبي وهو: عبد الله ابن مسلمة بن قعنب، ونسبته إلى جده، عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): عن عبد الله بن مسلمة هذا، عن مالك ... إلى آخره نحوه. وأخرجه أبو داود (٣) عن عبد الله، عن مالك كذلك. قوله: "كَتْفِ شاة" ذكر ابن سيدة في "المخصص" أنه هو العظم، وهي أنثى والجمع كتاف وفي "المحكم": الكَتِفُ والكِتْفُ كالكَذِبِ والكِذْب: عظم عريض خلف المنكب، وهي تكون للناس وغيرهم، والكتف في الإبل والبغال والحمير وغيرها: ما فوق العضد. وقيل: الكتفان أعلى اليدين، والجمع كتاف، وقال سيبويه: لم يجاوزوا به هذا البناء، وحكى اللحياني في جمعه: كَتِفَة. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زُرَيع، قال: ثنا رَوح بن القاسم، عن زيد بن أسلم ... فذكر نحوه بإسناده.

стр. 526

ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا أبو مسلم الكشي، ثنا محمَّد بن المنهال، ثنا يزيد بن زريع، ثنا روح بن القاسم، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس ﵁: "أن النبي ﵇ خرج إلى الصلاة، فأتي بكتف من لحم، فانتهسها، ثم مضى إلى الصلاة ولم يمضمض ولم يطَّهر". ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أنا محمَّد بن الزبير الحنظلي، عن علي بن عبد الله بن العباس، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ نحوه. ش: هذا طريق آخر، ومحمد بن الزبير فيه مقال، حتى قال يحيى: ضعيف لا شيء. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عبد الوهاب الخفاف، أنا محمَّد بن الزبير، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عبد الله بن عباس: "أن النبي ﵇ أتى بكتف مشوية فأكل منها نتفا، ثم صلى ولم يتوضأ". ص: حدثنا أحمد بن يحيى الصُوريّ، قال: ثنا الهيثم بن جميل، قال: ثنا ابن ثوبان، عن داود بن علي، عن أبيه، عن ابن عباس مثله. ش: هذا طريق آخر، وابن ثوبان هو: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العَنْسي، فيه مقال كثير. وداود بن علي بن عبد الله بن عباس، وثقه ابن حبان وقال: يخطئ. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣): ثنا موسى بن هارون، ثنا علي بن الجعد، ثنا ابن ثوبان، عن داود بن علي بن عبد الله بن العباس، عن أبيه، عن جده قال: "أكل رسول الله ﵇ لحما ثم صلى ولم يتوضأ".

стр. 527

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحَوْضي، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن يحيى بن يَعْمُر، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلُّسي، عن [حفص بن عمر] (١) أبي عمر الحَوْضي، عن همام بن يحيى إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا بهز، ثنا همام، ثنا قتادة، عن يحيى بن يعمر البصري، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ انتهس من كتف، ثم صلى ولم يتوضأ". وأخرجه أبو داود (٣) أيضًا بهذا الطريق. ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبي نعيم -هو وهب بن كيسان- عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: "أكل رسول الله ﷺ خبزا ولحما ... " ثم ذكر مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٤): ثنا محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة، نا أبي، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيْسان، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ أكل كتفا ثم صلى ولم يمسَّ ماء". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٥): نا ابن علية، عن أيوب، عن وهب بن كيسان، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ أكل من عظم أو تَعَرَّقَ من ضلع ثم صلى ولم يتوضأ".

стр. 528

قلت: "العَرْق" -بفتح العن وسكون الراء- وهو العظم عليه بقيّة اللحم، يقال: عَرَقْتَه وَاعْتَرقْتَه إذا أكلت ما عليه بأسنانك. وقال الخليل: العُراق عظم بلا لحم، وإن كان عليه لحم فهو عَرْق. ص: حدثنا ربيع الجيزيُّ، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمَّد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء: "أنه دخل عليَّ ابن عباس يومًا في بيت ميمونة، فضرب على يدي وقال: عجبت من ناس يتوضئون مما مست النار، والله لقد جمع رسول الله ﵇ يوما ثيابه، ثم أُتي بثريد فأكل منها، ثم قام فخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ". ش: أبو الأسود اسمه: النضر بن عبد الجبار المصري، وعبد الله بن لهيعة فيه مقال. وأخرجه الطبراني (١): ثنا أبو يزيد القراطيسي، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، حدثني أبي، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: "دخلت بيت ميمونة -زوج النبي ﵇- فوجدت فيه عبد الله بن عباس، فتذاكرنا الوضوء مما مست النار، فقال ابن عباس: كان رسول الله ﵇ يأكل مما مست النار ثم يصلي ولا يتوضأ، فقلنا: أنت رأيته؟ فأشار إلى عينيه فقال: بصر عيني". وأخرج مسلم (٢): حدثني علي بن حجر، قال: أنا إسماعيل بن جعفر، قال: ثنا محمَّد بن عمرو بن حلحلة، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ جمع عليه ثيابه ثم خرج إلى الصلاة، فأُتيَ بهدية خبز ولحم، فأكل ثلاثة لقم ثم صلى بالناس وما مس ماء". قوله: "بثريد" الثريد من ثردت الخبز ثردا: كسرتُه، فهو ثريد ومثرود، والاسم: الثُردة -بالضم- وكذلك أثردت الخبز، ويقال: لا يكون ثريد حتى يكون فيه لحم.

стр. 529

ص: حدثنا يونس والربيع المؤذنُ، قالا: ثنا أسد، ثنا شعبة. ح وحدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا آدم بن أبي إياس. ح وحدثنا أبو بكرة، قال: حدثنا أبو داود، قالوا: ثنا شعبة، قال: سمعت أبا عون محمَّد بن عبيد الله الثقفي، يقول: سمعت عبد الله بن شداد بن الهاد، يحدث عن أم سلمة: "أن رسول الله ﵇ خرج إلى الصلاة فنشلت له كَتِفا، فأكل منها، ثم خرج فصلى ولم يتوضأ". ش: هذه ثلاث طرق رجالها كلهم ثقات، وأم سلمة اسمها هند بنت أبي أمية. وأخرجه الطبراني (١): أيضًا من ثلاث طرق: ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا مسلم بن إبراهيم ح ثنا أحمد بن عمرو القطراني، ثنا سليمان بن حرب ح ونا أبو خليفة، نا أبو الوليد، قالوا: نا شعبة، عن أبي عون، عن عبد الله بن شداد: "أن أم سلمة ﵂ سئلت عما غيرت النار، فقالت: أكل النبي ﵇ كتفا، ثم صلى ولم يتوضأ". قوله: "فنشلت له كتفا" مِنْ نَشَلْتُ اللحم إذا جذبته من القِدْر، واللحم هو النَشِيل، من نَشَلَ يَنْشُل من باب نَصَر يَنْصُر، ومنه المِنْشَل والمِنْشال، وهو الحديدة التي يُنْشَل بها اللحم من القِدْر. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا مؤمل بن إسماعيل، قال: نا سفيان الثوري، عن أبي عون، قال: سمعت عبد اللهَ بن شداد يَقُولُ: "سأل مروان أبا هريرة عن الوضوء مما غيرت النار، فأمر به ثم قال: كيف تسأل أحدا وفينا أزواج النبي ﵇؟! فأرسلوا إلى أم سلمة زوج النبي ﵇ فسألوها ... " ثم ذكر مثل حديث شعبة.

стр. 530

ش: رجاله ثقات، وأبو عون هو: محمَّد بن عبيد الله الثقفي، ومروان هو: ابن الحكم. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا وكيع، نا سفيان، نا أبو عون محمَّد بن عبيد الله الثقفي، عن عبد الله بن شداد، قال: سمعت أبا هريرة يُحدّث مروان قال: "توضئوا مما مست النار، فأرسل مروان إلى أم سلمة فسألها، فقالت: نَهس رسُولُ الله ﵇ عندي كتفا، ثم خرج إلى الصلاة ولم يَمسّ ماء". وأخرجه الطبراني (٢) أيضًا: عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن الثوري ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: نا عثمان بن عمر، قال: أخبرني ابن جريج، عن محمَّد بن يوسف، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة قالت: "قربت إلى رسول الله ﵇ جَنْبا مشويّا، فأكل منه ولم يتوضأ". ش: رجاله رجال الصحيحين ما خلا ابن مرزوق، وابن جريج هو عبد الملك، ومحمد بن يوسف الكندي المدني الأعرج ابن بنت السائب، وسليمان بن يسار -بالياء آخر الحروف- أبو أيوب المدني، مولى أم سلمة. وأخرجها "النسائي" (٣): أنا محمَّد بن عبد الأعلى، نا خالد، قال: نا ابن جريج، عن محمَّد بن يوسف، عن سليمان بن يسار قال: "دخلت على أم سلمة فحدثتني: أن رسول الله ﵇ كان يُصبح جنبا من غير احتلام ثم يصوم، وحدثنا (بهذا) (٤) الحديث أنها حدثته: أنها قربت إلى النبي ﵇ جَنْبا مشويّا فأكل مثله، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ".
следующие страницы →