قوله: "إلَّا أنَّا حُرُم" بفتح "أنا" على أنه تعدي إليه الفعل بحرف التعليل، فكأنه قال: لأنا، وقال أبو الفتح القشيري: "إنَّا" مكسورة الهمزة لأنها ابتدائية و"أَنَّا" حرم مفتوحة لأنه حذف منها لام التعليل.
الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن محمد بن مسلم الزهري ... إلى آخره، وهؤلاء كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا عمر بن حفص السدوسي، ثنا عاصم ابن علي، نا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة: "أنه أهدى إلى رسول الله ﵇ حمارًا وحشيًّا فرده عليه، فلما رأى ما في وجهي من رد هديته قال: أما إنه ليس بنا رد عليك ولكنا حرم".
الثالث: عن يونس أيضًا، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن الزهري ... إلى آخره، وهؤلاء أيضًا كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا قتيبة، قال: ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ابن عبد الله، أن ابن عباس أخبره، أن الصعب بن جثامة أخبره: "أن رسول الله ﵇ مرّ به بالأبواء -أو بودان- فأهدى له حمارًا وحشيًّا فرده عليه، فلما رأى رسول الله ﵇ في وجهه الكراهية؛ فقال: إنه ليس بنا رد عليك، ولكنا حرم".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
الرابع: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي الهذيل غالب بن الهذيل الأودي الكوفي، وثقه ابن حبان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ... إلى آخره.
стр. 4657
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، ثنا الفريابي، عن سفيان، عن غالب أبي الهذيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ... إلى آخره نحوه.
الخامس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي، عن سعيد بن جبير.
وأخرجه "مسلم" (١): نا يحيى بن يحيى، قال: أنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت منصورًا يحدث، عن الحكم (ح).
ونا ابن المثنى وابن بشار، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: نا شعبة، عن الحكم (ح).
ونا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: نا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت جميعًا عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -في رواية منصور: عن الحكم-: "أهدى الصعب بن جثامة إلى النبي ﵇ رجل حمار وحشي". وفي رواية شعبة عن الحكم: "عجز حمار وحشي يقطر دمًا"، وفي رواية شعيب عن حبيب: "أهدي للنبي ﵇ شق حمار وحشي فرده".
السادس: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، ووهب بن جرير، كلاهما عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ... إلى آخره.
وأخرجه البزار في "مسنده": نا محمد بن المثنى، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن الصعب بن جثامة أهدى إلى رسول الله ﵇ وهو بقديد وهو محرم لحم حمار وحشي، فرده رسول الله ﵇ وهو يقطر دمًا".
стр. 4658
السابع: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن معتمر ابن سليمان، عن منصور بن زاذان، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وأخرجه الطبراني (١): نا معاذ بن المثنى، نا مُسّدد، نا معتمر بن سليمان، قال: سمعت منصورًا يحدث، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "أهدى الصعب بن جثامة رجل حمار وحشي يقطر دمًا إلى رسول الله ﵇ وهو محرم بقديد، فردها".
الثامن: عن أحمد بن داود المكي، عن سليمان بن حرب شيخ البخاري وأبي داود، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة وحبيب بن أبي ثابت، كلاهما عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث العباس الأسفاطي، عن سليمان وأبي الوليد، قالا: نا شعبة، عن الحكم وحبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن الصعب بن جثامة أهدى إلى النبي ﵇-قال أحدهما: بقديد عجز حمار- وقال الآخر: حمار وحشي، فرده".
وقال أبو جعفر الطبري: الأخبار عن الصعب مضطربة، والصحيح أنه حمار حيّ؛ للإِجماع على منع قبول المحرم هبة الصيد، وكيف تكون رجله وهو يقول لم نرده عليك إلَّا أنا حرم؟!.
وقال القاضي: قال الإِمام: بوب البخاري على حديث الصعب ما دل على أنه تأول أن الحمار كان حيًّا، فعلى هذا يكون فيه حجة على أن المحرم يرسل ما كان بيده من صيد، وفيه أيضًا أن الهبة لا تدخل في ملك الموهوب إلَّا بالقبول، وأن قدرته على ملكها لا تصيره مالكها، ثم قال: وفي بعض طرق حديث الصعب ما يقدح في
стр. 4659
تأويل من تأول الحديث على أن الحمار حي، وهو قوله: "رجل حمار" وفي طريق آخر "عجز حمار وحشي يقطر دمًا"، وفي طريق آخر "شق حمار"، وفي رواية زيد بن أرقم: "أهدى للنبي ﵇ عضو من لحم صيد فرده وقال: إنا لا نأكله إنا حرم" فبهذه الروايات يحتج من يقول من الناس: إن المحرم لا يأكل لحم صيد وإن لم يصد من أجله.
وقال إسماعيل: سمعت سليمان بن حرب يتأول هذا الحديث على أنه صيد من أجله، ولولا ذلك لكان أكله جائزًا، وقال سليمان: ومما يدل على أنه صيد من أجله قولهم في الحديث: "فرده يقطر دمًا كأنه صيد في ذلك الوقت".
وقال ابن بطال: اختلاف روايات حديث الصعب تدل على أنها لم تكن قضية واحدة، وإنما كانت قضايا، فمرة أهدى إليه الحمار كله، ومرة عجزه، ومرة رجله، لأن مثل هذا لا يذهب على الرواة ضبطه حتى يقع فيه التضاد في النقل والقصة واحدة.
وقال القرطبي: بوب البخاري على هذا الحديث وفهم منه الحياة، والروايات الآخر تدل على أنه كان ميتًا، وأنه آتاه بعضو منه، وطريق الجمع: أنه جاء بالحمار ميتا فوضعه بقرب النبي ﵇ ثم قطع منه ذلك العضو فأتاه به، فصدق اللفظان، أو يكون أطلق اسم الحمار وهو يريد بعضه وهذا من باب التوسع والتجوز، أو نقول: إن الحمار كان حيًّا فيكون قد أتاه به، فلما رده وأقره بيده ذكاه، ثم أتاه بالعضو المذكور، ولعل الصعب ظن أنه إنما رده لمعنى يخص الحمار بجملته، فلما جاء بجزئه أعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد كحكم الصيد لا يحل للمحرم قبوله ولا تملكه.
وقال البيهقي: قال الربيع: قال الشافعي: فإن كان الصعب أهدى إلى النبي ﵇ الحمار حيًّا فليس لمحرم ذبح حمار وحشي وإن كان أهدى له لحمًا فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده، وأيضًا في حديث جابر وحديث مالك أن الصعب أهدى حمارًا، أثبت من حديث من قال: أهدى له لحم حمار.
стр. 4660
قال البيهقي: وقد روي في حديث الصعب أنه أكل منه، ثم روى بإسناده (١): عن يحيى بن سليمان الجعفي، ثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه: "أن الصعب بن جثامة أهدى للنبي ﵇ عجز حمار وحشي وهو بالجحفة فأكل منه، وأكل منه القوم". هذا إسناد صحيح، قال البيهقي: إن كان محفوظًا، فكأنه ﵇ رد الحي وقبل اللحم.
قلت: قال الذهبي: بل هذا خبر منكر شاذ، ويحيى بن أيوب قد ضُعِّفَ، وله أحاديث منكرة، ولكنه من رجال الصحيحين انتهى، وفي سنده أيضًا يحيى بن سليمان الجعفي، قال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن حبان: ربما أغرب، وأما يحيى بن أيوب الغافقي المصري فقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال أحمد: كان سيء الحفظ يخطئ خطأ كثيرًا، وكذبه مالك في حديثين فعلى هذا لا يشتغل بتأويل هذا الحديث لأجل سنده لمخالفته للحديث الصحيح، وقول البيهقي: "وقبل اللحم" يرده ما في الصحيح أنه ﵇ رده.
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ خلاف ذلك.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن ويحيى بن عبد الله بن سالم، عن عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ قال: لحم الصيد حلال لكم وأنتم حرم، ما لم تصيدوه أو يصاد لكم".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو، عن رجل من الأنصار، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا إبراهيم بن سويد، قال: حدثني عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أبي موسى، عن النبي ﵇ مثله.
стр. 4661
ش: أي قد رُوي عن النبي ﵇ خلاف ما رواه الصعب بن جثامة، فكأنه يشير بهذا إلى أن حديث الصعب كما هو مضطرب كما بيناه، معارض أيضًا بحديث جابر وأبي موسى الأشعري، أما حديث جابر فأخرجه من طريقين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب المصري، عن يعقوب ابن عبد الرحمن بن محمد القاري المدني نزيل إسكندرية روى له الجماعة سوى ابن ماجه وعن يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدني روى له مسلم وأبو داود والنسائي، كلاهما عن عمرو بن أبي عمرو ميسرة مولى المطلب المدني روى له الجماعة، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب القرشي المخزومي المدني، قال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث وليس يحتج بحديثه. روى له الجماعة سوى مسلم، لكن البخاري في غير الصحيح.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا يعقوب يعني الإِسكندراني القاري، عن عمرو، عن المطلب، عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم".
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا قتيبة، قال: ثنا يعقوب ... إلى آخره، ولكن في روايته: "حلال لكم وأنتم حرم" وقال أبو عيسى: هذا حديث جابر مفسر، والمطلب لا نعرف له سماعًا من جابر، وهذا أحسن حديث روي في هذا الباب.
وقال الحافظ المنذري: قال الترمذي في موضع آخر: والمطلب بن عبد الله بن حنطب يقال: إنه لم يسمع من جابر، وذكر أبو حاتم الرازي أنه لم يسمع من جابر، وقال ابنه عبد الرحمن بن أبي حاتم: يشبه أن يكون أدركه.
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن رجل من الأنصار، عن جابر ... إلى آخره، وفيه مجهول، والظاهر أنه هو المطلب المذكور.
стр. 4662
وهذا الحديث أخرجه الحاكم في "مستدركه" (١) وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وأخرجه ابن حبان أيضًا في "صحيحه" (٢).
قوله: "وأنتم حرم" جملة حالية.
قوله: "أو يصاد لكم" برفع الدال خبر مبتدأ محذوف أي أو هو يصاد لكم.
وأما حديث أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس ﵁ فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن إبراهيم بن سويد بن الحيان المدني وثقه يحيى وأبو زرعة وروى له البخاري وأبو داود، عن عمرو بن أبي عمرو ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣): ثنا العباس بن محمد المجاشعي نا محمد بن أبي يعقوب الكرماني نا يوسف بن خالد السمتي عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أبي موسى، أن رسول الله ﵇ قال: "لحم الصيد حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم وأنتم حرم".
ص: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: كل صَيد صِيد من أجل محرم وإن كان الذي صاده حلال فهو حرام على ذلك المحرم، كما يحرم عليه ما تولى هو صيده لنفسه.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح، والشافعي، ومالكًا، وأحمد، وإسحاق، وأبا ثور، فإنهم قالوا: الصيد الذي صيد لأجل المحرم حرام على المحرم، وإن كان الذي صاده حلالًا.
стр. 4663
وقال أبو عمر: وذهب مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور إلى أن ما صيد من أجل المحرم لم يجز أكله، وما لم يصد من أجله جاز له كله، وروي هذا القول عن عثمان، وبه قال عطاء في رواية، وإسحاق في رواية، وحجتهم حديث جابر الذي قد ذكر الآن، وقال: قال مالك: وإن أكل المحرم من صيد صِيد من أجله فداه، وهو قول الحسن بن حي والأوزاعي، وقال مالك: ما ذبحه المحرم فهو ميتة لا يحل لمحرم ولا لحلال، وقد اختلف قوله فيما صِيد لمحرم بعينه كالأمير وشبهه، هل لغير ذلك الذي صيد لأجله أن يأكله؟ والمشهور من مذهبه عند أصحابه أن المحرم لا يأكل ما صيد لمحرم معين أو غير معين، ولم يأخذ بقول عثمان لأصحابه حين أتي بلحم صيد وهو محرم: "كلوا فلستم مثلي لأنه صيد من أجلي".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: كل صيد صاده حلال فلحمه حلال لكل محرم وحلال.
ش: أي خالف الفريقين المذكورين آخرون، وأراد بهم: مجاهدًا وعطاء -في رواية- وسعيد بن جبير وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد -في رواية- فإنهم قالوا: الصيد الذي اصطاده الحلال لا يحرم على المحرم، وقال أبو عمر: وكان عمر بن الخطاب وأبو هريرة والزبير بن العوام ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير، يرون للمحرم كل الصيد على كل حال إذا اصطاده الحلال، سواء صيد من أجله أو لم يصد، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، لظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١) فحرم صيده وقتله على المحرمين دون ما صاده غيرهم، وحجتهم حديث البهزي، وحديث أبي قتادة.
ص: وكان من الحجة لهم في حديث المطلب الذي ذكرناه: أن قول رسول الله ﵇: "أو يصاد لكم" يحتمل أن يكون أراد به أو يصاد ذلكم بأمركم فإن كان ذلك كذلك، فأنتم أيضًا كذلك تقولون: كل صيد صاده حلال لمحرم بأمره فهو حرام على ذلك المحرم.
стр. 4664
ش: أي وكان من الدليل والبرهان، وأراد به الجواب عن حديث المطلب بن عبد الله، عن جابر ﵁ الذي احتجت به أهل المقالة الثانية، نصرة لأهل المقالة الثالثة.
بيانه: أن قول رسول الله ﵇ "أو يصاد لكم" يحتمل أن يكون المراد به "أو يصاد بأمركم" ويحتمل أن يكون المراد: أو يصاد لأجلكم لكن ليس بأمركم، فإن كان المراد الأول فلا نزاع لأحد فيه أنه حرام على ذلك المحرم، وإن كان المراد الثاني فقد وردت أحاديث كثيرة في إباحة لحم الصيد الذي صاده حلال للمحرم إذا لم يكن صيده بأمره ولا بمعونته إياه في ذلك إشارة إليه بقوله.
ص: وقد رويت عن رسول الله ﵇ أحاديث جاءت مجيئًا متواترًا في إباحة لحم الصيد الذي قد صاده الحلال للمحرم؛ إذا لم يكن صاده بأمره ولا بمعونته إياه عليه.
ش: أراد بالتواتر: التكاثر لا التواتر المصطلح عليه.
ص: حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني محمد بن المنكدر، عن معاذ بن عبد الرحمن التيمي، عن أبيه، عبد الرحمن بن عثمان، قال: "كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حُرُم، فأهدى له طير، وطلحة راقد فمنا من أكل، ومنا من تورع، فلما استيقظ طلحة وقدم بين يديه أكله، وقال: أكلت مع رسول الله ﵇".
ش: وهذا ما بعده بيان؛ لقوله: وقد رويت عن رسول الله ﵇ أحاديث ... إلى آخره، وإسناد هذا صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا أبا بشر عبد الملك بن مروان الرقي، وابن جريج هو عبد الملك، وعبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي الصحابي أسلم يوم الحديبية وقيل يوم الفتح، وطلحة بن عبيد الله بن عثمان أحد العشرة المبشرين بالجنة.
стр. 4665
وأخرجه مسلم (١): حدثني زهير بن حرب، قال: نا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج ... إلى آخره نحوه، غير أن لفظه: "فلما استيقظ طلحة وَفَّقَ من أكله، وقال: أكلت مع رسول الله ﵇".
وأخرجه النسائي (٢) أيضًا: عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج ... إلى آخره نحوه.
قوله: "وفق من أكله" أي دعى له بالتوفيق، أي قال له: وفقت. أي أصبت الحق.
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة، عن رجل من بهز: "أن رسول الله ﵇ مرّ بالروحاء، فإذا هو بحمار وحشي عقير فيه سهم، فقال رسول الله ﵇: دعوه حتى يجيء صاحبه، فجاء البهزي، فقال: يا رسول الله، هي رميتي فكلوا، فأمر أبا بكر ﵁ أن يقسمه بين الرفاق وهم مُحرمُون، ثم سار حتى إذا كان بالأثاية إذا هو بظبي مستظلٍ في حقف جبل فيه سهم وهو حي، فقال رسول الله ﵇ لرجل: قف ها هنا لا يريبه أحدٌ حتى يمضي الرفاق.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه عن يحيى بن سعيد، أنه قال: أخبرني محمد بن إبراهيم، ثم ذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان:
الأول: رجاله كلهم رجال الجماعة ما خلال يزيد بن سنان، وعمير بن سلمة الضمري له صحبة، ورجل من بهز غير مسمى، قال أبو عمر بن عبد البر اسمه زيد بن كعب السلمي، ثم البهزي وهو صاحب الحمار العقير وسماه
стр. 4666
البغوي وغيره أيضًا زيد بن كعب، ونسبته إلى بهز بالباء الموحدة والزاي المعجمة، وبهز هي تميم بن امرئ القيس بن بهثه بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يزيد بن هارون، نا يحيى، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة، عن رجل من بهز: "أن رسول الله ﵇ خرج وهو يريد مكة، حتى إذا كان في بعض وادي الروحاء، وجد الناس حمار وحشٍ عقيرًا، فذكروا ذلك لرسول الله ﵇، فقال: ذروه حتى يأتي صاحبه، فأتى البهزي وكان صاحبه، فقال: يا رسول الله، شأنكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله ﵇ أبا بكر فقسمه بين الرفاق وهم محرمون، قال: ثم سرنا حتى إذا كان بالأبواء فإذا ظبي حاقف في ظل شجرة وفيه سهم، فأمر النبي ﵇ رجلاً يقيم عنده حتى يجيز الناس عنه".
وأخرجه البيهقي (٢): من طريق أحمد نحوه.
الثاني: رجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٣): عن يحيى بن سعيد، أنه قال: أخبرني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، عن عمير بن سلمة الضمري، عن البهزي: "أن رسول الله ﵇ خرج يريد مكة، حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عقير، فذكر ذلك لرسول الله ﵇، فقال: دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبه، فجاء البهزي وهو صاحبه إلى رسول الله ﵇، فقال: يا رسول الله، شأنكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله ﵇ أبا بكر ﵁ فقسمه بين الرفاق، ثم مضى حتى إذا كان بالأثاية بين الرويثة والعرج إذا ظبي حاقف في ظل،
стр. 4667
وفيه سهم، فزعم أن رسول الله ﵇ أمر رجلاً يقف عنده؛ لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزوه".
وأخرجه النسائي (١): عن محمد بن مسلمة والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك ... إلى آخره نحوه.
وهذا الحديث صحيح بلا خلاف، ولكن الكلام في أنه هل هو لعمير بن سلمة عن النبي ﵇، أو هو عن عمير عن البهزي؟ فقال أبو عمر: من أصحاب يحيى بن سعيد من يجعل هذا الحديث عن عمير بن سلمة، عن النبي ﵇ لا يذكر فيه البهزي، وعمير بن سلمة من الصحابة، والبهزي هو صاحب الحمار.
وقال أيضًا: لم يختلف على مالك في إسناد هذا الحديث، واختلف أصحاب يحيى عنه على يحيى، فرواه جماعة كما رواه مالك، ورواه حماد بن زيد وهشيم ويزيد بن هارون وعلي بن مسهر، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة الضمري، عن النبي ﵇ فالحديث لعمير فيما قال حماد، وتابعه على ذلك جماعة منهم هشيم وعلي بن مسهر ويزيد بن هارون، وعمير بن سلمة من كبار الصحابة، وجعله مالك عن عمير، عن البهزي، عن النبي ﵇.
وفي متن حديث حماد بن زيد قال: "جاء رجل من بهز فقال: يا رسول الله، أصبت هذا بالأمس، فشأنكم به".
قال أبو عمر: ومما يدلك على صحة رواية حماد بن زيد ومن تابعه: أن يزيد بن الهاد وعبد الله بن سعيد رويا هذا الحديث عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة الضمري، قال: "خرجنا مع رسول الله ﵇". وفي رواية يزيد الهاد: "بينا نحن مع رسول الله ﵇". رواه الليث بن سعد هكذا عن يزيد بن الهاد، وقال موسى بن هارون: الصحيح عندنا أن هذا الحديث رواه عمير بن سلمة عن النبي ﵇ ليس بنيه وبين النبي ﵇ أحد، قال موسى بن
стр. 4668
هارون: ولم يأت ذكر البهزي عن مالك؛ لأن جماعة رووه عن يحيى كما رواه مالك، ولكن إنما جاء ذلك من يحيى بن سعيد، كان يرويه أحيانًا فيقول فيه: عن البهزي قال، وأحيانًا لي قول فيه: عن البهزي.
قلت: هذه رواية الطحاوي من طريقين عن عمير بن سلمة، عن رجل من بهز، فالحديث للبهزي لا لعمير بن سلمة والله أعلم.
قوله: "بالروحاء" هو موضع بينه وبين المدينة ميل، وفي حديث جابر: "إذا أذن المؤذن هرب الشيطان [حتى] (١) يكون بالروحاء وهي من المدينة ثلاثون ميلًا".
رواه أحمد (٢): وقال أبو علي القالي في شهاب "الممدود والمقصور": "الروحاء" موضع على ليلتين من المدينة، وفي "المطالع": الروحاء من عمل الفرع، على نحو أربعين ميلًا من المدينة.
وفي مسلم (٣): "على ستة وثلاثين". وفي كتاب ابن أبي شيبة (٤): "على ثلاثين".
قوله: "عقير" أبي أصابه عقر ولم يمت بعد، والعقر: الجرح، والعقير تقع صفة للمذكر والمؤنث، يقال: حمل عقير، وناقة عقير.
قوله: "فجاء البهزي" أي الرجل البهزي، وهو زيد بن كعب الصحابي.
قوله: "هي رميتي" الرمية بفتح الراء وكسر الميم وتشديد الياء، وهي الصيد الذي يرميه الرجل فيقصده ويُنْفِذْ فيه سهمه.
قوله: "حتى إذا كان بالأثاية" بفتح الهمزة وفتح الثاء المثلثة وبعد الألف ياء آخر الحروف مفتوحة وفي آخره هاء، وهي اسم المنهل بين الرويثة والعرج، وقال أبو عمر: الأثاية والرويثة والعرج والروحاء منازل ومناهل بين مكة والمدينة، وفي
стр. 4669
"المطالع": الأثاية موضع بطريق الجحفة بينه وبين المدينة سبعة وسبعون ميلاً، وهي "فعالة" من أُثيت به إذا وثبت، قاله ثابت، ورواه بعض الشيوخ بكسر الهمزة، وبعضهم يقول: الأثاثة بثائين، وبعضهم الأثانة بالنون، والأول الصواب بالفتح والكسر.
قال أيضًا: "الرويثة" بطريق مكة من المدينة، قلت: هي بضم الراء وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وفتح الثاء المثلثة، وفي آخره هاء، و"العَرْج" بفتح العين المهملة وسكون الراء وبالجيم، وهي قرية جامعة من عمل الفرع، على نحو من ثمانية وسبعين ميلًا من المدينة، وهو أول تهامة، وقاله في "المطالع".
قوله: "في حِقف جبل" الحقف بكسر الحاء المهملة وسكون القاف: ما اعوج من الرمل واستطال، ويجمع على أحقاف، وقال الجوهري: "الحقف" المعوج من الرمل، والجمع حقاف وأحقاف، وفي رواية أحمد: "فإذا ظبي حاقف" أي نائم قد انحنى في نومه.
قوله: "لا يريبه أحد" أي لا يتعرض له أحد ويزعجه، وأصله من رابني الشيء وأرابني بمعنى شككني، وقيل: أرابني في كذا أي شككني وأوهمني الريبة فيه، فإذا استيقنته قلت: رابني بلا ألف.
ويستفاد منه: جواز أكل ما صاده الحلال للمحرم، وعدم جواز تنفير الصيد للمحرم وإعانته عليه، ألا ترى أن رسول الله ﵇ أمر رجلاً أن يقف عند الظبي الحاقف حتى يجاوزه الناس لا يريبه أحد أي لا يحركه ولا يهيجه.
وفيه: أن الصائد إذا أصاب الصيد برمحه أو نبله فقد ملكه بذلك، إذا كان الصيد لا يمتنع من أجل ذلك الفعل؛ لقوله ﵇ حتى يأتيه صاحبه.
واستدل به أيضًا من جوَّز هبة المشاع؛ لقول البهزي للجماعة هذه رميتي فكلوه، وفي رواية: "شأنكم بهذا الحمار، فقسمه أبو بكر بينهم بأمر رسول الله ﵇".
стр. 4670
ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا نافع بن يزيد، عن ابن الهاد، أن محمد بن إبراهيم حدثه، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة الضمري، قال: "بينا نحن نسير مع رسول الله ﵇ ببعض أمياه الروحاء وهو محرم؛ إذا هو بحمار معقور، فقال رسول الله ﵇: دعوه، فيوشك صاحبه أن يأتيه، فجاء رجل من بهز هو الذي عقر الحمار، فقال: يا رسول الله، شأنكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله ﵇ أبا بكر فقسمه بين الناس". ثم ذكر نحو ما في حديث يزيد عن يزيد بن هارون.
حدثنا محمد بن خزيمة وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، ثنا ابن الهاد ... ثم ذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان آخران في الحديث المذكور وهما أيضًا صحيحان، وفيهما الحديث لعمير بن سلمة الضمري، عن النبي ﵇ وليس بينه وبين النبي ﵇ أحد، كما قال موسى بن هارون: الصحيح عندنا أن هذا الحديث رواه عمير بن سلمة عن النبي ﵇ ليس بينه وبين النبي ﵇ أحد.
الأول: عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار الضمري، وثقه ابن حبان، وعن يحيى: كان رواية عن ابن لهيعة، وكان شيخ صدق، عن نافع بن يزيد الكلاعي المصري استشهد به البخاري وروى له الباقون سوى الترمذي، عن ابن الهاد وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني روى له الجماعة.
وأخرجه يعقوب بن حميد في "مسنده" (١): عن عبد العزيز بن محمد وابن أبي حازم عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة قال: "بينما نحن نسير مع رسول الله ﵇ ببعض أمياه الروحاء -
стр. 4671
وقال ابن أبي حازم: ببعض نواحي الروحاء- إذا حمار وحش معقور، فذكر لرسول الله ﵇ فقال: دعوه فيوشك أن صاحبه يأتيه، فأتى صاحبه الذي عقره، وهو رجل من بهز، فقال: يا رسول الله، شأنكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله ﵇ أبا بكر فقسمه بين الرفاق، قال ثم مضى، فلما كان بالأثاية مر بظبي حاقف في ظل شجرة فيه سهم، فأمر النبي ﵇ إنسانًا أن لا يهيجه إنسان فنفذ الناس".
الثاني: عن محمد بن خزيمة وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح وراق الليث وشيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن عيسى بن طلحة، عن عمير بن سلمة الضمري قال: "بينا نحن نسير مع رسول الله ... " إلى آخره.
وأخرجه ابن الأثير (١): في ترجمة عمير بن سلمة وقال: أنا يحيى بن محمود إجازة بإسناده، عن أبي بكر بن عاصم، قال: ثنا يعقوب بن حميد ... إلى آخره، ثم قال: كذا ساق ابن أبي عاصم هذا الحديث، ورواه حماد بن زيد وهشيم والليث بن سعد، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيم مثله.
وخالفهم مالك بن أنس وأبو أوس وعبد الوهاب وحماد بن سلمة، فقالوا: عن يحيى، عن محمد عن عيسى، عن عمير، عن البهزي. وقد ذكرنا الاختلاف فيه.
قوله: "بينا" أصله "بين" فزيدت فيه الألف لإِشباع فتحة النون، وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة.
قوله: "دعوه" أي اتركوه.
قوله: "ثم ذكر نحو ما في حديث يزيد عن يزيد بن هارون" أي ثم ذكر الربيع الحديث نحو ما في حديث يزيد بن سنان الفزاري، عن يزيد بن هارون الواسطي.
ص: ففي حديث طلحة وعمير بن سلمة عن رسول الله ﵇ أنه أباح للمحرمين أكل لحم الصيد الذي تولى صيده الحلال، فقد خالف ذلك حديث علي وزيد بن
стр. 4672
أرقم والصعب بن جثامة عن النبي ﵇، غير أن حديث طلحة وحديث عمير بن سلمة هذين ليس فيهما دليل على حكم الصيد إذا أراد الحلال به المحرم، فنظرنا في ذلك، فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا عياش بن الوليد الرقام، قال: ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن عبيد الله، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري قال: "بعث رسول الله ﵇ أبا قتادة الأنصاري على الصدقة، وخرج رسول الله ﵇ وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا عسفان، فإذا هم بحمار وحشٍ، قال: وجاء أبو قتادة وهو حل، فنكسوا رؤوسهم كراهة أن يحُّدوا أبصارهم فيفطن، فرآه فركب فرسه وأخذ الرمح فسقط منه، فقال: ناولونيه، فقالوا: ما نحن بمعينيك على شيء، فحمل عليه فعقره، فجعلوا يشوون منه، ثم قالوا: رسول الله ﵇ بين أظهرنا، قال: وكان يقدمهم، فلحقوه، فسألوه، فلم ير بذلك بأسا".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا خالد بن عبد الله، قال: ثنا عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم، عن أبي قتادة: "أنه كان على فرس وهو حلال، ورسول الله ﵇ وأصحابه محرمون، فبصر بحمار وحش، فنهى رسول الله ﵇ أن يعينوه، فحمل عليه، فصرع أتانًا، فأكلوا منها".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني عثمان بن عبد الله بن موهب، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه: "أنه كان في قوم محرمين وليس هو بمحرم، وهم يسيرون، فرأوا حمارًا، فركب فرسه فصرعه، فأتوا النبي ﵇ فسألوه عن ذلك، فقال: أشرتم أو صدتم أو قتلتم؟ قالوا: لا. قال: فكلوا".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن أبي النضر، عن نافع مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة: "أنه كان مع رسول الله ﵇، حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم، فرأى حمارًا وحشيًّا، فاستوى على فرسه، ثم سأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا، فسألهم رمحه
стр. 4673
فأبوا، فأخذه ثم شد على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب النبي ﵇، وأبى بعضهم، فلما أدركوا رسول الله ﵇ سألوه عن ذلك، فقال: إنما هي طعمة أطعمكموها الله".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أخبره عن أبي قتادة مثله، وزاد: "أن رسول الله ﵇ قال: هل معكم من لحمه شيء؟ ".
فقد علمنا أن أبا قتادة لم يصده في وقت ما صاده إرادة منه أن يكون له خاصة، وإنما أراد أن يكون له ولأصحابه الذين كانوا معه، فقد أباح رسول الله ﵇ ذلك لهم وله ولم يحرمه عليهم لإِرادته أن يكون لهم معه، وفي حديث عثمان بن عبد الله بن موهب: "أن رسول الله ﵇ سألهم فقال: أشرتم أو صدتم أو قتلتم؟ قالوا: لا، قال: فكلوا". فدل أنه إنما يحرم عليهم إذا فعلوا شيئًا من هذا، ولا يحرم عليهم بما سوى ذلك وفي ذلك دليل أن معنى قول رسول الله ﵇ في حديث عمرو مولى المطلب: "أو يصاد لكم" أنه على ما صيد لهم بأمرهم، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار المروية عن رسول الله ﵇.
ش: أراد بهذا الكلام أن أحاديث علي بن أبي طالب وزيد بن أرقم والصعب ابن جثامة التي احتجت بها أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه لا يستقيم لهم الاحتجاج بها، وذلك لأن حديثي طلحة بن عبيد الله وعمير بن سلمة قد عارضا أحاديث هؤلاء؛ لأن في أحاديثهم يخبر بأن المحرم لا يباح له الأكل من لحم الصيد الذي اصطاده حلال، وفي حديثي طلحة وعمير يخبر بأن ذلك حلال للمحرم، فسقط الاحتجاج بالجميع، غير أنه ليس في حديثهما ما يدل على حكم الصيد إذا أراد الحلال به المحرم، فلما اعتبرنا ذلك، وجدنا أحاديث عن أبي قتادة ﵁ تدل على شيئين:
أحدهما: جواز أكل المحرم من الصيد الذي اصطاده حلال مريدًا به لأجل المحرم، وذلك لأن أبا قتادة لما صاد صيده لم يكن إراد به أن يكون لنفسه خاصة،
стр. 4674
وإنما أراد به أن يكون له ولأصحابه الذين كانوا معه، وهذا معلوم من حديثه بلا ريب، ثم إن رسول الله ﵇ أباح ذلك الصيد له ولأصحابه ولم يحرمه على أصحابه لأجل إرادته أن يكون لهم معه، أي مع نفسه.
والآخر: يدل على أنه إنما يباح للمحرم ذلك بشرط أن لا تكون منه إشارة ولا دلالة ولا إعانة لأن النبي ﵇ قال: "أشرتم أو صدتم أو قتلتم؟ " ودل هذا القيد في هذا الحديث على أن المراد من قوله ﵇ في حديث عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب: "أو يصاد لكم" يعني ما صيد لهم بأمرهم فافهم.
ثم إنه أخرج حديث أبي قتادة من خمس طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عياش -بالياء آخر الحروف المشددة وبالشين المعجمة- بن الوليد الرقام القطان البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى بن محمد السامي البصري روى له الجماعة، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبي عثمان المدني روى له الجماعة، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي السرح القرشي العامري روى له الجماعة، عن أبي سعيد الخدري سعد بن مالك.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن عثمان العقيلي وإسماعيل بن بشر بن منصور السليمي، قالا: ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن عبيد الله بن عمر عن عياض بن عبد الله بن سعد، عن أبي سعيد الخدري قال: "بعث رسول الله ﵇ أبا قتادة الأنصاري ... " إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "كراهية أن يحدرا أبصارهم فيعلم"، وبعد قوله: "فلم يربه بأسًا" قال: وأحسبه -شك عبيد الله- قال: "هل بقى معكم شيء".
قال البزار: هذا الحديث لا نعلم رواه عن عبيد الله إلَّا عبد الأعلى، ولا يعلم أسند عبيد الله عن عياض إلَّا هذا الحديث. انتهى.
стр. 4675
قوله: "بعث رسول الله ﵇ أبا قتادة على الصدقة". أي على أخذ الزكوات، أراد أنه بعثه عاملًا ليأخذ الزكاة من أصحاب الأموال والمواشي، وأبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي الأنصاري.
قوله: "وهم محرمون" جملة حالية.
"وعسفان" بضم العين، بَيَّنَّاها فيما مضى.
قوله: "وهو حِلٌّ" جملة حالية، أي والحال أن أبا قتادة حِلّ، أي حلال غير محرم، وهو بكسر الحاء وتشديد اللام، ورواية عياض هذه بينت سبب كون أبي قتادة حلًّا جاوز الميقات غير محرم، وقال الأثرم: كنت أسمع أصحاب الحديث يعجبون من حديث أبي قتادة، ويقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات غير محرم؟! ولا يدرون ما وجهه حتى رأيته مفسرًا في رواية عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد، وقال أبو الفتح القشيري في الجواب عن عدم إحرام أبي قتادة: يحتمل أنه لم يكن مريدًا للحج، أو أن ذلك قبل توقيت المواقيت.
وزعم المنذري أن أهل المدينة أرسلوه إلى سيدنا رسول الله ﵇ يعلمونه أن بعض العرب ينوي غزو المدينة.
وقال ابن المتن: يحتمل أنه لم ينو الدخول إلى مكة وإنما صحب النبي ﵇ ليكثر جمعه.
قلت: كل هذا فيه نظر، وإنما الصحيح في ذلك هو أنه بعثه ﵇ على الصدقة كما في رواية عياض بن عبد الله هذه، والله أعلم.
وقال أبو عمر: يقال: إن أبا قتادة كان رسول الله ﵇ وَجَّهه على طريق البحر مخافة العدو، فلذلك لم يكن محرمًا إذ اجتمع مع أصحابه؛ لأن مخرجهم لم يكن واحدًا، وكان ذلك عام الحديبية أو بعده بعام، عام القضية.
قوله: "فنكسوا رؤوسهم" أي طأطأوها، قال الجوهري: الناكس هو المطأطئ رأسه.
стр. 4676
قوله: "كراهة أن يحدُّوا أبصارهم" من حددت النظر إلى فلان إذا وجهت نظرك إليه، وانتصاب كراهة على التعليل.
قوله: "فيفطن" أي فيعلم أي أبو قتادة، من الفطنة وهي الفهم، قال الجوهري، وفي الدستور هو من باب علم تعلم تقول فطن يفطن فطانة.
قوله: "ما نحن بمعينيك" أصله ما نحن بمعينين، فلما أضيفت إلى كاف الخطاب سقطت النون.
قوله: "بين أظهرنا" أراد به أنهم أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم، وكذلك قولهم: بين ظهرانيهم، والمعنى أن ظهرا منهم قدامه وظهرًا وراءه، فهو مكنوف من جانبيه ومن جوانبه.
قوله: "فلم ير بذلك بأسًا" أي فلم ير رسول الله ﵇ بما أكلوا من الصيد.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود أيضًا، عن أبي عمر حفص بن عمر بن الحارث النمري الحوضي البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الطحان الواسطي روى له الجماعة، عن عمرو بن يحيى بن عمارة الأنصاري المدني أحد مشايخ أبي يوسف القاضي روى له الجماعة، عن عباد بن تميم بن غزيَّة الأنصاري المدني روى له الجماعة، عن أبي قتادة الحارث بن ربعي.
وأخرجه الجماعة (١): بألفاظ متباينة وأسانيد مختلفة.
قوله: "فبصر بحمار" أي رآه.
قوله: "فصرع أتانا" وهي الأنثى من الحمير الوحشية.
الثالث: عن محمد بن خزيمة ... إلى آخره.
стр. 4677
ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن خزيمة.
وأخرجه النسائي (١): أنا محمود بن غيلان، نا أبو داود، أنا شعبة، أخبرني عثمان ابن عبد الله بن موهب، سمعت عبد الله بن أبي قتادة يحدث عن أبيه: "أنهم كانوا في مسيرهم بعضهم محرم وبعضهم ليس بمحرم، قال: فرأيت حمار وحش، فركبت فرسي، وأخذت الرمح، فاستعنتهم فلم يعينوا أي يعينوني فاختلست سوطًا من بعضهم، فشددت على الحمار فأصبته، فأكلوا منه، فأشفقوا، قال: فسئل عن ذلك النبي ﵇، فقال: هل أشرتم أو أعنتم؟ قالوا: لا، قال: فكلوا".
وأخرجه الدارمي في "سننه" (٢): أنا أبو الوليد، نا شعبة، عن عثمان بن عبد الله ابن موهب، عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري، عن أبيه قال: "بينا نحن نسير وهم محرمون وأبو قتادة حلال إذ رأيت حمارًا، فركبت فرسًا فأصبته، فأكلوا من لحمه وهم محرمون، ولم آكل، فأتوا النبي ﵇ فسألوه، فقال: أشرتم؟ -أو قال-: ضربتم؟ قالوا: لا، قال: فكلوا".
وأخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤) مطولًا يعني هذا اللفظ، وفي لفظ لمسلم: وفي رواية شعبة قال: "أشرتم أو أعنتم أو صدتم" قال شعبة: لا أدري قال أعنتم أو صدتم.
قوله: "أشرتم" أي هل أشرتم إليه؟
قوله: "أو صدتم" وفي رواية: "أو أصدتم" بتخفيف الصاد، معناه أمرتم بالصيد أو جعلتم من يصيده؟ وقيل: معناه أثرتم الصيد من موضعه؟ يقال: "أصدته" أي أثرته، قال القاضي: وهو أولى من رواية من روى صدتم أو أصَّدتم بالتشديد، إذ قد علم ﵇ أنهم لم يصيدوا، وإنما سألوه عن صيد غيرهم.
стр. 4678
قلت: فيه نظر؛ لأن أصدت من كلام العامة وهو خطأ، قاله ابن درستويه، وقال الكلبي وغيره: لم نر من قاله بالألف، وقال ابن الأثير: في حديث أبي قتادة: "قال له: هل أشرتم أو أصدتم؟ " يقال: أصدت غيري إذا حملته على الصيد وأغريته به، وفيه: "إنا أصَّدنا حمار وحشٍ هكذا روي بصاد مشددة، وأصله اصطدنا فقلبت الطاء صادًا، وأدغمت، مثل اصَّبر من اصطبر، وأصل الطاء مبدلة من تاء افتعل.
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى ... إلى آخره.
ورجاله رجال الصحيح، وأبو النضر بالنون والضاد المعجمة سالم بن أبي أمية.
وأخرجه مسلم (١): قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك ... إلى آخره نحوه.
وثنا قتيبة، عن مالك فيما روى عليه، عن أبي النضر، عن نافع مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة: "أنه كان مع رسول الله ﵇ ... " إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٢): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك.
والترمذي (٣): عن قتيبة، عن مالك.
قوله: "طُعمة" بضم الطاء، أي رزق ساقه الله إليكم.
الخامس: عن يونس أيضًا ... إلى آخره.
وهذا أيضًا رجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٤)، ومسلم (٥)، والترمذي (٣) كلاهما عن قتيبة، عن مالك.
стр. 4679
ويستفاد من هذه الأحاديث أحكام:
الأول: فيه دليل على أن لحم الصيد حلال أكله للمحرم إذا لم يصده وصاده الحلال.
الثاني: فيه دليل على أن قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١) معناه الاصطياد، وقيل: الصيد وأكله لمن صاده، وأما من لم يصده فليس بمن عني بالآية، والله أعلم، وتكون هذه الآية على هذا التأويل مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢) سواء؛ لأن هذه الآية إنما ينهى فيها عن قتل الصيد واصطياده لا غير، قاله أبو عمر.
الثالث: فيه دليل على أن المحرم إذا أعان الحلال على الصيد بما قل أو كثر فقد فعل ما لا يجوز له، وهذا إجماع من العلماء، واختلفوا في المحرم يدل الحلال أو المحرم على الصيد، فأما إذا دل المحرم الحلال على الصيد فقال مالك والشافعي وأصحابه: يكره ذلك له، ولا جزاء عليه، وهو قول ابن الماجشون وأبي ثور، ولا شيء عليه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه الجزاء، قال أبو حنيفة: ولو دله في الحرم لم يكن عليه جزاء. وقال زفر: عليه الجزاء، في الحل دله عليه أو في الحرم، وبه قال أحمد وإسحاق، وهو قول علي وابن عباس وعطاء، واختلف العلماء أيضًا فيما يجب على المحرم يدل المحرم على الصيد فيقتله، فقال قوم: عليه كفارة واحدة، منهم عطاء وحماد بن أبي سليمان، وقال آخرون: على كل واحد منهما كفارة، روي ذلك عن سعيد بن جبير والشعبي والحارث العكلي، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وعن سعيد بن جبير أنه قال: على كل واحد من القاتل والآمر والمشير والدال جزاء، وقال الشافعي وأبو ثور: لا جزاء إلَّا على القاتل وحده، واختلفوا في الجماعة يشتركون في قتل صيد، فقال مالك: على كل
стр. 4680
واحد منهم جزاء كامل، محلين كانوا أو محرمين. وبه قال الثوري والحسن بن حي، وهو قول الحسن البصري والشعبي والنخعي، ورواية عن عطاء، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا قتل جماعة محرمون صيدًا فعلى كل واحد منهم جزاء كامل، وإن قتل جماعة محلون صيدًا في الحرم فعلى جماعتهم جزاء واحد، وقال الشافعي: عليهم كلهم جزاء واحد، وسواء كانوا محرمين أو محلين في الحرم، وهو قول عطاء والزهري، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور.
ص: وقد قال بهذا القول أيضًا عمر بن الخطاب ﵁.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا هارون بن إسماعيل، قال: ثنا علي بن المبارك، قال: حدثنا يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن رجلاً من أهل الشام، استفتاه في لحم الصيد وهو محرم، فأمره بأكله، قال: فلقيت عمر بن الخطاب، فأخبرته بمسألة الرجل فقال: بما أفتيته؟ فقلت: بأكله، فقال: والذي نفسي بيده، لو أفتيته بغير ذلك لعلوتك بالدرة، إنما نهيت أن يصطاده".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث، عن أبي هريرة ... فذكر مثله، غير أنه قال: "لفعلت بك، يتواعده".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن سالم، أنه سمع أبا هريرة يحدث أن عمر ... فذكر نحوه.
حدثنا نصر بن مرزوق وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: ثنا عقيل، عن ابن شهاب ... فذكر بإسناده مثله.
فلم يكن عمر ﵁ ليعاقب رجلاً من أصحاب رسول الله ﵇ في فتياه في هذا بخلاف ما يرى، والذي عنده في ذلك ما يخالف ما أفتى به رأيًا، ولكن ذلك عندنا والله أعلم، لأنه قد كان أخذ علم ذلك من غير جهة الرأي".
стр. 4681
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا نوفل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود: "أن كعبًا سأل عمر ﵁ عن الصيد يذبحه الحلال فيأكله الحرام، فقال عمر ﵁: لو تركته لرأيتك لا تفقه شيئاً".
ش: أي قد قال بقول أهل المقالة الثالثة، وهو إباحة أكل لحم الصيد الذي اصطاده حلال عمر بن الخطاب.
وأخرج ذلك عنه من أربع طرق صحاح:
الأول: رجاله رجال "الصحيحين": ما خلا ابن مرزوق، ويحيى هو ابن أبي كثير الطائي، وأبو سلمة هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث إبراهيم بن طهمان، عن هشام الدستوائي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "سألني رجل من أهل الشام عن لحم اصطيد لغيرهم، أيأكله وهو محرم؟ فأفتيته أن يأكله، فأتيت عمر فذكرت ذلك له، فقال: ما أفتيت؟ قلت: أمرته أن يأكله، قال: لو أفتيته بغير ذلك لعلوت رأسك بالدرة، قال: إنما نهرت أن يصطاده".
الثاني: كلهم رجال الصحيح، وأخرجه مالك في "موطإه" (٢): عن يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث، عن أبي هريرة: "أنه أقبل من البحرين، حتى إذا كان بالربذة وجد ركبان أهل العراق محرمين، فسألوه عن لحم صيد وجدوه عند أهل الربذة، فأفتاهم أن بأكله، [قال: ثم] (٣) إني شككت فيما أمرتهم به، فلما قدمت المدينة ذكرت ذلك لعمر بن الخطاب ﵁، فقال عمر: ماذا أمرتهم به؟ فقال: أمرتهم بأكله، فقال عمر بن الخطاب: لو أمرتهم بغير ذلك لفعلت بك، يتواعده".
стр. 4682
الثالث: وأيضًا كلهم رجال الصحيح، وأخرجه مالك في "موطإه" (١): عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أنه سمع أبا هريرة: "أنه مرّ به قوم محرمون بالربذة، فاستفتوه في لحم صيد وجدوا ناسًا أحلة يأكلونه، فأفتاهم بأكله، قال: ثم قدمت المدينة على عمر بن الخطاب فسألته عن ذلك، فقال: بم أفتيته؟ قال: فقلت: أفتيتهم بأكله. قال: فقال عمر: لو أفتيتهم بغير ذلك لأوجعتك".
الرابع: عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، كلاهما عن عبد الله ابن صالح، عن الليث بن سعد، عن عُقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبي هريرة ﵁.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن وكيع، عن أسامة بن زيد، عن سالم، قال: سمعت أبا هريرة يقول: "لما قدمت من البحرين لقيني قوم من أهل العراق، فسألوني عن الحلال يصيد الصيد فيأكله الحرام، فأفتيتهم بأكله، فقدمت على عمر ﵁ فسألته عن ذلك فقال: لو أفتيتهم بغير هذا ما أفتيت أحدًا أبدًا".
قوله: "فلم يكن عمر لَيُعاقب" بفتح اللام لأنها للتأكيد، معنى هذا الكلام أن أبا هريرة لو أفتى بخلاف ما عند عمر ﵁ مثلاً، وكان ذلك برأيه واجتهاده، وكذلك عند عمر برأيه واجتهاده ولم يكن عمر يعاقب أبا هريرة وهو من أصحاب النبي ﵇ في فتياه بخلافه لأن ما عند كل منهما رأي واجتهاد، وليس للمجتهد أن يعاقب مجتهدًا آخر عند تخالف رأيهما، ولكن الذي كان عند عمر كان من جهة وقوفه على علم فيه من النبي ﵇، ولم يكن رأيه ولا اجتهاده، فوافقه فتوى أبي هريرة، فلذلك قال: "لو أفتيت بغير ذلك لعلوتك بالدرة" لأنه حينئذ كان يكون مفتيًا بالرأي، بخلاف ما عنده مما وقف عليه من جهة النبي ﵇، فحينئذ كان يتوجه العقاب لمن يفتي بالرأي عند وجود النص من الشرع بخلافه فافهم.
стр. 4683
قوله: "حدثنا أبو بكرة إلى آخره" ذكره شاهدًا لما رواه أبو هريرة عن عمر ﵄، أخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد النخعي، عن كعب بن ماتع الحميري المعروف بكعب الأحبار، أدرك النبي ﵇ وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، وقيل في خلافة عمر بن الخطاب، ويقال: أدرك الجاهلية فقدم المدينة، ثم خرج إلى الشام فسكن حمص حتى توفي بها سنة ثنتين من خلافة عثمان بن عفان ﵁ وقد بلغ سنة مائة وأربع وستين، روى له الجماعة غير مسلم، وابن ماجه في التفسير.
ص: وقد احتج في ذلك المخالفون لهذا القول بما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج، قال: حدثنا أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن أبيه قال: "كنا مع عثمان وعلي ﵄ حتى إذا كنا بمكان كذا وكذا قرّب إليهم طعام، قال: فرأيت جفنة كأني أنظر إلى عراقيب اليعاقيب، فلما رأى ذلك عليٌّ قام وقام معه ناس، قال: فقيل: والله ما أشرنا ولا أمرنا ولا صدنا، قيل لعثمان ما قام هذا ومن معه إلَّا كراهية لطعامك، فدعاه وقال: ما كرهت من هذا؟ فقال: علي ﵁: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١) ثم انطلق". قال: فذهب عليٌّ إلى أن الصيد ولحمه حرام على المحرم.
قيل لهم: فقد خالفه في ذلك عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله وعائشة وأبو هريرة، وقد تواترت الروايات عن رسول الله ﵇ بما يوافق ما ذهبوا إليه، وقوله : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١) يحتمل ما حرم عليهم منه هو أن يصيدوه؛ ألا ترى إلى قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٢)
стр. 4684
فنهاهم الله في هذه الآية عن قتل الصيد، وأوجب عليهم الجزاء في قتلهم إياه، فدل ما ذكرنا أن الذي حرم على المحرمين من الصيد هو قتله.
ش: أراد بالمخالفين هؤلاء: أهل المقالة الأولى وهم الشعبي وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد والثوري والليث بن سعد ومالك -في رواية- وإسحاق في رواية فإنهم احتجوا فيما ذهبوا إليه بهذا الحديث، وقالوا: لا يحل للمحرم أن يأكل لحم صيد مطلقًا بأي وجه كان.
وأخرجه عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن المنهال شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن يزيد بن أبي زياد القرشي، فيه مقال، فعن يحيى: لا يحتج بحديثه. وعن أبي حاتم: ليس بالقوي. روى له مسلم مقرونًا بغيره، واحتجت به الأربعة، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي روى له الجماعة، عن أبيه الحارث بن نوفل ذكره ابن حبان في الثقات من التابعين، وفي "التهذيب": الحارث بن نوفل بن الحارث والد عبد الله، له ولأبيه صحبة.
والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (١): بوجوه متعددة وقد ذكرنا بعضها.
قوله: "فقيل لهم" أي لهؤلاء المخالفين المحتجين بهذا الحديث، وأراد به الجواب عن الحديث وهو ظاهر قوله، وقوله : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) ... إلى آخره، جواب عما ذهب إليه علي ﵁ استدلالًا بالآية الكريمة، أن معنى قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٢) هو الصيد الذي يصيدونه [لا] (٣) مطلق الصيد، ألا ترى أن الله تعالى أوجب على المحرم الجزاء في قتله الصيد بقوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٤)، فدل ذلك أن الذي حرم على
стр. 4685
المحرم من الصيد قتله؛ وإن كان عموم الآية يتناول الاصطياد والصيد نفسه، لوقوع الاسم عليهما.
وجواب آخر: أن الله تعالى قال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ (١) وإنما سمي الحيوان صيدًا ما دام حيًّا وأما اللحم فغير مسمى بهذا الاسم بعد الذبح، فإن سمي بذلك على أنه كان صيدًا، فأما اسم الصيد فليس يجوز أن يقع على اللحم حقيقة، ويدل عليه أن لفظ الآية لم ينتظم اللحم.
فإن قيل: يبقى الصيد يحرم على المحرم وإن لم يكن مسمى بصيد فكذا لحمه.
قلت: ليس كذلك؛ لأن المحرم غير منهي عن إتلاف لحم الصيد، فإذا أتلفه لم يضمنه، وهو منهي عن إتلاف البيض والفرخ ويلزمه ضمانه، وأيضاً فإن البيض قد يصير حكمه إلى الصيد، فحكم له حكم الصيد، ولحم الصيد لا يصير صيدًا بحال، وكان بمنزلة لحوم سائر الحيوان، إذْ ليس بصيد في الحال، ولا يجيء منه صيدًا في المآل.
ص: وقد رأينا النظر أيضًا يدل على هذا، وذلك أنهم أجمعوا على أن الصيد يحرمه الإِحرام على المحرم، ويحرمه الحرم على الحلال، وكان من صاد صيدًا في الحل فذبحه في الحل ثم أدخله الحرم فلا بأس بأكله إياه في الحرم، ولم يكن إدخاله لحم الصيد الحرم كإِدخاله الصيد نفسه وهو حيّ؛ لأنه لو كان كذلك لنهي عن إدخاله، ولمنع من أكله إياه فيه، كما يمنع من الصيد في ذلك كله، ولكان إذا أكله في الحرم وجب عليه ما يجب في قتل الصيد، فلما كان المحرم لا يمنع من لحم الصيد الذي صيد في الحل كما يمنع من الصيد الحي، كان النظر على ذلك أن يكون كذلك الإِحرام أيضًا يحرم على المحرم الصيد الحي ولا يحرم عليه لحمه إذا تولى الحلال ذبحه قياسًا على ما ذكرنا من حكم الحرم، فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله تعالى-.
стр. 4686
ش: أي وقد رأينا القياس أيضًا يدل على ما ذكرنا من جواز أكل المحرم من لحم الصيد.
قوله: "وذلك" أي وجه القياس والنظر، وهو ظاهر جدًّا.
***
стр. 4687
ص: باب: رفع اليدين عند رؤية البيت
ش: أي هذا باب في بيان حكم رفع اليدين عند رؤية الكعبة، وقد علم أن البيت إذا أطلق مُعَرَّفًا باللام يكون المراد منه الكعبة.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا الفضل بن موسى، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر.
وعن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "ترفع الأيدي في سبعة مواطن: في افتتاح الصلاة، وعند البيت، وعند الصفا والمروة، وبعرفات، وبالمزدلفة، وعند الجمرتين".
حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا المحاربي، عن ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
ش: هذان طريقان:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن نعيم بن حماد بن معاوية المروزي الفارضي الأعور نزيل مصر، فيه مقال، فعن النسائي: ضعيف، وعنه: ليس بثقة. وعن يحيى: ثقة. وقال العجلي: ثقة، روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه.
عن الفضل بن موسى السيناني -بكسر السين المهملة- المروزي أحد أصحاب أبي حنيفة روى له الجماعة، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة، فيه لين، عن نافع وعن الحكم بن عتيبة، عن مقسم بن بجرة مولى ابن عباس، والصحيح أنه مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، روى له الجماعة سوى مسلم.
وأخرجه الحكم ثَمَّ البيهقي (١): من حديث ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس.
стр. 4688
وعن نافع، عن ابن عمر، قالا: قال رسول الله ﷺ : "ترفع الأيدي في سبع مواطن: عند افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، والصفا والمروة، والموقفين، والجمرتين".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني أبي زكريا الكوفي وثقه ابن معين، عن المحاربي وهو عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي شيخ أحمد روى له الجماعة عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا أبو كريب محمد بن العلاء، نا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، ثنا ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس.
وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "ترفع الأيدي في سبع مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال القبلة، والصفا والمروة، والموقفين، وعند الحجر"، وقد مر الكلام فيه مستوى في باب التكبير للركوع، والسجود، والرفع من الركوع.
ص: قال أبو جعفر ﵀: وكان هذا الحديث مأخوذًا به، لا نعلم أحدًا خالف شيئًا منه غير رفع اليدين عند البيت، فإن قومًا ذهبوا إلى ذلك، واحتجوا بهذا الحديث.
ش: أراد أن هذا الحديث قد عمل بما في جميعه أهل العلم، ولم يخالف أحد في ذلك غير رفع اليدين عند رؤية البيت، فإنهم اختلفوا فيه، فذهب قوم إلى أنه يستحب ذلك، واحتجوا فيه بالحديث المذكور، وأراد بالقوم هؤلاء: إبراهيم النخعي والأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس وخيثمة وسعيد بن جبير وأصحاب عبد الله بن مسعود؛ فإنهم قالوا: يرفع الحاج يديه عند البيت.
وقال ابن أبي شيبة (١): نا أبو خالد، عن (شعبة) (٢) عن الحكم، قال: "كان
стр. 4689
أصحاب عبد الله يقولون: ترفع الأيدي في ثمانية مواطن: عند البيت، وعلى الصفا والمروة، وبعرفة، وبالمزدلفة، وعند الجمرتين".
ثنا (١) أبو خالد، عن حجاج، عن طلحة، عن إبراهيم وخيثمة، قالا: "ترفع الأيدي في الصلاة، وعند البيت، وعلى الصفا والمروة، وبالمزدلفة".
وهو قول الشافعي أيضًا، وقال (٢): أبنا سعيد، عن ابن جريج: "أن النبي ﵇ كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة، وزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وكرمه ممن حجَّه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًا". ذكره البيهقي.
قلت: هذا معضل، وقال البيهقي (٣): وله شاهد مرسل، ثم أخرج عن الثوري عن أبي سعيد الشامي، عن مكحول، قال: "كان النبي ﵇ إذا دخل مكة فرأى البيت رفع يديه وكبر، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام؛ فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفًا ... " إلى آخر ما ذكره.
قلت: قال الذهبي: هذا منقطع، وأبو سعيد هذا لا يعرف، ولعله ذاك المصلوب.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فكرهوا رفع اليدين عند رؤية البيت.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والأوزاعي وعطاء وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا وأحمد، فإنهم كرهوا رفع اليدين عند رؤية البيت.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن أبي قزعة الباهلي، عن المهاجر، عن جابر بن
стр. 4690
عبد الله: "أنه سُئل عن رفع الأيدي عند البيت، فقال: ذلك شيء يفعله اليهود، قد حججنا مع رسول الله ﵇ فلم يفعل ذلك".
فهذا جابر ﵁ يخبر أن ذلك ليس من فعل أهل الإِسلام، وأنهم قد حجوا مع رسول الله ﵇ فلم يفعل ذلك، فإن كان هذا الباب يوجد من طريق معاني الآثار، فإن جابرًا قد أخبر أن ذلك من فعل اليهود، فقد يجوز أن يكون رسول الله ﵇ أمر به على الاقتداء منه بهم، إذ كان حكمه أن يكون على شريعتهم لأنهم أهل كتاب حتى يُحْدِث الله له شريعة تنسخ شريعتهم، ثم حج رسول الله ﵇ فخالفهم فلم يرفع يديه، إذ أُمِرَ بمخالفتهم.
فحديث جابر أولى؛ لأن فيه (تصحيح) (١) النسخ لحديث ابن عباس وابن عمر ﵃.
وإن كان يوجد من طريق النظر فإنا قد رأينا الرفع المذكور في هذا الحديث على ضربين، فمنه رفع لتكبير الصلاة، ومنه رفع للدعاء، فأما ما للصلاة فرفع اليدين عند افتتاح الصلاة، وأما ما للدعاء فرفع اليدين عند الصفا والمروة وبجمع وعرفة وعند الجمرتين، فهذا متفق عليه، وقد روي عن رسول الله ﵇ أيضًا [في] (٢) رفع اليدين بعرفة، ما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن بشر بن حرب، عن أبي سعيد الخدرى: "أن رسول الله ﵇ كان يدعو بعرفة، وكان يرفع يديه نحو ثندوته".
فأردنا أن ننظر في رفع اليدين عند رؤية البيت هل هو كذلك أم لا؟ فرأينا الذين ذهبوا إلى ذلك ذهبوا أنه لا لعلة الإِحرام ولكن لتعظيم البيت، وقد رأينا الرفع بعرفة والمزدلفة وعند الجمرتين وعلى الصفا والمروة إنما أمر بذلك من طريق الدعاء في الموطن الذي جعل ذلك الوقوف فيه لعلة الإِحرام، وقد رأينا من صار إلى عرفة أو
стр. 4691
مزدلفة أو موضع رمي الجمار أو الصفا والمروة وهو غير محرم أنه لا يرفع يديه لتعظيم شيء من ذلك، فلما ثبت أن رفع اليدين لا يؤمر به في هذه المواطن إلَّا لعلة الإِحرام، ولا يؤمر به في غير الإِحرام؛ كان كذلك لا يؤمر برفع اليدين لرؤية البيت في غير الإِحرام، فإذا ثبت أنه لا يؤمر بذلك في غير الإِحرام؛ ثبت أن لا يؤمر به أيضًا في الإِحرام.
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث جابر ﵁.
أخرجه بإسناد صحيح، عن ابن مرزوق، عن وهب، عن شعبة، عن أبي قزعة سويد بن حجير بن بيان الباهلي روى له الجماعة سوى البخاري، عن المهاجر بن عكرمة المكي ذكره ابن حبان في الثقات، عن جابر بن عبد الله ﵁.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا يحيى بن معين، أن محمد بن جعفر حدثهم، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت أبا قزعة يحدث، عن المهاجر المكي، قال: "سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يري البيت أَوَ يرفع يديه؟ قال: ما كنت أرى أن أحدًا يفعل هذا إلَّا اليهود، وقد حججنا مع رسول الله ﵇ فلم يكن يفعله".
وأخرجه الترمذي (٢): نا يوسف بن عدي، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا شعبة، عن أبي قزعة الباهلي، عن المهاجر المكي قال: "سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت، أيرفع يديه؟ قال: ما كنت أظن أحدًا يفعل هذا إلَّا اليهود؛ حججنا مع رسول الله ﵇ فلم يفعله" (٣).
стр. 4692
قوله: "فإن كان هذا الباب ... إلى آخره" إشارة إلى بيان أن الأخذ والعمل بأحد الحديثين المتعارضين لا يخلو إما أن يكون من طريق إسناد أحدهما، أو من طريق معاني الآثار، أو من طريق النظر والقياس، فإن كان الأول، فالأخذ بحديث جابر أولى؛ لأن إسناده أحسن من إسناد الحديث الأول؛ لأن في إسناد الحديث الأول من يتكلم فيه على ما ذكرناه.
فإن قيل: حديث جابر أيضًا ضعيف، وذكر الخطابي أن سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق ضعفوا حديث جابر هذا؛ لأن مهاجرًا راويه عندهم مجهول، وقال البيهقي: حديث ابن عباس وابن عمر مع إرساله أشهر عند أهل العلم، وله شواهد مرسلة، والقول قول من رأى وأثبت.
إن كان تضعيفهم إياه لأجل مهاجر المكي فقد قلنا: إن ابن حبان وثقه، واحتج به أبو داود والترمذي والنسائي، ولم يتعرض أحد منهم حين خرَّج هذا الحديث إلى تضعيفه بسبب مهاجر، وسكوتهم عن ذلك دليل على رضاهم بالحديث لا سيما من عادة أبي داود أنه إذا سكت عن حديث خرجه يدل على صحته عنده وأدنى الأمر أنه يدل على حسنه (١)، وقول البيهقي: "مع إرساله أشهر" غير مسلم؛ لأن المرسل لا يلحق الحديث المسند، وقوله: "والقول قول من رأى وأثبت" غير مسلم أيضًا؛ فإن القول إنما يكون قول من رأى وأثبت إذا لم يكن ثمة ناسخ لذلك، وها هنا النسخ موجود على ما نذكره الآن.
стр. 4693
وإن كان من طريق معاني الآثار فإن جابرًا قد أخبر أن ذلك من فعل اليهود، وهو يدل على النسخ، وذلك أن النبي ﵇ كان أمر به حين كان حكمه أن يكون على شريعتهم؛ لأنهم أهل كتاب إلى أن يحدث الله شريعة تنسخ شريعتهم، ثم إنه ﵇ لمَّا حجَّ خالفهم فلم يرفع يديه، لأنه أُمِرَ بمخالفتهم في ذلك، فحينئذٍ يكون حديث جابر أولى لما فيه تصحيح النسخ لحديث عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ﵃.
وإن كان يوجد من طريق النظر والقياس فإن الرفع المذكور في ذاك الحديث على ضربين:
أحدهما: رفع لتكبير الصلاة عند الافتتاح.
والآخر: رفع للدعاء عند الصفا والمروة وبجمع -وهو المزدلفة- وعرفة وعند الجمرتين، ثم ينظر في رفع اليدين عند رؤية البيت هل هو كذلك أم لا؟ فوجدنا القوم الذين استحبوا ذلك قد استحبوا لتعظيم البيت لا لأجل الإِحرام، ووجدنا الرفع في تلك المواضع إنما أمر به من طريق الدعاء لأجل وجود الإِحرام، حتى إنه لو كان غير محرم لا يرفع يديه لتعظيم شيء من ذلك، ولما ثبت أن رفع اليدين لا يؤمر به في هذه المواضع إلَّا لأهل الإِحرام، ولا يؤمر به في غير الإِحرام، فالنظر على ذلك أن لا يؤمر به لرؤية البيت في غير الإِحرام، فإذا ثبت عدم الأمر في غير الإِحرام ثبت عدمه أيضًا في الإِحرام.
قوله: "وقد روي عن رسول الله ﵇ أيضًا في رفع اليدين بعرفه .. إلى آخره". ذكره تأييدًا لما قاله من أن استحباب رفع اليدين في المواطن المذكورة إنما هو لأجل الإِحرام، وأخرجه عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال الأنماطي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن بشر بن حرب الندبي الأزدي أبي عمرو البصري، فيه مقال، فعن أحمد: ليس هو قويًّا في الحديث، وقال أبو زرعة: ضعيف، وقال أبو حاتم: شيخ ضعيف. روى له الترمذي وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري ﵁.
стр. 4694
وأخرجه أحمد في "مسند" (١): ثنا روح، قال: أنا حماد، عن بشر بن حرب، عن أبي سعيد الخدري قال: "كان رسول الله ﵇ واقفًا بعرفة يدعو هكذا، ورفع يديه حيال ثندويه، وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض".
قوله: "ثندويه" الثندوة للرجل كالثدي للمرأة فمن ضم الثاء همز، ومن فتحها لم يهمز، قاله ابن الأثير: قال الجوهري: قال ثعلب: الثندوة بفتح أولها غير مهموزة مثال الترقوة، على وزن فُعْلوة، وهي مغرز الثدي، فإذا ضممت همزت وهي فعللة.
وقال أبو عُبيدة: وكان رؤبة يهمز الثندوة وسية القوس والعرب لا تهمز واحدًا منهما.
وأستفيد منه سنيَّة رفع اليدين حيال الثديين عند الدعاء يوم عرفة بعرفة.
وروى البيهقي في "سننه" (٢): من حديث عبد المجيد بن أبي رواد، ثنا ابن جريج، عن حسين بن عبد الله الهاشمي، عن عكرمة، عن ابن عباس: "رأيت رسول الله ﵇ يدعو بعرفة يداه إلى صدره كاستطعام المسكين".
قال الذهبي: حُسَيْن ليس بمعتمد.
ص: وحجة أخرى؛ أَنَّا قد رأينا ما يؤمر برفع اليدين عنده في الإِحرام ما كان مأمورًا بالوقوف عنده من المواطن التي ذكرنا، وقد رأينا جمرة العقبة جمرة كغيرها من الجمار غير أنه لا يوقف عندها، فلم يكن هناك رفع، فالنظر على ذلك أن يكون البيت لما لم يكن عنده وقوف أن لا يكون عنده رفع؛ قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا من ذلك، وهذا الذي ثبتناه بالنظر هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي دليل آخر من وجه النظر والقياس، وهو أن الذي أُمِرَ برفع اليدين عنده في الإِحرام، هو الذي كان مأمورًا بالوقوف عنده من المواطن المذكورة، ولما كانت
стр. 4695
جمرة العقبة لا يوقف عندها، فلم يكن هناك رفع بوجه النظر، والقياس على ذلك ألَّا يكون عند رؤية البيت رفع أيضًا؛ لأنه لم يكن عنده وقوف.
ص: وقد روي في ذلك عن إبراهيم النخعي، حدثنا سليمان بن شعيب بن سليمان، عن أبيه، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن طلحة بن مصرف، عن إبراهيم النخعي قال: "ترفع الأيدي في سبع مواطن: في افتتاح الصلاة، وفي التكبير للقنوت، وفي الوتر، وفي العيدين، وعند استلام الحجر، وعلى الصفا والمروة، وبجمع، وعرفات، وعند المقامين عند الجمرتين".
قال أبو يوسف: فأمَّا في افتتاح الصلاة وفي العيدين وفي الوتر وعند استلام الحجر فيجعل ظهر كفيه إلى وجهه، وأما في الثلاث الأخر فيستقبل بباطن كفيه وجهه.
فأما ما ذكرنا في افتتاح الصلاة فقد اتفق المسلمون على ذلك جميعًا.
وأما التكبيرة في القنوت وفي الوتر فإنها تكبيرة زائدة في تلك الصلاة، وقد أجمع الذين يقنتون قبل الركوع على الرفع معها، فالنظر على ذلك أن تكون كذلك كل تكبيرة زائدة في كل صلاة، فتكبير العيدين الزائد فيها على سائر الصلوات كذلك أيضًا.
وأما عند استلام الحجر فإن ذلك يجعل تكبيرًا يفتتح به الطواف كما يفتتح بالتكبير للصلاة، وأمر به رسول الله ﵇ أيضًا: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن أبي يعفور العبدي قال: "سمعت أميرًا كان على مكة منصرف الحاج سنة ثلاث وسبعين يقول: كان عمر ﵁ رجلاً قويًّا، وكان يزاحم على الركن، فقال له النبي ﵇: يا أبا حفص، أنت رجل قوي وإنك تزاحم على الركن فتؤذي الضعيف، فإذا رأيت خلوة فاستلمه وإلَّا فكبِّر وامضِ".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي يعفور، عن رجل من خزاعة، وكان الحجاج استعمله على مكة .. ثم ذكر مثله.