← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.

стр. 4691

مزدلفة أو موضع رمي الجمار أو الصفا والمروة وهو غير محرم أنه لا يرفع يديه لتعظيم شيء من ذلك، فلما ثبت أن رفع اليدين لا يؤمر به في هذه المواطن إلَّا لعلة الإِحرام، ولا يؤمر به في غير الإِحرام؛ كان كذلك لا يؤمر برفع اليدين لرؤية البيت في غير الإِحرام، فإذا ثبت أنه لا يؤمر بذلك في غير الإِحرام؛ ثبت أن لا يؤمر به أيضًا في الإِحرام. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث جابر ﵁. أخرجه بإسناد صحيح، عن ابن مرزوق، عن وهب، عن شعبة، عن أبي قزعة سويد بن حجير بن بيان الباهلي روى له الجماعة سوى البخاري، عن المهاجر بن عكرمة المكي ذكره ابن حبان في الثقات، عن جابر بن عبد الله ﵁. وأخرجه أبو داود (١): ثنا يحيى بن معين، أن محمد بن جعفر حدثهم، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت أبا قزعة يحدث، عن المهاجر المكي، قال: "سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يري البيت أَوَ يرفع يديه؟ قال: ما كنت أرى أن أحدًا يفعل هذا إلَّا اليهود، وقد حججنا مع رسول الله ﵇ فلم يكن يفعله". وأخرجه الترمذي (٢): نا يوسف بن عدي، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا شعبة، عن أبي قزعة الباهلي، عن المهاجر المكي قال: "سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت، أيرفع يديه؟ قال: ما كنت أظن أحدًا يفعل هذا إلَّا اليهود؛ حججنا مع رسول الله ﵇ فلم يفعله" (٣).

стр. 4692

قوله: "فإن كان هذا الباب ... إلى آخره" إشارة إلى بيان أن الأخذ والعمل بأحد الحديثين المتعارضين لا يخلو إما أن يكون من طريق إسناد أحدهما، أو من طريق معاني الآثار، أو من طريق النظر والقياس، فإن كان الأول، فالأخذ بحديث جابر أولى؛ لأن إسناده أحسن من إسناد الحديث الأول؛ لأن في إسناد الحديث الأول من يتكلم فيه على ما ذكرناه. فإن قيل: حديث جابر أيضًا ضعيف، وذكر الخطابي أن سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق ضعفوا حديث جابر هذا؛ لأن مهاجرًا راويه عندهم مجهول، وقال البيهقي: حديث ابن عباس وابن عمر مع إرساله أشهر عند أهل العلم، وله شواهد مرسلة، والقول قول من رأى وأثبت. إن كان تضعيفهم إياه لأجل مهاجر المكي فقد قلنا: إن ابن حبان وثقه، واحتج به أبو داود والترمذي والنسائي، ولم يتعرض أحد منهم حين خرَّج هذا الحديث إلى تضعيفه بسبب مهاجر، وسكوتهم عن ذلك دليل على رضاهم بالحديث لا سيما من عادة أبي داود أنه إذا سكت عن حديث خرجه يدل على صحته عنده وأدنى الأمر أنه يدل على حسنه (١)، وقول البيهقي: "مع إرساله أشهر" غير مسلم؛ لأن المرسل لا يلحق الحديث المسند، وقوله: "والقول قول من رأى وأثبت" غير مسلم أيضًا؛ فإن القول إنما يكون قول من رأى وأثبت إذا لم يكن ثمة ناسخ لذلك، وها هنا النسخ موجود على ما نذكره الآن.

стр. 4693

وإن كان من طريق معاني الآثار فإن جابرًا قد أخبر أن ذلك من فعل اليهود، وهو يدل على النسخ، وذلك أن النبي ﵇ كان أمر به حين كان حكمه أن يكون على شريعتهم؛ لأنهم أهل كتاب إلى أن يحدث الله شريعة تنسخ شريعتهم، ثم إنه ﵇ لمَّا حجَّ خالفهم فلم يرفع يديه، لأنه أُمِرَ بمخالفتهم في ذلك، فحينئذٍ يكون حديث جابر أولى لما فيه تصحيح النسخ لحديث عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ﵃. وإن كان يوجد من طريق النظر والقياس فإن الرفع المذكور في ذاك الحديث على ضربين: أحدهما: رفع لتكبير الصلاة عند الافتتاح. والآخر: رفع للدعاء عند الصفا والمروة وبجمع -وهو المزدلفة- وعرفة وعند الجمرتين، ثم ينظر في رفع اليدين عند رؤية البيت هل هو كذلك أم لا؟ فوجدنا القوم الذين استحبوا ذلك قد استحبوا لتعظيم البيت لا لأجل الإِحرام، ووجدنا الرفع في تلك المواضع إنما أمر به من طريق الدعاء لأجل وجود الإِحرام، حتى إنه لو كان غير محرم لا يرفع يديه لتعظيم شيء من ذلك، ولما ثبت أن رفع اليدين لا يؤمر به في هذه المواضع إلَّا لأهل الإِحرام، ولا يؤمر به في غير الإِحرام، فالنظر على ذلك أن لا يؤمر به لرؤية البيت في غير الإِحرام، فإذا ثبت عدم الأمر في غير الإِحرام ثبت عدمه أيضًا في الإِحرام. قوله: "وقد روي عن رسول الله ﵇ أيضًا في رفع اليدين بعرفه .. إلى آخره". ذكره تأييدًا لما قاله من أن استحباب رفع اليدين في المواطن المذكورة إنما هو لأجل الإِحرام، وأخرجه عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال الأنماطي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن بشر بن حرب الندبي الأزدي أبي عمرو البصري، فيه مقال، فعن أحمد: ليس هو قويًّا في الحديث، وقال أبو زرعة: ضعيف، وقال أبو حاتم: شيخ ضعيف. روى له الترمذي وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري ﵁.

стр. 4694

وأخرجه أحمد في "مسند" (١): ثنا روح، قال: أنا حماد، عن بشر بن حرب، عن أبي سعيد الخدري قال: "كان رسول الله ﵇ واقفًا بعرفة يدعو هكذا، ورفع يديه حيال ثندويه، وجعل بطون كفيه مما يلي الأرض". قوله: "ثندويه" الثندوة للرجل كالثدي للمرأة فمن ضم الثاء همز، ومن فتحها لم يهمز، قاله ابن الأثير: قال الجوهري: قال ثعلب: الثندوة بفتح أولها غير مهموزة مثال الترقوة، على وزن فُعْلوة، وهي مغرز الثدي، فإذا ضممت همزت وهي فعللة. وقال أبو عُبيدة: وكان رؤبة يهمز الثندوة وسية القوس والعرب لا تهمز واحدًا منهما. وأستفيد منه سنيَّة رفع اليدين حيال الثديين عند الدعاء يوم عرفة بعرفة. وروى البيهقي في "سننه" (٢): من حديث عبد المجيد بن أبي رواد، ثنا ابن جريج، عن حسين بن عبد الله الهاشمي، عن عكرمة، عن ابن عباس: "رأيت رسول الله ﵇ يدعو بعرفة يداه إلى صدره كاستطعام المسكين". قال الذهبي: حُسَيْن ليس بمعتمد. ص: وحجة أخرى؛ أَنَّا قد رأينا ما يؤمر برفع اليدين عنده في الإِحرام ما كان مأمورًا بالوقوف عنده من المواطن التي ذكرنا، وقد رأينا جمرة العقبة جمرة كغيرها من الجمار غير أنه لا يوقف عندها، فلم يكن هناك رفع، فالنظر على ذلك أن يكون البيت لما لم يكن عنده وقوف أن لا يكون عنده رفع؛ قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا من ذلك، وهذا الذي ثبتناه بالنظر هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي دليل آخر من وجه النظر والقياس، وهو أن الذي أُمِرَ برفع اليدين عنده في الإِحرام، هو الذي كان مأمورًا بالوقوف عنده من المواطن المذكورة، ولما كانت

стр. 4695

جمرة العقبة لا يوقف عندها، فلم يكن هناك رفع بوجه النظر، والقياس على ذلك ألَّا يكون عند رؤية البيت رفع أيضًا؛ لأنه لم يكن عنده وقوف. ص: وقد روي في ذلك عن إبراهيم النخعي، حدثنا سليمان بن شعيب بن سليمان، عن أبيه، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، عن طلحة بن مصرف، عن إبراهيم النخعي قال: "ترفع الأيدي في سبع مواطن: في افتتاح الصلاة، وفي التكبير للقنوت، وفي الوتر، وفي العيدين، وعند استلام الحجر، وعلى الصفا والمروة، وبجمع، وعرفات، وعند المقامين عند الجمرتين". قال أبو يوسف: فأمَّا في افتتاح الصلاة وفي العيدين وفي الوتر وعند استلام الحجر فيجعل ظهر كفيه إلى وجهه، وأما في الثلاث الأخر فيستقبل بباطن كفيه وجهه. فأما ما ذكرنا في افتتاح الصلاة فقد اتفق المسلمون على ذلك جميعًا. وأما التكبيرة في القنوت وفي الوتر فإنها تكبيرة زائدة في تلك الصلاة، وقد أجمع الذين يقنتون قبل الركوع على الرفع معها، فالنظر على ذلك أن تكون كذلك كل تكبيرة زائدة في كل صلاة، فتكبير العيدين الزائد فيها على سائر الصلوات كذلك أيضًا. وأما عند استلام الحجر فإن ذلك يجعل تكبيرًا يفتتح به الطواف كما يفتتح بالتكبير للصلاة، وأمر به رسول الله ﵇ أيضًا: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن أبي يعفور العبدي قال: "سمعت أميرًا كان على مكة منصرف الحاج سنة ثلاث وسبعين يقول: كان عمر ﵁ رجلاً قويًّا، وكان يزاحم على الركن، فقال له النبي ﵇: يا أبا حفص، أنت رجل قوي وإنك تزاحم على الركن فتؤذي الضعيف، فإذا رأيت خلوة فاستلمه وإلَّا فكبِّر وامضِ". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي يعفور، عن رجل من خزاعة، وكان الحجاج استعمله على مكة .. ثم ذكر مثله.

стр. 4696

فلما جعل ذلك التكبير يفتتح به الطواف كالتكبير الذي جعل يفتتح به الصلاة؛ أمرنا بالرفع فيه كما نؤمر بالرفع في التكبير لافتتاح الصلاة، ولا سيما إذ قد جعل النبي ﵇ الطواف بالبيت صلاة: حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا أسيد (ح). وثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قالا: ثنا الفضيل بن عياض، عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "الطواف بالبيت صلاة إلَّا أن الله -تعالى- قد أحلَّ لكم المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلَّا بخير". فهذه العلة هي التي لها وجب الرفع فيما زاد على ما في الحديث الأول. وأما الرفع على الصفا والمروة وبجمع وعرفات وعند المقامين وعند الجمرتين؛ فإن ذلك قد جاء منصوصًا في الخبر الأول. وهذا الذي وصفنا من هذه المعاني التي ثبتناها قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي قد روي في رفع اليدين فيما ذكر من المواضع: عن إبراهيم النخعي، ما حدثنا سليمان بن شعيب عن أبيه شعيب بن سليمان بن سليم بن كيسان أحد أصحاب أبي يوسف، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري القاضي، عن الإِمام أبي حنيفة الكوفي، عن طلحة بن مصرف بن عمرو الكوفي روى له الجماعة، عن إبراهيم. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو خالد، عن حجاج، عن طلحة، عن إبراهيم وخيثمة قالا: "ترفع الأيدي في الصلاة، وعند البيت، وعلى الصفا والمروة، وبالمزدلفة".

стр. 4697

قوله: "قال أبو يوسف ... إلى آخره" ظاهر، وهو من إملاء أبي يوسف، نقله عنه أصحابه، ونقل عنهم الطحاوي ﵀. قوله: "فأما ما ذكرنا في افتتاح الصلاة ... إلى آخره" من كلام الطحاوي. قوله: "فإن ذلك يجعل تكبيرًا" أي فإن رفع اليدين عند استلام الحجر يجعل كالتكبير له لافتتاح الطواف، كما تفتتح بالتكبير الصلاة، فكما ترفع الأيدي في التكبير لافتتاح الصلاة، فكذلك ترفع عند الاستلام لافتتاح الطواف، ولا سيما وقد شبه النبي ﵇ الطواف بالبيت بالصلاة، حيث قال: "الطواف بالييت صلاة" (١) معناه: كالصلاة؛ لأنه ليس بصلاة حقيقة، إذ الصلاة عبارة عن الأقوال والأفعال المعهودة فإن قيل: إذا كان الطواف بالبيت صلاة؛ ينبغي أن لا يجوز إلَّا بالطهارة كما ذهب إليه الشافعي. قلت: هذا تشبيه، والتشبيه لا عموم له، فالله -تعالى- أمر بالطواف مطلقًا عن شرط الطهارة، فلا يجوز تقييده بخبر الواحد، فيحمل على التشبيه إما في الثواب، أو في أصل الفرضية في طواف الزيارة. أو نقول: الطواف يشبه الصلاة وليس بصلاة حقيقة، فمن حيث إنه ليس بصلاة حقيقة لا يفترض له الطهارة، ومن حيث إنه يشبه الصلاة تجب له الطهارة؛ عملًا بالدليلين بالقدر الممكن. قوله: "وأمر به رسول الله ﵇" أي أمر بالتكبير عند استلام الحجر لافتتاح الطواف، فلما أمر به لذلك؛ أمرنا برفع اليدين فيه كما أمرنا به في التكبير لافتتاح الصلاة، ثم بيَّن ذلك بقوله: "حدثنا يونس .. إلى آخره".

стр. 4698

وأخرجه من طريقين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن سفيان بن عيينة، عن أبي يعفور العبدي واسمه: واقد ولقبه وقدان، روى له الجماعة، عن رجل من خزاعة -وكان الحجاج بن يوسف الثقفي استعمله على مكة- قال سفيان بن عيينة: هو عبد الرحمن بن الحارث، وكان استعمال الحجاج إياه على مكة سنة ثلاث وسبعين، وهي السنة التي قتل فيها عبد الله بن الزبير ﵄. الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن أبي يعفور ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث أبي عوانة، عن أبي يعفور، عن شيخ من خزاعة استخلفه الحجاج على مكة قال: "إن عمر كان رجلاً شديدًا، وكان يزاحم عند الركن، فقال له رسول الله ﵇: يا عمر، لا تزاحم عند الركن؛ فإنك تؤذي الضعيف، فإن رأيت خلوةً فاستلمه، وإلَّا فاستقبله وكبِّر وامض" ثم قال: ورواه ابن عيينة، عن أبي يعفور، عن الخزاعي، ثم قال ابن عيينة: هو عبد الرحمن ابن الحارث. قوله: "ولا سيما إذ قد جعل النبي ﵇ ... إلى آخره" "لا سيما" بمعنى خصوصًا، و"إذْ" للتعليل، وأراد بهذا تأكيد ما قاله من أن التكبير عند استلام الحجر لافتتاح الطواف كما أن التكبير في أول الصلاة لافتتاح الصلاة، وكما أنه ترفع اليدان في التكبير لافتتاح الصلاة، فكذلك ترفعان في التكبير لافتتاح الطواف، خصوصًا الطواف بالبيت صلاة، لقوله ﵇: "الطواف بالبيت صلاة". وأخرجه عن ابن عباس ﵄ من طريقين صحيحين: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن الفضيل بن عياض الزاهد المشهور، عن عطاء بن السائب بن مالك الكوفي، عن طاوس اليماني، عن ابن عباس.

стр. 4699

وأخرجه الدارمي في "سننه" (١): ثنا الحميدي، نا فضيل بن عياض، عن عطاء ابن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵇: "الطواف بالبيت صلاة، إلَّا أن الله أحلَّ فيه المنطق، فمن نطق فيه فلا ينطق إلَّا بخير". الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور الخراساني، عن الفضيل ابن عياض، عن عطاء بن السائب ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) من حديث ابن عيينة وفضيل وموسى بن أعين وجرير، عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس رفعه: "الطواف بالبيت مثل الصلاة إلَّا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فلا يتكلم إلَّا بخير"، وفي لفظ موسى: "الطواف بالبيت صلاة، ولكن الله أحلَّ لكم المنطق". ووقفه ابن طاوس وإبراهيم بن ميسرة، وهو أصح. وأخرجه النسائي (٣) أيضًا: أنا يوسف بن سعد، قال: نا حجاج، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن رجل أدرك النبي ﵇ قال: "الطواف بالبيت صلاة، فأقلوا من الكلام" انتهى. وقد ذكرنا معنى قوله ﵇: "الطواف بالبيت صلاة". قوله: "فهذه العلة هي التي لها وجب الرفع" أي وجب رفع اليدين عند استلام الحجر لأجل هذه العلة، وهي كون الطواف بالبيت صلاة، زيادة على ما في الحديث الأول وهو المذكور في أول الباب؛ لأنه ليس فيه ذكر رفع اليدين عند استلام الحجر، وإنما فيه رفعهما عند رؤية البيت. قوله: "وأما الرفع على الصفا ... إلى آخره" عطف على قوله: "فأما ما ذكرنا في افتتاح الصلاة".

стр. 4700

ص: باب: الرمل في الطواف ش: أي هذا باب في بيان الرمل في الطواف بالبيت. و"الرَّمَل" بفتح الراء والميم: هو سرعة المشي مع تقارب في الخطو، وفي "المحكم": رَمَل يَرمُل رَمْلًا إذا مشى دون العَدْو، وقال الفراء: هو العدو الشديد، وفي "الجمهرة": الرَّمَل شبيه بالهرولة، وفي "الصحاح": هو الهرولة، وفي "المغيث": هو الخبب، وقيل: هو أن يهز منكبيه ولا يسرع في العدو، وفي كتاب "المسالك" لابن العربي: هو مأخوذ من التحرك، وهو أن يحرك الماشي منكبيه لشدة الحركة في مشيه. قلت: هو من باب نَصَرَ يَنْصُرُ تقول: رَمَل يرمُل رمْلًا بسكون الميم، ورمَلًا بفتحها ورملانًا كالنزوان على وزن فعلان، ويجيء المصدر كثيرًا على هذا الوزن نحو النسلان والرسفان ونحوهما. والطواف بالبيت هو الدوران حوله، تقول: طفت أطوف طوفًا وطوافًا، والجمع: الأطواف، وطوَّف تطويفًا وتطوافًا. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي عاصم الغنوي، عن أبي الطفيل قال: "قلت لابن عباس: يزعم قومك أن رسول الله ﷺ قد رمل بالبيت، وأن ذلك سُنَّة! قال: صدقوا وكذبوا. قلت: ما صدقوا وما كذبوا؟! قال: صدقوا، قد رمل رسول الله ﵇ بالبيت، وكذبوا: ليست بسُنَّة، إن قريشًا قالت زمن الحديبية: دعوا محمدًا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف، فلما صالحوه على أن يجيء في العام المقبل، فيقيموا ثلاثة أيام بمكة، تقدم رسول الله ﵇، والمشركون على جبل قيقعان، فقال رسول الله ﵇ لأصحابه: ارملوا بالبيت ثلاثاً. وليست بسُنَّة". ش: أبو عاصم الغنوي وثقه يحيى بن معين، وقال أبو حاتم: لا أعلم روى عنه غير حماد بن سلمة، ولا أعرفه ولا أعرف اسمه. روى له أبو داود، وأبو الطفيل عامر بن واثلة، وهو آخر من مات من الصحابة.

стр. 4701

وأخرجه أبو داود (١): نا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، قال: نا حماد، قال: أنا أبو عاصم الغنوي؛ عن أبي الطفيل، قال: قلت لابن عباس ... إلى آخره نحوه، وفي روايته بعد قوله: "وليس بسُنَّة": "قلت: يزعم قومك أن رسول الله ﵇ طاف بين الصفا والمروة على بعير وأن ذلك سُنَّة، قال: صدقوا وكذبوا، قلت: ما صدقوا وما كذبوا؟ قال: صدقوا، قد طاف رسول الله ﵇ بين الصفا والمروة على بعير، وكذبوا، ليست بسُنَّة كان الناس لا يدفعون عن رسول الله ولا ينصرفون عنه، فطاف على بعير ليسمعوا كلامه وليروا مكانه، ولا تناله أيديهم". قوله: "ليست بسُنَّة"، معناه أنه أمر لم يسن فعله لعامة المسلمين، على معنى القربة كالسنن التي هي عبادات، ولكنه شيء فعله رسول الله ﵇ لسبب خاص. قوله: "زمن الحديبية" أراد به عام الحديبية، وكان سَنة ست من الهجرة. قوله: "موت النغَّفَ" أي كموت النَغَف، وهو بفتح النون بعدها غين معجمة مفتوحة وبعدها فاء، واحدتها: نغفة، وهي الدود التي تكون في أنوف الأنعام، وعن الأصمعي أنها تكون في أنوف الإِبل والغنم، وقال أبو عُبيد: وتكون أيضًا في باطن النوى، وما سوى ذلك فليس بنغف. وفي حديث يأجوج ومأجوج: "فيرسل الله عليهم النغف فيصبحون" (٢) قال ابن الأثير في تفسيره: النَّغَف -بالتحريك- دود يكون في أنوف الإِبل والغنم، واحدتها: نغفة. قوله: "والمشركون على جبل قُعَيقِعَان" وفي رواية أبي داود: "والمشركون من قبل قعيقعان": وهو جبل مشهور بمكة، سمي به لأن جرهمًا لما تحاربوا كثرت قعقعة السلاح هناك، وهو بضم القاف وفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وكسر القاف وبعدها عين مهملة وبعدها ألف ونون، وهو جبل مشرف على مكة من غَرْبِيِّها كما أن جبل أبي قبيس مشرف على مكة من شَرْقِيِّها.

стр. 4702

ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الرمَل في الطواف ليس بسُنَّة، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وقالوا: إنما كان الرمَل ليرى المشركون أن بهم قوة، وأنهم ليسوا بضعفاء؛ لا لأن ذلك سُنَّة. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء وطاوسًا ومجاهدًا والحسن البصري والقاسم وسالمًا وسعيد بن جبير، فإنهم قالوا: الرَّمَل ليس بسُنَّة، من شاء فعله ومن شاء لم يفعله، وهو الأشهر عن ابن عباس، وعنه أنه سُنَّة. وقال ابن حزم (١): وروينا عن ابن عباس وعطاء: ليس على من ترك الرمل شيء، وعن إبراهيم: عليه فدية، وعن ابن عباس: وجوبه على أهل الآفاق، وعن الحسن وعطاء: ليس على أهل مكة رمل، ولا على من أهلَّ منها، إلَّا أن يجيء أحد من أهل مكة من خارج، فهذه رواية ابن عباس بإيجاب الرمل على أهل الآفاق، وعن الحسن وعطاء مثل ذلك. قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء القوم لما ذهبوا إليه بالحديث المذكور. ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "قدم رسول الله ﵇ مكة وأصحابه، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قومٌ قد وهنتهم حمى يثرب، فلما قدموا، قعد المشركون مما يلي الحجر، فأمر النبي ﵇ أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين. قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم بأن يرملوا الأشواط الأربعة إلَّا الإِبقاء عليهم". ش: أي احتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه أيضًا بما روي عن ابن عباس أيضًا، أخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن أبي داود، عن سليمان بن حرب الواشحي شيخ البخاري وأبي داود، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني ... إلى آخره.

стр. 4703

وأخرجه البخاري (١): ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد هو ابن يزيد ... إلى آخره نحوه. وأخرجه مسلم (٢): عن أبي الربيع الزهراني، عن حماد بن زيد، عن أيوب ... إلى آخره نحوه. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا مسدد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، أنه حدث عن ابن عباس قال: "قدم رسول الله ﵇ مكة وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم أقوام قد وهنتهم الحمَّى، ولقوا منها شرًّا، فأطلع الله تعالى نبيه ﵇ على ما قالوا، فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الركنين، فلما رأوهم رملوا قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمَّى قد وهنتهم؟! هؤلاء أجلد منا، قال ابن عباس: ولم يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلَّا للإِبقاء عليهم". وأخرجه النسائي (٤) أيضًا: عن محمد بن سليمان، عن حماد بن زيد ... إلى آخره نحوه. قوله: "وقد وهنتهم" بتخفيف الهاء وفتحها أي أضعفتهم وفي "الموعب": وَهَنَ يَهِنَ مثل وَعَدَ يعَدُ، وَوهِن مثل وَرِم، والواهن الضعيف في قوته، لا بطش عنده، وعن صاحب "العين": الوَهْن الضعف في العمل والأمر وكذلك في العظم، وهن الشيء وأوهنه، والوَهَن لغة فيه، ورجل واهن في الأمر والعمل وموهون في العظم والبدن، وعن ابن دريد: وَهَن يُوهَن. قوله: "حمَّى يثرب" الحمى مرض مشهور، ويثرب اسم مدينة النبي ﵇، والياء فيه زائدة.

стр. 4704

قوله: "الأشواط الثلاثة" وهو جمع شوط، وهو مأخوذ من قولهم: جرى الفرس شوطًا إذا بلغ مجراه ثم عاد، فكل من أتى موضعاً ثم انصرف عنه فهو شوط. قوله: "إلَّا الإِبقاء" بكسر الهمزة وبالباء الموحدة والمد، أي إلَّا الرفق بهم، قال القرطبي: رويناه بالرفع على أنه فاعل "لم يمنعه" ويجوز النصب على أنه يكون مفعولًا من أجله، ويكون في "لم يمنعه" ضمير عائد على النبي ﵇ وهو فاعل. قلت: الصحيح أنه مرفوع على أنه فاعل "لم يمنعه" والمعنى لم يمنع النبي ﵇ أن يأمرهم بأن يرملوا -أي بالرمل في الأشواط الأربعة- إلَّا الإِبقاء عليهم. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حجاج بن نصير، قال: ثنا فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل قال: "قلت لابن عباس: يزعم قومك أن رسول الله ﵇ رَمَل بالبيت وأنها سُنة، قال: صدقوا وكذبوا، قد رمل رسول الله ﵇ بالبيت وليس بسُنة، ولكن قدم رسول الله ﵇ مكة والمشركون على قُعَيْقِعَان، وبلغه أنهم يقولون: إن به وبأصحابه هزالاً، فقال لأصحابه: ارملوا، أروهم أن بكم قوة، فكان رسول الله ﵇ يرمل من الحجر الأسود إلى الركن اليماني، فإذا توارى عنهم مشى". قالوا: أفلا يرى أنه أمرهم أن يمشوا في الأشواط الثلاثة فيما بين الركنين حيث لا يراهم المشركون، وأمرهم أن يرملوا فيما بقي من هذه الأشواط ليروهم؟ فلما كان قد أمرهم بالرمل حيث يرونهم، وبتركه حيث لا يرونهم؛ ثبت بذلك أن الرمل كان من أجلهم لا من أجل أنه سُنة. ش: حجاج بن نصير الفسطاطي القيسي أبو محمد البصري، فيه مقال؛ فعن يحيى: ضعيف. وقال أبو حاتم: منكر الحديث. وعن النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطيء ويهم. وفطر بن خليفة القرشي أبو بكر الكوفي الحناط بالنون، وثقه أحمد ويحيى والعجلي، وفيه تشيع قليل، روى له البخاري -مقرونًا بغيره- والأربعة.

стр. 4705

وأبو الطفيل عامر بن واثلة. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن عثمان بن كرامة نا عبيد الله بن موسى، نا فطر، عن أبي الطفيل قال: "قلت لابن عباس إن قومك يزعمون أن النبي ﵇ قد رَمَل وأنها سُنة، فقال: كذبوا وصدقوا؛ قد رمل رسول الله ﵇، وليست سُنَّة: قدم رسول الله ﵇ والمشركون على جبل قعيقعان، فبلغه أنهم يقولون: إن برسول الله ﵇ وأصحابه هزلًا؛ فرمل رسول الله ﵇ وأمر أصحابه أن يرملوا، لِيُري المشركين أن بهم قوةً". قوله: "وإنها سُنة" أي: وإنَّ هذه الفعلة وهي الرمل، أنث الضمير بهذا الاعتبار. قوله: "هُزالًا" بضم الهاء وتخفيف الزاي، وهو ضد السمن، تقول: هزلت الدابة هزالًا على ما لم يسم فاعله، وهزلته أنا هَزْلًا فهو مهزول، وأهزل القوم إذا أصابت مواشيهم سنة فهزلت. قوله: "أروهم" بفتح الهمزة وضم الراء، لأنه أمر للجماعة، من أَرَى يُرِي إراءة والأمر أرِ، أريا، أَرُوا. قوله: "قالوا" أي قال هؤلاء القوم: "أفلا يُرى" بضم الياء "أنه أمرهم" أي أن رسول الله ﵇ أمر أصحابه أن يمشوا في الأشواط الثلاثة ... إلى آخره وهو ظاهر. ص: قالوا: ومما دل على ذلك أنه لم يفعل ذلك لما حج، وذكروا ما حدثنا فهدٌ، قال: ثنا يحيى الحماني، قال: ثنا قيس، عن العلاء بن المسيب، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﵇ رمل في العمرة، ومشى في الحج". أفلا يُرى أن رسول الله ﵇ لم يرمل في حجه حيث عُدِمَ الذين من أجلهم رمل في عمرته. ش: أي قال هؤلاء القوم: ومما يدل على أن النبي ﵇ إنما رَمَل لأجل مقالة المشركين: إن بهم هزالاً، لا لأجل كونه سُنةً؛ أنه ﵇ لم يفعل ذلك -أي الرمل- حين حج حجة الوداع، لأنه عدم الذين من أجلهم قد كان رمل، وأنه

стр. 4706

إنما فعل ذلك في عمرته لأجل ما قال المشركون لا لأنه سُنة، واحتجوا على ذلك بحديث عبد الله بن عمر: "أنه ﵇ رمل في العمرة ومشى في الحج". وأخرجه عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن قيس (١)، عن العلاء بن المسيب بن رافع الكوفي، وثقه يحيى وغيره، وروى له البخاري ومسلم والترمذي، عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد عن عبد الله بن عمر. وأخرجه أبو عمر بن عبد البر في (٢) "التمهيد" نحوه. ويعارض هذا ما روي في "الصحيح" (٣) من حديث نافع عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ كان إذا طاف في الحج والعمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ثم يمشي أربعًا" على ما يجيء بيانه إن شاء الله. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: الرَمَل في الأشواط الثلاثة الأولى سُنة لا ينبغي تركها في الحج ولا في العمرة. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والنخعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور فقهاء الأمصار؛ فإنهم قالوا: الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى سُنة، لا يترك في الحج ولا في العمرة، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس في رواية. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ اعتمر من الجعرانة، فرمل بالبيت ثلاثًا ومشى أربعة أشواط".

стр. 4707

ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ رَمَل الأشواط كلها، وقد كان في بعضها حيث يراه المشركون وفي بعضها حيث لا يرونه، ففي رمله حيث لا يرونه دليل على أنه ليس من أجلهم رَمَل، ولكن لمعنىً آخر. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن ابن عباس، حيث قال في حديثه: "فرمل بالبيت ثلاثًا". أخرجه بإسناد صحيح: عن ابن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة. وأخرجه أبو داود (١): نا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد، قال: ثنا عبد الله ابن عثمان بن خثيم، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت ثلاثاً، ومشوا أربعًا". وأخرجه ابن ماجه (٢) بنحوه. قوله: "ففي هذا الحديث ... إلى آخره" بيانه أن في هذا الحديث: رمل في هذه الأشواط الثلاثة كلها يعني من الحجر إلى الحجر، وقد كان في بعضها حيث يراه المشركون، يعني من ناحية جبل قعيقعان لأنهم كانوا عليه، وفي بعضها حيث لا يرونه، يعني من ناحية ما بين الركن اليماني والحجر؛ لأن الكعبة كانت تحجز بينه وبينهم، ففي رمله في هذا الموضع دليل على أنه ﵇ لم يكن رمل من أجلهم، بل إنما رَمَل لمعنى آخر، إذ لو كان رمله لأجلهم لكان يتركه حين يتوارى عنهم، فَعُلِمَ من ذلك أنه سُنة لا تترك، ومن هذا يخرج الجواب عما يقال: إن سبب الرمل ارتفع، فينبغي أن يرتفع الحكم الدائر عليه، ولئن سلمنا أن سبب الرمل كان لإِظهار الجلادة وإبداء القوة للمشركين، وأنه ارتفع، فلا نسلم أن يرتفع الحكم بارتفاع السبب؛ لأن بقاء السبب ليس بشرط لبقاء الحكم، كالبيع والنكاح وغيرهما.

стр. 4708

أو نقول: رَمل النبي ﵇ في حجة الوداع دليل على أنه سُنة مبتدأة، فيجب علينا اتباعها وإن كنا لا نعقل معناه، ألا ترى إلى ما قال عمر ﵁ حين رمل في الطواف: "ما لي أهز كتفي وليس ها هنا أحد يراني؛ لكن أتبع رسول الله ﵇، أو قال: امتثل ما فعل رسول الله ﵇". ص: وقد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، قال: ثنا ابن المبارك، عن عبيد الله بن أبي زياد، عن أبي الطفيل قال: "رَمَل رسول الله ﵇ من الحجر إلى الحجر". فهذا الحديث مثل الذي قبله. ش: هذا الحديث أيضًا يدل على أن رمله ﵇ لم يكن من أجل المشركين حين قالوا ما قالوا؛ إذ لو كان كذلك لم يكن يرمل من الحجر إلى الحجر وهو معنى قوله: "فهذا الحديث مثل الذي قبله". وأخرجه بإسناد لا بأس به، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن سليمان الضبي أبي عثمان الواسطي المعروف بسعدويه شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الله بن المبارك الإِمام الزاهد المشهور، عن عبيد الله بن أبي زياد القداح أبي الحصين المكي فيه مقال، فعن يحيى: ضعيف، وعنه: ليس به بأس، وعن النسائي كذلك، روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الصحابي. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا عبيد الله بن محمد بن عباس الأصبهاني، ثنا سهل بن عثمان، نا عبد الله بن المبارك، ثنا عبيد الله بن أبي زياد القداح، عن أبي الطفيل: "أن النبي ﵇ رَمَل من الحجر إلى الحجر".

стр. 4709

ص: حدثنا محمد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا أسباط بن محمد، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع قال: "كان ابن عمر يرمل من الحجر إلى الحجر ثلاثًا ويمشي أربعًا على هيئته، قال ابن عمر: وكان رسول الله ﵇ يفعله". حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عفان، قال: ثنا سليم بن أخضر، قال: ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ كان يرمل من الحجر إلى الحجر". فهذا مثل الذي قبله أيضًا، وقد استدل بذلك عبد الله بن عمر على ما ذكرنا، ففعله بعد رسول الله ﵇ كما كان رسول الله ﵇ فعله إلا أنه ليس في ذلك أنه فعله في حج ولا في عمرة، فقد يجوز أن يكون ذلك منه وهو حاج فخالف ذلك ما روى عنه مجاهد، وقد يجوز أن يكون ذلك كان منه في عمرة فيكون مذهبه: كان يرمل في العمرة، ولا يرمل في الحجة". ش: هذا الحديث أيضًا يدل على أن رمله ﵇ لم يكن من أجل المشركين؛ إذ لو كان كذلك لم يكن يرمل من الحجر إلى الحجر كما ذكرنا، ثم رمل ابن عمر من الحجر إلى الحجر كما كان رسول الله ﵇ يفعله لا يخلو إما أن يكون كان قد فعل ذلك في حجته أو في عمرته؛ لأنه لم يبين ذلك في حديثه، فإن كان ذلك في حجته فقد خالف ذلك ما روى عنه مجاهد عن النبي ﵇: "أنه رمل في العمرة، ومشى في الحج" وقد مرَّ هذا الحديث عن قريب. وإن فعل ذلك في عمرته دلَّ على أن مذهبه الرمل في العمرة دون الحج كما في حديث مجاهد عنه. ثم إنه أخرج الحديث المذكور من طريقين صحيحين: الأول: عن محمد بن عمرو بن يونس التغلبي، عن أسباط بن محمد بن عبد الرحمن الكوفي، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب المدني، عن نافع ... إلى آخره.

стр. 4710

وأخرجه النسائي (١): أنا عبيد الله بن سعيد، نا يحيى، عن عبيد الله، عن نافع: "أن عبيد الله بن عمر كان يرمل الثلاث ويمشي الأربع، ويزعم أن رسول الله ﵇ كان يفعل ذلك". الثاني: عن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة الكوفي، عن عفان بن مسلم الصفار شيخ أحمد، عن سليم بن أخضر البصري، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع. وأخرجه مسلم (٢): نا أبو كامل الجحدري، قال: ثنا سليم بن أخضر، قال: نا عبيد الله، عن نافع: "أن ابن عمر رَمَل من الحجر إلى الحجر، وذكر أن رسول الله ﵇ فعله". وأخرجه أبو داود (٣): عن أبي كامل أيضًا نحوه. قال القاضي: قوله: "رمل من الحجر إلى الحجر" هذا سنة الرمل عند العلماء أن يكون في جميع الثلاثة أشواط، وهو نص في هذا الحديث، وجاء في الحديث الآخر في قصة عمرة الحديبية، وفيه: "وأمرهم أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين" قيل: لأنهم كانوا حينئذٍ لا تقع عليهم -أعين المشركين- وهذا لا تعارض فيه لأنها في قضيتين: الأولى في الحديبية، وهذه التي فيها الرمل من الحجر إلى الحجر في حجة الوداع، رفق بهم أولاً لما كان بهم من المرض، وأمرهم بالتجلد في الثلاث جهات التي كانت تقع عليهم فيها أعين المشركين حين جلسوا لهم على قعيقعان، وأكمل الرَمَل في الأدوار الثلاثة من الحجر إلى الحجر في حجة الوداع، وهو آخر فِعليه ﵇. ص: ومما يدل أيضًا على ثبوت الرَمَل وأنه سُنة ماضية: أن رسول الله ﵇ قد فعله في حجة الوداع حيث لا عدو يريه قوته، فمما روي في ذلك ما حدثنا يزيد بن

стр. 4711

سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عبيد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ سعى ثلاثة ومشى أربعة، حين قدم في الحج، والعمرة حين كان اعتمر". حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني قال: ثنا محمد بن إدريس، عن أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ مثل معناه. فهذا خلاف ما رواه مجاهد عن ابن عمر ﵄. ش: هذان طريقان: الأول: عن يزيد بن سنان، عن أبي بكر الحنفي -واسمه عبد الكبير بن عبد المجيد البصري- شيخ أحمد، روى له الجماعة، عن عبد الله بن نافع القرشي، فيه مقال، فعن يحيى: ضعيف، وعنه: يكتب حديثه. وقال أبو حاتم: منكر الحديث وهو أضعف ولد نافع. وقال النسائي: متروك الحديث. روى له ابن ماجه، عن أبيه نافع، عن ابن عمر. وبنحوه أخرج النسائي (١): أنا قتيبة، نا يعقوب، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ كان إذا طاف في الحج والعمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف ويمشي أربعًا، ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة". الثاني: إسناده صحيح، عن المزني، عن الإِمام الشافعي، عن أنس بن عياض بن ضمرة المدني، عن موسى بن عقبة بن أبي عياش المدني، عن نافع ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (٢): نا إبراهيم بن المنذر، نا أبو ضمرة أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: "أن رسول الله ﵇ كان إذا طاف

стр. 4712

في الحج أو العمرة أول ما يقدم: سعى ثلاثة أطواف ومشى أربعة، ثم يسجد سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة". فهذا الحديث يعارض ما رواه مجاهد عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ رَمَل في العمرة، هو ضعيف يترك بما روي في الصحيح بخلافه. ص: وقد روى جابر بن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﵇: "أنه رَمَل في حجة الوداع". حدثنا محمد بن خزيمة وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا الليث، قال: حدثني ابن الهاد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: "طاف رسول الله ﵇ في حجة الوداع سبعًا، رَمَل منها ثلاثاً، ومشى أربعًا". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، قال: ثنا جعفر ابن محمد ... فذكر بإسناد مثله. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: "أن رسول الله ﵇ طاف سبعة، رَمَل في ثلاثة منهن من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود". فلما ثبت عن رسول الله ﵇ أنه رَمَل في حجة الوداع ولا عدو؛ ثبت أنه لم يفعله إذ كان العدو من أجل العدو، ولو كان فعله إذ كانوا من أجلهم، لما فعله في وقت عدمهم، فثبت بذلك أن الرَمَل من سنن الحج المفعولة فيه الذي لا ينبغي تركها. ش: أخرج عن جابر بن عبد الله من ثلاثة طرق صحاح أنه رَمَل في حجة الوداع، والحال أنه لا عدو حينئذٍ حتى يكون الرمل لأجلهم، فثبت بذلك أنه لم يفعله حين فعله مع وجود العدو لأجل العدو؛ لأنه لو كان فِعْله هذا لأجلهم لما فعله عند عدمهم، فلما فعله عند عدمهم دلَّ على أنه سنة مبتدأة، وسنن الحج لا ينبغي تركها. هذا ما قاله الطحاوي وهو قوله: "فلما ثبت عن رسول الله ﵇ ... " إلى آخره.

стр. 4713

والأحسن أن يقال: إنه فعل الرَمَل حين كان العدو لأجل العدو، وإظهارًا منهم للتجلد والقوة حين قالوا: "قد وهنتهم حمَّى يثرب"، ثم فعله حين عدمم على أنه سُنة مبتدأة، وإن كانت خفيت علينا حكمته، وإنما قلنا: إنه الأحسن؛ لأن ابن عباس قال في حديثه: "إنما سعى رسول الله ﵇ بالبيت وبين الصفا والمروة؛ ليري المشركين قوته" رواه البخاري (١)، وفي رواية له (٢) عن ابن عباس: "ارملوا؛ ليري المشركين قوتهم والمشركين من قبل قعيقعان"، وفي رواية لمسلم (٣): "أروهم منكم ما يكرهون" فرمَلَ رسول الله ﵇ ليري المشركين قوته وقوة أصحابه، فهذا كله يدل على أن رمله ﵇ في عمرته كان لأجل العدو، ولكنه رمل أيضًا في حجة الوداع على أنه سُنة مبتدأة، والله أعلم. الطريق الأول: عن محمد بن خزيمة وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني، عن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب ﵃ المشهور بالصادق، عن أبيه محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب المشهور بالباقر، عن جابر ﵁. وأخرجه النسائي (٤): أنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب، أنا الليث، عن ابن الهاد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: "طاف رسول الله ﵇ سبعًا، رمل منها ثلاثًا، ومشى أربعًا". الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله.

стр. 4714

وأخرجه مسلم (١) مطولاً: نا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعًا عن حاتم -قال أبو بكر: نا حاتم بن إسماعيل المدني- عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: "دخلنا على جابر ... " الحديث. وفيه: "حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعًا" وقد ذكرناه بتمامه فيما مضى. الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر. وأخرجه مالك في "موطأه" (٢). وأخرجه مسلم (٣): نا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال: نا مالك، ونا يحيى -واللفظ له- قال: قرأت على مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله أنه قال: "رأيت رسول الله ﵇ رَمَل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف". والترمذي (٤): نا علي بن خشرم قال: أنا عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: "أن النبي ﵇ رَمَل من الحجر إلى الحجر ثلاثاً، ومشى أربعًا"، وقال: حديث جابر حديث حسن صحيح. والنسائي (٥): عن محمد بن مسلمة، عن أبي القاسم، عن مالك ... نحو رواية مسلم. وابن ماجه (٦): ثنا علي بن محمد، ثنا أبو الحسين العكلي، عن مالك بن أنس ... نحو رواية الترمذي.

стр. 4715

ص: وقد فعل ذلك أيضًا أصحاب رسول الله ﵇ من بعده: حدثنا فهدٌ، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر ﵁ قال: "فيم الرَمَلان الآن والكشف عن المناكب وقد نفى الله الشرك وأهله؟! ومع ذلك لا ندع شيئًا عملناه مع رسول الله ﵇". حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن يعلى بن أمية قال: "لمَّا حج عمر ﵁ رَمَل ثلاثًا" وهذا بحضرة أصحاب رسول الله ﵇ لا ينكره منهم أحدٌ. حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا فضيل بن عياض، عن منصور بن المعتمر، عن شقيق، عن مسروق قال: "قدمت مكة معتمرًا، فتبعت عبد الله بن مسعود ﵁ فدخل المسجد، فرَمَل ثلاثًا، ومشى أربعًا". حدثنا محمد، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا قدم مكة طاف بالبيت ورَمَل، ثم طاف بين الصفا والمروة، وإذا لبَّى بها من مكة لم يرمل بالبيت، وأخر الطواف بين الصفا والمروة إلى يوم النحر، وكان لا يرمل يوم النحر". ش: أي وقد رمل أيضًا أصحاب رسول الله ﵇ من بعده، وأخرج عن ثلاثة منهم، وهم: عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر ﵃. أما أثر عمر بن الخطاب ﵁ فأخرجه من طريقين: الأول: عن فهد بن سليمان، عن إسحاق بن إبراهيم الحنيني، فيه مقال، فقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن عدي: مع ضعفه يكتب حديثه. روى له أبو داود وابن ماجه. عن هشام بن سعد أبي عباد المدني يقال له: يتيم زيد بن أسلم، فيه مقال، فقال أحمد: لم يكن بالحافظ. وعن يحيى: ضعيف، وعنه: صالح. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. ولكن روى له مسلم والأربعة، عن زيد بن

стр. 4716

أسلم القرشي أبي عبد الله المدني الفقيه مولى عمر بن الخطاب وأحد مشايخ أبي حنيفة ومالك، روى له الجماعة، عن أبيه أسلم مولى عمر روى له الجماعة. وأخرجه أبو داود (١): ثنا أحمد بن حنبل، ثنا عبد الملك بن عمرو، قال: ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "فيم الرملان اليوم والكشف عن المناكب وقد أَطَّأَ الله الإِسلام ونفى الكفر وأهله؟! ومع ذلك لا ندع شيئًا كنا نفعله على عهد رسول الله ﵇". وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا جعفر بن عون، عن هشام ابن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: سمعت عمر ﵁ يقول: "فيم الرملان الآن وقد أَطَّأَ الله الإِسلام ونفى الكفر وأهله، وايم الله، لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله ﵇". وأخرج البخاري (٣): ما يقاربه: ثنا سعيد بن أبي مريم، أنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للركن: أما والله، إني لأعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ استلمك ما استلمتك، فاستلمه وقال: وما لنا وللرَمَل إنا كنا رائينا به المشركين، وقد أهلكهم الله ثم قال: شيء صنعه النبي ﵇ فلا نحب أن نتركه". قوله: "فيم الرملانُ" بضم النون؛ لأنه مرفوع بالابتداء، وخبره مقدمًا قوله: "فيم"، ومعناه: لأجل أبي شيء الرَمَل؟! في الطواف، أراد أنهم كانوا يرملون إظهارًا للجلادة والقوة للمشركين، وقد نفى الله الشرك والمشركين، فلماذا نرمل؟! ولكنه سُنة فعلها رسول الله ﵇ فلا نتركها. و"الرملان" على وزن فعلان، مصدر كالرَّمَل، ويكثر مجيء المصدر على هذا الوزن في أنواع الحركة كالنزوان والنسلان والعسلان والرسفان ونحوها.

стр. 4717

وحكى الحربي فيه قولًا غريبًا وقال: إنه تثنية الرَمَل وليس مصدرًا، وهو أن يهز منكبيه ولا يسرع، والسعي: أن تسرع في المشيء، وأراد بالرملين: الرَمَل والسعي قال: وجاز أن يقال للرمل والسعي: الرملان؛ لأنه لما خف اسم الرمل وثقل اسم السعي غُلِّبَ الأخف، فقيل: الرملان، كما قالوا: القَمَران والعُمَران. قلت: وعل هذا القول النون مكسورة في الرملان؛ لأنه نون التثنية، فافهم، وفيه نظر؛ لأن السعي بين الصفا والمروة شعار قديم من عهد هاجر أم إسماعيل ﵈، والرمل إنما شرع في عمرة القضاء لأجل المشركين، وليس مراد عمر ﵁ بقوله: فيم الرملان إلَّا الطواف وحده، فليس للتثنية وجه. قوله: "وقد أَطَّأَ الله الإِسلام" أي ثبته وأرساه، والهمزة فيه بدل واو "وَطَّأَ". الطريق الثاني: عن محمد بن عمرو بن يونس التغلبي، عن يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن النهشلي أبي زكرياء الكوفي الجزار -بالجيم والزاي وفي آخره راء مهملة- قال العجلي: ثقة وكان فيه تشييع. وعن يحيى: ليس بشيء. روى له الجماعة سوى النسائي والبخاري في الأدب، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الفقيه قاضي الكوفة، فيه لين، عن عطاء بن أبي رباح، عن يعلى بن أميَّة بن أبي عُبيدة المكي الصحابي. وأخرجه البيهقي (١): من حديث عطاء نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن يحيى بن يمان، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة: "أن عمر بن الخطاب رَمَل ما بين الحجر إلى الحجر". وأما أثر عبد الله بن مسعود، فأخرجه بإسناد صحيح، عن ابن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن فضيل بن عياض ... إلى آخره.

стр. 4718

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عبد الله: "أنه رَمَل ثلاثًا ومشى أربعًا". وأما أثر عبد الله بن عمر، فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال الأنماطي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن نافع. وأخرجه ابن عبد البر (٢) نحوه، قال: وأخرج مالك، عن نافع، عن ابن عمر نحوه، [ففي] (٣) هذا الحديث أنه كان يرمل في الحجة إذا كان إحرامه بها من غير مكة، وكان لا يرمل إذا أحرم بها من مكة، وهذا إجماع من العلماء: أن من أحرم بالحج من مكة من غير أهله والمتمتعين بها أنه لا رمل عليه إن طاف بالبيت قبل خروجه إلى منى؛ لأنهم قد طافوا حين وصولهم حين طافوا للقدوم. قوله: "وإذا لبّى بها" أي بالحجة. ص: ففي هذا عن ابن عمر ﵄ أنه كان يرمل في الحجة إذا كان إحرامه بها من غير مكة، فهلا خلاف ما رواه عنه مجاهد عن النبي ﵇، فلا يخلو ما رواه عن مجاهد من أحد وجهين: إما أن يكون منسوخًا، فما نسخه فهو أولى منه. أو يكون غير صحيح عنه، فهو أحرى أن لا يعمل به، وأن يجب العمل بخلافه، ولما ثبت [ما ذكرنا] (٤) من الرمل عن رسول الله ﵇ بعد عدم المشركين، وعن أصحابه من بعده في الأشواط الأُوَل [الثلاثة] (٤)؛ ثبت أن ذلك من سُنة الطواف عند القدوم، وأنه لا ينبغي لأحد من الرجال تركه إذا كان قادرًا عليه، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.

стр. 4719

ش: أي ففي هذا الأثر عن عبد اللَّه بن عمر أنه كان يرمل في حجته إذا كان إحرامه بها -أي بالحجة- من غير مكة، فهذا خلاف ما روى عنه مجاهد، عن النبي ﵇: "أنه رمل في العمرة ومشى في الحج" وقد تقدم ذكره، فإذا كان الأمر كذلك فلا يخلو ما رواه عنه من أحد وجهين: إما أن يكون منسوخًا، فحينئذٍ العمل بالناسخ أولى وأجدر. وإما أن يكون غير صحيح، فحينئذٍ العمل بالصحيح أولى، والظاهر أنه غير صحيح. وقال أبو عمر (١): وأما رواية مجاهد عن ابن عمر فحديث لا يثبت؛ لأنه رواه الحفاظ موقوفًا عن ابن عمر، ولو كان مرفوعًا عارضه ما هو أثبت منه، ثم روى عن الطحاوي من حديث ابن عمر: "أن رسول اللَّه ﵇ رَمَل ثلاثًا ومشى أربعةً حين قدم في الحج والعمرة". قوله: "وإنه" أي الرمل لا ينبغي لأحد من الرجال تركه، لأنه سُنة من سنن الحج الماضية، حتى قال الحسن البصري: إذا ترك الرمل يهريق دمًا، وعن النخعي أنه يفدي، وقال أبو عمر (٢): اختلف قول مالك وأصحابه فيمن ترك الرمل في الطواف، والهرولة في السعي، فقال مالك مرةً: يعيد، ومرةً قال: لا يعيد. وبه قال ابن القاسم. واختلف قول مالك: هل عليه دم إذا لم يعد أم لا شيء عليه؟ فمرة قال: لا شيء عليه، رواه عنه ابن وهب في موطأه، وهو قول ابن القاسم، ومرة قال: عليه دم، ورواه معن بن عيسى عن مالك، وهو قول عبد الملك بن الماجشون والحسن البصري وسفيان الثوري، وذكر ابن حبيب ومطرف عن ابن القاسم: أن عليه في قليل ذلك وكثيره دمًا، وقد جاء عن ابن عباس نصًّا فيمن ترك الرَمَل أنه لا شيء

стр. 4720

عليه، وهو قول عطاء وابن جريج والشافعي والأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو أولى ما قيل في هذا الباب. وإنما قيد الطحاوي بقوله: "من الرجال" لأنهم أجمعوا على أن ليس على النساء رَمَل في طوافهن بالبيت ولا هروة في سعيهن بين الصفا والمروة. وروى الشافعي (١)، عن سعيد، عن ابن جريج، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: "ليس على النساء سعي بالبيت ولا بين الصفا والمروة" ورواه أيضًا عن عائشة وعطاء. ...

стр. 4721

ص: باب: ما يستلم من الأركان في الطواف ش: أي هذا باب في بيان ما ينبغي استلامه من الأركان في حالة الطواف. قال ابن سيده: استلم الحجر واستلأمه بالهمزة أي قبله واعتنقه، وليس أصله الهمزة، وعن الأزهري: الاستلام افتعال من السلام وهو التحية، وعن ابن قتيبة: هو افتعال من السِّلام -بكسر السين- وهي الحجارة، تقول: استلمت الحجر إذا لمسته، كما تقول: اكتحلت من الكحل، وقال القزاز: قيل: هو استفعل من اللأمة، وهي الدرع والسلاح وإنما تلبس اللأمة ليمتنع بها من الأعداء، فكأن هذا إذا لمس الحجر فقد تحصن من العذاب. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه قال: "كنا نستلم الأركان". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر مثله. ش: هذان طريقان: الأول: إسناده صحيح، عن فهد بن سليمان، عن أحمد بن عبد اللَّه ابن يونس شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن زهير بن معاوية، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تَدرس المكي، عن جابر ﵁. الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد بن كاسب شيخ ابن ماجه، فيه مقال، عن وكيع ... إلى آخره. ويعارض هذا ما رواه ابن أبي شيبة (١): نا ابن نمير، عن حجاج، عن عطاء قال: "أدركت مشيختنا ابن عباس وجابرًا وأبا هريرة وعُبيد بن عمير لا يستلمون إلَّا الحجر الأسود والركن، لا يستلمون غيرهما من الأركان.

стр. 4722

ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن من طاف بالبيت فينبغي له أن يستلم أركانه كلها، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: سويد بن غفلة وجابر بن زيد وعروة بن الزبير؛ فإنهم قالوا: السُنة أن يستلم الأركان كلها، واحتجوا في ذلك بالأثر المذكور، وقال أبو عمر: روي ذلك عن جابر بن عبد اللَّه ومعاوية بن أبي سفيان وأنس بن مالك وعبد اللَّه بن الزبير والحسن والحسين ﵃، وهم كانوا يستلمون الأركان كلها. وأخرج البيهقي (١): من حديث ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي الطفيل قال: "حج معاوية ﵁ فجعل لا يأتي على ركن من أركان البيت إلَّا استلمه، فقال ابن عباس: إنما كان رسول اللَّه ﵇ يستلم اليماني والحجر، فقال معاوية: ليس من أركانه مهجورًا"، ورواه أبو الشعثاء عن ابن عباس ومعاوية فزاد: "وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن" (٢). ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا ينبغي أن يستلم من الأركان في الطواف غير الركنين اليمانيين. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: مجاهدًا وعطاء والحسن والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي ومالكًا وأحمد؛ فإنهم قالوا: السُنة استلام الركنين اليمانيين لا غير، روي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وعمير بن عبيد وعمر بن الخطاب وابنه عبد اللَّه بن عمر ﵃. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر: "من رسول اللَّه ﵇ لم يكن يمر بهذين الركنين الأسود واليماني إلَّا استلهما في كل طواف ولا يستلم هذين الآخرين". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم ... فذكر بإسناده مثله.

стр. 4723

حدثنا يزيد وابن مرزوق، قالا: ثنا أبو الوليد الطيالسي (ح). وحدثنا يزيد، قال: ثنا أبو صالح، قالا: ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: "لم أر رسول اللَّه ﵇ مسح من البيت إلَّا الركنين اليمانيين". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: "لم يكن رسول اللَّه ﵇ يستلم من أركان البيت إلَّا الركن الأسود والذي يليه من نحو دار الجمحيين". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا ابن وهب، عن الليث، عن ابن شهاب ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عُبيد بن جريج، أنه قال لعبد اللَّه بن عمر: "رأيتك لا تمس من الأركان إلَّا اليمانيين، فقال: رأيت رسول اللَّه ﵇ لا يمس إلَّا اليمانيين". ش: أي واحتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد اللَّه بن عمر، وأخرجه من سبع طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد العزيز بن أبي رواد واسمه ميمون المكي وثقه يحيى القطان ويحيى بن معين، وعن أحمد: رجل صالح وكان مرضيًّا. استشهد به البخاري وروى له الأربعة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا الفضل بن دكين، نا ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول اللَّه ﵇ كان يستلم الركنين اليماني والأسود كل [طوفة] (٢) ولا يستلم الركنين الآخرين اللذين يليان الحجر".

стр. 4724

وأخرجه أبو داود (١): نا مسدد، قال: نا يحيى، عن عبد العزيز بن أبي روَّاد، عن نافع، عن ابن عمر قال: "كان رسول اللَّه ﵇ لا يدع الركن اليماني والحجر في كل طوفة، قال: وكان عبد اللَّه بن عمر يفعله". الثاني: عن يزيد بن سنان، عن أبي عاصم الضحاك ... إلى آخره نحوه. الثالث: عن يزيد بن سنان وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وأبي داود، عن الليث بن سعد، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵃. وأخرجه البخاري (٢): نا أبو الوليد، نا ليث، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه قال: "لم أر النبي ﵇ يستلم من البيت إلَّا الركنين اليمانيين". وأخرجه أبو داود (٣): أيضًا عن أبي الوليد الطيالسي نحوه. وأخرجه مسلم (٤) نحوه: عن يحيى بن يحيى، عن الليث بن سعد .. إلى آخره. الرابع: عن يزيد بن سنان، عن أبي صالح شيخ البخاري، عن الليث بن سعد ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٥): عن قتيبة، عن الليث .. إلى آخره نحوه. الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد اللَّه بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب ... إلى آخره.

стр. 4725

وأخرجه مسلم (١): حدثني أبو الطاهر وحرملة، قال أبو الطاهر: أنا عبد اللَّه بن وهب قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: "لم يكن رسول اللَّه ﵇ يستلم من أركان البيت إلَّا الركن الأسود والذي يليه من نحو دور الجمحيين". السادس: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن عبد اللَّه بن وهب، عن الليث، عن ابن شهاب الزهري ... إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أحمد بن عمرو بن السرح المصري، عن عبد اللَّه بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه، قال: "لم يكن رسول اللَّه ﵇ يستلم من أركان البيت إلَّا الركن الأسود والذي يليه من نحو دور الجمحيين". وأخرجه النسائي (٣) أيضًا نحوه. السابع: عن يونس بن عبد الأعلى ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٤) مطولاً: ثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك ... إلى آخره؛ ذكرناه في باب الإِهلال من أين ينبغي أن يكون، وفي كتاب الجنازة، في باب المشي على القبور بالنعال. قوله: "لا يمس" أي لا يمسح إلَّا الركنين اليمانيين: الركن الأسود، والركن اليماني. فإن قيل: قد اختلفت ألفاظ ابن عمر كما ترى، حيث قال في لفظ: "لم أر رسول اللَّه ﵇ يمسح إلَّا الركنين، وفي لفظ: "إلَّا الحجر والركن اليماني"، وفي لفظ: "الركن الأسود والذي يليه".

стр. 4726

قلت: كل هذا متفق عليه، لأن اليمانيين على أسّ البيت، والآخران ليسا بركنين صحيحين؛ لأن الحِجْر وراءهما، ألا ترى أن عبد اللَّه بن الزبير كان يستلم الأركان كلها؛ لأنه كان بني البيت على قواعده الأربع، فكانت أركانها كلها، ولو بنى الآن على ما بناه ابن الزبير لاستلمت كلها كما فعل ابن الزبير ﵄. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا زهير بن عبَّاد، قال: ثنا عتَّاب بن بشير الجزري، عن خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أن معاوية بن أبي سفيان طاف بالبيت الحرام، فجعل يستلم الأركان كلها، فقال ابن عباس: لِمَ يستلم هذين الركنين ولم يكن رسول اللَّه يستلمهما؟! فقال معاوية: ليس من البيت شيء مهجور، فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول اللَّه ﵇ أسوة حسنة قال: صدقت". فهذه الآثار كلها تخبر عن رسول اللَّه ﵇ أنه لم يكن يستلم في طوافه غير الركنين اليمانيين، ومع هذه الآثار من التواتر ما ليس مع الأثر الأول. ش: زهير بن عبَّاد الرؤاسي قال الدارقطني: مجهول. وليس كذلك؛ لأنه ابن عم وكيع بن الجراح كوفي نزل مصر، ووثقه أبو حاتم، وروى عنه، وعتاب بن بشير الجزري أبو سهل الحراني شيخ ابن راهويه، عن أحمد: أرجو ألَّا يكون به بأس، وعنه: أحاديث عتَّاب عن خصيف منكرة. وعن يحيى بن معين: ثقة. روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. وخصيف بن عبد الرحمن الجزري أبو عون الحراني مولى عثمان بن عفان فيه مقال؛ فعن أحمد: ليس بحجة ولا قوي في الحديث، وعنه: ضعيف الحديث، وعنه: ليس بذاك. وعن ابن معين: صالح. وعن أبي زرعة والعجلي: ثقة، روى له الأربعة. وأخرجه البخاري (١): ثنا (٢) محمد بن بكر، أنا ابن جريج، أخبرني عمرو بن

стр. 4727

دينار، عن أبي الشعثاء أنه قال: "ومن يتقي شيئًا من البيت؟ فكان معاوية يستلم الأركان، فقال له ابن عباس: إنه لا يستلم (هذين الركنين) (١)، فقال: ليس شيء من البيت مهجورًا وكان ابن الزبير يستلمهن كلهن". وأخرج الشافعي في "مسنده" (٢): ثنا سعيد، أنا موسى الربذي، عن محمد بن كعب: "أن ابن عباس كان يمسح على الركن اليماني والحجر، وكان ابن الزبير يمسح الأركان كلها ويقول: لا ينبغي لبيت اللَّه أن يكون شيءٌ منه مهجورًا، وكان ابن عباس يقول: لقد كان لكم في رسول اللَّه أسوة حسنة". قوله: "ومع هذه الآثار" أراد بها أحاديث عبد اللَّه بن عمر وابن عباس. "من التواتر" أي التكاثر والتظاهر، ولم يرد به التواتر المصطلح عليه. وأراد "بالأثر الأول" حديث جابر بن عبد اللَّه الذي احتجت به أهل المقالة الأولى. ص: فكان من الحجة عندنا -والله أعلم- لمن ذهب إلى هذه الآثار أيضًا، على من ذهب إلى ما خالفها: أن الركنين اليمانيين مبنيان على منتهى البيت مما [يليهما] (٣) والآخران ليسا كذلك؛ لأن الحِجْر وراءهما و [هو] (٤) من البيت، وقد أجمعوا أن ما بين الركنين اليمانيين لا يستلم؛ لأنه ليس بركن للبيت، فكان يجيء في النظر أن يكون كذلك الركنان الآخران لا يستلمان؛ لأنهما ليسا بركنين للبيت. ش: أراد بالحجة الدليل من حيث النظر والقياس، لأهل المقالة الثانية، بيانه: أن ركن البيت إنما يستلم لكونه من منتهى البيت، وليس من أركان البيت على منتهى البيت إلَّا الركنان اليمانيان: الركن اليماني والركن الأسود، وأما الركنان الآخران فليسا كذلك؛ لأن الحِجْر وراءهما، وهما في نفس البيت وليسا على منتهى البيت، وقد أجمعوا على أن ما بين الركنين اليمانيين لا يستلم لكونه ليس بركن للبيت،

стр. 4728

فالنظر والقياس على ذلك ألَّا يستلم الركنان الآخران؛ لأنهما ليسا بركنين للبيت، فلذلك استلم ابن الزبير جميع الأركان لأنه لما بناه على قواعد إبراهيم صارت الأركان كلها على منتهى البيت، ولو فرضنا أنه لو بني اليوم على ما بناه ابن الزبير كان ينبغي أن تستلم الأركان كلها، فأفهم. قوله: "لأن الحِجْر" بكسر الحاء وسكون الجيم هو اسم للحائط المستدير إلى جنب الكعبة الغربي، ويسمي حجر إسماعيل ﵇، والحطيم أيضًا، وهو من البيت، ولهذا لا يجوز الطواف إلَّا من ظاهره، حتى إذا طاف من باطنه لا يعتد من الطواف، على ما يجيء الآن. ص: وقد روي عن رسول اللَّه ﵇ في الحِجْر أنه من البيت ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا شيبان بن عبد الرحمن أبو معاوية، عن الأشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة ﵂ قالت: "سألت رسول اللَّه ﵇ عن الحِجْر، فقال: هو من البيت، فقلت: ما منعهم أن يدخلوه فيه؟ قال: عجزت بهم النفقة". حدثنا فهد، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا أبو الأحوص، عن الأشعث، عن الأسود بن يزيد، قال: قالت عائشة ﵂: "سألت رسول اللَّه ﵇ عن الحِجْر: أمِنَ البيت هو؟ قال: نعم. قالت: ما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: إن قومك قصرت بهم النفقة، فقلت: ما شأن بابه مرتفع؟ قال: فعل قومك ليدخلوا من شاءوا [ويمنعوا من شاءوا] (١)، ولولا أن قومك [حديثو] (٢) عهد بجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم ذلك، لنظرت أن أُدْخلِ الحِجْر في البيت، وأن ألزق بابه بالأرض". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا سليم بن حيَّان، قال: ثنا سعيد ابن مينا، قال: ثنا عبد اللَّه بن الزبير، قال: حدثتني عائشة ﵂ أن رسول اللَّه ﵇

стр. 4729

قال: "لولا أن قومك [حديثو] (١) عهد بالجاهلية؛ لهدمت الكعبة وألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين: بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، وَلَزِدْتُ ستة أذرع من الحجر في البيت، إن قريشًا استقصرته لما بَنَت البيت". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عبد اللَّه بن أبي بكر السهمي، قال: ثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن أبي قزعة أن عبد الملك بن مروان [بينما هو يطوف بالبيت إذ قال قائل: عبد اللَّه بن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين] (٢) يقول: سمعتها وهي تقول: "إن رسول اللَّه ﵇ قال: يا عائشة، لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحِجْر. فقال الحارث بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة: لا تقل ذلك يا أمير المؤمنين فأنا سمعت أم المؤمنين تقوله، قال: وددت أني قد كنت سمعت هذا منك قبل أن أهدمه فتركته". ش: ذكر حديث عائشة هذا دليلًا على كون الحِجْر من البيت. وأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: عن ربيع المؤذن ... إلى أخره. وأخرجه مسلم (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عبيد اللَّه -يعني ابن موسى- قال: ثنا شيبان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة ﵂[قالت] (٤): "سألت رسول اللَّه ﵇ ... " إلى آخره. قوله: "هو من البيت" أي الحِجْر من البيت، وإنما لم يُدْخِلُوه في البيت؛ لأنهم عجزوا عن النفقة، ولم يقدروا على إدخاله في البيت، وروي عن ابن الزبير أنه

стр. 4730

قال (١): أخبرتني عائشة أن رسول اللَّه ﵇ قال: "لولا حداثة قومك بالكفر لهدمت الكعبة؛ فإنهم تركوا منها سبعة أذرع في الحِجْر ضاقت بهم النفقة والخشب". قوله: "ما منعهم" أي ما منع قريشًا أن يُدْخِلُوا الحِجْر في البيت حين بنوه، وكان بين بناء قرش البيت وبين ما أنزل على النبي ﵇ الوحي خمس سنين، فيكون بنيانهم وعمر النبي ﵇ خمسة وثلاثون سنة. وروى عبد الرزاق (٢)، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: "كان -يعني البيت- عرشًا يقتحمه العَنْزُ، حتى إذا كان قبل مبعث النبي ﵇ بَنَتْه قريش". وذكر عبد الرزاق أيضًا (٣): عن ابن جريج، عن عطاء وابن المسيب وغيرهما "أن اللَّه تعالى أوحى إلى آدم: إذا هبطت إلى الأرض أن ابْنِ لي بيتًا ثم احفف به كما رأيت الملائكة تحف بعرشي الذي في السماء. قال عطاء: فزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء، ومن طور سيناء، ومن لبنان، ومن الجودي ومن طور زيتا وكان ربضه من حراء، فهذا بناء آدم، ثم بناه إبراهيم ﵇". وروى (٤) عبد المنعم بن إدريس، عن وهب بن منبه قال: "أول من بنى الكعبة من الطين والحجارة شيث ﵇ وكانت هناك صخرة لآدم ﵇ وضعها اللَّه له من الجنة"، وعن عبد اللَّه بن عمرو قال (٥): "لما أهبط اللَّه تعالى آدم من الجنة قال: إني مهبط معك -أو منزل معك- بيتًا يطاف حوله كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي، فلما كان زمن الطوفان رفع، فكانت الأنبياء ﵈ يحجونه ولا يعلمون مكانه، حتى بوأه اللَّه لإبراهيم وأعلمه
следующие страницы →