← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.

стр. 4901

ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح وطاوسًا ومجاهدًا والشعبي والشافعي؛ فإنهم قالوا: يجوز رمي جمرة العقبة ليلة النحر قبل طلوع الفجر. وقال ابن أي شيبة في مصنفه (١): نا عبد العزيز بن عبد الصمد العمِّي، عن عطاء ابن السائب قال: "رأيت أبا جعفر يرمي قبل طلوع الشمس، وكان عطاء وطاوس ومجاهد والنخعي وعامر بن شراحيل وسعيد بن جبير يرمون حين يقدمون أي ساعة قدموا، لا يرون به بأسًا". قوله: "وقالوا". أي هؤلاء القوم. قوله: "لبعد ما بين الموضعين". لأن بينهما ثلاثة أميال. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجوز لأحد أن يرميها قبل طلوع الفجر، ومن رماها قبل طلوع الفجر فهو في حكم من لم يرم، وعليه أن يعيد الرمي في وقت الرمي، فإن لم يفعل كان عليه لذلك دم. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وأبا حنيفة ومحمدا ومالكًا وأحمد وإسحاق، فإنهم قالوا: لا يجوز رمي جمرة العقبة قبل طلوع الفجر، حتى قال الثوري: لا يجوز إلاَّ بعد طلوع الشمس، وبه قال النخعي في رواية، وقد مضى الكلام فيه في السابق. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أن هذا الحديث قد اختلف فيه عن هشام بن عروة، فروي عنه على ما ذكرنا، وروي عنه على خلاف ذلك: حدثنا الربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا محمد بن خازم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة قالت: "أمرها رسول الله ﵇ يوم النحر أن توافي معه صلاة الصبح بمكة". ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ أمرها بما أمرها به من هذا يوم النحر، فذلك

стр. 4902

على صلاة الصبح في اليوم الذي بعد يوم النحر، وهذا خلاف الحديث الأول، وقد عجَّل رسول الله ﵇ أيضًا من جمع أزواجه غير أم سلمة، وكان مضيهم إلى منى، وبها صلوا صلاة الصبح ولم يتوجهوا حينئذٍ إلى مكة، فمها روي في ذلك: ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عُبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أن سودة بنت زمعة استأذنت رسول الله ﵇ أن تصلي يوم النحر الصبح بمنى، فأذن لها -وكانت امرأة ثبطة، فوددت أني استَأذَنْتْه لما اسْتَأْذَنَتْهُ". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن شوال، أنه سمع أم حبيبة تقول: "كنا نغلس على عهد النبي ﵇ من المزدلفة إلى منى". ففي هذا أنهم كانوا يفيضون [بعد طلوع] (١) الفجر، فهذا أبعد لهم مما في الحديث الأول. وقد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب من حديث أسماء أنها رمت ثم رجعت إلى منزلها فصلت الفجر، فقلت لها: لقد غلسنا، فقالت: رخص رسول الله ﵇ للظعن". فأخبرت أن ما قد كان رخص رسول الله ﵇ في ذلك للظعن هو الإِفاضة من المزدلفة في وقت ما يصيرون إلي منى، في حال ما لهم أن يصلوا صلاة الصبح، ولما اضطرب حديث هشام بن عروة على ما ذكرنا لم يكن العمل بما رواه حماد بن سلمة أولى مما رواه محمد بن خازم، وقد ذكر حماد بن سلمة في حديثه أن رسول الله ﵇ إنما أراد بتعجيله أم سلمة إلى حيث عجلها؛ لأنه يومها ليصيب منها في يومها ذلك ما يصيب الرجل من أهله ورسول الله ﵇ في يوم النحر فلم يبرح منى ولم يطف طواف الزيارة إلى الليل.

стр. 4903

حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، قال: ثنا سفيان الثوري، قال: حدثني محمد بن طارق، عن طاوس وأبو الزبير، عن عائشة وابن عباس ﵃: "أن رسول الله ﵇ أخَّر طواف الزيارة إلى الليل". حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أحمد بن حميد، قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنه قالت: "أفاض رسول الله ﵇ في آخر يومه". فلما كان رسول الله ﵇ لم يطف طواف الزيارة يوم النحر إلى الليل، استحال أن يكون به إلى حضور أم سلمة إلى مكة قبل ذلك حاجة؛ لأنه إنما يريدها لأنه في يومها وليصيب منها ما يصيب الرجل من أهله، وذلك لا يحل له منها إلاَّ بعد الطواف، فأشبه الأشياء عندنا -والله أعلم- أن يكون أمرها أن توافي صلاة الصبح بمكة في غد يوم النحر في وقت يكون فيه حلالًا بمكة. ش: أي: وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية، وأراد به الجواب عن حديث حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، وهو على وجهين: الأول: أنه مضطرب، أشار إليه بقوله: إن هذا الحديث قد اختلف فيه عن هشام بن عروة، فروي عنه على ما ذكرنا، وروي عنه على خلاف ذلك، أي على خلاف ما ذكرنا، وبينه بقوله: حدثنا الربيع ... على آخره. وأخرجه بإسناده عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، وعن أسد بن موسى، عن محمد بن خازم -بالمعجمتين- روى له الجماعة، عن هشام بن عروة ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا أبو معاوية، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة: "أن رسول الله ﵇ أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة".

стр. 4904

ففي هذا يخبر أنه ﵇ أمرها بالموافاة لصلاة الصبح بمكة فذلك على صبح اليوم الثاني في يوم النحر؛ لأنه من المستحيل أن تكون هي توافي معه ﵇ صلاة الصبح بمكة من يوم النحر على ما يأتي وجه الاستحالة عن قريب. قوله: "عجل رسول الله ﵇ ... إلى آخره" ذكره تأييدًا لما ذكره من التأويل. قوله: "من جمع" أي من مزدلفة. قوله: "وكان مضيهم إلى منًى" يعني: كان ذهابهم من جمع إلى منى لا إلى مكة. "وبها" أي وبمنى "صلوا صلاة الصبح" أي في يوم النحر ولم يتوجهوا حينئذٍ إلى مكة، والدليل على ذلك حديث عائشة وأم حبيبة ﵄. أما حديث عائشة فأخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد بن كاسب شيخ ابن ماجه، فيه مقال، عن عبد العزيز محمد الدراوردي، عن عُبيد الله ابن عمر بن حفص بن عمر بن الخطاب، عن عبد الرحمن بن القاسم بن أبي بكر الصديق، عن أبيه القاسم بن أبي بكر، عن عائشة. وأخرجه مسلم (١): نا ابن نمير، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عُبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم، عن عائشة قالت: "وددت أني كنت استأذنت رسول الله ﵇ كما استأذنته سودة، فأصلي الصبح بمنى فأرمي الجمرة قبل أن يأتي الناس، فقيل لعائشة: فكانت سودة استأذنت؟ فقالت: نعم، إنها كانت امرأة ثقيلة ثبطة فاستأذنت رسول الله ﵇ فأذن لها". وقد أخرج أبو جعفر هذا الحديث في باب: حكم الوقوف بالمزدلفة، عن محمد ابن خزيمة، عن حجاج، عن حماد، عن عبد الرحمن بن القاسم ... إلى آخره. و"الثبطة" بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء الموحدة: المرأة البطيئة الضخمة. وأما حديث أم حبيبة فأخرجه بإسناد صحيح، عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن

стр. 4905

أسد بن موسى، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار المكي، عن سالم بن شوال المكي مولى أم حبيبة زوج النبي ﵇ وثقه النسائي وابن حبان، وروى له مسلم والنسائي هذا الحديث الواحد. عن أم حبيبة -واسمها رملة بنت أبي سفيان أخت معاوية ﵃. وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا سفيان بن عيينة، قال: ثنا عمرو بن دينار (ح). وعمرو الناقد، قال: نا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن شوال، عن أم حبيبة قالت: "كنا نفعله على عهد النبي ﵇ بغلس من جمع إلى منى". وفي رواية الناقد: "نغلس من مزدلفة". وأخرجه النسائي (٢): أنا عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن شوال، عن أم حبيبة قالت:"كنا نغلس على عهد النبي ﵇ من المزدلفة إلى منى". قوله: "في هذا" أي ففي حديث عائشة وأم حبيبة أنهم كانوا يفيضون بعد طلوع الفجر يعني من مزدلفة. قوله: "وقد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب ... إلى آخره" ذكره تأييدًا لقوله: "فهذا أبعد لهم مما في الحديث الأول"، بيانه أنه ﵇ رخص للظعن وكان ذلك للإِفاضة من المزدلفة إلى منًى في حال يكون لهم فيها أداء صلاة الصبح، وهو معنى قوله: "في وقت ما يصيرون إلى منى في حال ما لهم أن يصلوا صلاة الصبح"، فإذا كان كذلك فكيف يتصور أن يكون موافاة أم سلمة مع رسول الله ﵇ صلاة الصبح من يوم النحر بمكة، والحال أنها من الظعن؛ فدل أن المراد: موافاتها معه صلاة الصبح في اليوم الذي بعد يوم النحر".

стр. 4906

الوجه الثاني: أنه فاسد، أشار إليه بقوله: "وقد ذكر حماد بن سلمة في حديثه ... إلى آخره". بيانه أنه ﵇ إنما عجل أم سلمة؛ لكونه أراد منها ما يريد الرجل من أهله في يومها ذلك، ورسول الله ﵇ لم يبرح من مكانه في منى يوم النحر، ولم يطف طواف الزيارة إلى الليل على ما روي عن عائشة وابن عباس ﵃. وأخرجه من طريقين: الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن محمد بن طارق المكي وثقه النسائي وابن حبان، عن طاوس، عن عائشة وابن عباس، وعن سفيان، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، عن عائشة وابن عباس. وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا بكر بن خلف أبو بشر، ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، حدثني محمد بن طارق، عن طاوس وأبي الزبير، عن عائشة وابن عباس: "أن النبي ﵇ أخَّر طواف الزيارة إلى الليل". وأخرجه الترمذي (٢): نا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن ابن عباس وعائشة: "أن النبي ﵇ أخَّر طواف الزيارة إلى الليل". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وأخرجه أبو داود (٣) والنسائي (٤) أيضًا.

стр. 4907

ورواه البخاري (١) معلقًا وقال: قال أبو الزبير: عن عائشة وابن عباس: "أخَّر النبي ﵇ الزيارة إلى الليل". وقد قيل: إن هذا الحديث منقطع من جهة عائشة؛ لأن أبا الزبير لم يسمع من عائشة، وقال البخاري: في سماعه منها بُعْدٌ. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أحمد بن حميد الطريثيثي الكوفي شيخ البخاري عن أبي خالد الأحمر سليمان بن حيان الكوفي، عن محمد بن إسحاق بن يسار، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢) بأتم منه: ثنا علي بن بحر وعبد الله بن سعيد -المعنى- قالا: ثنا أبو خالد الأحمر، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة قالت: "أفاض رسول الله ﵇ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبِّر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة لا يقف عندها". انتهى. قوله: "فلما كان رسول الله ﵇ ... إلى آخره " بيان استحالة حضور أم سلمة إلى مكة يوم النحر، وهو ظاهر. ثم اعلم أنه يعارض هذين الحديثين ما رواه جابر في حديثه الطويل الذي أخرجه مسلم (٣) وأبو داود (٤) وابن ماجه (٥): "ثم أفاض رسول الله ﵇ إلى البيت فصلى بمكة الظهر ... الحديث".

стр. 4908

وأراد به طواف الزيارة، ويسمى أيضًا طواف الإِفاضة. وكذلك ما رواه ابن عمر: "أن رسول ﵇ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى" رواه مسلم (١). وروى مسلم (٢) أيضًا: عن عبد العزيز بن رفيع، قال: "سألت أنس بن مالك قلت: أخبرني بشيء عقلته عن رسول الله ﵇ أين صلى الظهر يوم التروية؟ قال: بمنى. وأجبت بأن التوفيق بين هذه الأحاديث هو أن يقال: إنه صلى الظهر بمكة، ثم رجع إلى منى فوجد الناس ينتظرونه، فصلى بهم. ولكن هذا مشكل على مذهب أبي حنيفة. فإن قيل: الإِشكال باقٍ بين هذه الأحاديث؛ لأن حديث عائشة وابن عباس يخبر أنه ﵇ أخَّر طواف الزيارة إلى الليل، وحديث جابر يخبر أنه طاف قبل صلاة الظهر، وكذلك حديث ابن عمر وأنس. قلت: يحمل حديث عائشة وابن عباس على أنه أخَّر ذلك إلى ما بعد الزوال فكأن معناه: أخَّر النبي ﵇ طواف الزيارة إلى العشي، وأما الحمل على ما بعد الغروب فبعيد جدًّا ومخالف لما ثبت في الأحاديث الصحيحة المشهورة من أنه ﵇ طاف يوم النحر نهارًا وشرب من سقاية زمزم. فإن قيل: روى أحمد في "مسنده" (٣): عن عائشة وابن عمر ﵃: "أن رسول الله ﵇ زار ليلاً". قلت: الظاهر أن المراد منه طواف الوداع، أو طواف زيارة محضة.

стр. 4909

وقد ورد حديث رواه الييهقي (١): "أن رسول الله ﵇ كان يزور البيت كل ليلة من ليالي منى". فإن قيل: ما تقول في الحديث الذي أخرجه البيهقي (٢) عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ أذن لأصحابه فزاروا البيت يوم النحر ظهرة، وزار رسول الله ﵇ مع نسائه ليلاً؟ ". قلت: هذا حديث غريب جدًّا، وهذا قول طاوس وعروة بن الزبير: "أن رسول الله ﵇ أخَّر الطواف يوم النحر إلى الليل". والصحيح من الروايات، وعليه الجمهور أنه ﵇ طاف يوم النحر بالنهار، والأشبه أنه كان قبل الزوال، ويحتمل أن يكون بعده. والحديث الذي أخرجه الطحاوي، من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، المذكور آنفًا يدل على أن ذهابه ﵇ إلى مكة كان يوم النحر بعد الزوال، وهذا ينافي حديث ابن عمر قطعًا، وفي منافاته لحديث جابر نظر. فافهم. فإن قيل: يرد على حديث جابر شيء آخر، وهو أنه قد ثبت أنه ﵇ رمى جمرة العقبة بسبع حصيات ثم جاء فنحر بيده ثلاثًا وستين بدنة، ونحر علي ﵁ بقية المائة، ثم أخِذ من كل بدنة بضعةً ووضعت في قدر وطبخت حتى نضجت، فأكل من ذلك وشرب من مرقه، وفي عيون ذلك حلق رأسه ولبس وتطيب، وخطب في هذا اليوم خطبة عظيمة". فكيف يمكن أن يعود إلى منى في وقت الظهر ويصلي الظهر في منى؟! على أن عائشة أخبرت في الحديث الذي أخرجه الطحاوي من طريق محمد بن

стр. 4910

إسحاق: "أنه أفاض من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق". وأخرجه أبو داود مطولًا كما ذكرناه عن قريب، وقال ابن حزم: فهذا جابر وعائشة قد اتفقا على أنه ﵇ صلى الظهر يوم النحر وهما -والله أعلم- أضبط لذلك من ابن عمر. قلت: أما رجوعه ﵇ إلى منى في وقت الظهر ممكن؛ لأن النهار كان طويلاً وإن كان قد صدر منه ﵇ أفعال كثيرة في صدر هذا النهار. وأما خطبته ﵇ في هذا اليوم، فلست أدري كانت قبل ذهابه أو بعد رجوعه إلى منى؟. وأما رواية عائشة، فإنها ليست ناصَّة أنه ﵇ صلى الظهر بمكة، بل محتملة إن كان المحفوظ في الرواية "حتى صلى الظهر"، وإن كانت الرواية "حين صلى الظهر" وهو الأشبه؛ فإن ذلك على أنه ﵇ صلى الظهر بمنًى قبل أن يذهب إلى البيت، وهو محتمل والله أعلم. ص: وقد علم المسلمون أوقات رمي جمرة العقبة في يوم النحر بفعل رسول الله ﵇: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﵇ رمى جمرة العقبة يوم النحر ضحًى، وما سواها بعد الزوال". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سليمان حرب، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵇ مثله.

стр. 4911

فعلم المسلمون بذلك أن الوقت الذي رمى رسول الله ﵇ فيه الجمار هو وقتها، فأردنا أن ننظر هل رخَّص للضعفة في الرمي قبل ذلك أم لا؟. فوجدناه ﵇ قد تقدم إلى ضعفة بني هاشم حين قدمهم إلى منى: "أن لا ترموا الجمرة إلاَّ بعد طلوع الشمس". فعلمنا كذلك أن الضعفة لم يرخص لهم في ذلك أن يتقدموا غير الضعفة، وأن وقت رميهم جميعًا وقت واحد، وهو بعد طلوع الشمس، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. ش: أشار بهذا إلى نفي صحة استدلال أهل المقالة الأولى بحديث أم سلمة فيما ذهبوا إليه من جواز رمي جمرة العقبة ليلة النحر قبل طلوع الفجر من وجه آخر، وهو أن المسلمين قد علموا وقت رمي جمرة العقبة أنه يوم النحر بفعل رسول الله ﵇ على ما بينه حديث جابر، فبقي الكلام في الضعفة، هل يرخصون فيه قبل أم لا؟ فوجدنا النبي ﵇ قد تقدم إلى ضعفة بني هاشم حين قدَّمهم إلى منى: "ألَّا ترموا الجمرة إلاَّ بعد طلوع الشمس" على ما روي في حديث ابن عباس المذكور في الباب الذي قدمه. فعلم بذلك أن وقت الرمي بعد طلوع الشمس في حق الكل. ثم إنه أخرج حديث جابر من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الملك بن جريج، عن أبي الزبير محمد بن مسلم، عن جابر، وهؤلاء كلهم رجال الصحيح. وأخرجه الجماعة غير البخاري فقال مسلم (١): ثنا أبو بكر بن شيبة، قال: ثنا خالد الأحمر وابن إدريس، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: "رمى رسول الله ﵇ الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس".

стр. 4912

وقال أبو داود (١): ثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "رأيت رسول الله ﵇ رمي يوم النحر ضحى، فأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس". وقال الترمذي (٢): ثنا علي بن خشرم، نا عيسى بن يونس، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: "كان النبي ﵇ يرمي يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس". وقال أبو عيسى هذا حديث صحيح. وقال النسائي (٣): أنا محمد بن يحيى بن أيوب بن إبراهيم الثقفي المروزي، أنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن جابر قال: "رمى رسول الله ﵇ الجمرة يوم النحر ضحى، فرمى بعد يوم النحر إذا زالت الشمس". وقال ابن ماجه (٤): ثنا حرملة بن يحيى البصري، قال: نا عبد الله بن وهب، ثنا ابن جريج، عن أبي الزبير، قال: "رأيت رسول الله ﵇ رمى جمرة العقبة ضحى، وأما بعد ذلك فبعد زوال الشمس". الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن سليمان بن حرب شيخ البخاري ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٥) نحوه. الثالث: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره.

стр. 4913

وأخرجه الدارمي في "سننه" (١): عن عبيد الله بن موسى، عن ابن جريج .. إلى آخره نحوه. قوله: "ضحى" أي في وقت الضحى. قوله: "ما سواها" أي رمى ما سوى جمرة العقبة بعد زوال الشمس، وهو اليوم الثاني والثالث والرابع. وقال مالك: وكان ابن عمر يقول: لا ترمي الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس. قلت: لا خلاف في ذلك، واختلفوا إذا رماها قبل الزوال، فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وجمهور العلماء: يعيد رميها بعد الزوال، وقال ابن حبيب عن مالك: هو كمن لم يرم، وقال أبو جعفر محمد بن علي: رمي الجمار من طلوع الشمس إلى غروبها، وقال الكاساني: أما وقت الرمي في اليوم الأول والثاني من أيام التشريق وهو اليوم الثاني والثالث من أيام الرمي فبعد الزوال، حتى لا يجوز الرمي فيهما قبل الزوال في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة، وروي عنه أن الأفضل أن يرمي اليوم الثاني والثالث بعد الزوال، فإن رمى قبله جاز، فإن أخّر الرمي فيهما إلى الليل فرمى قبل طلوع الفجر جاز ولا شيء عليه، وإذا رمى في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال فأراد أن ينفر من منى إلى مكة فله ذلك، والأفضل ألَّا يعجل بل يتأخر إلى آخر أيام التشريق، وهو اليوم الثالث منها، فيستوفي الرمي في الأيام كلها ثم ينفر. وأما وقت الرمي في اليوم الثالث من أيام التشريق وهو اليوم الرابع من أيام الرمي فالوقت المستحب له بعد الزوال، ولو رمى قبله يجوز عند أبي حنيفة خلافًا لهما، وهما يحتجان بالحديث المذكور، ولأبي حنيفة ما روي عن ابن عباس أنه قال: "إذا انتفج النهار من آخر أيام التشريق جاز الرمي" والظاهر أنه قال سماعًا عن رسول الله ﵇

стр. 4914

إذ هو باب لا يدرك بالرأي والاجتهاد، فصار اليوم الأخير من أيام التشريق مخصوصًا من حديث جابر بهذا الحديث، أو يحمل فعله في اليوم الأخير على الاستحباب، ولأن له أن ينفر قبل الرمي ويترك الرمي في هذا اليوم رأسًا، فإذا جاز له ترك الرمي أصلاً فلأن يجوز له الرمي قبل الزوال أولى. انتهى. قلت: حديث ابن عباس أخرجه البيهقي (١) من حديث طلحة بن عمرو، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: "إذا انتفج النهار من يوم النفر الآخر فقد حل الرمي والصدر". قلت: طلحة بن عمرو واه، ومعنى "انتفج" بالفاء والجيم: ارتفع. ص: وأما من طريق النظر فإنا قد رأيناهم أجمعوا أن من رمى جمرة العقبة لليوم الثاني بعد يوم النحر في الليل قبل طلوع الفجر أن ذلك لا يجزئه حتى يكون رميه لها في يومها، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك هي في يوم النحر لا يجوز أن تُرمى إلاَّ في يومها، وإن كان بعض يومها في ذلك أفضل من بعض، كما بعض اليوم الثاني الرمي فيه أفضل من الرمي في بعضه، وهلا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. ش: أي وأما وجهه من طريق النظر والقياس، فإنا قد رأينا الخصوم ... وهذا ظاهر. ص: وقد وجدت في كتاب عبد الله بن سويد بخطه، عن الأثرم -يعني أبا بكر- مما ذكر لنا عبد الله بن سويد، أن الأثرم أجازه لمن كتبه من خطه ذلك، وأجازه لنا عبد الله بن سويد، عن الأثرم، قال: قال لي أبو عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- حدثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة: "أن النبي ﵇ أمرها أن توافيه يوم النحر بمكة". ولم يسند ذلك غير أبي معاوية وهو خطأ.

стр. 4915

وقال أحمد: قال وكيع، عن هشام، عن أبيه -مرسل-: "أن النبي ﵇ أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكه". أو نحو هذا، [قال] (١) وهذا أيضًا عجب، قال أبو عبد الله: والنبي ﵇ ما يصنع بمكة يوم النحر؟! كأنه ينكر ذلك، فجئت إلى يحيى بن سعيد، فسألته فقال: عن هشام، عن أبيه: "أن النبي ﵇ أمرها أن توافي". وليس توافيه، قال: وبين هذين فرق، يوم النحر صلاة الفجر بالأبطح. قال: وقال لي يحيى: سل عبد الرحمن بن مهدي، فسألته، فقال: هكذا عن سفيان، عن هشام، عن أبيه: "توافي"، ثم قال لي أبو عبد الله: رحم الله يحيى، ما كان أضبطه وأشد تفقده، كان محدثًا، وأثنى عليه فأحسن الثناء عليه. ش: لما بين فيما مضى أن حديث حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أم سلمة مضطرب، وأنه رُوي على خلاف ذلك، ثم أخرجه عن ربيع، عن أسد، عن محمد بن خازم -وهو أبو معاوية- عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت: "أمرها رسول الله ﵇ يوم النحر أن توافي صلاة الصبح بمكه" ثم قال: ولما اضطرب حديث هشام بن عروة، لم يكن العمل بما رواه حماد بن سلمة أولى مما رواه محمد بن خازم نبَّه ها هنا أن حديث معاوية أيضًا خطأ؛ لأنه وجد في كتاب عبد الله بن سويد، وكان قد كتب بخطه، عن أبي بكر الأثرم، وهو أحمد بن محمد بن هانئ الطائي تلميذ الإِمام أحمد بن حنبل ﵀: الحافظ الحاذق المصنف، توفى سنة ست وتسعين ومائتين، وقال: قال لي أحمد بن حنبل: ثنا أبو معاوية ... إلى آخره. ثم قال أحمد: لم يسند ذلك غير أبي معاوية وهو خطأ ثم بين أنه مرسل، وقال: قال وكيع: عن هشام، عن أبيه -وهو عروة-: "أن النبي ﵇ أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة" ثم تعجب من ذلك على وجه الإِنكار حيث قال: والنبي ﵇ ما يصنع بمكة يوم النحر؟!

стр. 4916

وقال أبو الوليد بن رشد: يحتمل أن يكون في الحديث تقديم وتأخير، وتقديره: أمرها يوم النحر أن توافي صلاة الصبح بمكة. فيسقط احتجاج الشافعي به لمذهبه الذي شذ فيه عن الجمهور. وقال ابن المنذر في "الإِشراف": لا يجزئ الرمي قبل طلوع الفجر بحال إذْ فاعله مخالف ما سنه الرسول ﵇ لأمته، ولو رمى بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس لا يعيد، إذ لا أعلم أحدًا قال يجزئه ولو اختلفوا فيه لأوجبت الإِعادة. قوله: "فجئت إلى يحيى بن سعيد" أي قال أحمد: جئت إلى يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التميمي البصري الأحول الحافظ، "فسألته" أي عن الحديث المذكور، فقال: عن هشام، عن أبيه: "أن النبي ﵇ أمرها أن توافي" وليس توافيه، أراد لفظ الحديث "أن توافي" بدون الضمير المنصوب فيه وليس لفظه أن توافيه بالضمير المنصوب الذي يرجع إلى النبي ﵇، لأنه إذا كان بالضمير؛ يلزم أن يكون النبي ﵇ بمكة يوم النحر وقت صلاة الصبح وهذا لم يكن، ولأجل هذا قال يحيى بن سعيد: "وبين هذين فرق" أي بين قوله "توافي" وقوله "توافيه" وعن هذا قال البيهقي في كتابه "الخلافيات": "توافي" هو الصحيح فإنه ﵇ لم يكن معها بمكة وقت صلاة الصبح يوم النحر. قوله: "يوم النحر صلاة الصبح" يتعلق بقوله: "أمرها أن توافي"؛ لأن قوله: "يوم النحر" ظرف لقوله: "توافي" وقوله: "وليس توافيه" وقوله: "قال وبين هذين فرق"، كلها جمل معترضة بينها فافهم. قوله: "قال: وقال لي يحيى: سل عبد الرحمن بن مهدي" أي قال أحمد: قال لي يحيى بن سعيد المذكور: سل عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري اللؤلؤي البصري، يعني عن هذا الحديث، فقال: هكذا عن سفيان الثوري، عن هشام، عن أبيه "توافى" يعني بدون الضمير المنصوب.

стр. 4917

قوله: "ثم قال لي أبو عبد الله" يعني أحمد بن حنبل "رحم الله يحيى" يعني ابن سعيد القطان، إنما دعا له بالرحمة وأثنى عليه؛ لكونه كثير الاحتياط في نقل الحديث، شديد التفقد في ضبطه، ألا ترى لما سأله أحمد عن هذا الحديث فأجاب بما أجابه، ثم قال له: سل عبد الرحمن بن مهدي؟ ولم يكن هذا إلاَّ من غاية احتياطه في أمر الحديث، وقد قال علي بن المديني: ما رأيت أعلم بالرجال من يحيى ابن سعيد القطان، ولا رأيت أحدًا أعلم بصواب الحديث والخطأ من عبد الرحمن ابن مهدي، فإذا اجتمع يحيى وعبد الرحمن على ترك حديث رجل تركت حديثه، وإذا حدّث عنه أحدهما حدثت عنه. ***

стр. 4918

ص: باب: الرجل يدع رمي جمرة العقبة يوم النحر ثم يرميها بعد ذلك ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يترك رمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس يوم النحر ثم يرميها بعد يوم النحر كيف يكون حكمه. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثنى عمر بن قيس، عن عطاء، عن ابن عباس، أن رسول الله ﵇ قال: "الراعي يرعى بالنهار ويرمي بالليل". ش: يونس هو ابن عبد الأعلى شيخ مسلم أيضًا، وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري روى له الجماعة، وعمر بن قيس المكي المعروف بسندل فيه مقال، فعن أحمد: متروك الحديث ليس يسوى حديثه شيئًا، لم يكن حديثه بصحيح، أحاديثه بواطيل. وعن يحيى: ضعيف الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. روى له ابن ماجه حديثين، أحدهما: "الحج واجب والعمرة تطوع"، والآخر: "وإذا أحدث في الصلاة فليأخذ بأنفه". وعطاء هو ابن أبي رباح المكي. وأخرجه البيهقي فى "سننه" (١) من حديث عبد الله بن وهب، أخبرني عمر بن قيس، عن عطاء، سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله ﵇: "الراعي يرمي بالليل ويرعى بالنهار". ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب أبو حنيفة ﵁ إلى أن في هذا الحديث دلالة على أن الليل والنهار وقت واحد للرمي، فقال: إن ترك رجل رمي جمرة العقبة في يوم النحر، ثم رماها بعد ذلك في الليلة التي بعدها فلا شيء عليه، وان لم يرمها حتى أصبح من غد رَماها وعليه دم، لتأخيره إياها إلى خروج وقتها وهو طلوع الفجر من يومئذ، وخالفه في ذلك أبو يوسف ومحمد -رحمهما الله- فقالا: إذا ذكرها في شيء

стр. 4919

من أيام الرمي رماها ولا شيء عليه غير ذلك من دم ولا غيره، وإن لم يذكرها حتى مضت أيام الرمي فذكرها لم يرمها وكان عليه في تركها دم. ش: استدل أبو حنيفة بالحديث المذكور على أن الليل وقت للرمي كالنهار، فقال: لو رمى جمرة العقبة في الليلة التي بعدها يوم النحر جاز ولا شيء عليه، وإن أخرها من هذه الليلة حتى أصبح من اليوم الثاني رماها ولكن عليه دم لتأخيره إياها عن وقتها. وقال أبو يوسف ومحمد: لا شيء عليه. والخلاف يرجع في ذلك إلى أن الرمي مؤقت عند أبي حنيفة، وعندهما ليس بمؤقت، حتى لا يجب الدم عندهما إلاَّ بتأخيره عن أيام الرمي كلها، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، وذكر في شرح "الموطإ" للإِشبيلي، وقال الشافعي: من أخر أو نسي شيئًا من الرمي أيام منى قضى ذلك أيام منى، فإن مضت أيام منى ولم يرم أراق دمًا إن كان الذي ترك ثلاث حصيات، وإن كان أقل تصدق عن كل حصاة بِمُدٍّ، وقال الزهري وعطاء بن أبي رباح: من نسي أن يرمي نهارًا فليرم ليلاً، فإن مضت أيام منى أهراق دمًا، وقال عطاء: إذا غابت الشمس من آخر أيام التشريق فقد انقطع الرمي، وقد روي أن الرمي يفوت بطلوع الفجر في آخر أيام التشريق، وهي رواية شاذة، وقال عروة: من فاته الرمي بالنهار لم يرم ليلاً وأخره إلى الغد؛ لأنه لما أرخص النبي ﵇ للرعاء في الرمي ليلاً دل على أن الرمي بالنهار أفضل. وقال مالك: إن رمى جمرة العقبة بعد الغروب فأحبّ إلَّي أن يهريق دمًا، وإن أخرها إلى أيام التشريق كان عليه هدي، وسئل مالك عمن نسي رمي جمرة من الجمار في بعض أيام منى حتى يمسي قال: ليرم آية ساعة ذكر من ليلى أو نهار، كما يصلي الصلاة إذا نسيها، فإن كان ذلك بعذر بعدما صدر وهو بمكة، أو بعدما يخرج منها فعليه هدي، وفي "الأحكام" لابن بزيزة: رمي جمرة العقبة هل هو ركن أم لا؟ فيه قولان، والمشهور أن من حج ولم يرمها فحجه

стр. 4920

صحيح ويؤمر بالرمي ما لم تفت أيام الرمي، والشاذ بطلان حجه، وبه يقول عبد الملك، وإذا ترك الرمي عند الجمرة الأولى والوسطى، فهل يعيد ما بعدها إذا أداها أو إنما يعد المتروك فقط؟ فيه قولان، والمشهور أن الترتيب غير واجب، وإذا ترك حصاة واحدة فهل يعيد الجمرة كلها أو يرمي حصاة واحدة فقط؟ فيه قولان في المذهب، والأقيس أن يعيد الحصاة وحدها، وقيل: يعيد الجمرة كلها، وفيه قول ثالث: أنه إذا تذكرها يوم الأداء أعاد الجمرة وحدها، وإن تذكرها يوم القضاء أعاد الجمرة من أصلها، وإذا ترك حصاة ولم يدر موضعها، فقيل: لا يعيد شيء، وقيل: يجعل الجميع عن واحدة، وقال أهل الظاهر: من ترك رمي الجمار فلا شيء عليه. فإن قيل: كيف يستدل أبو حنيفة ﵀: بالحديث المذكور وهو ضعيف كما بيناه؟!. قلت: روي الحديث المذكور من طرق متعددة عن ابن عباس وابن عمر ﵃ فيشد ما ضعف منها بما قوى، فيصح الاحتجاج حينئذ. وأخرج الطبراني في "الكبير" (١): ثنا معاذ بن المثنى، نا مسدد، نا خالد، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي قرة، عن عطاء، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ رخص للرعاء أن يرموا ليلاً". وأخرج البيهقي في "سننه" (٢): من حديث الصغاني، ثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا مسلم بن خالد، عن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ رخص للرعاء أن يرموا بالليل". قال الذهبي: مسلم ليّن.

стр. 4921

وقال مالك في "موطإه" (١): حدثني يحيى بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، أنه سمعه يذكر "أنه أرخص للرعاء أن يرموا بالليل". وقال الإِشبيلي في "شرحه": روى الحديث المذكور يحيى القطان، عن مالك بإسناده: "أنه ﵇ رخص للرعاء في البيتوتة، يرمون يوم النحر واليومين اللذين بعده، يجمعونها في أحدهما". وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا ابن عيينة، عن ابن جريج، عن عطاء: "أن النبي ﵇ رخص للرعاء أن يرموا ليلًا". وثئا حماد (٣) بن خالد، عن ابن أبي ذئب، عن عطاء: "أن عمر ﵁ رخص للرعاء أن يبيتوا عن منى، قال: فذكرت ذلك [للزهري فقال] (٤): الرعاء يرمون ليلاً ولا يبيتون". وفي "الأحكام" لابن بزيزة: وقد صح أن رسول الله ﵇ رخص لرعاة الإِبل أن يرموا ليلاً وأن يرموا من الغد. ص: واحتج محمد بن الحسن في ذلك على أبي حنيفة بما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي البداح، عن عاصم بن عدي: "أن النبي ﵇ رخص للرعاء أن يتعاقبوا، وكانوا يرمون غدوة يوم النحر، ويدعون ليلة ويومًا، ثم يرموا في الغد". ففي هذا الحديث أنهم كانوا يرمون غدوة يوم النحر، ثم يدعون يومًا وليلة ثم يرمون من الغد، فقد كانوا يرمون رمي اليوم الثاني في اليوم الثالث، ولم يكن ذلك بموجب عليهم دمًا، ولا بموجب أن حكم اليوم الثالث في الرمي لليوم الثاني

стр. 4922

خلاف حكم اليوم الرابع، ففي ذلك دليل أن من ترك رمي جمرة العقبة في يوم النحر فذكرها في شيء من أيام التشريق أن يرمي ولا شيء عليه. ش: أي احتج محمد بن الحسن الشيباني على أبي حنيفة في قوله: "إذا أخر رمي جمرة العقبة حتى أصبح من غد اليوم الثاني من النحر رماها ولكن عليه دم" بحديث عاصم بن عدي، فإنه يخبر أن الرعاء كانوا يرمون غدوة يوم النحر، ثم يتركون يومًا وليلة ثم يرمون من الغد، فقد كان رميهم اليوم الثاني في اليوم الثالث ولم يكن ذلك يوجب عليهم دمًا، ففيه دليل على أن ترك رمي جمرة العقبة في يوم النحر فذكرها في شيء من أيام التشريق أن يرميها ولا شيء عليه. ولقائل أن يقول: هذه رخصة للرعاء أن يجمعوا رمي يومين في يوم واحد، قدموا ذلك أو أخروه، وهذا يستلزم وجوب الدم في حق غيرهم إذا تركوا رمي جمرة العقبة إلى غد اليوم الثاني؛ لأن تأخير الرمي عن وقته بمنزلة تركه، ورمي جمرة العقبة يوم النحر نسك تام فكما أن تركه يوجب الدم، كذلك تأخيره عن وقته. ثم إنه أخرج حديث عاصم بن عدي بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج، عن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بن زيد الأنصاري المدني قاضي المدينة أخي عبد الله بن أبي بكر، وكان إكبر من عبد الله، وثقه غير واحد، وروى له الشيخان وأبو داود وابن ماجه. عن أبيه أبي بكر بن محمد الأنصاري المدني، يقال: إن اسمه أبو بكر وكنيته أبو محمد، ويقال: اسمه وكنيته واحد، روى له الجماعة. عن أبي البداح -بفتح الباء الموحدة وتشديد الدال المهملة وفي آخره حاء مهملة- واسمه عدي بن عاصم بن عدي الأنصاري، ويقال: أبو البداح لقب عليه ويكنى أبا عمرو، وقال ابن سعد: كان ثقة. روى له الأربعة.

стр. 4923

عن عاصم بن عدي بن الجدِّ بن العجلان القضاعي شهد أُحدًا ولم يشهد بدرًا، وكان رسول الله ﵇ استعمله على أهل قباء وأهل العالية، وضرب له سهمه، فكان كمن شهدها، وأخرجه الأئمة الأربعة، وأخرجه البيهقي (١) بإسناد الطحاوي من حديث ابن جريح، ثنا محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي البداح، عن عاصم بن عدي: "أن النبي ﵇ رخص للرعاء أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر، ثم يدعوا يومًا وليلة، ثم يرموا الغد". وقال أبو داود (٢): ثنا ابن السرح، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن أبي البداح بن عاصم، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ أرخص لرعاء الإِبل في البيتوتة، يرمون [يوم] (٣) النحر، ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر". ثئا مسدد (٤)، قال: نا سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر ومحمد، عن أبيهما، عن أبي البداح بن عدي، عن أبيه: "أن النبي ﵇ أرخص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا". وقال الترمذي (٥): نا ابن أبي عمر، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن أبي البداح بن عاصم [بن] (٦) عدي، عن أبيه: "أن النبي ﵇ أرخص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا".

стр. 4924

قال أبو عيسى: هكذا رواه ابن عيينة، ورواه مالك (١): عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه، ورواية مالك أصح. وقال النسائي (٢): أنا الحسن بن حريث ومحمد بن المثنى، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه: "أن النبي ﵇ رخص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا". وأخرجه أيضًا (٣) عن عمرو بن علي، عن يحيى، عن مالك ... إلى آخره نحو رواية أبي داود. وقال ابن ماجه (٤): نا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبي البداح بن [عاصم] (٥)، عن أبيه: "أن النبي ﵇ رخص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا". وأخرجه (٦) عن محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن مالك أيضًا، وعن أحمد بن سنان، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك. وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (٧): ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، نا محمد بن عبد الوهاب بن حبيب، نا خالد بن مخلد، ثنا مالك بن أنس. وأنا أبو عبد الله الصفار، نا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر.

стр. 4925

ونا أبو بكر بن إسحاق الفقية، نا بشر بن موسى، ثنا الحميدي، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي البداح بن عدي، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ رخص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا". هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه. وقال الترمذي أيضًا: هذا حديث حسن صحيح. قوله: "للرعاء" بكسر الراء، جمع راعي الغنم، وقد يجمع على رُعاء بالضم. قوله: "أن يتعاقبوا" أي بأن يتعاقبوا و"أن" مصدرية، والمعنى: رخص لهم بالتعاقب وهو التناوب بينهم في الرمي، وهو أن يرموا نوبة ويتركوه أخرى، وأصل التعقيب أن يعمل عمل ثم يعاد فيه. قوله: "يدعون" أي يتركون. قوله:"يرمون الغد وبعد الغد" في رواية أبي داود يعني الغد من يوم النحر. قوله: "ثم يرمون يوم النفر" يحتمل أن يريد ثاني أيام منى، يريد النفر الأول، وأراد به تفسير أحد اليومن اللذين يرمي لهما، ويكون فائدة قوله: "ثم يرمون ليوم النفر" أنه لا يجوز أن يرمي لليوم الثاني حتى يكمل رمي الأول، ويحتمل أن يريد بقوله: "ثم يرمون يوم النفر" اليوم الثالث لمن لم يتعجل. ص: ثم النظر في ذلك يشهد لهذا القول أيضًا، وذلك أنا رأينا أشياء تفعل في الحج الدهر كله، وقت لها منها السعي بين الصفا والمروة، وطواف الصدر ومنها أشياء تفعل في وقت خاص هو وقتها خاصة، منها رمي الجمار، وكان ما الدهر وقت له من هذه الأشياء متى فُعل فلا شيء على فاعله مع فعله إياه من دم ولا غيره، وما كان منها له وقت خاص من الدهر إذا لم يفعل في وقته وجب على تاركه الدم، وكان ما كان منها يفعل لبقاء وقته فلا شيء على فاعله غير فعله إياه، وما كان منها لا يفعل لعدم وقته وجب مكانه الدم، وكانت جمرة العقبة إذا

стр. 4926

رُميت من غد يوم النحر قضاء عن رمي يوم النحر فقد رُميت في يوم هو من وقتها، ولولا ذلك لما أمر برميها كما لا يؤمر تاركها إلى بعد انقضاء أيام التشريق برميها بعد ذلك، فلما كان اليوم الثاني من أيام النحر هو وقت لها، وقد ذكرنا ما قد أجمعوا عليه أن ما فعل في وقته من أمور الحج فلا شيء على فاعله، كان كذلك هذا الرامي لما رماها في وقتها فلا شيء عليه. ش: أي ثم النظر وهو القياس "في ذلك" أي الخلاف المذكور "يشهد لهذا القول" أي قول محمد في أن من أخر رمي جمرة العقبة إلى غد اليوم الثاني أنه يرميها ولا شيء عليه. قوله: "الدهر" مرفوع بالابتداء، وكله مرفوع لأنه تابع وخبره قوله: "وقت لها". قوله: "منها السعي بين الصفا والمروة" أراد أنه ليس له وقت مخصوص، فأي وقت فعله جاز، ولكن أجمعوا أن السنة الخروج إلى الصفا عند انقضاء الطواف وركعتيه. وفي "شرح الموطإ" للإِشبيلي: ومن طاف فلا ينصرف إلى بيته حتى يسعى إلا من ضرورة يخاف فواتها أو يتعذر المصير لها ويرجو بالخروج ذهابها كالخوف على المنزل، وكره الخروج للمرض لأنه لا يذهب بالخروج، فإن فعل، فروي عن محمد عن مالك يبتدئ طوافه، والظاهر من المذهب أنه إن لم يبتد حين رجع فعليه دم. قلت: فهم من هذا أن السعي بين الصفا والمروة له وقت مخصوص عند مالك، ألا ترى كيف أوجب الدم إذا لم يبتدئه عقيب الطواف من غير ضرورة، ونوقش في كلام الطحاوي من وجه آخر، وهو أنه يفهم من كلامه أنه إذا سعى بين الصفا والمروة قبل طوافه بالبيت ينبغي أن يعتد به، لأنه ليس له وقت مخصوص، مع أنهم قالوا: لا يعتد به ويعيد بعد طوافه.

стр. 4927

قال أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء "في رجل بدأ بالصفا والمروة قبل البيت، قال: يعيد". قلت: هذا ليس بشيء؛ لأن ما ذكره من أن السعي بين الصفا والمروة ليس له وقت مخصوص معناه بعد حلول ابتداء أوانه لا يكون له وقت مخصوص بيوم، وأوان ابتدائه عقيب الطواف بالبيت، ثم بعد ذلك أي وقت كان يسعى فيه بينهما ولا يعين له وقت معلوم، على أنه إذا قدّم السعي على الطواف ثم بعد ذلك أي وقت كان يسعى فيه بينهما أمسى عليه، قالوا: قد قضى ما عليه ولا شيء عليه. قال ابن أبي شيبة (٢): حدثنا محمد بن جعفر، عن أشعث، عن الحسن قال: "لا يعتد بالسعي بين الصفا والمروة قبل الطواف بالبيت، يطوف بالبيت ثم يطوف بين الصفا والمروة، فإن لم يفعل حتى يمسي قال: قد قضى ما عليه ولا شيء عليه". قوله: "وكان ما الدهر" أي وكان الشيء الذي الدهر وقت له. ص: فإن قال قائل: إنما أوجبنا عليه الدم بتركه رميها يوم النحر وفي الليلة التي بعده للإِساءة التي كانت منه في ذلك. قيل له: فقد رأينا تارك طواف الصدر حتى يرجع إلى أهله وتارك السعي بين الصفا والمروة حتى يرجع إلى أهله مسيئين، وأنت تقول إنهما إذا رجعا ففعلا ما تركا من ذلك أن إساءتهما لا توجب عليهما دمًا، لأنهما قد فعلا ما فعلا من ذلك في وقته، فكذلك الرامي في اليوم الثاني من أيام منى جمرة العقبة، لما كان وجب عليه في يوم النحر يكون راميًا لها في وقتها، فلا

стр. 4928

شيء عليه في ذلك غير رميها، هذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي يوسف ومحمد ﵏. ش: هذا السؤال وجوابه ظاهران، ولقائل أن يقول: كان ينبغي أن يجب الدم لتأخيره، وإن كان قد أتى به كما في الصلاة إذا أخر شيئًا من واجباتها فإن سجدة السهو لا تسقط عنه وإن كان يأتي بما يتركه. قوله: "مسيئين" بالنصب لأنه مفعول ثان لرأينا، وهو تثنية مسيء، لأنه في الحقيقة خبر عن اثنين وهما قوله: "تارك طواف الصدر"، وقوله: "تارك السعي". قوله: "لما كان وجب عليه" بلام التعليل و"ما" مصدرية، أي لأجل كون وجوب الرمي عليه في يوم النحر، فافهم. ***

стр. 4929

ص: باب: التلبية متى يقطعها الحاج ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم التلبية في قطعها متى يكون، وقد عرف أن التلبية هي قول الحاج: لبيك اللهم لبيك ... إلى آخره. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا عبد العزيز ابن عبد الله بن أبي سلمة -هو الماجشون- عن عمر بن حسين، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر ﵁ أنه قال: "كنا مع رسول الله ﵇ صبيحة عرفة، فمنا المهل ومنا المكبر، فأما نحن فنكبر ونحن مع رسول الله ﵇ قال: فقلت له: العجب لكم كيف لم تسألوه ما قد كان رسول الله ﵇ يفعل في ذلك؟! ". ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وعمر بن حسين بن عبد الله الجمحي أبو قدامة المكي قاضي المدينة، وثقه النسائي وابن حبان وروى له مسلم وأبو داود. وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون والد عبد العزيز المذكور، وثقه النسائي وابن حبان وروى له مسلم وأبو داود. وأبو سلمة اسمه ميمون، ويقال: دينار. وعبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن المدني، روى له الجماعة سوى ابن ماجه. وأخرجه مسلم (١): حدثني محمد بن حاتم، وهارون بن عبد الله، ويعقوب الدورقي، قالوا: ثنا يزيد بن هارون ... إلى آخره نحوه، غير أن لفظه: "في غداة عرفة". وفي لفظه أيضًا: "قلت: والله لعجبا منكم كيف لم تقولوا له: ماذا رأيت رسول الله يصنع؟! ".

стр. 4930

وأخرجه أبو داود (١) أيضًا: ثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا عبد الله بن نمير، قال: نا يحيى، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: "غدونا مع رسول الله ﵇ من منى إلى عرفات، منا الملبي ومنا المكبر". قوله: "صبيحة عرفة" أي غداة عرفة كما جاء هكذا في رواية مسلم. قوله: "قال: فقلت له" أي قال عبد الله بن أبي سلمة لعبد الله بن عبد الله: كيف لم تسألوا عبد الله بن عمر بن الخطاب ما قد كان رسول الله ﵇ يفعل في ذلك؟ أي فيما قلتم من الإِهلال والتكبير. ص: حدثنا محمد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا أبو معاوية الضرير، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن أسامة بن زيد أنه قال: "كنت رِدْف رسول الله ﵇ عشية عرفة، فكان لا يزيد على التكبير والتهليل، وكان إذا وجد فجوة نصَّ". ش: إسناده صحيح، وأبو معاوية اسمه محمد بن خازم روى له الجماعة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢) من حديث هشام بن عروة ... إلى آخره، وليس فيه: "ولا يزيد على التكبير والتهليل" وفيه: "فكان رسول الله ﵇ إذا التحم عليه الناس أعنق وإذا وجد في فرجة نص". ويعارض هذا ما رواه الحديث في "مسنده" من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن أسامة، وفيه: "فلم يزل يلبي رسول الله ﵇ في ذلك حتى دخل جمعًا". قوله: "كنت رِدْف رسول الله ﵇" بكسر الراء وسكون الدال، وهو المرتدف، وهو الذي يركب خلف الراكب، وكذلك الرديف، وهكذا في لفظ أحمد. قوله: "إذا وجد فجوة" وهي ما اتسع من الأرض، وقيل: ما اتسع منها وانخفض، وقال النووي: "رواه بعضهم في "الموطإ" بضم الفاء وفتحها

стр. 4931

والفجواء بالمد كالفجوة، وفي "المطالع": فجوة أي سعة من الأرض، والفجواء المتسع من الأرض يخرج إليه من ضيق، وقد روى في "الموطإ": فرجة، وهي رواية يحيى وبكير وأبي مصعب، وعند ابن القاسم والقعنبي: فجوة، قلت: وكذا في رواية أحمد: فرجة. قوله: "نصَّ" أي رفع في سيرة وأسرع، والنص منتهى الغاية في كل شيء، قاله في "المطالع" وقال غيره: النص، والنصيص في السير أن تسار الدابة أو البعير سيرًا شديدًا حتى يستخرج أقصى ما عنده، ونص كل شيء منتهاه. قوله: "أعنق" من العنق وهو أدنى المشي وهو أن يرفع الفرس يديه، ليس برفع هملجة ولا هرولة، وفي "التهذيب" للأزهري: العَنَق، والعَنِيق: ضرب من السير، وقد أعنقت الدابة، وقال ابن سيدة: فهي معنق ومعناق وعنيق. وقال صاحب "الكفاية": العَنَق ضرب من سير الإِبل وهو المشي السرع الذي يتحرك فيه عنق البعير فقال: أعنق البعير يُعْنِق إعناقًا وفي "الموعب": العنق سير مسيطر يعني سهل تمد فيه الدابة عنقها للإِستقامة وهو دون الإِسراع، وقال صاحب "المحل": وهو نوع من سير الدواب طويل. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا وهب، أن مالكًا، حدثه عن محمد بن أبي بكر الثقفي: "إنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان إلى عرفة، كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم مع رسول الله ﵇؟، قال: كان يهل المهل منا فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه". ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح. أخرجه مالك في "موطإه" (١)، والبخاري (٢): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.

стр. 4932

ومسلم (١): عن يحيى، عن مالك. والنسائي (٢): عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن مالك. قوله: "وهما غاديان" أي ذاهبان إلى عرفة، والجملة حالية. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أحمد بن صالح، قال: ثنا ابن أبي فديك، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن أبي بكر، عن أبيه قال: "أدركت أنس بن مالك ونحن غاديان من منى إلى عرفات، فقلت له: كيف كنتم تصنعون في هذه الغداة؟ قال: سأخبرك، كنت في ركب فيهم رسول الله ﵇ فكان يهل المهل فلا ينكر عليه، ويكبر المكبر فلا ينكر عليه، ولست أثبت ما فعل رسول الله ﵇ من ذلك". ش: إسناده صحيح، وأحمد بن صالح أبو جعفر المصري يعرف بابن الطبري، كان أحد الحفاظ المبرزين والأئمة المذكورين، روى عنه البخاري وأبو داود. وابن أبي فديك هو محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك -واسمه دينار- أبو إسماعيل المدني، روى له الجماعة. وعبد الله بن محمد بن أبي بكر الثقفي المدني رجل مشهور بالرواية عن أبيه، وأبو محمد بن أبي بكر الثقفي روى له البخاري ومسلم والنسائي. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، قال: "سألت جابر بن عبد الله عن الإِهلال يوم عرفة، فقال: كنا نهل ما دون عرفة ونكبر يوم عرفة". ش: ابن أبي داود هو إبراهيم البرلسي، وعبد الله بن صالح وراق الليث بن سعد وشيخ البخاري، وابن لهيعة هو عبد الله بن لهيعة المصري وثقه أحمد وإن كان غيره تكلم فيه، وأبو الزبير محمد بن مسلم المكي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا.

стр. 4933

ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الحاج لا يلبي في عرفة، واختلفوا في قطعه التلبية متى ينبغي أن يكون؟ فقال قوم: حين يتوجه إلى عرفات، وقال قوم: حين يقف بعرفات، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن المسيب ومحمد بن أبي بكر الثقفي ومالكًا وأصحابه وأكثر أهل المدينة؛ فإنهم قالوا: الحاج لا يلبي في عرفة، بل يكبر ويهلل، وروي ذلك عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وجابر بن عبد الله ثم اختلفوا متى يقطع التلبية؟ فقال قوم وهم سعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وأصحابه: يقطعها إذا توجه إلى عرفات، وروي نحو ذلك عن عائشة وعثمان، وروي عنهما خلاف ذلك، وقال قوم: وهم الزهري والسائب بن يزيد وسليمان بن يسار وسعيد بن المسيب في رواية: يقطعها حين يقف بعرفات، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص. قوله: "احتجوا" أي هؤلاء الأقوام كلهم احتجوا في ترك التلبية في عرفات بالأحاديث المذكورة. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يلبي الحاج حتى يرمي جمرة العقبة. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح وطاوسًا وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والحسن ابن حيي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وداود ابن علي وأبا عُبيد والطبري؛ فإنهم قالوا: يلبي الحاج ولا يقطع التلبية حتى يرمي جمرة العقبة، روي ذلك عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وميمونة ﵃. ثم اختلف بعض هؤلاء، فقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور: يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها من جمرة العقبة، وقال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل النظر والأثر: لا يقطعها حتى يرمي جمرة العقبة بأسرها، قالوا: وهو

стр. 4934

ظاهر الحديث: "أن رسول الله ﵇ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة" ولم يقل: حتى رمى بعضها. قلت: روى البيهقي (١): من حديث شريك، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل، عن عبد الله: "رمقت النبي ﵇ فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة". فإن قيل: أخرج ابن خزيمة في "صحيحه" (٢): عن الفضل بن عباس قال: "أفضت مع رسول الله ﵇ من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة". قلت: قال البيهقي: هذه زيادة غريبة ليست في الروايات عن الفضل، وإن كان ابن خزيمة قد اختارها، وقال الذهبي: فيه نكارة. وقوله: "يكبر مع كل حصاة" يدل على أنه قطع التلبية مع أول حصاة، وهذا ظاهر لا يخفى. فإن قيل: هذا حكم الحاج، فما حكم المعتمر؟. قلت: قال قوم: يقطع المعتمر التلبية إذا دخل الحرم، وقال قوم: لا يقطعها حتى يري بيوت مكة، وقال قوم: حتى يدخل بيوت مكة، وقال أبو حنيفة: لا يقطعها حتى يستلم الحجر، فإذا استلمه قطعها. وقال الليث: إذا بلغ إلى الكعبة قطعها. وقال الشافعي: لا يقطعها حتى يفتتح الطواف. وقال مالك: إن أحرم من الميقات قطعها إذا دخل الحرم، وإن أحرم من الجعرانة أو من التنعيم قطعها إذا دخل بيوت مكة، أو إذا دخل المسجد، واستدل أبو حنيفة

стр. 4935

بما رواه وكيع، عن عمر بن ذر، عن مجاهد، قال: قال ابن عباس: "لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الركن". وقال ابن حزم: والذي نقول به فهو قول ابن مسعود، أنه لا يقطعها حتى يتم جميع عمل العمرة. ص: وقالوا: لا حجة لكم في هذه الآثار التي احتججتم بها علينا؛ لأن المذكور فيها أن بعضهم كان يكبر وبعضهم كان يهل لا يمنع أن يكونوا فعلوا ذلك، ولهم أن يلبوا، فإن الحاج فيما قبل يوم عرفة له أن يكبر وله أن يهل وله أن يلبي، فلم يكن تكبيره وتهليله يمنعانه من التلبية، فكذلك ما ذكرتموه من تهليل رسول الله ﵇ وتكبره يوم عرفة لا يمنع ذلك من التلبية. ش: أي قال هؤلاء الآخرون لأهل المقالة الأولى: لا حجة لكم في الآثار المذكورة، وهي أحاديث ابن عمر وأسامة بن زيد وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله ﵃، أراد أن احتجاج هؤلاء بهذه الأحاديث غير تام، لأن المذكور فيها التكبير والتهليل وهو لا يستلزم نفي وجود التلبية، وكذلك ما ذكروا من تهليل رسول الله ﵇ وتكبيره يوم عرفة لا يستلزم نفي تلبيته، وهذا ظاهر. ص: وقد جاءت عن رسول الله ﵇ آثار متواترة بتلبيته بعد عرفة إلى أن رمي جمرة العقبة، فمن ذلك: ما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا سعيد بن سليمان، قال: ثنا عباد بن العوام، عن محمد بن إسماعيل، عن أبان بن صالح، عن عكرمة قال: "وقفت مع الحسين بن علي ﵄ فكان يلبي حتى رمي جمرة العقبة، فقلت: يا أبا عبد الله ما هذا؟ فقال: كان أبي يفعل [ذلك] (١)، فقال عبد الله بن عباس: صدق، أخبرني الفضل أخي أن رسول الله ﵇ لبي حتى انتهى إليها، وكان رديفه".

стр. 4936

حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسحاق بن منصور، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل: "أن رسول الله ﵇ لبى حتى رمي جمرة العقبة". حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم بن مالك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل قال: "كنت ردف النبي ﵇ ... " فذكر مثله. حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا يحيى بن عيسى (ح). وحدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قالا: ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ لبى حتى رمي جمرة العقبة". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن قيس، عن عطاء، عن ابن عباس، عن الفضل، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: لما بين أن الآثار المذكورة لا تدل على نفي التلبية، أتى بشواهد تدل على صحة ما قاله، فإنه قد جاءت أحاديث متواترة أي متكاثرة متظاهرة الأسانيد بتلبية النبي ﵇ بعد عرفة إلى أن رمي جمرة العقبة، فمنها ما أخرجه عن الفضل بن عباس وأخيه عبد الله بن عباس ﵃ من ست طرق صحاح: الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن سعيد بن سليمان الضبي الواسطي المعروف بسعدون شيخ البخاري وأبو داود، عن عباد بن العوام بن عمر بن عبد الله الواسطي روى له الجماعة، عن محمد بن إسحاق بن يسار احتجت به الأربعة واستشهد به البخاري وروى له مسلم مقرونًا بغيره، عن أبان بن صالح بن عمير المدني وثقه يحيى وأبو زرعة والعجلي وروى له الأربعة واستشهد به البخاري، عن عكرمة مولى ابن عباس روى له الجماعة.

стр. 4937

وأخرجه البيهقي (١): من حديث ابن إسحاق، حدثني أبان بن صالح، عن عكرمة قال: "أفضت مع الحسين ﵁ فما أزال أسمعه يلبي حتى رمي جمرة العقبة، فلما قذفها أمسك، فقلت: ما هذا؟ فقال: رأيت أبي علي بن أبي طالب يلبي حتى رمى جمرة العقبة، وأخبرني أن رسول الله ﵇ كان يفعل ذلك". انتهى. في هذا الحديث أربعة من الصحابة يخبرون أن رسول الله ﵇ كان يلبي إلى أن ينتهي [من] (٢) جمرة العقبة وهم: الحسن بن علي وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأخوه الفضل بن عباس ﵃. الثاني: عن علي بن معبد أيضًا، عن إسحاق بن منصور السلولي الكوفي روى له الجماعة، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣) بأتم منه: نا حجين بن المثنى وأبو أحمد الزبيري المعني، قالا: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس -قال أبو أحمد: حدثني الفضل بن عباس- قال: "كنت ردف النبي ﵇ حين أفاض من المزدلفة، وأعرابي يسايره وردفه ابنة له حسناء، قال الفضل: فجعلت انظر إليها، فتناول رسول الله ﵇ بوجهي يصرفني عنها، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة". الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن علي بن معبد بن شداد أحد أصحاب محمد بن الحسن، عن عُبيد الله بن عمرو الرقي الجزري، عن عبد الكريم بن مالك الجزري الحراني، عن سعيد بن جبير ... إلى آخره.

стр. 4938

وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا إبراهيم بن عبد الله، قال: ثنا أحمد بن عبد الله، قال: ثنا زهير، عن عبد الكريم وخصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس ﵃: "أن النبي لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة". قوله: "كنت ردف رسول الله ﵇" أي رديفه. الرابع: عن محمد بن عمرو بن يونس، عن يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن الجرار الكوفي، عن سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي، عن سعيد بن جبير ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٢): أنا محمد بن بشار، عن عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن حبيب بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ لبى حتى رمى جمرة العقبة". الخامس: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان ... إلى آخره. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا أبو يزيد، نا مؤمل، عن سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ لبى حتى رمى جمرة العقبة". السادس: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد ابن سلمة، عن قيس بن سعد المكي، وثقه ابن سعد، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، عن عطاء بن أبي رباح المكي ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا عفان، نا حماد، نا قيس، عن عطاء، عن ابن عباس عن الفضل بن عباس: "أن رسول الله ﵇ لبى يوم النحر حتى رمي جمرة العقبة".

стр. 4939

ص: حدثنا علي بن شيبة، ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا شريك، عن ثوير، عن أبيه قال: "حججت مع عبد الله، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، قال: ولم يسمع الناس يلبون عشية عرفة فقال: أيها الناس، أنسيتم؟ والذي نفسي بيده لقد رأيت رسول الله ﵇ يلبي حتى رمى جمرة العقبة". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر الزهراني، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني الحكم، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال:"حججت مع عبد الله، فلما أفاض إلى جمع جعل يلبي، فقال رجل أعرابي [ما] (١) هذا؟ فقال عبد الله: أنسي الناس، أم ضلوا؟ ثم لبى حتى رمى جمرة العقبة". حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن حميد الكوفي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن الحارث بن أبي ذباب، عن مجاهد، عن عبد الله بن سخبرة، قال: "لبى عبد الله وهو متوجه إلى عرفات، فقال أناس: مَنْ هذا الأعرابي؟ فالتفت إليّ عبد الله فقال: ضل الناس أم نسوا؟ والله مازال رسول الله ﵇ يلبي حتى رمى الجمرة، إلاأن يخلط ذلك بتهليل أو بتكبير". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أبو مصعب، قال: ثنا الدراوردي، عن الحارث ابن أبي ذباب، عن مجاهد المكي، عن عبد الله بن سخبرة قال: "غدوت مع ابن مسعود غداة جمع، وهو يلبي، فقال ابن مسعود: أضل الناس أم نسوا؟! أشهد كنا مع رسول الله ﵇ فلبى حتى رمى جمرة العقبة". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عاصم بن علي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن كثير بن مدرك، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "قال عبد الله بن مسعود ونحن بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يلبي في هذا المكان: لبيك اللهم لبيك".

стр. 4940

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحسين بن عبد الأول، قال: ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا سفيان، عن حصين ... ثم ذكر مثله بإسناده. ش: هذه ست طرق: الأول: عن علي بن شيبة، عن عبيد الله بن أبي المختار العبسي الكوفي شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، قال النسائي: ليس به بأس. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ثقة سيء الحفظ جدًا. روى له الجماعة البخاري مستشهدًا ومسلم في المتابعات. عن ثوير بن أبي فاختة الكوفي، فيه مقال، فعن يحيى: ليس بشيء، وعنه ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني: متروك. وقال يونس بن أبي إسحاق: كان رافضيًّا. روى له الترمذي. عن أبيه أبي فاختة واسمه سعيد بن علاقة الهاشمي الكوفي، قال العجلي والدارقطني وابن حبان: ثقة. روى له الترمذي وابن ماجه. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا يحيى بن آدم، عن شريك، عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، عن عبد الله قال: "لبى رسول الله ﵇ حتى رمى جمرة العقبة". قوله: "أنسيتم" الهمزة فيه للاستفهام. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة ... إلى آخره، والكل رجال الجماعة ما خلا ابن مرزوق. وأخرجه مسلم (٢): نا سريج بن يونس، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حصين، عن كثير بن مدرك الأشجعي، عن عبد الرحمن بن يزيد: "أن عبد الله لبى حين أفاض من جمع، فقيل: أأعرابي هذا؟! فقال عبد الله: أنسي الناس أم ضلوا؟! سمعت الذي
следующие страницы →