حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسحاق بن منصور، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل: "أن رسول الله ﵇ لبى حتى رمي جمرة العقبة".
حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم بن مالك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل قال: "كنت ردف النبي ﵇ ... " فذكر مثله.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا يحيى بن عيسى (ح).
وحدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قالا: ثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ لبى حتى رمي جمرة العقبة".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن قيس، عن عطاء، عن ابن عباس، عن الفضل، عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: لما بين أن الآثار المذكورة لا تدل على نفي التلبية، أتى بشواهد تدل على صحة ما قاله، فإنه قد جاءت أحاديث متواترة أي متكاثرة متظاهرة الأسانيد بتلبية النبي ﵇ بعد عرفة إلى أن رمي جمرة العقبة، فمنها ما أخرجه عن الفضل بن عباس وأخيه عبد الله بن عباس ﵃ من ست طرق صحاح:
الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن سعيد بن سليمان الضبي الواسطي المعروف بسعدون شيخ البخاري وأبو داود، عن عباد بن العوام بن عمر بن عبد الله الواسطي روى له الجماعة، عن محمد بن إسحاق بن يسار احتجت به الأربعة واستشهد به البخاري وروى له مسلم مقرونًا بغيره، عن أبان بن صالح بن عمير المدني وثقه يحيى وأبو زرعة والعجلي وروى له الأربعة واستشهد به البخاري، عن عكرمة مولى ابن عباس روى له الجماعة.
стр. 4937
وأخرجه البيهقي (١): من حديث ابن إسحاق، حدثني أبان بن صالح، عن عكرمة قال: "أفضت مع الحسين ﵁ فما أزال أسمعه يلبي حتى رمي جمرة العقبة، فلما قذفها أمسك، فقلت: ما هذا؟ فقال: رأيت أبي علي بن أبي طالب يلبي حتى رمى جمرة العقبة، وأخبرني أن رسول الله ﵇ كان يفعل ذلك". انتهى.
في هذا الحديث أربعة من الصحابة يخبرون أن رسول الله ﵇ كان يلبي إلى أن ينتهي [من] (٢) جمرة العقبة وهم: الحسن بن علي وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأخوه الفضل بن عباس ﵃.
الثاني: عن علي بن معبد أيضًا، عن إسحاق بن منصور السلولي الكوفي روى له الجماعة، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣) بأتم منه: نا حجين بن المثنى وأبو أحمد الزبيري المعني، قالا: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس -قال أبو أحمد: حدثني الفضل بن عباس- قال: "كنت ردف النبي ﵇ حين أفاض من المزدلفة، وأعرابي يسايره وردفه ابنة له حسناء، قال الفضل: فجعلت انظر إليها، فتناول رسول الله ﵇ بوجهي يصرفني عنها، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة".
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن علي بن معبد بن شداد أحد أصحاب محمد بن الحسن، عن عُبيد الله بن عمرو الرقي الجزري، عن عبد الكريم بن مالك الجزري الحراني، عن سعيد بن جبير ... إلى آخره.
стр. 4938
وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا إبراهيم بن عبد الله، قال: ثنا أحمد بن عبد الله، قال: ثنا زهير، عن عبد الكريم وخصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس ﵃: "أن النبي لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة".
قوله: "كنت ردف رسول الله ﵇" أي رديفه.
الرابع: عن محمد بن عمرو بن يونس، عن يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن الجرار الكوفي، عن سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي، عن سعيد بن جبير ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٢): أنا محمد بن بشار، عن عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن حبيب بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ لبى حتى رمى جمرة العقبة".
الخامس: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان ... إلى آخره.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا أبو يزيد، نا مؤمل، عن سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ لبى حتى رمى جمرة العقبة".
السادس: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد ابن سلمة، عن قيس بن سعد المكي، وثقه ابن سعد، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، عن عطاء بن أبي رباح المكي ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا عفان، نا حماد، نا قيس، عن عطاء، عن ابن عباس عن الفضل بن عباس: "أن رسول الله ﵇ لبى يوم النحر حتى رمي جمرة العقبة".
стр. 4939
ص: حدثنا علي بن شيبة، ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا شريك، عن ثوير، عن أبيه قال: "حججت مع عبد الله، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، قال: ولم يسمع الناس يلبون عشية عرفة فقال: أيها الناس، أنسيتم؟ والذي نفسي بيده لقد رأيت رسول الله ﵇ يلبي حتى رمى جمرة العقبة".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر الزهراني، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني الحكم، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال:"حججت مع عبد الله، فلما أفاض إلى جمع جعل يلبي، فقال رجل أعرابي [ما] (١) هذا؟ فقال عبد الله: أنسي الناس، أم ضلوا؟ ثم لبى حتى رمى جمرة العقبة".
حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن حميد الكوفي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن الحارث بن أبي ذباب، عن مجاهد، عن عبد الله بن سخبرة، قال: "لبى عبد الله وهو متوجه إلى عرفات، فقال أناس: مَنْ هذا الأعرابي؟ فالتفت إليّ عبد الله فقال: ضل الناس أم نسوا؟ والله مازال رسول الله ﵇ يلبي حتى رمى الجمرة، إلاأن يخلط ذلك بتهليل أو بتكبير".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أبو مصعب، قال: ثنا الدراوردي، عن الحارث ابن أبي ذباب، عن مجاهد المكي، عن عبد الله بن سخبرة قال: "غدوت مع ابن مسعود غداة جمع، وهو يلبي، فقال ابن مسعود: أضل الناس أم نسوا؟! أشهد كنا مع رسول الله ﵇ فلبى حتى رمى جمرة العقبة".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا عاصم بن علي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حصين، عن كثير بن مدرك، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "قال عبد الله بن مسعود ونحن بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يلبي في هذا المكان: لبيك اللهم لبيك".
стр. 4940
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحسين بن عبد الأول، قال: ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا سفيان، عن حصين ... ثم ذكر مثله بإسناده.
ش: هذه ست طرق:
الأول: عن علي بن شيبة، عن عبيد الله بن أبي المختار العبسي الكوفي شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، قال النسائي: ليس به بأس. وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ثقة سيء الحفظ جدًا. روى له الجماعة البخاري مستشهدًا ومسلم في المتابعات.
عن ثوير بن أبي فاختة الكوفي، فيه مقال، فعن يحيى: ليس بشيء، وعنه ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني: متروك. وقال يونس بن أبي إسحاق: كان رافضيًّا. روى له الترمذي.
عن أبيه أبي فاختة واسمه سعيد بن علاقة الهاشمي الكوفي، قال العجلي والدارقطني وابن حبان: ثقة. روى له الترمذي وابن ماجه.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا يحيى بن آدم، عن شريك، عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، عن عبد الله قال: "لبى رسول الله ﵇ حتى رمى جمرة العقبة".
قوله: "أنسيتم" الهمزة فيه للاستفهام.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة ... إلى آخره، والكل رجال الجماعة ما خلا ابن مرزوق.
وأخرجه مسلم (٢): نا سريج بن يونس، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حصين، عن كثير بن مدرك الأشجعي، عن عبد الرحمن بن يزيد: "أن عبد الله لبى حين أفاض من جمع، فقيل: أأعرابي هذا؟! فقال عبد الله: أنسي الناس أم ضلوا؟! سمعت الذي
стр. 4941
أنزلت عليه سورة البقرة [يقول] (١) في هذا المكان لبيك اللهم لبيك".
قوله: "إلى جمع" أي إلى مزدلفة.
قوله: "أأعرابي" بهمزتين أولاً هما همزة الاستفهام، والثانية من الكلمة، ومعناه الإِنكار على عبد الله بن مسعود بأن هذا الذي فعله من فعل أهل الجهل، وذلك لأن الأعرابي هو الذي يكون في البادية ولا يدري من العلم شيئًا والجهل عليه غالب، فرد عليه عبد الله بن مسعود "أنسي الناس أم ضلوا؟ " فالهمزة فيه للاستفهام، وأراد أن الناس نسوا ما كان من تلبية النبي ﵇ في هذا الموضع أم هم ضلوا؟ يعني أنهم علموا ذلك ولكنهم لم يعملوا به.
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن أحمد بن حميد الطريثيثي الكوفي شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن الحارث بن أبي ذباب هو الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعيد -ويقال: المغيرة- بن أبي ذباب الدوسي المدني، قال أبو زرعة: ليس به بأس. روى له مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
عن مجاهد بن جبر المكي، عن عبد الله بن سخبرة الأزدي الكوفي روى له الجماعة.
وأخرجه البيهقي (٢): من حديث صفوان بن عيسى، ثنا الحارث بن عبد الرحمن، عن مجاهد، عن عبد الله بن سخبرة قال: "غدوت مع عبد الله بن مسعود من منى إلى عرفة، وكان رجلاً أدم له ضفيرتان، عليه مسحة أهل البادية، وكان يلبي، فاجتمع عليه الغوغاء، فقالوا: يا أعرابي إن هذا ليس بيوم تلبية إنما هو التكبير. فالتفت إليَّ فقال: جهل الناس أم نسوا؟! والذي بعث محمدًا بالحق، لقد خرجت معه من منى إلى عرفة، فما ترك التلبية حتى رمى الجمرة؛ إلاَّ أن يخلطها بتكبير أو بتهليل".
стр. 4942
الرابع: عن روح بن الفرج القطان، عن أبي مصعب أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني شيخ الجماعة سوى النسائي، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن الحارث بن أبي ذباب ... إلى آخره وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): من حديث مجاهد، عن عبد الله بن سخبرة، عن عبد الله نحوه.
الخامس: عن علي بن شيبة، عن عاصم بن علي بن صهيب الواسطي شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي روى له الجماعة، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي روى له الجماعة، عن كثير بن مدرك الأشجعي الكوفي روى له مسلم وأبو داود والنسائي، عن عبد الرحمن بن يزيد ... إلى آخره.
وهذا أيضاً إسناد صحيح، وأخرجه مسلم (٢): حدثني يوسف بن حماد، قال: نا زياد يعني البكائي عن حصين عن كثير بن مدرك الأشجعي، عن عبد الرحمن بن يزيد والأسود بن يزيد، قالا: سمعنا عبد الله بن مسعود يقول بجمع: "سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة ها هنا يقول: لبيك اللهم لبيك، ثم لبى ولبينا معه".
قوله: "ونحن نجمع" جملة حالية، أي والحال أنا كنا بمزدلفة.
قوله: "سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة" أراد به سيدنا محمد ﵇ وإنما خصص هذه السورة لكونها مشتملة على معظم أحكام الحج، وفيه حجة لمن يجوّز قولك سورة البقرة وسورة آل عمران ونحوهما، وقد اختلف السلف في هذا، فأجازه بعضهم وكرهه بعضهم، وقال: ينبغي أن يقال: السورة التي يذكر فيها البقرة، والسورة التي يذكر فيها آل عمران.
стр. 4943
السادس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن الحسين بن عبد الأول الأحول الكوفي وثقه ابن حبان، عن يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي روى له الجماعة، عن سفيان الثوري، عن حصين بن عبد الرحمن الكوفي، عن كثير بن مدرك الأشجعي، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): أنا هشيم، أنا حصين، عن كثير بن مدرك الأشجعي، عن عبد الله بن يزيد: "أن عبد الله لبى حين أفاض من جمع، فقيل: أعرابي هذا؟! فقال عبد الله: أنسي الناس أم ضلوا؟ سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان: لبيك اللهم لبيك".
ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت يونس، عن الزهري، عن عبيد الله ابن عبد الله، عن ابن عباس قال: "كان أسامة بن زيد ردف رسول الله ﵇ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل بن عباس من مزدلفة إلى منى، فكلاهما قالا: لم يزل رسول الله ﵇ يلبي حتى رمى جمرة العقبة".
ش: إسناده صحيح، ويونس هو ابن يزيد الأيلي، روى له الجماعة، والزهري هو محمد بن مسلم، وعُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني الفقيه الأعمى أحد الفقهاء السبعة بالمدينة.
وأخرجه البخاري (٢): نا عبد الله بن محمد، نا وهب بن جرير، نا أبي، عن يونس الأيلي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس: "أن أسامة بن زيد كان ردف رسول الله ﵇ ... " إلى آخره نحوه.
стр. 4944
ص: فقد جاءت هذه الآثار [عن رسول الله ﷺ ] (١) أنه كان يلبي حتى رمى جمرة العقبة، وصح مجيئها، ولم يخالفها عندنا ما قدمناه في أول هذا الباب لما قد شرحنا وبينا، وهذا الفضل بن عباس فقد كان رديف رسول الله ﵇ حين دفع من عرفة، وقد رأى رسول الله ﵇ يلبي حينئذ وبعد ذلك، وقد ذكرنا عن أسامة أنه قال: "كنت رديف رسول الله ﵇ بعرفة فلم يكن يزيد على التهليل والتكبر". فدلت تلبيته بعد عرفة أنه كان له أن يلبي أيضًا بعرفة، وأنه إنما كان بتكبيره وبتهليله بعرفة كما كان له قبلها لا أن يجعل مكان التلبية تهليلًا وتكبيرًا، ألا ترى إلى قول عبد الله في حديث مجاهد: "لبى رسول الله ﵇ حتى رمى جمرة العقبة إلا أنه كان ربما خلط ذلك بتكبير وتهليل". فأخبر عبد الله أن رسول الله ﵇ قد كان يخلط التكبر بالتلبية، وكان التهليل والتكبر لا يدلان على أن لا تلبية في وقتهما، والتلبية في ذلك الوقت تدل على أن ذلك الوقت كان وقت تلبية.
فثبت بتصحيح هذه الآثار أن وقت التلبية إلى أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر.
ش: أي قد جاءت هذه الأحاديث عن حسين بن علي وأبيه علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأخيه الفضل بن عباس وعبد الله بن مسعود ﵃ أنه ﵇ كان يلبي حتى رمى جمرة العقبة.
قوله: "وصح مجيئها" إشارة إلى صحة هذه الآثار لأنه أخرجها بأسانيد رجالها ثقات. قوله: "ولم يخالفها عندنا ما قدمناه" إشارة إلى نفي المعارضة بين أحاديث هؤلاء وأحاديث عبد الله بن عمر وأسامة بن زيد وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله؛ لأنا قد ذكرنا أن أحاديث عبد الله بن عمر ومن معه لا تستلزم نفي التلبية، فإذن لا معارضة بين الأحاديث كلها، وباقي الكلام ظاهر.
стр. 4945
ص: فإن قال قائل: فقد روي عن أصحاب رسول الله ﵇ خلاف ما صححتم عليه هذه الآثار، وذكر ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا موسى بن يعقوب، عن مصعب بن ثابت، عن عمه عامر بن [عبد] (١) الله بن الزبير، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب ﵃ كان يهلل يوم عرفة حتى يروح".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂: "أنها كانت تترك التلبية إذا راحت إلى الموقف".
ش: اعترض هذا القائل على أهل المقالة الثانية بأثرين:
أحدهما: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن موسى بن يعقوب بن عبد الله الزمعي المدني وثقه يحيى وضعفه ابن المديني وعن أبي داود: صالح. روى له الأربعة.
عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، فيه مقال، فعن أحمد: ضعيف الحديث. وعن ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: صدوق كثير الغلط.
عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام روى له الجماعة.
والآخر: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره، ورجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٢).
قوله: "كان يهل يوم عرفة حتى يروح" أراد أنه كان يهل بالتلبية إلى أن يروح إلى الموقف، ويقال: حتى يروح إلى المصلى ليجمع بين الظهر والعصر،
стр. 4946
ففي هذا اختلف قول مالك فيما يستحب من ذلك، فروى عنه ابن المواز: يقطع التلبية إذا زاغت الشمس، وروى عنه ابن القاسم: إذا راح إلى المصلى، وروى عنه أشهب: إذا راح إلى الموقف، واختاره سحنون. وروى ابن المواز عن مالك: يقطع التلبية إذا وقف بعرفة.
ص: فمن الحجة عليهم لأهل المقالة الأخرى، أن القاسم لم يخبر في حديثه الذي رويناه عنه عن عائشة أنها قالت: إن التلبية تنقطع قبل الوقوف بعرفة، وإنما أخبر عن فعلها، فقال: كانت تترك التلبية إذا راحت إلى الموقف، فقد يجوز أن تكون كانت تفعل ذلك لا على أن وقت التلبية قد انقطع، ولكن لأنها تأخذ فيما سواها من الذكر من التهليل والتكبر، كما لها أن تفعل ذلك قبل يوم عرفة أيضًا، ولا يكون ذلك دليلًا على انقطاع التلبية وخروج وقتها، وكذلك ما رواه عبد الله بن الزبير عن عمر ﵃ في ذلك أيضًا وهو مثل هذا.
ش: أي فمن الحجة على أهل المقالة الأولى لأهل المقالة الثانية، وأراد بها الجواب على الأثرين المذكورين حاصله: أنه ليس فيما روى عن عائشة ما يدل على انقطاع وقت التلبية قبل الوقوف بعرفة، وإنما فيه أنها كانت تقولها إذا راحت إلى الموقف، فيحتمل أن يكون ذلك لأجل شروعها في غيرها من الأذكار، كما كان لها أن تفعل ذلك قبل يوم عرفة، فإذن لا يرد به السؤال المذكور، وكذلك التخريج فيما رواه ابن الزبير عن عمر ﵁.
ص: وقد حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، قال: "حججت مع الأسود، فلما كان يوم عرفة، وخطب ابن الزبير بعرفة، فلما لم يسمعه يلبي صعد إليه الأسود، فقال: ما يمنعك أن تلبي؟ فقال: أو يلبي الرجل إذا كان في مثل مقامي؟! قال الأسود: نعم سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يلبي، وهو في مثل مقامك هذا، ثم لم يزل يلبي حتى صدر بعيره عن الموقف، قال: فلبى ابن الزبير".
стр. 4947
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، عن صخر بن جويرية، عن عبد الرحمن بن الأسود، قال: "سمعت ابن الزبير يخطب يوم عرفة فقال: إن هذا يوم تسبيح وتكبير فسبحوا وكبروا، فجاء أبي -يعني الأسود- يحرش الناس حتى صعد إليه وهو على المنبر، فقال: أشهد على عمر ﵁ أنه لبى على هذا المنبر في هذا اليوم، فقال ابن الزبير: لبيك اللهم لبيك".
أفلا ترى أن الأسود لما أخبر ابن الزبير بتلبية عمر ﵁ في مثل يومه ذلك قبل ذلك منه وأخذ به فلبى ولم يقل له ابن الزبير: إني رأيت عمر ﵁ لا يلبي في هذا اليوم، على ما قد رواه عامر بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر، ولكن ابن الزبير إنما حضر من عمر ترك التلبية يومئذ ولم يخبره عمر أن ذلك الترك إنما كان منه لخروج وقت التلبية، فكان ذلك عند ابن الزبير لخروج وقت التلبية، فلما أخبره الأسود أنه لبى يومئذ علم ابن الزبير أن ذلك الوقت الذي لم يكن عمر ﵁ لبى فيه وقت للتلبية، وأن ذلك الترك الذي كان من عمر إنما كان لغير خروج وقت التلبية، فتوهم ابن الزبير هو أنه لخروج وقت التلبية وليس كذلك، ورأى ما أخبره به الأسود عن عمر ﵁ من تلبيته أولى مما رآه هو منه في ترك التلبية.
ش: ذكر هذين الأثرين شاهدًا لما ذكره من التأويل في الأثر الذي رواه عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عمر ﵁.
وأخرجهما من طريقين صحيحين، رجالهما ثقات قد ذكروا غير مرة.
وأخرج ابن حزم (١): من طريق سفيان بن عيينة أنه سمع سعد بن إبراهيم يحدث، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد: "أن أباه صعد إلى ابن الزبير المنبر يوم عرفة، فقال له: ما يمنعك أن تهل، فقد رأيت عمر في مكانك هذا يُهل؟ فأهل ابن الزبير".
стр. 4948
وأخرجه البيهقي (١) نحوه.
قوله: "يحرش الناس" (٢).
قوله: "أفلا ترى" إلى آخره توضيح لما ذكره من التأويل، وهو ظاهر، ومما يؤيد كلام الأسود ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: "حججت مع عمر ﵁ سنتين، إحداهما التي أصيب فيها، كل ذلك يلبي حتى يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي".
وأخرج أيضًا (٤) عن عباد بن العوام، عن هلال بن [خباب] (٥)، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن عمر ﵃ لبى حتى جمرة العقبة، وأن ابن عباس كان يلبي حتى رمى جمرة العقبة، وقال: إنما يفتتح الحل الآن".
ص: حدثنا علي بن شبية، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن وبرة قال: "صعد الأسود بن يزيد إلى ابن الزبير، وهو على المنبر يوم عرفة فسارَّه بشيء ثم نزل، فلما نزل الأسود لبى ابن الزبير، فظن الناس أن الأسود أمره بذلك".
ش: إسناده صحيح، وإسماعيل بن أبي خالد هرمز البجلي الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة والثوري روى له الجماعة.
стр. 4949
ووبرة -بفتح الواو وسكون الباء الموحدة وفتح الراء- بن عبد الرحمن المسلي، من بني مسلمة بن عامر، قال يحيى والأوزاعي وابن حبان: ثقة. روى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: "سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يلبي غداة المزدلفة".
ش: إسناده صحيح، وحجاج هو ابن المنهال شيخ البخاري، وحماد هو ابن سلمة، وعطاء هو ابن أبي رباح، وهؤلاء رجال الصحيح.
وأخرجه ابن حزم (١): من طريق حماد بن سلمة، عن قيس ... إلى آخره نحوه سواء.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: "كنت مع عبد الله بعرفة، فلبى عبد الله [فلم يزل يُلبي] (٢) حتى رمي جمرة العقبة، فقال رجل: من هذا الدي يلبي في هذا الموضع؟ قال: وقال عبد الله في تلبيته شيئًا آخر ما سمعته من أحد: لبيك عدد التراب".
ش: إسناده صحيح، ووهب هو ابن جرير بن حازم، وأبو إسحاق هو عمرو ابن عبد الله السبيعي.
وأخرجه ابن أبي شبية في "مصنفه" (٣): نا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: " [كنت] (٤) مع ابن مسعود بعرفة فلبى، فقال رجل: من هذا الملبي في هذا اليوم؟ فالتفت إليه ابن مسعود ﵁ فقال: لبيك عدد التراب لبيك".
стр. 4950
وأخرج الطبراني في "الكبير" (١): ثنا علي بن عبد العزيز، نا أبو نعيم، ثنا مسعر، عن عاصم، عن شقيق بن سلمة قال: "لبى ابن مسعود حتى رمي الجمرة".
ص: ففي هذه الآثار أن عمر ﵁ كان يلبي بعرفة وهو على المنبر، وأن عبد الله بن الزبير فعل ذلك من بعده لما أخبره الأسود عن عمر، ولم ينكر ذلك أحد من أهل الآفاق، فدلك إجماع وحجة، وهذا عبد الله بن مسعود قد فعل ذلك، فثبت بفعل من ذكرنا لموافقتهم رسول الله ﵇ في فعله ذلك أن التلبية في الحج لا تنقطع حتى يرمي جمرة العقبة، وهو قول أبي حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
ش: حاصل ذلك: أن الإِجماع من الصحابة والتابعين قد وقع على أن التلبية لا تنقطع إلا مع رمي جمرة العقبة، إما مع أول حصاة أو بعد تمامها على الاختلاف الذي ذكرناه، ودليل الإِجماع: أن عمر بن الخطاب ﵁ لبى بعرفة وهو على المنبر بحضور ملإٍ من الصحابة وغيرهم فلم ينكر عليه أحد منهم بذلك، وكذلك عبد الله بن الزبير لبى على المنبر بعرفة بعد أن أخبره الأسود بن يزيد، ولم ينكر عليه أحد ممن كانوا هناك من أهل الآفاق من الشام والعراق واليمن ومصر وغيرها، فصار ذلك إجماعًا لا يخالف فيه، والله تعالى أعلم.
...
стр. 4951
ص: باب: اللباس والطيب متى يحلان للمحرم ؟
ش: أي هذا باب في بيان أن اللبس واستعمال الطيب متى يحلان للمحرم؟
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا عبد الله بن لهيعة، قال: ثنا أبو الأسود، عن عروة، عن جُدَامة بنت وهب أخت عكاشة بن وهب: "أن عكاشة بن وهب صاحب النبي ﵇ وأخا له آخر جاءاها حين غابت الشمس يوم النحر، فألقيا قميصهما فقالت: مالكما؟ فقالا: إن رسول الله ﷺ قال: من لم يكن أفاض منها فليلق ثيابه، وكانوا تطيبوا ولبسوا الثياب".
ش: ابن أبي داود هو إبراهيم بن أبي داود سليمان البرلسي، وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم المصري شيخ البخاري، وعبد الله بن لهيعة تكلموا فيه ولكن أحمد وثقه، وأبو الأسود هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود المدني يتيم عروة، روى له الجماعة يروي عن عروة بن الزبير بن العوام، وجُدَامة -بضم الجيم وفتح الدال المهملة- بنت وهب الأسدية الصحابية، هكذا ضبطه يحيى بن يحيى، وكذا قال مالك، وقال سعيد بن أبي أيوب ويحيى بن أيوب: بالذال المعجمة، وفي "التكميل": قال الدارقطني: بالدال المهملة، من أعجمها فقد صحف، و (جُدَامة) (١) في اللغة: ما لم يندق من السنبل، قاله أبو حاتم، وقال غيره: إذا ذُرِّي البُرُّ في الريح فما بقي من البُرِّ في الغربال من قصبه فهو الجُدَامة، وقال أبو عمر بن عبد البر: جُدَامة هذه أم قيس بنت وهب بن محصن أخت عكاشة بن محصن الأسدي، وقال القاضي عياض: جاء في حديث سعيد: عن جُدامة بنت وهب أخت عكاشة، قال بعضهم لعلها بنت أخي عكاشة على قول من قال: إنها جُدامة بنت وهب بن محصن.
стр. 4952
قلت: في رواية الطحاوي كما تراها: جدامة بنت وهب أخت عكاشة بن وهب، فدل أن عكاشة من الصحابة اثنان: أحدهما عكاشة بن محصن، والآخر عكاشة بن وهب أخو جدامة بنت وهب، وقال القاضي: عكاشة بن وهب أخو جدامة آخر، يعني غير عكاشة بن محصن.
وفي "التكميل": جدامة بنت وهب الأسدية، ويقال: بنت جندب، ويقال: بنت جندل، لها صحبة، أسلمت بمكة وبايعت وهاجرت مع قومها إلى المدينة.
وقال الطبري: جدامة بنت جندل هاجرت، وقال: المحدثون قالوا فيها: جدامة بنت وهب، وفي "الكمال": جدامة بنت وهب الأسدية أخت عكاشة بن محصن لأمه.
قوله: "وأخًا له آخر" لم أقف على اسمه.
قوله: "فألقيا قميصهما" أي نزعاه من جسمهما.
"فقالت جدامة: ما لكما ألقيتما قميصكما فقالا: إن رسول الله ﵇ قال: من لم يكن أفاض منها" أي من الكعبة، معناه من لم يطف طواف الزيارة وهي التي تسمى طواف الإِفاضة أيضًا.
"فليلق ثيابه" يعني لا يحل من إحرامه ولا يحل له اللبس ولا الطيب حتى يطوف طواف الزيارة، وإليه ذهب جماعة من أهل العلم على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
ص: حدثنا يحيى بن عثمان قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن أم قيس بنت محصن: "قالت: دخل علي عكاشة بن محصن وآخر في منى مساء يوم الأضحى، فنزعا ثيابهما وتركا الطيب، فقلت: ما لكما؟ فقالا: إن رسول الله ﵇ قال لنا: من لم يفض إلى البيت من عشية هذه فليدع الثياب والطيب".
ش: هذا من وجه آخر، ويحيى بن عثمان بن صالح السهمي أبو زكرياء المصري شيخ ابن ماجه والطبراني، قال ابن يونس: كان حافظًا.
стр. 4953
وعبد الله بن يوسف التنيسي شيخ البخاري.
وأم القيس بنت محصن أخت عكاشة بن محصن، لها صحبة، أسلمت قديمًا بمكة وهاجرت إلى المدينة، وقد قلنا إن [أبا] (١) عمر بن عبد البر قال: جدامة هي أم القيس بنت وهب بن محصن.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة، حدثتني أم قيس بنت محصن وكانت جارة لهم قالت: "خرج من عندي عكاشة بن محصن في نفر من بني أسد متقمصًا عشية يوم النحر، ثم رجعوا إليّ عشيًا، وقمصهم على أيديهم يحملونها، قالت: فقلت: أي عكاشة، مالكم خرجتم متقمصين ورجعتم وقمصكم على أيديكم تحملونها؟ فقال: خير يا أم قيس، كان هذا يومًا رخص رسول الله ﵇ لنا فيه إذا نحن رمينا الجمرة حللنا من كل ما حرمنا منه إلاَّ ما كان من النساء حتى نطوف بالبيت، فإذا أمسينا ولم نطف جعلنا قمصنا على أيدينا".
وأخرج أبو داود في "سننه" (٣): ثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين -المعنى واحد- قالا: نا ابن [أبي] (٤) عديّ عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني أبو عُبيدة بن عبد الله بن زمعة، عن أبيه، وعن أمه زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة، يحدثان جميعًا ذلك عنها قالت: "كان ليلتي التي يصير إليَّ فيها النبي ﵇ مساء يوم النحر، فصار إليَّ، فدخل عليَّ وهب بن زمعة ودخل معه رجل من آل أبي أُميَّة متقمصين، فقال رسول الله ﵇ لوهب: هل أفضت أبا عبد الله؟ قال: لا والله يا رسول الله، قال: انزع عنك القميص، قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولم يا رسول الله؟ قال: إن هذا يوم رخص لكم
стр. 4954
إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا يعني من كل شيء إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرمًا كهيتئكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا".
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب إلى هذا قوم، فقالوا: لا يحل اللباس والطيب لأحد حتى يحل له النساء، وذلك حين يطوف طواف الزيارة، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عروة بن الزبير وطائفة من السلف؛ فإنهم قالوا: لا يحل اللباس والطيب للحاج يوم النحر وإن رمى وحلق وذبح حتى يحل له النساء، والنساء لا تحل له إلاَّ بطواف الزيارة، واحتجوا على ذلك بالحديث المذكور، وفي بعض شروح البخاري: عن عروة لا يلبس القميص ولا العمامة ولا يتطيب -يعني يوم النحر- إلاَّ بعد طواف الزيارة، وقال البيهقي: لا نعلم أحدًا من الفقهاء قال بهذا.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: إذا رمى وحلق حل له اللباس، واختلفوا في الطيب، فقال بعضهم: حكمه حكم اللباس فيحل كما يحل اللباس، وقال آخرون: حكمه حكم الجماع فلا يحل حتى يحل الجماع.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: علقمة وسالمًا وطاوسًا وعُبيد الله بن الحسن وخارجة بن زيد وإبراهيم النخعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي وأحمد -في الصحيح- وأبا ثور وإسحاق؛ فإنهم قالوا: إذا رمى جمرة العقبة ثم حلق؛ حل له كل شيء كان محظورًا بالإِحرام إلاَّ النساء.
قوله: "واختلفوا" أي الفقهاء "في حكم الطيب فقال بعضهم" أبو حنيفة وأصحابة والشافعي وأصحابه، وأحمد في رواية: حكم الطيب حكم اللباس فيحل كما يحل اللباس.
وقال آخرون: وهم مالك والحسن البصري وأحمد في رواية: حكم الطيب حكم الجماع فلا يحل له حتى يحل الجماع.
стр. 4955
وفي شرح "الموطأ": في هذه المسألة أربعة أقوال:
أحدها: قول عمر، وهو ما رواه مالك في "موطإه" (١): عن نافع وعبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: "أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس بعرفة وعلمهم أمر الحج، وقال لهم فيما قال: إذا جئتم منى فمن رمى جمرة العقبة فقد حلّ له ما حرم على الحاج إلاَّ النساء والطيب، لا يمس أحد نساء ولا طيبًا حتى يطوف بالبيت.
والثاني: إلاَّ النساء والطيب والصيد، وهو قول مالك.
والثالث: النساء والصيد، وهو قول عطاء وطائفة.
والرابع: إلاَّ النساء، وهو قول الشافعي، وقول عائشة وابن عباس وابن الزبير وطاوس وعلقمة.
واختلف قول مالك فيمن تطيب بعد رمي الجمرة قبل الإِفاضة، فقال: عليه الفدية، وقال: لا شيء عليه.
وقال ابن قدامة في "المغني": إذا رمى المحرم جمرة العقبة ثم حلق حل له كل ما كان محظورًا بالإِحرام إلاَّ النساء من الوطء والقبلة واللمس بشهوة وعقد النكاح، هذا هو الصحيح من مذهب أحمد، وعن أحمد: أنه يحل له كل شيء إلاَّ الوطء في الفرج.
وقال الكاساني في "البدائع": وأما حكم الحلق فحصول التحلل وهو صيرورته حلالًا يباح له جميع ما حظر عليه الإِحرام إلاَّ النساء، وهذا قول أصحابنا، وقال مالك: إلاَّ النساء والطيب. وقال الليث: إلاَّ النساء والصيد، وقال الشافعي: يحل له بالحلق الوطئ فيما دون الفرج والمباشرة.
стр. 4956
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا الحجاج بن أرطأة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة قالت: "قال رسول الله ﵇: إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلَّا النساء".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدّد، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا الحجاج بن أرطاة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد الليثي [أن] (١) القاسم بن محمد حدثه، عن عائشة قالت: "طيبت رسول الله ﵇ لحله حين حل قبل أن يطوف بالبيت".
قال أسامة: وحدثني أبو بكر بن حزم، عن عمرة، عن عائشة، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة، عن رسول الله ﵇ مثله (٢).
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا شجاع بن الوليد، قال: ثنا عُبيد الله بن عمر، قال: حدثني القاسم، عن عائشة، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير، قال: ثنا عُبيد الله بن عمر، فذكر بإسناده مثله.
стр. 4957
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن زيد، قال: [عن] (١) عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله، عن عائشة، عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: أي واحتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عائشة ﵂.
وأخرجه من ثمانية طرق صحاح:
الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، والكل قد ذكروا غير مرة، والحجاج ابن أرطاة وإن تكلم فيه فقد احتجت به الأربعة، وعمرة هي بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية روى لها الجماعة.
وأخرجه البيهقي (٢): من طريق الحجاج بن أرطاة، عن أبي بكر بن محمد ... إلى آخره نحوه.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الواحد بن زياد العبدي البصري روى له الجماعة، عن الحجاج بن أرطاة، عن محمد بن مسلم الزهري ... إلى آخره.
فإن قيل: قال أبو حاتم: لم يسمع الحجاج بن أرطاة الزهري.
قلت: قال غيره: إنه سمعه، وقول المثبت مقدم.
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره.
وهؤلاء كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه البخاري (٣): نا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، نا عبد الرحمن بن القاسم -وكان أفضل أهل زمانه- أنه سمع أباه -وكان أفضل أهل زمانه-
стр. 4958
يقول: سمعت عائشة ﵂ تقول: "طيبت رسول الله ﵁ بيدي هاتين حين أحرم ولحله حين أحل قبل أن يطوف وبسطت يديها".
وأخرج الطحاوي هذا الطريق بعينه في باب: التطيب عند الإِحرام، ولكن اقتصر هناك على حكم الطيب عند الإِحرام.
الرابع: عن يونس أيضًا، وأخرجه أيضًا بعينه في ذاك الباب.
وأخرجه مسلم (١): نا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن عبد الرحمن ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أنها قالت كنت أطيب رسول الله ﵇ لإِحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت".
الخامس: أيضًا بعينه أخرجه في ذاك الباب، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن أفلح بن حميد بن نافع الأنصاري المدني ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١) أيضًا، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: ثنا أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبي ﵇ قالت: "طيبت رسول الله ﵇ بيدي لحرمه حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت".
السادس: أيضًا بعينه أخرجه في ذاك الباب، عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، عن عُبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﵇.
وأخرجه مسلم (١) أيضًا: ثنا ابن نمير، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عُبيد الله بن عمر، قال: سمعت القاسم، عن عائشة قالت: "طيبت رسول الله ﵇ لحله ولحرمه".
стр. 4959
السابع: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن عبيد الله بن عمر المذكور، عن القاسم، عن عائشة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يحيى، ثنا عُبيد الله، قال: سمعت القاسم يقول: قالت عائشة: "طيبت رسول الله ﵇ لحله وحرمه حين أحرم، ولحله حين أحل، قبل أن يفيض أو يطوف بالبيت".
الثامن: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال الأنماطي شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار ... إلى آخره.
ص: فهذه عائشة ﵂ تخبر عن رسول الله ﵇ في التطيب بعد الرمي والحلق قبل طواف الزيارة ما قد ذكرنا، فقد عارض [ذلك] (٢) حديث ابن لهيعة الذي بدأنا بذكره في هذا الباب، فهذه أولى لأن معها (مع التواتر صحة المجيء) (٣) ما ليس مع غيرها مثله.
ش: أراد بقوله: "فقد عارض" معناه اللغوي، يعني رد حديث عائشة حديث عبد الله بن لهيعة المصري المذكور في أول الباب الذي احتج به أهل المقالة الأولى، وإنما قلنا هكذا لأن من شرط المعارضة المصطلح عليها المساواة، وليس بين حديث عائشة وحديث عبد الله بن لهيعة مساواة، وقد أشار إلى ذلك بقوله: "لأن معها مع التواتر صحة المجيء" أي لأن مع أحاديث عائشة مع تكاثر الروايات فيها وتظاهرها صحة أسانيدها وحسن طرقها كما قد مرَّ مستقصى، ولا يشك أن حديث ابن لهيعة ضعيف وشاذ.
стр. 4960
ص: ثم قد روي أيضًا عن ابن عباس، عن النبي ﵇ مثل ذلك، غير أنه زاد عليه معنى آخر.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل (ح).
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس ﵄ قال: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلاَّ النساء، فقال له رجل: والطيب؟ فقال: أما أنا فقد رأيت رسول الله ﵇ يضمخ رأسه بالسُّك، أفطيب هو؟ ".
ففي هذا الحديث من قول ابن عباس ما قد ذكرنا من إباحة كل شيء إلاَّ النساء إذا رميت الجمرة ولا يذكر في ذلك الحلق، وفيه أنه رأى النبي ﵇ يضمخ رأسه بالسُّك، ولم يخبر بالوقت الذي فعل فيه رسول الله ﵇ ذلك، وقد يجوز أن يكون ذلك من رسول الله ﵇ قبل الحلق، ويجوز أن يكون بعده، إلاَّ أن أولى الأشياء بنا: أن نحمل ذلك على ما يوافق ما قد ذكرناه عن عائشة لا على ما يخالف ذلك، فيكون ما رأى رسول الله ﵇ يفعله من ذلك كان بعد رميه الجمرة وحلقه على ما في حديث عائشة، ثم قال ابن عباس -بعد برأيه-: إذا رمى فحل له برميه أن يحلق؛ حل له أن يلبس ويتطيب.
ش: أي ثم قد روي عن عبد الله بن عباس، عن النبي ﵇، مثل ما روي عن عائشة؛ من حل كل شيء بعد الرمي إلاَّ النساء، وأراد بقوله: "غير أنه زاد عليه معنى آخر" هو قوله: "أما أنا فقد رأيت ... إلى آخره" أي غير أن ابن عباس زاد على ما روي عن عائشة معنى آخر، وفي حديثه شيئان:
أحدهما: إباحة كل شيء إلاَّ النساء بعد رمي جمرة العقبة، ولكن لم يذكر في ذلك الحلق.
والآخر: أنه رأى النبي ﵇ يضمخ رأسه بالسُّك ولكن لم يخبر في حديثه بالوقت الذي فعل فيه ذلك، فيحتمل أن يكون ذلك قبل الحلق، وأن يكون بعده، ولكن
стр. 4961
الأولى أن يحمل ذلك على ما يوافق ما رُوي عن عائشة دفعًا للتعارض والمخالفة، فيحمل ذلك على أنه كان بعد رميه الجمرة وحلقه؛ على ما هو مصرح كذلك في حديث عائشة حيث قال: قالت: قال رسول الله ﵇ (١): "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلاَّ النساء".
ثم أنه أخرج حديث ابن عباس من طريقين رجالهما ثقات ولكن فيه انقطاع على ما قال يحيى بن معين: إن الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس. قلت: لم يجزم يحيى بهذا، وإنما قال: يقال: إنه لم يسمع من ابن عباس. وغيره قال: روى عن ابن عباس، والمثبت أولى على ما عرف.
الأول: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٢): أنا عمرو بن علي، ثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس قال: "إذا رمى الجمرة فقد حل له كل شيء إلاَّ النساء، قيل: والطيب؟ قال: فأما أنا فقد رأيت رسول الله ﵇ يتضمخ بالمسك، أو طيب هو؟! ".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن سفيان الثوري ... إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٣): نا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، قالا: نا وكيع، ونا أبو بكر بن خلاد الباهلي، ثنا يحيى بن سعيد ووكيع وعبد الرحمن بن مهدي، قالوا: ثنا سفيان عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس قال: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، فقال له رجل:
стр. 4962
يا ابن عباس، والطيب؟ فقال: أما أنا فقد رأيت رسول الله ﵇ يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟!
قوله: "يضمخ" من التضميخ بالخاء المعجمة وهو التلطخ بالطيب وغيره والإِكثار منه.
قوله: "بالسُّكِّ" بضم السين وتشديد الكاف وهو طيب معروف يضاف إلى غيره ويستعمل، وفي "المطالع": "السك" طيب مصنوع من أخلاط قد جمعت وهكذا وقع في رواية البيهقي: "السك"، وفي رواية النسائي وابن ماجه: "المسك" بالميم على ما ذكرنا.
قوله: "أفطيب هو" بالفاء في رواية الطحاوي، وكذا في رواية ابن ماجه، وفي رواية النسائي بالواو "أو طيب هو" وهو استفهام على سبيل التقرير، والمعنى: أو ليس هو بطيب؟
ومن فوائد هذا الحديث: إباحة استعمال المسك للرجال وكذا في الأكل.
ص: وهذا موضع يحتمل النظر، وذلك أن الإِحرام يمنع من حلق الرأس، واللباس والطيب؛ فيحتمل أن يكون حلق الرأس إذا حل حلت هذه الأشياء، واحتمل أن لا تحل حتى يكون الحلق، فاعتبرنا ذلك فرأينا المعتمر يحرم عليه بإحرامه في عمرته ما يحرم عليه بإحرامه في حجته، ثم رأيناه إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة فقد حل له أن يحلق ولا يحل له النساء ولا الطيب ولا اللباس حتى يحلق، فلما كانت حرمة العمرة قائمة وإن حل له قبل أن يحلق حتى يحل من مدخل ولا يكون إذا حل له أن يحلق في حكم من قد حَلَّ له ما سوى ذلك من اللباس والطيب كان كذلك في الحجة، لا يجب لما حل له الحلق فيها أن يحل له كل شيء مما سواه مما كان حرم عليه بها حتى يحلق قياسًا ونظرًا على ما أجمعوا عليه في العمرة.
стр. 4963
ش: أي هذا المذكور في الحكم وهو حل اللباس والطيب بعد رمي جمرة العقبة والحلق موضع يحتمل النظر والقياس، ثم بين ذلك بقوله: "وذلك ... إلى آخره" وهو ظاهر قوله: "حتى يكون الحلق" أي حتى يوجد، و"كان" هذه تامة.
قوله: "ثم رأيناه" أي المعتمر.
قوله: "وإن حل له أن يحلق" كلمة "أن" واصلة بما قبلها.
ص: ثم رجعنا إلى النظر بين هذين الفريقين وبين أهل المقالة الأولى الذين ذهبوا إلى حديث عكاشة ﵁ فرأينا الرجل قبل أن يحرم حل له النساء والطيب واللباس والصيد والحلق وسائر الأشياء التي تحرم عليه بالإِحرام، فإذا أحرم حرم عليه ذلك كله بسبب واحد وهو الإِحرام؛ فاحتمل أن يكون كما حرمت عليه بسبب واحد أن يحل منها أيضًا بسبب واحد، واحتمل أن يحل منها بأشياء مختلفة إحلالًا بعد إحلال؛ فاعتبرنا ذلك، فرأيناهم قد أجمعوا أنه إذا رمى فقد حل له الحلق، هذا ما لا خلاف فيه بين المسلمين، وأجمعوا أن الجماع حرام عليه على حاله الأولى؛ فثبت أنه حل مما قد كان حرم عليه بسبب واحد بأسباب مختلفة؛ فبطلت بهذا العلة التي ذكرنا، فلما ثبت أن الحلق يحل له إذا رمى، وأنه مباح له بعد حلق رأسه أن يحلق ما يشاء من شعر بدنه ويقص أظفاره؛ أردنا أن ننظر حكم اللباس حكم ذلك أو حكمه حكم الجماع ولا يحل حتى يحل الجماع؟ فاعتبرنا ذلك فرأينا المحرم بالحج إذا جامع قبل أن يقف بعرفة فسد حجة، ورأيناه إذا حلق شعره أو قص أظفاره وجبت عليه في ذلك فدية ولم يفسد بذلك حجه، ورأيناه لو لبس ثيابًا قبل وقوفه بعرفة لم يفسد عليه ذلك إحرامه ووجبت عليه في ذلك فدية؛ فكان حكم اللباس قبل عرفة مثل حكم قص الشعر والأظفار، لا مثل حكم الجماع، فالنظر على ذلك أن يكون حكمه أيضًا بعد الرمي والحلق كحكمهما لا [كحكم] (١) الجماع، فهذا هو النظر في ذلك.
стр. 4964
ش: أي ثم رجعنا إلى بيان وجه النظر والقياس بين هذين الفريقين، وهما الفريقان اللذان افترقا من أهل المقالة الثانية على فرقتين:
فرقة قالوا: حكم الطيب للمحرم إذا رمى جمرة العقبة وحلق؛ حكم اللباس فيحل كما يحل اللباس.
وفرقة قالوا: حكمه حكم الجماع لا يحل حتى يحل الجماع، وذلك بعد طواف الزيارة، وأراد أهل المقالة الأولى الذين قالوا: لا يحل اللباس والطيب حتى تحل له النساء، وباقي الكلام ظاهر.
قوله: "بسبب واحد بأسباب مختلفة" الباء في قوله: "بسبب واحد" تتعلق بقوله: "قد كان حرم عليه" والباء التي في قوله: "بأسباب" تتعلق بقوله: "حل" في قوله: "فثبت أنه حل".
قوله: "فالنظر على ذلك ... إلى آخره" نتيجة ما ذكره من المقدمات.
ص: فإن قال قائل: فقد رأينا القبلة حرامًا على المحرم بعد أن يحلق، وهي قبل الوقوف بعرفة في حكم اللباس لا في حكم الجماع، فلم لا كان اللباس بعد الحلق أيضًا كهي؟
قيل له: إن اللباس بالحلق أشبه منه بالقبلة؛ لأن القبلة هي بعض أسباب الجماع، وحكمها حكمه، تحل حيث يحل وتحرم حيث يحرم، في النظر في الأشياء كلها، والحلق واللباس ليسا من أسباب الجماع إنما هما من أسباب إصلاح البدن، فحكم كل واحد منهما بحكم صاحبه أشبه من حكمه بالقبلة.
فقد ثبت بما ذكرنا أنه لا بأس باللباس بعد الرمي والحلق.
ش: تقدير السؤال أن يقال: لم جعلتم حكم اللباس بعد الرمي والحلق كحكم قص الشعر وقلم الأظفار قياسًا على ما كان من حكمهما مثل حكمه قبل الوقوف بعرفة، فلم لم تجعلوا حكمه بعد الرمي والحلق كحكم القبلة في كونها حرامًا بعد الحلق أيضًا قياسًا على ما كان من حكمهما مثل حكمه قبل الوقوف بعرفة؟
стр. 4965
وتقرير الجواب أن يقال: إن قياس اللباس على الحلق أشبه من القياس على القبلة؛ لأن القبلة من بعض أسباب الجماع ومقدماته وحكمها حكمه -أي حكم القبلة حكم الجماع- تحل -أي القبلة- حيث يحل -أي الجماع- وتحرم -أي القبلة- حيث يحرم -أي الجماع- والحلق واللباس ليسا من مقدمات الجماع ولا من دواعيه، وإنما هما من أسباب إصلاح البدن لإِزالة الشعث والدرن ودفع الحر والبرد، فقياس كل واحد منهما على صاحبه لقرب الشبه بينهما أول من القياس على القبلة التي ليس بينها وبين اللباس شبه ما، والله أعلم.
ص: وقد قال ذلك أصحاب رسول الله ﵇ من بعده:
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عمر، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "إذا حلقتم ورميتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب".
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر مثله.
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن عمر ﵁ خطب الناس بعرفة ... " فذكر مثله.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قبيصة، قال: ثنا سفيان، عن ابن جريج وموسى، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يأخذ من (أطرافه) (١) وشاربه ولحيته يعني قبل أن يزور".
ش: أي وقد قال ما ذكرنا -أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة وحلق؛ حل له اللباس- جماعة من أصحاب رسول الله ﵇ منهم عمر بن الخطاب ﵁.
стр. 4966
وأخرج عنه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار المكي، عن طاوس اليماني، عن عبد الله بن عمر، أن عمر ﵁.
وأخرجه البيهقي (١): من حديث معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر يقول: "إذا رميتم وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلاَّ النساء والطيب".
الثاني: عن نصر بن مرزوق، عن علي بن معبد بن شداد، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير المدني قارئ أهل المدينة، عن عبد لله بن دينار، عن عبد الله بن عمر، عن عمر مثله.
وأخرجه ابن أي شيبة في "مصنفه" (٢): نا محمد بن فضيل، عن أشعث، عن نافع، عن ابن عمر وعمر أنهما قالا: "إذا نحر الرجل وحلق؛ حل له كل شيء إلا النساء والطيب".
الثالث: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر: "أن عمر خطب الناس بعرفة ... ".
وأخرجه مالك في"موطإه" (٣): عن نافع وعبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر: "أن عمر خطب الناس بعرفة وعلمهم أمر الحج وقال لهم فيما قال: إذا جئتم إلى منى فمن رمى الجمرة فقد حل له ما حرم على الحاج إلا النساء والطيب، لا يمس أحدٌ نساءً ولا طيبًا حتى يطوف بالبيت".
стр. 4967
أما الأثر الذي أخرجه عن علي بن شيبة، عن قبيصة بن عقبة السوائي الكوفي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عبد الملك بن جريج وموسى بن عقبة المدني، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر ﵃ فإنه يدل أيضاً على إباحة اللباس بعد الرمي والحلق؛ لأن قص الأظفار والشارب والأخذ من اللحية كلها لا تكون إلاَّ من اللابس عادة.
قوله: "قبل أن يزور" أي بالبيت، وأراد به طواف الزيارة.
ص: فهذا عمر ﵁ قد أباح لهم إذا رموا وحلقوا كل شيء إلاَّ النساء والطيب، وقد خالفته عائشة وابن عباس وابن الزبير ﵃ في الطيب خاصة، فأمَّا عائشة وابن عباس فقد روينا ذلك عنها فيما تقدم من هذا الباب، وأما ابن الزبير: فحدثنا ابن خزيمة وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: ثنا ابن الهاد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، قال: سمعت عبد الله بن الزبير ﵄ يقول: "إذا رمى الجمرة الكبرى فقد حل له ما حرم عليه إلاَّ النساء حتى يطوف بالبيت".
ش: أي هذا عمر بن الخطاب ﵁ قد أباح للمحرمين إذا رموا جمرة العقبة وحلقوا رؤوسهم كل شيء إلا النساء والطيب، وثبت بهذا جواز اللباس بعد الرمي والحلق، وبقي الكلام في الطيب؛ فإن عمر ﵁ استثنى الطيب كما استثنى النساء، فعلم أن مذهبه في الطيب؛ أن لا يباح إلاَّ بعد طواف الزيارة، ولكن خالفته ثلاثة من الصحابة، وهم: عائشة وعبد الله بن عباس وعبد الله ابن الزبير ﵃ في الطيب؛ فإنهم قالوا بإباحة الطيب أيضًا بعد الرمي والحلق، وقد تقدم فيما مضى ما روي فيه عن عائشة وابن عباس.
وأما ما روي عن ابن الزبير فأخرجه بإسناد صحيح، عن ابن خزيمة وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد المدني، عن يحيى بن سعيد الأنصاري المدني ... إلى آخره.
стр. 4968
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن الزبير قال: "إذا رمى الجمرة حل له كل شيء إلا النساء".
ص: وقد روي عن ابن عمر ما يدل على هذا أيضًا:
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عمر قال: قال عمر ﵁ فذكر مثل الذي رويناه عنه في الفصل الذي قبل هذا.
قال: فقالت عائشة: "كنت أطيب رسول الله ﵇ إذا رمى جمرة العقبة قبل أن يفيض. فسنة رسول الله ﵇ أحق أن يؤخد بها من سنة عمر ﵁".
ش: أي قد رُوي عن ابن عمر ما يدل على أنه قد خالف أباه عمر ﵁ فيما ذهب إليه كما خالفه هؤلاء الثلاثة من الصحابة ﵃ وذلك فيما أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود، عن سفيان الثوري ... إلى آخره.
والكل رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق، وقد ذكره -يعني هذا الإِسناد- عن قريب عند قوله: "وقد قال ذلك أصحاب رسول الله ﵇ من بعده".
قوله: "قال فقالت عائشة ... إلى آخره" أي فقال عبد الله بن عمر قالت عائشة: ... إلى آخره، وقد [مرَّ] (٢) ما رُوي عن عائشة في هذا الباب.
قوله: "فسنة رسول الله ﵇[أحق] (٣) أن يؤخذ بها من سنة عمر ﵁" صريح على أنه قد خالف أباه عمر في حكم الطيب، وذهب في ذلك إلى ما ذهب إليه هؤلاء الثلاثة من الصحابة ﵃.
стр. 4969
وأخرج البيهقي (١): من حديث ابن عُيينة، عن عمرو، عن سالم قال: قالت عائشة: "أنا طيبت رسول الله ﵇ لحله وإحرامه. قال سالم: وسنة رسول الله ﵇ أحق أن تتبع".
ص: والنظر بعد ذلك في هذا يدل على ذلك أيضًا؛ لأن حكم الطيب بحكم اللباس أشبه من حكمه بحكم الجماع لما قد فسرنا مما قد تقدم في هذا الباب، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي والقياس بعد ورود الأحاديث في إباحة الطيب بعد رمي جمرة العقبة والحلق يدل على ما ذكر من إباحته أيضًا، ووجهه: أن حكم الطيب بحكم اللباس أشبه؛ لأن كلًّا منهما مما يُزَيَّن به، بخلاف الجماع فلا يلحق به، والله أعلم.
ص: وقد رُوي ذلك أيضًا عن جماعة من التابعين:
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا أفلح بن حميد، عن أبي بكر بن حزم قال: "دعانا سليمان بن عبد الملك يوم النحر؛ أن سر إلى عمر بن عبد العزيز والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وعبد الله بن عبد الله بن عمر وخارجة بن زيد وابن شهاب ﵃ فسألهم عن الطيب في هذا اليوم قبل أن نفيض، قالوا: تطيب يا أمير المؤمنين، إلاَّ أن عبد الله بن عبد الله قال: كان عبد الله بن عمر رجلاً قد رأى محمدًا ﵇، وكان إذا رمى جمرة العقبة أناخ فنحر وحلق، ثم مضى مكانه فأفاض إلى البيت".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد وعبد الله بن أبي بكر وربيعة بن عبد الرحمن: "أن الوليد بن عبد الملك سأل سالم بن عبد الله وخارجة بن زيد بن ثابت بعد أن رمى جمرة العقبة وحلق عن الطيب، فنهاه سالم ورخص له خارجة".
стр. 4970
ش: أي قد رُوي أيضًا ما ذكرنا من جواز الطيب للمحرم بعد رمي الجمرة والحلق عن جماعة من التابعين، فإن عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وخارجة بن زيد بن ثابت، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري؛ كلهم أفتوا بجواز استعمال الطيب قبل طواف الإِفاضة، وذلك حين استفتاهم سليمان بن عبد الملك ابن مروان بن الحكم يوم النحر سنة حج في أيام خلافته، وكان قد تولاها في سنة ست وتسعين بعد أخيه الوليد بن عبد الملك، وتوفى سنة تسع وتسعين يوم الجمعة لعشر خلون من صفر منها، واستخلف بعده عمر بن عبد العزيز ﵁.
وأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن أفلح بن حميد بن نافع الأنصاري النجاري المدني روى له الجماعة غير الترمذي، عن أبي بكر بن محمد بن حزم بن [زيد] (١) الأنصاري الخزرجي ثم النجاري المدني اسمه وكنيته واحد.
قوله: "إلَّا أن عبد الله بن عبد الله ... إلى آخره" إشارة إلى أنه لم يفت لسليمان ابن عبد الملك كما أفتى به رفقته؛ فإنه قال: "كان عبد الله بن عمر ﵄ رجلاً رأى محمدًا" وأراد أن عبد الله صحابي شاهد من النبي ﵇ ما لم يشاهده هؤلاء؛ لأنهم لم يدركوا النبي ﵇، وكان عبد الله إذا رمى جمرة العقبة أناخ بعيره، فنحر هديه وحلق رأسه ثم أفاض إلى البيت لطواف الإِفاضة، ولم يذكر فيه أنه تطيب، ولكن فتوى هؤلاء هي سنة رسول الله ﵇ على ما ثبت في أحاديث عائشة وغيرها، على أن كلام عبد الله لا يفهم منه نفي التطيب؛ لأنه ساكت عنه، ويحتمل أنه ما رأى ذلك منه فحكى ما شاهده فقط، وكيف وقد مضى في حديث طاوس عن ابن عمر قال: قال عمر ... الحديث، وفي آخره: "فسُنَّة رسول الله ﵇ أحق أن يؤخذ بها من سُنة عمر ﵁".
стр. 4971
قوله: "حدثنا يونس ... إلى آخره" كلهم رجال الصحيح، والوليد هو ابن عبد الملك بن مروان -ومروان بن الحكم- ولي الخلافة بعد موت أبيه عبد الملك في النصف من شوال سنة ست وثمانين، وتوفى الوليد سَنة ست وتسعين، فكانت ولايته تسع سنين وخمسة أشهر -وقيل: وسبعة أشهر- والله أعلم.
والأثر أخرجه مالك في "موطإه" (١)، وفي "شرح الموطأ": لم يختلف فيه عن خارجة، واختلف فيه عن سالم، وقد ذكرنا عن سالم ما أخرجه البيهقي (٢) عنه قال: قالت عائشة ﵂: "أنا طيبت رسول الله ﵇ لحلّه وإحرامه، قال سالم: وسنة رسول الله ﵇ أحق أن تتبع".
...
стр. 4972
ص: باب: المرأة تحيض بعدما طافت للزيارة قبل أن تطوف للصدر
ش: أي هذا باب في بيان حكم المرأة التي ترى الحيض بعد طوافها للزيارة قبل طوافها للصدر وهو طواف الوداع "والصَّدَر" بفتح الصاد والدال: الرجوع يقال: صدر يصدر صدورًا وصدرًا.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن أبي عوانة، عن يعلى ابن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن بن الزجاج، عن الحارث بن أوس الثقفي، قال: "سألت عمر بن الخطاب ﵁ عن امرأة حاضت قبل أن تطوف، قال: تجعل آخر عهدها الطواف، قال: هكذا حدثني رسول الله ﵇ حين سألته، فقال لي عمر ﵁: أَرِبْتَ عن يديك؟! سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله ﵇ كيما أخالفه؟ ".
حدثنا محمد بن علي بن داود، قال: ثنا عفان، قال: ثنا أبو عوانة ... فذكر بإسناده نحو حديث ابن مرزوق في إسناده ومتنه غير أنه قال: "سألت عمر بن الخطاب عن المرأة تطوف بالبيت ثم تحيض".
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: عن ابن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن يعلى بن عطاء العامري، وثقه النسائي وغيره، وروى له الجماعة البخاري في غير الصحيح.
عن الوليد بن عبد الرحمن بن الزجاج الجرشي الحمصي روى له الجماعة غير البخاري، عن الحارث بن أوس الثقفي الصحابي، ويقال: الحارث بن عبد الله بن أوس على ما يأتي في الطريق الثاني هكذا.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عمر بن عوف، قال: أنا أبو عوانة، عن يعلى بن
стр. 4973
عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن الحارث بن عبد الله بن أوس قال: "أتيت عمر بن الخطاب ﵁ فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض، قال: ليكن آخر عهدها بالبيت، قال: فقال الحارث: كذلك أفتأني رسول الله ﵇، فقال عمر: أربت عن يديك، سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله، كيما أخالفه؟! ".
الثاني: عن محمد بن علي بن داود البغدادي، عن عفان بن مسلم الصفار شيخ أحمد، عن أبي عوانة الوضاح ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا بهز وعفان، قالا: ثنا أبو عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي قال: "سألت عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأة تطوف بالبيت ثم تحيض، قال: ليكن آخر عهدها الطواف بالبيت، قال: فقال الحارث: كذلك أفتأني رسول الله ﵇، قال: فقال عمر بن الخطاب: أربت عن يديك، سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله ﵇ لكي ما أخالف؟! ".
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): نا محمد بن العباس المؤذن، ثنا عفان بن مسلم.
ونا أبو مسلم الكجي، ثنا سهل بن بكار، قالا: ثنا أبو عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي قال: "سألت عمر بن الخطاب ... " إلى آخره نحو رواية أحمد.
стр. 4974
وأخرجه الترمذي (١): ثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، قال: ثنا المحاربي، عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمرو بن أوس، عن الحارث بن عبد الله بن أوس، قال: سمعت النبي ﵇ يقول: "من حج البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت، فقال عمر ﵁: خررت من يديك، سمعت هذا من رسول الله ﵇ ولم تخبرنا به؟! ". وقال: هذا حديث غريب، وقال الحافظ المنذري: الإِسناد الذي خرجه أبو داود حسن، وأخرجه الترمذي بإسناد ضعيف وقال غريب.
قوله: "أربت عن يديك" بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون الباء الموحدة وبتاء الخطاب، وهذه لفظه في موضع الدعاء ومعناها سقطت أَرَابك، وهي جمع "أرب" وهو العضو، وقال ابن الأثير: معناه سقطت آرابك من اليدين خاصة، وقال الهروي: معناه ذهب ما في يديك حتى تحتاج، وفي هذا نظر، لأنه قد جاء في رواية الترمذي كما ذكرنا: "خررت عن يديك" وهي عبارة عن الخجل مشهورة، كأنه أراد أصابك خجل أو ذم، ومعنى خررت: سقطت.
قلت: ومن هذا القبيل ما جاء في حديث آخر: "أن رجلاً اعترض النبي ﵇ ليسأله، فصاح به الناس فقال: دعوا الرجل أرب ماله" ففي هذه اللفظة ثلاث روايات: أَرِبَ على وزن عَلِمَ ومعناها الدعاء عليه، أي أصيبت أرابه وسقطت، وهي كلمة لا يراد بها وقوع الأمر، كما يقال: تربت يداك، وقاتلك الله، وإنما تذكر في معرض التعجب.
والثانية أَرَبٌ ماله على وزن جَمَلَ أي حاجة له، وكلمة "ما" زائدة للتقليل، أي حاجة يسيرة.
والثالث أرِبٌ على وزن كتِفٌ، والأَرَبُ: الحاذق الكامل، أي هو أَرَبٌ، بحذف المبتدأ، ثم سأل فقال: ما له؟ أي ما شأنه؟
стр. 4975
قوله: "كي ما أخالفه" أي حتى أخالف النبي ﵇ في جوابي، أراد: إنك سألتني عن شيء قد علمته من رسول الله ﵇ حتى أجيب بجواب أخالف فيه ما أجاب به رسول الله ﵇.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا الحديث فقالوا: لا يحل لأحد أن ينفر حتى يطوف طواف الصدر ولم يعذروا في ذلك حائضًا بحيضها.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: سالم بن عبد الله وابن شبرمة وطائفة من السلف؛ فإنهم قالوا: لا يجوز لأحد أن ينفر من مكة حتى يطوف طواف الصدر، حتى الحائض فإنها أيضًا لا تعذر في تركها طواف الوداع، بل تصبر إلى أن تطهير وتطوف، وحكى ابن المنذر هذا القول عن عمر وابنه عبد الله وزيد بن ثابت ﵁ فإنهم أمروها بالمقام لطواف الوداع، وقال أبو عمر بن عبد البر: وعن ابن عمر وعائشة مثله.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لها أن تنفر وإن لم تطف بالبيت، وعذروها بالحيض؛ هذا إذا كانت قد طافت طواف الزيارة قبل ذلك.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: القاسم وطاوسًا وعطاء بن أبي رباح والنخعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: الحائض إذا كانت قد طافت طواف الزيارة قبل أن تحيض ثم حاضت يسقط عنها طواف الصدر، ولها أن تنفر من غير شيء.
واختلفوا في طواف الوداع، فالصحيح في مذهب الشافعي أنه واجب فإن تركه تارك لزمه دم، وبه قال الحسن والحكم وحماد والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، وعن مجاهد روايتان كالمذهبين، ولكنه ساقط عن الحائض عند الكل كما ذكرنا، وفي "شرح الموطأ" للإِشبيلي: أجمع العلماء أن طواف الإِفاضة فرض، وطواف الوداع سنة، وقال مالك: لا أحب لأحد أن يخرج من مكة حتى يودع البيت بالطواف، فإن لم