قوله: "حدثنا يونس ... إلى آخره" كلهم رجال الصحيح، والوليد هو ابن عبد الملك بن مروان -ومروان بن الحكم- ولي الخلافة بعد موت أبيه عبد الملك في النصف من شوال سنة ست وثمانين، وتوفى الوليد سَنة ست وتسعين، فكانت ولايته تسع سنين وخمسة أشهر -وقيل: وسبعة أشهر- والله أعلم.
والأثر أخرجه مالك في "موطإه" (١)، وفي "شرح الموطأ": لم يختلف فيه عن خارجة، واختلف فيه عن سالم، وقد ذكرنا عن سالم ما أخرجه البيهقي (٢) عنه قال: قالت عائشة ﵂: "أنا طيبت رسول الله ﵇ لحلّه وإحرامه، قال سالم: وسنة رسول الله ﵇ أحق أن تتبع".
...
стр. 4972
ص: باب: المرأة تحيض بعدما طافت للزيارة قبل أن تطوف للصدر
ش: أي هذا باب في بيان حكم المرأة التي ترى الحيض بعد طوافها للزيارة قبل طوافها للصدر وهو طواف الوداع "والصَّدَر" بفتح الصاد والدال: الرجوع يقال: صدر يصدر صدورًا وصدرًا.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، عن أبي عوانة، عن يعلى ابن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن بن الزجاج، عن الحارث بن أوس الثقفي، قال: "سألت عمر بن الخطاب ﵁ عن امرأة حاضت قبل أن تطوف، قال: تجعل آخر عهدها الطواف، قال: هكذا حدثني رسول الله ﵇ حين سألته، فقال لي عمر ﵁: أَرِبْتَ عن يديك؟! سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله ﵇ كيما أخالفه؟ ".
حدثنا محمد بن علي بن داود، قال: ثنا عفان، قال: ثنا أبو عوانة ... فذكر بإسناده نحو حديث ابن مرزوق في إسناده ومتنه غير أنه قال: "سألت عمر بن الخطاب عن المرأة تطوف بالبيت ثم تحيض".
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: عن ابن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن يعلى بن عطاء العامري، وثقه النسائي وغيره، وروى له الجماعة البخاري في غير الصحيح.
عن الوليد بن عبد الرحمن بن الزجاج الجرشي الحمصي روى له الجماعة غير البخاري، عن الحارث بن أوس الثقفي الصحابي، ويقال: الحارث بن عبد الله بن أوس على ما يأتي في الطريق الثاني هكذا.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عمر بن عوف، قال: أنا أبو عوانة، عن يعلى بن
стр. 4973
عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن الحارث بن عبد الله بن أوس قال: "أتيت عمر بن الخطاب ﵁ فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض، قال: ليكن آخر عهدها بالبيت، قال: فقال الحارث: كذلك أفتأني رسول الله ﵇، فقال عمر: أربت عن يديك، سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله، كيما أخالفه؟! ".
الثاني: عن محمد بن علي بن داود البغدادي، عن عفان بن مسلم الصفار شيخ أحمد، عن أبي عوانة الوضاح ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا بهز وعفان، قالا: ثنا أبو عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي قال: "سألت عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأة تطوف بالبيت ثم تحيض، قال: ليكن آخر عهدها الطواف بالبيت، قال: فقال الحارث: كذلك أفتأني رسول الله ﵇، قال: فقال عمر بن الخطاب: أربت عن يديك، سألتني عن شيء سألت عنه رسول الله ﵇ لكي ما أخالف؟! ".
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): نا محمد بن العباس المؤذن، ثنا عفان بن مسلم.
ونا أبو مسلم الكجي، ثنا سهل بن بكار، قالا: ثنا أبو عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي قال: "سألت عمر بن الخطاب ... " إلى آخره نحو رواية أحمد.
стр. 4974
وأخرجه الترمذي (١): ثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، قال: ثنا المحاربي، عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمرو بن أوس، عن الحارث بن عبد الله بن أوس، قال: سمعت النبي ﵇ يقول: "من حج البيت أو اعتمر فليكن آخر عهده بالبيت، فقال عمر ﵁: خررت من يديك، سمعت هذا من رسول الله ﵇ ولم تخبرنا به؟! ". وقال: هذا حديث غريب، وقال الحافظ المنذري: الإِسناد الذي خرجه أبو داود حسن، وأخرجه الترمذي بإسناد ضعيف وقال غريب.
قوله: "أربت عن يديك" بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون الباء الموحدة وبتاء الخطاب، وهذه لفظه في موضع الدعاء ومعناها سقطت أَرَابك، وهي جمع "أرب" وهو العضو، وقال ابن الأثير: معناه سقطت آرابك من اليدين خاصة، وقال الهروي: معناه ذهب ما في يديك حتى تحتاج، وفي هذا نظر، لأنه قد جاء في رواية الترمذي كما ذكرنا: "خررت عن يديك" وهي عبارة عن الخجل مشهورة، كأنه أراد أصابك خجل أو ذم، ومعنى خررت: سقطت.
قلت: ومن هذا القبيل ما جاء في حديث آخر: "أن رجلاً اعترض النبي ﵇ ليسأله، فصاح به الناس فقال: دعوا الرجل أرب ماله" ففي هذه اللفظة ثلاث روايات: أَرِبَ على وزن عَلِمَ ومعناها الدعاء عليه، أي أصيبت أرابه وسقطت، وهي كلمة لا يراد بها وقوع الأمر، كما يقال: تربت يداك، وقاتلك الله، وإنما تذكر في معرض التعجب.
والثانية أَرَبٌ ماله على وزن جَمَلَ أي حاجة له، وكلمة "ما" زائدة للتقليل، أي حاجة يسيرة.
والثالث أرِبٌ على وزن كتِفٌ، والأَرَبُ: الحاذق الكامل، أي هو أَرَبٌ، بحذف المبتدأ، ثم سأل فقال: ما له؟ أي ما شأنه؟
стр. 4975
قوله: "كي ما أخالفه" أي حتى أخالف النبي ﵇ في جوابي، أراد: إنك سألتني عن شيء قد علمته من رسول الله ﵇ حتى أجيب بجواب أخالف فيه ما أجاب به رسول الله ﵇.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا الحديث فقالوا: لا يحل لأحد أن ينفر حتى يطوف طواف الصدر ولم يعذروا في ذلك حائضًا بحيضها.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: سالم بن عبد الله وابن شبرمة وطائفة من السلف؛ فإنهم قالوا: لا يجوز لأحد أن ينفر من مكة حتى يطوف طواف الصدر، حتى الحائض فإنها أيضًا لا تعذر في تركها طواف الوداع، بل تصبر إلى أن تطهير وتطوف، وحكى ابن المنذر هذا القول عن عمر وابنه عبد الله وزيد بن ثابت ﵁ فإنهم أمروها بالمقام لطواف الوداع، وقال أبو عمر بن عبد البر: وعن ابن عمر وعائشة مثله.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لها أن تنفر وإن لم تطف بالبيت، وعذروها بالحيض؛ هذا إذا كانت قد طافت طواف الزيارة قبل ذلك.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: القاسم وطاوسًا وعطاء بن أبي رباح والنخعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: الحائض إذا كانت قد طافت طواف الزيارة قبل أن تحيض ثم حاضت يسقط عنها طواف الصدر، ولها أن تنفر من غير شيء.
واختلفوا في طواف الوداع، فالصحيح في مذهب الشافعي أنه واجب فإن تركه تارك لزمه دم، وبه قال الحسن والحكم وحماد والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال مالك وداود وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، وعن مجاهد روايتان كالمذهبين، ولكنه ساقط عن الحائض عند الكل كما ذكرنا، وفي "شرح الموطأ" للإِشبيلي: أجمع العلماء أن طواف الإِفاضة فرض، وطواف الوداع سنة، وقال مالك: لا أحب لأحد أن يخرج من مكة حتى يودع البيت بالطواف، فإن لم
стр. 4976
يفعل فلا شيء عليه، فرآه مستحبًا لسقوطه عن الحائض وعن المكي الذي لا يبرح من مكة، فإن خرج من مكة إلى حاجة طاف للوداع.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن سليمان -وهو ابن أبي مسلم الأحول- عن طاوس، عن ابن عباس قال: "كان الناس ينفرون من كل وجه، فقال رسول الله ﵇: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت".
حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: "أُمِرَ الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه قد خفف عن المرأة الحائض".
ش: أي واحتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عباس.
وأخرجه من طريقين رجالهما كلهم رجال الصحيح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن سليمان بن أبي مسلم المكي الأحول خال عبد الله بن أبي نجيح، وأبو مسلم يقال اسمه عبد الله.
وأخرجه مسلم (١): نا سعيد بن منصور وزهير بن حرب، قالا: ثنا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﵇: لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده باليبت". قال زهير: "ينصرفون كل وجه" لم يقل: في.
الثاني: عن يونس أيضًا، عن سفيان أيضًا، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،
عن ابن عباس.
وأخرجه مسلم (٢) أيضاً: ثنا سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة واللفظ لسعيد، قالا: ثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلاَّ أنه خفف عن المرأة الحائض".
стр. 4977
قوله: "ينفرون" أي يذهبون ويفرون، من نَفَرَ يَنْفِرُ نُفُورًا ونفارًا من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ.
قوله: "آخر عهده" أي آخر وقته الذي يفارق فيه مكة.
فإن قيل: الرواية الأولى كيف تدل على سقوط طواف الوداع عن الحائض؟
قلت: الرواية الثانية تدل على ذلك، وهي مقيدة فحمل المطلق على المقيد.
فإن قيل: ما تقول فيمن طاف طواف الوداع، ثم تشاغل في مكة بعده، ثم خرج، هل عليه طواف آخر أم لا؟
قلت: لا. فيكفيه ذلك الطواف.
فإن قيل: أليس أمر في الحديث أن يكون آخر عهده الطواف بالبيت ولما تشاغل بعده لم يقع الطواف آخر عهده فيجب أن لا يجوز إذا لم يأت بالمأمور به؟ قلت: المراد منه آخر عهده بالبيت نسكًا لا إقامة، والطواف آخر مناسكه بالبيت وإن تشاغل بغيره، وروي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا طاف للصدر ثم أقام إلى الغد، فأحب أن يطوف طوافًا آخر؛ لئلا يكون بين وداعه وبين نفره حائل.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، قال: قال زيد بن ثابت لابن عباس: "أنت الذي تفتي الحائض أن تصدر قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ قال: نعم، قال: فلا تفعل، فقال: سل فلانة الأنصارية هل أمرها النبي ﵇ أن تصدر؟ فسأل المرأة ثم رجع إليه فقال: ما أراك إلا قد صدقت".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عمرو بن أبي زيد، قال: ثنا هشام، عن قتادة، عن عكرمة: "أن زيد بن ثابت وابن عباس ﵃ اختلفا في المرأة تحيض بعدما تطوف بالبيت يوم النحر، فقال زيد: يكون آخر عهدها الطواف بالبيت، وقال ابن عباس: تنفر إذا شاءت، فقالت الأنصار: لا نتابعك يا ابن عباس وأنت تخالف زيدًا، فقال: سلوا صاحبتكم أم سليم، فسألوها، فقالت: حضت بعدما طفت يوم
стр. 4978
النحر، فأمرني رسول الله ﵇ أن أنفر، وحاضت صفية، فقالت لها عائشة: الخيبة لك؛ حبست أهلنا، فدكر ذلك لرسول الله ﵇ فأمرها أن تنفر".
ش: هذان طريقان آخران صحيحان:
أحدهما: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن الحسن بن مسلم بن يناق المكي روى له الجماعة سوى الترمذي ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): حدثني محمد بن حاتم، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، قال: أخبرني الحسن بن مسلم، عن طاوس قال: "كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت: تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟! فقال له ابن عباس: إما لا، فسل فلانة الأنصارية هل أمرها بذلك رسول الله ﵇؟ قال: فخرج زيد إلى ابن عباس يضحك وهو يقول: ما أراك إلا قد صدقت".
والآخر: عن ابن مرزوق أيضًا، عن عمرو بن أبي زيد الخزاعي البصري المشهور الثقة، عن هشام الدستوائي، عن قتادة بن دعامة، عن عكرمة ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا أبو النعمان، ثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة: "أن أهل المدينة سألوا ابن عباس عن امرأة طافت ثم حاضت، فقال لهم: تنفر، قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد، قال إذا قدمتم المدينة فسلوا، فقدموا المدينة فسألوا، فكان فيمن سألوا: أم سليم، فذكرت حديث صفية".
قوله: "فلانة الأنصارية" هي أم سليم على ما فسره في الرواية الثانية.
قوله: "إما لا" في رواية مسلم كذا هو بكسر الهمزة وفتح اللام، وعند الطبري: "إما لي" بكسر اللام، قال القاضي: وكذا قرأته بخط الأصيلي في كتاب البخاري، والمعروف في كلام العرب فتح اللام إلا أن تكون على لغة من يميل.
стр. 4979
وقال ابن الأنباري: قولهم: افعل هذا إما لا. معناه: افعل كذا وكذا إن كنت لا تفعل غيره، فدخلت "ما" صلة "لأن" كما قال تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ (١) فاكتفى بلا من الفعل، كما تقول العرب: من سلم عليك فسلم عليه وإلا فلا، وفي "المطالع": "إما لا" وقع هذا اللفظ في الصحيحين في مواضع بكسر الهمزة وشد الميم وهو هكذا صحيح، و"لا" مفتوحة عند الجميع إلا أنه وقع للطبري: "إما لي" بكسر الهمزة وكسر اللام بعدها ياء ساكنة متصلة باللام، وكذا ضبطه الأصيلي في "جامع البيوع"، وكذا لبعض رواة مسلم، والمعروف فتح اللام، وقد منع من كسرها أبو حاتم وغيره ونسبوه إلى العامة، ولكنه خارج على مذهب الإِمالة، كأن الكلمة كلها واحدة، وقد فتح بعض الرواة الهمزة فقال: "أما لا" وهو أيضًا خطأ إلاَّ على لغة بني تميم الذين يفتحون همزة "إما" للتخيير فيقولون: "خذ أما هذا وأما هذا" ومعنى هذه الكلمة: "إن كنت لا تفعل هذا فافعل غيره" و"ما" صلة لأن.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، قال: ثنا عباد ابن العوام، عن سعيد، عن قتادة عن أنس: "أن أم سليم حاضت بعدما أفاضت يوم النحر، فأمرها النبي ﵇ أن تنفر".
ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات، وسعيد هو ابن أبي عروبة، وأم سليم بنت ملحان الأنصارية، أم أنس بن مالك، وفي اسمها أقوال: سهلة، ورميلة، ورميثة وأنيقة؛ ومليكة، وغير ذلك.
قوله: "أفاضت" أراد أنها طافت طواف الإِفاضة و (هي) (٢) طواف الزيارة.
قوله: "أن تنفر" أي تذهب ولا تطوف للصدر.
стр. 4980
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر الزهراني، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: "لما أراد رسول الله ﵇ أن ينفر رأى صفية على باب خبائها كئيبة حزينة وقد حاضت، فقال رسول الله ﵇: إنك لحابستنا، أكنت أفضت يوم النحر؟ قالت: نعم، قال: فانفري إذن".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: ثنا شعبة ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، عن رسول الله ﵇ ... بمثل معناه.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير، عن عائشة، عن رسول الله ﵇ نحوه.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، قال: حدثني ابن شهاب وهشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، عن رسول الله ﵇ نحوه.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن هشام بن عروة، فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا عبد الرحمن الأعرج، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن رسول الله ﵇ نحوه.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: "أن صفية بنت حُيي زوج النبي ﵇ حاضت، فذكرت ذلك للنبي ﵇ فقال: أحابستنا هي؟! فقلت: إنها قد أفاضت، فقال: فلا إذن".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا أفلح، عن القاسم، عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﵇ نحوه.
стр. 4981
ش: هذه تسع طرق:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق ... إلى آخره.
والكل رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق، والحكم هو ابن عتيبة، وإبراهيم هو النخعي.
وأخرجه مسلم (١): نا محمد بن المثنى وابن بشار، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة (ح).
ونا عبد الله بن معاذ -واللفظ له- قال: نا أبي، قال: نا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "لما أراد النبي ﵇ أن ينفر إذا صفية على باب خبائها كئيبة حزينة، فقال: عقرى حلقى إنك لحابستنا، ثم قال لها: أكنت أفضت يوم النحر؟ قالت: نعم، قال: فانفري".
الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء الغداني شيخ البخاري، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "أراد رسول الله أن ينفر، فرأى صفية على باب خبائها كئيبة أو حزينة لأنها حاضت، فقال: عقرى أو حلقى -لغة لقريش- إنك لحابستنا، ثم قال لها: أما كنت أفضت يوم النحر يعني الطواف؟ قالت: نعم، قال: فانفري إذن".
الثالث: عن محمد بن عمرو بن يونس التغلبي، عن يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن الخزاز الكوفي، روى له الجماعة سوى النسائي لكن البخاري في "الأدب".
عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة.
стр. 4982
وأخرجه البخاري (١): ثنا عمر بن حفص، ثنا أبي، ثنا الأعمش، قال: حدثني إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "حاضت صفية ليلة النفر، فقالت: ما أراني إلا حابستكم، قال النبي ﵇: عقرى حلقى، أطافت يوم النحر؟ قيل: نعم، قال فانفري".
الرابع: رجاله كلهم رجال الصحيح، ويونس الأول: هو ابن عبد الأعلى، ويونس الثاني: هو ابن يزيد الأيلي، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وأبو سلمة هو عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
وأخرجه مسلم (٢): حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى وأحمد بن عيسى، قال أحمد: نا، وقال الآخران: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وعروة ... إلى آخره نحوه.
الخامس: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سعد، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري وهشام بن عروة، كلاهما عن عروة، عن عائشة.
وأخرجه مسلم (٣): نا قتيبة بن سعيد، قال: نا ليث (ح).
ونا محمد بن رمح، قال: أنا الليث، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وعروة، أن عائشة قالت: "حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت، قالت عائشة: فذكرت حيضتها لرسول الله ﵇، فقال رسول الله ﵇: أحابستنا هي؟! قالت: فقلت: يا رسول الله، إنها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإِفاضة، فقال رسول الله ﵇: فلتنفر".
وأخرجه ابن ماجه (٤) بهذا الإِسناد نحوه.
стр. 4983
السادس: رجاله كلهم رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله ابن وهب.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١): عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين: "أن رسول الله ﵇ ذكر صفية بنت حيي، فقيل له: إنها قد حاضت، فقال رسول الله ﵇: لعلها حابستنا؟! فقالوا: يا رسول الله، إنها قد طافت، فقال رسول الله ﵇: فلا إذن".
السابع: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة فيه مقال، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن عائشة.
وأخرجه أسد السنة في "مسنده".
الثامن: عن يونس بن عبد الأعلى ... إلى آخره، ورجاله كله رجال الصحيح.
ولخرجه مالك في "موطإه" (٢).
التاسع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن أفلح بن حميد ... إلى آخره والكل ثقات.
وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه وأفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد عن عائشة: "أن صفية حاضت بعدما أفاضت، فذكرت ذلك للنبي ﵇ فقال: أحابستنا هي؟ قلت: إنها كانت قد أفاضت ثم طافت بعد ذلك، قال: فلا إذن".
قوله: "باب خبائها" الخباء -بكسر الخاء- واحد الأخبية من وبر أو صوف، ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة، فما فوق ذلك فهو بيت.
стр. 4984
قوله: "كنت أفضت" أي هل كنت أفضت إلى مكة لطواف الزيارة.
قوله: "عقرى حلقى" قال الزمخشري: هما صفتان للمرأة المشئومة أي أنها تعقر قومها وتحلقهم، أي تستأصلهم من شؤمها عليهم، ومحلها الرفع أي: هي عقرى حلقى، ويحتمل أن تكونا مصدرين على فَعْلَى بمعنى العقر والحلق كالشكوى للشكو، وقيل الألف للتأنيث مثلها في غضبى وسكرى.
ويقال: ظاهر هذا الدعاء عليها وليس بالدعاء في الحقيقة، وهو في مذهبهم معروف أي: عقرها الله وأصابها بعقر في جسدها، ومعنى حلقى: حلقها الله يعني أصابها بوجع في حلقها خاصة، والمحدثون يروون هاتين اللفظين بلا تنوين، والمعروف في اللغة التنوين على أنه مصدر فعل متروك اللفظ تقديره: عقرها الله عقرًا وحلقها حلقًا، ويقال للأمر يعجب منه: عقرًا حلقًا، ويقال أيضًا للمرأة إذا كانت مؤذية مشئومة، وقال أبو عُبيد الصواب: عقرًا حلفا بالتنوين لأنها مصدرًا عقَر وحلقَ.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن إبراهيم بن ميسرة وسليمان خال ابن أبي نجيح، عن طاوس قال: "كان ابن عمر قريبًا من سنتين ينهى أن تنفر الحائض حتى يكون آخر عهدها بالبيت، ثم قال: نبئت أنه قد رخص للنساء".
ش: إسناده صحيح، وهب هو ابن جرير بن حازم، وإبراهيم بن ميسرة الطائفي وثقه يحيى وروى له البخاري ومسلم، وسليمان هو ابن أبي مسلم خال عبد الله بن أبي نجيح المكي الأحول روى له الجماعة.
قوله: "نبئت" على صيغة المجهول أي أخبرت وهذا يدل على أنه قد رجع عما كان يفتي به من منعه الحائض عن النفر إلى طواف الصدر.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا الليث، قال: ثنا عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني طاوس اليماني: "أنه سمع عبد الله بن عمر ﵄-
стр. 4985
يُسأل عن حبس النساء عن الطواف بالبيت إذا حضن قبل النفر وقد أفضن يوم النحر، فقال: إن عائشة كانت تذكر عن رسول الله ﵇ رخصته للنساء، وذلك قبل موت عبد الله بن عمر بعام".
ش: إسناده صحيح، وأبو صالح عبد الله بن صالح وراق الليث شيخ البخاري، وعقيل -بضم العين- بن خالد الليثي، وابن شهاب هو محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري.
قوله: "وذلك قبل موت عبد الله بن عمر بعام" وهذا يدل على أنه كان يفتي بمنعها عن النفر إلاَّ بالطواف، ثم رجع عن ذلك حين بلغه خبر عائشة ﵂ قبل موته بسنة.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سهل بن بكار، قال: ثنا وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: "أنه كان يرخص للحائض إذا أفاضت أن تنفر، قال طاوس: وسمعت ابن عمر يقول: لا تنفر، ثم سمعته بعد يقول: تنفر؛ رخص لهن رسول الله ﵇".
ش: إسناده صحيح، وسهل بن بكار بن بشر الدارمي البصري شيخ البخاري وأبي داود، ووهيب هو ابن خالد البصري روى له الجماعة.
وأخرجه البخاري (١): ثنا مسلم، ثنا وهيب، نا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "رخص للحائض أن تنفر إذا أفاضت، قال: فسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفر، ثم سمعته يقول بعد: إن النبي ﵇ رخص لهن".
ص: حدثنا أبو أيوب عبد الله بن أيوب المعروف بابن خلف الطبراني قال: ثنا عمرو بن محمد الناقد، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: "من حج هذا البيت فليكن آخر عهده الطواف بالبيت إلاَّ الحيض؛ رخص لهن رسول الله ﵇".
стр. 4986
ش: إسناده صحيح، وعمرو الناقد شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، وعيسى ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي روى له الجماعة، وعبيد الله بن عمر بن حفص ابن عاصم بن عمر بن الخطاب روى له الجماعة.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا أبو عمار الحسن بن [حريث] (٢) قال: نا عيسى بن يونس ... إلى آخره نحوه سواء.
وقال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم.
قوله: "إلاَّ الحيضَّ" بضم الحاء وتشديد الياء، جمع حائض، كرُّكَّع جمع راكع.
ص: فهذه الآثار قد بينت عن رسول الله ﵇ أن الحائض لها أن تنفر قبل أن تطوف طواف الصدر إذا طافت طواف الزيارة قبل ذلك طاهرًا، ورجع إلى ذلك من أصحاب رسول الله ﵇ ممن قد كان قال بخلافه: زيد بن ثابت وابن عمر ﵃ وجعلا ما روي عن رسول الله ﵇ في الرخصة في ذلك للحائض رخصة وإخراجًا من رسول الله ﵇ لحكمها من حكم سائر الناس فيما كان أوجب عليهم من ذلك، فثبت بذلك نسخ هذه الآثار لحديث الحارث بن أوس وما كان ذهب إليه عمر من
ذلك، وهذا الذي ثبتنا قول أبي حنيفة وأيى يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي الأحاديث التي رويت عن ابن عباس وعائشة عن رسول الله ﵇ قد بينت وأخبرت أن الحائض ليس عليها طواف الوداع إذا كانت طافت طواف الزيارة قبل ذلك طاهرًا.
قوله: "ورجع إلى ذلك" أي إلى ما ذكرنا من الحكم.
وقوله: "ممن قد كان قال" بيان لقوله: "من أصحاب رسول الله ﵇".
стр. 4987
وقوله: "زيد بن ثابت" مرفوع لأنه فاعل لقوله: "رجع" و"ابن عمر" عطف عليه.
قوله: "فثبت بذلك" أي بما ذكرنا من ثبوت الأحاديث ورجوع زيد وابن عمر إلى ما ذكرنا من الحكم نسخ هذه الآثار يعني أحاديث ابن عباس وعائشة لحديث الحارث بن أوس الذي احتجت به أهل المقالة الأولى.
وقوله: "نسخ هذه الآثار" المصدر فيه مضاف إلى فاعله.
وقوله: "لحديث الحارث بن أوس" في محل النصب على المفعولين؛ فافهم.
قوله: "فهذا الذي ثبتنا" من التثبيت، وفي بعض النسخ: "بَيِّنًا" من التبيين، وكلاهما صحيح.
***
стр. 4988
ص: باب: من قدم من حجه نسكًا قبل نسك
ش: أي هذا باب في بيان حكم من يقدم في حجه نسكًا على نُسُك، والنُسُك بضمتين، والنُّسيكة أمر من أمور الحج، وأمور الحج كلها تسمى مناسك، وقد استوفينا الكلام فيه في أول كتاب الحج.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، عن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ربيعة، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عُبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "أتى رسول الله ﵇ رجل فقال: يا رسول الله، إني أفضت قبل أن أحلق، فقال: احلق ولا حرج، قال: وجاءه آخر وقال: يا رسول الله، إني ذبحت قبل أن أرمي، قال: أرم ولا حرج".
ش: إسناده صحيح، وأبو بكرة بكار القاضي، وأبو أحمد محمد بن عبد الله ابن الزبير الزبيري الأسدي الكوفي روى له الجماعة، وعبد الرحمن بن الحارث ابن عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة -واسمه عمرو- بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي أبو الحارث المدني، وثقه ابن حبان، وعن يحيى: صالح. وروى له الأربعة، وزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ وثقه بن حبان وقال: رأى جماعة من الصحابة، وروى له الأربعة النسائي في "مسند علي" ﵁.
وأبوه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب روى له الجماعة، وعُبيد الله بن أبي رافع المدني مولى النبي ﵇ روى له الجماعة، واسم أبي رافع إبراهيم أو أسلم أو هرمز أو ثابت.
وأخرجه عبد الله بن أحمد في "مسنده" (١) مطولاً: حدثني أحمد بن عبدة البصري، نا المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، حدثني أبي: عبد الرحمن بن
стр. 4989
الحارث، عن زيد بن علي بن حسين بن علي، عن أبيه علي بن حسين بن علي، عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﵇، عن علي بن أبي طالب ﵁: "أن النبي ﵇ وقف بعرفة وهو مردف أسامة بن زيد فقال: هذا الموقف، وكل عرفة موقف، ثم دفع يسير العَنَق، وجعل الناس يضربون يمينًا وشمالًا وهو يلتفت ويقول: أيها الناس، السكينة السكينة، أيها الناس، حتى جاز المزدلفة، وجمع بين الصلاتين، ثم وقف بالمزدلفة، ثم وقف على قزح وأردف الفضل بن عباس ﵄ وقال: هذا الموقف وكل مزدلفة موقف، ودفع وجعل يسير العَنَق، والناس يضربون يمينًا وشمالًا وهو يلتفت ويقول: السكينة السكينة أيها الناس، حتى جاء مُحَسِّرَ يقرع راحلته فخبب حتى خرج، ثم عاد لسيره الأول حتى رمى الجمرة، ثم جاء المنحر، فقال: هذا المنحر وكل منى منحر، ثم جاءته امرأة شابة من خثعم، فقالت: إن أبي كبير قد أفند، وقد أدركته فريضة الله تعالى في الحج ولا يستطيع أداءها (فيجزؤها) (١) عنه أن أؤديها عنه؟ قال رسول الله ﷺ : نعم، وجعل يصرف وجه الفضل بن عباس عنها، ثم أتاه رجل فقال: إني رميت الجمرة وأفضت ولبست ولم أحلق، قال: فلا حرج فاحلق، ثم أتاه رجل آخر فقال: إني رميت وحلقت ونسيت ولم أنحر، فقال: لا حرج فانحر، ثم أفاض رسول الله ﵇ فدعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ، ثم قال: يا بني عبد المطلب، انزعوا فلولا أن تغلبوا عليها لنزعت، قال العباس: يا رسول الله إني رأيتك تصرف وجه ابن عمك! فقال: إني رأيت غلامًا شابًا وجارية شابة؛ فخشيت عليهما الشيطان".
قوله: "إني أفضت قبل أن أحلق" أي إني ذهبت إلي مكة لطواف الإِفاضة قبل أن أحلق رأسي، فقال ﵇: احلق ولا حرج -أو ولا إثم وخطيئة- عليك في تقديمك الإِفاضة على الحلق، واستدل أبو يوسف ومحمد به أن الحلق لا يختص بزمان، حتى لو أخر الحلق عن طواف الزيارة لا يجب عليه شيء، ولا يختص بالمكان
стр. 4990
أيضًا عند أبي يوسف، حتى لو حلق خارج الحرم لا شيء عليه، وقال زفر: يختص بالزمان لا بالمكان، وقال أبو حنيفة: يختص بهما جميعًا.
واستدل زفر بما روي أنه ﵇ حلق عام الحديبية وأمر أصحابه بالحلق، وحديبية من الحل فلو اختص الحلق بالمكان وهو الحرم لما جاز في غيره.
والجواب أن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم، فيحتمل أنهم حلقوا بالحرم فلا يكون حجة مع الاحتمال، مع أنه روي أنه ﵇ كان نزل بالحديبية بالحل وكان يصلي في الحرم، فالظاهر أنه لم يحلق في الحل وله سبل الحلق في الحرم.
وأما الجواب عما احتج به أبو يوسف ومحمد فنقول بموجبه: إنه لا حرج عليه بظاهر الحديث وهو الإِثم، ولكن انتفاء الإِثم لا يوجب انتفاء الكفارة، كما في كفارة الحلق عند الأذى، وكفارة قتل الخطأ.
وقال أبو عمر: اختلف في من قدم نسكًا على نسك أو آخره مما يصنعه الحاج يوم النحر خاصة، فأما اختلافهم فيمن حلق قبل أن يرمي، فإن مالكًا وأصحابه اختلفوا في إيجاب الفدية، وروي عن ابن عباس "أنه من قدم شيئًا أو أخر فعليه دم" ولا يصح ذلك عنه.
وعن إبراهيم وجابر بن زيد مثل قول مالك في إيجاب الفدية على من حلق قبل أن يرمي، وهو قول الكوفيين.
وقال الشافعي وأبو ثور وأحمد وإسحاق والطبري وداود: لا شيء على من حلق قبل أن يرمي، ولا على من قدم شيئًا أو أخره ساهيًا مما يفعل يوم النحر.
وعن الحسن وطاوس: لا شيء على من حلق قبل أن يرمي، مثل قول الشافعي ومن تابعه.
وعن عطاء بن أبي رباح: من قدم نسكًا قبل نسك فلا حرج، وروي ذلك عن سعيد بن جبير وطاوس ومجاهد وعكرمة وقتادة.
стр. 4991
وذكر ابن المنذر عن الشافعي: من حلق قبل أن يرمي أن عليه دمًا، وزعم أن ذلك حفظه عن الشافعي، وهو خطأ عن الشافعي، والمشهور من مذهبه: أنه لا شيء على من قدم أو أخر شيئًا من أعمال الحج كلها إذا كان ساهيًا.
وأما اختلافهم فيمن حلق قبل أن يذبح، فجمهور العلماء على أنه لا شيء عليه كذلك، قال عطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة، وهو قول مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأبي ثور وأحمد وإسحاق وداود ومحمد ابن جرير، وقال إبراهيم: من حلق قبل أن يذبح اهراق دمًا. وقال أبو الشعثاء: عليه الفداء. وقال أبو حنيفة عليه دم، وإن كان قارنًا فدمان، وقال زفر: على القارن إذا حلق قبل أن ينحر ثلاثة دماء: دم للقران، ودمان للحلق قبل النحر، وقال أبو عمر: لا أعلم خلافًا فيمن نحو قبل أن يرمي أنه لا شيء عليه، قال: واختلفوا فيمن أفاض قبل أن يحلق بعد الرمي، فكان ابن عمر ﵄ يقول يرجع فيحلق أو يقصر، ثم يرجع إلى البيت فيفيض، وقال عطاء ومالك والشافعي وسائر الفقهاء: تجزئه الإِفاضة، ويحلق أو يقصر ولا شيء عليه، وفي "شرح الموطأ" للإِشبيلي: وقال ابن عبد الحكم عن مالك فيمن طاف للإِفاضة قبل أن يرمي يوم النحر: إنه يرمي ثم يحلق ثم يعيد الطواف، قال: ومن رمى ثم طاف قبل الحلاق حلق وأعاد الطواف، وقال الشافعي: وإن طاف الإِفاضة قبل الرمي أجزأه، وقال الأوزاعي: إن أصاب أهله اهراق دمًا.
ص: قال أبو جعفر ﵀: ففي هذا الحديث: أن رسول الله ﵇ سئل عن الطواف قبل الحلق، فقال: احلق ولا حرج، فاحتمل أن يكون ذلك إباحة منه للطواف قبل الحلق، وتوسعة منه في ذلك، فجعل للحاج أن يقدم ما شاء من هذين على صاحبه، وفيه أيضًا: أن آخر جاءه فقال: إني ذبحت قبل [أن] (١) أرمي، فقال: ارم ولا حرج، فذلك أيضًا يحتمل ما ذكرنا في جوابه في السؤال الأول.
стр. 4992
ش: أي ففي حديث علي ﵁ المذكور: أن رسول الله ﵇، بيانه أن هذا له احتمالان: أحدهما: أنه يحتمل أن يكون ﵇ أباح ذلك توسعة وترفيها في حقه، فيكون للحاج أن يقدم ما شاء من الإِفاضة والحلق، فإن شاء أفاض ثم حلق، وإن شاء حلق ثم أفاض، وكذلك التخيير بين الذبح والرمي.
والآخر: يحتمل أن يكون قوله ﵇: "إلا حرج" معناه: لا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا؛ لأنكم فعلتموه على الجهل منكم به، لا على القصد منكم خلاف السنة وكانت السنة خلاف هذا، وقد دلت على هذين الاحتمالين أحاديث كثيرة، على كل واحد منهما أحاديث مصرحة في هذا الباب على ما تقف عليه إن شاء الله، فلما احتمل الكلام هذين الاحتمالين نظريًّا، فوجدنا الحكم على الاحتمال الثاني وهو أنه ﵇ أسقط عنهم الحرج وأعذرهم لأجل النسيان وعدم العلم، لا أنه أباح لهم ذلك حتى إن لهم أن يفعلوا ذلك في العمد، والدليل على ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري قال: "سئل رسول الله ﵇ وهو بين الجمرتين عن رجل حلق قبل أن يرمي، قال: لا حرج، وعن رجل ذبح قبل أن يرمي، قال: لا حرج، ثم قال: عباد الله، وضع الله الحرج والضيق، وتعلموا مناسككم فإنها من دينكم".
فدل ذلك أن الحرج الذي رفعه الله عنهم إنما كان لجهلهم بأمر المناسك لا لغير ذلك، وذلك لأن السائلين عن ذلك كانوا ناسًا أعرابًا لا علم لهم بالمناسك، فأجابهم رسول الله ﵇ بقوله: "لا حرج" يعني فيما فعلتم بالجهل، لا أنه أباح لهم ذلك فيما بعد، ألا ترى إلى ما روي عن ابن عباس أنه قال: "من قدم شيئًا من حجه أو أخره فليهرق لذلك دمًا" فثبت بذلك أن الذي رفع عنهم من الحرج كان لأجل جهلهم بأمور المناسك، وأنهم أمروا بعد ذلك بتعلم المناسك كما في حديث أبي سعيد، وأنه لا يباح بعد ذلك تقديم نسك يقتضي التأخير على نسك
стр. 4993
يقتضي التقديم، وأن من فعل ذلك فعليه دم، هذا خلاصة ما ذكره الطحاوي في هذا الباب، والله أعلم.
ص: وقد روي عن ابن عباس، عن رسول الله ﵇ من ذلك شيء:
حدثنا علي بن شبية، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا هشيم، عن منصور، عن عطاء، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ سئل عمن حلق قبل أن يذبح، أو ذبح قبل أن يحلق، فقال: لا حرج، لا حرج".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا المعلى بن أسد، قال: ثنا وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي ﵇: "أنه قيل له يوم النحر وهو بمنى، في النحر والحلق والرمي والتقديم والتأخير، فقال: لا حرج".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبان بن هلال، قال: ثنا وهيب بن خالد، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: "ما سئل رسول الله ﵇ يومئذ عمن قدم شيئًا قبل شيء إلا قال: لا حرج لا حرج فذلك يحتمل ما يحتمله الحديث الأول".
ش: هذه ثلاث طرق صحاح دالة على الاحتمال الأول الذي ذكرناه عن قريب.
الأول: عن علي بن شيبة، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ مسلم، عن هشيم بن بشير، عن منصور بن زاذان، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس.
وأخرجه البخاري (١): نا محمد بن عبد الله بن حوشب، ثنا هشيم، عن منصور، عن عطاء، عن ابن عباس: "سئل رسول الله ﵇ عمن حلق قبل أن يذبح ونحوه، فقال: لا حرج لا حرج".
الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن المعلى بن أسد العمي البصري شيخ البخاري، عن وهيب بن خالد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه طاوس، عن عبد الله بن عباس.
стр. 4994
وأخرجه مسلم (١): حدثني محمد بن حاتم، قال: نا بهز، قال: نا وهيب، قال: ثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير، فقال: لا حرج".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن حبان -بفتح الحاء- بن هلال، عن وهيب بن خالد ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا عفان، قال: ثنا وهيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ سئل عن الرجل يذبح قبل أن يحلق، فقال: لا حرج".
وأخرجه أبو داود (٣) من وجه آخر: ثنا نصر بن علي، قال: نا يزيد بن زريع، قال: أنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﵇: "كان يسأل يوم منى، فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: إني حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج، قال: إني أمسيت ولم أرم، قال: ارم ولا حرج".
وأخرجه النسائي (٤) أيضًا نحوه.
قوله: "فذلك يحتمل ما يحتمله الحديث الأول" أي فذلك الحديث وهو حديث ابن عباس يحتمل ما يحتمل حديث علي بن أبي طالب ﵁ وأراد الاحتمال الأول من الاحتمالين اللذين ذكرناهما.
ص: وقد روي عن جابر بن عبد الله من ذلك شيء:
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن قيس، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله: "أن رجلاً قال: يا رسول الله، ذبحت قبل أن
стр. 4995
أرمي، قال: ارم ولا حرج، قال آخر: يا رسول الله، حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج، قال آخر: يا رسول الله، طفت بالبيت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج".
فهلا أيضًا مثل ما قبله.
ش: أي قد روي عن جابر مما دل عليه حديث علي وابن عباس ﵃ شيء وهذا أيضًا مما يدل على الاحتمال الأول، وإليه أشار بقوله: فهذا أيضًا مثل ما قبل.
وإسناده صحيح، وحجاج هو ابن منهال شيخ البخاري، وحماد هو ابن سلمة، وقيس هو ابن سعد المكي، وعطاء هو ابن أبي رباح.
ورواه البخاري معلقًا (١) وقال: قال حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد وعباد بن منصور عن عطاء عن جابر، عن النبي ﵇.
وطريق عباد بن منصور أخرجه الإِسماعيلي في "صحيحه": عن القاسم، ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثنا يحيى بن إسحاق، ثنا حماد بن سلمة، عن عباد بن منصور، عن عطاء، عن جابر: "أن النبي ﵇ سئل عن رجل رمى قبل أن يحلق وحلق قبل أن يرمي وذبح قبل أن يحلق، فقال ﵇: افعل ولا حرج".
ص: وقد روي عن أسامة بن شريك، عن النبي ﵇ من ذلك شيء:
حدثنا أحمد بن الحسن -هو ابن القاسم- الكوفي، قال: ثنا أسباط بن محمد، قال: ثنا أبو إسحاق الشيباني، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك ﵁ قال: "حججنا مع رسول الله ﵇، فسئل عمن حلق قبل أن يذبح أو يذبح قبل أن يحلق، فقال: لا حرج، لا حرج، فلما أكثروا عليه قال: أيها الناس قد رفع الحرج إلاَّ من اقترض من أخيه شيئًا ظلمًا فذلك الحرج".
فهذا أيضًا مثل ما قبله.
стр. 4996
ش: أي وقد روي عن أسامة بن شريك التغلبي ﵁ مما دل عليه معنى الأحاديث المذكورة شيء، وهذا أيضًا مما يدل على الاحتمال الأول، وإليه أشار بقوله: "فهذا أيضًا مثل ما قبله".
وإسناده صحيح، وأبو إسحاق الشيباني اسمه سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفي.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا عُبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أسباط بن محمد (ح).
وثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، كلاهما عن الشيباني، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك: "قال: خرجت مع النبي ﵇ حاجًّا فكان الناس يأتون، فقال قائل: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف -أو أخرت شيئًا أو قدمت شيئًا- فكان يقول لهم: لا حرج إلاَّ على رجل اقترض من عرض رجل مسلم وهو ظالم فذلك الذي حرج وهلك".
قوله: "إلَّا من اقترض من أخيه شيئًا ظلمًا" وهَا هنا روايات: في رواية: "من اقترض من أخيه مظلومًا" وفي أخرى: "إلاَّ على رجل اقترض من عرض رجل" وفي رواية: "اقترض عرض رجل" وفي رواية: "وضع الحرج إلاَّ امرءًا اقترض أمرءًا مسلمًا" وفي رواية: "إلاَّ من اقترض مسلمًا ظلمًا" وفي رواية: "من اقترض من عرض أخيه شيئًا" وفي رواية: "إلاَّ من اقترض من أخيه عرضًا" والكل يرجع إلى معنى واحد، وهو أن ينال منه وقطعه بالغيب، وهو افتعال من القرض وهو القطع، ومنه سمي المقراض؛ لأنه يقطع، وقرض الفأر: قطعه، ويروى بالفاء والضاد المعجمة من "الفرض" وهو القطع أيضًا، لأن أصل الفرض: القطع، ومنه المفرض وهي الحديدة التي بجز بها، ويروى بالفاء والصاد المهملة من "الفرص" وهو القطع أيضًا، ومنه "المفراص" وهو
стр. 4997
الذي تقطع به الفضة، قال الجوهري: الفَرْص بالفتح: القطع، والمفرص والمفراص الذي تقطع به الفضة.
ص: وقد يحتمل أيضًا أن يكون قوله: "لا حرج" هو على الإِثم، أي لا حرج عليكم فيما فعلتموه في هذا، لأنكم فعلتموه على الجهل منكم به لا على التعمد بخلاف السنة، فلا حرج عليكم في ذلك.
ش: هذا هو الاحتمال الثاني الذي ذكرناه وهو ظاهر.
ص: وقد روي ذلك مبينًا مشروحًا عن رسول الله ﵇.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو ثابت محمد بن عُبيد الله، قال: ثنا عبد العزيز ابن محمد، أراه عن عبد الرحمن بن الحارث، عن زيد بن علي بن حسين بن علي، عن ابن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁: "أن رسول الله ﵇ سأله رجل في حجته فقال: أني رميت وأفضت ونسيت ولم أحلق، قال فاحلق ولا حرج، ثم جاء رجل آخر فقال: إني رميت وحلقت ونسيت أن أنحر، فقال: انحر ولا حرج".
ش: إسناده صحيح، أي قد روي معنى الاحتمال الثاني ظاهرًا صريحًا في الحديث، وذلك لأن السائل في هذا الحديث قيّد ما فعله من الأمور بالنسيان، فقال له رسول الله ﵇ في جوابه: "لا حرج" لأنك ما تعمدته، ولا قصدت خلاف السنة وحديث عليّ قد ذكر في أول الباب من وجه آخر، وأبو ثابت شيخ البخاري، وعبد العزيز هو الدراوردي.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا ويونس حدثاه، عن ابن شهاب، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: "وقف رسول الله ﵇ في حجة الوداع للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج، فجاءه آخر فقال: يا رسول الله
стр. 4998
لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج، قال: فما سئل رسول الله ﵇ يومئذ عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلاَّ قال: افعل ولا حرج".
حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو قال: "سأل رجل رسول الله ﵇ فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج، قال آخر: ذبحت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج".
ش: هذان طريقان صحيحان، رجالهما كلهم رجال الصحيح، يدلان على معنى الاحتمال الثاني أيضاً، لأن السائل قال فيه: "لم أشعر" أي لم أعلم، فأجاب ﵇ بقوله: "لا حرج" لأنك ما علمته.
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، ويونس ابن يزيد الأيلي، كلاهما عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (١): ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو: "أن رسول الله ﵇ وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: اذبح ولا حرج، فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج، فما سئل يومئذ عن شيء قُدَّم ولا أُخِّر إلاَّ قال: افعل ولا حرج".
ومسلم (٢): نا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب ... إلى آخره نحوه.
وقال أيضًا (٢): حدثني حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عيسى بن طلحة التيمي، أنه سمع عبد الله [بن] (٣) عمرو بن العاص يقول: "وقف رسول الله ﵇ على راحلته، فطفق ناس
стр. 4999
يسألونه، فيقول القائل منهم: يا رسول الله، إني لم أكن أشعر أن الرمي قبل النحر فنحرت قبل الرمي، فقال رسول الله ﵇: فارم فلا حرج، قال: وطفق آخر يقول: إني لم أشعر أن النحر قبل الحلق فحلقت قبل أن أنحر، فيقول: انحر ولا حرج، قال: فما سمعته سئل يومئذ عن أمر مما ينسى به المرء ويجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها إلاَّ قال: رسول الله ﵇: افعلوا ذلك ولا حرج.
وأبو داود (١): نا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب ... نحوه.
والترمذي (٢): نا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وابن أبي عمر، قالا: ثنا سفيان ابن عُيينة، عن الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو: "أن رجلاً سأل رسول الله ﵇ فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج، وسأله آخر فقال: نحرت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج".
وابن ماجه (٣): ثنا علي بن محمد، قال: ثنا سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن عيسى بن طلحة .... إلى آخره نحوه.
الطريق الثاني: عن يونس أيضًا، عن سفيان بن عُيينة، عن محمد بن مسلم الزهري ... إلى آخره.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد، أن عطاء بن أبي رباح حدثه، أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن رسول الله ﵇ مثله، يعني: "أنه وقف للناس عام حجة الوداع يسألونه، فجاء رجل فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج، قال آخر: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج، قال: فما سئل رسول الله ﵇ عن شيء قُدَّم ولا أُخِّر إلاَّ قال: افعل ولا حرج.
стр. 5000
فدل ما ذكرنا على أنه ﵇ أسقط الحرج عنهم في ذلك للنسيان؛ لا أنه أباح ذلك لهم حتى يكون لهم مباح أن يفعلوا ذلك في العمد.
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه البيهقي نحوه (١): من حديث أسامة بن زيد، عن عطاء، عن جابر: "أن رسول الله ﵇ رمى، ثم جلس للناس، فجاء رجل فقال: حلقت قبل أن أنحر، فقال: لا حرج، ثم جآءه آخر فقال: حلقت قبل أن أرمي قال: لا حرج، فما سئل عن شيء إلَّا قال: لا حرج.
قوله: "فدل ما ذكرنا" أي من هذه الأحاديث الدالة على الاحتمال الثاني؛ أنه ﵇ قد أسقط الحرج عنهم في ذلك لأجل النسيان وعدم الشعور، لا للأجل أن يكون لهم مباحًا يفعلون ذلك أيضًا في حال العمد.
ص: وقد روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﵇ ما يدل على ذلك أيضًا:
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا عمر بن علي، عن الحجاج، عن عُبادة بن نسي، قال: حدثني أبو زُبيد قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ قال: "سئل رسول الله ﵇ وهو بين الجمرتين عن رجل حلق قبل أن يرمي، قال: لا حرج، وعن رجل ذبح قبل أن يرمي، قال: لا حرج، ثم قال: عباد الله وضع الله الحرج والضيق، وتعلموا مناسككم؛ فإنها من دينكم". أفلا تَرى أن أمرهم بتعلم مناسكهم لأنهم كانوا لا يحسنونها؟ فدل ذلك أن الحرج الذي رفعه الله عنهم هو لجهلهم بأمر مناسكهم لا لغير ذلك.
ش: أي قد روى أبو سعيد سعد بن مالك الخدري عن النبي ﵇ ما يدل على المعنى الذي ذكرناه وَبَيَّنَ ذلك بقوله: "أفلا ترى أنه ... إلى آخره".
стр. 5001
وأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي البصري شيخ البخاري ومسلم، عن عمه عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي روى له الجماعة، عن الحجاج بن أرطاة النخعي، فيه لين، عن عبادة بن نُسي -بالضم في أولهما- وثقه العجلي والنسائي ويحيى، وروى له الأربعة، عن أبي زبيد.
ص: وقد روي في حديث أسامة بن شريك الذي ذكرناه فيما تقدم من هذا الباب ما يدل على هذا المعنى أيضًا.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب وسعيد بن عامر، قالا: ثنا شعبة، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك: "أن الأعراب سألوا رسول الله ﵇ عن أشياء، ثم قالوا: هل علينا حرج في كذا، وهل علينا حرج في كذا؟ فقال رسول الله ﵇: إن الله تعالى قد رفع الحرج عن عباده؛ إلاَّ من اقترض من أخيه مظلومًا، فذلك الذي حرج وهلك.
أفلا ترى أن السائلين لرسول الله ﵇ إنما كانوا أعرابًا لا علم لهم بمناسك الحج؟ فأجاجهم رسول الله ﵇ بقوله: [لا حرج] (١) لا على الإِباحة منه لهم التقديم في ذلك والتأخير فيما قدموا من ذلك وأخروا، ثم قال لهم ما قد ذكر أبو سعيد في حديثه "وتعلموا مناسككم".
ش: أخرج حديث أسامة فيما تقدم من هذا الباب عن أحمد بن الحسن، عن أسباط بن محمد، عن أبي إسحاق الشيباني، عن زياد بن علاقة، كما ذكرنا.
وها هنا أخرج عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير وسعيد بن عامر الضبعي، كلاهما عن شعبة، عن الحجاج، عن زياد بن علاقة ... إلى آخره.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
стр. 5002
وأخرجه أبو داود (١): نا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا جرير، عن الشيباني، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك قال: "خرجت مع النبي ﵇ حاجًّا، فكان الناس يأتونه، فمن قائل: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف، أو أخرت شيئاً، أو قدمت شيئًا، فكان يقول: لا حرج، لا حرج إلاَّ على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك".
قوله: "حرج" بكسر الراء أي إثم.
قوله: "أفلا ترى ... إلى آخره" ظاهر وقد أوضحناه فيما مضى.
ص: وقد جاء عن ابن عباس ما يدل على هذا المعنى أيضًا:
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا أبو الأحوص، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: "من قدم شيئًا من حجه أو أخره فليهرق لذلك دمًا".
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا وهيب، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثله.
فهذا ابن عباس يوجب على من قدم شيئًا من نسكه أو أخره دمًا، وهو أحد من روى عن النبي ﵇ أنه ما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر من أمر الحج إلاَّ قال: لا حرج، فلم يكن معنى ذلك عنده [معنى الإِباحة في تقديم ما قدموا، ولا تأخير ما أخروا مما ذكرنا إذ كان يوجب في ذلك دمًا ولكن كان معنى ذلك عنده] (٢) على أن الذي فعلوه في حجة النبي ﵇ كان على الجهل منهم بالحكم فيه، كيف هو؟ فعذرهم بجهلهم، وأمرهم في المستأنف أن يتعلموا مناسكهم.
ش: أي ثم قد جاء عن عبد الله بن عباس ما يدل على المعنى المذكور، وهو أن نفي الحرج عنهم إنما كان للنسيان والجهل، والدليل على ذلك: أن ابن عباس
стр. 5003
قد أوجب الدم على من قدم ما كان حقه التأخير أو أخر ما كان حقه التقديم، والحال أنه أحد من روى عن النبي ﵇ أنه ما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر من أمور الحج إلاَّ قال: لا حرج، ولو لم يعلم من النبي ﵇ ما ذكرناه من المعنى لما أوجب دمًا على من قدم شيئًا في حجه أو أخره.
وأخرجه من طريقين صحيحين موقوفين:
الأول: عن علي بن شيبة، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ مسلم، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الكوفي، عن إبراهيم بن مهاجر البجلي الكوفي، عن مجاهد، عن ابن عباس.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا سلام بن سليم، عن إبراهيم بن مهاجر ... إلى آخره نحوه سواء.
الثاني: عن نصر بن مرزوق، عن الخصيب بن ناصح، عن وهيب بن خالد، عن أيوب السختياني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير ... إلى آخره نحوه.
ص: وتكلم الناس بعد هذا في القارن إذا حلق قبل أن يذبح، فقال أبو حنيفة: عليه دم. وقال: زفر عليه دمان. وقال أبو يوسف ومحمد: لا شيء عليه. واحتجا في ذلك بقول رسول الله ﵇ للذين سألوه عن ذلك على ما قد روينا في الآثار المتقدمة وبجوابه لهم أن لا حرج عليهم في ذلك، وكان من الحجة عليهما لأبي حنيفة وزفر ما ذكرنا من شرح معاني هذه الآثار.
ش: قد بينا فيما مضى اختلاف العلماء من التابعين ومن بعدهم فيمن قدم نسكا على نسك في حجه، وإنما خص القارن بالذكر؛ لأن المفرد لا ذبح عليه،
стр. 5004
فلا يتأتى فيه الخلاف، غير أنه إذا تبرع بالذبح فالأفضل فيه أن يقدمه على الحلق متابعة للسنة.
فإن قلت: فلِمَ لم يذكر المتمتع مع أن حكمه مثل القارن في وجوب الذبح عليه؟
قلت: القارن يطلق على المتمتع من حيث إن كلا منهما جامع بين عبادتين،
وداخل في حرمتين، غير أنه يفرق بينهما في كيفية الصدر، ولأن المتمتع إذا قدم الحلق على الذبح يجب عليه دم واحد بلا خلاف بين أبي حنيفة وزفر.
قوله: "وكان من الحجة عليهما" أي على أبي يوسف ومحمد، وأراد بشرح معاني هذه الآثار: هو أن نفي الحرج لا ينافي وجوب الفدية، وقد حققناه فيما مضى.
ص: وحجة أخرى وهي: أن السائل لرسول الله ﵇ لم يعلم هل كان قارنًا أو مفردًا أو متمتعًا؟ فإن كان مفردًا فأبو حنيفة وزفر لا ينكران أن يكون لا يجب عليه في ذلك دم؛ لأن ذلك [الذبح] (١) الذي قدم عليه الحلق ذبح غير واجب، ولكن كان الأفضل له أن يقدم الذبح قبل الحلق، ولكنه إذا قدم الحلق أجزأه، ولا شيء عليه، وإن كان قارنًا أو متمتعًا فكان جواب النبي ﵇ له في ذلك على ما ذكرنا، فقد ذكرنا عن ابن عباس في التقديم في الحج والتأخير أن فيه دمًا، وأن قول النبي ﵇ "لا حرج" لا يدفع ذلك، فلما كان قول النبي ﵇ في ذلك "لا حرج" لا ينفي عند ابن عباس وجوب الدم، كان كذلك أيضًا لا ينفيه عند أبي حنيفة وزفر، وكان القارن ذبحه ذبح واجب يحل به، فأردنا أن ننظر في الأشياء التي يحل بها [الحاج] (٢) إذا أخرها حتى يحل، كيف حكمها؟ فوجدنا الله تعالى قد قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٣) فكان المحصر يحلق بعد بلوغ الهدى محله فيحل بذلك، وإن حلق قبل بلوغه محله وجب عليه دم، هذا إجماع.
стр. 5005
فكان النظر على ذلك أن يكون كذلك القارن إذا قدم الحلق قبل الذبح الذي يحل به أن يكون عليه دم؛ قياسًا ونظرًا على ما ذكرنا من ذلك، فبطل بهذا ما ذهب إليه أبو يوسف ومحمد، وثبت ما قال أبو حنيفة أو ما قال زفر.
ش: أي حُجة أخرى على أبي يوسف ومحمد في وجوب الدم على من قدم نسكًا أو آخره وهي ... إلى آخره، ظاهر.
قوله: "ولكن الأفضل له" أي للمفرد أن يقدم الذبح متابعة للسنة.
قوله: "وإن قول النبي ﵇ لا حرج لا يدفع ذلك" أي وجوب الدم؛ لما ذكرنا من عدم الملازمة بين نفي الحرج ووجوب الفدية.
قوله: "وكان القارن" كان هذه تامة.
وقوله: "ذبحه" مبتدأ، وخبره "ذبح واجب".
وقوله: "يحل به" صفة بعد صفة.
قوله: "فأردنا ... إلى آخره" بيان وجه النظر والقياس في وجوب الدم، وهو ظاهر.
قوله: "هذا إجماع" أي وجوب الدم على المحصر الذي يحلق رأسه قبل بلوغ الهدى محله.
ص: فنظرنا في ذلك، فإذا هذا القارن قد حلق رأسه في وقتٍ الحلقُ عليه حرام، وهو في حرمة حجة وفي حرمة عمرة، وكان القارن ما أصاب في قرانه مما لو أصابه وهو في حجة أو في عمرة مفردة وجب عليه دم، فإذا أصابه وهو قارن وجب عليه دمان، فاحتمل أن يكون حلقه أيضًا قبل وقته يوجب عليه أيضًا دمين كما قال زفر، فنظرنا في ذلك، فوجدنا الأشياء التي توجب على القارن دمين فيما أصاب في قرانه هي الأشياء التي لو أصابها وهو في حرمة حجة أو في حرمة عمرة وجب عليه دم، فإذا أصابهما في حرمتهما وجب عليه دمان لجماع وما أشبهه، وكان حلقه قبل أن يذبح لم يحرم بسبب العمرة خاصة ولا بسبب الحجة خاصة إنما وجب عليه بسببهما
стр. 5006
وبحرمة الجمع بينهما، لا بحرمة الحجة خاصة ولا بحرمة العمرة خاصة، فأردنا أن ننظر أي ننظر في حكم ما يجب بالجمع هل هو شيئان أو شيء واحد، فنظرنا في ذلك، فوجدنا الرجل إذا أحرم بحجة مفردة أو بعمرة مفردة لم يجب عليه شيء، وإذا جمعهما جميعًا وجب عليه لجمعه بينهما شيء لم يكن يجب عليه في إفراده كل واحدة منهما، فكان ذلك الشيء دمًا واحدًا، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك الحلق قبل الذبح الذي منع منه الجمع بين العمرة والحج ولا تمتع منه واحدة منها لو كانت مفردة، أن يكون الذي يجب به فيه دم واحد، فيكون أصل ما يجب على القارن في انتهاكه الحرم في قرانه أن ينظر، فما كان من تلك الحرم يحرم بالحجة خاصة أو بالعمرة خاصة فإذا جمعتا جميعًا فتلك الحرمة محرمة بشيئين مختلفين، فيكون على من انتهكهما كفارتان.
وكل حرمة لا تحرمها الحجة على الانفراد ولا العمرة على الانفراد، إنما يحرمها الجمع بينهما، فإذا انتهكت فعلى الذي انتهكها دم واحد؛ لأنه انتهك حرمة حرمت عليه بسبب واحد وهو الجمع بينهما، فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة ﵁ وبه نأخذ.
ش: لما بين أن وجه النظر والقياس أيضًا اقتضى وجوب الدم على القارن إذا حلق قبل الذبح، وأنه دم واحد عند أبي حنيفة، ودمان عند زفر، شرع يبين أن وجه القياس أيضًا لا يقتضي إلاَّ وجوب دم واحد كما ذهب إليه أبو حنيفة، ولا يقتضي وجوب دمين كما ذهب إليه زفر، وهو ظاهر غني عن مزيد البيان، وحاصله أن نظر زفر في أنه أدخل نقصًا في حرمة الإِحرامين؛ فيجب عليه دمان، ونظر أبي حنيفة في أن السبب هو حرمة الجمع بين الحجة والعمرة فالسبب واحد فلا يجب إلاَّ دم واحد، وقد نقل أبو عمر بن عبد البر عن أبي حنيفة: أنه يجب عليه دمان، وعن زفر: أنه يجب عليه ثلاثة دماء كما قد ذكرناه فيما مضى، وهو غير صحيح، بل الصحيح الذي بَيَّنَهُ الطحاوي واختاره بقوله: "وبه نأخذ" أي بقول أبي حنيفة نأخذ.
стр. 5007
قوله: "فإذا هذا القارن" أشار به إلى القارن الذي حلق قبل أن يذبح.
قوله: "في وقت" بالتنوين.
وقوله: "الحلق عليه حرام" جملة وقعت صفة للوقت، والتقدير: في وقتٍ فيه الحلق عليه حرام، والواو في قوله: "وهو في حجة" للحال.
قوله: "فأردنا أن ننظر في حكم ما يجب بالجمع ... إلى آخره" إشارة إلى بيان الفرق في النظر والقياس بين ما إذا حلق القارن قبل الذبح حيث يجب دم واحد، وبين ما إذا جنى جناية حيث يجب عليه دمان؛ لأنه مذهب أبي حنيفة: أن كل ما يجب فيه على المفرد دم، فعلى القارن دمان، فليتدبر فإنه فرق دقيق، والله أعلم.
***
стр. 5008
ص: باب: المكيّ يريد العمرة من أين ينبغي له أن يحرم
ش: أي هذا باب في بيان من كان بمكة إذا أراد العمرة، من أين ينبغي له أن يحرم؟.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبره عن عمرو بن أوس، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكر قال: "أمرني النبي ﵇ أن أردف عائشة ﵂ إلى التنعيم فأعمرها".
حدثنا فهد، قال: أنا داود بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة بنت عبد الرحمن، عن أبيها: "أن رسول الله ﵇ قال لعبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: أردف أختك فأعمرها من التنعيم، فإذا هبطت بها من الأكمة فمرها فلتحرم؛ فإنها عمرة متقبلة".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس بن أبي أوس واسمه حذيفة الثقفي الطائفي، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، والكل رجال الصحيح.
وأخرجه البخاري (١): ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، عن عمرو، سمع عمرو ابن أوس، أن عبد الرحمن بن أبي بكرة أخبره: "أن رسول الله ﵇ أمره أن يردف عائشة ويعمرها من التنعيم".
وأخرجه بقية الجماعة (٢).
стр. 5009
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن داود بن عبد الرحمن العطار المكي روى له الجماعة، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم القاري، من القارة المكي روى له المجماعة البخاري مستشهدًا، عن يوسف بن ماهك -بفتح الهاء- بن بهزاد المكي روى له الجماعة، عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ﵃، قال العجلي: تابعية ثقة روى لها مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبد الأعلى بن حماد، قال: ثنا داود بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبد الله بن خثيم، عن يوسف بن ماهك ... إلى آخره نحوه سواء.
وأخرجه البزار في "مسنده" (٢) وقال: لا نعلم روت حفصة عن أبيها إلاَّ هذا الحديث.
قوله: "إلى التنعيم" على وزن تفعيل، قد ذكرنا أنه منتهى حد الحرم من ناحية المدينة، بينه وبين مكة نحو من أربعة أميال، وفيه مسجد عائشة ﵂.
قوله: "فأعمرها" بالنصب عطف على قوله: "أن أردف" من الإِعمار يقال: اعتمرت وأعمرت غيري.
والعُمرة في اللغة: الزيارة، يقال: اعتمر أي زاد، فهو معتمر.
وفي الشرع: زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة.
قوله: "من الأكمة" بفتح الهمزة وبعدها كاف وميم مفتوحتان وتاء تأنيث، وجمعها آكام بفتح الهمزة والمد، ويقال: إكام بكسر الهمزة، ويجمع أيضًا على أُكُم وأَكَم بضمتين وفتحتين، قيل: هي الجبال الصغار، وقيل: ما اجتمع من التراب أكبر من الكدمة، وقيل: هي ما غلظ من الأرض ولم يبلغ أن يكون حجرًا وكانت أشد ارتفاعًا مما حولها كالتلول ونحوها، وقيل: هي الراية وقيل: التل العظيم المرتفع.
стр. 5010
قوله: "فمُر" أَمْرٌ من أَمَرَ يَأْمُر، أي "فمر عائشة فلتحرم" من الإِحرام.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن العمرة لمن كان بمكة لا وقت لها غير التنعيم، وجعلوا التنعيم خاصةً وقتًا لعمرة أهل مكة، وقالوا لا ينبغي لهم أن يتجاوزوه كما لا ينبغي لغيرهم أن يجاوزوا ميقاتًا مما وقته له رسول الله ﵇.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عمرو بن دينار وطائفة من السلف؛ فإنهم قالوا: وقت العمرة لمن كان بمكة هو التنعيم، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور؛ لأنه خصصه فدل أنه وقت معين لمن كان بمكة ممن يريد العمرة.
وقال القاضي: قال قوم: لا بد من الإِحرام من التنعيم خاصَّة، وهو ميقات المعتمرين من مكة.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: وقت أهل مكة الذين يحرمون منه بالعمرة: الحل، فمن أي الحل أحرموا بها أجزأهم ذلك، والتنعيم وغيره من الحل عندهم في ذلك سواء.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم جماهير العلماء من التابعين وغيرهم، منهم: أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وغيرهم؛ فإنهم قالوا: وقت العمرة لمن كان بمكة: الحل، وهو خارج الحرم، فمن أي الحل أحرموا بها جاز، سواء كان ذلك التنعيم أو غيره من الحل.
وقال ابن حزم في "المحلى" (١): ومن أراد العمرة وهو بمكة إما من أهلها وأما من غير أهلها ففرض عليه أن يخرج للإِحرام بها إلى الحل ولا بد، فيخرج إلى أي الحل شاء ويحرم بها.
وقال القاضي: اختلفوا فيمن اعتمر من مكة ولم يخرج إلى الحل، فذهب أصحاب الرأي وأبو ثور والشافعي -في قول- أن عليه دمًا كتارك الميقات، وقال