ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح على شرط الشيخين.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا أبو مسلم الكشي، ثنا محمَّد بن المنهال، ثنا يزيد بن زريع، ثنا روح بن القاسم، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس ﵁: "أن النبي ﵇ خرج إلى الصلاة، فأتي بكتف من لحم، فانتهسها، ثم مضى إلى الصلاة ولم يمضمض ولم يطَّهر".
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أنا محمَّد بن الزبير الحنظلي، عن علي بن عبد الله بن العباس، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ نحوه.
ش: هذا طريق آخر، ومحمد بن الزبير فيه مقال، حتى قال يحيى: ضعيف لا شيء.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عبد الوهاب الخفاف، أنا محمَّد بن الزبير، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عبد الله بن عباس: "أن النبي ﵇ أتى بكتف مشوية فأكل منها نتفا، ثم صلى ولم يتوضأ".
ص: حدثنا أحمد بن يحيى الصُوريّ، قال: ثنا الهيثم بن جميل، قال: ثنا ابن ثوبان، عن داود بن علي، عن أبيه، عن ابن عباس مثله.
ش: هذا طريق آخر، وابن ثوبان هو: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العَنْسي، فيه مقال كثير.
وداود بن علي بن عبد الله بن عباس، وثقه ابن حبان وقال: يخطئ.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣): ثنا موسى بن هارون، ثنا علي بن الجعد، ثنا ابن ثوبان، عن داود بن علي بن عبد الله بن العباس، عن أبيه، عن جده قال: "أكل رسول الله ﵇ لحما ثم صلى ولم يتوضأ".
стр. 527
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحَوْضي، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن يحيى بن يَعْمُر، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ مثله.
ش: هذا طريق آخر، وهو صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلُّسي، عن [حفص بن عمر] (١) أبي عمر الحَوْضي، عن همام بن يحيى إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا بهز، ثنا همام، ثنا قتادة، عن يحيى بن يعمر البصري، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ انتهس من كتف، ثم صلى ولم يتوضأ".
وأخرجه أبو داود (٣) أيضًا بهذا الطريق.
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبي نعيم -هو وهب بن كيسان- عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: "أكل رسول الله ﷺ خبزا ولحما ... " ثم ذكر مثله.
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٤): ثنا محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة، نا أبي، عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيْسان، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ أكل كتفا ثم صلى ولم يمسَّ ماء".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٥): نا ابن علية، عن أيوب، عن وهب بن كيسان، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ أكل من عظم أو تَعَرَّقَ من ضلع ثم صلى ولم يتوضأ".
стр. 528
قلت: "العَرْق" -بفتح العن وسكون الراء- وهو العظم عليه بقيّة اللحم، يقال: عَرَقْتَه وَاعْتَرقْتَه إذا أكلت ما عليه بأسنانك.
وقال الخليل: العُراق عظم بلا لحم، وإن كان عليه لحم فهو عَرْق.
ص: حدثنا ربيع الجيزيُّ، قال: ثنا أبو الأسود، قال: ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمَّد بن عمرو بن حلحلة الدؤلي، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء: "أنه دخل عليَّ ابن عباس يومًا في بيت ميمونة، فضرب على يدي وقال: عجبت من ناس يتوضئون مما مست النار، والله لقد جمع رسول الله ﵇ يوما ثيابه، ثم أُتي بثريد فأكل منها، ثم قام فخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ".
ش: أبو الأسود اسمه: النضر بن عبد الجبار المصري، وعبد الله بن لهيعة فيه مقال.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا أبو يزيد القراطيسي، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، حدثني أبي، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، قال: "دخلت بيت ميمونة -زوج النبي ﵇- فوجدت فيه عبد الله بن عباس، فتذاكرنا الوضوء مما مست النار، فقال ابن عباس: كان رسول الله ﵇ يأكل مما مست النار ثم يصلي ولا يتوضأ، فقلنا: أنت رأيته؟ فأشار إلى عينيه فقال: بصر عيني".
وأخرج مسلم (٢): حدثني علي بن حجر، قال: أنا إسماعيل بن جعفر، قال: ثنا محمَّد بن عمرو بن حلحلة، عن محمَّد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ جمع عليه ثيابه ثم خرج إلى الصلاة، فأُتيَ بهدية خبز ولحم، فأكل ثلاثة لقم ثم صلى بالناس وما مس ماء".
قوله: "بثريد" الثريد من ثردت الخبز ثردا: كسرتُه، فهو ثريد ومثرود، والاسم: الثُردة -بالضم- وكذلك أثردت الخبز، ويقال: لا يكون ثريد حتى يكون فيه لحم.
стр. 529
ص: حدثنا يونس والربيع المؤذنُ، قالا: ثنا أسد، ثنا شعبة. ح
وحدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا آدم بن أبي إياس. ح
وحدثنا أبو بكرة، قال: حدثنا أبو داود، قالوا: ثنا شعبة، قال: سمعت أبا عون محمَّد بن عبيد الله الثقفي، يقول: سمعت عبد الله بن شداد بن الهاد، يحدث عن أم سلمة: "أن رسول الله ﵇ خرج إلى الصلاة فنشلت له كَتِفا، فأكل منها، ثم خرج فصلى ولم يتوضأ".
ش: هذه ثلاث طرق رجالها كلهم ثقات، وأم سلمة اسمها هند بنت أبي أمية.
وأخرجه الطبراني (١): أيضًا من ثلاث طرق: ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا مسلم بن إبراهيم ح
ثنا أحمد بن عمرو القطراني، ثنا سليمان بن حرب ح
ونا أبو خليفة، نا أبو الوليد، قالوا: نا شعبة، عن أبي عون، عن عبد الله بن شداد: "أن أم سلمة ﵂ سئلت عما غيرت النار، فقالت: أكل النبي ﵇ كتفا، ثم صلى ولم يتوضأ".
قوله: "فنشلت له كتفا" مِنْ نَشَلْتُ اللحم إذا جذبته من القِدْر، واللحم هو النَشِيل، من نَشَلَ يَنْشُل من باب نَصَر يَنْصُر، ومنه المِنْشَل والمِنْشال، وهو الحديدة التي يُنْشَل بها اللحم من القِدْر.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا مؤمل بن إسماعيل، قال: نا سفيان الثوري، عن أبي عون، قال: سمعت عبد اللهَ بن شداد يَقُولُ: "سأل مروان أبا هريرة عن الوضوء مما غيرت النار، فأمر به ثم قال: كيف تسأل أحدا وفينا أزواج النبي ﵇؟! فأرسلوا إلى أم سلمة زوج النبي ﵇ فسألوها ... " ثم ذكر مثل حديث شعبة.
стр. 530
ش: رجاله ثقات، وأبو عون هو: محمَّد بن عبيد الله الثقفي، ومروان هو: ابن الحكم.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا وكيع، نا سفيان، نا أبو عون محمَّد بن عبيد الله الثقفي، عن عبد الله بن شداد، قال: سمعت أبا هريرة يُحدّث مروان قال: "توضئوا مما مست النار، فأرسل مروان إلى أم سلمة فسألها، فقالت: نَهس رسُولُ الله ﵇ عندي كتفا، ثم خرج إلى الصلاة ولم يَمسّ ماء".
وأخرجه الطبراني (٢) أيضًا: عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن الثوري ... إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: نا عثمان بن عمر، قال: أخبرني ابن جريج، عن محمَّد بن يوسف، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة قالت: "قربت إلى رسول الله ﵇ جَنْبا مشويّا، فأكل منه ولم يتوضأ".
ش: رجاله رجال الصحيحين ما خلا ابن مرزوق، وابن جريج هو عبد الملك، ومحمد بن يوسف الكندي المدني الأعرج ابن بنت السائب، وسليمان بن يسار -بالياء آخر الحروف- أبو أيوب المدني، مولى أم سلمة.
وأخرجها "النسائي" (٣): أنا محمَّد بن عبد الأعلى، نا خالد، قال: نا ابن جريج، عن محمَّد بن يوسف، عن سليمان بن يسار قال: "دخلت على أم سلمة فحدثتني: أن رسول الله ﵇ كان يُصبح جنبا من غير احتلام ثم يصوم، وحدثنا (بهذا) (٤) الحديث أنها حدثته: أنها قربت إلى النبي ﵇ جَنْبا مشويّا فأكل مثله، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ".
стр. 531
وأخرجه أحمد (١) والطبراني (٢): وفي روايتهما: عطاء بن يَسَار موضع سليمان بن يَسَار، وهما أخوان.
وأخرجه البيهقي (٣): عن كليهما.
قوله:" قَربتُ" بضم التاء من التقريب، على أنه اختبار عن النفس وفي رواية غيره: "قُربَتْ" على صيغة الغائب.
قوله: "جَنْبا" بفتح الجميع وسكون النون ثم بالباء الموحدة، وجنب الشاة معروف، ويجمع على جنوب.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود الطيالسيّ، قال: نا زائدة بن قدامة، قال: نا عبد الله بن محمَّد بن عَقِيل، عن جابر بن عبد الله، قال: "أُتينا ومعنا رسولُ الله ﵇ بطعام فأكلنا، ثم قمنا إلى الصلاة ولم يتوضأ أحد منا، ثم تعشينا ببقية الشاة، ثم قمنا إلى العصر ولم يَمّس أحد منا ماء".
ش: أبو داود اسمه: سليمان بن داود، والطيالسي نسبة إلى بيع الطيالس جمع طيلسان.
وعبد الله بن محمَّد بن عَقِيل -بفتح العين- فيه مقال مع كثرة علمه.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (٤): نا زائدة، عن عبد الله بن محمَّد بن عَقيل، عن جابر قال: "مشيت مع رسول الله ﵇ إلى امرأة من الأنصار، فذبحت لنا شاة، وأُتينا بالطعام، فأكل رسول الله ﵇ -وكلنا، ثم قمنا إلى الظُّهر لم يتوضأ أحد منها، ثم أُتينا ببقية الشاة فتعشَّينا منها، فحضرت صلاة العصر، فقام رسول الله ﵇ وقمنا فصلينا، لم يمس أحدٌ منَّا مَاء".
стр. 532
ص: حدثنا يونس، قال: نا علي بن معبد، قال: نا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمَّد ... فذكر بإسناده مثله.
ش: هذا طريق آخر، عن يونس بن عبد الأعلى، عن علي بن معبد بن شداد، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الله بن محمَّد بن عَقيل، عن جابر.
وأخرجه الحديث في "مسنده": نا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن محمَّد بن عَقيل، سمع جابر بن عبد الله.
ونا سفيان، نا محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: "خرج رسول الله ﵇ وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، ففرشت لنا تحت صَوْر لها -والصَوْر: النخل المجتمعات- وذبحت لنا شاة فأكل منها، وأتته بقناع رُطب فأكل منه، ثم
توضأ للظهر فصلى، ثم انصرف، فأتته بعلالة من علالة الشاة، فأكل، ثم صلى العصر ولم يتوضأ".
قلت: علالة كل شيء: بقيته، وهو بضم العين وتخفيف اللام.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا محمَّد بن المنهال، قال: نا يزيد بن زريع، قال: نا روح بن القاسم، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر قال: "دعتنا أمرأة من الأنصار، فذبحت لنا شاة، ففرشت لنا تحت صَوْرٍ لها فدعى رسول الله ﵇، فأكلنا، ثم صلى ولم يتوضأ".
ش: هذا طريق آخر وهو صحيح.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا ابن أبي عمر، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا عبد الله بن عقيل، سمع جابر بن عبد الله.
وقال سفيان: ونا محمَّد بن المنكدر، عن جابر قال: "خرج رسول الله ﵇ وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة فأكل، وأتته بقناع من رُطَب، فأكل منه ثم توضأ للظهر وصلى، ثم انصرف، فأتته بعلالة من علالة الشاة، فأكل ثم صلى العصر ولم يتوضأ".
стр. 533
وأخرج أبو داود (١): ثنا إبراهيم بن الحسن الخثعمي، قال: ثنا حجاج، قال ابن جريج: أخبرني محمَّد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "قَرَّبْتُ للنبي ﵇ خبزا ولحما، فأكل [ثم دعى] (٢) بوَضُوء فتوضأ، ثم صلى الظهر، ثم دعى بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ".
قوله: "دعتنا امرأة" قال عبد الغني: هذه المرأة: عمرة بنت حَزْم أخت عمرو بن حزم.
قوله: "بقِنَاع" بكسر القاف، وهو طبق من عسب النخل، وكذا القِنع.
ويستفاد منه: جواز الجمع بين الطعامين، والعود إلى فضلة الطعام، وترك الوضوء مما مسته النار، وسنيّة إجابة الدعوة.
ص: حدثنا ربيعٌ المؤذن، قال: حدثنا أسد، قال: ثنا عمارة بن زاذان، عن محمَّد بن المنكدر، قال: "دخلت على بعض أزواج النبي فقلتُ: حدثينى في شيء مما غيرت النار، فقالت: قلّ ما كانَ رسولُ اللهَ ﵇ يأتينا إلَّا قَلَيْنا له حبَّةً تكونُ بالمدينة، فيأكل منها ويصلي ولا يتوضأ".
ش: رجاله ثقات.
قوله: "في شيء مما غيرت النار" أي في حكم أكل شيء من الأشياء التي غيّرتها النار، هل يجب فيه الوضوء أم لا؟.
قوله: "تكون" صفة للحبة.
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا عثمان بن زاذان، عن محمَّد بن المنكدر قال: "دخلت على فلانة -بعض أزواج النبي ﵇ قد سمّاها ونسيت- قالت: دخل عليّ رسول الله ﵇ وعندي بطن معلق، فقال: لو طبخت لنا من هذا البطن كذا وكذا، قالت: فصنعناه، فأكل ولم يتوضأ".
стр. 534
ش: إسناده صحيح، ولعل المراد من "بعض أزواج النبي ﵇" ها هنا أم سلمة؛ لأن لها روايات كثيرة في هذا الباب، وأراد "بالبطن" ما يحتوي عليه البطن من الأحشاء.
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن أم حكيم قالت: "دخل عليّ رسول الله ﵇ فأكل كتفا، فآذنه بلال بالأذان فصلى ولم يتوضأ".
ش: إسناده صحيح، وعمار بن أبي عمار: مولى، بني هاشم، روى له الجماعة إلَّا البخاري.
وأم حكيم صَفية، ويقال: عاتكة، ويقال: ضُبَاعة بنت الزبير بن عبد المطلب ابن هاشم القرشية بنت عم النبي ﵇.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يزيد بن هارون، أنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن صالحا أبا الخليل حدثه، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، أن أم حكيم ابنة الزبير حدثته: "أن رسول الله ﵇ دخل على ضباعة بنت الزبير، فنهس من كتف عندها، ثم صل ولم يتوضأ من ذلك"، وإسناده أيضًا صحيح.
قوله: "فآذنه" أي: أعلمه.
قوله: "فنهس" بالسين المهملة، النَّهْسُ: أخذ اللحم بأطراف الأسنان، والنهش -بالمعجمة- الأخذ بجميعها، وقال الأصمعي: كلاهما واحد، وقيل: بالمهملة أبلغ منه بالمعجمة، وقيل: النهس سرعة الأكل.
ص: حدثنا ابن مرزوق، وربيعٌ الجيزيُّ، وصالح بن عبد الرحمن قالوا: ثنا القَعْنَبيُّ قال: نا فائد مولى عبيد الله بن علي، عن عبيد الله، عن جده قال: طبُخت لرسول الله ﵇ بطن شاة، فأكل منها، ثم صلى العشاء ولم يتوضأ".
стр. 535
ش: ابن مرزوق: هو إبراهيم، والقَعْنبي: هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب، وفائد -بالفاء- وعبيد الله بن علي بن أبي رافع مولى النبي ﵇، وجده: أبو رافع مولى النبي، ورواية عبيد الله هذا عن جَدّه مرسلة؛ لأنه لم يدرك جده أبا رافع مولى النبي ﵇ وإنما روايته عن أبيه علي بن أبي رافع.
وحديث أبي رافع أخرجه مسلم (١): من حديث سعيد بن أبي هلال، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي غطفان، عن أبي رافع قال: "أشهد: لكنتُ أشْوِي لرسول الله ﵇ بطن الشاة، ثم صلى ولم يتوضأ".
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا القعنبي، قال: نا عبد العزيز، عن عمرو ابن أبي عَمرو، عن المغيرة بن أبي رافع، عن أبي رافع، عن رسول الله ﵇ نحوه، ولم يذكر العشاء.
ش: هذا طريق آخر، وعبد العزيز: هو الدراوردي، والمغيرة بن أبي رافع يقال له: المعتمر أيضًا، وأبو رافع اسمه أسلم أو إبراهيم.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا خالد بن مخلد، نا سليمان بن بلال، قال: حدثني عمرو بن أبي عمرو، عن حُنين بن أبي المغيرة، عن أبي رافع قال: "رأيت النبي ﵇ أكل كتفا، ثم قام إلى الصلاة ولم يَمسَّ ماء".
ص: حدثنا محمَّد بن الحجاج، قال: نا أسد، قال: نا سعيد بن سالم، عن محمَّد بن حميد، قال: حدثتني هند بنت سعيد بن أبي سعيد الخدري، عن عمتها قالت: "زارنا رسول الله ﷺ ، ثم أكل عندنا كتف شاة، ثم قام فصلى ولم يتوضأ".
ش: أسد: هو ابن موسى، ثقة.
وسعيد بن سالم القَدَّاح أبو عمر المكي، قال ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: محله الصدق.
стр. 536
ومحمد بن أبي حميد واسمُه إبراهيم الزّرقي الأنصاري، فيه مقال حتى قال يحيى: ضعيف ليس حديثه بشيء. روى له الترمذي وابن ماجه.
وهند بنت سعيد بن أبي سعيد الخدري، وثقها ابن حبان. وعمة هند بنت سعيد تكنى أم عبد الرحمن، صحابية.
وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني (١): من حديث يعقوب بن حميد، عن عبد العزيز ابن محمَّد، عن محمَّد بن أبي حميد، عن هند بنت سعيد، عن عمتها: "أن النبي ﵇ زارهم، فأكل كتف شاة، ثم صل ولم يتوضأ".
وأخرجه الطبراني (٢): من طرق عن هند بنت سعيد هذه تحدث عن عمّتها قالت: "جاء رسول الله ﷺ عائدا لأبي سعيد الخدري ﵁ فقدمنا إليه ذراع شاة فأكل، وحضرت الصلاة، فتمضمض ثم صل ولم يتوضأ".
ص: حدثنا ربيعٌ الجيزيّ، قال: نا نضر بن عبد الجبار، قال: نا ابن لهيعة، عن سليمان بن زياد، عن عبد الله بن الحارث الأسديّ الزُبتدي قال: "أكلنا مع رسول الله ﵇ طعاما في المسجد قد شُويَ، ثم أقيمت الصلاة، فمسحنا أيدينا بالحَصْباء، ثم قمنا نصلي ولم نتوضأ".
ش: رجاله ثقات إلَّا أن في عبد الله بن لهيعة مقالا، والزُّبَيدي- بضم الزاي، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف.
وأخرجه الطبراني (٣): نا المقدامُ بن داود، نا أسد بن موسى. ح
стр. 537
ونا عبدان بن أحمد المروزي، نا قتيبة بن سَعيد، قالا: نا ابن لهيعة، نا سليمان بن زياد الحضرمي، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء الزبيدي قال: "أُتينا ونحن مع رسول الله ﵇ بشواء، وأقيمت الصلاة، فأدخلنا أيدينا في الحصباء ثم صلينا ولم نتوضأ"، وله في رواية أخرى: "كنا نأكل على عهد رسول الله ﵇ -في المسجد الخبزَ واللحمَ ثم نصلي ولا نتوضأ".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: حدثني للراهيم بن سَعْد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني جعفر بن عمرو بن أمية، أن أباه قال: "رأيت رسول الله ﵇ يأكل ذراعا يَجْتَزُ منها، فدعي إلى الصلاة، فقام فطرح السكين، فصلى ولم يتوضأ".
ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين (١)، والأوَيسي نسْبة إلى أحد أجداد أُوَيس، بضم الهمزة.
وأخرجه البخاري (٢): نا يحيى بن بكير، قال: نا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني جعفر بن عمرو بن أمية، أن أباه أخبره: "أنه رأى النبي ﵇ يَجْتَزُّ من كتف شاة، فدعي إلى الصلاة فألقى السكين، فصلى ولم يتوضأ".
وأخرجه مسلم (٣): نا محمد بن الصباح، قال: نا إبراهيم بن سعد، قال: حدثني الزهري، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضّمْري، عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﵇ يَجْتَزُّ من كتف يأكل منها، ثم صلى ولم يتوضأ".
قوله: "ذراعا" هو ذراع الشاة، يذكر ويؤنث.
قوله: "يجتز" أي يقطع، وقيل: هو القطع من غير إبانة، يُقال: جززت العود جزّا.
стр. 538
قوله: "فطرح السكين" أي رماها، والسكين يذكر ويؤنث، سميت بذلك لتسكينها حركة المذبوح.
ويستفاد منه:
- جواز قطع اللحم بالسكين لدعاء الحاجة إليه، كصلابة اللحم وكبر القطعة.
فإنْ قيل: قد جاء النهي عنه في بعض الحديث وأمر بالنَّهْش.
قلت: المراد من ذلك كراهة زي العجم واستعمال عادتهم في الأكل بالأخلة والبارجين على مذهب النخوة والترفّه عن مسِّ الأصابع الشفتين والفم، وأما إذا كان اللحم طابقا، أو عضوًا كبيرا كالجنب ونحوه؛ لا يكره قطعه بالسكين، وإصلاحه به والحزّ منه، وإذا كان عراقا ونحوه؛ فنهسُه مستحب على مذهب التواضع وطرح الكبر.
وقال ابن التين: وإنما نهي عن قطع الخبز بالسكين، قاله الخطابي.
قلت: وقد نهي عن قطع اللحم أيضًا.
رواه الطبراني (١) ولكن معناه على ما ذكرنا.
- وألَّا وضوء مما مست النار.
- واستحباب استدعاء الأئمة للصلاة إذا حانت.
- واستحباب إجابة الداعي للصلاة إذا أقيمت وترك الاشتغال بغيرها.
- وقبول الشهادة على النفي إذا كان المنفي محظورا مثل هذا، أعني قوله: "ولم يتوضأ".
стр. 539
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن بشَيْر بن يَسار مولى بني حارثة، أن سُوَيد بن النعمان حدثه: "أنه خرج مع رسول الله ﵇ عام خيبر، حتى إذا كان بالصهباء -وهي من أدنى خيبر- نزل فصلى العصر، ثم دعى بالأزواد، فلم يُؤت إلَّا بالسويق، فأمر به فثري، فأكل وكلنا، ثم قام إلى المغرب فمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ".
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال مسلم، وبشُير -بضم الباء الموحدة، وفتح الشين المعجمة- ويسار بفتح الياء آخر الحروف، والسين المهملة.
وأخرجه البخاريّ (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ... إلى آخره نحوه.
والنسائي (٢): عن محمَّد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه، عن ابن القاسم، عن مالك ... إلى آخره.
قوله: "عام خَيْبر" قال ابن سعد: كانت في جمادى الأولى سنة سبع، وسمِّيت خيبر باسم رجل من العماليق نزلها، واسمه خيبر بن فانية بن مهلاييل، وبينها وبين المدينة ثمانية برد، واختلف في فتحها، فقيل: صلحا، وقيل: عنوة، وقيل: جلا أهلها عنها بغير قتال، وقيل: بعضها صلحا وبعضها عنوة، وبعضها جلا أهلها عنها بغير قتال، وعلى كل ذلك تدل الأحاديث الواردة.
قوله: "بالصهباء" وهي موضع على روحة من خيبر.
وقال البكري: على بريد، على لفظ تأنيث أصهب.
قوله: "ثم دعى بالأزواد" أبي طلبها، وهي جمع زاد، وهو طعام يتخذ للسفر، تقول: زودت الرجل فتزود، والمِزود: ما يجعل فيه الزاد.
قوله: "بالسويق" قال صاحب "المحكم": يقال فيه: السويق، والجمع أسوقة.
قال الفارسي: سمّي به لانسياقه في الحلق، والقطعة منه سويقة.
стр. 540
وقال أبو حاتم: إن عملوا الغَريضَة -وهو ضرب من السويق- صرموا من الزرع ما يريدون حين يَسْتفرك، ثم يُسَهّمُونه -وتسهيمه أن يسخن على المِقْلى حتى يَيْبَس- وإن شاءوا جعلوا على المقلى النوذنج وهو أطيب لطعمه، وعاب رجلٌ السويقَ بحضرة أعرابي فقال: لا تعبه؛ فإنه عدة المسافر، وطعام العجلان، وغذاء المبكّر، وبلغة المريض، وهو يسر فؤاد الحزين، ويرد من نفس المحرور، وجيّد في التسمين، ومنعوت في الطب، وقفاره يحلق البلغم، ومَلتونه يصلي الدم، وإن شئت كان شرابا، وإن شئت كان طعاما، وإن شئت كان ثريدا، وإن شئت كان خبيصا (١).
والسويق يتخذ من الشعير أو القمح، يُدقّ فيكون شبه الدقيق، إذا احتيج إلى أكله خلط بماء أو لبن أو رُبَّ ونحوه.
وقال قوم: هو الكعك. قال السفاقسي: قال بعضهم كان ملتوتا بسمن، وقال الداودي: هو دقيق الشعير والسُلْت (المقلوّ) (٢).
ويّردّ على من قال: هو الكعك؛ قول ابن عمر: يا حبذا الكعك بلحم مَثرود وخُشْكُنَان (مع سويق) (٣) مقنود.
قوله: "فثُرِّيَ" من ثريت السويق: صبَبْت عليه ماء ثم لَتَتْتَّه، وفي "مجمع الغرائب": ثَرى تُثْرِي تَثْرِيَة: إذا بُلَّ التراب، ويقال: ثَرَّ المكان: أي رشَّشَهُ، وإنما بَلَّ السويق لما كان لحقه من اليُبْس والقدم.
ويستنبط منه أحكام:
- إباحة الزاد في السفر خلافا لمن يمنع ذلك.
- وألَّا وضوء مما مست النار.
- ونظر الإِمام لأهل العسكر عند قلة الأزواد وجمعها؛ ليقوت من لا زاد له.
стр. 541
- وأن القوم إذا فَنِي زاد أكثرهم، فالواجب أن يتواسوا في زاد من بقي.
- وأن المضمضة منه إنما كانت لاحتباس شيء منه بين الأسنان؛ فربما تشغل المصلي.
واستدل أبو عمر وغيره على أن هذا الحديث ناسخ لما تقدم من الحظر، وفيه نظر؛ لأن من جملة رُواة الحظر أبا هريرة، وإسلامه بعد خيبر، وهذا الحديث عن مسيرهم إليها، فافهم.
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن يحيى ... فذكر نحوه بإسناده، غير أنه لم يقل: "وهي من أدنى خيبر".
ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بشُير بن يَسار، أن سويد بن النعمان ... فذكر نحوه.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): نا علي بن عبد العزيز، نا حماد بن زيد، نا يحيى بن سعيد، نا بشُير بن يَسار الأنصاري مولى الأنصار، أن سويد بن النعمان وهو من أصحاب النبي ﵇ أخبره: "أنهم خرجوا مع رسول الله ﵇ إلى خيبر، قال حتى إذا كنا بالصهباء -وهي على رَوْحة من خيبر- دعا رسول الله ﵇ بطعام فلم يوجد غير سويق، فأكلنا ثم شربنا عليه من الماء، ثم مضمض رسول الله ﵇ فقام فصلى".
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): نا يحيى بن سعيد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، حدثني بشير بن يَسار، عن سويد بن النعمان: "أن رسول الله ﵇ نزل بالصهباء عام خيبر، فلما صلى العصر دعا بالأطعمة، فلم يؤت إلَّا بسويق، قال: فلكنا -يعني أكلنا- منه، فلما كانت المغرب تمضمض وتمضمضنا معه".
стр. 542
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: نا مَكِّيّ بن إبراهيم، قال: نا الجُعَيد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن عبد الله بن عبيد الله، أن عمرو بن عبيد الله حدثه قال: "رأيت رسول الله ﵇ أكل كَتِفا، ثم قام فصلى ولم يتوضأ".
ش: مكي بن إبراهيم شيخ البخاري.
والجُعيد بن عبد الرحمن المدني، روى له الجماعة سوى ابن ماجه.
والحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد الطلب، أبو عبد الله المدني، ضعفّه أحمد وابن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، روى له الترمذي وابن ماجه.
وعمرو بن عبيد الله الحضرمي، قال ابن الأثير: إنه رأى النبي ﵇.
وقال أبو نعيم: لا تصح له رؤية.
والأول أصح.
وأخرجه أحمد (١): نا مكيّ بن إبراهيم ... إلى آخره نحوه، وفيه: "أن عمرو ابن عبيد الله صاحب النبي ﵇".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا بشر بن عُمر، قال: حدثني إبراهيم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن ثابت وغيره من مشيخة بني عبد الأشهل، عن أم عامر بنت يزيد (امرأة) (٢) ممن بايعت رسول الله ﵇: "أنها جاءت إلى رسول الله ﵇ بعَرْق في مسجد بني عبد الأشهل، فَعَرَقَهُ ثم قام فصلى ولم يتوضأ".
ش: إبراهيم بن إسماعيل وثقه أحمد، وضعفه يحيى بن معين (٣).
стр. 543
وعبد الرحمن بن عبد الرحمن بن ثابت بن صامت الأشهاري، ومنهم من يقول: عبد الرحمن بن ثابت بن صامت، قال أبو حاتم: ليس عندي منكر الحديث، وأدخله البخاري في الضعفاء (١).
وأم عامر: بنت يزيد بن السكن الأنصارية الأشهلية.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): نا أبو عامر، نا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، نا عبد الرحمن بن عبد الرحمن الأشهلي، عن أم عامر ابنة يزيد، امرأة من المبايعات: "أنها أتت النبي ﵇ بعرق في مسجد بني فلان فتعرقه، ثم قام فصل ولم يتوضأ".
وأخرجه الطبراني (٣): أيضًا عن ابن المبارك (٤)، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن ... إلى آخره.
قوله: "من مشيخة" جمع شيخ، قال الجوهري: جمع الشيخ: شيوخ، وأَشْيَاخ، وشِيَخَة، وشيِخَان، ومَشْيَخَةٌ، ومشايخُ ومَشْيُوخَاء، والمرأة (شيخة) (٥).
وبنو عبد الأشهل بطن من الأنصار كبير، وعبد الأشهل بن جُشم بن الحارث ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس.
قوله: "بعَرقٍ" فتح العين وسكون الراء، وقد فسرناه في هذا الباب.
стр. 544
قوله: "فَعَرقَه" من عَرَقْتَ العظم، واعترقته وتعرقته: إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك.
فهذا كما قد رأيت قد أخرج الطحاوي أحاديث ترك الوضوء مما مست النار عن اثني عشر صحابيا وهم: ابن عباس، وأم سلمة، وجابر بن عبد الله، وبعض أزواج النبي ﵇ وأم حكيم، وأبو رافع، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن الحارث، وعمرو بن أمية، وسويد بن النعمان، وعمرو بن عبيد الله، وأم عامر.
وفي الباب عن عثمان، وابن مسعود، ومحمد بن سلمة، وعبد الله بن عمرو، والمغيرة بن شعبة، ورافع بن خديج، وأبي هريرة.
ص: ففي هذه الآثار ما يَنْفي أن يكون أكل ما مست النار حدثا؛ لأن رسول الله ﷺ لم يتوضأ منه، وقد يجوز أن يكون ما أمر به من الوضوء في الآثار الأول هو وضوء الصلاة، ويجوز أن يكون غسل اليد لا وضوء الصلاة، إلَّا أنه قد ثبت عنه بما روينا أنه توضأ وأنه لم يتوضأ، فاردنا أن نعلم ما الآخر من ذلك؟
فإذا ابنُ أبي داود وأبو أمية وأبو زرعة الدمشقي قد حدثونا قالوا: نا علي بن عياش، قال: نا شعيب بن أب حمزة، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﵇ هو ترك الوضوء مما مسّت النار".
حدثنا محمد بن خزيمة، نا حجاج، نا عبد العزيز بن مسلم، عن سهل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ أكل ثوْرَ أقطٍ فتوضأ، ثم أكل بعده كتفا فصلى ولم يتوضأ".
فثبت بما ذكرنا أن آخر الأمرين عن رسول الله ﵇: هو ترك الوضوء مما غيرت النار، وأن ما خالف من ذلك فقد نسخ بالفعل الثاني، هذا إذا كان ما أمر به من الوضوء يريد به وضوء الصلاة، وإن كان لا يريد وضوء الصلاة فلم
стр. 545
يثبت بالأحاديث الأُول أن أكل ما غيرت النار حدث، فثبت بما ذكرنا بتصحيح هذه الآثار أن أكل ما مسّت النار ليس بحدث.
ش: أراد بهذه الآثار ما رواه عن اثني عشر صحابيا بنفي الوضوء مما مست النار.
قوله: "وقد يجوز ... إلى أخره" تحريره: أن الوضوء المذكور في الأحاديث الأُول يحتمل الوضوء الشرعي الذي هو وضوء الصلاة، ويحتمل الوضوء اللغوي وهو أن يُريد به غسل اليد والفم من دسمه وزهومته، فإن كان المراد الثاني؛ لم يثبت بالأحاديث الأول كون كل ما غيرت النار حدثا؛ لأنه إنما يكون حدثا إن لو كان المراد بالوضوء الوضوء الشرعي.
وقد روى الطبراني في "الكبير" (١) بإسناده إلى معاذ بن جبل أنه قال: "إنما أمر النبي ﵇ بالوضوء مما غيرت النار بغسل اليدين والفم للتنظيف، وليس بواجب".
وفي إسناده مُطرف بن مازن وقد نُسب إلى الكذب.
وقال أبو عمر: ذهب بعض من تكلم في تفسير حديث النبي ﵇: "توضؤوا مما مست النار" أنه عني به غسل اليد؛ لأن الوضوء مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة، فكأنه قال: نظفوا أيديكم من غَمر ما مسته النار، ومن دَسَم ما مسته النار، وهذا لا معنى له عند أهل العلم، ولو كان كما ظن هذا القائل؛ لكان دَسم ما لم تمسه النار وَوَدك ما لم تمسه النار لا يتنظف منه ولا تغسل منه اليد، وهذا لا يصح عند ذي لُبٍّ، بل المراد منه الوضوء المعهود للصلاة لمن أكل طعاما مسته النار، ولكن هو منسوخ على ما نبينه (٢).
وقيل: وضوءه ﵇ من ذلك يحتمل أن يكون لشيء آخر اقتضاه، أو لنقض الطهارة أو تجديدها، وقيل: كان أمره بذلك أولًا لِمَا كانت عليه الجاهلية والأعراب من قلة التنظيف، فأراد النبي ﵇ تغيير ذلك وعلّق لهم شريعة
стр. 546
الوضوء، فلما رأى استقرار النظافة فيهم والتزامهم له؛ نسخ ذلك بتخفيف الحرج في لزومه لهم. انتهى.
وإن كان المراد الأول -أعني الوضوء الشرعي- كما مال إلى هذا جمهور العلماء؛ يكون آخر الأمرين من فعله ﵇ ناسخًا للأول كما يشهد له حديث جابر وأبي هريرة على ما نبينه عن قريب -إن شاء الله- فإن حديثهما يَشْهد أن آخر الأمرين من رسول الله ﷺ هو ترك الوضوء مما غيرت النار، وأن كل ما روي [مما] (١) يخالف ذلك فقد نسخ بالفعل الثاني.
وقال البيهقي في "المعرفة" (٢): قال الشافعي: وإنما قلنا: لا يتوضأ منه؛ لأنه عندنا منسوخ، ألا ترى أن عبد الله بن عباس -وإنما صحبته بعد الفتح- روي عنه: "أنه رآه ﵇ يأكل من كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ"؟ وهذا عندنا من أبين الدلالات على أن الوضوء منه منسوخ، وأن أمره بالوضوء منه للتنظيف، والثابت عنه أنه لم يتوضأ. انتهى.
وفيه نظر؛ كيف لم يثبت عنه [أنه توضأ] (٣) وقد روى عنه جماعة من الصحابة أنه توضأ من ذلك؟ ولهذا قال الطحاوي: إلَّا أنه قد ثبت عنه بما روينا أنه ﵇ توضأ، وثبت عنه ﵇ أنه لم يتوضأ، ففي مثل ذلك نحتاج إلى علم الآخر منهما، وقد دل حديث جابر وأبي هريرة أن آخر الأمْرَين تركُ الوضوء، فصار الأول منسوخا.
وقال البغوي في "شرح السنة": هو منسوخ عند عامة أهل العلم.
وقال الترمذي في "جامعه" بعد أن روى حديث جابر: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ والتابعين ومن بعدهم مثل: سفيان، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ رأوا ترك الوضوء مما مست النار، وهذا آخر الأمرين
стр. 547
من رسول الله ﵇ وكان هذا الحديث ناسخا للحديث الأول -حديث الوضوء مما مست النار- انتهى.
قلت: هذا بيان المخلص من المعارضة من حيث التاريخ، وهو أن يُعلم بالدليل التاريخ فيما بَين النصين، فيكون المتأخر منهما ناسخا للمتقدم.
فإن قيل: الخبر المثبت أولى من النافي؛ لأن المثبت أقرب إلى الصدق من النافي، ولهذا قبلت الشهادة على الإثبات دون النفي، فلا يحتاج إلى طلب المخلص بالتاريخ؛ لعدم تحقق المعارضة.
قلت: الخبر الموجب للنفي معمول به كالموجب للإثبات وما يستدل به على صدق الراوي في الخبر الموجب للإثبات فإنه يستدل بعينه على صدق الراوي في الخبر الموجب للنفي، فحينئذ تتحقق المعارضة؛ فإذا تحققت المعارضة يُحتاج إلى طلب المخلص، وقد علم من الأصول أن طلب المخلص أولا من نفس الحجة، فإن لم يكن فمن الحكم، فإن لم يكن فباعتبار الحال، فإن لم يوجد فبمعرفة التاريخ نصّا، فإن لم يوجد فبدلالة التاريخ.
وقال أبو عمر: وأشكل ذلك على طائفة كثيرة من أهل العلم بالمدينة وبالبصرة، ولم يقفوا على الناسخ في ذلك من المنسوخ، ولم يعرفوا منه غير هذا الوجه الواحد، وكانوا يوجبون الوضوء مما مسّت النار، ويتوضؤن من ذلك، وممن رُوي عنه ذلك: زيد بن ثابت، وابن [عمرو] (١) وأبو موسى، وأبو هريرة، وعائشة، وأم حبيبة، واختلف فيه عن أبي طلحة الأنصاري، وعن ابن عمر وأنس بن مالك وقال به: خارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وابن عبد الملك، ومحمد بن المنكدر، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب الزهري، فهؤلاء كلهم مدنيون.
стр. 548
وقال به من أهل العراق: أبو قلابة، وأبو مجلز، والحسن البصري، ويحيى ابن يعمر، وهؤلاء كلهم بصريون، وكأن ابن شهاب قد علم الوجهين جميعًا في ذلك وروى الحديثين المتعارضين في هذا الباب، وكان يذهب إلى أن قوله: ﵇: "توضؤوا مما غيرت النار" ناسخ لفعله المذكور في حديث ابن عباس [هذا] (١) ومثله.
وهذا مما غَلط فيه الزهري مع سعة عمله، وقد ناظره أصحابه في ذلك وقالوا: كيف يذهب الناسخ على أبي بكر، وعُمر، وعثمان، وعلي، وهم الخلفاء الراشدون؟! فأجابهم بأن قال: أعيى الفقهاء أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله ﵇ من منسوخه.
وقال أبو عمر (٢): أظن أن ابن شهاب كان يقول: إن أمهات المؤمنين لا يخفى عليهن الآخر من فعله ﵇؛ فبهذا استدل -والله أعلم- على أنه الناسخ، وعن عائشة: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﵇ الوضوء مما مسّت النار".
ص: وقد روي ذلك عن جماعة من أصحاب رسول الله ﵇ أيضًا.
حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا رباح بن أبي معروف، عن عطاء، عن جابر.
وحدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا هشام، عن أبي الزبير، عن جابر.
وحدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر.
وحدثنا أبو بكرة، قال: نا إبراهيم بن بشار، قال: نا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر.
وحدثنا يونس، قال: نا سفيان، عن عمرو، عن جابر.
стр. 549
وحدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا زائدة، قال: نا عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن جابر قال: "أكلنا مع أبي بكر ﵁ خبزا ولحما، ثم صلى ولم يتوضأ".
وفي حديث عبد الله بن محمَّد خاصّة: "وأكلنا مع عمر خبزا ولحما ثم قام إلى الصلاة ولم يمس ماء".
ش: أي وقد روي ترك الوضوء عن أكل ما مسّته النار عن جماعة من الصحابة ﵃ منهم: أبو بكر الصديق ﵁ على ما روى جابر بن عبد الله عنه ذلك.
وأخرجه الطحاوي من عشر طرق:
[الأول] (١): عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن رباح بن أبي معروف بن أبي سارة المكي، عن عطاء بن أبي رباح المكي، عن جابر.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "أكل أبو بكر الصديق ﵁ كتف لحم -أو ذراع- ثم قام فصلى لنا ولم يتوضأ".
قال عطاء: وحسبت أن جابرا قال: "ولم يمضمض ولم يغسل يده" قال: حسبت أنه قال: "مسح بيده".
الثاني: عن أبي بكرة، عن أبي داود، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
стр. 550
وأخرجه ابن أبي شيبة (١) في "مصنفه": نا هُشَيم، أنا عمرو بن دينار وأبو الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: "أكلت مع أبي بكر خبزا ولحما، فصلى ولم يتوضأ".
الثالث: عن أبي بكرة، عن أبي داود، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن سليمان بن قيس اليشكري البصري، عن جابر.
وهؤلاء ثقات، لكن قيل: إن سليمان بن قيس مات في حياة جابر، ولم يسمع منه أبو بشر.
الرابع: عن أبي بكرة، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن دينار، عن جابر.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع جابر بن عبد الله يقولُ: "أكل أبو بكر خبزا ولحما ثم صلى ولم يتوضأ".
الخامس: عن يونس بن عبد الأعل، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر. وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه عبد الرزاق (٣) عن مَعْمر والثوري، عن عمرو بن دينار، عن جابر قال: "أكلنا مع أبي بكر خبزا ولحما، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ".
قال معمر: ثم أحسبه قال: "إلَّا أنه تمضمض".
السادس: عن أبي بكرة، عن أبي داود، عن زائدة بن قدامة، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل بن أبي طالب عن جابر.
стр. 551
وفي عبد الله هذا مقال.
قوله: "وفي حديث عبد الله بن محمَّد ... " إلى آخره: أشار به إلى أن ذكر عمر ﵁ جاء في روايته خاصة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا سفيان، سمعت ابن المنكدر غير مرة يقول: عن جابر، وكأني سمعته مرة يقول: أخبرني من سمع جابرا وظننته سمعه (من ابن عقيل) (٢) عن جابر: "أن النبي ﵇ أكل لحما ثم صلى ولم يتوضأ، وأن أبا بكر أكل (لبنا) (٣) فصلى ولم يتوضأ، وأن عمر ﵁ أكل لحما ثم صلى ولم يتوضأ".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا محمَّد بن المنهال، قال: نا يزيد زريع، قال: نا رَوْح بن القاسم، عن محمَّد بن المنكدر عن جابر، عن أبي بكر وعمر ﵁ مثله.
ش: هذا الطريق السابع، وهو صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن أبي داود إبراهيم.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): نا هشيم، أنا علي بن زيد، نا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: "قلت مع رسول الله ﵇ ومع أبي بكر وعمر وعثمان خبزا ولحما، فصلوا ولم يتوضئوا".
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن أبي نُعَيْم وهب ابن كيسان، أنه سمع جابر بن عبد الله يَقُولُ: "رأيت أبا بكر الصديق ﵁ أكل لحما، ثم صلى ولم يتوضأ".
ش: هذا الطريق الثامن، ورجاله كلهم رجال مسلم وغيره.
стр. 552
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا ابن عُلَيّة، عن أيوب، عن وهب بن كيْسان، عن جابر: "أن أبا بكر أكل خبزا ولحما فما زاد على أن مضمض فاه وغسل يديه ثم صلى".
وأخرجه البيهقي (٢): عن أبي عبد الله الحافظ، عن أبي العباس محمَّد بن يعقوب، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ... إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: نا همام، قال: نا قتادة، قال: قال لي سليمان بن هشام: وإن هذا لا يَدَعنا -يعني الزهري- أن نأكل شيئْا إلَّا أمَرنا أن نتوضأ منه، فقلت: سألت عنه سعيد بن المسيب، فقال: إذا أكلته فهو طيب ليس عليك فيه وضوء فإذا خرج فهو خبيث عليك فيه الوضوء. قال: ما أراكما إلَّا قد اختلفتما، فهل بالبلد من أحد؟ فقلت: نعم؛ أقدم رجل في جزيرة العرب. قال: مَنْ هو؟ قلت: عطاء. فأرسل، فجيء [به] (٣) فقال: إن هذين قد اختلفا عليّ فما تقول؟ فقال: حدثنا جابر بن عبد الله ﵁ ... " ثم ذكر عن أبي بكر مثله.
ش: هذا الطريق التاسع، وأبو عُمر الحوضي حفص بن عمر وقد تكرر ذكره، وهمام بن يحيى العوذي، وقتادة بن دعامة السَّدُوسي، وعطاء بن أبي رباح، وكلهم أئمة أجلاء ثقات.
وسليمان بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي، وكان أميرا في عهد أبيه ولم يل الخلافة، قتله السفاح فيمن قَتَل من بني أمَيَّة، سنه ثلاث وثلاثين ومائة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤): ثنا عفان وبهز، قالا: نا همام، قال بهز: نا قتادة
стр. 553
قال: قال لي سليمان ... إلى آخره نحوه، وفي آخره: "قال: قال لعطاء: ما تقول في العمرى؟ قال: حدثني جابر أن النبي ﵇ قال: العمرى جائزة".
قوله: "لا يدعنا" أي: لا يتركنا.
قوله: "في جزيرة العرب" من جهة الغرب بحر القلزم من أطراف اليمن إلى أيلة، وأيلة من جزيرة العرب، ومن جهة الشرق إلى البصرة، ومن الجنوب بحر الهند إلى آخر اليمن من جهة الحجاز إلى حد الجهة الغربية، وفي الشمال بعض الشام إلى بَالِس على الفرات إلى الرحَبة وعَانة.
ص: حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: نا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء، قال: حدثني جابر: "أنه رأى أبا بكر فعل ذلك".
ش: هذا الطريق العاشر، عن محمَّد بن عبد الله بن ميمون أبي بكر السكري الإسكندراني، وثقه ابن يونس، وروى عنه أبو داود والنسائي.
والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو، وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن يحيى بن ربيعة، قال: سمعت عطاء بن أبي رباح يقول: أخبرني جابر بن عبد الله: "أن أبا بكر أكل كتف شاة -أو ذراع- ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ، فقيل له: نأتيك بوَضوء؟ فقال: إني لم أحدث".
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو الوليد، قال: نا شعبة، عن حماد ومنصور وسليمان ومغيرة، عن إبراهيم: "أن ابن مسعود وعلقمة خرجا من بيت عبد الله بن مسعود يُريدان الصلاة، فجيء بقصعة من بيت علقمة فيها ثريد ولحم فأكلا، فمضمض ابن مسعود وغسل أصابعه، ثم قام إلى الصلاة".
ش: أبو الوليد: هشام بن عبد الملك، وحماد: هو ابن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، ومنصور: هو ابن المعتمر، وسليمان: هو الأعمش، ومغيرة: هو ابن مقسم الضبّي،
стр. 554
وإبراهيم: هو ابن يزيد النخعي، وعلقمة: هو ابن قيس النخعي، وهؤلاء كلهم أئمة أجلاء أَثْبات.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن معمر، عن حماد، عن إبراهيم، عن علقمة: "أُتِينا بجفنة ونحن مع ابن مسعود، فأمر بها فوضعت في الطريق، فأكل منها وأكلنا معه، وجعل يدعو مَنْ مَرَّ به، ثم مضينا إلى الصلاة، فما زاد على أن غسل أطراف أصابعه، ومضمض فاه، ثم صلّى".
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق ... إلى آخره.
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن الحجاج، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁ قال: "لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إليّ من أتوضأ من اللقمة الطيبة".
ش: رجاله ثقات، وحجاج الأول: هو ابن المنهال، والثاني: هو بن أرْطاة النخعي الكوفي، وحماد: هو ابن سلمة، والأعمش: هو سليمان، ووالد إبراهيم: هو يزيد بن شريك التيمي.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣): نا علي بن عبد العزيز، نا حجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، عن الحجاج، عن الأعمش ... إلى آخره نحوه.
"والخبيثة": الرديَّة، من خَبُثَ الشيء خباثة، وخَبُثَ الرجل خبثا فهو خبيث أي رديء، وأصل الخبيث خلاف الطيب.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب أن مالكا حدثه، عن محمَّد بن المنكدر وصفوان بن سليم، أنهما أخبراه عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث
стр. 555
التَيْمي، عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير:"أنه تعشى مع عمر بن الخطاب ﵁ ثم صلى ولم يتوضأ".
ش: إسناده صحيح، وربيعة بن عبد الله: عم محمَّد بن المنكدر.
وأخرجه محمَّد بن الحسن في "موطأه" (١): عن مالك ... إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن ضَمْرة بن سعيد المازني، عن أبان بن عثمان: "أن عثمان ﵁ أكل خبزا ولحما، وغسل يديه ثم مسح بهما وجهه، ثم صلى ولم يتوضأ".
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم.
وأخرجه محمَّد بن الحسن في "موطأه" (٢): عن مالك ... إلى آخره نحوه.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣): عن أبي علي الروذباري، عن أبي النضر الفقيه، عن عثمان بن سعيد، عن يحيى بن بكير المصري، عن مالك ... إلى آخره.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا أيوب بن سليمان بن بلال، قال: حدثني أبو بكر بن أبي أُوَيْس، عن سُليمان، عن عُتبة بن مسلم، عن عبيد بن حُنيْن، قال: "رأيت عثمان ﵁ أُتي بثريد فأكل، ثم تمضمض، ثم غسَل يَديْه، ثم قام فصلى للناس (٤) ولم يتوضأ".
ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وأيوب بن سليمان: شيخ البخاري، وأبو بكر اسمه: عبد الحميد بن عبد الله بن أَويس المدني، وسليمان هو: ابن بلال القرشي المدني، وعتبة بن مسلم: التيمي مولاهم المدني، وعبيد بن حنين: المدني مولى آل زيد بن الخطاب. وهؤلاء كلهم مدنيّون.
стр. 556
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو الوليد، قال: نا شعبة، عن أبي نوفل بن أبي عَقْرب الكناني قال: "رأيت ابن عباس ﵁ أكل خبزا رقيقا ولحما حتى سال الوّدك على أصابعه، فغسل يديه وصلى المغرب".
ش: إسناده صحيح، وأبو الوليد: هشام بن عبد الملك الطيالسيّ، وأبو نوفل قيل: اسمه مسلم، وقيل: عمرو بن مسلم بن أبي عقرب، وقيل: معاوية بن مسلم، والكناني: نسبة إلى كنانة بن خزيمة وهي عدة قبائل.
قوله: "رقيقا" ضد الثخين، قال الجوهري: الخبز الرُّقاق -بالضم-: الخبز الرقيق، و"الوَدك" -بفتحتين-: دسم اللحم، يقال: دجاجة وديكة: أي سمينة.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا عثمان بن عمر، قال: نا إسرائيل، عن طارق، عن سعيد بن جُبَير: "أن ابن عباس أُتي بجفنة من ثريدٍ ولحم عند العصر فأكل منها، فأُتي بماء فغسل أطراف أصابعه، ثم صلى ولم يتوضأ".
ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة، وإسرائيل: هو ابن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعي.
قوله: "بجفنة" وهي كالقصعة، والجمع جفان وجفنات.
"والثريد" خبز أو رقاق مُفتّت، مسقي بالودك، عليه لحم مقطع، وقيل: لا يكون الثريد حتى يكون فيه لحم، ولكن عطف اللحم هنا على الثريد يردّ هذا القول.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن سعيد بن جبير قال: "دخل قوم على ابن عباس فأطعمهم طعاما، ثم صلى بهم على طِنفسه، فوضعوا وجوههم وجباهم وما توضؤا".
ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، وأبو إسحاق اسمه عمرو بن عبد الله.
قوله: "طِنْفَسة" -بكسر الطاء وفتحها وسكون النون وفتح الفاء-: وهي البساط الذي له خمل رقيق، وجمعه طنافس.
стр. 557
وقال ابن الأثير: الطنفسة بكسر الطاء والفاء وبضمهما، وبكسر الطاء وفتح الفاء.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا المسعودي، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه قال: "قال ابن عمر لأبي هريرة: ما تقول في الوضوء مما غيرت النار؟ قال: توضأ منه، قال: ما تقول في الدهن والماء المسخن، نتوضأ منه؟ فقال: أنت رجل من قريش وأنا رجل من دوس، قال: يا أبا هريرة لعلك تلتجئ إلي هذه الآية ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (١).
ش: إسناده صحيح، وأبو داود: سليمان بن داود الطيالسي، وقد تكرر، والمسعودي: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، وثقه أحمد ويحيى، واستشهد به البخاري، وروى له الأربعة.
وسعيد بن أبي بردة، واسم أبي بردة: عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري.
قوله: "قال: ما تقول" أي قال ابن عمر لأبي هريرة: ما تقول، وهذا القول منه إلزام لأبي هريرة، واعتراض عليه فيما ذهب إليه من إيجابه الوضوء مما غيرته النار.
قوله: "أنت رجل من قريش" أراد به أبو هريرة: أنك رجل شريف لأنك قرشي وأنا رجل وضيع لأني دوسيّ، فكيف أقاومك في الجواب والمعارضة؟! ثم إن ابن عمر ﵁ فهم من كلامه أنه ينسبه بهذا الكلام إلى اللجاجة والخصام، وقال له: لعلك تلتجئ إلى هذه الآية ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (١).
ص: حدثنا روْح بن الفرج، قال: نا يوسف بن عديّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن حُصَين، عن مجاهد، قال ابن عمر: "لا نتوضأ من شيء تأكله".
ش: إسناده صحيح، ويوسف بن عدي: شيخ البخاري.
стр. 558
وأبو الأحوص سلّام بن سُليم الكوفي، روى له الجماعة.
وحُصين -بضم الحاء- بن عبد الرحمن السُلمي الكوفي، روى له الجماعة.
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: نا حماد، عن أبي غالب، عن أبي أمامة: "أنه كل خبزا ولحما فصلى ولم يتوضأ، وقال: الوضوء مما يخرج وليس مما يدخل".
ش: حمّاد: هو ابن سلمة.
وأبو غالب: البصري صاحب أبي أمامة، اختلف في اسمه فقيل: اسمه حَزَوَّر، وقيل: سعيد بن الحَزَوَّر، وقيل: نافع، ضعفه النسائي، ووثقه الدارقطني.
وأبو أمامة صُدَيْ بن عَجْلان الباهلي الصحابي.
قوله: "الوضوء مما يخرج" أي: يجب من أجل خروجه من السبيلن، أو من غيرهما إذا كان نجسا نحو: الدم والقيح، وليس مما يدخل أي: من أجل ما يدخل في باطن [ابن] (١) آدم من الأكل والشرب، وهذا كله خلاف حكم الصوم.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فهؤلاء الِجلَّة من أصحاب رسول الله ﵇ لا يَروْن في أكل ما غيرت النار وضوءا.
ش: أشار بهؤلاء إلى الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي أمامة الباهلي، الذين روي عنهم أنهم لا يرون الوضوء مما مست النار.
"والِجلّة" -بكسر الجميع وتشديد اللام-: جمع جَليل، كَصِبْية جمعُ صبي، والجليل بمعنى العظيم، وأراد هؤلاء الأكابر والأعاظم من الصحابة ﵃.
ص: وقد روي عن آخرين منهم مثل ذلك ممن قد رُوي عنه عن رسول الله ﵇ أنه أمر بالوضوء مما غيرت النار.
стр. 559
ش: أي وقد رُوي عن جماعة آخرين من الصحابة مثل ما رُوي عن هؤلاء الِجلَّة من الذين قد رُوي عنهم عن رسول الله ﵇ أنه أمر بالوضوء مما غيرت النار، وأراد بهذا: تأكيد ما قاله فيما مضى من انتساخ الأمر بالوضوء مما غيرت النار؛ لأن رواية من رَوى ترك الوضوء منه بعد روايته أنه أمر بالوضوء منه أول دليل على نسخ الحكم الأول؛ لأن الصحابة محفوظون من أن يرووا شيئًا عن النبي ﵇ ثم يقولون أو يفعلون بخلافه إلَّا بعد ثبوت النسخ عندهم.
ص: فمن ذلك: ما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا بشْر بن بكر، قال: نا الأوزاعي، قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي، قال: حدثني عبد الرحمن بن زيد الأنصاري، قال: حدثني أنس بن مالك، قال: "بينا أنا وأبو طلحة الأنصاري وأبي بن كعب أُتينا بطعام سخن فأكلنا، ثم قمت فتوضأت، فقال أحدهما لصاحبه: أَعِرَاقيةٌ؟! ثم انتهراني، فعلمتُ أنهما أفقه مني".
ش: أي فمن هذا الذي ذكرنا من قولنا: "وقد روي عن آخرين منهم .... " إلى آخره.
قوله: "ما حدثنا" مبتدأ، و"من ذلك" مقدما خبره و"ما" موصولة، و"حدثنا" صلتها.
وإسناده حسن ورجاله ثقات، والأوزاعي: عبد الرحمن بن عمرو.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): أنا أبو أحمد عبد الله بن محمَّد، أنا أبو بكر محمَّد بن جعفر المزكي، نا محمَّد بن إبراهيم العبدي، نا بُكير، نا مالك، عن موسى بن عقبة، عن عبد الرحمن بن زيد الأنصاري: "أن أنس بن مالك قَدِمَ من العراق، فدخل عليه أبو طلحة وأبي بن كعب، فقَرب إليهما طعاما قد مسّته النار، فأكلوا منه، فقام أنس فتوضأ، فقال له أبو طلحة وأبي بن كعب: ما هذا يا أنس، أعِراقية؟! فقال أنسٌ: ليتني لم أفعل. وقام أبو طلحة وأبي بن كعب فَصَلَّيَا ولم يتوضئا".
стр. 560
قوله: "بينا" أصله: "بين" أشبعت فتحتها بالألف، وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة، وكذلك "بينما" ويضافان إلى جملة، ويحتاجان إلى جواب، والأفصح في جوابهما ألَّا يكون فيه "إذ" ولا "إذا".
وقوله: "أنا" مبتدأ، وخبره محذوف و"أبو طلحة وأبي بن كعب" عطفا عليه، والتقدير: بينا أنا قاعد أو جالس، وأبو طلحة وأبي قاعدان.
قوله: "أُتِينا" على صيغة المجهول، جواب "بينا" وقد وقع على شرط الفصاحة.
قوله: "أعراقية" الهمزة للاستفهام على وجه الإنكار، والمعنى، هل هذه الفعلة التي فعلها أنس عراقية؟ يعني منسوبة إلى العراق، فكأنهما استغربا ذلك عن أنس ونسباه إلى العراق، فكأنه تعلّم هذا في العراق ثم أتى به إلينا.
قوله: "ثم انتهراني" أي زجراني ومنعاني عن ذلك، يقال: نهرته، وأنتهرته، بمعنى.
قوله: "فعلمت أنهما" أي أن أبا طلحة وأبي بن كعب "أفقه" أي أعلم بهذه المسألة مني، فهذا يدل على أن ما فعله أنس من قبل من الوضوء مما مسته النار لعدم وقوفه على النسخ، فلما علمه منهما؛ رجع عما كان يفعله، ولهذا قال في رواية البيهقي: "ليتني لم أفعل" وكذلك أبو طلحة هو الذي روى الوضوء مما مسته النار، ثم تركه؛ لما علم بانتساخه.
ص: حدثنا يونس، قال: نا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن موسى بن عقبة، عن عبد الرحمن بن زيد الأنصاري: "أن أنس بن مالك قدم من العراق ... ، ثم ذكر مثله، وزاد: "فقام أبو طلحة وأبي فصليا ولم يتوضئا".
ش: هذا طريق آخر وهو صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ... إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطأه" (١).
стр. 561
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني إسماعيل بن رافع ومحمدُ بن النيل، عن عبد الرحمن بن زيد الأنصاري، عن أنس بن مالك قال: "أكلت أنا وأبو طلحة وأبو أيوب الأنصاري طعاما قد مسته النار، فقمتُ لأن أتوضأ، فقالا لي: تتوضأ من الطيبات؟! لقد جئت بها عراقية".
فهذا أبو طلحة وأبو أيوب قد صليا بعد أكلهما ما غيرت النار ولم يتوضئأ، وقد رويا عن رسول الله ﵇ أنه أمر بالوضوء من ذلك فيما قد روينا عنهما في هذا الباب، فهذا لا يكون عندنا إلَّا وقد ثبت نسخ ما قد روَياه عن النبي ﵇ من ذلك عندهما، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.
ش: هذا وجه آخر في الحديث المذكور، يَرْويه عن إبراهيم بن أبي في أوفى، عن سعيد بن الحكم بن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي، وهو ثقة، روى له الجماعة.
وإسماعيل بن رافع بن عُوَيْمر المدني، قال يحيى: ضعيف. وقال النسائي: متروك الحديث.
ومحمد بن النَيْل الفهري المصري، ذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عنه، وقال الدارقطني: شيخ من أهل مصر، والنيل: بفتح النون وسكون الياء آخر الحروف كذا ضبطه الدارقطني، وقال الصاغاني في "العباب": وأبو النيل الشامي، ومحمد بن نيل الفهري من أصحاب الحديث يُقَالان بفتح النون وكسرها، ذكره في مادة النون والياء -آخر الحروف- واللام، ومَنْ ضَبطَه بالنون والباء الموحدة فقد صحّف.
ويحيى بن أيوب الغافقي يَرْوي عن إسماعيل بن رافع ومحمد بن النيل هذا، وكلاهما يَرْويان عن عبد الرحمن بن زيد الأنصاري، قال أبو حاتم: ما بحديثه بأس.
стр. 562
وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن محمَّد بن راشد، قال: أخبرني عثمان بن عمرو التيمي، عن عقبة بن زيد، عن أنس بن مالك قال: "قدمت المدينة فتعشيتُ مع أبي طلحة قبل المغرب، وعنده نفر من أصحاب النبي ﵇ منهم أبي بن كعب، فحضرت المغرب، فقمت أتوضأ، فقالوا: ما هذه العراقية التي أحدثتها؛ من الطيبات تتوضأ؟! فصلوا المغرب جميعًا ولم يتوضؤا".
قوله: "أنتوضأ" الهمزة فيه للاستفهام "من الطيبات" أي: من المواكيل الطيّبات.
قوله: "لقد جئت بها" أي بهذه الفَعْلة يعني الوضوء مما مسته النار.
قوله: "عراقية" بالنصب على الحال، من الضمير الذي في "بها".
قوله: "وقد رويا" جملة وقعت حالا، أي والحال أنهما -أي أبا طلحة وأبا أيوب- قد رَوَيَا عن رسول الله ﵇ أنه أَمَر بالوضوء مما مَسّته النار، أما حديث أبي طلحة فهو ما رواه في أول الباب: "أنه ﵇ أكل ثوْرَ أقطٍ فتوضأ منه" (٢).
وأما حديث أبي أيوب فهو ما رواه النسائي في "سننه" (٣): وقال: أخبرنا عَمرو بن علي ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن عبد الله بن عمرو، قال حدثني محمَّد القاري، عن أبي أيوب قال: قال النبي ﵇: "توضئوا مما غيرت النار".
والطحاوي لم يَرو حديث أبي أيوب في هذا الكتاب، وإنما رواه في غيره، ولكن في هذا الباب -يعني باب حكم ما مّسته النار- فلذلك قال: فيما قد روينا عنهما في هذا الباب.
قوله: "فهذا لا يكون عندنا ... " إلى آخره إشارة إلى بيان وجه النسخ، وذلك لأن الصحابي إذا روى شيئًا ثم عمل أو أفتى بخلافه يدلّ ذلك على أنه قد ثبت النسخ عنده فيما رواه لأنا لا نظن بالصحابة إلَّا كل خير.
стр. 563
ص: وأما وجهه من طريق النظر: فإنا قد رأينا هذه الأشياء التي قد اختلف في أكلها أنه ينقض الوضوء أم لا إذا مستها النار، فقد أجمع كلٌ أن أكلها قبل مُمَاسَّةِ النار إياها لا يَنقُض الوضوءَ، فأردنا أن نَنظُرَ، هل للنار حكمٌ يجب في الأشياء إذا ماستها فَيُنُقَل به حكمُها إليها؟ فرأينا الماء القَراح تُؤدَّى به الفروض، ثم رأيناه إذا سُخِّنَ فصار مما قد مَسّته النار أن حكمه في طهارته على ما كان عليه قبل مماسة النار إياه، وأنَّ النار لَمْ تُحْدِثُ فيه حكمًا يَنتقلُ به حكمُه إلى غير ما كان عليه في البدْء، فلما كان ما وصَفْنا كذلك كان في النظر أن الطعام الطاهرَ الذي لا يكون أكله قبل أن تمسه النار حدثا؛ إذا مسَّته النارُ لا تَنقله عن حاله فلا يُغيَّر حكمَه، ويكون حكمه بعد مَسِيس النار إياه كحكمه قبل ذلك، قياسا ونظرا على ما بَيّنا، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، ﵏.
ش: بَنَى هذا القياس على مقدمتين مُسلمتين:
الأولى: أن كل الطعام قبل مماسة النار إياه لا ينقض الوضوء بلا خلاف.
والثانية: أن الماء القراح الطاهر إذا سخن بالنار لا تُحدث فيه النار شيئا، ولا تُغير حكمه عما كان عليه، فالنظر عليه كون الطعام كذلك بعد مماسة النار إياه، أنها لم تُحدث فيه شيئًا ولم تغير حكمه عما كان عليه.
فإن قلت: كيف تقول إن النار لم تحدث فيه شيئًا، فإنه قبل مماسة النار إياه يُسمّى: نيّا، وبعدها يسمى نضيجا، أليس هذا إحداث؟
قلت: هذا الإحداث لا يضرنا شيئا؛ لأن المراد إحداث أمر شرعيّ متعلق به الحكم، وهذا ليس بأمر شرعي؛ لأن الطعام يباح كله قبل مسّ النار وبعده، وإنما يمنع أكل بعض الطعام قبل مسّ النار من جهة الطب لا من جهة الشرع، والنار لا تحل شيئًا ولا تحرّمه، وإنما تأتي بلذة المطعوم وتزيده طيبا، ألا ترى إلى قول ابن عباس ﵁: "إنما النار بركة الله، وما تُحِلّ من شيء ولا تحرّمه، ولا وضوء مما مسّته النارُ، ولا وضوء مما دخل، إنما الوضوء مما خرج من الإنسان".
стр. 564
رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن ابن جريج، عن عطاء عنه.
وأخرجه عنه أيضًا (٢): أنه قال: "ما زاده النار إلَّا طيبا، ولو لم تمسّه النار لم تأكله".
قوله: "الماء القراح" بفتح القاف، وهو الماء الخالص الذي لا يَشُوبه شيء، ومنه سُمّيت المزرعة التي ليس عليها بناء ولا شجر قراحا، والجمع أقرحة.
قوله: "في البدءْ" أي في الابتداء.
ص: وقد فرق قومٌ بين لحوم الغنم ولحوم الإبل، فأوجبوا في أكل لحوم الإبل الوضوءَ ولم يوجبوا ذلك في لحوم الغنم.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، ويحي بن يحيى وآخرين.
وفي "المغني": أكل لحم الإبل ينقض الوضوء على كل حال، نيّا ومطبوخا و (مشويّا) (٣) عالمًا كان أو جاهلا، وبهذا قال جابر بن سمرة، ومحمد بن إسحاق، وإسحاق بن راهوية، وأبو خيْثمة، ويحيى بن يحيى، وابن المنذر.
وقال الخطابيّ: ذهب إلى هذا عامّة أصحاب الحديث.
وقال ابن حزم فى "المحلى" (٤): وكل لحوم الإبل عمدًا -يعني ينقض الوضوء- نيَّة ومطبوخة ومشويّة، وهو يدري أنه جمل أو ناقة. ولا يُنتَقض الوضوء بأكل شحومها محضة، ولا أكل شيء منها غير لحمها، فإن كان يقع على بطونها ورءوسها وأرجلها اسم لحم عند العرب؛ نقض أكلها الوضوء وإلَّا فلا، ولا ينقض الوضوءَ كل شيء مَسته النارُ غير ذلك، وبهذا يقول أبو موسى الأشعري وجابر بن سمرة،
стр. 565
ومن الفقهاء: أبو خيْثمة زهير بن حرب، ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكرة، قال: نا مُؤمل بن إسماعيل، قال: نا سفيان، قال: نا سماك، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة قال: "سئل رسول الله ﵇: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. قيل: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا".
ش: أي احتج هؤلاء القوم في وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، وعدمه من أكل لحم الغنم.
بحديث جابر بن سمرة هذا، ورجاله ثقات، والحديث صحيح، وقال ابن مّندة: حديث جابر بن سمرة صحيح، وكذا قال البيهقي. وأخرجه مسلم (١) أيضًا: نا أبو كامل الجحدري، ثنا أبو عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة: "أن رجلًا سأل رسول الله ﵇ أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ. قال: أأتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم؛ فتوضَأْ من لحوم الإبل. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا".
وأخرجه ابن ماجه (٢): نا محمَّد بن بشار، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا زائدة وإسرائيل، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، قال: "أمرنا رسول الله ﵇ أن نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم".
ص: حدثنا علي بن مَعبد، قال: نا معاوية أبي عَمرو، قال: نا زائدة، عن سماك بن حرب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جده جابر، عن النبي ﵇ نحوه.
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح على شرط مسلم.