← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

وبحرمة الجمع بينهما، لا بحرمة الحجة خاصة ولا بحرمة العمرة خاصة، فأردنا أن ننظر أي ننظر في حكم ما يجب بالجمع هل هو شيئان أو شيء واحد، فنظرنا في ذلك، فوجدنا الرجل إذا أحرم بحجة مفردة أو بعمرة مفردة لم يجب عليه شيء، وإذا جمعهما جميعًا وجب عليه لجمعه بينهما شيء لم يكن يجب عليه في إفراده كل واحدة منهما، فكان ذلك الشيء دمًا واحدًا، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك الحلق قبل الذبح الذي منع منه الجمع بين العمرة والحج ولا تمتع منه واحدة منها لو كانت مفردة، أن يكون الذي يجب به فيه دم واحد، فيكون أصل ما يجب على القارن في انتهاكه الحرم في قرانه أن ينظر، فما كان من تلك الحرم يحرم بالحجة خاصة أو بالعمرة خاصة فإذا جمعتا جميعًا فتلك الحرمة محرمة بشيئين مختلفين، فيكون على من انتهكهما كفارتان. وكل حرمة لا تحرمها الحجة على الانفراد ولا العمرة على الانفراد، إنما يحرمها الجمع بينهما، فإذا انتهكت فعلى الذي انتهكها دم واحد؛ لأنه انتهك حرمة حرمت عليه بسبب واحد وهو الجمع بينهما، فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة ﵁ وبه نأخذ. ش: لما بين أن وجه النظر والقياس أيضًا اقتضى وجوب الدم على القارن إذا حلق قبل الذبح، وأنه دم واحد عند أبي حنيفة، ودمان عند زفر، شرع يبين أن وجه القياس أيضًا لا يقتضي إلاَّ وجوب دم واحد كما ذهب إليه أبو حنيفة، ولا يقتضي وجوب دمين كما ذهب إليه زفر، وهو ظاهر غني عن مزيد البيان، وحاصله أن نظر زفر في أنه أدخل نقصًا في حرمة الإِحرامين؛ فيجب عليه دمان، ونظر أبي حنيفة في أن السبب هو حرمة الجمع بين الحجة والعمرة فالسبب واحد فلا يجب إلاَّ دم واحد، وقد نقل أبو عمر بن عبد البر عن أبي حنيفة: أنه يجب عليه دمان، وعن زفر: أنه يجب عليه ثلاثة دماء كما قد ذكرناه فيما مضى، وهو غير صحيح، بل الصحيح الذي بَيَّنَهُ الطحاوي واختاره بقوله: "وبه نأخذ" أي بقول أبي حنيفة نأخذ.

стр. 5007

قوله: "فإذا هذا القارن" أشار به إلى القارن الذي حلق قبل أن يذبح. قوله: "في وقت" بالتنوين. وقوله: "الحلق عليه حرام" جملة وقعت صفة للوقت، والتقدير: في وقتٍ فيه الحلق عليه حرام، والواو في قوله: "وهو في حجة" للحال. قوله: "فأردنا أن ننظر في حكم ما يجب بالجمع ... إلى آخره" إشارة إلى بيان الفرق في النظر والقياس بين ما إذا حلق القارن قبل الذبح حيث يجب دم واحد، وبين ما إذا جنى جناية حيث يجب عليه دمان؛ لأنه مذهب أبي حنيفة: أن كل ما يجب فيه على المفرد دم، فعلى القارن دمان، فليتدبر فإنه فرق دقيق، والله أعلم. ***

стр. 5008

ص: باب: المكيّ يريد العمرة من أين ينبغي له أن يحرم ش: أي هذا باب في بيان من كان بمكة إذا أراد العمرة، من أين ينبغي له أن يحرم؟. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبره عن عمرو بن أوس، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أبي بكر قال: "أمرني النبي ﵇ أن أردف عائشة ﵂ إلى التنعيم فأعمرها". حدثنا فهد، قال: أنا داود بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة بنت عبد الرحمن، عن أبيها: "أن رسول الله ﵇ قال لعبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: أردف أختك فأعمرها من التنعيم، فإذا هبطت بها من الأكمة فمرها فلتحرم؛ فإنها عمرة متقبلة". ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس بن أبي أوس واسمه حذيفة الثقفي الطائفي، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، والكل رجال الصحيح. وأخرجه البخاري (١): ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، عن عمرو، سمع عمرو ابن أوس، أن عبد الرحمن بن أبي بكرة أخبره: "أن رسول الله ﵇ أمره أن يردف عائشة ويعمرها من التنعيم". وأخرجه بقية الجماعة (٢).

стр. 5009

الثاني: عن فهد بن سليمان، عن داود بن عبد الرحمن العطار المكي روى له الجماعة، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم القاري، من القارة المكي روى له المجماعة البخاري مستشهدًا، عن يوسف بن ماهك -بفتح الهاء- بن بهزاد المكي روى له الجماعة، عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ﵃، قال العجلي: تابعية ثقة روى لها مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه. وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبد الأعلى بن حماد، قال: ثنا داود بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبد الله بن خثيم، عن يوسف بن ماهك ... إلى آخره نحوه سواء. وأخرجه البزار في "مسنده" (٢) وقال: لا نعلم روت حفصة عن أبيها إلاَّ هذا الحديث. قوله: "إلى التنعيم" على وزن تفعيل، قد ذكرنا أنه منتهى حد الحرم من ناحية المدينة، بينه وبين مكة نحو من أربعة أميال، وفيه مسجد عائشة ﵂. قوله: "فأعمرها" بالنصب عطف على قوله: "أن أردف" من الإِعمار يقال: اعتمرت وأعمرت غيري. والعُمرة في اللغة: الزيارة، يقال: اعتمر أي زاد، فهو معتمر. وفي الشرع: زيارة البيت الحرام بشروط مخصوصة. قوله: "من الأكمة" بفتح الهمزة وبعدها كاف وميم مفتوحتان وتاء تأنيث، وجمعها آكام بفتح الهمزة والمد، ويقال: إكام بكسر الهمزة، ويجمع أيضًا على أُكُم وأَكَم بضمتين وفتحتين، قيل: هي الجبال الصغار، وقيل: ما اجتمع من التراب أكبر من الكدمة، وقيل: هي ما غلظ من الأرض ولم يبلغ أن يكون حجرًا وكانت أشد ارتفاعًا مما حولها كالتلول ونحوها، وقيل: هي الراية وقيل: التل العظيم المرتفع.

стр. 5010

قوله: "فمُر" أَمْرٌ من أَمَرَ يَأْمُر، أي "فمر عائشة فلتحرم" من الإِحرام. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن العمرة لمن كان بمكة لا وقت لها غير التنعيم، وجعلوا التنعيم خاصةً وقتًا لعمرة أهل مكة، وقالوا لا ينبغي لهم أن يتجاوزوه كما لا ينبغي لغيرهم أن يجاوزوا ميقاتًا مما وقته له رسول الله ﵇. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عمرو بن دينار وطائفة من السلف؛ فإنهم قالوا: وقت العمرة لمن كان بمكة هو التنعيم، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور؛ لأنه خصصه فدل أنه وقت معين لمن كان بمكة ممن يريد العمرة. وقال القاضي: قال قوم: لا بد من الإِحرام من التنعيم خاصَّة، وهو ميقات المعتمرين من مكة. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: وقت أهل مكة الذين يحرمون منه بالعمرة: الحل، فمن أي الحل أحرموا بها أجزأهم ذلك، والتنعيم وغيره من الحل عندهم في ذلك سواء. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم جماهير العلماء من التابعين وغيرهم، منهم: أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وغيرهم؛ فإنهم قالوا: وقت العمرة لمن كان بمكة: الحل، وهو خارج الحرم، فمن أي الحل أحرموا بها جاز، سواء كان ذلك التنعيم أو غيره من الحل. وقال ابن حزم في "المحلى" (١): ومن أراد العمرة وهو بمكة إما من أهلها وأما من غير أهلها ففرض عليه أن يخرج للإِحرام بها إلى الحل ولا بد، فيخرج إلى أي الحل شاء ويحرم بها. وقال القاضي: اختلفوا فيمن اعتمر من مكة ولم يخرج إلى الحل، فذهب أصحاب الرأي وأبو ثور والشافعي -في قول- أن عليه دمًا كتارك الميقات، وقال

стр. 5011

عطاء: ولا شيء عليه، وقال مالك والشافعي أيضًا: لا يجزئه، ويخرج إلى الحل ثم يعيد عمل العمرة. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أنه قد يجوز أن يكون النبي ﵇ قصد إلى التنعيم في ذلك لأنه كان أقرب الحل منها؛ لأن غيره من الحل ليس هو في ذلك كهو، ويحتمل أيضًا أن يكون أراد به التوقيت لأهل مكة في العمرة ولا يجاوزوه لها إلى غيره. فنظرنا في ذلك فإذا يزيد بن سنان قد حدثنا، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا أبو عامر صالح بن رستم، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵄ قالت: "دخل عليَّ رسول الله ﵇ بسرف وأنا أبكي، فقال: ما ذاك؟ قلت: حضت، قال: فلا تبكي، اصنعي ما يصنع الحاج، فقدمنا مكة، ثم أتينا منى، ثم غدونا إلى عرفة، ثم رمينا الجمرة تلك الأيام، فلما كان يوم النفر [ارتحل] (١) فنزل الحصبة، قالت: والله ما نزلها إلاَّ من أجلي، فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ فقال: احمل أختك فأخرجها من الحرم، قالت: والله ما ذكر الجعرانة ولا التنعيم، فلتهل بعمرة فكان أدنانا من الحرم التنعيم، فأهللت بعمرة، فطفنا بالبيت وسعينا بين الصفا والمروة ثم أتينا فارتحل". فأخبرت عائشة أن النبي ﵇ لم يقصد لما أراد أن يعمرها إلاَّ إلى الحل لا إلى موضع منه بعينه خاصة، وأنه إنما قصد بها عبد الرحمن التنعيم لأنه كان أقرب الحل إليهم، لا لمعنى فيه يَبِينُ من سائر الحل غيره، فثبت بذلك أن وقت أهل مكة لعمرتهم هو الحل، وأن التنعيم في ذلك وغيره سواء، وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين، وأراد بها الجواب عما احتج به أهل المقالة الأولى، بيانه: أن أمره ﵇ عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم يحتمل

стр. 5012

أن يكون قصد به إلى أنه كان أقرب الحل من مكة لأن غير التنعيم ليس كالتنعيم في ذلك، وهو معنى قوله: "لأن غيره من الحل ليس هو في ذلك كهو" أي لأن غير التنعيم ليس هو في القرب كهو أي كالتنعيم، ذلك لأن بين التنعيم الذي هو منتهى حد الحرم قربًا من المدينة وبين مكة نحو من أربعة أميال، وغيره أبعد منه؛ لأنهم ذكروا أن حد الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال، ومن طريق اليمن والعراق وعرفة والطائف وبطن نمرة سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة تسعة أميال، ومن طريق جدة عشرة أميال، ومن بطن عرنة أحد عشر ميلًا، فهذا كما رأيت أقرب الحل إلى مكة التنعيم؛ لأن على طريق المدينة، وقال بعضهم: حد الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال عند بيوت السُّقيا، ومن اليمن سبعة أميال عند أضاة لِيفٍ، ومن العراق سبعة أميال على ثنية رحل وهو جبل بالمنقطع، ومن الجعرانة سبعة أميال من شعب ينُسب إلى عبد الله بن خالد بن أسيد، ومن جده عشرة أميال عند منقطع الأعناس، ومن الطائف سبعة أميال عند طرف عرنة ومن بطن عرنه أحد عشر ميلاً، ويحتمل أيضًا أن يكون النبي ﵇ أراد به التوقيت لأهل مكة في العمرة، والتعيين به كما ذهب إليه أهل المقالة الأولى. فلما تحقق الاحتمالان نظرنا في ذلك، فوجدنا حديث ابن أبي مليكة، عن عائشة يخبر أنه ﵇ لما أعمرها لم يقصد إلاَّ إلى الحل الذي هو خارج الحرم ولم يقصد إلى موضع معين خاص، فظهر أن قوله في الحديث الآخر: "أعمرها من التنعيم" إنما كان لكونه أقرب الحل إلى مكة، لا لمعنى آخر في التنعيم مختص به ويمتاز به عن غيره من سائر الحل. فثبت بذلك أن وقت من كان بمكة للعمرة هو الحل أي حل كان، وأن التنعيم وغيره في ذلك سواء. ثم إسناد الحديث المذكور صحيح ورجاله رجال الجماعة غير يزيد بن سنان القزاز، وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله القرشي أبو محمد الأحول المكي القاضي لابن الزبير والمؤذن له.

стр. 5013

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا صالح بن رستم، عن ابن أبي مليكة، قال: قالت عائشة ﵂: "دخل عليَّ النبي ﵇ وأنا بسرف وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك يا عائشة؟ قالت: قلت: يرجع الناس بنسكين ثم أرجع بنسك واحد، قال: ولم ذلك؟ قلت: إني حضت، قال: ذاك شيء كتبه الله على بنات آدم [اصنعي] (٢) ما يصنع الحاج، قالت: فقدمنا مكة، ثم ارتحلنا إلى منى، ثم ارتحلنا إلى عرفة، ثم وقفنا مع الناس، ثم وقفت بجمع، ثم رميت الجمرة يوم النحر، ثم رميت الجمار مع الناس تلك الأيام، قالت: ثم ارتحل حتى نزل الحصبة، قالت: والله ما نزلها إلاَّ من أجلي -أو قال ابن أبي مليكة فيها: إلاَّ من أجلها- ثم أرسل إلى عبد الرحمن فقال: احملها خلفك حتى تخرجها من الحرم، فوالله ما قال فتخرجها إلى الجعرانة ولا إلى التنعيم فلتهل بعمرة، قالت: فانطلقنا، فكان أدنانا إلى الحرم التنعيم، فأهللت منه بعمرة ثم أقبلت، فأتيت البيت فطفت به وطفت بين الصفا والمروة، ثم أتيته فارتحل، قال ابن أبي مليكة: وكانت عائشة ﵂ تفعل ذلك بعده". وهذا الحديث أخرجه الجماعة وغيرهم من أهل السنة والمسانيد بوجوه مختلفة وطرق متعددة. قوله: "بسرف" أي من سرف -بفتح السين وكسر الراء المهملتين، وفي آخره فاء- موضع بينه وبين مكة ستة أميال، وقيل: سبعة، وقيل: تسعة، وقد مر تفسيره مرة. قوله: "فلما كان النفر" أي الرحيل، وهو اليوم الثالث من أيام منى. قوله: "فنزل الحصبة" بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين، أي المحصب وهو موضع بين مكة ومنى، وهو إلى منى أقرب وإليها يضاف، ويعرف بالبطحاء

стр. 5014

والأبطح، وهو خيف بني كنانة، قال الخطابي: هو فم الشعب الذي يجمع إلى الأبطح، وهو منزل النبي ﵇ في حجته، وبه كانت تقاسمت قريش على بني هاشم وبني عبد المطلب في شأن الصحيفة. قوله: "الجعرانة" بكسر الجيم وسكون العين، ويروى بكسر العين وتشديد الراء، وهو موضع معروف بين الطائف ومكة وهي إلى مكة أقرب، وقد مر تفسيرها مرة. قوله: "فكان أدنانا" أي أقربنا وفي رواية "أدناها" أي أقربها وهي الأظهر. ***

стр. 5015

ص: باب: الهدي يصد عن الحرم هل ينبغي أن يذبح في غير الحرم ش: أي هذا باب في بيان أن الهدي إذا منع من بلوغه إلى الحرم، هل ينبغي أن يذبح خارج الحرم أم لا؟ والهدي ما يهدى إلى الحرم من الأنعام. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عُبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، عن سباع بن ثابت، عن أم كرز قالت: "أتيت النبي ﵇ بالحديبية أسأله من لحوم الهدي". ش: إسناده صحيح، وأبو بكر اسمه عبد الله بن محمد بن أبي شيبة صاحب "المسند" و"المصنف"، وشيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه، وعبيد الله ابن أبي يزيد المكي روى له الجماعة، وأبوه أبو يزيد المكي مولى آل قارظ حلفاء بني زهرة، وثقه ابن حبان، وروى له الأربعة غير النسائي، وسباع بن ثابت حليف بني زهرة وثقه ابن حبان وروى له الأربعة، وأم كرز الكعبية الخزاعية المكية الصحابية. وأخرجه النسائي (١): أنا [عبيد الله بن سعيد] (٢) نا سفيان، عن عبيد الله -وهو ابن أبي يزيد- عن سباع بن ثابت، عن أم كرز قالت: "أتيت النبي ﵇ بالحديبية [أسأله] (٣) عن لحوم الهدي فسمعته يقول: على الغلام شاتان، وعلى الجارية شاة، لا يضركم ذكرانًا كن أم إناثًا".

стр. 5016

وأخرجه أبو داود (١) والترمذي (٢) وابن ماجه (٣)، ولكن ليس في رواياتهم السؤال عن لحوم الهدي. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤): نا سفيان، نا عُبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، عن سباع بن ثابت، سمعه من أم كرز الكعبية التي تحدث عن النبي ﵇[قالت] (٥): "سمعت النبي ﵇ بالحديبية وذهبت أطلب من اللحم: عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة، لا يضركم ذكرانًا كن أم إناثًا، قالت: وسمعت النبي ﵇ يقول: أقروا الطير على مكناتها". فهذا كما ترى نحو رواية الطحاوي عن عُبيد الله بن أبي زيد، عن سباع، وليس فيه ذكر عن أبيه، وكلاهما صحيح؛ لأن عُبيد الله هذا روى عن أبيه، عن سباع، وروى عن سباع أيضًا. قوله: "بالحُدَيبية" أي حال كون النبي ﵇ بالحديبية -بضم الحاء وفتح الدال وسكون الياء آخر الحروف وكسر الباء الموحدة وفتح الياء آخر الحروف- وكثير من المحدثين يشددون هذه الياء، وهي قرية كبيرة من مكة سميت ببئر هناك، وقد استوفينا الكلام فيها مرة. قوله: "عن لحوم الهدي" أي الهدي الذي ذبحه رسول الله ﵇ هناك لأجل إحلاله من عمرته التي صد عنها.

стр. 5017

ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الهدي إذا صد عن الحرم نحو في غير الحرم، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وقالوا: لما نحر رسول الله ﵇ بالحديبية إذ صد عن الحرم؛ دل ذلك على أن لمن منع من إدخال هديه الحرم أن يذبحه في غير الحرم. ش: أراد بالقوم هؤلاء: مجاهدًا والزهري ومالكًا والشافعي وأحمد؛ فإنهم قالوا: بجواز ذبح الهدي الذي يصد عن الحرم في غير الحرم، واستدلوا على ذلك بالحديث المذكور. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجوز نحر الهدي إلاَّ في الحرم. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم عطاء بن أبي رباح والحسن البصري وإبراهيم النخعي وابن إسحاق وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: لا يجوز ذبح الهدي إلاَّ في الحرم. ص: وكان من حجتهم في ذلك: قول الله : ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ " (١) فكان الهدي قد جعله الله ما بلغ الكعبة، فهو كالصيام الذي جعله الله متتابعًا في كفارة الظهار وكفارة القتل، فلا يجوز غير متتابع، وإن كان الذي وجب عليه غيرَ مُطيقٍ للإِتيان به متتابعًا فلا تبيحه الضرورة أن يصومه متفرقًا، فكذلك الهدي الموصوف ببلوغ الكعبة لا يجزئ الذي هو عليه كذلك وإن صد عن بلوغ الكعبة للضرورة أن يذبحه فيما سوى ذلك. ش: أي وكان من حجة الآخرين فيما ذهبوا إليه قول الله ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢) وصار بلوغ الكعبة صفة للهدي ولا يجزئ دونها، وأيضًا لما كان ذبحًا تعلق وجوبه بالإِحرام؛ وجب أن يكون مخصوصًا بالحرم كجزاء الصيد وهدي المتعة.

стр. 5018

فإن قيل: لما قال النبي ﵇ لكعب بن عجرة: اذبح شاة، ولم يشترط له مكانًا، وجب أن لا يكون مخصوصًا بموضع. قلت: إن كعب بن عجرة أصابه ذلك وهو بالحديبية، وبعضها من الحل وبعضها من الحرم، فجائز أن يكون ترك ذكر المكان اكتفاء بعلم كعب بأن ما تعلق من ذلك بالإِحرام فهو مخصوص بالحرم، وقد كان أصحاب النبي ﵇ عالمين بحكم تعلق الهدايا بالحرم، لما كانوا يرون النبي ﵇ يسوق البدن إلى الحرم لينحرها هناك. ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى في نحر النبي ﵇ لذلك الهدي الذي نحره [بالحديبية] (١) لما صد عن الحرم، وتصدق بلحمه بقديد، أن قومًا قد زعموا أن نحره إياه كان في الحرم. حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا مخول بن إبراهيم بن مخول بن راشد، عن إسرائيل، عن مجزأة بن زاهر، عن ناجية بن جندب الأسلمي ﵁ قال: "أتيت النبي ﵇ حين صد الهدي فقلت يا رسول الله، ابعث معي بالهدي فلأنحره في الحرم، قال: وكيف يا جندب، قال آخذ به في أودية لا يقدرون عليّ فيها فبعثه معي حتي نحرته في الحرم". فقد دل هذا الحديث أن هدي النبي ﵇ ذلك نحر في الحرم. ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية وأراد منها الجواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه بنحره ﵇ في الحديبية، وبين ذلك بوجهين: أحدهما: ما أشار إليه بقوله: إن قومًا زعموا أن نحره إياه كان في الحرم، أي أن نحر النبي ﵇ هديه إنما كان في الحرم، ولم يكن في الحل، واستدلوا على ذلك بحديث ناجية بن جندب الأسلمي فإنه يدل على أن هديه ﵇ قد نحر في الحرم.

стр. 5019

وأراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح والنخعي وطاوسًا ومحمد بن إسحاق، فإنهم ادعوا ذلك محتجين بالحديث المذكور. وأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مخول -بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو- بن إبراهيم بن مخول النهدي الكوفي، رافضي ولكنه صدوق، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي روى له الجماعة، عن مجزأة -بفتح الميم، وكسرها بعضهم، وسكون الجيم، وفتح الزاي المعجمة بعدها همزة، قاله الجياني، وقال غيره: لا تُهْمَز- ابن زاهر بن الأسود الأسلمي الكوفي، قال أبو حاتم والنسائي: ثقة. روى له البخاري ومسلم والنسائي. عن ناجية بن جندب بن كعب، وقيل: ناجية بن كعب بن جندب بن عمر بن معمر الأسلمي صاحب بدن النبي ﵇. وأخرجه النسائي (١) بسند صحيح، عن ناجية بن جندب نحوه. ص: وقال آخرون: كان النبي بالحديبية ﵇ وهو يقدر على دخول الحرم، قالوا: ولم يكن صد إلاَّ عن البيت، واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سفيان بن بشر [الكوفي] (٢) قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن المسور: "أن رسول الله ﵇ كان بالحديبية خباؤه في الحل ومصلاه في الحرم". فثبت بما ذكرنا أن النبي ﵇ لم يكن صد عن الحرم، وأنه قد كان يصلي إلى بعضه، ولا يجوز في قول أحد من العلماء لمن قدر على دخول شيء من الحرم أن ينحر هديه دون الحرم، فلما ثبت بالحديث الذي ذكرنا أن النبي ﵁ كان يصلي إلى بعض الحرم؛ استحال أن يكون نحو الهدي في غير الحرم؛ لأن الذي يبيح الهدي في غير الحرم إنما يبيحه في حال الصد عن الحرم لا في حال القدرة على

стр. 5020

دخوله، فانتفى بما ذكرنا أن يكون النبي ﵇ نحر الهدي في غير الحرم، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي وقال قوم آخرون، وأراد بهم: عروة بن الزبير ومروان والمسور؛ فإنهم قالوا: كان النبي ﵇ نازلاً بالحديبية والحال أنه يقدر على دخول الحرم، ولم يكن صد أي منع إلاَّ من دخول البيت، وهذا هو الوجه الثاني من الوجهين. قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء الآخرون فيما قالوا من هذا القول بما أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سفيان بن بشر بن أيمن الكوفي الأسدي، ذكره ابن يونس في الغرباء، وسكت عنه، عن يحيى بن أبي زائدة الكوفي روى له الجماعة، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن المسور -بكسر الميم- بن مخرمة -بفتح الميم- له ولأبيه صحبه توفي رسول الله ﵇ وهو ابن ثمان سنين، وقد روى عن رسول الله ﵇ وصح سماعه منه. وأخرجه البيهقي (١): من حديث يونس، عن ابن إسحاق، نا الزهري، عن عروة، عن مروان والمسور بن مخرمة، قالا: "خرج رسول الله ﵇ زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه ... " الحديث بطوله، وفيه: "وكان مضطربه في الحل، وكان يصلي في الحرم". انتهى. قلت المضطرب: هو البناء الذي يضرب ويقام على أوتاد مضروبة في الأرض، والخِبَاء -بكسر الخاء- بيت من صوف أو وبر فإذا كان شعر سمى بيتًا، والجمع: أخبية. فإن قيل: روى البيهقي عن الشافعي أنه قال: إنما ذهبنا إلى أنه نحر الهدي في غير الحرم لأن الله تعالى يقول: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

стр. 5021

وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (١) والحرم كله محله عند أهل العلم، والحديبية موضع منه ما هو في الحل ومنه ما هو في الحرم، وإنما نحر الهدي عندنا في الحل، وفيه مسجد رسول الله ﵇ الذي بويع فيه تحت الشجرة، فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢) وقال في قوله: ﴿تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٣) محله -والله أعلم- هَا هنا بيّنه أن يكون إذا أحصر نحر حيث أحصر، ومحله من غير الإِحصار الحرم، وهو كلام عربي واسع. قلت: فإذا كانت الحديبية بعضها في الحرم كيف يجوز أن يترك هذا الموضع وينحر في الحل؟ والحال أن بلوغ الكعبة صفة للهدي في قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٤) وحديث ناجية بن جندب الذي ذكره أيضًا وقد قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٥): ثنا أبو أسامة، عن أبي العميس، عن عطاء قال: "كان منزل النبي ﵇ يوم الحديبية في الحرم". فإذا كان منزل النبي ﵇ الحرم، كيف ينحر هديه في الحل؟ وهذا محال، وفي "الاستذكار": قال عطاء وابن إسحاق: لم ينحر ﵇ هديه يوم الحديبية إلاَّ في الحرم". ص: وقد احتج قوم في تجويز نحر الهدي في غير الحرم بما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد، عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر قال: "خرجت مع عثمان وعلي ﵄ فاشتكى

стр. 5022

الحسين ﵁ بالسقيا وهو محرم، فأصابه برسام فأومئ إلى رأسه، فحلق علي ﵁ رأسه، ونحر عنه جزورًا فأطعم أهل الماء". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يذكر عثمان، ولا أن الحسين كان محرمًا. فاحتجوا بهذا الحديث لأن فيه أن عليًّا ﵁ نحر الجزور دون الحرم. ش: أراد بالقوم طائفة من أهل المقالة الأولى، فإنهم احتجوا في جواز نحر الهدي في غير الحرم بحديث أبي أسماء؛ لأنه يخبر أن عليًّا ﵁ نحر الجزور في دون الحرم، وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن علي بن شيبة، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن يعقوب بن خالد بن المسيب وثقه ابن حبان، عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر ذكره ابن حبان في الثقات من التابعين. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن يحيى ابن سعيد الأنصاري ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث مالك، عن يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد المخزومي، عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر: "أنه أخبره أنه كان مع عبد الله بن جعفر فخرج معه من المدينة فمروا على حسين بن علي ﵄ وهو مريض بالسقيا، فأقام عليه عبد الله حتى إذا خاف الفوات خرج، وبعث إلى علي وأسماء بنت عميس وهما بالمدينة، فقدما عليه، ثم إن حسينًا أشار إلى رأسه، فأمر علي برأسه فَحُلِقَ، ثم نسك عنه بالسقيا فنحر عنه بعيرًا، قال يحيى: وكان حسين خرج مع عثمان ﵄ في سفره ذاك إلى مكة".

стр. 5023

قوله: "بالسقيا" بضم السين المهملة وسكون القاف وبالياء آخر الحرف مقصور، وهي قرية جامعة بين مكة والمدينة من عمل الفرع، قال أبو عبيد: إنما سميت بذلك لما سقيت من الماء العذب، وهي كثيرة الآبار والعيون والبرك، وكثير منها صدقات للحسين بن زيد. وقال ياقوت في "المشترك": هي من النحر على سبعة فراسخ. وقال الزمخشري في كتاب "أسماء البلاد": السقيا: المسيل الذي يفرغ في عرفة، بها مسجد إبراهيم ﵇. وفي "المطالع" السقيا: قرية جامعة من عمل الفرع بينهما مما يلي الجحفة سبعة عشر ميلًا. قوله: "برسام" بكسر الباء علة معروفة، وهي تحدث عن سوء مزاج حار في الدماغ، أو ورم صار في أغشية الدماغ، فالذي يكون عن ورم يكون أشد خطرًا، ويعرض لصاحب البرسام أن يتنبه من نومه بصياح ووثوب ويخشن لسانه ويسود ومع هذا يكون سيئ الخلق غضوبًا لجوجًا إن كان الورم صفراويًّا، وإن كان دمويًّا يكون عنده ضحك ونوم وحمرة في العين، وإن كان سوداويًّا يكون كثير الهدبابات والفزع والخوف والبكاء. ص: فكان من الحجة عليهم في ذلك: أنهم لا يبيحون لمن كان غير ممنوع من الحرم أن يذبح في غير الحرم، وإنما يختلفون إذا كان ممنوعًا عنه، فدل ما ذكرنا أن عليًّا ﵁ لما نحر في هذا الحديث في غير الحرم وهو واصل إلى الحرم أنه لم يكن أراد به الهدي ولكنه أراد به معنى آخر من الصدقة على أهل ذلك الماء والتقرب إلى الله بذلك، مع أنه ليس في الحديث أنه أراد به الهدي، فكما يجوز لمن حمله أنه هدي ما حمله عليه من ذلك، فكذلك يجوز لمن حمله على أنه ليس بهدي ما حمله من ذلك، وقد بدأنا بالنظر في ذلك وذكرنا في أول هذا الباب؛ فأغنانا ذلك عن إعادته هَا هنا.

стр. 5024

ش: أي فكان من الحجة على هؤلاء القوم، وأراد بها الجواب عما احتجوا به من حديث أبي أسماء في جواز نحر الهدي في غير الحرم، وهو ظاهر، وقال الجصاص في جواب هذا قريبًا مما قاله الطحاوي، وهو أنه ليس فيه دلالة على أنه يأتي جواز الذبح في غيى الحرم، لأنه يجوز أن يكون جعل اللحم صدقة، وذلك جائز عندنا، وذكر الإِشبيلي في شرح "الموطأ": إن هذا الذي نحره علي ﵁ كان فدية الأذى، وفدية الأذى يجوز ذبحها بكل موضع؛ لأنها نسك كالأضحية والعقيقة وليست بهدي فيكون لها تعلق بالبيت، ولا تقلد ولا تشعر ولا تحتاج أن يجمع لها بين الحل والحرم ولا يجوز أن يدعى أن البعير الذي نحر عنه ليتحلل بذلك الموضع، لوجوه أحدهما: أن أبا حنيفة الذي يبيح التحلل في موضع المرض لا يرى أن ينحر الهدي إلاَّ بمكة، والشافعي الذي يرى التحلل بالشرط ويرى أن ينحر [الهدي] (١) حيث يحل، لا يمكنه أن يعلم أنه اشترط التحلل، ولا علمنا أن أحدًا عمل به، وقال الزهري: لم يقل أحد بالشرط، ولو سلم له هذا فإن عليًّا اشترى ما نحر حيث نحره، روى ذلك حماد بن زيد، ولم يقلده ولا أشعره، فلم يكن هديًا ساقه وإنما كان دم فدية أذى واختار إخراج الأفضل، وكانت الشاة تجزئه، وكان حسين ﵁ خرج مع عثمان يريد الحج، ومرض بالعرج فتحامل، فلما بلغ السقيا اشتد به المرض، فمضى عثمان وتركه بالسقيا. قوله: "ما حمله عليه" في الموضعين فاعل لقوله "يجوز" في الموضعين، فافهم. ...

стр. 5025

ص: باب: المتمتع الذي لا يجد هديًا ولا يصوم في العشر ش: أي هذا باب في بيان أن المتمتع الذي لم يجد هديًا يذبحه ولا صام في العشر كيف يكون حكمه هل يصوم أيام التشريق أم لا؟. ص: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا يحيى بن سلام، قال: ثنا شعبة، عن ابن أبي ليلى، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ قال في المتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم في العشر أنه يصوم أيام التشريق". ش: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري شيخ النسائي وأبي بكر بن خزيمة وثقه النسائي، ويحيى بن سلام بن أبي ثعلبة أبو زكريا المصري نزيل مصر قال الدارقطني: ضعيف. وابن أبي ليلى محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فيه مقال، ويقال: هو عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي ابن أخي محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، قال الشافعي: ثقة. وروى له الجماعة وسيجيء الكلام فيه عند الجواب عن هذا الحديث إن شاء الله. والزهري هو محمد بن مسلم، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث ابن عبد الحكم، ثنا يحيى بن سلام البصري وهو لين، نا شعبة، عن ابن أبي ليلى عبد الله، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "رخص رسول الله ﵇ في المتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم حتى فاتته أيام العشر أن يصوم أيام التشريق مكانها". ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو كامل فضيل بن الحسين الجحدري، قال: ثنا أبو عوانة، عن عبد الله بن عيسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة،

стр. 5026

وعن سالم، عن ابن عمر، قالا: "لم يرخص رسول الله ﵇ في صوم أيام التشريق إلاَّ لمحصر أو لمتمتع". حدثنا محمد بن النعمان الواسطي، قال: ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، قال: ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، وعن سالم، عن أبيه: "أنهما كانا يرخصان للمتمتع إذا لم يجد هديًا ولم يكن صام قبل عرفة أن يصوم أيام التشريق". ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن يزيد بن سنان ... إلى آخره، والكل رجال الصحيح ما خلا يزيد، وأبو عوانة: الوضاح، وعبد الله بن عيسى هو ابن أبي ليلى المذكور. وأخرجه البخاري (١): ثنا محمد بن بشار، ثنا غندر، عن سعيد، سمعت عبد الله ابن عيسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وسالم، عن ابن عمر قالا: "لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلاَّ لمن [لم] (٢) يجد الهدي". الثاني: أيضًا رجاله ثقات، وعبد العزيز الأويسي شيخ البخاري، وأويس أحد أجداده، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة (٣): من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة، وعن سالم عن ابن عمر نحوه. وأخرجه البخاري (٤): من وجه آخر قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: نا مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر قال: "الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فإن لم يجد الهدي ولم يصم صام أيام منى".

стр. 5027

وعن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة مثله، تابعه إبراهيم بن سعد. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا وأباحوا صيام أيام التشريق للمتمتع والقارن وللمحصر إذا لم يجدوا هديًا، ولم يكونوا صاموا قبل ذلك، صاموا هذه الأيام، ومنعوا منها من سواهم، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عروة والزهري ومالكًا والشافعي وأحمد؛ فإنهم قالوا: المتمتع إذا لم يصم في أيام العشر لعدم الهدي يجوز له أن يصوم في أيام التشريق، وكذا القارن والمحصر، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة. قوله: "ومنعوا منها من سواهم" أي منع هؤلاء القوم الصوم في أيام التشريق مَنْ سوى المتمتع والقارن والمحصر، وفي شرح "الموطأ" للإِشبيلي: ووقت هذا الصوم من حين يحرم بالحج إلى آخر أيام التشريق، والاختيار تقديمه في أول الإِحرام رواه ابن الجلاب، وإنما اختار تقديمه لتعجيل إبراء الذمة؛ ولأنه وقت متفق على جواز الصوم فيه، فإنه فاته ذلك قبل يوم النحر صامه أيام منى، فإن لم يصم أيام منى صام بعدها. قاله علي وابن عمر وعائشة وابن عباس، وبه قال الشافعي، وروى عن عطاء بن أبي رباح أنه أجاز للمتمتع أن يصوم في العشر وهو حلال، وقال مجاهد وطاوس: إذا صامهن في أشهر الحج أجزأه، وهذان القولان شاذان، وقال أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن": اختلف السلف فيمن لم يجد الهدي ولم يصم الأيام الثلاثة قبل يوم النحر، فقال عمر بن الخطاب وابن عباس وسعيد بن جبير وإبراهيم وطاوس: لا يجزئه إلاَّ الهدي. وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وقال ابن عمر وعائشة: يصوم أيام منى. وهو قول مالك، وقال علي بن أبي طالب: يصوم بعد أيام التشريق. وهو قول الشافعي انتهى. ثم اعلم أن المتمتع إذا صام الأيام الثلاثة عقيب إحرامه بالعمرة قبل إحرامه بالحج يجوز عندنا، وهو قول الثوري أيضًا، وقال الشافعي ومالك: لا يجوز إلاَّ في

стр. 5028

إحرام الحج، وهو قول عائشة وابن عمر، وقال زفر: إذا بدأ بالحج فأحرم به وهو يريد أن يضيف إليه عمرة، فصام قبل إحرام العمرة أجزأه. وقال أبو يوسف: إن بدأ بإحرام العمرة فصام قبل إحرام الحج أجزأه، وإن بدأ بإحرام الحج فصام قبل إحرام العمرة لم يجزئه. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ليس لهؤلاء ولا لغيرهم من الناس أن يصوموا هذه الأيام عن شيء من ذلك ولا عن شيء من الكفارات ولا في تطوع، لنهي النبي ﵇ عن ذلك، ولكن على المتمتع والقارن الهدي لمتعتهما وقرانهما، وهدي آخر لأنهما حلّا بغير الهدي ولا صوم. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح في رواية، وسعيد بن جبير وطاوسًا وإبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: المتمتع أو القارن إذا فاته صوم الأيام الثلاثة قبل يوم النحر لا يجوز له الصوم بعد ذلك، وعليه الدم، وأما الصوم في أيام التشريق فلا يجوز أصلاً لا للمتمتع ولا للقارن ولا لمن عليه كفارة ولا لمن يتطوع به، وهو قول عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس ﵁. ص: واحتجوا في ذلك من الآثار المروية عن رسول الله ﵇ بما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن نافع، عن جبير، عن بشر بن سحيم الأسلمي، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "خرج منادي رسول الله ﵇ في أيام التشريق فقال: إن هذه الأيام أيام أكل وشرب". ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من الأحاديث المروية عن النبي ﵇ بما حدثنا ... إلى آخره، والباء فيه تتعلق بقوله: "احتجوا" وكلمة "من" في قوله: "من الأحاديث" بيانية.

стр. 5029

منها: حديث علي بن أبي طالب، أخرجه بإسناد حسن، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد القرشي المقريء القصير شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي ثقة إلاَّ أنه اختلط في آخر عمره، وقال النسائي ليس به بأس. وروى له الأربعة والبخاري مستشهدًا. عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي روى له الجماعة، عن نافع بن جبير بن مطعم النوفلي المدني روى له الجماعة، عن بشر بن سحيم الأسلمي الصحابي، عن علي بن أبي طالب ﵄. وأخرجه النسائي (١) وابن ماجه (٢) وأحمد (٣) والدارمي (٤) والطبراني (٥) والبيهقي (٦) كلهم عن بشر بن سحيم، عن النبي ﵇ بدون واسطة علي: "أنه خطب يوم التشريق في أيام الحج فقال: لا يدخل الجنة إلاَّ نفس مسلمة، وإن هذه الأيام أيام أكل وشرب". وقال أبو عمر بن عبد البر: بشر بن سحيم روى عن نافع بن جبير حديثًا واحدًا في أيام التشريق أنهما أيام أكل وشرب، قال: لا أحفظ له غيره. وقال ابن حبان: له عن النبي ﵇ حديث واحد في أيام التشريق أنهما أيام أكل وشرب، وقيل: عن علي بن أبي طالب ﵁. قلت: أخرج الطحاوي عنه عن علي كما رأيت، وأخرج عنه عن النبي ﵇ على

стр. 5030

ما يجيء عن قريب، وكذلك أخرج ابن حزم (١) الحديث المذكور عن بشر بن سحيم عن النبي ﵇ وعن بشر بن سحيم عن علي بن أبي طالب عن النبي ﵇. وأيام التشريق ثلاثة بعد يوم النحر، سميت بذلك من تشريق اللحم وهو تقديده وبسطه في الشمس ليجف؛ لأن لحوم الأضاحي كانت تشرق فيها بمنى، وقيل: سميت به لأن الهدي والضحايا لا تنحر حتى تشرق الشمس، أي حتى تطلع. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا محمد بن أبي حميد المدني، قال: ثنا إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، عن جده، قال: أمرني رسول الله ﵇ أن أنادي أيام منى إنها أيام أكل وشرب، فلا صوم فيها يعني أيام التشريق". ش: روح بن عبادة شيخ أحمد روى له الجماعة، ومحمد بن أبي حميد واسم أبي حميد إبراهيم الزرقي المدني فيه مقال، وعن يحيى: ضعيف ليس حديثه بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة. روى له الترمذي وابن ماجه. وإسماعيل بن محمد روى له الجماعة إلاَّ أبا داود، وأبوه محمد بن سعد روى له الجماعة، وجده سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا روح، نا محمد بن أبي حميد ... إلى آخره نحوه سواء. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﵇: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله".

стр. 5031

ش: سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، وهشيم بن بشير روى له الجماعة، وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة فيه لين، وعطاء هو ابن أبي رباح وأخرجه (١). ص: حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا الليث، عن ابن الهاد، عن أبي مرة، مولى عقيل بن أبي طالب: "أنه دخل هو وعبد الله بن عمرو بن العاص على عمرو بن العاص وذلك الغد أو بعد الغد من أيام التشريق، فقرب إليهم عمرو طعامًا، فقال عبد الله: إني صائم، فقال له عمرو: أفطر؛ فإن هذه الأيام التي كان رسول الله ﵇ يأمرنا بفطرها -أو ينهانا عن صيامها- فأفطر عبد الله، فأكل وأكلت". ش: رجاله كلهم رجال الصحيح، وابن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد المدني روى له الجماعة، وأبو مرة مولى عقيل بن أبي طالب اسمه يزيد. وأخرجه الدارمي في "سننه" (٢): أنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث ... إلى آخره نحوه سواء. قوله: "وذلك الغد" ذلك إشارة إلى الدخول الذي دل عليه قوله: "أنه دخل هو وعبد الله" والمعنى دخولهما على عمرو بن العاص كان في الغد من أيام التشريق أو بعد الغد منها. فإن قيل: كيف إعراب "وذلك الغد"؟ قلت: ذلك في محل الرفع على الابتداء، وخبره "الغد" منصوب بتقدير "في " والمعنى: ذلك حصل في الغد، أي الدخول حصل في الغد من أيام التشريق، ونظيره زيد خلفك، فالخبر في الحقيقة حصل، فلما حذف صار الخبر هو الظرف

стр. 5032

على المجاز، ولا يجوز الرفع في "الغد" لأن الخبر ما يصدق على المبتدأ، والغد لا يصدق على الدخول؛ لأنه لا يقال: الدخول غد، كما يقال الدخول حصل أو حاصل، ولكن جوز الرفع فيما إذا أخبر عن الحدث بالزمان المعرفة، نحو سرنا شهر رمضان، وذلك على الاتساع تشبيهًا بالخبر الحقيقي، إذ ليس رمضان نفس السير، وذلك ليفيد العموم، كما في قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (١) ويجوز النصب أيضًا ليفيد وقوعه فيه لا العموم، وإن أخبر عن النكرة فالجيد الرفع نحو سيرنا يوم؛ لأن القصد عموم اليوم بالسير، ولو نصب لكان ظرف ويفيد وقوع السير في يوم، فافهم، فإنه بحث دقيق لا يدركه إلاَّ ذو قريحة وقادة وطبيعة نقادة. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: حدثني ابن جريج، قال: أخبرني سعيد بن كثير، أن جعفر بن عبد المطلب أخبره: "أن عبد الله بن عمرو بن العاص دخل على عمرو بن العاص فدعاه إلى الغداء فقال: إني صائم، ثم الثانية فكذلك ثم الثالثة، فقال: لا إلَّا أن تكون سمعته من رسول الله ﵇، قال: فإني قد سمعته من رسول الله ﵇ يعني النهي عن الصيام أيام التشريق". ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح، وابن جريج هو عبد الملك المكي، وسعيد بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي المكي، أخو كثير بن كثير، وهو ابن أخي جعفر المذكور وثقه ابن حبان، وجعفر بن عبد المطلب بن أبي وداعة وثقه ابن حبان. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا روح، نا ابن جريج ... إلى آخره نحوه سواء. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عبد الرحمن بن

стр. 5033

مهدي، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن سالم، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن حذافة: "أن النبي ﵇ أمره أن ينادي في أيام التشريق: إنها أيام أكل وشرب". ش: رجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا فهدًا، وسفيان هو الثوري، وسالم هو ابن أبي أُميَّة أبو النضر -بالنون والضاد المعجمة- وسليمان بن يسار الهلالي أبو أيوب المدني مولى ميمونة زوج النبي ﵇، وعن يحيى بن معين: أن سليمان بن يسار لم يسمع من عبد الله بن حذافة. وأخرجه أحمد (١): عن عبد الرحمن، عن سفيان ... إلى آخره نحوه سواء. وأخرجه الطبراني: ثنا عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الرحمن ابن مهدي، نا سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله ابن حذافة، عن النبي ﵇ قال: "أيام التشريق أيام أكل وشرب" وله في رواية أخرى (٢): "أمرني رسول الله ﵇ أن أنادي في أهل منى في بردين: أن لا يصومن هذه الأيام أحد، فإنها أيام أكل وشرب وذكر". ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا صالح بن أبي الأخضر، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ أمر عبد الله بن حذافة أن يطوف في أيام منى: ألا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر لله". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ".

стр. 5034

ش: هذان طريقان: الأول: فيه صالح بن أبي الأخضر اليمامي مولى هشام بن عبد الملك، ضعفه يحيى وأبو زرعة، وعن يحيى والبخاري: ليس بشيء. روى له الأربعة. وابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): نا يعقوب بن إبراهيم البزاز، نا أحمد بن يحيى بن عطاء الجلاب، ثنا روح بن عبادة ... إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى". والباقي نحوه سواء. الثاني: فيه عمر بن أبي سلمة، قال ابن سعد: لا يحتج بحديثه. وقال ابن المديني: تركه شعبة وليس بذاك. وقال النسائي: ليس بالقوي في الحديث. وقال العجلي وابن معين: لا بأس به. وأبوه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "أيام منى أيام أكل وشرب". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد -هو ابن منصور- قال: نا هشيم، قال: أنا خالد الحذاء، عن أبي المليح الهذلي، عن نبيشة الهذلي، عن النبي ﵇ مثله. ش: رجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن أبي داود البرلسي، وأبو المليح بن أسامة الهذلي قيل: اسمه عامر، وقيل: زيد بن أسامة بن عمير، وقيل: ابن أسامة بن عامر. ونبيشة بضم النون وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الهاء المعجمة، وهو نبيشة الخير بن عبد الله بن عمرو الهذلي الصحابي ﵁.

стр. 5035

وأخرجه مسلم (١): ثنا سريج بن يونس، قال: ثنا هشيم، قال: أنا خالد، عن أبي مليح، عن نبيشة الهذلي، قال: قال رسول الله ﵇: "أيام التشريق أيام أكل وشرب". ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، أن نافع بن جبير أخبره، عن رجل من أصحاب النبي ﵇-قال عمرو: قد سماه نافع فنسيته- أن النبي ﵇ قال لرجل من بني غفار يقال له: بشر بن سحيم: "قم فأذن في الناس: إنها أيام أكل وشرب في أيام منى". ش: رجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا عليًّا، وابن جريج هو عبد الملك. وأخرجه النسائي (٢) وابن ماجه (٣) من حديث سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن نافع بن جبير. وأخرجه أبو نعيم بإسناده عن نافع بن جبير بن مطعم، عن رجل من الصحابة: "أن النبي ﵇ بعث بشر بن سحيم فأمره أن ينادي: أنه لا يدخل الجنة إلاَّ نفس مسلمة، وإنها أيام أكل وشرب" قال: وروي نحو هذا عن جابر. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن منهال، قال: ثنا حماد، قال: أنا عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير، عن بشر بن سحيم، عن النبي ﵇ مثله. ش: إسناده صحيح، وتكرر رجاله. وأخرجه الطبراني (٤): نا علي بن سعيد الرازي، ثنا عبد الأعلى بن حماد النرسي، ثنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير، عن بشر بن سحيم، والحجاج، عن حبيب بن أبي ثابت، عن نافع بن جبير، عن بشر بن سحيم: "أن

стр. 5036

رسول الله ﵇ أمره فنادى بمنى أيام التشريق: لا يدخل الجنة إلاَّ نفس مسلمة، وإنها أيام أكل وشرب". ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا شعبة (ح). وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا سعيد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن نافع بن جبير، عن بشر بن سحيم، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذان طريقان آخران صحيحان، رجالهما رجال الصحيح ما خلا شيخي الطحاوي. وأخرجه الييهقي (١): من حديث شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن بشر بن سحيم: "أن رسول الله ﵇: بعثه أيام التشريق بمنى ينادي: إنها أيام أكل وشرب، ولا يدخل الجنة إلاَّ مؤمن". وأخرجه النسائي (٢) وابن ماجه (٣) نحوه. ص: حدثنا علي، قال: ثنا روح، قال: ثنا الربيع بن صُبيح ومرزوق أبو عبد الله الشامي، قالا: ثنا يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "نهى رسول الله ﵇ عن صوم أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، عن الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذان طريقان. الأول: عن علي بن شيبة، عن روح بن عبادة، عن الربيع بن صَبيح -بفتح الصاد- السعدي أبي حفص البصري، فعن يحيى: ليس به بأس، وعنه: ضعيف الحديث. وقال ابن سعد والنسائي: ضعيف. وقال أبو زرعة: شيخ صالح صدوق. روى له الترمذي وابن ماجه.

стр. 5037

وعن مرزوق أبي عبد الله الشامي الحمصي، ذكره ابن حبان في الثقات، كلاهما عن يزيد بن أبان الرقاشي أبي عمرو البصري فعن يحيى: ضعيف، وعنه: لا شيء، وعنه: رجل صالح وليس حديثه بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث. روى له الترمذي وابن ماجه، والرقاشي -بفتح الراء والقاف- نسبة إلى رقاش بنت ضبيعة. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١): نا موسى بن محمد، نا كهمس بن المنهال، نا سعيد بن أبي عروبة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ نهى عن صوم خمسة أيام من السنة: يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق". والثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي ... إلى آخره. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا أبو عبد الرحمن المقريء، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن جبير، عن معمر بن عبد الله العدوي، قال: "بعثني رسول الله ﵇ أؤذن في أيام التشريق بمنى: لا يصومن أحد، فإنها أيام أكل وشرب". ش: أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقريء القصير شيخ البخاري، وابن لهيعة هو عبد الله بن لهيعة المصري فيه مقال، ويزيد بن أبي حبيب سويد المصري روى له الجماعة، وعبد الرحمن بن جبير المصري المؤذن مولى نافع بن عمرو وثقه النسائي وابن حبان وروى له مسلم ومن الأربعة غير ابن ماجه، ومعمر ابن عبد الله بن نافع القرشي العدوي الصحابي ﵁، وأخرجه أبو القاسم البغوي في "معجم الصحابة": ثنا محمد بن إسحاق، ثنا ابن أبي مريم، ثنا: ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن جبير، عن معمر بن عبد الله العدوي قال: "بعثني رسول الله ﵇ أؤذن الناس بمنى: أن لا يصوم أحد أيام التشريق، فإنها أيام أكل وشرب".

стр. 5038

ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أبو الأسود، ويحيى بن عبد الله بن بكير، قالا: ثنا ابن لهيعة، عن أبي النضر، أنه سمع سليمان بن يسار وقبيصة بن ذؤيب يحدثان، عن أم الفضل امرأة عباس بن عبد المطلب ﵁ قالت: "كنا مع رسول الله ﵇ بمنى، فسمعت مناديًا يقول: إن هذه الأيام أيام طعم وشرب وذكر الله، قالت: فأرسلت رسولاً: من الرجل ومن أمره؟ فجاءني الرسول فحدثني أنه رجل يقال له: حذافة، يقول: أمرني بها رسول الله ﵇". ش: ربيع هو ابن سليمان الجيزي الأعرج شيخ أبي داود والنسائي، وأبو الأسود النضر بن عبد الجبار المصري راوية ابن لهيعة، قال النسائي: ليس به بأس. وعن يحيى: كان شيخ صدوق. روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه. ويحيى بن عبد الله بن بكير شيخ البخاري، وابن لهيعة عبد الله، وأبو النضر -بالنون والضاد المعجمة- سالم بن أبي أمية القرشي روى له الجماعة، وكذلك سليمان وقبيصة بن ذؤيب بن طلحة الخزاعي روى لهما الجماعة. وأم الفضل اسمها لبابة بنت الحارث الهلالية زوج العباس بن عبد المطلب، أخت ميمونة بنت الحارث، وكانت أول امرأة أسلمت بعد خديجة، وكان النبي ﵇ يزورها ويقيل عندها. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح، قال: ثنا موسى بن عبيدة، قال: أخبرني المنذر، عن عمر بن خلدة الزرقي، عن أمه، قالت: "بعث رسول الله ﵇ علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- في أوسط أيام التشريق، فنادى في الناس: لا تصوموا في هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب وبعال". ش: موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي أبو عبد العزيز المدني فيه مقال، فعن يحيى: لا يحتج بحديثه، وعنه: ضعيف، وعنه: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: ليس بقوي في الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. روى له الترمذي وابن ماجه.

стр. 5039

والمنذر بن جهم، قال البخاري: ابن أبي الجهم، ذكره في "تاريخه" وسكت عنه، وعمر بن خلدة الزرقي وثقه النسائي والفلاس وغيرهما، وأمه أم عمر بن خلدة الأنصارية الصحابية، قال ابن الأثير: هذه أم عمر بضم العين. قلت: إنما قيد بهذا القيد احترازًا عن أم عمرو بفتح العين بن سليم الزرقي؛ فإن لها حديثًا أيضًا في هذا الباب، رواه عنها [ابنها] (١) عمرو بن سليم. أخرجه أحمد في "مسنده" (٢): نا قتيبة بن سعيد، نا ليث بن سعد، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن أبي سلمة، عن عمرو بن سليم الزرقي، عن أمه أنها قالت: "بينا نحن بمنى إذا علي بن أبي طالب على جمل وهو يقول: إن رسول الله ﵇ يقول: إن هذه أيام طعم وشرب، فلا يصومن أحد، فأسمع الناس". أما حديث عمر بن خلدة فأخرجه ابن أبي شيبة في "مسنده" (٣): ثنا وكيع، عن موسى بن عُبيدة، عن منذر بن جهم، عن عمر بن خلدة، عن أمه قالت: "إن النبي ﵇ بعث عليًّا ينادي بمنى: إنها أيام أكل وشرب وبعال". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن حكي ابن حكيم، عن مسعود بن الحكم الزرقي، قال: حدّثتني أمي قالت: "لكأني انظر إلى علي بن أبي طالب على بغلة النبي ﵇ البيضاء حين قام إلى شعب الأنصار وهو يقول: يا معشر المسلمين، إنها ليست بأيام صوم، إنها أيام أكل وشرب وذكر الله ". ش: الوهبي هو أحمد بن خالد الكندي شيخ البخاري في غير الصحيح، وثقه ابن معين وروى له الأربعة، وابن إسحاق هو محمد بن إسحاق صاحب المغازي، وحكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف الأنصاري المدني، قال ابن سعد: كان قليل الحديث ولا يحتجون بحديثه. ووثقه ابن حبان، وروى له الأربعة.

стр. 5040

ومسعود بن الحكم بن الربيع الزرقي الأنصاري المدني، ولد في عهد النبي ﵇، روى له الجماعة سوى البخاري، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين. وأمه حبيبة بنت شريق بن أبي خيثمة امرأة من هذيل أدركت النبي ﵇. وأخرجه النسائي (١): من حديث مسعود بن الحكم الزرقي [قال] (٢): حدثتني أمي ... إلى آخره نحوه. قوله: "لكأني" اللام فيه لام التأكيد؛ فلذلك جاءت مفتوحة. قوله: "حيث قام إلى شعب الأنصار" بفتح الشين وهو الذي يتفرق منه القبائل. ص: حدثنا محمد بن عمرو بن تمام، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني ميمون بن يحيى، قال: حدثني مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت سليمان بن يسار يزعم أنه سمع ابن الحكم الزرقي يقول: حدثنا أبي: " أنهم كانوا مع رسول الله ﵇ بمنى، فسمعوا راكبًا وهو يصرخ: لا يصومن أحد؛ فإنها أيام أكل وشرب". ش: محمد بن عمرو يكنى بأبي الكَرَوّس بفتح الكاف والراء وتشديد الواو وفي آخره سين مهملة، ويحيى بن عبد الله بن بكير شيخ البخاري، وميمون بن يحيى بن مسلم بن الأشج مولى بني زهرة ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه، ومخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج روى له الجماعة، وسليمان بن يسار الهلالي روى له الجماعة، وابن الحكم هو مسعود بن الحكم المذكور آنفًا، وأبوه الحكم الزرقي ذكره ابن الأثير في الصحابة، وقال: الحكم أبو مسعود الزرقي روى عنه ابنه مسعود، في حديثه اختلاف، رواه ميمون بن يحيى الأشج، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت سلميان بن يسار، أنه سمع ابن الحكم الزرقي وهو مسعود،

стр. 5041

يقول: حدثني أبي: "أنهم كانوا مع رسول الله ﵇ بمنى، فسمعوا راكبًا وهو يصرخ: لا يصومن أحد؛ فإنها أيام أكل وشرب". قال أبو نعيم: رواه بعض المتأخرين، وذكره وقال: هذا وهم منكر، والصواب ما رواه ابن وهب، عن مخرمة، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، يزعم أنه الحكم الزرقي يقول: حدثني أبي ... وذكر مثله. ورواه ابن وهب أيضًا عن عمرو بن الحارث، عن بكير، عن سليمان، عن مسعود، عن أبيه. ورواه عمرو بن الحارث، وسليمان بن بلال والناس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن يوسف بن مسعود بن الحكم، عن جدته وهي حبيبة بنت شريق: "أنها كانت مع أمها العجفاء بمنى أيام الحج، فجاءهم بديل بن الورقاء فنادى أن النبي ﵇ قال ... " نحوه. ورواه الزهري، عن مسعود بن الحكم، أنه قال: أخبرني بعض أصحاب النبي ﵇. ورواه سالم أبو النضر، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن حذافة مثله. ورواه أصحاب قتادة، عن قتادة، عن سليمان بن يسار، عن حمزة بن عمرو الأسلمي: "أنه رأى رجلاً بمنى ورسول الله ﵇ بين أظهرهم ينادي ... ". مثله، وذكر أن المنادي كان بلالًا. ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني بكر ابن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، عن سليمان بن يسار، حدثه أن مسعودًا حدثه، عن أمه نحوه. حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عبد الله بن محمد الفهمي، قال: أنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، أنه سمع يوسف بن مسعود بن الحكم الزرقي يقول: حدثتني جدتي ... ثم ذكر نحوه.

стр. 5042

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حسين بن مهدي، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن مسعود بن الحكم الأنصاري، عن رجل من أصحاب النبي ﵇ قال: "أمر النبي ﵇ عبد الله بن حذافة أن يركب راحلته أيام منى فيصيح في الناس: ألا لا يصومن أحد؛ فإنها أيام أكل وشرب، قال: فلقد رأيته على راحلته ينادي بذلك". ش: هذه ثلاث طرق أخرى في الحديث المذكور: الأول: عن علي بن عبد الرحمن بن المغيرة، عن عبد الله بن صالح وراق الليث وشيخ البخاري، عن بكر بن مضر بن محمد أبي عبد الملك المصري روى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن عمرو بن الحارث بن يعقوب أبي أمية المصري روى له الجماعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن مسعود بن الحكم الزرقي المذكرر آنفًا، عن أمه حبيبة بنت شريق المذكورة آنفًا. الثاني: عن روح بن الفرج القطان أبي الزنباع المصري شيخ الطبراني أيضًا، عن عبد الله بن محمد بن إسحاق الفهمي وثقه أحمد بن صالح، عن سليمان بن بلال القرشي أبي أيوب المدني روى له الجماعة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن يوسف بن مسعود بن الحكم الزرقي الأنصاري وثقه ابن حبان، عن جدته حبيبة بنت شريق المذكورة. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، سمع يوسف بن مسعود بن الحكم، أنه حدثته جدته: "أنها رأت وهي بمنى في زمان رسول الله ﵇ راكبًا يصيح يقول: أيها الناس إنها أيام أكل وشرب ونساء وبعال وذكر الله تعالى، قالت: فقلت: من هذا؟ قالوا: علي بن أبي طالب ﵁".

стр. 5043

وروى أيضًا عن عيسى بن مسعود بن الحكم الزرقي، عن جدته حبيبة بنت شريق: "أنها كانت مع أمها العجفاء في أيام الحج بمنى، قالت: فجاء بديل بن ورقاء على راحلة رسول الله ﵇ ينادي: إن رسول الله ﵇ قال: من كان صائمًا فليفطر؛ فإنها أيام أكل وشرب". رواه صالح بن كيسان عن عيسى. الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن حسين بن مهدي بن مالك الألي شيخ الترمذي وابن ماجه، عن عبد الرزاق بن همام صاحب "المصنف"، عن معمر بن راشد، عن محمد بن مسلم الزهري، عن مسعود بن الحكم الأنصاري، عن رجل من أصحاب النبي ﵇. وأخرجه الدارقطني (١) بإسناد ضعيف، وفي آخره زيادة قال: ثنا محمد بن جعفر المطيري، نا عبد الرحمن بن محمد بن منصور، نا أبي، نا سليمان بن أبي داود الحراني، ثنا الزهري، عن مسعود بن الحكم الزرقي، عن رجل من أصحاب النبي ﵇ قال: "أمر رسول الله ﵇ عبد الله بن حذافة فنادى في أيام التشريق: ألا إن هذه أيام عيد وأكل وشرب وذكر فلا يصومن إلاَّ محصر، أو متمتع لم يجد هديًا ولم يصم في أيام الحج المتتابعة فليصمهن". سليمان بن أبي داود ضعيف، ثم اعلم أن الطحاوي قد أخرج أحاديث نهي الصوم في أيام التشريق عن ستة عشر نفسًا من الصحابة، وهم: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة أم المؤمنين، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن حذافة، وأبو هريرة، ونبيشة الهذلي، ورجل من أصحاب النبي ﵇ سماه نافع ونسيه عمرو بن دينار، وبشر بن سحيم، وأنس بن مالك، ومعمر بن عبد الله، وأم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب، وأم عمر بن خلدة، وأم مسعود بن الحكم حبيبة بنت شريق، والحكم الزرقي، ورجل من أصحاب النبي ﵇ روى عنه مسعود الزرقي.

стр. 5044

قلت: وفي الباب عن عمرو بن سليم، وعقبة بن عامر، وجابر، وحمزة بن عمرو الأسلمي، وكعب بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وزيد بن خالد. وأما حديث أم عمرو بن سليم فأخرجه أحمد في "مسنده" (١) وقد ذكرناه عند حديث أم عمرو بن خلدة. وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه الترمذي (٢): ثنا هناد، قال: نا وكيع، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال رسول الله ﵇: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإِسلام وهي أيام أكل وشرب". وأخرجه أبو داود (٣) والنسائي (٤) والبيهقي (٥). وأما حديث حمزة بن عمرو الأسلمي فأخرجه الطبراني في "معجمه" (٦): ثنا الحسن بن إسحاق التستري، نا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن بشر، عن سعيد، عن قتادة، عن سليمان بن يسار، عن حمزة الأسلمي: "أنه رأى رجلاً بمنى يطوف على جمل له آدم يقول: لا تصوموا هذه الأيام أيام التشريق، وإنها أيام أكل وشرب. ورسول الله ﵇ بين أظهرهم". وأما حديث كعب بن مالك فأخرجه أحمد في "مسنده" (٧): ثنا محمد بن سابق، نا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن أبي بن كعب بن مالك، عن أبيه كعب بن مالك، أنه حدثه: "أن رسول الله ﵇ بعثه وأوس بن الحدثان في أيام التشريق فنادى: أن لا يدخل الجنة إلاَّ مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب".

стр. 5045

وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فأخرجه النسائي (١): من رواية عاصم، عن المطلب، قال: "دعى أعرابيَّا إلى طعامه بعد يوم النحر بيوم، فقال الأعرابي: إني صائم، قال: إني سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله ﵇ نهى عن صيام هذه الأيام". وأما حديث عمرو بن العاص فأخرجه الطحاوي كما ذكرنا، وأخرجه أبو داود (٢) من طريق مالك، عن يزيد بن الهاد، عن أبي مرة مولى أم هانئ: "أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على عمرو بن العاص، فقرب إليهما طعامًا، فقال: كُل، قال: إني صائم، فقال عمرو: كل؛ فهذه الأيام التي كان رسول الله ﵇ يأمرنا بإفطارها، وينهى عن صيامها، قال مالك: وهي أيام التشريق". وأخرجه النسائي (٣) أيضًا. وحديث زيد بن خالد عند أبي يعلى (٤). ص: قالوا: فلما ثبت بهذه الآثار عن رسول الله ﵇ النهي عن صيام أيام التشريق، وكان نهيه عن ذلك بمنى والحجاج مقيمون بها، وفيهم المتمتعون والقارنون ولم يستثن منهم متمتعًا ولا قارنًا؛ دخل المتمتعون والقارنون في ذلك النهي. ش: أي قال أهل المقالة الثانية: وأراد بهذه الآثار تلك الأحاديث التي أخرجها عن ستة عشر نفسًا من الصحابة ﵃ في النهي عن الصوم في أيام التشريق. قوله: "وكان نهيه"، أي والحال أنه كان نهي النبي ﵇ عن ذلك بمنى، والحال أن الحاج مقيمين بها، والحال أن فيهم المتمتعين والقارنين، ولم يستثن منهم أحدًا، فَعَمَّ الكل.
следующие страницы →