← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

يقول: حدثني أبي: "أنهم كانوا مع رسول الله ﵇ بمنى، فسمعوا راكبًا وهو يصرخ: لا يصومن أحد؛ فإنها أيام أكل وشرب". قال أبو نعيم: رواه بعض المتأخرين، وذكره وقال: هذا وهم منكر، والصواب ما رواه ابن وهب، عن مخرمة، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، يزعم أنه الحكم الزرقي يقول: حدثني أبي ... وذكر مثله. ورواه ابن وهب أيضًا عن عمرو بن الحارث، عن بكير، عن سليمان، عن مسعود، عن أبيه. ورواه عمرو بن الحارث، وسليمان بن بلال والناس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن يوسف بن مسعود بن الحكم، عن جدته وهي حبيبة بنت شريق: "أنها كانت مع أمها العجفاء بمنى أيام الحج، فجاءهم بديل بن الورقاء فنادى أن النبي ﵇ قال ... " نحوه. ورواه الزهري، عن مسعود بن الحكم، أنه قال: أخبرني بعض أصحاب النبي ﵇. ورواه سالم أبو النضر، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن حذافة مثله. ورواه أصحاب قتادة، عن قتادة، عن سليمان بن يسار، عن حمزة بن عمرو الأسلمي: "أنه رأى رجلاً بمنى ورسول الله ﵇ بين أظهرهم ينادي ... ". مثله، وذكر أن المنادي كان بلالًا. ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني بكر ابن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير، عن سليمان بن يسار، حدثه أن مسعودًا حدثه، عن أمه نحوه. حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عبد الله بن محمد الفهمي، قال: أنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، أنه سمع يوسف بن مسعود بن الحكم الزرقي يقول: حدثتني جدتي ... ثم ذكر نحوه.

стр. 5042

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حسين بن مهدي، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن مسعود بن الحكم الأنصاري، عن رجل من أصحاب النبي ﵇ قال: "أمر النبي ﵇ عبد الله بن حذافة أن يركب راحلته أيام منى فيصيح في الناس: ألا لا يصومن أحد؛ فإنها أيام أكل وشرب، قال: فلقد رأيته على راحلته ينادي بذلك". ش: هذه ثلاث طرق أخرى في الحديث المذكور: الأول: عن علي بن عبد الرحمن بن المغيرة، عن عبد الله بن صالح وراق الليث وشيخ البخاري، عن بكر بن مضر بن محمد أبي عبد الملك المصري روى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن عمرو بن الحارث بن يعقوب أبي أمية المصري روى له الجماعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن مسعود بن الحكم الزرقي المذكرر آنفًا، عن أمه حبيبة بنت شريق المذكورة آنفًا. الثاني: عن روح بن الفرج القطان أبي الزنباع المصري شيخ الطبراني أيضًا، عن عبد الله بن محمد بن إسحاق الفهمي وثقه أحمد بن صالح، عن سليمان بن بلال القرشي أبي أيوب المدني روى له الجماعة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن يوسف بن مسعود بن الحكم الزرقي الأنصاري وثقه ابن حبان، عن جدته حبيبة بنت شريق المذكورة. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، سمع يوسف بن مسعود بن الحكم، أنه حدثته جدته: "أنها رأت وهي بمنى في زمان رسول الله ﵇ راكبًا يصيح يقول: أيها الناس إنها أيام أكل وشرب ونساء وبعال وذكر الله تعالى، قالت: فقلت: من هذا؟ قالوا: علي بن أبي طالب ﵁".

стр. 5043

وروى أيضًا عن عيسى بن مسعود بن الحكم الزرقي، عن جدته حبيبة بنت شريق: "أنها كانت مع أمها العجفاء في أيام الحج بمنى، قالت: فجاء بديل بن ورقاء على راحلة رسول الله ﵇ ينادي: إن رسول الله ﵇ قال: من كان صائمًا فليفطر؛ فإنها أيام أكل وشرب". رواه صالح بن كيسان عن عيسى. الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن حسين بن مهدي بن مالك الألي شيخ الترمذي وابن ماجه، عن عبد الرزاق بن همام صاحب "المصنف"، عن معمر بن راشد، عن محمد بن مسلم الزهري، عن مسعود بن الحكم الأنصاري، عن رجل من أصحاب النبي ﵇. وأخرجه الدارقطني (١) بإسناد ضعيف، وفي آخره زيادة قال: ثنا محمد بن جعفر المطيري، نا عبد الرحمن بن محمد بن منصور، نا أبي، نا سليمان بن أبي داود الحراني، ثنا الزهري، عن مسعود بن الحكم الزرقي، عن رجل من أصحاب النبي ﵇ قال: "أمر رسول الله ﵇ عبد الله بن حذافة فنادى في أيام التشريق: ألا إن هذه أيام عيد وأكل وشرب وذكر فلا يصومن إلاَّ محصر، أو متمتع لم يجد هديًا ولم يصم في أيام الحج المتتابعة فليصمهن". سليمان بن أبي داود ضعيف، ثم اعلم أن الطحاوي قد أخرج أحاديث نهي الصوم في أيام التشريق عن ستة عشر نفسًا من الصحابة، وهم: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة أم المؤمنين، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن حذافة، وأبو هريرة، ونبيشة الهذلي، ورجل من أصحاب النبي ﵇ سماه نافع ونسيه عمرو بن دينار، وبشر بن سحيم، وأنس بن مالك، ومعمر بن عبد الله، وأم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب، وأم عمر بن خلدة، وأم مسعود بن الحكم حبيبة بنت شريق، والحكم الزرقي، ورجل من أصحاب النبي ﵇ روى عنه مسعود الزرقي.

стр. 5044

قلت: وفي الباب عن عمرو بن سليم، وعقبة بن عامر، وجابر، وحمزة بن عمرو الأسلمي، وكعب بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وزيد بن خالد. وأما حديث أم عمرو بن سليم فأخرجه أحمد في "مسنده" (١) وقد ذكرناه عند حديث أم عمرو بن خلدة. وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه الترمذي (٢): ثنا هناد، قال: نا وكيع، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال رسول الله ﵇: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإِسلام وهي أيام أكل وشرب". وأخرجه أبو داود (٣) والنسائي (٤) والبيهقي (٥). وأما حديث حمزة بن عمرو الأسلمي فأخرجه الطبراني في "معجمه" (٦): ثنا الحسن بن إسحاق التستري، نا عثمان بن أبي شيبة، نا محمد بن بشر، عن سعيد، عن قتادة، عن سليمان بن يسار، عن حمزة الأسلمي: "أنه رأى رجلاً بمنى يطوف على جمل له آدم يقول: لا تصوموا هذه الأيام أيام التشريق، وإنها أيام أكل وشرب. ورسول الله ﵇ بين أظهرهم". وأما حديث كعب بن مالك فأخرجه أحمد في "مسنده" (٧): ثنا محمد بن سابق، نا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن أبي بن كعب بن مالك، عن أبيه كعب بن مالك، أنه حدثه: "أن رسول الله ﵇ بعثه وأوس بن الحدثان في أيام التشريق فنادى: أن لا يدخل الجنة إلاَّ مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب".

стр. 5045

وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فأخرجه النسائي (١): من رواية عاصم، عن المطلب، قال: "دعى أعرابيَّا إلى طعامه بعد يوم النحر بيوم، فقال الأعرابي: إني صائم، قال: إني سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله ﵇ نهى عن صيام هذه الأيام". وأما حديث عمرو بن العاص فأخرجه الطحاوي كما ذكرنا، وأخرجه أبو داود (٢) من طريق مالك، عن يزيد بن الهاد، عن أبي مرة مولى أم هانئ: "أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على عمرو بن العاص، فقرب إليهما طعامًا، فقال: كُل، قال: إني صائم، فقال عمرو: كل؛ فهذه الأيام التي كان رسول الله ﵇ يأمرنا بإفطارها، وينهى عن صيامها، قال مالك: وهي أيام التشريق". وأخرجه النسائي (٣) أيضًا. وحديث زيد بن خالد عند أبي يعلى (٤). ص: قالوا: فلما ثبت بهذه الآثار عن رسول الله ﵇ النهي عن صيام أيام التشريق، وكان نهيه عن ذلك بمنى والحجاج مقيمون بها، وفيهم المتمتعون والقارنون ولم يستثن منهم متمتعًا ولا قارنًا؛ دخل المتمتعون والقارنون في ذلك النهي. ش: أي قال أهل المقالة الثانية: وأراد بهذه الآثار تلك الأحاديث التي أخرجها عن ستة عشر نفسًا من الصحابة ﵃ في النهي عن الصوم في أيام التشريق. قوله: "وكان نهيه"، أي والحال أنه كان نهي النبي ﵇ عن ذلك بمنى، والحال أن الحاج مقيمين بها، والحال أن فيهم المتمتعين والقارنين، ولم يستثن منهم أحدًا، فَعَمَّ الكل.

стр. 5046

فإن قيل: قد مر في رواية الدارقطني: "أن رسول الله ﵇ أمر عبد الله بن حذافة فنادى في أيام التشريق: ألا إن هذه أيام عيد وأكل وشرب وذكر، فلا يصومهن إلاَّ محصر أو متمتع". قلت: قد ذكرت لك أن هذا حديث ضعيف، فالدارقطني نفسه علله بسليمان ابن أبي داود الحراني. ص: فإن قال قائل: فلم صار هذا أولى مما رويتم في هذا الباب؟ قيل له: من قِبَل صحة ما جاء في هذا، وتواتر الآثار، وفساد ما جاء في الفصل الأول، من ذلك: حديث يحيى بن سلام، عن شعبة فهو حديث منكر لا يثبته أهل العلم بالرواية؛ لضعف يحيى بن سلام [عندهم] (١) وابن أبي ليلى وفساد حفظهما، مع أني لا أطعن على أحد من العلماء بشيء لكن ذكرت ما يقول أهل الرواية في ذلك. ومن ذلك حديث يزيد بن سنان الذي ذكرناه من بعده عن ابن عمر وعائشة ﵃ أنهما قالا: "لا نرخص لأحد في صوم أيام التشريق إلاَّ لمحصر أو متمتع" فقولهما ذلك يجوز أن يكونا عنيا بهذه الرخصة ما قال الله في كتابه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (٢) فعداهما أيام التشريق من أيام الحج [فقالا: رخص للحاج والمتمتع والمحصر في صوم أيام التشريق لهذه الآية، ولأن هذه الأيام عندهما من أيام الحج] (٣) وخفي عليهما ما كان من توقيف رسول الله ﵇ من بعد، على أن هذه الأيام ليست بداخله فيما أباح الله صومه من ذلك فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح هذه الآثار.

стр. 5047

ش: بيان السؤال أن يقال: ما توضيح هذه الأحاديث التي استدللتم بها في عموم النهي عن صيام أيام التشريق وشموله القارن والمتمتع، على حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﵇ قال في المتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم العشر: أنه يصوم في أيام التشريق، وعلى أثر عائشة وابن عمر قالا: "لم يرخص في صوم أيام التشريق، إلاَّ المحصر أو متمتع". وهما الحديثان اللذان احتج بهما أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من إباحة صوم المتمتع والقارن والمحصر أيام التشريق إذا لم يجدوا هديًا ولم يكونوا صاموا قبل ذلك، كما قد مر ذكره مستوفى، وأجاب عن ذلك بقوله: قيل له: من قِبَل صحة ما جاء ... إلى آخره. وحاصله: أنه أجاب عن الحديث الأول بأنه ضعيف؛ لأن في سنده يحيى بن سلام وهو ضعيف عند أهل العلم بالحديث وضعفه الدارقطني، وحديثه منكر، وفي سنده أيضًا محمد بن أبي ليلى، تكلم فيه، وكان يحيى بن سعيد يضعفه، وعن أحمد: كان سيئ الحفظ مضطرب الحديث. وعن يحيى: ليس بذاك. وقال أبو حاتم: محله الصدق، كان سيئ الحفظ، شغل بالقضاء فساء حفظه، لا يتهم بشيء من الكذب، إنما ينكر عليه كثرة الخطأ، يكتب حديثه، ولا يحتج به. وأشار الطحاوي إلى ما قالوا من ذلك بقوله: و"فساد حفظهما" ثم تورع عن ذلك بقوله: "مع أني لا أطعن على أحد من العلماء"، ونبه بذلك على أنه هو ليس بطاعن فيهما ابتداء، وإنما هو ناقل طعن الناس، وما قالوا فيهما على أنه هو أيضًا من أهل الجرح والتعديل. وقوله: "لا يرد في هذا الباب" لكونه إمامًا ثقة ثبتًا عند الكل، ولكن لما كان في معرض الاحتجاج لأصحابنا الحنفية على أخصامهم رد عليهم بما هم قائلون به، وهذا أقوى في هذا الباب حيث يقطع شغب الخصم. فإن قيل: قد قيل: إن ابن أبي ليلى في هذا السند ليس محمد بن أبي ليلى القاضي، وإنما هو عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ممن أخرج لهم الجماعة، وقال النسائي فيه: ثقة ثبت، ولهذا قال البيهقي لما أخرج هذا الحديث من طريق شعبة، عن ابن أبي ليلى يعني: عبد الله.

стр. 5048

قلت: لا نسلم ذلك؛ فإن كلام الطحاوي يدل على أن المراد منه هو محمد بن أبي ليلى وذلك لأنه قال إن ابن أبي ليلى سيىء الحفظ ولو كان هو عبد الله لم يقل بذاك فإن قلت: قال البيهقي: "يعني عبد الله". ليس تفسيرًا من رواة الحديث، على أنا وإن سلمنا ذلك فقد قال ابن المديني عن عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى: عندي منكر. وعن يحيى: كان يتشيع. وأجاب عن الحديث الثاني بأنه مأول أشار إلى، ذلك بقوله: "فقولهما ذلك يجوز أن يكونا عنيا" أي: قصدا، من عني يعني عنيًا إذا قصد "بهذه الرخصة ما قال الله من قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (١) فعداهما" أي: عائشة وابن عمر وأبرز الضمير تأكيدًا للتثنية "أيام التشريق من أيام الحج وخفي عليهما ما كان من نهي النبي ﵇ عن الصيام في هذه الأيام الذي يدل على أنها لا تدخل فيما أباح الله صومه من ذلك". فإن قيل: كيف يخفى عليهما هذا المقدار مع مكانتهما في العلم وقربهما من الرسول ﵇؟ قلت: هذا منهما اجتهاد، المجتهد قد يخفى [عليه] (٢) ما لا يخفى على غيره، على أن هذا فاسد من وجه آخر، وهو أن الله تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (١) فإذا صام في هذه الأيام لم يكن صومه في الحج؛ لأن الحج فات في هذا الوقت، وذلك لأن معنى قوله: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ أي في وقت الحج إذْ الحج لا يصلح ظرف للصوم، والوقت هو الصالح لذلك، كما في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٣) أي وقت الحج، فعلى هذا إذا صام في أيام التشريق يكون صائمًا في غير وقت الحج، فلا يجوز؛ لأن الله تعالى أوجب على المتمتع صيام ثلاثة أيام في الحج، ولم يوجد.

стр. 5049

فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يجوز إذا صام قبل الإِحرام في أشهر الحج؛ لأنه صام في وقت الحج. قلت: نعم كذلك، ولكن ما قبل الإِحرام خُصَّ على النص، فإن قيل: أيام التشريق من أيام الحج وإن كان الحج قد تم، ألا ترى أنها أيام الجمرات؟ قلت: الجواب عنه من وجوه: الأول: أن نهي النبي ﵇ عن صوم هذه الأيام قاضٍ عليه، ومخصص له كما خص قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ (١) نهيه عن صيام هذه الأيام. والثاني: أنه لو كان جائزًا؛ لأنها من أيام الحج لوجب أنه يكون صوم يوم النحر أجوز لأنه أخص بأفعال الحج من هذه الأيام. والثالث: أنه ﵇ خص يوم عرفة بالحج بقوله: الحج عرفة، فقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ (٢) يقتضي أن يكون آخرها يوم عرفة. والرابع: أنه روي أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وروي أنه يوم النحر، وقد اتفقوا أنه لا يجوز [صوم] (٣) يوم النحر مع أنه يوم الحج فما لم يتم من الحج من الأيام المنهي عن صومها أحرى أن لا يصام فيها، والذي بقي بعد النحر وهو رمي الجمار إنما هو من توابع الحج، فلا اعتبار به في ذلك، فليس هي إذن من أيام الحج، فلا يكون صوم الأيام الثلاثة فيها صومًا في الحج؛ فافهم. ص: وأما من طريق النظر: فإنا قد رأيناهم قد أجمعوا أن يوم النحر لا يصام في شيء من ذلك، وهو إلى أيام الحج أقرب من أيام التشريق؛ لما جاء عن رسول الله ﵇ من النهي عن صومه مما سنذكره في هذا الباب إن شاء الله تعالى، فلما كان نهي

стр. 5050

رسول الله ﵇ في ذلك يدخل فيه المتمتعون والقارنون والمحصرون؛ كان كذلك نهيه عن صيام أيام التشريق يدخلون فيه أيضًا. ش: أي وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس، وهو ظاهر. قوله: "وهو" أي يوم النحر. قوله: "لما جاء" يتعلق بقوله: "لا يصام". ص: فمها روي عن رسول الله ﵇ في النهي عن صوم يوم النحر. ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أنا ابن أبن ذئب، عن سعيد بن خالد، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، قال: "قال شهدت العيد مع علي وعثمان فكانا يصليان ثم ينصرفان، يذكران الناس، فسمعتهما يقولان: نهى رسول الله ﵇ عن صيام هذين اليومين: يوم النحر، ويوم الفطر". ش: ذكر في هذا الباب سبعة من الصحابة وهم: علي، وعثمان، وعمر بن الخطاب، وعائشة، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وأنس بن مالك ﵃ على ما يأتي مفصلًا، وإنما ذكر أحاديث هؤلاء استطرادًا وإلا فموضعها كتاب الصوم، ورجال الإِسناد المذكور ثقات، فعثمان بن عمر بن فارس البصري روى له الجماعة، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب روى له الجماعة، وسعيد بن خالد بن عبد الله بن قارظ المدني، وثقه ابن حبان، وروى له من الأربعة غير الترمذي. وأبو عبيد سعد بن عُبيد الزهري المدني مولى عبد الرحمن روى له الجماعة. والحديث أخرجه الجماعة (١) غير النسائي، وأخرجه البزار في "مسنده" (٢) نحو ما أخرجه الطحاوي: ثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: نا ابن أبي ذئب ... إلى آخره نحوه.

стр. 5051

ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن أبي عُبيد قال: "شهدت العيد مع عمر ﵁ فقال: هذان يومان نهي رسول الله ﵇ عن صومهما: يوم الفطر، ويوم النحر، فأما يوم الفطر فيوم فطركم من صيامكم، وأما يوم النحر فيوم تأكون فيه من نسككم". ش: هذا طريق آخر، ورجاله كلهم رجال الصحيح. وأخرجه البخاري (١): نا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك، عن ابن شهاب ... إلى آخره نحوه. ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك. قوله: "من نسككم" النُّسُك بضمتين جمع نسيكة وهي الذبيحة. ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أنا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وسفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي عُييد مولى عبد الرحمن بن عوف قال: صليت العيد مع عمر ﵁ ... " فذكر مثله. ش: هذا طريق آخر، عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي شيخ النسائي وأبي عوانة الإِسفراييني، عن عبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي شيخ البخاري، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع الأنصاري المدني، وسفيان بن عيينة، كلاهما عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، ووقع في رواية الطحاوي الأولى: "مولى ابن أزهر" وكذا وقع في رواية البخاري وهو عبد الرحمن بن أزهر، قال الترمذي: عبد الرحمن بن أزهر هو ابن عم عبد الرحمن بن عوف، وقال البخاري: قال ابن عيينة: من قال: مولى ابن أزهر فقد أصاب، ومن قال: مولى عبد الرحمن ابن عوف فقد أصاب.

стр. 5052

وأخرجه أبو داود (١): ثنا قتيبة بن سعيد، وزهير بن حرب -وهذا حديثه- قالا: نا سفيان، عن الزهري، عن أبي عبيد قال: "شهدت العيد مع عمر ﵁ فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم قال: إن رسول الله ﵇ نهى عن صيام هذين اليومين أما يوم الأضحى فتأكلون من لحم نسككم، وأما يوم الفطر ففطركم من صيامكم". وأخرجه الترمذى (٢): ثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيد ابن هارون، قال: نا معمر، عن الزهري، عن أبي عُبيد مولى عبد الرحمن بن عوف قال: "شهدت عمر بن الخطاب في يوم نحر، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، ثم قال: سمعت رسول الله ﵇ ينهى عن صوم هذين اليومين: أما يوم الفطر ففطركم من صومكم وعيد المسلمين، وأما يوم الأضحى فكلوا من لحم نسككم". قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح. وأخرجه ابن ماجه (٣): نا سهل بن أبي سهل، نا سفيان، عن الزهري ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن أبي كثير الأنصاري، عن سعد بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، عن رسول الله ﵇: "أنه نهى عن صوم يومين: يوم الفطر، ويوم النحر". ش: إسناده صحيح، وسعد -بفتح السين وسكون العين- بن سعيد -بالياء- ابن قيس بن عمرو الأنصاري أخو يحيى وعبد ربه، قال يحيى: صالح. وروى له مسلم ومن الأربعة غير النسائي، وعمرة بنت عبد الرحمن. وأخرجه مسلم (٤): نا ابن نمير، قال: ثنا أبي، قال: نا سعد بن سعيد، قال:

стр. 5053

أخبرتني عمرة، عن عائشة قالت: "نهى رسول الله ﵇ عن صومين يوم الفطر ويوم الأضحى". ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: إسناده صحيح، وحجاج هو ابن المنهال شيخ البخاري، وحماد هو ابن سلمة، وأبو نضرة بالنون والضاد المعجمة، واسمه المنذر بن مالك، روى له الجماعة، وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك. وأخرجه البخاري (١): ثنا الحجاج بن منهال، نا شعبة، نا عبد الملك بن عمير، قال: سمعت قزعة قال: سمعت أبا سعيد الخدري وكان غزا مع النبي ﵇ ثنتي عشرة غزوة قال: "سمعت أربعًا من النبي ﵇ فأعجبتني: قال: لا تسافر المرأة مسيرة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم، ولا صوم في يومين: الفطر، والأضحى، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي هذا". ومسلم (٢): نا أبو كامل الجحدري، قال: نا عبد العزيز بن المختار، قال: نا عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله ﵇ نهى عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم النحر". وأبو داود (٣): نا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا وهيب، قال: نا عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري قال: "نهى رسول الله ﵇ عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم الأضحى، وعن لبستين: الصماء، وأن يحتبي الرجل في الثوب الواحد، وعن الصلاة في ساعتين: بعد الصبح، وبعد العصر".

стр. 5054

والترمذي (١): نا قتيبة، قال: نا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري قال: "نهى رسول الله ﵇ عن صيامين يوم الأضحى ويوم الفطر". وابن ماجه (٢): نا أبو بكر بن أبي شيبة نا يحيى بن يعلى التيمي، عن عبد الملك بن عمير، عن قزعة، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﵇: "أنه نهى عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى". وأخرجه البزار في "مسنده" بإسناد الطحاوي: ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: "نهى رسول الله ﵇ عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغيب الشمس ونهى عن صوم يومين: يوم الفطر، ويوم النحر". وهذا الحديث لا يُعلم رواه عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد إلا حماد بن سلمة. ص: بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن المنذر بن عبيد المدني حدثه، أن أبا صالح حدثه، سمع أبا هريرة يخبر، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: إسناده صحيح، والمنذر بن عبيد المدني وثقه ابن حبان، وأبو صالح ذكوان الزيات روى له الجماعة. وأخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده" أنا عمرو بن الحارث، عن المنذر بن عبيد المدني، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ نهى عن صيامين: يوم الفطر، ويوم الأضحى". وأخرج البخاري (٣): عن إبراهيم بن موسى، عن هشام، عن ابن جريج، عن

стр. 5055

عمرو بن دينار، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة قال: "ينهى عن صيامين وبيعتين الفطر والنحر، الملامسة والمنابذة". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، عن الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي ﵇ مثله. ش: سعيد بن عامر الضبعي شيخ أحمد روى له الجماعة، والربيع بن صبيح -بفتح الصاد- السعدي البصري، قال أحمد: لا بأس به. وعن يحيى: ضعيف، وعنه ليس به بأس. روى له الترمذي وابن ماجه. ويزيد بن أبان الرقاشي البصري، ضعيف متروك الحديث، قاله النسائي وغيره، وروى له الترمذي وابن ماجه. والحديث أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١): نا موسى بن محمد، نا كهمس بن المنهال، نا سعيد بن أبي عروبة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس: "أن رسول الله ﵇: نهى عن صوم خمسة أيام من السنة: يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق". ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن رسول الله ﵇ مثله. ش: هذا طريق آخر، ورجاله كلهم رجال الصحيح، والأعرج هو عبد الرحمن ابن هرمز. وأخرجه مالك في "موطإه" (٢). وقد قلنا: إن الطحاوي أخرج أحاديث هذا الباب عن سبعة أنفس، وفي الباب عن عقبة وعبد الله بن عمر.

стр. 5056

أما حديث عقبة فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا وكيع، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﵇: "يوم عرفة ويوم الأضحى وأيام التشريق أيام أكل وشرب". وأخرجه أبو داود (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) أيضًا. وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا (٥): نا عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عُبيدة، عن نافع، عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﵇ عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى". ص: فلما كان يوم النحر خارجًا من أيام الحج التي جعل الله للمتمتع الصوم فيها بدلاً من الهدي لما قد أخرجه النبي ﵇ من الأيام التي تصام بنهيه عن صومه؛ كان كذلك أيام التشريق خارجة من أيام الحج التي جعل الله للمتمتع الصوم فيها بدلاً من الهدي لما قد أخرجها النبي ﵇[من] (٦) الأيام التي تصام بنهيه عن صومها؛ فثبت بما ذكرنا أن أيام التشريق ليس لأحد صومها في متعة ولا قران ولا إحصار ولا غير ذلك من الكفارات، ولا من التطوع، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: هذا كلام ظاهر. وقوله: "فيها" أي في أيام الحج. قوله: "لما قد أخرجه النبي ﵇" متعلق بقوله: "خارجًا" واللام للتعليل.

стр. 5057

وقوله: "بنهيه" متعلق بقوله: "أخرجه". وقوله: "كان كذلك" جواب "لما". ص: وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ ما يدل على ذلك أيضًا: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: أنا حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب: "أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب ﵁ يوم النحر فقال: يا أمير المؤمنين، إني تمتعت ولم أهد ولم أصم في العشر، فقال: سل في قومك، ثم قال: يا معيقيب أعطه شاة". أفلا ترى أن عمر ﵁ لم يقل له: فهذه أيام التشريق فصمها، فدل تركه ذلك وأمره إياه بالهدي أن أيام الحج عنده التي أمر الله المتمتع بالصوم فيها هي قبل النحر، وأن يوم النحر وما بعده من أيام التشريق ليس منها. ش: أي قد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ ما يدل على أن أيام التشريق لا تصلح لصوم المتعة والقران ونحوهما. وأخرجه عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن الحجاج بن أرطاة فيه مقال، فقال الدارقطني: لا يحتج به، وقال النسائي: ليس بالقوي. وفي "الميزان" قال: الحجاج بن أرطاة أحد الأعلام على لين فيه. وأخرجه ابن أبي شبية في "مصنفه" (١): ثنا ابن أبي زائدة، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب: "أن رجلاً أتى عمر بن الخطاب ﵁ متمتعًا قد فاته الصوم في العشر، فقال له: اذبح شاة، قال: ليس عندي، قال: سل قومك، قال: ليس هَا هنا أحد من قومي، قال: أعطه يا معيقيب ثمن شاة".

стр. 5058

قوله: "سل في قومك" أراد به سل شاة تذبحها من أحد من قومك، فلما قال له: ليس ها هنا أحد من قومي، قال: "يا معيقيب أعطه شاة" وهو معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، أسلم قديمًا بمكة، وهاجر إلى الحبشة، الهجرة الثانية، ثم هاجر إلى المدينة، وكان على خاتم النبي ﵇، ثم استعمله عمر بن الخطاب خازنا على بيت المال، وأصابه الجذام، وأحضر له عمر الأطباء فعالجوه فوقف المرض، وهو الذي سقط من يده خاتم النبي ﵇ أمام عثمان ﵁ في بئر أريس فلم يوجد، ومنذ سقط الخاتم اختلفت الكلمة، توفي معيقيب في سنة أربعين من الهجرة ﵁. قوله: "أولاً ترى ... " إلى آخره، توضيح لما قاله من قبل أن أيام التشريق لا تصلح للصيام مطلقًا. ***

стр. 5059

ص: باب: حكم المحصر بالحج ش: أي هذا باب في بيان حكم المحصر بالحج، والمحصَر بفتح الصاد، من أحصره المرض أو السلطان أو العدو إذا منعه عن مقصده، والإِحصار: المنع والحبس، وحصره: إذا حبسه فهو محصور، وقال القاضي إسماعيل: الظاهر أن الإِحصار بالمرض والحمر بالعدو، ومنه: "فلما حصر رسول الله ﵇". وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ (١) وأصل الإِحصار: المنع، والحصور: الممنوع من النساء إما علة أو طبعًا بمعنى محصور. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: ثنا الحجاج الصواف، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج ابن عمرو الأنصاري، قال: سمعت النبي ﵇ يقول: "من عرج أو كسر فقد حل وعليه حجة أخرى، قال: فحدثت بذلك ابن عباس وأبا هريرة ﵃ فقالا صدق". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن الحجاج الصواف ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يذكر ذكر عكرمة ذلك لابن عباس وأبي هريرة. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يحيى [بن] (٢) صالح الوحاظي، قال: ثنا معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، قال: قال عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، أنه قال: سألت الحجاج بن عمرو عمن حُبس وهو محرم، فقال: قال رسول الله ﵇ ... فذكر مثله "فحدثت بذلك ابن عباس وأبا هريرة، فقالا: صدق".

стр. 5060

ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري شيخ البخاري، عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف أبي الصلت الكندي البصري، واسم أبي عثمان ميسرة، قال أحمد: ثقة شيخ. روى له الجماعة. عن يحيى بن أبي كثير روى له الجماعة، عن عكرمة مولى ابن عباس روى له الجماعة مسلم مقرونًا بغيره، عن الحجاج بن عمرو بن غزية الأنصاري الخزرجي. وأخرجه الترمذي (١): نا إسحاق بن منصور، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا حجاج الصواف، قال: ثنا يحيى بن كثير، عن عكرمة، قال: حدثني الحجاج بن عمرو قال: قال رسول الله ﵇: "من كسر أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى، فذكرت ذلك لأبي هريرة وابن عباس فقالا: صدق". ونا إسحاق بن منصور، قال: أنا محمد بن عبد الأنصاري، عن الحجاج ... مثله، وقال: سمعت رسول الله ﵇ يقول، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن الحجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢): نا مسدد، قال: نا يحيى، عن حجاج الصواف، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، قال: سمعت الحجاج بن عمرو الأنصاري، قال: قال رسول الله ﵇: "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل".

стр. 5061

والنسائي (١): أخبرني حميد بن مسعدة البصري، ثنا سفيان وهو ابن حبيب، عن الحجاج الصواف ... إلى آخره، نحوه. وابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن سعيد، وابن علية، عن حجاج بن أبي عثمان ... إلى آخره نحوه. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن صالح الوحاظي شيخ البخاري، عن معاوية بن سلام بن أبي سلام الحبشي الأسود، عن يحيى بن أبي كثير ... إلى آخره. وأخرجه الترمذي (٣): نا عبد بن حميد، نا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن عبد الله بن رافع، عن الحجاج بن عمرو، عن النبي ﵇ نحوه. قوله: "عرج" بفتح الراء يعرج من باب: نَصَرَ يَنْصُرُ، إذا أصابه شيء في رجله فعرج ومشى مشية العُرْجَان، وليس بخلقة، فإذا كان ذلك خلقه يقال: "عَرِجَ" بكسر الراء، وقال ابن الأثير: عَرَجَ يَعْرُجُ عَرَجانًا إذا غمز من شيء أصابه، وعَرَجَ يَعْرُجُ إذا صار أعرج وكان خلقة فيه. قلت: الأول من باب نَصَرَ يَنْصُرُ، والثاني: من باب عَلِمَ يَعْلَمُ. قوله: "فقد حل" معناه جاز له أن يحل كما يقال: حلت المرأة للزوج يعني جاز لها أن تتزوج، وليس المعنى وقوع الإِحلال بنفس عروض هذه الأشياء. قوله: "وعليه حجة أخرى" أي من قابل. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن المحرم بالحج أو بالعمرة إذا كسر

стр. 5062

أو عرج فقد حل حينئذ، وعليه قضاء ما حل منه إن كانت حجة فحجة، وإن كانت عمرة فعمرة، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا ثور، وداود بن علي وأصحابه، فإنهم قالوا: المحرم بالحج أو بالعمرة إذا كسر أو عرج فقد حل من ساعته، وليس عليه هدي قال أبو عمر: أبو ثور يقول بظاهر [حديث] (١) الحجاج بن عمرو، ولم يقل أحد: إنه بنفس الكسر يكون حلالاً غير أبي ثور، وتابعه داود بن علي وأصحابه. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يحل حتى ينحر عنه الهدي، فإذا نحر عنه الهدي حل. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جماهير العلماء من التابعين وغيرهم، منهم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ فإنهم قالوا: المحصر لا يحل حتى ينحر عنه الهدي، فإذا نحر عنه الهدي حل. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن عمر بن عبد الله بن الرومي، قال: ثنا محمد بن الثور، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة: "أن رسول الله ﵇ نحر يوم الحديبية قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك". ش: أي واحتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث المسور بن مخرمة. أخرجه عن محمد بن خزيمة، عن محمد بن عمر بن عبد الله الرومي شيخ البخاري في غير الصحيح، ضعفه أبو داود، عن محمد بن الثور الصنعاني، وثقه النسائي ويحيى، وروى له أبو داود والنسائي، عن معمر بن راشد روى له الجماعة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن المسور بن مخرمة ابن نوفل الزهري له ولأبيه صحبة.

стр. 5063

وأخرجه البخاري (١): من حديث معمر، عن الزهري. والطبراني (٢): عن إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، قالا: "خرج رسول الله ﵇ زمن الحديبية في بضع عشرة من أصحابه ... ". الحديث بطوله، وفيه: "قال: قوموا فانحروا ثم احلقوا ... ". وفيه أيضًا: "نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا". وقد دل هذا الحديث على أن المحصر لا يحل بمجرد ما عرض له من أمور الإِحصار، وإنما يحل بنحر الهدي، وفيه دلالة على أن الحلق للمحصر بعد النحر. ص: حدثنا محمد بن عمرو بن تمام، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني ميمون بن يحيى، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، قال: سمعت نافعًا مولى ابن عمر ﵄ يقول: قال ابن عمر: "إذا عرض للمحرم عدو فإنه يحل حينئذ؛ فقد فعل ذلك رسول الله ﵇ حين حبسته كفار قريش في عمرته عن البيت، فنحر هديه وحلق وحل هو وأصحابه، ثم رجعوا حتى اعتمروا من العام المقبل". فلما كان رسول الله ﵇ لم يحل في عمرته بحصر العدو إياه حتى نحر الهدي؛ دل ذلك أن كذلك المحصر لا يحل بالإِحصار حتى ينحر الهدي. ش: إسناده صحيح، ويحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المصري شيخ البخاري، وميمون بن يحيى بن مسلم بن الأشج مولى بني زهرة، ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه، ومخرمة بن بكير أبو المسور المدني من رجال مسلم، وأبوه بكير بن عبد الله ابن الأشج روى له الجماعة.

стр. 5064

وأخرج البيهقي (١): من حديث نافع، عن ابن عمر قال: "خرجنا مع رسول الله ﵇ معتمرين، فحال كفار قريش دون البيت، فنحر رسول الله ﵇ هديه وحلق رأسه ثم رجع". وأخرجه البخاري (٢): من حديث جويرية ومن حديث فليح، عن نافع. قوله: "فإنه يحل حينئذ" يعني يجوز له أن يحل، وليس معناه أنه يحل بنفس الإِحصار كما قد ذكرناه؛ والدليل عليه أنه ﵇ لم يحل من عمرته حين أحصر بالعدو حتى نحر هديه، فدل ذلك أن كل محصر لا يحل بالإِحصار حتى ينحر هديه. ص: وليس فيما رويناه أولاً خلاف لهذا عندنا؛ لأن قول رسول الله ﵇: "من كسر أو عرج فقد حل". قد يحتمل أن يكون: فقد حل له أن يحل لا على أنه قد حل بذلك من إحرامه، ويكون هذا كما يقال: قد حلت فلانة للرجال إذا خرجت من عدة عليها من زوج قد كان لها، ليس على معنى أنها قد حلت لهم فيكون لهم وطئها، ولكني على معنى أنه قد حل لهم أن يتزوجوها تزويجًا يحل لهم وطئها، هذا كلام جائز مستساغ. ش: هذا جواب عن سؤال مقدر، تقديره أن يقال: كيف تقولون: إن المحصر لا يحل بنفس الإِحصار وأنه لا يحل حتى ينحر الهدي وتحتجون بحديث المسور وابن عمر، والحال أن حديث الحجاج بن عمرو يعارض هذا ويخالفه ورد ما ذهبتم إليه؟ وتقرير الجواب: أن معنى هذا الحديث لا يخالف ما روى المسور وابن عمر، وأن معنى قوله: "من كسر أو عرج فقد حل" أي فقد حل له أن يحل، أي الإِحلال صار له حلالًا، وليس المعنى أنه قد حل بذلك من إحرامه حينئذ، ولهذا الكلام نظائر منها: ما ذكره من قوله: "ويكون هذا كما يقال: قد حلت فلانة ... إلى آخره" وهو ظاهر لا يدفع.

стр. 5065

ومنها: قوله ﵇: "إذا أقبل الليل من هَا هنا وأدبر النهار من هَا هنا فقد أفطر الصائم". ومعناه حل له الإِفطار، وليس معناه صار مفطرًا في ذلك الوقت. ومنها: قولهم: من زار فلانًا فقد أكرم، يعني يستحق الإِكرام في المستقبل، وليس معناه أنه صار مكرمًا في ساعة الزيارة، وأمثال هذا كثيرة لا تدفع، أشار إليه بقوله: "هذا كلام جائز مستساغ". ص: فلما كان هذا الحديث قد احتمل ما ذكرنا، وجاء عن رسول الله ﵇ في حديث عروة عن المسور ما قد وصفنا، قد ثبت بذلك هذا التأويل، وقد بين الله ذلك في كتابه بقوله : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) فلما أمر الله المحصر أن لا يحلق رأسه حتى يبلغ الهدي محله؛ عُلِمَ بذلك أنه لا يحل المحصر من إحرامه إلا في وقت ما يحل له حلق رأسه، فهذا قد دل عليه قول الله تعالى، ثم فِعْلُ رسول الله ﵇ زمن الحديبية. ش: أراد به حديث الحجاج بن عمرو، والواو في "وجاء" للحال. قوله: "وقد بين الله ذلك" أي التأويل الذي ذكرناه، بيانه: أن الله أمر المحصر أنه لا يحلق رأسه حتى يبلغ الهدي محله؛ فاقتضى ذلك أن لا يحل المحصر من إحرامه إلا في الوقت الذي يحل له حلق رأسه، وحلق رأسه لا يكون إلاَّ بعد نحر الهدي. قوله: "ثم فعل الرسول ﵇" أي ثم بين التأويل المذكور فعل الرسول ﵇ زمن الحديبية، فإنه لم يحل حتى نحر ثم حلق، فدل ذلك أيضًا على أن معنى قوله ﵇ في حديث الحجاج: "فقد حل" أي حل له أن يحل، لا أنه حل بمجرد الإِحصار. ص: والدليل على صحة هذا التأويل أيضًا: أن حديث الحجاج بن عمرو قد ذكر عكرمة أنه حدثه ابن عباس وأبا هريرة فقالا: "صدق" فصار ذلك الحديث

стр. 5066

عن ابن عباس وعن أبي هريرة أيضًا، وقد قال عبد الله بن عباس في المحصر ما قد وافق التأويل الذي صرفنا إليه حديث الحجاج ودل عليه: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ (١) ثم قال: إذا أحصر الرجل بعث بالهدي ﴿ولاتَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١) فصيام ثلاثة أيام، فإن عجل فحلق قبل أن يبلغ الهدي محله فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك، صام ثلاثة أيام، أو يتصدق على ستة مساكين كل مسكين نصف صاع، والنسك شاة، فإذا أمن مما كان به ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ فإن مضى على وجهه ذلك فعليه حجة، وإذا أخر العمرة إلى قابل فعليه حجة وعمرة ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجّ﴾ (١) آخرها يوم عرفة، ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (١) قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال: هذا قول ابن عباس، وعقد ثلاثين. حدثنا أبو شريح محمد بن زكريا بن يحيى، قال: ثنا الفريابي، قال: ثنا سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: "أنه قال في قول الله ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ (١) قال: من حبس أو مرض، قال إبراهيم: فحدثت به سعيد بن جبير، فقال: هكذا قال ابن عباس". فهذا ابن عباس لم يجعله يحل من إحرامه بالإحصار حتى ينحر عنه الهدي، وقد روى عن النبي ﵇ أنه قال: "من كسر أو عرج فقد حل". فدل ذلك أن معنى "فقد حل" [عنده أي] (٢) له أن يحل، على ما ذهبنا إليه في ذلك.

стр. 5067

ش: بيان هذا الكلام هو: أن حديث الحجاج بن عمرو كما ينسب إليه لكونه قد رواه، فكذلك ينسب إلى ابن عباس أيضًا لكونه قد قال: "صدق" حين سأله عكرمة عن هذا الحديث بعد أن سمعه من الحجاج، فصار في الحقيقة بتصديقه إياه راويًا لهذا الحديث كالحجاج، فإذا كان الأمر كذلك فقد قال ابن عباس في المحصر ما وافق التأويل المذكور في حديث الحجاج، فدل ذلك أن معنى "فقد حل": حل له أن يحل؛ لأنه لو لم يكن معناه هكذا عند ابن عباس في حديثه الذي رواه الحجاج؛ لم يقل بما قال ما يوافق التأويل المذكور. ثم إنه أخرج هذا من طريقين صحيحين: الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس. والكل رجال الصحيح ما خلا يزيد. الثاني: عن أبي شريح محمد بن زكريا بن يحيى بن صالح القضاعي، عن محمد ابن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم بن علقمة. وهؤلاء كلهم رجال الصحيح ما خلا أبا شريح. وأخرج ابن أبي شبية في "مصنفه" (١): ثنا أبو خالد الأحمر، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: "إذا أهل الرجل بالحج فأحصر فليبعث بهديه، فإن مضى جعله عمرة، وعليه الحج من قابل ولا هدي عليه، وإن هو أخر ذلك حتى يحج فعليه حجة وعمرة وما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج أخرها يوم عرفة".

стр. 5068

ثنا أبو خالد الأحمر (١)، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: سألني عن ذلك سعيد ابن جبير فأخبرته فقال بيده هكذا أو عقد ثلاثين هكذا قال ابن عباس". قوله: "وقد روى عن النبي ﵇" الواو فيه للحال، وإنما قال: روى يعني ابن عباس، عن النبي ﵇ باعتبار أنه صار راويًا للحديث المذكور بتصديقه الحجاج بن عمرو كما ذكرنا. ص: وقد روي ذلك أيضًا عن غير ابن عباس من أصحاب رسول الله ﵇: حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد بن شداد العبدي صاحب محمد بن الحسن، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: "لدغ صاحب لنا بذات التنانير وهو محرم بعمرة فشق [ذلك] (٢) علينا، فلقينا عبد الله بن مسعود، فذكرنا له أمره، فقال: يبعث بهدي ويواعد أصحابه موعدًا فإذا نحر عنه حل". حدثنا فهد، قال: ثنا عليّ، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قال عبد الله: "ثم عليه عمرة بعد ذلك". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا أبو عوانة، عن سليمان الأعمش ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت إبراهيم يحدث، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "أهل رجل من النخع بعمرة يقال له: عمير بن سعيد، فلدغ فينا، فبينا هو صريع في الطريق إذا طلع عليهم ركب فيهم ابن مسعود ﵁ فسألوه، فقال: ابعثوا بالهدي، واجعلوا بينكم وبينه يوم

стр. 5069

أمارة، فإذا كان ذلك فليحل" قال الحكم: وقال عمارة بن عميرر-وكان حسبك به- عن عبد الرحمن بن يزيد، أن ابن مسعود قال: "وعليه العمرة من قابل". قال شعبة: وسمعت سليمان حدث به مثل ما حدث الحكم سواء. ش: أي قد روي أيضًا ما ذكرنا من أن المحصر لا يحل إلاَّ بنحر الهدي عن غير عبد الله بن عباس من الصحابة ﵃ بينهم عبد الله بن مسعود، فإنه روي عنه أنه أمر لذلك الملدوغ أن يبعث بهدي، ويواعد أصحابه يومًا بعينه يذبح فيه، فإذا ذبح عنه في ذلك اليوم حل. وأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد، عن جرير ... إلى آخره. قوله: "لُدغ" على صيغة المجهول من اللدغ، وهو اللسع يقال: لدغته العقرب تلدغه لدغًا وتلداغًا فهو ملدوغ ولديغ، ولسعته العقرب والحية تلسعه لسعًا. قوله: "بذات التنانير" بالتاء المثناة من فوق والنون وبعد الألف نون أخرى مكسورة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة، وفي آخرها راء، وهي عقبة بحذاء زبالة قال الراعي يصف السحاب: فلما علا ذات التنانير (صَوْبَهُ) (١) ... تكشف عن برق قليل صواعقه وفي "العباب": ذات التنانير عقبة بحذاء زبالة وقيل: مُعْشًى بين زبالة والشقوق، وهو وادٍ شجير فيه مزدرع تدعيه بنو سلامة وبنو غاضرة، وفي هذا الموضع بركة، ثم أنشد البيت المذكور، وذكره في باب "تنر" فيما آخره راء مهملة، وقد ضبط بعضهم في الكتاب بالنون في آخره "ذات التنانين" وهو تصحيف.

стр. 5070

الطريق الثاني: عن فهد أيضاً، عن علي بن معبد أيضًا، عن جرير بن عبد الحميد أيضًا، عن سليمان الأعمش، عن عمارة بن عمير الكوفي التيمي، عن عبد الرحمن ابن يزيد بن قيس النخعي ... إلى آخره. قوله: "ثم عليه عمرة" أي قضاء عن تلك العمرة التي أحصر عنها، وهذا يدل على أن الإِحصار كما يكون عن الحج يكون عن العمرة أيضًا، وهو مذهب عامة العلماء، وسيجيء الكلام فيه إن شاء الله تعالى. الثالث: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن الأعمش ... إلى آخره. الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة بن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي ... إلى آخره. وأخرج بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة ابن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "خرجنا عُمّارًا حتى إذا [كنا] (٢) بذات الشقوق ولدغ صاحب لنا، فاعترضنا الطريق نسأل ما نصنع به، فإذا ابن مسعود في ركب، فقلنا: لدغ صاحب لنا، فقال: اجعلوا بينكم وبين صاحبكم يوم أمارة، وليرسل بالهدي، فإذا نحر الهدي فليحل وعليه عمرة". وأخرج البيهقي في "سننه الكبرى" (٣): من حديث أبان بن تغلب، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن ابن مسعود، في الذي لدغ وهو محرم بالعمرة فأحصر، فقال عبد الله: "ابعثوا بالهدي، واجعلوا بينكم وبينه يوم أمارة، فإذا ذبح الهدي بمكة حل هذا".

стр. 5071

ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر أنه قال: "المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة، وإن اضطر إلى شيء من لبس الثياب التي لا بد له منها، والدواء، صنع ذلك وافتدى". فقد ثبت بهذه الروايات أيضًا عن أصحاب رسول الله ﵇ ما يوافق ما تأولنا عليه حديث الحجاج اللي ذكرنا. ش: رجاله كلهم رجال الصحيح، وأخرجه مالك في "موطإه" (١). قوله: "لا يحل حتى يطوف بالبيت" هو قول ابن عمر وابن عباس وعائشة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال ابن مسعود: يبعث بهدي ويواعد صاحبه يوم نحره فإذا ذبح في ذلك اليوم حل قبل أن يصل هو إلى البيت، وروي مثله عن زيد بن ثابت، وهو قول جمهور أهل العراق، وقول أبي حنيفة وأصحابه، وقاله عطاء بن أبي رباح أيضًا. قوله: "فقد ثبت بهذه الروايات" أشار بها إلى رواية ابن عباس وابن مسعود وابن عمر ﵃، فإن الروايات عنهم كلها تدل على أن المحصر لا يحل إلا بنحر الهدي، وهي تؤيد ما ذكره من التأويل في حديث الحجاج بن عمرو. والله أعلم. ص: ثم اختلف الناس بعد هذا في الإِحصار الذي هذا حكمه، بأي شيء هو، وبأي معنى يكون؟ فقال قوم: يكون بكل حابس يحبسه من مرض أو غيره، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وقد روينا ذلك أيضًا فيما تقدم من هذا الباب عن ابن مسعود وابن عباس ﵃. ش: أي بعد أن ثبت أن المحصر لا يحل إلا بنحر الهدي؛ اختلف الناس في الإِحصار بأي شيء يكون، وبأي معنى يكون؟ فقال قوم وهم عطاء بن أبي رباح

стр. 5072

وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري: يكون الإِحصار بكل حابس، أي بكل شيء يحبس المحرم من مرض، أو غيره من عدو وكسر وذهاب نفقه ونحوها مما يمنعه عن المضي إلى البيت وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر أيضًا، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت ﵃. وقال الجصاص في "كتاب الأحكام": وقد اختلف السلف في حكم المحصر على ثلاثة أنحاء: روي عن ابن عباس وابن مسعود: العدو و [المرض] (١) سواء، يبعث [بدم] (٢) ويحل به إذا نحر في الحرم، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر الثوري. والثاني: قول ابن عمر: أن المريض لا يحل ولا يكون محصرًا إلا بالعدو، وهو قول مالك والليث والشافعي. والثالث: قول ابن الزبير وعروة بن الزبير: أن [المرض] (١) والعدو سواء؛ لا يحل إلاَّ بالطواف، ولا نعلم لها موافقًا من فقهاء الأمصار. ص: وقال آخرون: لا يكون الإحصار الذي وصفنا حكمه ما وصفنا إلاَّ بالعدو خاصة، ولا يكون بالأمراض، وهو قول ابن عمر: حدثنا محمد بن زكريا أبو شريح، قال: ثنا الفريابي، قال: سفيان الثوري، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: "لا يكون الإِحصار إلا من عدو". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه أنه قال: "من حبس دون البيت بمرض، فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت وبين الصفا والمروة". ش: أي قال جماعة آخرون، وأراد بهم: الليث بن سعد ومالكًا والشافعي وأحمد

стр. 5073

وإسحاق، فإنهم قالوا: لا يكون الإِحصار إلا بالعدو خاصة، ولا يكون بالمرض، وهو قول عبد الله بن عمر وبين ذلك بما أخرجه عنه من طريقين صحيحين: أحدهما: عن أبي شريح القضاعي، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري ... إلى آخره. والآخر: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر. وأخرجه مالك في "موطإه" (١) وفي "شرح الموطأ": مذهب مالك والشافعي: أن المحصر بالمرض لا يحل دون البيت، وسواءٌ عند مالك شرط عند إحرامه التحلل للمرض أو لم يشترط، وقال الشافعي: له شرطه. وقال أبو عمر: الإِحصار عند أهل العلم على وجوه: منها المحصر بالعدو، ومنها بالسلطان الجائر، ومنها بالمرض وشبهه، فقال مالك والشافعي وأصحابهما: من أحصره المرض فلا يحله إلا الطواف بالبيت، ومن حصر بعدو فإنه ينحر هديه حيث حصر، ويتحلل وينصرف ولا قضاء عليه، إلاَّ أن يكون ضرورة؛ فيحج الفريضة، ولا خلاف بين الشافعي ومالك وأصحابهما في ذلك، وقال ابن وهب وغيره: كل من حبس عن الحج بعدما يحرم بمرض، أو حصار من العدو، أو خاف عليه الهلاك، فهو محصر، عليه ما على المحصر، ولا يحل دون البيت، وكذلك من أصابه كسر أو بطن متحرق، وقال مالك: أهل مكة في ذلك كأهل الأفاق؛ لأن الإِحصار عنده في المكي: الحبس عن عرفة خاصة، قال: فإن احتاج المريض إلى دواء تداوى به وافتدى، وهو على إحرامه لا يحل من شيء منه حتى يبرأ من مرضه، فإذ برأ من مرضه مضى إلى البيت فطاف به سبعًا، وسعى بين الصفا والمروة، وحل من حجه أو عمرته، قال أبو عمر: هذا كله قول الشافعي أيضًا، وذهبا في المحصر يمرض إلى قول ابن عمر ﵄.

стр. 5074

ص: فلما وقع في هذا الاختلاف، وقد روينا عن رسول الله ﵇ من حديث الحجاج بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة ﵃ ما ذكرنا من قوله -يعني النبي ﵇: "من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى". ثبت أن الإِحصار يكون بالمرض كما يكون بالعدو؛ فهذا وجه هذا الباب من طريق تصحيح الآثار. ش: أي فلما وقع في حكم المحصر هذا الاختلاف بين العلماء من الصحابة وغيرهم، والحال أنا روينا عن النبي ﵇ ... إلى آخره، وهو ظاهر. قوله: "ثبت" جواب لقوله: "فلما". قوله: "هذا" أي ما ذكرنا من ذلك "وجه هذا الباب من طريق" التوفيق بين معاني الآثار. ص: وأما وجهه من طريق النظر: فإنا قد رأيناهم أجمعوا أن إحصار العدو يجب به للمحصر الإِحلال كما ذكرنا. واختلفوا في المرض؛ فقال قوم: حكمه حكم العدو في ذلك إذا كان قد منعه من المضي في الحج كما منعه العدو، وقال آخرون: حكمه بائن من حكم العدو فأردنا أن ننظر ما أبيح بالضرورة من العدو هل يكون مباحًا بالضرورة بالمرض أم لا؟ فوجدنا الرجل إذا كان يطيق القيام كان فرضه أن يصلي قائمًا، وإن كان يخاف إن قام أن يعاينه العدو فيقتله أو كان العدو قائمًا على رأسه فيمنعه عن القيام؛ فكل قد أجمع أنه قد حل له أن يصلي قاعدًا وسقط عنه فرض القيام. وأجمعوا أن رجلاً لو أصابه مرض أو زمانه [فمنعه] (١) ذلك من القيام؛ أنه قد سقط عنه فرض القيام وحل له أن يصلي قاعدًا، يركع ويسجد إذا أطاق ذلك، أو يومئ إن كان لا يطيق ذلك، فرأينا ما أبيح له من هذا بالضرورة في العدو قد أبيح له

стр. 5075

بالضرورة من المرض، ورأينا الرجل إذا حال العدو بينه وبين الماء سقط عنه فرض الوضوء ويتيمم ويصلي وكانت هذه الأشياء التي قد عذر فيها بالعدو قد عذر فيها أيضًا بالمرض وكانت الحال في ذلك سواء ثم رأينا المحصر بالعدو قد عذر فجعل له في ذلك أن يفعل ما جعل للمحصر أن يفعل حتى يحل، واختلفوا في المحصر بالمرض فالنظر على ما ذكرنا من ذلك أن يكون ما ذهب له من العدو بالضرورة بالعدو يجب له أيضًا بالضرورة بالمرض ويكون حكمه في ذلك سواء كما كان حكمه في ذلك أيضًا سواء في الطهارات والصلاة. ش: أي وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس. قوله: "فقال قوم" هم أبو حنيفة وأصحابه والثوري ومن قال بقولهم. قوله: "وقال آخرون" هم مالك والشافعي وأحمد ومن قال بقولهم. قوله: "حكمه بائن" أراد أن حكم من منعه المرض مخالف لحكم من منعه العدو وحاصل وجه هذا القياس أن يقال أن الحج عبادة كالصلاة ففي الصلاة يعذر المكلف بالمرض وبالعدو جميعًا، فالنظر على ذلك ينبغي أن يعذر أيضًا في الحج بالمرض والعدو، ثم اعلم أن الله تعالى قال في كتابه الكريم: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) قال الكسائي وأبو عبيدة وأكثر أهل العلم باللغة: الإِحصار المنع بالمرض أو ذهاب النفقة، والحصر حصر العدو ويقال: أحصره المرض وحصره العدو، وحكي عن الفراء أن أجاز كل واحد منهما مكان الآخر وأنكره المبرد والزجاج وقالا: وهما مختلفان في المعنى ولا يقال في المرض: حصره ولا في العدو أحصره وإنما هذا كقولهم: حبسه إذا جعله في الحبس وأحبسه أي عرضه للحبس وقتله أوقع به القتل وأقتله أي عرضه للقتل، وقبره دفنه في القبر، وأقبره عرضه للدفن في القبر، وكذلك حصره حبسه، وأحصره عرضه للحصر، وقد روى ابن أبي نجيح عن عطاء، عن ابن عباس "أن الحصر يختص بالعدو وأن المرض

стр. 5076

لا يسمى حصرًا"، وقال البخاري: قال عطاء: "الإِحصار من كل شيء يحبسه" ولما ثبت أن اسم الإِحصار يختص بالمرض، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وجب أن يكون اللفظ مستعملاً فيما هو حقيقة وهو المرض ويكون العدو داخلًا فيه بالمعنى فإن قيل: قد حكي عن الفراء فيهما لفظ الإِحصار قيل له: لو صح ذلك كانت دلالة الآية قائمة في إثباته بالمرض لأنه لم يدفع وقوع الاسم على المرض وإنما أجازه في العدو فلو وقع الاسم على الأمرين كان عمومًا فيهما موجبًا للحكم في المريض والمحصور جميعًا. فإن قيل: لم يختلف الرواة أن هذه الآية نزلت في شأن الحديبية وكان النبي ﵇ وأصحابه ﵃ ممنوعين بالعدو فأمرهم الله بهذه الآية بالإِحلال من الإِحرام فدل على أن المراد بالآية هو العدو. قيل له: لما كان سبب نزول الآية هو العدو ثم عدل عن ذكر الحصر وهو مختص بالعدو إلى الإِحصار الذي يختص بالمرض، دل على أنه أراد إفادة الحكم في المرض ليستعمل اللفظ على ظاهره، ولما أمر النبي ﵇[أصحابه] (١) بالإِحلال وحَلَّ هو، دل على أنه أراد حصر العدو من طريق المعنى لا من جهة اللفظ، فكان نزول الآية مقيدًا للحكم في الأمرين، ولو كان مراد الله تخصيص العدو بذلك دون المرض لذكر لفظًا يختص به دون غيره، ومع ذلك لو كان اسمًا للمعنيين لم يكن نزوله على سبب موجبًا للاقتصار بحكمه عليه، بل كان الواجب اعتبار عموم اللفظ دون السبب، ويدل عليه من جهة السنة حديث الحجاج بن عمرو -على ما ذكرناه- ومن جهة النظر والقياس على ما ذكره الطحاوي ﵀. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (٢) بعد قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ (٢) يدل على أن المريض غير مراد بالإِحصار؛ لأنه لو كان كذلك لما استأنف له ذكرًا مع كونه أول الخطاب.

стр. 5077

قلت: لما قال: ﴿الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) منعه الإِحلال مع وجود الإِحصار إلى وقت بلوغ الهدي محله وهو ذبحه في الحرم، فأبان عن حكم المريض قبل بلوغ الهدي محله وأباح له حلق الرأس مع إيجاب الفدية، وأيضًا ليس كل مرض يمنع الدخول إلى البيت، ألا ترى أنه ﵇ قال لكعب بن عجرة (٢): "أيؤذيك هوام رأسك؟ قال: نعم، فأنزل الله الآية". ولم يكن هوام رأسه مانعة من الدخول إلى البيت؛ فرخص الله له في الحلق، فأمر بالفدية، وكذلك المرض في الآية يجوز أن يكون المرض الذي لا يمنع الدخول إلى البيت، والله تعالى إنما جعل المرض إحصار إذا منع الوصول إلى البيت، فليس في ذكره حكم المريض بما وصف ما يمنع كون المرض إحصارًا؛ فافهم. ص: ثم اختلف الناس بعد هذا في المحرم بعمرة يحصر بعدو أو مرض؛ فقال قوم: يبعث بهدي ويواعدهم أن ينحروه عنه فإذا نحر يحل، وقال آخرون: بل يقيم على إحرامه أبدًا وليس لها وقت كوقت الحج. ش: أي ثم اختلفوا -بعد اختلافهم في الإِحصار هل يكون بالعدو وحده أو بالعدو والمرض وغيرهما- في المحرم بالعمرة إذا أحصر بعدو أو مرض، فقال قوم وأراد بهم جمهور العلماء منهم: أبو حنيفة ومالك -في رواية- والشافعي وأصحابه وأحمد وأبو يوسف ومحمد وزفر؛ فإنهم قالوا: إن المحرم بعمرة إذا أحصر فهو كالمحصر بالحج يبعث هديًا ويواعد ناسًا يذبحونه عنه، فإذا ذبح حل، ثم قال أبو حنيفة وأصحابه: عليه أن يقضيها بعد ذلك، وبه قال عكرمة والشعبي والنخعي ومجاهد. وقال الشافعي وأحمد: لا قضاء عليه؛ لأن تحلله مسقط لما وجب عليه بالدخول فيها.

стр. 5078

وفي "شرح الموطأ": وهكذا عند مالك وأكثر أصحابه، وأما ابن الماجشون فذلك عنده بمنزلة إتمامها فتجزئه عن حجة الإِسلام إن كان أرادها بها. قوله: "وقال آخرون" أي جماعة آخرون، وأراد بهم: محمد بن سيرين ومالكًا -في رواية- وبعض الظاهرية، فإنهم قالوا: لا يكون الإِحصار عن العمرة، بل يقيم على إحرامه أبدًا؛ لأنه ليس لها وقت معين يخاف فواتها. وقال أبو عمر: وقد اختلف فيمن أحصر بعمرة، فعلى قول الجمهور له أن يتحلل، وحكي عن مالك ألَّا يتحلل؛ لأنه لا يخاف الفوت. والله أعلم. ص: وكان من حجة الذين ذهبوا إلى أنه يحل منها بالهدي ما روينا عن رسول الله ﵇ في أول هذا الباب لما أحصر زمن الحديبية حصرته كفار قريش فنحر الهدي وحل ولم ينتظر أن يذهب عنه الإِحصار إذْ كان لا وقت لها كوقت الحج، ثم جعلوا العدو في الإِحصار بها كالعدو في الإِحصار بالحج، فثبت بذلك أن حكمها في الإِحصار فيهما سواء، وأنه يبعث بالهدي حتى يحل به مما أحصر به منهما، إلاَّ أن عليه في العمرة قضاء عمرة مكان عمرته، وعليه في الحجة حجة مكان حجته وعمرة لإِحلاله، وقد روينا في هذه العمرة أنه قد يكون المحرم محصرًا بها ما قد تقدم في هذا الباب عن عبد الله بن مسعود ﵁ فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. ش: أي وكان من دليل أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من أن المحرم بعمرة إذا أحصر يحل منها بالهدي ما روينا عن رسول الله ﵇، وهو ما رواه المسور بن مخرمة: "أن رسول الله نحر يوم الحديبية قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك". وقد تقدم ذكره في أول الباب، وقال الجصاص: وقد تواترت الأخبار بأن النبي ﵇ كان محرمًا بالعمرة عام الحديبية، وأنه أحل من عمرته بغير طواف، ثم قضاها في العام القابل في ذي القعدة وسميت عمرة القضاء، وقال الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) وذلك حكم عائد إليهما

стр. 5079

جميعًا، وغير جائز الاقتصار على أحدهما دون الآخر؛ لما فيه من تخصيص حكم اللفظ بغير دلالة. قوله: "إذ كان لا وقت لها يحله" إذْ: للتعليل، والضمير في لها للعمرة. قوله: "إلاَّ أن عليه في العمرة قضاء عمرة" وذلك لأجل العمرة التي دخل فيها ثم أحل عنها بالإِحصار، وإنما يجب عليه القضاء في ذلك لكون اعتمار النبي ﵇ من العام المقبل من عام الحديبية إنما كان قضاء لتلك العمرة، ولذلك لم يقل لأحد من الصحابة: عليكم قضاء هذه العمرة، ولا حفظ ذلك عنه بوجه من الوجوه، ولا قال في العام المقبل: إن عمرتي هذه قضاء عن العمرة التي أحصرت فيها، ولم ينقل ذلك عنه، فدل ذلك أن المحصر بالعمرة إذا أحل منها لا قضاء عليه. قلت: هذا الذي ذكرته كله لا يستلزم نفي وجوب القضاء، وثبت وجوب القضاء بما ذكرنا آنفًا ولقول ابن مسعود ﵁ لما استفتى في ذلك اللديغ: "يبعث بهدي ويواعد أصحابه موعدًا، فإذا نحر عنه حل ثم عليه عمرة بعد ذلك". وقد مر ذكره في هذا الباب، وكذلك قال ابن عباس؛ قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا ابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "أمر الله بالقصاص، أفيأخذ منكم العدوان؟! حجة بحجة وعمرة بعمرة". قوله: "وعليه في الحجة حجه" أي وعلى المحصر بالحج حجة من قابل لمكان حجته، وعمرة لإِحلاله قبل أوانها. وقال الشافعي: عليه حجة لا غير، واستدل بما روي عن ابن عباس الذي ذكرناه آنفًا، ولأن القضاء يكون مثل الفائت والفائت هو الحجة لا غير فيقضي الحجة وحدها.

стр. 5080

وأصحابنا استدلوا بما روي عن ابن مسعود وابن عمر ﵃ قالا في المحصر بحجة: يلزمه حجة وعمرة، وروي ذلك عن عكرمة والحسن والنخعي ومحمد بن سيرين والقاسم وسالم. قال ابن أبي شيبة (١): ثنا أبو خالد الأحمر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عكرمة قال: "إذا أهلّ الرجل بالحج فأحصر فليبعث بهديه؛ فإن مضى جعلها عمرة وعليه الحج من قابل [ولا هدي] (٢) عليه، وإن هو أخر ذلك حتى يحج فعليه حجة وعمرة وما استيسر من الهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج آخرها يوم عرفة". ثنا [هشيم] (٣)، عن يونس وحميد، عن الحسن قال: "عليه حجة وعمرة". ثئا هشيم عن مغيرة، عن إبراهيم مثله. ثنا (٤) ابن أبي عدي، عن ابن عون، عن محمد: "إذا افترض الرجل الحج فأصابه حصر فإنه يبعث بهديه، فإذا بلغ الهدي محله حل، فإذا كان عام قابل حل بالحج والعمرة". ثنا (٥) ابن أبي عدي، عن ابن عوف قال: "سألت القاسم وسالمًا عن المحصر، فقالا نحو قول محمد. وأما الجواب عن قول ابن عباس: فإنه تمسك بالسكوت وهو لا يصح؛ لأن قوله: "حجة بحجة وعمرة بعمرة" يقتضي وجوب الحجة بالحجة والعمرة بالعمرة ولا يقتضي نفي وجوب العمرة بالحجة، فكان مسكوتًا عنده، فيقف على قيام
следующие страницы →