← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني إسماعيل بن رافع ومحمدُ بن النيل، عن عبد الرحمن بن زيد الأنصاري، عن أنس بن مالك قال: "أكلت أنا وأبو طلحة وأبو أيوب الأنصاري طعاما قد مسته النار، فقمتُ لأن أتوضأ، فقالا لي: تتوضأ من الطيبات؟! لقد جئت بها عراقية". فهذا أبو طلحة وأبو أيوب قد صليا بعد أكلهما ما غيرت النار ولم يتوضئأ، وقد رويا عن رسول الله ﵇ أنه أمر بالوضوء من ذلك فيما قد روينا عنهما في هذا الباب، فهذا لا يكون عندنا إلَّا وقد ثبت نسخ ما قد روَياه عن النبي ﵇ من ذلك عندهما، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. ش: هذا وجه آخر في الحديث المذكور، يَرْويه عن إبراهيم بن أبي في أوفى، عن سعيد بن الحكم بن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي، وهو ثقة، روى له الجماعة. وإسماعيل بن رافع بن عُوَيْمر المدني، قال يحيى: ضعيف. وقال النسائي: متروك الحديث. ومحمد بن النَيْل الفهري المصري، ذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عنه، وقال الدارقطني: شيخ من أهل مصر، والنيل: بفتح النون وسكون الياء آخر الحروف كذا ضبطه الدارقطني، وقال الصاغاني في "العباب": وأبو النيل الشامي، ومحمد بن نيل الفهري من أصحاب الحديث يُقَالان بفتح النون وكسرها، ذكره في مادة النون والياء -آخر الحروف- واللام، ومَنْ ضَبطَه بالنون والباء الموحدة فقد صحّف. ويحيى بن أيوب الغافقي يَرْوي عن إسماعيل بن رافع ومحمد بن النيل هذا، وكلاهما يَرْويان عن عبد الرحمن بن زيد الأنصاري، قال أبو حاتم: ما بحديثه بأس.

стр. 562

وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن محمَّد بن راشد، قال: أخبرني عثمان بن عمرو التيمي، عن عقبة بن زيد، عن أنس بن مالك قال: "قدمت المدينة فتعشيتُ مع أبي طلحة قبل المغرب، وعنده نفر من أصحاب النبي ﵇ منهم أبي بن كعب، فحضرت المغرب، فقمت أتوضأ، فقالوا: ما هذه العراقية التي أحدثتها؛ من الطيبات تتوضأ؟! فصلوا المغرب جميعًا ولم يتوضؤا". قوله: "أنتوضأ" الهمزة فيه للاستفهام "من الطيبات" أي: من المواكيل الطيّبات. قوله: "لقد جئت بها" أي بهذه الفَعْلة يعني الوضوء مما مسته النار. قوله: "عراقية" بالنصب على الحال، من الضمير الذي في "بها". قوله: "وقد رويا" جملة وقعت حالا، أي والحال أنهما -أي أبا طلحة وأبا أيوب- قد رَوَيَا عن رسول الله ﵇ أنه أَمَر بالوضوء مما مَسّته النار، أما حديث أبي طلحة فهو ما رواه في أول الباب: "أنه ﵇ أكل ثوْرَ أقطٍ فتوضأ منه" (٢). وأما حديث أبي أيوب فهو ما رواه النسائي في "سننه" (٣): وقال: أخبرنا عَمرو بن علي ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن عبد الله بن عمرو، قال حدثني محمَّد القاري، عن أبي أيوب قال: قال النبي ﵇: "توضئوا مما غيرت النار". والطحاوي لم يَرو حديث أبي أيوب في هذا الكتاب، وإنما رواه في غيره، ولكن في هذا الباب -يعني باب حكم ما مّسته النار- فلذلك قال: فيما قد روينا عنهما في هذا الباب. قوله: "فهذا لا يكون عندنا ... " إلى آخره إشارة إلى بيان وجه النسخ، وذلك لأن الصحابي إذا روى شيئًا ثم عمل أو أفتى بخلافه يدلّ ذلك على أنه قد ثبت النسخ عنده فيما رواه لأنا لا نظن بالصحابة إلَّا كل خير.

стр. 563

ص: وأما وجهه من طريق النظر: فإنا قد رأينا هذه الأشياء التي قد اختلف في أكلها أنه ينقض الوضوء أم لا إذا مستها النار، فقد أجمع كلٌ أن أكلها قبل مُمَاسَّةِ النار إياها لا يَنقُض الوضوءَ، فأردنا أن نَنظُرَ، هل للنار حكمٌ يجب في الأشياء إذا ماستها فَيُنُقَل به حكمُها إليها؟ فرأينا الماء القَراح تُؤدَّى به الفروض، ثم رأيناه إذا سُخِّنَ فصار مما قد مَسّته النار أن حكمه في طهارته على ما كان عليه قبل مماسة النار إياه، وأنَّ النار لَمْ تُحْدِثُ فيه حكمًا يَنتقلُ به حكمُه إلى غير ما كان عليه في البدْء، فلما كان ما وصَفْنا كذلك كان في النظر أن الطعام الطاهرَ الذي لا يكون أكله قبل أن تمسه النار حدثا؛ إذا مسَّته النارُ لا تَنقله عن حاله فلا يُغيَّر حكمَه، ويكون حكمه بعد مَسِيس النار إياه كحكمه قبل ذلك، قياسا ونظرا على ما بَيّنا، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، ﵏. ش: بَنَى هذا القياس على مقدمتين مُسلمتين: الأولى: أن كل الطعام قبل مماسة النار إياه لا ينقض الوضوء بلا خلاف. والثانية: أن الماء القراح الطاهر إذا سخن بالنار لا تُحدث فيه النار شيئا، ولا تُغير حكمه عما كان عليه، فالنظر عليه كون الطعام كذلك بعد مماسة النار إياه، أنها لم تُحدث فيه شيئًا ولم تغير حكمه عما كان عليه. فإن قلت: كيف تقول إن النار لم تحدث فيه شيئًا، فإنه قبل مماسة النار إياه يُسمّى: نيّا، وبعدها يسمى نضيجا، أليس هذا إحداث؟ قلت: هذا الإحداث لا يضرنا شيئا؛ لأن المراد إحداث أمر شرعيّ متعلق به الحكم، وهذا ليس بأمر شرعي؛ لأن الطعام يباح كله قبل مسّ النار وبعده، وإنما يمنع أكل بعض الطعام قبل مسّ النار من جهة الطب لا من جهة الشرع، والنار لا تحل شيئًا ولا تحرّمه، وإنما تأتي بلذة المطعوم وتزيده طيبا، ألا ترى إلى قول ابن عباس ﵁: "إنما النار بركة الله، وما تُحِلّ من شيء ولا تحرّمه، ولا وضوء مما مسّته النارُ، ولا وضوء مما دخل، إنما الوضوء مما خرج من الإنسان".

стр. 564

رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن ابن جريج، عن عطاء عنه. وأخرجه عنه أيضًا (٢): أنه قال: "ما زاده النار إلَّا طيبا، ولو لم تمسّه النار لم تأكله". قوله: "الماء القراح" بفتح القاف، وهو الماء الخالص الذي لا يَشُوبه شيء، ومنه سُمّيت المزرعة التي ليس عليها بناء ولا شجر قراحا، والجمع أقرحة. قوله: "في البدءْ" أي في الابتداء. ص: وقد فرق قومٌ بين لحوم الغنم ولحوم الإبل، فأوجبوا في أكل لحوم الإبل الوضوءَ ولم يوجبوا ذلك في لحوم الغنم. ش: أراد بالقوم هؤلاء: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، ويحي بن يحيى وآخرين. وفي "المغني": أكل لحم الإبل ينقض الوضوء على كل حال، نيّا ومطبوخا و (مشويّا) (٣) عالمًا كان أو جاهلا، وبهذا قال جابر بن سمرة، ومحمد بن إسحاق، وإسحاق بن راهوية، وأبو خيْثمة، ويحيى بن يحيى، وابن المنذر. وقال الخطابيّ: ذهب إلى هذا عامّة أصحاب الحديث. وقال ابن حزم فى "المحلى" (٤): وكل لحوم الإبل عمدًا -يعني ينقض الوضوء- نيَّة ومطبوخة ومشويّة، وهو يدري أنه جمل أو ناقة. ولا يُنتَقض الوضوء بأكل شحومها محضة، ولا أكل شيء منها غير لحمها، فإن كان يقع على بطونها ورءوسها وأرجلها اسم لحم عند العرب؛ نقض أكلها الوضوء وإلَّا فلا، ولا ينقض الوضوءَ كل شيء مَسته النارُ غير ذلك، وبهذا يقول أبو موسى الأشعري وجابر بن سمرة،

стр. 565

ومن الفقهاء: أبو خيْثمة زهير بن حرب، ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكرة، قال: نا مُؤمل بن إسماعيل، قال: نا سفيان، قال: نا سماك، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة قال: "سئل رسول الله ﵇: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. قيل: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا". ش: أي احتج هؤلاء القوم في وجوب الوضوء من أكل لحم الإبل، وعدمه من أكل لحم الغنم. بحديث جابر بن سمرة هذا، ورجاله ثقات، والحديث صحيح، وقال ابن مّندة: حديث جابر بن سمرة صحيح، وكذا قال البيهقي. وأخرجه مسلم (١) أيضًا: نا أبو كامل الجحدري، ثنا أبو عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة: "أن رجلًا سأل رسول الله ﵇ أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ. قال: أأتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم؛ فتوضَأْ من لحوم الإبل. قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا". وأخرجه ابن ماجه (٢): نا محمَّد بن بشار، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا زائدة وإسرائيل، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، قال: "أمرنا رسول الله ﵇ أن نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم". ص: حدثنا علي بن مَعبد، قال: نا معاوية أبي عَمرو، قال: نا زائدة، عن سماك بن حرب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جده جابر، عن النبي ﵇ نحوه. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح على شرط مسلم.

стр. 566

قوله: "عن جدّه" قيل: من قبل أمّه، وقيل: من قبل أبيه. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): نا يوسف القاضي، نا سليمان بن حرب، نا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن جعفر بن أبي ثور بن جابر بن سمرة، عن جده جابر بن سمرة: "أن رجلًا قال: يا رسول الله، أتوضأ من لحوم (من لحوم) (٢) الغنم؟ قال: إن شئت فعلت وإن شئت لم تفعل. قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبَات الغنم؟ قال: نعم. قال: أصلي في مبَات الإبل؟ قال: لا". ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا الحجاج، نا حماد، عن سماك بن حرب، عن جعفر، عن جده جابر بن سمرة: أن رجلًا قال: يا رسول الله، أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فعلت وإن شئت لم تفعل. قال: يا رسول الله، أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): نا بهز، نا حماد، عن سماك .... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا أبو عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موْهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وأبو عوانة الوضاح اليشكري. وأخرجه مسلم (٤) من هذا الطريق كما ذكرنا.

стр. 567

وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١) أيضًا: نا معاذ بن المثنى، نا مسدد. ح ونا طالب بن قرة الأذني، نا محمَّد بن عيسى بن الطباع. ح ونا أبو حصين القاضي، نا يحيى الحماني، قالوا: نا أبو عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر قال: "كنت جالسا عند رسول الله ﵇ فَسُئِل: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ فقال: نعم، فتوضئوا من لحوم الإبل. فقالوا: نصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا. [قالوا] (٢): أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ. [قالوا]: نصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم". واحتج هؤلاء القوم بحديث جابر بن سمرة فيما ذهبوا إليه. وقال ابن قدامة في "المغني": ولنا في هذا الباب حديث جابر بن سمرة وحديث البراء. وقد قال أحمد: فيه حديثان صحيحان عن النبي ﵇ حديث البراء وحديث جابر بن سمرة. وكذلك قال إسحاق. وحديثهم لا أصل له إنما هو قول ابن عباس. قلت: أراد به ما استدل به الحنفية والشافعية والمالكية من حديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﵇ أنه قال: "الوضوء مما يخرج لا مما يدخل". ثم قال: فإن قيل: الوضوء ها هنا غسل اليد؛ لأن الوضوء إذا أضيف إلى الطعام اقتضي غسل اليد كما كان ﵇ يأمر بالوضوء قبل الطعام وبعده. وخص ذلك بلحوم الإبل لأن فيه من الحرارة والزهومة ما ليس في لحوم الغنم؛ قلنا: هذا فاسد؛ فإنه نوع تأويل يخالف الظاهر من وجوه أربعة: أحدها: أنهم حملوا الأمر على الاستحباب، ومقتضاه الوجوب. والثاني: أنهم حملوا الوضوء على غير موضوعه في الشرع، ولفظ الشارع عند الإطلاق إنما يحمل على الموضوعات الشرعية.

стр. 568

الثالث: أنهم جمعوا بين ما نهى النبي ﵇ عنه وبين ما أمر به، فإن النبي ﵇ أمر بالوضوء من لحوم الإبل، ونهى عن الوضوء من لحوم الغنم، ومتى حُمل الأمر على استحباب غسل اليد فهي مستحبة فيهما جميعًا بدليل الحديث الذي رووه. الرابع: أن السائل سأل عن الوضوء من لحومها والصلاة في مباركها، والوضوء المقرون بالصلاة لا يفهم منه غير المشروع لها، ومخالفة هذه الظواهر كلها لا يجوز بمثل هذا التأويل الضعيف الذي ليس له أصل، وَمِنَ العجب أن مخالفينا أوجبوا الوضوء فيما يخالف القياس بأحاديث ضعيفة، فبعضهم أوجبه بالقهقهة في الصلاة، والخارج من غير السبيل، وبعضهم أوجبه من لمس الذكر بحديث مختلف فيه لا يقارب هذه الأحاديث في الصحة، والتأويل فيه أسهل من التأويل ها هنا، وقد عارضه حديث قيس بن طلق، وقد قال أحمد: ما أعلم به بأسا. وقال: الوضوء من أكل لحم الجزور أقوى من الوضوء من مس الفرج؛ لصحة الحديث فيه، ثم عدلوا عن هذا الحديث مع صحته وظهور دلالته لمخالفته القياس الطردي. انتهى (١). والجواب عن الحديث: أنه منسوخ بحديث جابر بن عبد الله ﵁: "كان آخر الأمرين من رسول الله ﵇ ترك الوضوء مما مسته النار". ويتناول ذلك لحوم الإبل وغيرها، والجواب عن قوله: "وحديثهم لا أصل له إنما هو من قول ابن عباس": غير صحيح؛ لأن الحديث له أصل. وقد أخرجه الطبراني (٢) بإسناده عن أبي أمامة قال: "دخل رسول الله ﵇ على صفية بنت عبد المطلب فَغَرفَت له -أو فقربت له- عرْقا فوضعته بين يديه ثم غرفت -أو قربت- آخر فوضعته بين يديه فأكل ثم أتى المؤذن فقال: الوضوء الوضوء. فقال: إنما الوضوء علينا (مما) (٣) خرج وليس علينا (مما) (٣) دخل" ولئن

стр. 569

سلمنا ذلك، أو قلنا بضعف حديث الطبراني؛ لكون عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد في إسناده وهما ضعيفان، حتى قيل: لا يحل الاحتجاج بهما، فنقول: قول ابن عباس صحيح، قد روي عنه من وجوه كثيرة: منها ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا ابن عُلَيّة، عن أيوب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "الوضوء مما خرج وليس مما دخل" وهذا إسناد صحيح. ومنها ما رواه أيضًا (٢): نا هشيم، عن حصين، عن يحيى بن وثاب، عن ابن عباس قال: "الوضوء مما خرج وليس مما دخل ولا مما أوطي" وهذا أيضًا إسناد صحيح. ومنها ما رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، أنه سمع ابن عباس يقول: "ولا وضوء مما دخل، إنما الوضوء مما خرج" وهذا أيضًا إسناد صحيح. وقد روي هذا عن غير ابن عباس؛ فروى عبد الرزاق (٤)، عن الثوري، عن وائل بن داود، عن إبراهيم، عن عبد الله بن مسعود قال: "إنما الوضوء مما خرج، والصوم مما دخل وليس مما خرج". عبد الرزاق (٥): عن معمر، عن قتادة، عن ابن المسيب قال: "إنما الوضوء مما خرج وليس مما دخل؛ لأنه يدخل وهو طيب، لا عليك منه، ويخرج وهو خبيث عليك منه الوضوء والطهور".

стр. 570

وروى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا هشيم، عن حصين، عن عكرمة قال: "الوضوء مما خرج وليس مما دخل". وقد عرف في علم الأصول أن قول الصحابي المجتهد حجة لاحتمال السماع وزيادة الإصابة في الرأي ببركة صحبة النبي ﵇ فابن عباس وابن مسعود ﵃ لا شك في اجتهادهما وكثرة علمهما واتساع فقههما، والخلاف في قول التابعي؛ لأنهم رجال ونحن أيضًا رجال، ومع هذا لا يتم الإجماع بخلاف التابعي عندنا؛ خلافا للشافعي. وأما قوله: "قلنا هذا فاسدة؛ فإنه نوع تأويل ... إلى آخره" ففاسد لأن هذا التأويل لا يخالف الظاهر؛ لأن الظاهر (أن) (٢) الوضوء له سبب وهو إرادة الصلاة مع الحدث، ولم يوجد هذا السبب عند أكل لحم الإبل حتى نقول: إن الأمر بالوضوء منه هو الوضوء الشرعي، وإنما معنى الأمر فيه منصرف إلى غسل اليد لوجود سببه وهو الزهومة والغَمر، فمعنى الوضوء يتأول على الوضوء الذي هو النظافة ونقاء الزهومة، كما روي: "توضؤوا من اللبن فإن له دَسَما" (٣). قلت: "فبعضهم أوجبه بالقهقهة في الصلاة" غمز على الحنفية، وكذلك قوله: "والخارج من غير السبيل". قلت: "وبعضهم أوجبه من لمس الذكر" غمز على الشافعية، والجواب عن هذا:

стр. 571

أن حديث القهقهة أخرجه الدارقطني (١): عن أبي العالية الرياحي: "أن أعمى تردّى في بئر، والنبي ﵇ يصلي بأصحابه، فضحك بعض من كان يصلي مع النبي ﵇ فأمر النبي ﵇ من كان ضحك منهم أن يعيد الوضوء والصلاة جميعًا". فإن قيل: هذا الحديث مرسل أرسله أبو العالية الرياحي، وقد قيل: إنه كان لا يبالي من أين كان يأخذ الحديث. وقال ابن عدي: إنما قيل في أبي العالية ما قيل لهذا الحديث، وإلَّا فسائر أحاديثه صالحة. قيل له: روى البيهقي (٢): عن ابن شهاب: "أن النبي ﵇ أمر رجلًا ضحك في الصلاة أن يعيد الوضوء والصلاة" قال الشافعي: لم نقبله لأنه مرسل. فلم يذكر فيه علة سوى الإرسال، فدل على صحة إرساله، وأما أبو العالية فهو عدل ثقة، وقد اتفق على إرسال هذا الحديث معمر وأبو عوانة وسعيد بن أبي عروبة وسعيد بن بَشير، فرووه عن قتادة، عن أبي العالية، وتابعهم عليه ابن أبي الزيال وهؤلاء جميعهم ثقات، فإن صح عن أبي العالية أنه كان لا يبالي من أين أخذ الحديث، قلنا: لكنه إذا أرسل الحديث لا يُرسله إلَّا عمن يقبل روايته؛ لأن المقصود من رواية الحديث ليس إلَّا التبليغ عن رسول الله ﵇ وخاصة إذا تضمن حكمًا شرعيّا، فإذا أرسل الحديث ولم يذكر من أرسله عنه مع علمه أو ظنه بعدم عدالته كان غاشّا، للمسلمين وتاركا لِنصيحتهم، فتسقط عدالته، ويدخل في قوله: ﵇: "مَن غش فليس منا" (٣) وقد ثبتت عدالته ورواه الثقات عنه مرسلا؛ فدل على أنه أرسله عن عدل، ولأن المُرسِلُ شاهد على الرسول ﵇ بإضافة الخبر إليه، فلو لم يكن ثابتا عنه بطريق تقارب العلم لما أرسله، ولكان أَسْنَدَهُ لتكون العهدة على غيره، وهذه عادة غير مدفوعة؛ أن من قوي ظنه بوجود شيء أعرض عن إسناده، فهذه مسألة تفرد بها أصحابنا اتباعا لهذا الحديث، وتركوا القياس من أجله، وهذه شهادة ظاهرة لهم أنهم يقدمون الحديث على القياس، وهم أتبع للحديث من سائر

стр. 572

الناس (١)، وروى محمَّد في "آثاره" (٢) وقال: أخبرنا أبو حنيفة، قال: حدثنا منصور ابن زاذان، عن الحسن البصريّ، عن معبد، عن النبي ﵇ أنه قال: "بينما هو في الصلاة؛ إذْ أقبل رجل أعمى من قِبل القبلة يريد الصلاة، والقوم في صلاة الفجر فوقع في (زُبْيَة) (٣) فاستضحك بعض القوم حتى قهقه، فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: من كان قهقه منكم فليعد الوضوء والصلام". محمَّد قال: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: "في الرجل يُقهقه في الصلاة قال: يعيد الوضوء والصلاة ويستغفر ربه؛ فإنه أشد الحدث" (٤). قال محمَّد: وبه نأخذ وهو قول أبي حنيفة. وذكر هذا الحديث الحافظ أبو موسى المديني في كتاب "الأمالي" مسندا إلى معبد الحمْصي عن النبي ﵇ في باب الميم. فإن قيل: قد قال الدارقطني: روى هذا الحديث أبو حنيفة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، عن معبد الجهني مرسلًا عن النبي ﵇ وهم فيه أبو حنيفة على منصور، وإنما رواه منصور بن زاذان عن محمَّد بن سيرين عن معبد، ومعبد هذا لا صحبة له، ويقال: إنه أول من تكلم في القدر من التابعين، حدث به عن منصور، عن ابن سيرين، غيلان بن جامع وهشيم بن بشير، وهما أحفظ من أبي حنيفة للإسناد. قلت: هذا تحامل من الدارقطني على أبي حنيفة، وليس هو من أهل هذا الكلام في مثل أبي حنيفة الذي هو معظم أركان الدين، وأعظم أئمة المسلمين، وذكر ابن الأثير

стр. 573

معبدا في الصحابة وقال: مَعبد بن (صبح) (١) بصري روى عنه الحسن البصري، أخبرنا أبو موسى كتابَة، أنا أبو علي، أنا أبو نعيم، ثنا الحسن بن علان، نا عبد الله ابن [أبي] (٢) داود، ثنا إسحاق بن إبراهيم، نا سعد بن الصلت، نا أبو حنيفة، عن منصور بن زاذان، عن الحسن، عن معبد: "أن النبي ﵇ بينما هو في (الصلاة) (٣) إذ أقبل أعمى فوقع في زُبْيَة، فضحك بعض القوم حتى قهقه، فلما سلَّم النبي ﵇ قال: من كان منكم قهقه فَلْيُعِدْ الوضوء والصلاة". وقال مكي: عن أبي حنيفة، عن معبد بن أبي معبد. أخرجه أبو عمر وأبو موسى، وقد أخرجه ابن منده وأبو نعيم فقالا: معبد بن أبي معبد الخزاعي، ورويا له هذا الحديث، (وأتى) (٤) النبي ﵇ وهو صغير لما هاجر، ورويا له أيضًا حديث جابر أنه قال: "لما هاجر رسول الله ﵇ وأبو بكر ﵂ مرَّ بخباء أم معبد، فبعث النبي ﵇ معبدا وكان صغيرا فقال: ادع هذه الشاة، ثم قال: يا غلام، هات فَرقا. فأرسلت أن لا لبن فيها، فقال النبي ﵇: هات، فمسح ظهرها فَاجْرَت ودَرَّت، ثم حلب فشرب، وسقى أبا بكر وعامرا ومعبد بن أبي معبد، ثم رد الشاة". وقال أبو نعيم عقيب حديث الضحك في الصلاة: رواه أسد بن عمرو عن أبي حنيفة فقال معبد بن (صبح) (٥). أخرجه الثلاثة وأبو موسى (٦).

стр. 574

فإن قيل: روى أبو هريرة عن النبي ﵇ أنه قال: "لا وضوء إلَّا من صوت أو ريح" (١) فدلّ أنه لا وضوء في القهقهة. قلت: ظاهر هذا الحديث متروك بالإجماع؛ لأنه في البول والغائط يجب الوضوء وإن لم يوجد الصوت أو الريح، وكذا في الدم والقيح إذا خرجا من المخرج المعتاد، ولا سيما على مذهب الشافعي فإن عنده يجب الوضوء من مس الذكر ومس المرأة فلا صوت ثمة ولا ريح، فلما لم يدل هذا الحديث على نفي الوضوء في هذه الصور، فكذا لا يدل على نفيه في القهقهة أيضًا. قوله: "في زُبْية" بضم الزاي المعجمة وسكون الباء الموحدة وفتح الياء آخر الحروف: حفرة محفورة، وفي الأصل حفرة يحفرونها للأسد. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجب الوضوء للصلاة بكل شيء من ذلك. ش: أي خالف القوم المذكورين، جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والأوزاعي وأبا حنيفة والشافعي ومالكا وأصحابهم، وهو أيضًا مذهب الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبي الدرداء وأبي طلحة وعامر بن ربيعة وأبي أمامة ﵃ وجماهير التابعين، وقد ذكرناه مستقصى. قوله: "بأكل شيء من ذلك" أي من لحوم الإبل وغيرها. فإن قيل: ما حكم البقر في ذلك؛ لأنه لم يذكر في الحديث؟. قلت: روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: "ليس في (لحوم) (٣) الإبل والبقر والغنم وضوء".

стр. 575

ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أنه قد يجوز أن يكون الوضوء الذي أراده النبي ﵇ هو غسل اليد، وفرق بين لحوم الإبل ولحوم الغنم في ذلك لما في لحوم الإبل من الغلظ ومن غلبة ودكها على يد آكلها، فلم يرخص في تركه على اليد وأباح ألَّا يتوضأ من لحوم الغنم لعدم ذلك منها، وقد روي في الباب الأول في حديث جابر ﵁: "إن آخر الأمرين من رسول الله ﵇ ترك الوضوء مما غيرت النار" فإذا كان ما تقدم منه هو الوضوء مما مست النار ومن ذلك لحوم الإبل وغيرها، كان في تركه ذلك ترك الوضوء من لحوم الإبل وغيرها، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار. ش: أي وكان من الحجة والبرهان للآخرين فيما ذهبوا إليه من عدم وجوب الوضوء مطلقا من أكل اللحوم، وقد حققنا الكلام فيه عن قريب. قوله: "وأباح" أي النبي ﵇. قوله: "في الباب الأول" أراد به الفصل الأول. وأراد بـ"جابر" جابر بن عبد الله لا جابر بن سمرة. ص: وأما وجهه من طريق النظر: فإنَّا قدر رأينا الإبل والغنم سواء في حلّ بيعهما وشرب لبنهما وطهارة لحمهما، وأنه لا تفترق أحكامهما في شيء من ذلك؛ فالنظر على ذلك أنهما في كل لحومهما سواء، فكما كان لا وضوء في كل لحوم الغنم فكذلك الوجوب في كل لحوم الإبل، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏. ش: ملخصه: أن الإبل كالغنم في حِلِّ البيع، وشرب اللبن، وطهارة اللحم، والسؤر، وصفة النجاسة في البول والروث، وجواز التضحية، وحِلِّ ذبحهما للمحرم، ووجوب الزكاة فيهما، فأكل لحم الغنم لا يوجب الوضوء، فالنظر كذلك، أي لا يوجب أكل لحم الإبل قياسا عليه.

стр. 576

ص: باب: مس الفرج هل يجب فيه الوضوء أم لا ؟ ش: أي هذا باب في بيان مس الفرج هل يوجب الوضوء أم لا؟ وهل ينقضه أم لا؟ والمناسبة بين البابين ظاهرة. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا الحسين بن مهدي، قال: نا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري (عن) (١) عروة: "أنه تذاكر هو ومروان الوضوء من مس الفرج، فقال مروان: حدثتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﵇ يأمر بالوضوء من مس الفرج، وكان عروة لم يرفع بحديثها رأسا، فأرسل مروان إليها شرطيّا فرجع فأخبرهم أنها قالت: سمعت رسول الله ﵇ يأمرنا بالوضوء من مس الفرج". ش: أبو بكرة بكَّار القاضي، والحسين بن مهدي شيخ الترمذي وابن ماجه، وبقية الرواة روى لهم الجماعة. وأما مروان فهو ابن الحكم بن العاص بن أمية القرشي الأموي، أبو عبد الله المدني، ولد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: بأربع، ولم يصح له سماع من النبي ﵇ روى له الجماعة سوى مسلم. وأما بُسرة: فهي -بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة- بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية، بنت أخي ورقة بن نوفل، وأخت عقبة بن أبي مُعَيْط لأمه، وهي خالة مروان بن الحكم، وجدّه عبد الملك بن مروان، روى لها الجماعة. والحديث أخرجه الأربعة، فأبو داود (٢): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، أنه سمع عروة يقول: "دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما

стр. 577

يكون منه الوضوء، فقال مروان: ومن مس الذكر. فقال عروة: ما علمت ذاك. فقال مروان: أخبرتني بُسْرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﵇ يقول: من مس ذكره فليتوضأ". والترمذي (١): عن إسحاق بن منصور، أنا يحيى بن سعيد القطان، عن هشام ابن عروة، قال: أخبرني أبي، عن بسرة بنت صفوان، أن النبي ﵇ قال: "من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ". والنسائي (٢): عن هارون بن عبد الله، حدثنا معن، أنبأنا مالك (ح). والحارث بن مسكين -قراءة عليه وأنا أسمع-[عن ابن القاسم] (٣) عن عبد الله ابن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول: "دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: مِن مس الذكر الوضوء. فقال عروة: ما علمت ذلك، فقال مروان: أخبرتني بُسرة بنت صفوان، أنها سمعت رسول الله ﵇ يقول: إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ". وابن ماجه (٤): عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن عبد الله بن إدريس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان بن الحكم، عن بسُرة بنت صفوان، قالت: قال رسول الله ﵇: "إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٥): عن إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٦): عن أبي زكرياء يحيى بن إبراهيم، عن أبي العباس

стр. 578

محمَّد بن يعقوب، عن الربيع بن سليمان، عن الشافعي، عن مالك ... إلى آخره نحو رواية أبي داود. وقال عبد الله بن أحمد (١): وجدت في كتاب أبي بخط يده: نا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن حزم الأنصاري، أنه سمع عروة بن الزبير يقول: "ذكر مروان في إمارته على المدينة أنه يتوضأ من مس الذكر إذا أفضى إليه الرجل بيده، فأنكرت ذلك [عليه] (٢) وقلت: لا وضوء على من مَسَّهُ. فقال مروان: أخبرتني بُسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﵇ يذكر ما يُتوَضَّا منه، قالت: فقال رسول الله ﵇: ويتوضأ من مس الذكر. قال عروة: فلم أزل أماري مروان حتى دعا رجلًا من حرسه، فأرسله إلى بسرة فسألها عما حدثت من ذلك، فأرسلت إليه بسرة مثل الذي حدثني عنها مروان". ولما أخرج الترمذي هذا الحديث قال: وفي الباب عن أم حبيبة وأبي أيوب وأبي هريرة وأروى ابنة أنيس وعائشة وجابر وزيد بن خالد وعبد الله بن عمرو. قلت: وفي الباب عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وطلق بن علي ﵃. فحديث أم حبيبة عند ابن "ماجه" (٣): نا عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي، نا مروان بن محمَّد، نا الهيثم بن حميد، نا العلاء بن حارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "من مس فرجه فليتوضأ". وأخرجه الطبراني (٤): عن بكر بن سهل، عن عبد الله بن يوسف، عن الهيثم ابن حميد ... إلى آخره نحوه.

стр. 579

وأخرجه الطحاوي (١): أيضًا، وأعلّه بأنه منقطع على ما يأتي. وحديث أبي أيوب عند ابن ماجه (٢) أيضًا: نا سفيان بن وكيع، نا عبد السلام ابن حرب، عن إسحاق بن أبي فروة، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد القاري، عن أبي أيوب قال: سمعت النبي ﵇ يقول: "من مس فرجه فليتوضأ". وإسحاق ابن أبي فروة متروك باتفاقهم وقد اتهمه بعضهم بالوضع. وحديث أبي هريرة عند ابن حبان في "صحيحه" (٣): عن يزيد بن عبد الملك ونافع بن أبي نعيم القاري، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا (حائل) (٤) فليتوضأ". ورواه الحاكم في "مستدركه" (٥): وصححه، ورواه أحمد في "مسنده" (٦): والدارقطني في "سننه" (٧) والبيهقي (٨) أيضًا ولفظه فيه: "من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب عليه وضوء الصلاة". وأخرجه الطحاوي (٩): أيضًا وعلله بيزيد بن عبد الملك وقد أغلظ العلماء القول فيه، فقال أبو زرعة: واهي الحديث. وغلظ فيه القول جدّا، وقال النسائي: متروك الحديث وقال الساجي: ضعيف منكر الحديث واختلط بأخرة؛ فإذن عرفت تساهل ابن حبان والحاكم في الصحيح (١٠).

стр. 580

وحديث أروى عند ابن منده وأبي نعيم الأصبهاني (١): عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أروى بنت أنيس، عن النبي ﵇ أنه قال: "من مس فرجه فليتوضأ". وذكرها ابن الأثير (٢): في الصحابيات وذكر هذا الحديث أيضًا ثم قال: وقيل: أبو أروى. وذكره في الكنى (٣): أبو أروى الدوسي حجازي. وهذا كما ترى فيه خلاف. وحديث عائشة عند الدارقطني في "سننه" (٤): نا الحسين بن إسماعيل، نا يحيى ابن معلى بن منصور، نا عتيق بن يعقوب، حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر ابن حفص العمري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﵇ قال: "ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضئون. قالت عائشة: بأبي وأمي، هذا للرجال، أفرأيت النساء؟ قال: إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ للصلاة" وهو معلول بعبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، قال أحمد: كان كذابا. وقال النسائي وأبو حاتم وأبو زرعة: متروك. زاد أبو حاتم: وكان يكذب.

стр. 581

وقد روى أبو يعلى في "مسنده" (١) حديثا يعارض هذا وينافيه، فقال: نا الجراح ابن مخلد، نا عمر بن يونس اليمامي، ثنا المفضل بن أثواب، (٢) حدثني حسين بن أوزع، عن أبيه، عن سيف بن عبد الله الحميري قال: "دخلت أنا ورجال معي على عائشة ﵂ فسألناها عن الرجل يمس فرجه أو المرأة تمس فرجها، فقالت: سمعت رسول الله ﵇ يقول: ما أبالي إياه مسست أو أنفي". وأخرج الطحاوي حديث عائشة في نقض مس الفرج الوضوء، وأجاب عنه كما يأتي إن شاء الله تعالى. وحديث جابر عند ابن ماجه (٣): نا إبراهيم بن المنذر الحزامي، نا معن بن عيسى (ح). ونا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، نا عبد الله بن نافع، جميعًا عن ابن أبي [ذئب] (٤) عن عقبة بن عبد الرحمن، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "إذا مس أحدكم ذكره فعليه الوضوء". وأخرجه الطحاوي (٥): أيضًا، وأعله بالإرسال، وقد قال الشافعي أيضًا: وسمعت جماعة من الحفاظ عن ابن نافع يروونه لا يذكرون فيه جابرا. وهم لا يحتجون بالمرسل. وحديث زيد بن خالد عند أحمد في "مسنده" (٦): عن ابن إسحاق، حدثني

стр. 582

محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن خالد الجهني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مس فرجه فليتوضأ". ورواه البزار (١) والطبراني (٢) أيضًا. وأخرجه الطحاوي (٣): أيضًا وأجاب عنه على ما يأتي. وحديث عبد الله بن عمرو عند أحمد (٤) والبيهقي (٥): عن بقية بن الوليد، عن محمَّد بن الوليد الزبيدي، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ". وأخرجه الطحاوي (٦): أيضًا على ما يأتي إن شاء الله. وحديث عبد الله بن عُمر عند الدارقطني في "سننه" (٧): عن إسحاق بن محمَّد الفَرَوي، نا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: "من مس ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة". ورواه الطبراني في "الكبير" (٨) والبزار في "مسنده" (٩): ولفظهما "من مس فرجه فليتوضأ".

стр. 583

وأخرجه الطحاوي أيضًا وأعله بصدقة بن عبد الله على ما يأتي، وفي سند الطبراني العلاء بن سليمان، وفي سند البزار هاشم بن زيد، وكلاهما ضعيفان جدًّا. وحديث طلق بن علي عند الطبراني في "الكبير" (١): نا الحسن بن علي الفسوي، نا محمَّد بن حماد بن محمَّد الحنفي، نا أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي -وكان من الوفد الذين وفدوا على رسول الله ﵇- قال: قال رسول الله ﷺ : "من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار". وبه عن أبيه أن النبي ﵇ قال: "من مس ذكره فليتوضأ" انتهى. قلت: ويعارضه حديثه الآخر وهو ما رواه الطحاوي وغيره على ما يأتي: "أنه سأل رسول الله ﵇ أمن مس الذكر وضوء؟ قال: لا". والقياس يشهد لترجيح هذا؛ فيكون ناسخا للأول على تقدير صحته، والله أعلم. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا الأثر، وأوجبوا الوضوء من مس الفرج. ش: أراد بهؤلاء القوم: الأوزاعي، والزهري، وعطاء بن أبي رباح، وأبان بن عثمان، وعروة، وسليمان بن يسار، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وفي "المغني" (٢) لابن قدامة: وقد روي أيضًا عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة، وهو المشهور عن مالك. وفي "الجواهر" للمالكية: النوع الثالث مس الذكر، وينقض الوضوء به في الرواية الأخيرة، ولكن اختلف فيه على صفة مخصوصة، فرأى العراقيون أنها اللذة، واعتبر أشهب مسه بباطن الكف، واعتبر في "اللباب" باطن الكف أو باطن الأصابع، قال

стр. 584

الشيخ أبو طاهر: والكل على مراعاة وجود اللذة وفقدها، ولو مسَّه من فوق ثوب أو من تحته انتقضت طهارته، ولا حكم لمسّ الذكر المبان ولا لمسّ ذكر الغير إلَّا من باب الملامسة، ولا ينقض وضوء من مس ذكر غيره، وفي مس المرأة فرجها ثلاث روايات: النقض، ونفيه، والتفرقة بين أن تلطف فيجب الوضوء وبين ألَّا تلطف فلا يجب. وفي "المغني" (١): الفرج اسم لمخرج الحدث، فيتناول الذكر والدبر وقبل المرأة، وفي نقض الوضوء بجميع ذلك خلاف في المذهب وآكدها مس الذكر، وعن أحمد فيه روايتان: [إحداهما] (٢) ينقض الوضوء وهي المشهورة من مذهبه، والرواية الثانية: لا وضوء فيه بحال. فعل رواية النقض: لا فرق بين العامد وغيره، وبه قال الأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو أيوب، وأبو خيثمة. وعن أحمد رواية أخرى: لا ينقض إلَّا بمسّه قاصدا مسَّه، قال أحمد بن الحسين: قيل لأحمد: الوضوء من مس الذكر؟ قال: أحب إليَّ أن أتوضأ. قلت: يا أبا عبد الله ربما مرت يده في إحليله فكيف يجب الوضوء من مس الذكر؟! فقال: هكذا -وقبض على يده يعني إذا قبض عليه- وهذا قول مكحول، وطاوس، وسعيد بن جبير، وحميد الطويل. قالوا: إن مسّه ولا يريد وضوءا فلا شيء عليه، ولا فرق بين رأس الذكر وأصله. وفيه رواية أخرى: لا ينقض إلَّا مسّ موضع الثقب، والأول هو الصحيح عملا بظاهر اللفظ. ولا فرق بين بطن الكف وظهره، وهو قول عطاء، والأوزاعي. وقال مالك والليث والشافعي وإسحاق: لا ينقض مسّه إلَّا بباطن الكف.

стр. 585

ولا ينقض مسّه بذراعه، وعن أحمد أنه ينقض؛ لأنه من يده، وهو قول عطاء والأوزاعي، والصحيح الأول. ولا فرق بين ذكره وذكر غيره، وقال داود: لا ينقض مسّ ذكر غيره؛ لأنه لا نص فيه. ولا فرق بين ذكر الصغير والكبير وبه قال عطاء، والشافعي، وأبو ثور، وعن الزهري والأوزاعي ومالك: لا وضوء على [من] (١) مسّ ذكر الصغير؛ لأنه يجوز مسّه والنظر إليه. وقد روي عن النبي ﵇ مسّ زبيبة ﵁ ولم يتوضأ. وفرج الميت كفرج الحي. وهو قول الشافعي، وقال إسحاق: لا وضوء عليه. وفي الذكر المقطوع وجهان، ولو مسّ القلفة التي تقطع في الختان قبل قطعها نقض وضوءه، وإن مسّها بعد القطع فلا وضوء. فأما مسّ حلقة الدبر ففيه روايتان: إحداهما: ينقض، نقلها أبو داود، وهو مذهب عطاء والزهري والشافعي وإسحاق. والثانية: لا ينقض، وهو مذهب مالك. فأما مسّ المرأة فرجها ففيه أيضًا روايتان. وأما لمس فرج الخنثى المشكل فينقض إذا تيقنا أنه مسّ فرجا، أو كان لمسا بين رجل وامرأة لشهوة، ومتى جوزنا عدم ذلك لم ينقض وضوء، فعلى هذا إذا مسّ أحدَ فَرْجَيْ نفسه لم ينتقض وضوءه، لاحتمال أن يكون خلقة زائدة، وإن جمع بينهما انتقض وضوءه لأنه لا بد أن يكون أحدهما فرجا؛ إلَّا على الرواية التي لا تنقض وضوء المرأة مسّها لفرجها.

стр. 586

وإن مس رجل ذكره لغير شهوة لم ينتقض وضوءه، وإن مسّه لشهوة انتقض؛ لأنه إن كان رجلا فقد مسّ وإن كان امرأة فقد مسّ امرأة لشهوة، وإن مسّه لغير شهوة لم ينتقض لاحتمال أن يكون الذي مسّه خلقة زائدة، وإن مسّ فرجه لم ينتقض بحال لشهوة كان أو لا، وإن جمع بين الفرجين انتقض. وإن كان اللامس امرأة، فلمست الفرج لشهوة أو جمعت بينهما في اللمس انتقض وضوءها. وإلَّا فلا، وإن كان اللامس خنثى مشكلا لم ينتقض وضوءه بحال إلَّا أن يجمع بين الفرجين في اللمس، ولو مسّ أحد الخنثيين ذكر الآخر ومسّ الآخر فرجه وكان اللمس منهما لشهوة فلا وضوء على واحد منهما. وقال أيضًا (١): ولا وضوء بمس ما عدا الفرجين من سائر البدن كالرفغ والأنثيين والإبط في قول عامة أهل العلم؛ إلَّا أن عروة قال: من مس أنثييه فليتوضأ. وقال الزهري: أحب إليّ أن يتوضأ. وقال عكرمة: من مس [ما] (٢) بين الفرجين فليتوضأ. ولا ينتقض الوضوء بمس فرج البهيمة. وقال الليث بن سعد: عليه الوضوء. وقال عطاء: من مسّ قُنْبَ حمار عليه الوضوء، ومن مس ثيل جمل لا وضوء عليه، انتهى. قلت: "الرُّفغْ" بضم الراء، وسكون الفاء، وفي آخره غين معجمة: واحد الأرفاغ، وهي المغابن من الأباط وأصول الفخذين. و"القُنْب" -بضم القاف، وسكون النون، وفي آخره باء موحدة- وهي وعاء قضيب الفرس وغيره من ذوات الحوافر.

стр. 587

والثِيل -بكسر الثاء المثلثة، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره لام- وهي وعاء قضيب البعير. وقال ابن حزم في "المحلى": وأما قول الأوزاعي والشافعي ومالك في مراعاة باطن الكف دون ظاهرها فقول لا دليل عليه لا من قرآن، ولا من سنة، ولا من إجماع، ولا من قول صاحب، ولا قياس، ولا من رأي صحيح، وشغب بعضهم بأن قال: في بعض الآثار "من أفضى بيده إلى فرجه فليتوضأ" قال علي: وهذا لا يصح أصلا، ولو صح لما كان فيه دليل على ما يقولون؛ لأن الإفضاء باليد يكون بظهر اليد كما يكون بباطنها، وحتى لو كان الإفضاء بباطن اليد لما كان في ذلك. ما يسقط الوضوء عن غير الإفضاء إذا جاء أثر بزيادة على لفظ الإفضاء، كيف والافضاء يكون بجميع الجسد، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (١). وأما [قول مالك في إيجاب الوضوء منه ثم لم ير الإعادة إلَّا في الوقت؛ فقول متناقض؛ لأنه لا يخلو أن يكون انتقض وضوءه أو لم ينتقض، فإن كان انتقض فعلى أصله يلزمه أن يعيد أبدا، وإن كان لم ينتقض فلا يجوز له أن يصلي صلاة فرض واحدة في يوم مرتين وكذلك] (٢) فرق مالك بين مس الرجل فرجه وبين مس المرأة فرجها؛ فهو قول لا دليل عليه، فهو ساقط. وأما إيجاب الشافعي الوضوء من مس الدبر فخطأة؛ لأن الدُّبر لا يُسمى فرجا، فإن قال: قسته على الذكر. قيل له: القياس عند القائلين به لا يكون إلَّا على علة جامعة بين الحكمين، ولا علة جامعة بين مس الذكر ومس الدبر. فإن قال: كلاهما مخرج للنجاسة.

стр. 588

قيل: ليس كون الذكر مخرجا للنجاسة هو علة انتقاض الوضوء من مسّه، ومن قوله: إن مس النجاسات لا ينقض الوضوء فكيف مسّ مخرجها. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: لا وضوء فيه. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري، والنخعي، وطاوس، وسعيد بن جبير، وأبا حنيفة، وأصحابه، وربيعة؛ فإنهم قالوا: لا وضوء في مس الفرج أصلا. وبه قال ابن المنذر، وأحمد في رواية، وروي أيضًا عن علي، وعَمَّار، وابن مسعود، وحذيفة، وعمران بن حصين، وأبي الدرداء ﵃ وذكر ابن أبي شيبة أنه قول طلق بن علي وأبي أمامة الباهلي. ص: واحتجوا في ذلك على أهل المقالة الأول، فقالوا: في حديثكم هذا أن عروة لم يرفع بحديث بسرة رأسا، فإن كان ذلك لأنها عنده في حال من لا يؤخذ ذلك عنها، ففي تضعيف من هو أقل من عروة لِبُسْرة ما يسقط حديثها، وقد تابعه على ذلك غيره. حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن زيد، عن ربيعة أنه قال: لو وضعت يدي في دم أو حيضة ما نقض وضوئي، فمسّ الذكر أيسر أم الدم أم الحيضة؟! قال: وكان ربيعة يقول لهم: ويحكم مثل هذا يأخذ به أحد ويعمل بحديث بسرة؟ والله لو أن بسرة شهدت على هذا الفعل لما أجزت شهادتها، إنما قوام الدين الصلاة، وإنما قوام الصلاة الطهور، فلم يكن في صحابة رسول الله ﵇ من يقيم بهذا الدين إلَّا بسرة؟! قال ابن زيد: على هذا أدركنا مشيختنا، ما منهم أحد يرى في مسّ الذكر وضوءا، وإن كان إنما ترك أن يرفع بذلك رأسا؛ لأن مروان عنده ليس في حال من يجب القبول عن مثله، فإن خبر شرطي مروان عن بسرة دون خبره هو عنها، فإن كان مروان خبره في نفسه عند عروة غير مقبول، فخبر شرطيه إياه عنها بذلك أحرى ألَّا يكون مقبولا.

стр. 589

ش: أي احتج هؤلاء الآخرون على أهل المقالة الأولى. "في ذلك" أي في عدم انتقاض الوضوء من مس الفرج. "فقالوا: في حديثكم هذا" أشار به إلى حديث بسرة بنت صفوان الذي احتجوا به. "أن عروة بن الزبير لم يرفع بحديث بسرة رأسا" أراد أنه لم يعتبره ولم يلتفت إليه، ثم بين الطحاوي ذلك بأنه لا يخلو عن وجهين: الأول: أن يكون ذلك لكون بسرة بنت صفوان عنده ممن لا يؤخذ مثل ذلك الحكم عنهم؛ وذلك لكونها انفردت بهذه الرواية مع عموم الحاجة إلى معرفته، فصار ذلك كشهادة الواحد من أهل المصر على رؤية هلال رمضان إذا لم يكن بالسماء علّة. وقال السرخسي في "المبسوط": وحديث بسرة لا يكاد يصح، وقد قال يحيى بن معين: ثلاث لا يصح منهن حديث عن رسول الله ﵇ منها هذا، وما بال رسول الله ﵇ لم يقل هذا بين يدي كبار الصحابة حتى لم ينقله أحد منهم، إنما قاله بين يدي بسرة، وقد كان رسول الله ﵇ أشد حياء من العذراء في خدرها، وتأويله على تسليم ثبوته: "من بال" فجعل مسّ الذكر كناية عن البول؛ لأن من يبول مس ذكره عادة كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (١) والغائط المطمئن من الأرض، وكَنَّى عن الحدث؛ لأنه يكون في مثل هذا الموضع عادة. فإن قيل: كيف تقول: لا يكاد يصح وقد قال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث حسن صحيح. وقال محمَّد بن إسماعيل: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب؟! قلت: محمَّد بن إسماعيل هو البخاري لو رضي به لأخرجه في "صحيحه" فلم

стр. 590

يخرجه هو ولا مسلم (١)، وقول البخاري هذا لا يدل على صحته، وإنما مراده هو على علاته أصح من غيره من أحاديث الباب، وقد اغترّ ابن العربي بهذه العبارة فحكى عن البخاري تصحيحه وليس كذلك، وأما قول الترمذي فيعارضه قول يحيى بن معين الذي هو العمدة في هذا الشأن وإليه المرجع في باب التصحيح والتضعيف. ومع هذا كله يخالف حديث بسرة ما روي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعمران بن حصين، وحذيفة بن اليمان، وأبي الدرداء، وعمّار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص، وأبي أمامة، وسعيد بن المسيب، وسعيد ابن جبير، وإبراهيم النخعي، وربيعة بن عبد الرحمن، وسفيان الثوري، وجماعة أخرى، فهل يسع للمنصف في دينه أن يترك قول هؤلاء الأعلام من الصحابة الأجلاء ومن التابعين العظماء، ويعمل بحديث بسرة الذي لما جرى أمره في زمن مروان بن الحكم، وشاور من بقي من الصحابة في زمانه قالوا: لا ندع كتاب ربنا ولا سُنة نبيه بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت؟ ولهذا قال ربيعة: والله لو شهدت بُسرة على هذا الفعل لما أجزت شهادتها. ذكره الطحاوي بقوله: "وقد تابعه على ذلك غيره" أي قد تابع عروة في كونه لم يرفع بحديث بسرة رأسا غيره من العلماء وهو ربيعة بن عبد الرحمن شيخ الإِمام مالك بن أنس، وهو تابعي كبير، قال يعقوب بن شيبة: ثقة ثبت أحد مفتي المدينة، وروى له الجماعة. وقال أبو عمر بن عبد البر: كان أحد الفقهاء بالمدينة الذين كانت الفتوى تدور عليهم بها.

стр. 591

وروى الطحاوي ذلك عنه عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم والنسائي وابن ماجه وبقي بن مخلد وأبي زرعة الرازي وأبي عوانة الإسفرايني، وهو يرويه عن عبد الله بن وهب المصري روى له الجماعة، وهو يرويه عن ابن زيد، وهو أسامة بن زيد الليثي أبو زيد المدني، روى له الجماعة -البخاري مستشهدا- وقال أحمد بن سعيد عن يحيى بن معين: هو ثقة حجة، وهو يرويه عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن القرشي التيمي أبي عبد الرحمن المدني، المعروف بربيعة الرأي أنه قال: "لو وضعت يدي في دم أو حيضة ... " إلى آخره، فهذا دليل صريح على أنه قد حكم بسقوط هذا الحديث، ولقد بالغ في وجه تركه حيث أقسم وقال: "والله لو أن بسرة شهدت ... " إلى آخره، ولعمري إنه صادق في قوله: لأن هذا حكم يتعلق به الرجال، فكيف تختص به امرأة؟ وهذه تهمة توجب التوقف، وقبول الصحابة خبر عائشة ﵂ في التقاء الختانين لا يناقض هذا؛ لأنه حكم مشترك بين الرجال والنساء، وحديث التقاء الختانين ثبت في الصحيح عن أبي هريرة، وعكسه عن عثمان ﵁ وحديث عائشة كان مرجِّحا مُثبِتا. ثم أشار الطحاوي أن عدم إلتفات عروة لحديث بسرة إن كان لأجل أنهما عنده في عداد من لا يؤخذ ذلك عنهم؛ ففي تضعيف من هو أقل من عروة إياها ما يَسقط به حديثها، فكيف في تضعيف مثل عروة وهو حجة متقن ثبت عالم أمين؟ وتضعيفه أولى وأجدر أن يسقط به حديثها، على أن بعضهم قالوا: إن بسرة غير مشهورة؛ لاختلاف الرواة في نسبها، لأن بعضهم يقول: هي كنانية، وبعضهم يقول: هي أسدية. قوله: "أو حيضة" بكسر الحاء، وهي الحالة التي هي عليها، والحيضة بالكسر أيضًا الخرقة التي تستثفر بها المرأة. قوله: "الطهور" بفتح الطاء، اسم لما يتطهر به، ويجوز بالضم أيضًا وهو التطهر. قوله: "قال ابن زيد" أبي أسامة بن زيد.

стр. 592

قوله: "مشيختنا" أي مشايخنا، جمع شيخ، ومن جملة مشايخه: محمَّد بن مسلم الزهري ويعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة، ونافع مولى ابن عمر، والقاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن بن القاسم، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن حنين، وحفص بن عبيد الله بن أنس، وأبو عبد الله دينار القراظ، وأبو حازم سلمة بن دينار. الوجه الثاني لعدم رفع عروة رأسه لحديث بسرة هو ما أشار إليه بقوله: "وإن كان إنما ترك أن يرفع بذلك رأسا ... " إلى آخره، تحريره: أن الذي أخبر عن بُسرة هو شُرطي مروان، فإذا كان مروان عند عروة ممن لا يؤخذ عنهم؛ فخبر شرطيه أولى ألَّا يؤخذ؛ لأن خبره عن بسرة دون خبر مروان عنها، وأما مروان فإنما رد عروة خبره لعلّةٍ فيه قد ظهرت لعروة، ولا سيما حين خرج على عبد الله بن الزبير ﵁ ولهذا قال ابن حزم في "المحلى": مروان ما يعلم له جرح قبل خروجه على أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير ﵄ ثم قال: ولم يلقه قط عروة إلَّا قبل خروجه على أخيه لا بعد خروجه. قلت: فيه نظر؛ لعدم الدليل على هذ الدعوى، وأما شرطي مروان فإنه مجهول، وقول البيهقي في كتاب "المعرفة": ولولا ثقة الحَرَسِيِّ عنده -أبي عند عروة بن الزبير- لما صار إليه -أي إلى حديث بسرة- غير مُسَلَّم؛ لأن عروة لم يقنع بخبره، ولو كان ثقة عنده لاكتفى بمجرد خبره، ولا كان يسأل عن بسرة بنفسه، ثم هو لم يقنع بخبره مروان الذي هو أقوى من خبر شرطيه، فكيف يقنع بخبر وهو أدنى من خبر مروان؟! ثم الشرطي منسوب إلى الشَرَطِ -بفتح الشين والراء- وشَرَط السلطان: نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده، وأصل الشَرَط -بالتحريك-: العلَّامة. قال ابن الأثير: وبه سميت شرط السلطان؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامات يعرفون بها.

стр. 593

وقال ابن الأعرابي: هم الشَرَطُ والشُرَطة، فالنسبة إلى الأول: شَرَطي -بفتحتين- والنسبة إلى الثاني: شُرْطي -بضم الشين وسكون الراء-. وقال الأصمعي: واحد الشُرَط شُرْطة وشُرْطي. ص: وهذا الحديث أيضًا فلم يسمعه الزهري من عروة، إنما دلس به؛ وذلك أن يونس حدثنا قال: نا شعيب بن الليث، عن أبيه، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم قال: "الوضوء من مس الذكر. قال مروان: أخبَرَتْنيه بسرة بنت صفوان. فأرسل إلى بسرة، فقالت: ذكر رسول الله ﷺ ما يتوضأ منه فذكر مسّ الذكر". قال أبو جعفر ﵀: فصار هذا الأثر إنما هو عن الزهري عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، فقد حط بذلك درجة؛ لأن عبد الله بن أبي بكر ليس حديثه عن عروة كحديث الزهري عن عروة، ولا عبد الله بن أبي بكر في حديثه بالمتقن، ولقد حدثني يحيى بن عثمان قال: حدثنا ابن وزير قال: سمعت الشافعي يقول: سمعت ابن عيينة يقول: كنا إذا رأينا الرجل يكتب الحديث عند واحد من نفر سماهم منهم: عبد الله بن عبد الله بن أبي بكر، سخرنا منه؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون الحديث، وأنتم فقد تُضَعِّفُون ما هو مثل هذا بأقل من كلام مثل ابن عيينة. ش: هذه إشارة إلى وجه آخر في سقوط العمل بحديث بسرة المذكور، وهو كونه مدلَّسا؛ وذلك لأن الزهري لم يسمعه من عروة، وإنما دلّس به، بيّن ذلك ما رواه يونس بن عبد الأعلى المصري، عن شعيب بن الليث ... إلى آخره، فصار هذا الحديث عن الزهري، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عروة، وانحط بذلك درجة؛ وذلك لأن حديث عبد الله بن أبي بكر عن عروة ليس كحديث الزهري عن عروة في القوة، ولا عبد الله بن أبي بكر بالمتقن في حديثه. واستدل على ذلك بما رواه الشافعي، عن سفيان بن عُيينة.

стр. 594

رواه عن الشافعي محمَّد بن الوزير أحد مشايخ أبي داود، واحد من أخذ عن الشافعي، روى عنه يحيى بن عثمان بن صلاح بن صفوان القرشي أبو زكريا المصري أحد مشايخ الطبراني وابن ماجه. قال ابن يونس: كان حافظا للحديث عالما. فإن قيل: عبد الله بن أبي بكر قد أخرج له الجماعة حتى قال النسائي فيه: ثبت. قلت: لا يلزم من إخراج الجماعة له ولا من قول النسائي أنه ثبت أن ينفي عنه ما تكلم فيه غيره ممن هو كبر منهم، وكفى في ذلك قول الشافعي عن شيخه سفيان بن عيينة، ولا يعادل أحد منهم ابن عيينة، ولقد سقط بذلك أيضًا ما ذكره البيهقي من حطه على الطحاوي في تضعيفه هذا الحديث قلت أيضًا: ولم يخطر ببالي أن يكون إنسان يدعي معرفة الآثار والرواية ثم يطعن في أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم وابنه عبد الله. وليت شعري لِمَ لَمْ يخطر ببال البيهقي ما نقله إمامه الشافعي عن ابن عيينة؟ ثم اعلم أن التدليس على قسمين: الأول: تدليس الإسناد وهو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه لقيه وسمعه منه، ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر، ومن شأنه ألَّا يقول في ذلك: أخبرنا فلان ولا حدثنا وما أشبههما، وإنما يقول: قال فلان أو عن فلان، وهذا الحديث من هذا القبيل؛ لأن الزهري لم يسمعه من عروة وإنما سمعه من عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد عن عروة عن مروان، فبينهما واحد وأسقطه في تلك الرواية ودلّس به، وهذا القسم مكروه جدّا ذمّه أكثر العلماء، وكان شعبة من أشدهم ذمّا له، وعن الشافعي أن التديس أخو الكذب (١).

стр. 595

والقسم الثاني: تدليس الشيوخ وهو أن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يُعْرَف به؛ كي لا يعرف، وهذا القسم أخف من الأول. ثم هذا الطريق الذي فيه عبد الله بن أبي بكر أخرجه النسائي (١) أيضًا: أنا أحمد بن محمَّد بن المغيرة، قال: نا عثمان بن سعيد، عن شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبد الله بن أبي بكر بن حزم، أنه سمع عروة بن الزبير يقول: "ذكر مروان في إمارته على المدينة أنه يتوضأ من مس الذكر إذا أفضى إليه الرجل بيده، فأنكرت ذلك، فقلت: لا وضوء على من مسّه. فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله ﵇ ذكر ما يتوضأ منه، فقال رسول الله ﵇: ويتوضأ من مس الذكر. قال عروة: فلم أزل أماري مروان حتى دعا رجلًا من حرسه فأرسله إلى بسرة، فسألها عما حدثت مروان، فأرسلت إليه بسرة بمثل الذي حدثني عنها مروان". قوله: "من نفر" قال الجوهري: النَّفَر -بالتحريك- عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة و [كذا] (٢) النفير. قوله: "سماهم" جملة في محل الجَرِّر؛ لأنها وقعت صفة للنفر. قوله: "سخرنا منه" من سخرت منه أسخر، من باب عَلَمِ يَعْلَمُ، والمصدر: سَخَر بالتحريك، والاسم السُخرية، والسُخرى والسِخرى -بالضم والكسر- يقال: سخرت منه وبه، وضحكت منه وبه، وهزئت منه وبه، كل ذلك يقال. ص: وقال آخرون: إن الذي بين الزهري وعروة في هذا الحديث أبو بكر بن محمَّد، حدثنا سليمان بن شعيب قال: نا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: أخبرني ابن شهاب قال: حدثني أبو بكر محمَّد بن عمرو بن حزم، قال:

стр. 596

حدثني عروة، عن بسرة بنت صفوان أنها سمعت النبي ﵇ يقول: "يتوضأ الرجل من مسّ الذكر". ش: أي قال جماعة آخرون من أهل الحديث: إن الرجل الذي بين الزهري وعروة بن الزبير هو أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، وبَيَّن ذلك الطحاوي بقوله: "حدثنا سليمان بن شعيب ... ". إلى آخره. وسليمان بن شعيب هذا من أصحاب محمَّد بن الحسن، وثقه السمعاني وغيره. وبشر بن بكر: التنيسي، روى له الجماعة. والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو، الإِمام المشهور. وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري. وأبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي المدني، روى له الجماعة. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): نا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني، نا يحيى بن عبد الله البابلي، ثنا الأوزاعي، حدثني الزهري، حدثني أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم ... إلى آخره نحوه. وأشار الطحاوي بذلك إلى اضطراب هذا الحديث؛ لأن الزهري تارة يروي عن عروة، وتارة عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة، وتارة عن أبي بكر بن محمَّد عن عروة، فهذه علة أخرى انضمت إلى غيرها من العلل. ص: فإن قالوا: فقد روى هذا الحديث أيضًا هشام بن عروة عن أبيه، وهشام فليس ممن يتكلم في روايته بشيء، ثم ذكروا في ذلك ما حدثنا ابن أبي عمران قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد التيمي، قال: أنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: "سألني مروان عن مس الذكر، فقلت: لا وضوء فيه. فقال مروان: فيه الوضوء ... ".

стр. 597

ثم ذكر مثل حديث أبي بكرة الذي في أول هذا الباب عن حسين بن مهدي، حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا حجاج بن المنهال، قال: نا حماد، عنه هشام ... فذكر بإسناده نحوه، غير أنه قال: "فأنكر ذلك عروة". حدثنا حسين بن نصر قال: نا يوسف بن عدي، قال: نا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه ... فذكر مثله بإسناده. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: حدثني سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا مس أحدكم ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ". حدثنا ابن أبي داود قال: نا يحيى بن صالح، قال: نا ابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، عن النبي ﵇ مثله. قيل لهم: إن هشام بن عروة لم يسمع هذا من أبيه وإنما أخذه من أبي بكر أيضًا، فدلّس به عن أبيه. حدثنا سليمان بن شعيب قال: نا الخصيب بن ناصح، قال: نا همام، عن هشام بن عروة، قال: حدثني أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن عروة: "أنه كان جالسا مع مروان ... " ثم ذكر الحديث على ما ذكره ابن أبي عمران ومحمد بن خزيمة. فرجع الحديث إلى أبي بكر أيضًا. ش: هذا إيراد من أهل المقالة الأولى، على ما ذكره أهل المقالة الثانية، بيانه: أنكم أثبتم الاضطراب في حديث الزهري عن عروة، وأن الزهري دلّس به، وادعيتم عدم إتقان عبد الله بن أبي بكر، فقد سلمنا لكم هذه، ولكن ما تقولون في رواية هشام بن عروة عن أبيه، فإنه روى هذا الحديث عن أبيه [عروة] (١) عن مروان، عن بسرة، وعن عروة عن بسرة، وهشام ليس ممن يتكلم في روايته بشيء.

стр. 598

ثم بيّن الطحاوي رواية هشام عن أبيه من خمس طرق: الأول: عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن عبيد الله بن محمَّد ابن حفص التيمي أبي عبد الرحمن البصري، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه ... إلي آخره، وهؤلاء كلهم ثقات. الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد البصري، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني (١) نحوه، نا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن مروان بن الحكم قال: "من مس فرجه فليتوضأ. فأنكر ذلك عليه عروة، فقال: يا شرطي، أثبت بسرة بنت صفوان فسلها (فأتاها فسألها, فقالت) (٢): سمعت ﵇ يقول: من مس ذكره فليتوضأ". الثالث: عن حسين بن نصر، عن يوسف بن عدي، عن علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه ... إلي آخره وهؤلاء كلهم ثقات. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣): نا علي عبد العزيز، نا محمد بن سعيد الأصبهاني، أنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أخبرني مروان بن الحكم، عن بسرة بنت صفوان، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا مس أحدكم فرجه فليتوضأ". قال: فأنكرت عليه، فأرسل إليها بحديثه عن رسول الله ﵇ وأنا حاضر". الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن سعيد ابن عبد الرحمن الجمحي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة ... إلي آخره، وهؤلاء أيضًا ثقات.

стр. 599

وأخرجه الييهقي في "سننه الكبير" (١): أنا أبو زكريا و [أبو] (٢) عبد الرحمن السلمي وغيرهما قالوا: أنا أبو العباس بن يعقوب، نا بحر بن نصر، قال: قرئ على ابن وهب: أخبرك سعيد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة بنت صفوان- قال: وكانت صحبت النبي ﵇- أن رسول الله ﵇ قال: "إذا مس أحدكم ذكره فلا يصلين حتى يتوضأ". الخامس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن صالح الوحاظي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- القرشي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، عن النبي ﵇ وهؤلاء أيضًا ثقات. قوله: "قيل لهم ... " إلى آخره جواب عن الإيراد المذكور، بيانه: أن هشام بن عروة لم يسمع هذا الحديث من أبيه عروة وإنما أخذه من أبي بكر محمَّد بن عمرو بن حزم، فدلَّس به عن أبيه، فيكون هذا الطريق أيضًا مدلسًا، وقال يعقوب بن شيبة: هشام بن عروة ثقة ثبت لم ينكر عليه شيء إلاَّ بعد ما صار إلى العراق فإنه انبسط في الرواية عن أبيه، فأنكر ذلك عليه أهل بلده، وكان تَسَهُّله أنه أرسل عن أبيه مما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه. وقال ابن خراش: كان مالك لا يرضاه، وكان هشام صدوقا تدخل أخباره في الصحيح، بلغني أن مالكا نقم عليه حديثه لأهل العراق. ونقل البيهقي في كتابه "المعرفة" قول: الطحاوي: "فإن قالوا قد روى هذا الحديث ... إلى آخره" ثم قال: ونسبه في ذلك -أي نسب هشاما في ذلك- إلى التدليس، وأيش يكون إذا كان يرويه عن أبي بكر، وأبو بكر ثقة حجة عند كافة أهل العلم بالحديث؟! إنما يضعف الحديث بأن يُدخل الثقة بينه وبين من فوقه مجهولا أو ضعيفًا، فإذا أدخل ثقة معروفا قامت به الحجة.

стр. 600

قلت: قد اعترف البيهقي بالتدليس في الحديث المذكور ولكن تحامله على الطحاوي الذي دعاه بأن قال: وأيش يكون إذا كان يرويه عن أبي بكر ... إلى آخره، وكيف يقول البيهقي هذا القول وهو لا يخلّصه عن القول بالتدليس، فإنك قد عرفت أن التدليس أن يكون بين الراوي وبين المروي عنه واحد أو أكثر، سواء كان الواسطة ثقة أو ضعيفًا، ألا ترى إلى ما مثَّل ابن الصلاح لصورة التدليس في الإسناد بقوله (١): مثال: ما روينا عن علي بن خشرم، قال: كنا عند ابن عيينة، فقال: الزهري. فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري. فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. فانظر الواسطة بين ابن عُيينة وبين الزهري، وهما إمامان ثقتان: عبد الرزاق، ومعمر بن راشد، ومع هذا فهو تدليس، وقد عرف أن المدلّس غير مقبول ولا محتج به إلاَّ إذا كان بلفظ مبين للاتصال، كما قد وقع في الصحيحين وغيرهما عن قتادة والأعمش والسفيانين وهشيم بن بشير وغيرهم، على أن البيهقي قد قال: أنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا منصور العتكي يقول: سمعت الفضل بن محمَّد الشعراني، يقول: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: حدثني يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: لم يسمع هشام بن عروة حديث أبيه في مس الذكر. قال: يحيى فسألت هشاما فقال: أخبرني أبي. فهذا شعبة صرح بأن هشاما ما لم يسمع هذا الحديث من أبيه عروة فيكون قول يحيى: "سمع من أبيه" معارضا لقول شعبة: "إنه لم يسمع أباه" ثم بيّن الطحاوي تدليس هشام أيضًا كتدليس الزهري بقوله: "حدثنا سليمان بن شعيب ... " إلى آخره، ورجاله ثقات. وسليمان هذا وثقه ابن يونس وغيره.
следующие страницы →