الحظر، في غيره وهو كون إيقاع الثلاث في طهر واحد بدعة لمخالفته السُنَّة، فوقع الطلاق وأثم لذلك، فصار كالبيع وقت أذان الجمعة، والصلاة في الأرض المغصوبة.
والقياس على الوكالة فاسد؛ لأن الوكيل قائم مقام موكِّله فإن فعل كما أمر به لزم، وإن خالف لم يلزم للمخالفة.
قوله: "وإن كان فعله على خلاف ما أمر به" وذلك لأن المأمور به أن يطلقها للسُنَّة وهو الذي أذن الله فيه للعدة كما قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) أي في قبل عدتهن كما ذكرنا.
ثم اختلفوا في طلاق السُنَّة، فقال أبو حنيفة وسفيان الثوري وسائر أهل الكوفة: من أراد أن يطلق امرأته للسُنَّة طلقها حين تطهر من حيضها قبل أن يجامعها طلقة واحدة، ثم يدعها حتى تحيض ثم تطهر، فإذا طهرت طلقها أخرى، ثم يدعها حتى تحيض ثم تطهر، فإذا طهرت طلقها ثالثةً، فبالثالثة حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره.
وقال مالك وأصحابه: طلاق السُنَّة أن يطلق طلقة في طهر لم يمسها فيه -ولو كان في آخر ساعة منه- ثم يمهلها حتول تنقضي عدتها وذلك بظهور أول الحيضة الثالثة في الحرة، أو الحيضة الثانية في الأَمة، فيتم للحرة ثلاثة أقراء وللأَمة قرآن، فإن طلقها في كل طهر تطليقة، أو طلقها ثلاثًا مجتمعات في طهر لم يمسها فيه؛ فقد لزم، وليس بمطلق للسُنَّة. وهو قول الأوزاعي وأبي عُبيد القاسم بن سلام.
وقال الشافعي وأحمد وداود: ليس في عدد الطلاق سُنَّة ولا بدعة، وإنما السُنَّة في وقت الطلاق، فإذا أراد أن يطلق امرأته للسُنَّة أمهلها حتى تحيض ثم تطهر، فإذا طهرت طلقها من قبل أن يجامعها كم شاء، إن شاء واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا، أيّ ذلك فعل فهو مطلق للسُنَّة.
стр. 5392
وأجمع العلماء أن طلاق السُنَّة إنما هو في المدخول بها، وأما غير المدخول بها فليس في طلاقها سُنَّة ولا بدعة؛ لأنه لا عدة عليهن.
وقال أشهب: لا يطلقها وإن كانت غير مدخول بها حائضًا.
وقال ابن القاسم: يطلقها متى شاء دان كانت حائضًا، وعليه الناس.
ولا خلاف بينهم في الحامل أن طلاقها للسنَّة من أول الحمل إلى آخره؛ لأن عدتها أن تضع ما في بطنها.
ص: وفي حديث ابن عباس ما لو اكتفينا به كان حجة قاطعة، وذلك أنه قال: "فلما كان زمن عمر ﵁ قال: يا أيها الناس قد كان لكم في الطلاق أناة، وإنه من تعجل أناة الله في الطلاق ألزمناه إياها".
حدثنا بذلك ابن أبي عمران قال: ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: أنا عبد الرزاق (ح).
وحدثنا عبد الحميد بن عبد العزيز، قال: ثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، مثل الذي ذكرناه في أول هذا الباب، غير أنهما لم يذكرا أبا الصهباء ولا سؤاله ابن عباس، وأنهما ذكرا مثل جواب ابن عباس الذي في ذلك الحديث، وذكرا من كلام عمر ﵁ ما قد ذكرناه قبل هذا الحديث، فخاطب عمر بذلك الناس جميعًا وفيهم أصحاب رسول الله ﵇ الذين قد علموا ما قد تقدم من ذلك في زمن رسول الله ﵇ فلم ينكره عليه منهم منكر ولم يدفعه دافع، فكان ذلك أكبر الحجة في نسخ ما تقدم من ذلك؛ لأنه لمَّا كان نقل أصحاب رسول الله ﵇ فعلاً تجب به الحجة، كان كذلك إجماعهم على القول إجماعًا تجب به الحجة، وكما كان إجماعهم على النقل بريء من الوهم والزلل، كان كذلك إجماعهم على الرأي بريء مِنَ الوهم والزلل، وقد رأينا أشياء قد كانت على عهد رسول الله ﵇ على معاني؛ فجعلها أصحابه من بعده على خلاف تلك المعاني لِمَا رأوا منه مما قد خفي على من بعدهم، فكان ذلك
стр. 5393
حجة ناسخًا لما قد تَقدَّمه، من ذلك تدوين الدواوين، ومنع بيع أمهات الأولاد، وقد كنَّ يُبعْن قبل ذلك، والتوقيت في حدّ الخمر ولم يكن فيه توقيت، فلما كان ما عملوا به من ذلك ووقفونا عليه لا يجوز لنا خلافه إلى ما رويناه مما تقدم فعلهم به، كان كذلك ما وقفونا عليه من الطلاق الثلاث الموقع معًا أنه يلزم، لا يجوز لنا خلافه إلى غيره مما قد روي أنه كان قبله على خلاف ذلك.
ش: هذا جواب عن حديث ابن عباس الذي احتجت به أهل المقالة الأولى لما ذهبوا إليه، بيان ذلك أن يقال: روي عن ابن عباس في هذا الحديث مما لو اكتفينا به لقامت به حجة قاطعة فيما ندعيه من وقوع ثلاث طلقات عند التلفظ بها، وهو أنه قال في روايته: "فلما كان زمن عمر ﵁ قال: أيها الناس، قد كان لكم في الطلاق أناة، وأنه مَنْ تعجل أناة الله في الطلاق ألزمناه إياه".
أخرجه مِنْ طريقين صحيحين:
الأول: عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن إسحاق بن أبي إسرائيل إبراهيم المروزي شيخ البخاري في غير الصحيح، عن عبد الرزاق ابن همام، عن معمر بن راشد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه طاوس، عن ابن عباس.
وأخرجه مسلم (١): نا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع -واللفظ لابن رافع قال إسحاق: أنا، وقال [ابن] (٢) رافع-: نا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "كان الطلاق على عهد رسول الله ﵇ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر؛ طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم".
стр. 5394
الثاني: عن عبد الحميد بن عبد العزيز أبي خازم -بالمعجمتين- القاضي، أحد فقهاء الدنيا واحد الأئمة الحنفيَّة الكبار، الثقة الثبت، عن أحمد بن منصور بن سيَّار الرمادي شيخ ابن ماجه وأبي عوانة الإِسفراييني، عن عبد الرزاق ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي (١) وغيره من حديث عبد الرزاق نحوه.
قوله: "أناة" بفتح الهمزة أي مهلة وبقية استمتاع وانتظار للرجعة. وفي "المطالع": الأناة -بالفتح والقصر- وهو الثبت في الأمور وترك العجلة. والثاني هو المكث والإبطاء، يقال: أَنَيْتُ وأَنَّيْتُ -مشددًا- وتَأَنَّيت.
قوله: "فخاطب عمر بذلك" أي بهذا القول الناس جميعًا، والحال أن فيهم أصحاب رسول الله ﵇.
قوله: "فكان ذلك" أي رضاهم كلام عمر وعدم ردهم إياه أكبر الحجة؛ لأنه صار إجماعًا، والإجماع من أقوى الحجج؛ بدليل قوله ﵇: "لا تجتمع أمتي على الضلالة" (٢) ولا سيما هؤلاء السادات من الصحابة ﵃ ومثل عمر بينهم.
قوله: "في نسخ ما تقدم من ذلك" أي من حديث ابن عباس.
فإن قيل: ما وجه هذا النسخ وعمر ﵁ لا ينسخ؟! وكيف يكون النسخ بعد النبي ﵇؟! ولو كان عمر نسخ ذلك لبادرت الصحابة إلى إنكار ذلك عليه، وإن كان يراد أنه نسخ في حياة النبي ﵇ فهو إرادة صحيحة ولكنه يُلزم المحذور من وجه آخر؛ وهو أنه يخرج عن ظاهر الخبر في قوله: "كان على عهد النبي ﵇ وأبي بكر"؛ لأنه إذا نسخ في عهد النبي ﵇ لم يصدق الراوي فيما قال.
стр. 5395
قلت: قد ذكرنا لك أن هذا بخطاب عمر للصحابة قد كان إجماعًا، والنسخ بالإجماع جوّزه بعض مشايخنا بطريق أن الإجماع يوجب علم اليقين كالنص، فيجوز أن يثبت النسخ به، والإجماع في كونه حجة أقوى من الخبر المشهور، فإذا كان النسخ يجوز بالخبر المشهور في الزيادة على النص، فجوازه بالإجماع أولى، وقد اعترض بعضهم بأن إجماعهم على النسخ من تلقاء أنفسهم لا يجوز في حقهم؛ لأنه يكون إجماعًا على الخطأ وهم معصومون من ذلك.
وأجيب عن ذلك بأنه قد يحتمل أن يكون ظهر لهم نص أوجب النسخ ولم ينقل إلينا ذلك.
وقد أجاب الناس عن حديث ابن عباس بأجوبة غير ذلك منها: ما قال أحمد بن حنبل: إن رواية ابن عباس هذه مدفوعة برواية الناس عنه من وجوه بخلاف ذلك، وقال: كل أصحاب ابن عباس رووا عنه خلاف ما روى عنه طاوس.
وقال البيهقي: فلذلك ترك البخاري رواية هذا الحديث؛ لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس، أنه أجاز الطلاق وأمضاه، وقال بعضهم: هذا الحديث في غير المدخول بها، وذهب إلى هذا جماعة من أصحاب ابن عباس ﵄، ورأوا أن الثلاث لا تقع على غير المدخول بها؛ لأنها بالواحدة تبين، فإذا قال: أنتِ طالق بانت، وقوله: ثلاثًا كلام وقع بعد البينونة فلا يُعتد به، وقال بعضهم: المراد به: أنه كان المعتاد في زمن النبي ﵇ تطليقة واحدة، وقد اعتاد الناس الآن التطليق بالثلاث.
وقال أبو العباس أحمد بن سريج جوابًا آخر قد ذكرناه في باب الرجل يطلق امرأته وهي حائض؛ فليعاود هناك.
وقال الجصاص: حديث ابن عباس هذا منكر على ما قيل.
قلت: قاله الطحاوي هكذا في غير هذا الموضع.
стр. 5396
قوله: "من ذلك تدوين الدواوين". الدواوين: جمع ديوان، وهو الكتاب الذي يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطيّة، وأول من دوَّان الدواوين عمر بن الخطاب ﵁. والديوان أصله دوَّن -بتشديد الواو- فعوض من إحدى الواوين ياءً؛ لأنه جمع على دواوين، ولو كانت الياء أصلية لقالوا: دياوين. قاله الجوهري، وحكى ابن دريد: دياون، فافهم.
قوله: "ولم يكن فيه توقيت" أي حَدّ معلوم.
ص: ثم هذا ابن عباس قد كان من بعد يفتي من طلق امرأته ثلاثًا أن طلاقه قد لزمه وحرمها عليه.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش عن مالك بن الحارث قال: "جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثًا، فقال: إن عمك عصى الله -فأثمه الله- وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجًا، فقلت: فكيف ترى في رجل يحلها له؟ فقال: من يخادع الله يخادعه".
ش: ذكر هذا وما بعده من أحاديث ابن عباس شاهدًا لما قاله من انتساخ حديثه ذاك، أي: ثم هذا عبد الله بن عباس قد كان يفتي من بعد أن روى الحديث المذكور بوقوع الطلاق الثلاث عند التلفظ بها، فالراوي إذا روى شيئًا ثم أفتى بخلافه أو عمل بخلافه، دَلَّ على أنه قد ثبت عنده نسخ ما رواه.
وقال الشافعي: يشبه أن يكون ابن عباس قد علم شيئًا ثم نسخ؛ لأنه لا يروي عن رسول الله ﵇ شيئًا ثم يخالفه بشيء لم يعلمه كان من النبي ﵇ فيه خلاف.
وقال البيهقي: رواية عكرمة عن ابن عباس قد مضت في النسخ، وفيها تأكيد لصحة هذا التأويل.
قلت: رواية عكرمة هي ما رواه أبو داود (١) والنسائي (٢) بإسنادها إلى ابن عباس
стр. 5397
قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ...﴾ (١) الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا فسخ ذلك فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢) الآية".
وأخرجه البيهقي (٣) أيضًا.
وقال البيهقي (٤): قال الشافعي: فإن قيل: فلعل هذا شيء روي عن [عمر] (٥) فقال فيه ابن عباس بقول [عمر] (٧) ﵁. قيل له: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر في نكاح المتعة وفي بيع الدينار بالدينارين وفي بيع أمهات الأولاد فكيف يوافقه في شيء يروي عن النبي ﵇ خلافه.
ثم إنه أخرج أثر ابن عباس بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي البصري شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن سليمان بن مهران الأعمش، عن مالك بن الحارث السلمي الكوفي وثقه يحيى وابن حبان، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي.
وأخرجه البيهقي (٦) من حديث الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس قال: "أتاني رجل فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثًا، فقال: إن عمك عصى الله -فأندمه الله- وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجًا، قال: أفلا يحللها له رجل؟ فقال: من يخادع الله يخادعه".
قوله: "فآثمه الله" أي عدَّه عليه إثمًا، يقال: أثمه الله في كذا يَأْثُمُه ويَأْثِمُه -بضم عين الفعل في المستقبل وكسرها- فهو مأثوم، هذا بالقصر، ويقال:
стр. 5398
بالمد آثمه الله أي أوقعه في الإثم، وأثمَّه أيضًا بالتشديد، وفي رواية البيهقي: "فأندمه الله" من الندامة.
قوله: "من يخادع الله" أي من يعامل الله معاملة المخادعين.
وقوله: "يخادعه" مجزوم؛ لأنه جواب "مَنْ" التي تضمنت معنى الشرط، أي يجازيه بما عمل من خداعه، وهذا من باب المشاكلة والازدواج، والمعنى أنه لما عصى الله تعالى في إيقاع الطلاق الثلاث دفعة واحدة وسدَّ الباب على نفسه وخالف السُنَّة؛ جازاه الله تعالى بأن أحوجه إلي رجل يحللها له.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب أن مالكًا أخبره، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمد بن إياس بن بكير قال: "طلق رجل امرأته ثلاثًا قبل الدخول بها ثم بدا له أن ينكحها، فجاء يستفتي، فذهبت معه أسأل له، فسأل أبا هريرة وعبد الله بن عباس عن ذلك، فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تتزوج زوجًا غيرك، فقال: إنما كان طلاقي إياها واحدةً، فقال ابن عباس: إنك أرسلت من يدك ما كان لك من فضل".
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١).
وفيه دليل أن ابن عباس أفتى بوقوع الثلاث لمن طلق ثلاثًا، وأن المطلقة بالثلاث لا تحل لزوجها إلا بعد زوج آخر، وأن من طلق امرأته قبل الدخول بها ثلاثًا تقع عليه الثلاث، وفيه خلاف؛ فعند طاوس وعطاء وقتادة وجابر بن زيد: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها فهي واحدة. روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢).
стр. 5399
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن يحيى بن سعيد، أن بكير بن الأشج أخبره، عن معاوية بن أبي عياش الأنصاري: "أنه كان جالسًا مع عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر، فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال: إن رجلاً من أهل البادية طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟ فقال ابن الزبير: إن هذا أمرٌ ما لنا فيه قول، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وإلى أبي هريرة ﵃ فسلهما، ثم ائتنا فأخبرنا، فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة، فقال أبو هريرة: الواحدة تبينها والثلاث تحرِّمها حتى تنكح زوجًا غيره، وقال ابن عباس مثل ذلك أيضًا".
ش: إسناده صحيح. ورجاله كلهم رجال الصحيح.
ويحيى بن سعيد هو الأنصاري قاضي المدينة.
وبكير بن الأشج هو بكير بن عبد الله بن الأشج القرشي المخزومي المدني.
ومعاوية بن أبي عياش الزرقي الأنصاري المدني، وهو أخو النعمان، وعيَّاش بتشديد الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة.
وأبو عيَّاش صحابي مشهور؛ فقيل: اسمه زيد بن الصامت، وقيل: عبيد الله بن زيد بن صامت الأنصاري الخزرجي الزرقي، وعاش إلى زمن معاوية، ومات بعد الأربعين، وقيل: بعد الخمسين.
وعاصم بن عمر بن الخطاب ﵄.
ومحمد بن إياس بن بكير بن عبد ياليل الليثي المدني، وكان أبوه وعماه خالد بن البكير وعاقل بن البكير ممن شهد بدرًا.
والحديث أخرجه مالك في "موطإه" (١)، وقال في آخره: وقال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا. وقال أيضًا: والثيب إذا ملكها الرجل ولم يدخل بها تجري مجرى البكر؛ الواحدة تُبينها، والثلاث تحرِّمها حتى تنكح زوجًا غيره.
стр. 5400
قوله: "قد جاءتك معضلة" أي حادثة معضلة أو مسألة معضلة أي: مشكلة؛ من أعضل الأمر إذا أشكل.
قوله: "الواحدة تُبينها" أي: الطلقة الواحدة تبين المرأة؛ من الإبانة، والطلقات الثلاث تحرمها يعني: لا يبقى له سبيل معها حتى تنكح زوجًا غيره، فيدخل بها دخولاً صحيحًا، ثم يطلقها، فتنقضي عدتها منه، فحينئذٍ لزوجها الأول أن يعيدها إلى عصمة نكاحه بعقد جديد.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: نا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمد بن إياس بن البكير: "أن رجلاً سأل ابن عباس وأبا هريرة وابن عمر ﵃ عن طلاق البكر ثلاثًا وهو معهم، فكلهم قال: حرمت عليك".
ش: إسناده صحيح.
وخالد بن عبد الرحمن الخراساني وثقه يحيى بن معين، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: لا بأس به.
وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب المدني، روى له الجماعة.
والزهري هو محمد بن مسلم.
وأخرجه أبو داود (١): نا أحمد بن صالح ومحمد بن يحيى، قالا: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن محمد بن إياس: "أن ابن عباس وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثًا فكلهم قال: لا تحل حتى تنكح زوجًا غيره".
стр. 5401
وهذا كما قد رأيت وقع في روايته: عبد الله بن عمرو بن العاص. وفي رواية الطحاوي: عبد الله بن عمر، وكذا وقع في رواية ابن أبي شيبة (١): عبد الله بن عمر مع زيادة عائشة فيها فقال: ثنا أبو أسامة، نا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وعن محمد بن إياس بن بكير، عن أبي هريرة وابن عباس وعائشة: "في الرجل يطلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، قالوا: لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره".
قوله: "حرمت عليك" أرادوا به التحريم بوقوع الثلاث عليها.
ص: حدثنا يونس قال: أنا سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة وابن عباس أنهما قالا في الرجل يطلق البكر ثلاثًا: "لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره".
ش: رجاله كلهم رجال الصحيح.
وسفيان هو ابن عُيينة. وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) عن ابن فضيل، عن مطرف، عن الحكم، عن ابن عباس وابن مسعود، قالا في رجل طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، قالا: "لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره".
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير: "أن رجلاً سأل ابن عباس أن رجلاً طلق امرأته مائة، فقال: ثلاث تحرمها عليه، وسبعة وتسعون في رقبته؛ إنه اتخذ آيات الله هزوًا".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.
стр. 5402
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن ابن أبي نجيح وحميد الأعرج، عن مجاهد: "أن رجلاً قال لابن عباس: رجل طلق امرأته مائة، فقال: عصيت ربك وبانت منك امرأتك؛ لم تتق الله فيجعل لك مخرجًا من يتق الله يجعل له مخرجًا قال الله : ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (١) في قبل عدتهن".
ش: هذه ثلاث طرق آخرى عن ابن عباس، وهي صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن عمرو بن مرة بن عبد الله المرادي الجملي أبي عبد الله الكوفي الأعمى، أحد مشايخ أبي حنيفة، وروى له الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن سفيان، قال: حدثني عمرو بن مًرة، عن سعيد بن جبير قال: "جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني طلقت امرأتي ألفًا -أو مائة- قال: بانت منك بثلاث، وسائرهن وزر، اتخذت آيات الله هزوًا".
"الهُزء" بضم الهاء والزاي وبتسكين الزاي أيضًا: السخرية، تقول منه: هزئت منه وهزئت به، وعن الأخفش: استهزأت به وهَزَأت به -بالفتح أيضًا- هَزوًا ومهزاءً.
وإنما قال ابن عباس هذا القول؛ إنكارًا عليه في طلاقه بمائة طلقة أو بألف طلقة؛ لأنه كلام لا يعتد به في الوقوع بأكثر من ثلاث طلقات؛ لأن الله تعالى شرَّع في كتابه ثلاث طلقات بقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٣)، ثم قال: ﴿فَإنِ طَلقَهَا﴾ (٤) أي الثالثة، فإذا ذكر أكثر من ذلك يكون آتيًا بما ليس في كتاب الله، فيكون كالمستهزئ.
стр. 5403
الثاني: عن علي بن شيبة، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس، عن عبد الأعلى بن عامر الثعلبي -بالثاء المثلثة والعين المهملة- الكوفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحو الأثر المذكور.
وعبد الأعلى هذا وإن كان ضعفه أحمد فقد وثقه غيره، وروى له الأربعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن إبراهيم، عن عبيدة وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قالا: "إذا طلقها ثلاثًا قبل أن يدخل بها فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن عبد الله بن أبي نجيح يسار المكي وحميد الأعرج، كلاهما عن مجاهد.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) من حديث عمرو بن مرزوق، أنا شعبة، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أنه سئل عن رجل طلق امرأته مائة تطليقة، قال: عصيت ربك وبانت منك امرأتك؛ لم تتق الله فيجعل لك مخرجًا، ثم قرأ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣) في قُبُل عدتهن".
قوله: "عصيت ربك"؛ لأنه خالف السُنَّة في الإيقاع.
قوله: "وبانت منك امرأتك" دليل على وقوع الثلاث بهذه اللفظة، وما فوق الثلاث لغو.
قوله: "لم تتق الله" أي لم تخف الله "فيجعل لك مخرجًا" فيما إذا أراد إعادة امرأته؛ لأنه سدَّ عليه باب الإعادة إلا بعد زوج آخر.
стр. 5404
قوله: "في قبُل عدتهن" قراءة قرأ بها ابن عباس وابن عمر ومجاهد وآخرون، والمعنى في استقبال عدتهن.
ص: ثم قد روي عن غيره من أصحاب رسول الله ﵇ ما يوافق ذلك أيضًا.
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا سفيان وأبو عوانة، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله: قال فيمن طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، قال: "لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله: "أنه سئل عن رجل طلق امرأته مائة فقال: ثلاثة تبينها منك، وسائرها عُدوان".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب أن مالكًا أخبره عن يحيى بن سعيد، عن بكير بن الأشج، عن النعمان بن أبي عياش الأنصاري، عن عطاء بن يسار قال: "جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو ﵄ فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يمسَّها، فقال عطاء: فقلت له: طلاق البكر واحدة، فقال عبد الله: إنما أنت قاصٌّ، الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجًا غيره".
حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا ابن لهيعة ويحيى بن أيوب، قالا: ثنا ابن الهاد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: "الواحدة تبينها، والثلاث تحرِّمها".
حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد -هو ابن منصور- قال: ثنا أبو عوانة، عن شقيق، عن أنس قال: "لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. قال: وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا أُتي برجل طلق امرأته ثلاثًا؛ أوجع ظهره".
حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن عاصم بن بهدلة، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود ﵁: قال في الرجل يطلق امرأته البكر ثلاثًا: "إنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.
стр. 5405
حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، حدثني شقيق، عن أنس بن مالك، عن عمر ﵄ مثله.
ش: أي ثم قد روي عن غير ابن عباس من الصحابة ما يوافق ما روي عن ابن عباس في وقوع الطلقات الثلاث بالتلفظ به؛ وأخرج في ذلك عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص وأنس وعمر بن الخطاب ﵃.
أما عن ابن مسعود فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن سفيان الثوري وأبي عوانة الوضاح اليشكري، كلاهما عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائل شقيق ابن سلمة الأسدي، عن عبد الله.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن ابن عُيينة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله.
وأخرجه من حديث وكيع (٢)، عن سفيان، عن منصور والأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: "جاء رجل إلى عبد الله فقال: إني طلقت امرأتي مائة؟ قال: بانت منك بثلاث، وسائرهن معصية".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "أتاه رجل فقال: إني طلقت امرأتي تسعة وتسعين مرة، قال: فما قالوا لك؟ قال: قالوا: حرمت عليك، قال: فقال عبد الله: لقد
стр. 5406
أرادوا أن يبقوا عليك، بانت منك بثلاث وسائرهن عدوان" انتهى. أي: سائر المائة غير الثلاث ظلم وتعدي؛ لأنه مخالف للكتاب والسُنَّة.
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن سفيان بن عُيينة، عن عاصم ابن بهدلة، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) عن ابن عُيينة، عن عاصم، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله مثله.
وأما عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس ... إلى آخره.
والنعمان بن أبي عياش هو أخو معاوية بن أبي عياش المذكور عن قريب، ذكره ابن حبان في الثقات من التابعين.
وأخرجه مالك في "موطأه" (٢).
وقيل: إن هذا الحديث لبكير عن عطاء ولم يتابع مالكًا أحدٌ على ذكر النعمان في هذا الحديث.
قلت: قال مسلم: والنعمان أقدم من عطاء بن يسار، أدرك عمر وعثمان ﵄.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة ويحيى بن أيوب الغافقي المصري، كلاهما عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك، عن عطاء بن يسار الهلالي المدني القاصّ -مولى ميمونة زوج النبي ﵇ عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
стр. 5407
وأما عن أنس وعمر بن الخطاب ﵄ فأخرجه من طريقين صحيحين أيضًا:
الأول: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن شقيق بن أبي عبد الله مولى آل الحضرمي -من أهل الكوفة، وثقه ابن حبان- عن أنس بن مالك.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا علي بن مسهر، عن شقيق بن أبي عبد الله، عن أنس قال: "لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره".
قوله: "أوجع ظهره" أي ضربًا، وإنما كان يفعل ذلك عمر ﵁ لكون إيقاع الطلقات الثلاث دفعة واحدة بدعة تخالف لسُنَّة الطلاق.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن شقيق بن أبي عبد الله الكوفي، عن أنس بن مالك، عن عمر بن الخطاب.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) من حديث سعيد بن منصور: نا سفيان، عن شقيق، سمع أنسًا يقول: "قال عمر ﵁ في الرجل يطلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، قال: هي ثلاث، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وكان إذا أُتي به أوجعه".
ثم اعلم أن الطحاوي قد أخرج في هذا الباب من الصحابة: عن ابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك وعمر بن الخطاب ﵁.
قلت: وفي الباب عن علي بن أبي طالب والمغيرة بن شعبة وعبد الله بن عمر بن الخطاب والحسن بن علي وعمران بن الحصين وأبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري وعائشة وأم سلمة ﵃.
стр. 5408
أما حديث علي ﵁ فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه، عن علي ﵁ قال: "إذا طلق البكر واحدة فقد بتَّها، وإذا طلقها ثلاثًا لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره".
وأما حديث المغيرة فأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) من حديث معاذ بن معاذ: ثنا شعبة، عن طارق بن عبد الرحمن، سمعت قيس بن أبي حازم قال: "سأل رجل المغيرة -وأنا شاهد- عن رجل طلق امرأته مائةً، قال: ثلاثة تُحَرِّم، وسبع وتسعون فضل".
وكذا حديث الحسن بن علي فأخرجه البيهقي (٣) أيضًا من حديث ابن حميد، نا سلمة بن الفضل، عن عمرو بن أبي قيس، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة قال: "كانت عائشة الخثعمية عند الحسن، فلما قتل علي ﵁ قالت: لتهنئك الخلافة، قال: بقتل علي ﵁ تُظهرين الشماتة؟! اذهبي فأنت طالق -يعني ثلاثًا- فتلفعت بثيابها وقعدت حتى مضت عدتها، فبعث إليها ببقية بقيت لها من صداقها، وعشرة آلاف صدقة، فقالت لَمَّا جاءها الرسول: متاع قليل من حبيب مفارق، فلما بلغه قولها بكى، ثم قال: لولا أني سمعت جدي -أو حدثني أبي أنه سمع جدي- يقول: أيما رجل طلق امرأته ثلاثًا عند الأقراء أو ثلاثًا مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره؛ لراجعتها".
وأما حديث عمران بن الحصين وأبي موسى ﵄ فأخرجه البيهقي أيضًا (٤) من حديث حميد الطويل، عن واقع بن سحبان: "أن رجلاً أتى عمران بن الحصين وهو
стр. 5409
في المسجد، فقال: رجل طلق امرأته ثلاثًا في مجلس قال: أثم بربه وحرمت عليه امرأته، فأنطلق الرجل فذكر ذلك لأبي موسى -يريد بذلك عيبه- فقال: ألا ترى أن عمران قال كذا وكذا؟! فقال أبو موسى: أكثر الله فينا مثل أبي نجيد".
وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا عبد الوهاب الثقفي، عن خالد، عن الحكم، عن أبي سعيد الخدري في الذي يطلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها فقال: "لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره".
وأما حديث عائشة فأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا (٢): نا أبو أسامة، قال: ثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وعن محمد بن إياس، عن بكير، عن أبي هريرة وابن عباس وعائشة في الرجل يطلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها قالوا: "لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره".
وأما حديث [أم] (٣) سلمة فأخرجه ابن أبي شيبة (٤) أيضًا: نا عبد الله بن نمير، عن أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "سمعت أم سلمة سئلت عن رجل طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، [فقالت] (٥): لا تحل له حتى يطأها غيره".
ص: فإن قال قائل: فقد رأينا العباد أمروا ألا ينكحوا النساء إلا على شرائط، منها: أنهم مُنعوا من نكاحهن في عِددهن، فكان مَنْ نكح امرأةً في عدتها لم يثبت نكاحه عليها، وهو في حكم مَنْ لم يعقد عليها نكاحًا.
стр. 5410
فالنظر على ذلك أن يكون كذلك هو إذا عقد عليها طلاقًا في وقت قد نُهِي عن إيقاع الطلاق فيه؛ أن لا يقع طلاقه ذلك، وأن يكون في حكم مَنْ لم يوقع طلاقًا.
فالجواب في ذلك أن ما ذكر من عقد النكاح كذلك هو، وكذلك العقود كلها التي يدخل العباد بها في أشياء لا يدخلون فيها إلا من حيث أُمِروا بالدخول فيها، وأما الخروج منها فقد يجوز بغير ما أمروا بالخروج به، مِنْ ذلك أنا قد رأينا الصلوات قد أمر العباد ألا يدخلوها إلا بالتكبير والأسباب التي يدخلون بها فيها، وأُمِروا ألا يخرجوا منها إلا بالتسليم، فكان من دخل في الصلاة بغير طهارة وبغير تكبير لم يكن داخلاً ليها، وكان من تكلم فيها بكلام مكروه أو فَعَلَ فيها شيئًا مما لا يُفْعَلُ فيها من الأكل والشرب والمشي وما أشبهه، خرج به من الصلاة وكان مسيئًا فيما فعل من ذلك في صلاته، فكذلك الدخول في النكاح لا يكون إلا من حيث أُمِر العباد بالدخول فيه، والخروج منه قد يكون بما أُمِروا بالخروج به منه وبغير ذلك. وهذا كله قول أيضًا أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: تقرير السؤال أن يقال: أُمرنا ألا ننكح إلا بشرائط منها: ألا تكون المرأة في العدة، فناكحها فيها كلا ناكح.
فالقياس على ذلك أن يكون المطلق في وقت نهي عن إيقاع الطلاق فيه كلا مطلق، فلا يقع طلاقه.
قوله: "في عِدَدهن" بكسر العين وفتح الدال الأولى وهو جمع عِدَّة بالكسر.
قوله: "إذا عقد عليها طلاقًا" والنسخة الصحيحة: إذا أوقع عليها طلاقًا.
وتقرير الجواب أن يقال: إن الطلاق هو الخروج عن النكاح، والنكاح من العقود التي لا يدخل فيها إلا مِنْ حيث أمر بالدخول فيها، وأما الخروج منها فلا
стр. 5411
يلزم أن يكون من حيث أمر بها، ويجوز أن يكون بغير ما أُمِر بها كالصلاة مثلاً فإن الدخول فيها لا يكون إلا بالتكبير وغيره من الشروط، والخروج منها بالسلام، فإذا خرج منها بشيء لا يفعل فيها كالأكل ونحوه، فإنه يخرج به من الصلاة وإن كان مسيئًا، وكذلك الطلاق يخرج به من النكاح وإن كان من غير ما أُمِر به من إيقاعه في وقتٍ نهي عنه فيه. فافهم.
وكان ينبغي أن يذكر هذا السؤال والجواب في الباب السابق؛ لأنه محله. فافهم.
***
стр. 5412
ص: باب: الأقراء
ش: أي هذا باب في بيان الأقراء، وهو جمع قُرء بضم القاف. قاله الأصمعي.
وقال أبو زيد: هو بفتح القاف، وقال البخاري: قال معمر: يقال: أقرأت المرأة إذا دنى حيضها، وأقرأت إذا دنى طهرها فهي مقرئ، وقرأت الناقة إذا حملت فهي قارئ، وأقرأت المرأة إذا استقر الماء في رحمها، وقعدت المرأة أيام أقرائها أي أيام حيضها.
وقال أبو عمر: أصل القرء في اللغة الوقت والطهور والحمل والجمع. وقال ثعلب: القروء: الأوقات، والواحد: قرء، وهو الوقت، وقد يكون حيضًا، ويكون طهرًا.
وقال قطرب: تقول العرب: ما أقرأت الناقة سلاً قط أي لم ترم به، وقالوا: أقرأت الناقة قراءً، وذلك معاودة الفحل إياها أوان كل ضراب. وقالوا أيضًا: قرأت المرأة قرءًا إذا حاضت وطهرت، وقرأت أيضًا إذا حملت.
وفي "المطالع": الأقراء جمع قُرء وقَرء، وهي الأطهار عند أهل الحجاز، والحيض عند أهل العراق، ومِنَ الأضداد عند أهل اللغة. وحقيقة القرء الوقت عند بعضهم، وعند آخرين الجمع والانتقال من حال إلى حال وهو أظهر عند أهل التحقيق.
قوله: "دعي الصلاة أيام أقرائك" يردّ قول أهل الحجاز.
قلت: لفظ القرء من الأسماء المشتركة، والمشترك كل لفظ تشترك فيه معاني أو أسامي لا على سبيل الانتظام، بل على احتمال أن يكون كل واحد هو المراد به على الانفراد، وإذا تعين الواحد مرادًا به انتفى الآخر، مثل اسم العين فإنه للناظر ولعين الماء وللشمس وللمرأة وللنقد من المال، وللشيء المعين ... إلي غير ذلك من المعاني قد عدَّها بعضهم سبعة عشر معنى لا على أن جميع ذلك مراد بمطلق اللفظ، ولكن على احتمال كون كل واحد مرادًا بانفراده عند الإطلاق، وأما بيان الاشتراك في لفظ
стр. 5413
القرء فإن العلماء متفقون أنه يحتمل الأطهار ويحتمل الحيض وأنه غير منتظم لهما، بل إذا حملناه على الحيض لدليل في اللفظ؛ وهو أن المرأة لا تسمى ذات القروء إلا باعتبار الحيض ينفي كون الأطهار مرادًا وإذا حمله الخصم على الأطهار لدليل في اللفظ وهو الإجماع، أخرج الحيض أن يكون مرادًا باللفظ، وقيل: لفظ القرء حقيقة في الحيض مجاز في الطهر.
والمقصود: هذا باب قد اختلف فيه السلف والخلف من اللغويين والفقهاء، وسيجيء بيانه مستقصى إن شاء الله تعالى.
ص: قال أبو جعفر ﵀: اختلف الناس في الأقراء التي تجب على المرأة إذا طلقت، فقال قوم: هي الحيض، وقال آخرون: هي الأطهار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الضحاك والأوزاعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر وأحمد -في الصحيح- وسائر الكوفيين وأكثر العراقيين؛ فإنهم قالوا: الأقراء: الحيض.
قال أبو عمر: هو المروي عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وابن عباس وجماعة من التابعين بالحجاز والعراق والشام، وقولهم كلهم: إن المطلقة لا تحل للأزواج حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، قال: وهو الذي استقر عليه أحمد بن حنبل فيما ذكر عمر بن الحسن الخرقي عنه في "مختصره".
قوله: "وقال أخرون" أي جماعة آخرون: "الأقراء هي الأطهار"، وأراد بهم: القاسم وسالمًا وأبان بن عثمان وأبا بكر بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وربيعة ويحيى بن سعيد والزهري ومالكًا والشافعي وأحمد في رواية وداود وأبا ثور وأبا سليمان.
стр. 5414
وقال أبو عمر: وهو قول عائشة وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو، وروي عن ابن عباس أيضًا.
كل هؤلاء يقولون: الأقراء: الأطهار، فالمطلقة عندهم تحل للأزواج بدخولها في الدم من الحيضة الثالثة، وسواء بقي من الطهر الذي طلقت فيه المرأة يوم واحد أو أقل أو أكثر أو ساعة واحدة فإنها تحتسب به المرأة قرءًا.
واعلم أن طائفة أخرى توقفوا في الأقراء: هل هي حيض أم أطهار، وهم: سليمان بن يسار وفضالة بن عبيد وأحمد في رواية؛ فعن أحمد ثلاث روايات: الأولى مع الطائفة الأولى، والثانية مع الثانية، والثالثة مع هؤلاء المتوقفين. والله أعلم.
ص: فكان من حجة من ذهب إلى أنها الأطهار: قول رسول الله ﵇ لعمر ﵁ حين طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض: "مُرْه أن يراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم ليطلقها إن شاء، فتلك العدة التي أمر أن تطلق لها النساء". وقد ذكرنا ذلك بإسناده في الباب الذي قبل هذا الباب.
قالوا: فلما أمره رسول الله ﵇ أن يطلقها في الطهر، وجعله العدة، ونهاه أن يطلقها في الحيض، وأخرجه من أن يكون عدة؛ ثبت بذلك أن الأقراء هي الأطهار.
ش: احتجاج هؤلاء بالحديث المذكور ظاهر، ولكنه معارض بما يحتج به أهل المقالة الأولي بحديث ابن عمر أيضًا، على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى، فإذا كان معارضًا يسقط الاحتجاج به.
ص: فكان من الحجة للآخرين عليهم أن هذا الحديث قد روي عن ابن عمر كما ذكروا، وقد روي عنه ما هو أتم من ذلك، فروي عنه: "أن رسول الله ﵇ أمر عمر ﵁ أن يأمره أن يراجعها ثم يمهلها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم ليطلقها إن شاء، وقال: تلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء". وقد ذكرنا ذلك بإسناده في الباب الذي قبل هذا الباب؛ فلما نهاه رسول الله ﵇ عن إيقاع الطلاق في الطهر الذي بعد الحيضة التي طلق فيها، حتى يكون طهر وحيضة أخرى
стр. 5415
بعدها، ثبت بذلك أنه لو كان أراد بقوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" الأطهار إذًا لجعل له أن يطلقها بعد طهرها في هذه الحيضة ولا ينتظر ما بعدها؛ لأن ذلك طهر، فلما لم يبح له الطلاق في ذلك الطهر حتى يكون طهرًا آخر بينه وبين ذلك الطهر حيضة؛ ثبت بذلك أن تلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء إنما هي وقت ما تطلق النساء، وليس لأنها عدة تطلق لها النساء، يجب بذلك أن تكون هي العدة التي تعتد بها النساء، لأن العِدد مختلفة، منها: عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، ومنها: عدة المطلقة ثلاثة قروء، ومنها: عدة الحامل أن تضع حملها، فكانت العدة اسمًا واحدًا لمعانٍ مختلفة، ولم يكن كل ما لزمه اسم عدة وجب أن يكون قرءًا، فكذلك لما لزم اسم الوقت التي تطلق فيه النساء اسم عدة، لم يثبت له بذلك اسم القرء، فهذه معارضة صحيحة.
ش: أي فكان من الحجة والبرهان للجماعة الأخرى وهم الذين قالوا: إن الأقراء: الحيض. عليهم -أي على الذين ذهبوا إلى أنها الأطهار- وأراد بها الجواب عما احتجوا به من حديث ابن عمر على سبيل المعارضة.
وهي لغةً عبارة عن المقابلة على سبيل الممانعة والمرافعة.
واصطلاحًا عبارة عن تسليم الدليل مع المنع في المدلول بدليل آخر، وهذا الاعتراض صحيح عند جمهور المحققين من الفقهاء والمتكلمين؛ فلذلك أشار إليه بقوله: فهذه معارضة صحيحة، بيان ذلك أن من قال: إن الأقراء هي الحيض، قالوا لمن قال: إنها الأطهار: ما ذكرتم من الدليل وإن دلَّ على ما ذكرتم من المدلول، ولكن عندنا من الدليل على خلافه، ثم بين ذلك بقوله: فلما نهاه رسول الله ﵇ عن إيقاع الطلاق ... إلي آخره، فهذه معارضة صحيحة؛ لأنها لا تتضمن إبطال تعليل الخصم المستدل، وإنما هي بيان دليل آخر يوجب خلاف ما أوجبه دليل المستدل من غير تعرض لإبطال دليله، بخلاف المعارضة التي فيها المناقضة؛ فإنها متضمنة لإبطال تعليل المستدل. فافهم.
стр. 5416
قوله: "فلما نهاه رسول الله ﵇" أي فلما نهى ابن عمر رسولُ الله ﵇.
قوله: "الأطهار" بالنصب مفعول لقوله: "لو كان أراد".
قوله: إذًا" أي حينئذٍ.
قوله: "ولا ينتظر" بالنصب عطفًا على قوله: أن يطلقها.
قوله: "إنما هي وقت ما تطلق النساء" أي إنما هي وقت تطليق النساء، وكلمة "ما" مصدرية.
قوله: "لأن العِدد" بكسر العين جمع عِدة.
قوله: "فكانت العدة اسمًا واحدًا لمعانٍ مختلفة" أراد به أنها لفظ مشترك بين معانٍ مختلفة.
قوله: "ولم يكن كل ما لزمه اسم عدة" يعني لا يلزم من إطلاق اسم عدة على شيء أن يكون ذلك الشيء قرءًا، فكذلك لا يلزم من إطلاق اسم العدة على الوقت الذي تطلق فيه النساء أن يطلق عليه اسم القرء؛ لامتناع الملازمة. فافهم.
ص: ولو أردنا أن نكثر ها هنا فنحتج بقول رسول الله ﵇ للمستحاضة دعي الصلاة أيام أقرائك" فنقول: الأقراء هي الحيض على لسان رسول الله ﵇ لكان ذلك قد تعلق به بعض مَنْ قد تقدم، ولكنا لا نفعل ذلك؛ لأن العرب قد تسمى الحيض قرءًا وتسمي الطهر قرءًا، وتجمع الطهر والحيض فتسميهما قرءًا. أخبرني بذلك محمود بن حسان النحوي قال: ثنا عبد الملك بن هشام، عن أبي زيد، عن أبي عمرو بن العلاء بذلك.
ش: أشار بهذا الكلام إلى أن الاحتجاج بقوله ﵇ للمستحاضة: "دعي الصلاة أيام أقرائك" كما أن المراد من الأقراء في باب العدة هي الحيض لا يعم؛ لأنه لما ثبت عن العرب أنهم يطلقون على الحيض قرءًا وعلى الطهر قرءًا بالاشتراك لم يلزم حينئذٍ من كون المراد من الأقراء في هذا الحديث الحيض أن يكون كذلك في باب العدة لوجود الاشتراك.
стр. 5417
قوله: "وتجمع الطهر والحيض" أي وتجمع العرب بين هذين اللفظين فتسميهما قرءًا، فهذا لا يتأتى من طريق الاشتراك؛ لأنه قد عرف أن إرادة المعنيين معًا في المشترك محال.
قوله: "أخبرني بذلك" أي بما ذكرنا من أن العرب تسمي ... إلى آخره.
أبو عبد الله محمود بن حسان النحوي نزيل مصر، توفي سنة اثنتين وسبعين ومائتين.
وهو يروي عن عبد الملك بن هشام بن أيوب النحوي -صاحب المغازي- مغازي ابن إسحاق- نحوي قدم مصر، وثقه ابن يونس، توفي سنة ثمان عشرة ومائتين.
وهو يروي عن أبي زيد سعيد بن أوس بن بشير الأنصاري النحوي البصري، قال يحيى وأبو حاتم: صدوق. وقال صالح بن محمد البغدادي: ثقة. وقال أبو حاتم السجستاني: مات سنة خمس عشرة ومائتين وله ثلاث وتسعون سنة. وهو يروي عن أبي عمرو بن العلاء البصري أحد الأئمة القراء السبعة، اختلف في اسمه؛ فقيل: عمرو بن عبد الله، وقيل: زبان، وقيل: عريان، وقيل: يحيى، وقيل: اسمه كنيته، وعن يحيى: ثقة. توفي بالكوفة سنة أربع وخمسن ومائة وهو ابن أربع وثمانين سنة، روى له أبو داود في "القدر"، وابن ماجه في "التفسير".
وقال ابن حزم في "المحلى" (١): القرء في لغة العرب الذي نزل بها القرآن يقع على الطهر، ويقع على الحيض، ويقع على الطهر والحيض، حدثنا بذلك أبو سعيد الجعفري، ثنا محمد بن علي المقرئ، ثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس النحوي، ثنا أبو جعفر الطحاوي، ثنا محمود بن حسان، ثنا عبد الملك بن هشام، نا أبو زيد الأنصاري، قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول ... فذكره.
стр. 5418
ص: وفي ذلك أيضًا حجة أخرى: أن عمر ﵁ هو الذي خاطبه رسول الله ﵇ بقوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" ولم يكن ذلك عنده دليلاً على أن الأقراء: الأطهار؛ إذ قد جعل الأقراء الحيض فيما روي عنه، فإذا كان هذا عند [عمر] (١)، وقد خاطبه رسول الله ﵇ به لا دليل فيه على أن القرء الطهر كان من بعده أيضًا فيه كذلك، وسنذكر ما روي عن عمر في هذا في موضعه من هذا الباب إن شاء الله تعالى.
ش: أي: وفي كون الأقراء الحيض برهان آخر: وهو أن النبي ﵇ قد خاطب عمر بن الخطاب ﵁ بقوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء"، وقد جعل عمر الأقراء الحيض؛ لأنه لم يقم عنده دليل على أن الأقراء الأطهار، فإذا لم يقم عند عمر ﵁ دليل على أن القرء هو الطهر، كان مَنْ بعده أيضًا كذلك، بل بالأولى؛ لأن مثل عمر إذا لم يبلغ له إطلاق القرء على الطهر في الحديث الذي خاطبه رسول الله؛ فغيره بالطريق الأولى، فافهم.
ص: وكان مما احتج به الذين جعلوا الأقراء الأطهار أيضًا: ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂: "أنها نقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ﵃ حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، قال ابن شهاب: فذكرت ذلك لعمرة، فقالت: صدق عروة، قد جادلها في ذلك أناس، وقالوا: إن الله يقول: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢) فقالت عائشة: صدقتم، أتدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، قال: قال ابن شهاب: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: "ما أدركت أحدًا من فقهائنا إلا وهو يقول هذا- يريد الذي قالت عائشة ﵂".
стр. 5419
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: "إذا طلق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد بريء منها، ولا ترثه ولا يرثها".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الحجاج، عن إبراهيم الأزرق، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سليمان بن يسار، عن زيد بن ثابت ﵁ قال: "إذا طعنت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها".
حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب قال: "قضى زيد بن ثابت ﵁ ... فذكر مثله.
قال ابن شهاب: وأخبرني بذلك عروة، عن عائشة ﵂.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن نافع "أن معاوية كتب إلى زيد بن ثابت يسأله، فكتب: إنها إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت منه، قال نافع: وكان ابن عمر يقوله". قالوا: فهذه أقاويل أصحاب رسول الله ﵇ تدل على ما ذكرنا.
ش: أي وكان من الذي احتج به القوم الذين جعلوا الأقراء الأطهار: ما روي عن جماعة من الصحابة ﵃ أنهم قالوا: الأقراء الأطهار. وأخرج في ذلك عن عائشة وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ﵃:
أما عن عائشة فأخرجه بإسناد صحيح. ورجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١) والبيهقي في "سننه" (٢) من حديث مالك.
قوله: "نقلت حفصة" أي نقلت عائشة حفصة بنت أخيها عبد الرحمن؛ وإنما، نقلتها لأنها لما دخلت في الدم من الحيضة الثالثة انقضت عدتها بالأطهار حتى إن
стр. 5420
المطلقة الرجعية إذا دخلت في الحيضة الثالثة بانت على قول هؤلاء، وبهذا أخذ الزهري، وهو قول مالك والشافعي كما ذكرناه، وفي بعض النسخ: "أنها انتقلت حفصة".
قوله: "حدثنا يونس" إلى قوله: "سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن ... " إلى آخره.
أخرجه مالك في "موطأه" (١).
وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني، أحد الفقهاء السبعة، والأصح أن اسمه كنيته، روى له الجماعة.
قوله: "إلا وهو يقول هذا" أي إلا وهو يقول: إن الأقراء الأطهار، كما قالت عائشة.
وأما عن ابن عمر فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مالك في "موطأه" (٢) والبيهقي في "سننه" (٣) من حديث مالك.
قوله: "فقد برئ منها" أراد أن الزوجية تنقطع بدخولها في الدم من الحيضة الثالثة؛ لانقضاء عدتها بالأطهار، حتى إنه إذا مات وهي في الحيضة الثالثة لا ترثه هي، أو ماتت هي وهي فيها لا يرثها هو؛ لارتفاع الزوجية بانقضاء العدة.
وأما عن زيد بن ثابت فأخرجه من أربع طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن الحجاج بن إبراهيم الأزرق، عن سفيان الثوري، عن محمد بن مسلم الزهري ... إلي آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا سفيان بن عُيينة، عن الزهري ... إلى آخره نحوه.
стр. 5421
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عُيينة عن الزهري ... إلى آخره.
وأخرجه عبد الرزاق (١): عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان ابن يسار، عن زيد بن ثابت قال: "إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وجلت للأزواج".
وأخرجه البيهقي (٢) عن قيس بن سعد، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن زيد بن ثابت قال: "إذا رأت المطلقة قطرة من الدم في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن وكيع، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن سليمان بن يسار عن زيد بن ثابت قال: "إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت منه".
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره.
الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن نافع مولى ابن عمر ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): نا سفيان، عن الزهري، عن سليمان ابن يسار "أن معاوية سأل زيد بن ثابت فقال: إذا طعنت في الحيضة الثالثة؛ فقد برئت منه".
стр. 5422
وأخرجه البيهقي (١) بأتم منه من حديث مالك عن نافع، وزيد بن أسلم عن سليمان بن يسار: "أن الأحوص هلك بالشام حين دخلت امرأته في الدم من الحيضة الثالثة، وكان قد طلقها، فكتب معاوية إلى زيد بن ثابت يسأله، فكتب إليه زيد: إنها إذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبريء منها، ولا ترثه ولا يرثها".
قوله: "قالوا: فهذه أقاويل أصحاب رسول الله ﵇" أي قال الذين جعلوا الأقراء أطهارًا: هذه أقاويل الصحابة، تدل على ما ذكرناه من أن الأقراء هي الأطهار لا الحيض.
ص: قيل لهم: هذا لو لم يختلف أصحاب رسول الله ﵇ في ذلك، فأما إذا اختلفوا فيه، فقال بعضهم ما ذكرتم، وقال أخرون بخلاف ذلك لم تجب بما ذكرتم لكم حجة، فمها روي خلاف ما احتجوا به من الآثار المذكورة عمن رويت عنه من أصحاب رسول الله ﵇ الدَّالة على أن الأقراء غير الأطهار: ما حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب ﵁: "زوجها أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة".
حدثنا علي بن شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا سفيان بن سعيد، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة: "أن رجلاً طلق امرأته فحاضت حيضتين، فلما كانت الثالثة ودخلت المغتسل، أتاها زوجها فقال: قد راجعتك -ثلاثًا- فارتفعا إلى عمر ﵁، فأجمع عمر وعبد الله على أنه أحق بها ما لم تحل لها الصلاة، فردَّها عمر عليه".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: "إذا طلق العبد امرأته ثنتين فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره، حرةً كانت أو أَمةً، وعدَّة الحرة ثلاث حيض، وعدة الأمة الحيضتان".
стр. 5423
فهذا عبد الله بن عمر ﵄ وهو الذي روى عن رسول الله ﵇ قوله لعمر: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" ولم يدل ذلك على أن الأقراء الأطهار، إذا كان قد جعلها الحيض.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا محمد بن راشد، عن مكحول: "أنه قدم المدينة فذكر له سليمان بن يسار أن زيد بن ثابت ﵁ كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته فرأت أُول قطرة من دم حيضتها الثالثة فلا رجعة له عليها، قال: فسألت عن ذلك بالمدينة، فبلغني أن عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وأبا الدرداء كانوا يجعلون له عليها الرجعة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني قبيصة بن ذؤيب، أنه سمع زيد بن ثابت يقول: "الطلاق إلى الرجال والعدة إلى المرأة، إن كان الرجل حرًّا وكانت المرأة أَمَة فثلاث تطليقات وتعتد عدة الأَمة حيضتين، وإن كان عبدًا وامرأته حرة طلق طلاق العبد تطليقتين واعتدت عدة الحرة ثلاث حيض".
فلما جاء هذا الاختلاف عنهم؛ ثبت أنه لا يحتج في ذلك بقول أحد منهم؛ لأنه متى احتج محتج في ذلك بقول بعضهم احتج مخالفه عليه بقول مثله، فارتفع ذلك كله أن يكون حجة لأحد الفريقين على الفريق الآخر.
ش: أي: قيل لهؤلاء الذين احتجوا في قولهم: إن الأقراء هي الأطهار بآثار عائشة وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ﵃: نعم الاحتجاج بهذه إنما يتم ويستقيم أي لو لم يختلف أصحاب رسول الله ﵇ في ذلك فأما إذا اختلفوا فيه، فمنهم مَن قال ما ذكرتم، ومنهم من قال بخلافه لم تجب لكم بذلك حجة؛ لأنه إذا كان الأمر كذلك لا يتم الاستدلال لأحد الخصمين؛ لأن أحدهما إذا ادعى أن الأقراء هي الأطهار واحتج على ذلك بآثار تدل على مدعاه؛ ينتهض الخصم الآخر ويقول: بل الأقراء هي الحيض، ويستدل على ذلك بآثار تدل على مدَّعاه،
стр. 5424
فلا يحصل بهذا قطع في الاحتجاج، فحينئذٍ يرتفع هذا كله من أن يكون حجة لأحد الخصمين على الآخر، وهذا معنى قوله: "فلما جاء هذا الاختلاف عنهم أي عن الصحابة ... " إلى آخره.
والصواب أن لا يقال في مثل هذا: إنه خلاف، بل يقال: إن هذا اختياره، وذلك لأن القرء لما كان لفظًا مشتركًا بين الحيض والطهر، وكان حقيقة في أحدهما عند قيام قرينة، ووردت أخبار تدل على المعنيين، اختارت طائفة أحد المعنيين، وطائفة المعنى الآخر بحسب ما قام عنده من الشاهد لذلك.
ثم إنه أخرج مما يخالف ما رووه عن جماعة من الصحابة وهم: علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وزيد بن ثابت.
أما عن علي ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن علي ﵁ قال: "هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة".
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) من حديث سفيان، عن الزهري، عن ابن المسيب، أن عليًّا ﵁ قال: "إذا طلق الرجل امرأته فهو أحق برجعتها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، في الواحدة والاثنتين".
وأما عن عمر وعبد الله بن مسعود فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا عليًّا.
وسفيان بن سعيد هو الثوري، ومنصور هو ابن المعتمر، وإبراهيم هو النخعي.
стр. 5425
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١) من حديث سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة: "أن امرأة جاءت إلى عمر ﵁ فقالت: إن زوجي طلقني، ثم تركني حتى رددت بابي ووضعت مائي، وخلعت ثيابي، فقال: قد راجعتك، قد راجعتك، فقال عمر لابن مسعود -وهو إلى جنبه-: ما تقول فيها؟ قال: أرى أنه أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة وتحل لها الصلاة، فقال عمر ﵁: وأنا أرى ذلك".
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا عباد بن العوام، عن جويبر، عن الضحاك بن مزاحم: "أن امرأة تزوجت شابًّا، وطلقها تطليقة أو تطليقتين، قال: فأتاها وهي تغتسل من الحيضة الثالثة، فقال: يا فلانة، إني قد راجعتك، فقالت: كذبت، ليس ذلك إليك، فارتفعا إلي عمر بن الخطاب -وعنده عبد الله بن مسعود- فقال عمر: [ما ترى] (٣) يا أبا عبد الرحمن؟ قال: فقال: أنشدك بالله، هل كنت لطمتيه بالماء؟ قالت: ما فعلتُ، قال: فقال: خُذْ يدها".
قوله: "فلما كانت الثالثة" أي الحيضة الثالثة.
قوله: "قد راجعتك ثلاثًا" أي قال ثلاث مرات: راجعتك، راجعتك، راجعتك.
قوله: "فأجمع عمر وعبد الله" أي اتفق عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود ﵄ على أن الزوج أحق بتلك المرأة ما لم تحل لها الصلاة؛ لأنها ما لم تحل لها الصلاة كانت عدتها، باقية فتصح الرجعة فيها، فإذا حلَّت لها الصلاة خرجت العدة فلم يبق محلاً للرجعة.
وأما عن عبد الله بن عمر فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح ورجاله كلهم رجال الصحيح.
стр. 5426
وأخرجه مالك في "موطإه" (١).
وهذا اشتمل على أحكام:
الأول: أن العبد لا يملك من الطلقات إلا ثنتين سواء كانت امرأته حرة أو أمَة، فإذا طلق امرأته طلقتين حرمت عليه فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وفي هذا خلاف بيننا وبين الشافعي؛ فعنده عدد الطلاق معتبر بحال الرجل، وعندنا بحال المرأة حتى إن العبد إذا كانت تحته حرة يملك عليها ثلاث طلقات عندنا، وعنده لا يملك عليها إلا طلقتين، والحر إذا كانت تحته أمَة لا يملك عليها إلا طلقتين عنده، وعندنا تلك عليها ثلاث طلقات، والمسألة مختلفة بين الصحابة؛ فروي عن علي وعبد الله بن مسعود مثل قولنا، وعن عثمان وزيد بن ثابت مثل قوله، وسيجيء الكلام فيه مستقصي.
الثاني: أن عدة الحرة ثلاث حيض.
الثالث: أن عدة الأَمَة حيضتان.
الرابع: أن هذا يدل على أن الأقراء هي الحيض؛ وذلك لأن عبد الله بن عمر هو الذي كان روى عن رسول الله ﵇ قوله لعمر بن الخطاب ﵁: "فتلك العدة هي التي أمر أن تطلق لها النساء"، ثم إنه جعل العدة الحيض، فدلَّ ذلك أن الأقراء هي الحيض لا الأطهار.
وأما عن معاذ وأبي الدرداء فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلّسي، عن أحمد بن خالد الكندي الوهبي، شيخ البخاري في غير الصحيح، عن محمد بن راشد الخزاعي أبي يحيى الشامي الدمشقي المعروف بالمكحولي، وعن أحمد: ثقة ثقة. وعن يحيى: ثقة صدوق. وعن شعبة: إنه لصدوق ولكنه شيعي أو قدري. روى له الأربعة، وهو يروي عن مكحول الشامي الدمشقي الفقيه.
стр. 5427
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا إسماعيل بن عياش عن عبيد الله الكلاعي، عن مكحول: "أن أبا بكر وعمر وعليًّا وابن مسعود وأبا الدرداء وعبادة بن الصامت وعبد الله بن قيس الأشعري ﵃ كانوا يقولون في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين: إنه أحق بها ما لم تغتسل من حيضتها الثالثة، ويرثها وترثه ما دامت في العدة".
وأما عن زيد بن ثابت فأخرجه بإسناد رجاله كلهم رجال الصحيح.
ويونس الأول هو ابن عبد الأعلى، ويونس الثاني هو ابن يزيد الأيلي، وابن وهب هو عبد الله بن وهب، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري.
وقبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي أبو إسحاق المدني، ولُد عام الفتح وسكن الشام، وعن الشعبي: قبيصة بن ذؤيب أعلم الناس بقضاء زيد بن ثابت. روى له الجماعة.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا إسماعيل بن عُلية، عن أيوب، عن سليمان بن يسار: "أن نُفَيعًا فتى أم سلمة طلق امرأته -وهي حرة- تطليقتين فحرصوا على أن يردوها عليه، وأبي عثمان وزيد. وقال سليمان: ويقول أحدٌ غير هذا؟! فلما قدمت المدينة كتبت إلى أبي قلابة، فكتب إليَّ: أنه حدثني مَنْ أطمئن إلى حديثه أن زيد بن ثابت وقبيصة بن ذؤيب قالا: إذا كان زوجها حرًّا وهي أَمَة فطلاقه طلاق حرة وعدتها عدة أَمَة، وإن كان زوجها عبدًا وهي حرة فطلاقه طلاق عبد وعدتها عدة حرة".
فهذا مشتمل على حكمين:
الأول: أن الطلاق إلى الرجال. وإليه ذهب الشافعي ومالك وأحمد، وقد قلنا: إنه مختلف فيه بين الصحابة.
стр. 5428
الثاني: أنه يدل على أن الأقراء هي الحيض وهذا ظاهر لا يخفى.
ص: وكان من حجة مَنْ جعل الأقراء الحيض على مخالفه: أن قال: فإذا كانت الأقراء الأطهار، فإذا طلق المرأةَ زوجُها وهي طاهر فحاضت بعد ذلك بساعة فحسب ذلك لها قرءًا مع قرءين متتابعين كانت عدتها قرءين وبعض قرءٍ، وإنما قال الله ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١).
ش: هذا محذور يلزم مَن قال: إن الأقراء هي الأطهار، بيانه: أن الأقراء إذا كانت أطهارًا يلزم من ذلك أن تكون عدتها قرءين وبعض قُرء، وهذا خلاف النص؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) توضيحه: أن الله تعالى خص الأقراء بعدد يقتضي استيفاؤه العدة، وهو ثلاثة قروء، واعتبار الطهر فيه يمنع استيفاؤها بكمالها فيمن طلقها للسُنَّة؛ لأن طلاق السنة أوقعه في طهر قد جامعها فيه؛ فلا أبدًا إذا كان كذلك من أن يصادف طلاقه طهرًا قد مضى بعضه، ثم تعتد بعده بطهرين آخرين فهذان طهران وبعض الثالث، فلما تعذر استيفاء الثالث إذا أراد طلاق السُنَّة، علمنا أن الأقراء الحيض الذي يمكن استيفاء العدد المذكور في الآية بكماله. فافهم.
ويلزم محذور آخر إذا قلنا: إن الأقراء هي الأطهار؛ وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (١) والثلاثة اسم خاص وضع لعدد معلوم، والخاص بمنزلة العلم قطعًا؛ لكونه بيِّنًا في نفسه، فلو حملت الأقراء على الأطهار لانتقص العدد عن الثلاثة بالطريق الذي ذكرنا فيلزم حينئذٍ ترك العمل بالخاص.
فإن قيل: لِمَ قلتم: إنه إذا احتسب الطهر الذي وقع فيه الطلاق فيكون الواجب طهرين وبعض طهر، بل الواجب ثلاثة؛ لأن بعض الطهر طهر؛ إذ المراد بالطهر أدنى ما يطلق عليه طهر وهو طهرين عندنا.
стр. 5429
قلت: لا نسلم أن بعض الطهر طهر، بل هو ليس بطهر؛ لأن بعض الطهر لو كان طهرًا لا يكون بين الأول والثالث قرءين، فينبغي أن يكتفي في الثالث ببعضه، فإذا مضى منه شيء شرع أن يحل لها التزوج وهو خلاف الإجماع؛ ولأنه لو كان كذلك لانقضت العدة في طهر واحد، حيث إن المراد من الطهر هو الشرعي.
فإن قيل: لا يحسب الطهر الذي وقع فيه الطلاق كما هو مذهب بعض المالكية فحينئذٍ تكون باقي الأطهار كاملة، وهي أن الأقراء هي الأطهار.
قلت: الخصم لا يقول بذلك، بل هو يحسب ذلك الطهر، فحينئذٍ يجب طهران وبعض، فيجب الانتقاص عن الثلاثة، وإن قلنا على مذهب من لا يحتسب هذا الطهر الذي وقع فيه الطلاق يجب ثلاثة أطهار وبعض، فهذا أيضًا لا يجوز؛ لأنها تزيد على الثلاثة، وقد قلنا: إن الثلاث عدد خاص بمنزلة العلم بعدد معلوم لا يحتمل غيره، سواء كان أقل منه أو أكثر. فافهم.
ص: فكان حجة مَنْ ذهب إلى أن الأقراء الأطهار في ذلك: أن قال: فقد قال الله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (١) فكان ذلك على شهرين وبعض الشهر، فكذلك جعلنا الأقراء الثلاثة على قرءين وبعض قرء.
ش: هذا جواب من جهة الخصم عن المحذور المذكور، بيانه أن يقال: لم لا يجوز أن يذكر الثلاثة ويراد بها الاثنان وبعض الثالث كما في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (١) حيث أريد به شهران وبعض الثالث؟ فكذلك نجعل الأقراء الثلاثة على قرءين وبعض قرء.
ص: فكان من حجتنا عليهم في ذلك أن الله قال في الأقراء: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢) ولم يقل في الحج: ثلاثة أشهر، ولو قال في ذلك: ثلاثة أشهر، فاجمعوا أن ذلك على شهرين وبعض شهر؛ ثبت بذلك ما قال المخالف لنا، ولكنه إنما قال: ﴿أشهُر﴾ (١)
стр. 5430
ولم يقل: ثلاثة، فاما ما حصره بالثلاثة فقد حصره بعدد معلوم، فلا يكون أقل من ذلك العدد، كما أنه لما قال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (١)، فحصر ذلك بالعدد، فلم يكن ذلك على أقل من ذلك العدد، فكذلك لما خص الأقراء بالعدد فقال: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢) لم يكن ذلك على أقل من ذلك العدد.
ش: هذا تزييف للجواب المذكور وردُّ إياه، تقريره: أن "الأشهر" اسم عام لا عَلَم فيقبل المجاز بإرادة النقص، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ (٣) فإن المراد بالملائكة جبريل ﵇ فقط، فأما أسماء الأعداد فلا يجوز فيه ذلك لكونها أعلامًا، والأعلام لا يجزئ عنها المجاز.
قوله: "لو قال في ذلك" أي لو قال الله عن الحج: الحج ثلاثة أشهر بالتنصيص على هذا العدد، ثم أجمع العلماء على أن المراد منها شهران وبعض شهر؛ كان قد ثبت بذلك ما يقوله الخصم، ولكنه إنما قال: ﴿أَشْهُر﴾ (٤) والأشهر اسم عام يقبل المجاز كما ذكرنا.
فإذا قيل: لو أريد بالقروء الحيض على ما ذكرتم، لزمكم ما ألزمتمونا به وهو الازدياد على الثلاثة؛ وذلك أنه إذا طلقها في الحيض لا يحتسب بتلك الحيضة إجماعًا، فيجب ثلاثة أقراء وبعض، واسم الثلاثة لا يحتمل ذلك، فهذا معارضة بالمثل.
قلت: إن ذلك الازدياد ثبت ضرورة وجوب التكميل فلا يعبأ به، إذ الحيضة الواحدة إجماعًا لا تقبل التجزئة فوجب التكميل، والثابت لضرورة العمل بالنصوص لا يعد زيادةً لتخلل الأطهار والحيض بين الثلاثة على اختلاف المذهبين.