حدثني عروة، عن بسرة بنت صفوان أنها سمعت النبي ﵇ يقول: "يتوضأ الرجل من مسّ الذكر".
ش: أي قال جماعة آخرون من أهل الحديث: إن الرجل الذي بين الزهري وعروة بن الزبير هو أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، وبَيَّن ذلك الطحاوي بقوله: "حدثنا سليمان بن شعيب ... ". إلى آخره.
وسليمان بن شعيب هذا من أصحاب محمَّد بن الحسن، وثقه السمعاني وغيره.
وبشر بن بكر: التنيسي، روى له الجماعة.
والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو، الإِمام المشهور.
وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري.
وأبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي المدني، روى له الجماعة.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): نا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني، نا يحيى بن عبد الله البابلي، ثنا الأوزاعي، حدثني الزهري، حدثني أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم ... إلى آخره نحوه.
وأشار الطحاوي بذلك إلى اضطراب هذا الحديث؛ لأن الزهري تارة يروي عن عروة، وتارة عن عبد الله بن أبي بكر عن عروة، وتارة عن أبي بكر بن محمَّد عن عروة، فهذه علة أخرى انضمت إلى غيرها من العلل.
ص: فإن قالوا: فقد روى هذا الحديث أيضًا هشام بن عروة عن أبيه، وهشام فليس ممن يتكلم في روايته بشيء، ثم ذكروا في ذلك ما حدثنا ابن أبي عمران قال: ثنا عبيد الله بن محمَّد التيمي، قال: أنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: "سألني مروان عن مس الذكر، فقلت: لا وضوء فيه. فقال مروان: فيه الوضوء ... ".
стр. 597
ثم ذكر مثل حديث أبي بكرة الذي في أول هذا الباب عن حسين بن مهدي، حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا حجاج بن المنهال، قال: نا حماد، عنه هشام ... فذكر بإسناده نحوه، غير أنه قال: "فأنكر ذلك عروة".
حدثنا حسين بن نصر قال: نا يوسف بن عدي، قال: نا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه ... فذكر مثله بإسناده.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: حدثني سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة، عن النبي ﵇ قال: "إذا مس أحدكم ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ".
حدثنا ابن أبي داود قال: نا يحيى بن صالح، قال: نا ابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، عن النبي ﵇ مثله.
قيل لهم: إن هشام بن عروة لم يسمع هذا من أبيه وإنما أخذه من أبي بكر أيضًا، فدلّس به عن أبيه.
حدثنا سليمان بن شعيب قال: نا الخصيب بن ناصح، قال: نا همام، عن هشام بن عروة، قال: حدثني أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن عروة: "أنه كان جالسا مع مروان ... " ثم ذكر الحديث على ما ذكره ابن أبي عمران ومحمد بن خزيمة. فرجع الحديث إلى أبي بكر أيضًا.
ش: هذا إيراد من أهل المقالة الأولى، على ما ذكره أهل المقالة الثانية، بيانه: أنكم أثبتم الاضطراب في حديث الزهري عن عروة، وأن الزهري دلّس به، وادعيتم عدم إتقان عبد الله بن أبي بكر، فقد سلمنا لكم هذه، ولكن ما تقولون في رواية هشام بن عروة عن أبيه، فإنه روى هذا الحديث عن أبيه [عروة] (١) عن مروان، عن بسرة، وعن عروة عن بسرة، وهشام ليس ممن يتكلم في روايته بشيء.
стр. 598
ثم بيّن الطحاوي رواية هشام عن أبيه من خمس طرق:
الأول: عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن عبيد الله بن محمَّد ابن حفص التيمي أبي عبد الرحمن البصري، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه ... إلي آخره، وهؤلاء كلهم ثقات.
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد البصري، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني (١) نحوه، نا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال، نا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن مروان بن الحكم قال: "من مس فرجه فليتوضأ. فأنكر ذلك عليه عروة، فقال: يا شرطي، أثبت بسرة بنت صفوان فسلها (فأتاها فسألها, فقالت) (٢): سمعت ﵇ يقول: من مس ذكره فليتوضأ".
الثالث: عن حسين بن نصر، عن يوسف بن عدي، عن علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه ... إلي آخره وهؤلاء كلهم ثقات.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣): نا علي عبد العزيز، نا محمد بن سعيد الأصبهاني، أنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أخبرني مروان بن الحكم، عن بسرة بنت صفوان، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إذا مس أحدكم فرجه فليتوضأ".
قال: فأنكرت عليه، فأرسل إليها بحديثه عن رسول الله ﵇ وأنا حاضر".
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن سعيد ابن عبد الرحمن الجمحي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة ... إلي آخره، وهؤلاء أيضًا ثقات.
стр. 599
وأخرجه الييهقي في "سننه الكبير" (١): أنا أبو زكريا و [أبو] (٢) عبد الرحمن السلمي وغيرهما قالوا: أنا أبو العباس بن يعقوب، نا بحر بن نصر، قال: قرئ على ابن وهب: أخبرك سعيد بن عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن بسرة بنت صفوان- قال: وكانت صحبت النبي ﵇- أن رسول الله ﵇ قال: "إذا مس أحدكم ذكره فلا يصلين حتى يتوضأ".
الخامس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن صالح الوحاظي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- القرشي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن مروان، عن بسرة، عن النبي ﵇ وهؤلاء أيضًا ثقات.
قوله: "قيل لهم ... " إلى آخره جواب عن الإيراد المذكور، بيانه: أن هشام بن عروة لم يسمع هذا الحديث من أبيه عروة وإنما أخذه من أبي بكر محمَّد بن عمرو بن حزم، فدلَّس به عن أبيه، فيكون هذا الطريق أيضًا مدلسًا، وقال يعقوب بن شيبة: هشام بن عروة ثقة ثبت لم ينكر عليه شيء إلاَّ بعد ما صار إلى العراق فإنه انبسط في الرواية عن أبيه، فأنكر ذلك عليه أهل بلده، وكان تَسَهُّله أنه أرسل عن أبيه مما كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه.
وقال ابن خراش: كان مالك لا يرضاه، وكان هشام صدوقا تدخل أخباره في الصحيح، بلغني أن مالكا نقم عليه حديثه لأهل العراق.
ونقل البيهقي في كتابه "المعرفة" قول: الطحاوي: "فإن قالوا قد روى هذا الحديث ... إلى آخره" ثم قال: ونسبه في ذلك -أي نسب هشاما في ذلك- إلى التدليس، وأيش يكون إذا كان يرويه عن أبي بكر، وأبو بكر ثقة حجة عند كافة أهل العلم بالحديث؟! إنما يضعف الحديث بأن يُدخل الثقة بينه وبين من فوقه مجهولا أو ضعيفًا، فإذا أدخل ثقة معروفا قامت به الحجة.
стр. 600
قلت: قد اعترف البيهقي بالتدليس في الحديث المذكور ولكن تحامله على الطحاوي الذي دعاه بأن قال: وأيش يكون إذا كان يرويه عن أبي بكر ... إلى آخره، وكيف يقول البيهقي هذا القول وهو لا يخلّصه عن القول بالتدليس، فإنك قد عرفت أن التدليس أن يكون بين الراوي وبين المروي عنه واحد أو أكثر، سواء كان الواسطة ثقة أو ضعيفًا، ألا ترى إلى ما مثَّل ابن الصلاح لصورة التدليس في الإسناد بقوله (١): مثال: ما روينا عن علي بن خشرم، قال: كنا عند ابن عيينة، فقال: الزهري. فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري. فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا، لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري.
فانظر الواسطة بين ابن عُيينة وبين الزهري، وهما إمامان ثقتان: عبد الرزاق، ومعمر بن راشد، ومع هذا فهو تدليس، وقد عرف أن المدلّس غير مقبول ولا محتج به إلاَّ إذا كان بلفظ مبين للاتصال، كما قد وقع في الصحيحين وغيرهما عن قتادة والأعمش والسفيانين وهشيم بن بشير وغيرهم، على أن البيهقي قد قال: أنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا منصور العتكي يقول: سمعت الفضل بن محمَّد الشعراني، يقول: سمعت أحمد بن حنبل، يقول: حدثني يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: لم يسمع هشام بن عروة حديث أبيه في مس الذكر. قال: يحيى فسألت هشاما فقال: أخبرني أبي. فهذا شعبة صرح بأن هشاما ما لم يسمع هذا الحديث من أبيه عروة فيكون قول يحيى: "سمع من أبيه" معارضا لقول شعبة: "إنه لم يسمع أباه" ثم بيّن الطحاوي تدليس هشام أيضًا كتدليس الزهري بقوله: "حدثنا سليمان بن شعيب ... " إلى آخره، ورجاله ثقات.
وسليمان هذا وثقه ابن يونس وغيره.
стр. 601
والخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة- بن ناصح الحارثي نزيل مصر، وثقه ابن حبان.
وهمام بن يحيى أبو بكر البصري، روى له الجماعة.
ص: فإن قالوا: فقد رواه عن عروة أيضًا غير الزهري وغير هشام فذكروا في ذلك ما حدثنا محمَّد بن الحجاج وربيع المؤذن قالا: نا أسد قال: نا ابن لهيعة، قال: ثنا أبو الأسود أنه سمع عروة يذكر عن بسرة، عن النبي ﵇ مثله.
قيل لهم: كيف تحتجون في هذا بابن لهيعة وأنتم لا تجعلونه حجة لخصمكم فيما يحتج به عليكم؟! قال أبو جعفر ﵀: ولم أرد بشيء من ذلك الطعن على أبي عبد الله بن أبي بكر ولا على ابن لهيعة ولا على غيرهما ولكني أردت بيان ظلم الخصم، فثبت وهاء حديث الزهري بالذي دخل بينه وبين عروة، ووهاء حديث الزهري أيضًا وهشام بالذي بين عروة وبسرة، ولأن عروة لم يقل ذلك ولم يرفع به رأسا، وقد يسقط الحديث بأقل من هذا.
ش: هذا إيراد آخر على أهل المقالة الثانية، بيانه: أنكم قد قلتم ما قلتم في الروايات المتقدمة، وها نحن وجدنا رواية أخرى سالمة مما ذكرتم، فذكروا في ذلك ما رواه الطحاوي عن محمَّد بن الحجاج الحضرمي ورييع بن سليمان المؤذن كلاهما عن أسد بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل المدني، عن عروة ... إلى آخره، وأجاب عن ذلك بقوله: "قيل لهم ... " إلى آخره وهو ظاهر.
ملخصه: أنكم متى احتججتم بابن لهيعة في هذا، يلزم قلب الموضوع، وهو احتجاجكم بمن كنتم تضعفونه عند كون الحجة عليكم، وهو طلق.
فإن قلت: ابن لهيعة مرضيّ عند الطحاوي، ولهذا يحتج به في مواضع من كتابه فيكون الحديث صحيحا عنده من هذا الطريق، ويلزمه القول به.
стр. 602
قلت: لا نُسَلِّم أنه يحتج به، بل يذكره في المتابعات، ولئن سلمنا أنه يحتج به وأنه ثقة عنده؛ فالحديث ضعيف لا ضطرابه كما ذكرنا, ولكون المدار على عروة في طرق هذا الحديث، وهو لم يرفع به رأسا، وهو معنى قوله: "ولأن عروة لم يقل ذلك ولم يرفع به رأسا، وقد يسقط الحديث بأقل من هذا" بيانه أن هذا أحرى أن يسقط، وبعد التسليم بالكل فالحديث منقطع معنى بمعارضة دليل أقوى منه، فسقط به بيانه: أنه مخالف للكتاب وهو قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ (١) فإن الآية نزلت في أهل قباء؛ لأنهم كانوا يستنجون بالماء بعد الاستنجاء بالأحجار فقال لهم النبي ﵇: إن الله قد أثنى عليكم، فما الذي تصنعون؟ فقالوا: نستنجي بالماء بعد الاستنجاء بالأحجار" فلو جعل المس حدثا لما مدحهم الله تعالى بالماء الذي لا يتصور إلاَّ بمس الفرجين جميعا, ولو كان التطهير الذي مدحهم عليه حدثا لا يكون الاستنجاء تطهيرا؛ إذ التطهير يحصل بزوال الحدث لا بإثباته، أو نقول: أنه محمول على غسل اليدين ليس إلاَّ، كإيراد ذلك في حديث بريدة بن الخصيب أن رسول الله ﷺ قال: "من مس صنما فليتوضأ".
رواه البزار (٢): فإن أحدا ما أوجب الوضوء من مس الصنم.
فإن قلت: قد قال ابن حبان (٣): وليس المراد من الوضوء غسل اليد؛ وإن كان العرب تسمي غسل اليد وضوءا بدليل ما أخبرنا ... وأسند عن عروة، عن مروان، عن بسرة قالت: قال رسول الله ﵇: "من مس فرجه فليتوضأ وضوءه للصلاة". وأسند أيضًا (٤): عن عروة، عن بسرة قالت: قال رسول الله ﵇: "من مس فرجه فليعد الوضوء".
قال: والإعادة لا تكون إلَّا لوضوء للصلاة.
стр. 603
قلت: أكثر الروايات "فليتوضأ" فقط كما في رواية أبي داود (١) وابن ماجه (١) وغيرهما، وفي رواية الترمذي "فلا يصلي حتى يتوضأ" (١) وكل ذلك يحتمل غسل اليدين كما ذكرناه، ورواية ابن حبان: "وضوءه للصلاة" قيل: إنه مدرج من بعض الرواة.
ولئن سلمنا أنه غير مدرج، فالجواب عنه ما ذكرنا، وأما قوله: "والإعادة لا تكون إلاَّ لوضوء الصلاة" فغير مسلم؛ لأنه يجوز أن يكون المراد إعادة غسل اليدين للتنظيف طلبا للتنزه.
قوله: "ولم أرد بشيء من ذلك ... " إلى آخره بسط للعذر بأنه إنما ذكر ما ذكره لعدم إنصاف الخصم وتماديه في العسف، لا لأجل الطعن على أحد، على عبد الله بن أبي بكر، ولا على عبد الله بن لهيعة، ولا على غيرهما من الأئمة، وهذا غاية الإنصاف منه؛ لشدة ورعه، وإظهار أنه بصدد طلب الحق لا لإظهار الهوى والتعصب.
ص: وإن احتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكرة [قال] (٢): نا أبو داود، قال: نا هشام، عن يحيى بن أبي كثير، أنه سمع رجلًا يحدّث في مسجد رسول الله ﵇ عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﵇ بذلك.
قيل لهم: كفى بكم ظلما أن تحتجوا بمثل هذا.
ش: أراد بذلك أن هذا الحديث عن عائشة غير صحيح؛ لأن فيه مجهولا، فلا يجوز الاحتجاج به، ولا يقال: حديث عائشة رواه الدارقطني من غير هذا الوجه؛ لأنا نقول: في إسناده كذاب، وقد بيناه فيما مضى.
ص: وإن احتجوا في ذلك بما حدثنا عليّ بن معبد قال: نا يعقوب بن إبراهيم ابن سعد، قال: ثنا أبما، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن مسلم بن
стр. 604
عبيد الله بن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن خالد، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "من مس فرجه فليوضأ".
حدثنا ابن أبي داود، قال: نا عياش الرقام، قال: نا عبد الأعلى، عن ابن إسحاق ... فذكر بإسناده مثله.
قيل لهم: أنتم لا تجعلون محمَّد بن إسحاق حجة في شيء إذا خالفه فيه مثل من خالفه في هذا الحديث، ولا إذا انفرد، ونفس هذا الحديث منكر، وأخلق به أن يكون غلطا؛ لأن عروة حين سأله مروان عن مس الفرج، فأجابه من رأيه ألاَّ وضوء فيه، فلما قال له مروان عن بسرة عن النبي ﵇ ما قال، قال له عروة: ما سمعت به. وهذا بعد موت زيد بن خالد بما شاء الله، فكيف يجوز أن ينكر عروة على بسرة ما قد حدثه إياه زيد بن خالد عن النبي ﵇؟!
ش: أي إن احتج أهل المقالة الأولى في انتقاض الوضوء بمس الفرج بحديث زيد بن خالد الجهني ﵁ يقال: في جوابهم وجهان:
الأول: أن يقال: إنكم لا تجعلون محمَّد بن إسحاق حجة في شيء؛ سواء خالفه أحد، أو انفرد بروايته، ثم كيف تحتجون به ها هنا وقد قال البيهقي في كتاب "المعرفة": وروى الطحاوي حديث زيد بن خالد الجهني من جهة محمَّد بن إسحاق بن يسار، ثم أخذ في الطعن علي ابن إسحاق وأنه ليس بحجة؛ ثم ذهب إلى أنه غلط وذكره إلى آخر ما ذكره الطحاوي، ثم قال: وددنا أن لو كان احتجاجه في مسائله بأمثال محمَّد بن إسحاق بن يسار، كيف وهو يحتج في كتابه بمن قد أجمع أهل العلم بالحديث على تضعيفه في الرواية؟
قلت: فيا للعجب من هذا البيهقي، كيف يفهم كلام المحققين؟ فمتى طعن الطحاوي على ابن إسحاق حتى يقول: ثم أخذ في الطعن علي ابن إسحاق؟ والذي ذكره الطحاوي ليس منه طعنا عليه، وإنما قال للخصم: أنتم لا تجعلون محمَّد بن إسحاق حجة.
стр. 605
وهذا القول لا يستلزم الطعن منه عليه؛ وإنما تبين بذلك عسف الخصم، حيث يجعل محمَّد بن إسحاق حجة عند كون الحديث له، ويتركه ويطعن فيه عند كون الحديث عليه، ولئن سلمنا أنه طعن عليه؛ فليس هو مختصا به، ولا بأول من تكلم به فيه، فإن بعض السلف قبله قد طعنوا فيه كالإمام مالك حيث قال فيه: دجال من الدجاجلة.
وقد قال الخطيب: وقد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء لأسباب منها: أنه كان يتشيع، وينسب إلى القدر، ويدلس في حديثه، فأما الصدق فليس بمدفوع عنه.
وقال الحافظ ابن الذهبي: والذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث صالح الحال صدوق، وما انفرد به ففيه نكارة؛ فإن في حفظه شيئًا.
قلت: ولهذا لم يُخرِّج له الشيخان، وإنما استشهد به البخاري، وروى له مسلم في المتابعات.
وقول البيهقي: "كيف وهو يحتج بمن قد أجمع أهل العلم بالحديث على ضعفه في الرواية" تحامل منه وتعصب؛ حيث يقول قولًا مجملا من غير بيان، فهلا بَيَّنَهُ في صُوَرِهِ حتى ننظر فيها، ذلك ولئن سلمنا أنه احتج بمن هو ضعيف عند غيره فلا نسلم أن ذلك عيب منه أو تقصير؛ لأنه ربما كان ذاك ثقة عنده، ألا ترى إلى خلق كثير قد احتج بهم الشيخان مع أن غيرهما قد تكلموا فيهم، ولم يجعلوا مثل ذلك قادحا في الصحة، فكذلك الطحاوي؛ لأنه إمام في الحديث مثلهم، بل له زيادة فضيلة معرفة وجوه المناظرات وطرق استنباط الأحكام ونحوها.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث منكر بل الأجدر أن يكون غلطا، بيان ذلك: أن عروة أجاب مروان حين سأله عن مس الذكر بأنه لا وضوء فيه، فقال مروان: أخبرتني بسرة عن النبي ﵇ أن فيه الوضوء. فقال له عروة: ما سمعت بهذا، حتى أرسل مروان إلى بسرة شرطيّا فأخبرته، وكان ذلك بعد موت زيد بن خالد بما
стр. 606
شاء الله، فكيف يجوز أن ينكر عروة على بسرة ما قد حدثه به زيد بن خالد عن النبي ﵇ هذا مما لا يستقيم ولا يصح.
وقال البيهقي في كتابه "المعرفة": هذا منه توهم -أراد أن الطحاوي وهم فيه- فلا ينبغي لأهل العلم أن يطعنوا في الأخبار بالتوهم، فقد بقي زيد بن خالد إلى سنة ثمان وسبعين من الهجرة، ومات مروان بن الحكم سنة خمس وستين، فيجوز أن يكون عروة لم يسمعه من أحد حين سأله مروان، ثم سمعه من بسرة، ثم سمعه بعد ذلك من زيد بن خالد الجهني، فرجع إلى روايتهما وقلد حديثهما.
قلت: ليس هذا وهما من الطحاوي، بل الذي ينسبه إلى الوهم هو الذي وهم فيه، وكيف وهو إمام في التاريخ أيضًا؟
إذا قالت حذامِ فصدقوها فإن القول ما قالت حذامِ.
وقد اختلف العلماء من أهل التاريخ في وفاة زيد بن خالد الجهني، وفي مكان موته على ما نقله ابن الأثير في كتاب "معرفة الصحابة" فقال: توفي بالمدينة، وقيل: بمصر، وقيل: بالكوفة، وكانت وفاته سنة ثمان وسبعين وهو ابن خمس وثمانين، وقيل: مات سنة خمسين وهو ابن ثمان وسبعن سنة، وقيل: توفي في آخر أيام معاوية، وقيل: سنة اثنتين وسبعين وهو ابن ثمانين سنة والله أعلم.
ويمكن أن يكون الصحيح في تاريخ وفاته سنة خمسين، ويكون قد ثبت ذلك عند الطحاوي، فيكون تاريخ وفاته متقدما على تاريخ وفاة مروان بخمسة عشرة سنة، وإنما وقف البيهقي على قول من قال بأن وفاة زيد بن خالد سنة ثمان وسبعين؛ ليتوسل به إلى الطعن علي الطحاوي، وليس هذا دأب أهل الإنصاف، ولا من قَصْدُهُ إظهار الصواب.
ثم إن الطحاوي أخرج حديث زيد بن خالد من طريقين:
الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة ... إلى آخره.
стр. 607
وقد ذكرنا فيما مضى أن أحمد والبزار والطبراني قد أخرجوه (١).
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عَيَّاش -بتشديد الياء آخر الحروف وفيه آخره شين معجمة- بن الوليد الرقَّام القطان أحد مشايخ البخاري، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى الشامي القرشي البصري، عن محمَّد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة ... إلى آخره.
قوله: "وأَخْلِق به أن يكون غلطا" من صيغ التعجب، وقد عرف أن الموضوع له صيغتان: ما أفعله، وأفعل به. فالصيغة الثانية لفظها لفظ الأمر، ومعناها خبر، كقوله: تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ (٢) أي ما أسمعهم وأبصرهم، وحكي عن الزجاج أنه أمر حقيقة، وهو قول الفراء، واستحسنه الزمخشري وابن خروف (٣)، ثم معنى "أَخْلِقْ به" أي أجعله جديرا بأن يكون غلطا، من قولهم: فلان خليق بكذا أي جدير به، وقد خَلُقَ لذلك -بالضم- أي لاق له.
ص: فإن احتج في ذلك بما حدثنا ربيع الجيزي، قال: نا إسماعيل بن أبي أويس، قال: نا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي، عن عمر بن شريح، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ بذلك.
حدثنا ابن أبي داود قال: نا الفروي إسحاق بن محمَّد قال: نا إبراهيم ... فذكر مثله بإسناده.
قيل له: أنتم لا تسوغون خصمكم أن يحتج عليكم بمثل عمر بن سريح، فكيف تحتجون به أنتم عليه؟ ثم ذلك أيضًا في نفسه منكر؛ لأن عروة لما أخبره مروان عن بسرة بما أخبره به من ذلك، لم يكن عرفه قبل ذلك لا عن عائشة ولا عن غيرها.
стр. 608
ش: أي فإن احتج الخصم في انتقاض الوضوء من مس الذكر بحديث عائشة ﵂ عن رسول الله ﵇ يقال: في جوابه وجهان أيضًا:
الأول: إنكم لا تسوّغون -أي لا تجوزون- لخصمكم أن يحتج عليكم بمثل (عمرو بن شريج) (١) الحضرمي فكيف أنتم تحتجون به على خصمكم وهو قلب الموضوع كما ذكرنا؟
فإن قلت: لِمَ عيّن الطحاوي (عمر بن سريج) (١) وفي إسناده غيره من الضعفاء كإسماعيل بن أبي أويس، فإن يحيى ضعفه وبالغ فيه النسائي وإن كان قد روى عنه الشيخان، وإبراهيم بن إسماعيل قال البخاري فيه: منكر الحديث.
وإسحاق بن محمَّد الفروي، قال النسائي فيه: ليس بثقة. وضعفه أبو داود جدًّا وكذا الدارقطني؟
قلت: لأن الخصم معترف بضعف (عمر بن شريج) (١) فلذلك عينه.
الثاني: أن هذا الحديث في نفسه منكر؛ لأن عروة بن الزبير لما أخبره مروان بن الحكم عن بسرة لم يكن عروة عرف هذا الحكم قبل هذا، لا عن عائشة ولا عن غيرها، فلو كان سمعه من عائشة قبل هذا لما أنكر على مروان خبره عن بسرة.
ثم إنه أخرج هذا الحديث عن طريقين:
الأول: عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن إبراهيم ابن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي المدني، عن (عمر بن شريج) (١) الحضرمي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة.
стр. 609
والثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن إسحاق بن محمَّد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي فروة الفروي المدني، عن إبراهيم بن إسماعيل ... إلى آخره.
والإسنادان كلاهما ضعيف، والفَرَوي -بفتح الفاء وسكون الراء- نسبة إلى جده أبي فروة، لا يقال: إنه روي عن عائشة من غير هذا الطريق، رواه الدارقطني؛ لأنا قد قلنا: إن في سنده كذابا، مع أنه روي عنها ما يخالف هذه الرواية، وقد بيناه فيما مضى.
ص: فإن احتجوا في ذلك بما حدثنا يزيد بن سنان قال: نا دحيم بن اليتيم، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، عن صدقة بن عبد الله، عن هاشم بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر ﵂ عن رسول الله ﵇ بذاك، قيل لهم: صدقة بن عبد الله هذا عندكم ضعيف فكيف تحتجون به؟! وهاشم بن زيد فليس من أهل العلم الذي يثبت بروايتهم مثل هذا.
ش: أي فإن احتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمر ﵁ فجوابه أنه ضعيف، معلول بصدقة بن عبد الله السمين أبي معاوية الدمشقي، قال أحمد: ضعيف ليس حديثه يسوى شيئًا، أحاديثه مناكير.
وكذا ضعفه ابن معين والبخاري والنسائي، وقال أبو حاتم: لين، يكتب حديثه ولا يحتج به.
ومعلول أيضًا بهاشم بن زيد الدمشقي، قال أبو حاتم: ضعيف الحديث.
ودحيم -بضم الدال وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف- لقب عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي يعرف بدحيم بن اليتيم مولى آل عثمان بن عفان، قاضي الأردن وفلسطين، أحد مشايخ البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه.
وعمرو بن أبي سلمة التنيسي، أبو حفص الدمشقي، روى له الجماعة.
стр. 610
وأخرجه البزار في "مسنده" (١): بهذا الطريق وقال: نا عمر بن الخطاب، نا عمرو بن أبي سلمة، نا صدقة بن عبد الله، عن هاشم بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﵇ قال: "من مس فرجه فليتوضأ".
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): وفي إسناده العلاء بن سليمان وهو أيضًا ضعيف جدًّا.
ص: وإن احتجوا في ذلك بما حدثنا يزيد بن سنان، قال: نا عمرو بن خالد، قال: نا العلاء بن سليمان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ أنه قال: "من مس فرجه فليتوضأ". قيل لهم: كيف تحتجون بالعلاء هذا وهو عندكم ضعيف؟!
ش: أي وإن احتج أهل المقالة الأولى فيما ذهبو إليه بحديث سالم عن أبيه، فجوابه أنه معلول بالعلاء بن سليمان الرقي، ذكره ابن الجوزي في الضعفاء وقال: قال الأسدي: ساقط لا تحل الرواية عنه.
وعمرو بن خالد بن فروخ التميمي الحنظلي، أحد مشايخ البخاري وغيره، قال العجلي: مصري ثقة ثبت.
وأخرجه الطبراني بهذا الطريق كما ذكرناه آنفا (٣).
ص: وإن احتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا يونس، قال: نا معن بن عيسى القزاز، عن يزيد بن عبد الملك، عن المقبري، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "من أفضى بيده إلى ذكره ليس بينهما ستر ولا حجاب فليتوضأ". قيل له: يزيد هذا عندكم منكر الحديث، لا يسوى حديثه عندكم شيئًا، فكيف تحتجون به؟!.
стр. 611
ش: أي وإن احتج أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه بحديث أبي هريرة هذا فجوابه أنه ضعيف معلول بيزيد بن عبد الملك بن المغيرة النوفلي المدني، قال أحمد ويحيى: ضعيف.
وقال النسائي: متروك الحديث ولم يخرج له غير ابن ماجه حديثا واحدا في السقط.
والمقبري هو سعيد بن أبي سعيد، ونسبته إلى مقبرة وكان ساكنا فيها.
وقد ذكرنا أن ابن حبان أخرجه في "صحيحه" (١): عن يزيد بن عبد الملك.
والحاكم في "مستدركه" (١) وصححه، وأنهما قد تخارفا جدّا في تصحيحه (٢).
ص: وإن احتجوا في ذلك بما حدثنا يزيد، قال: نا دحيم، قال: نا عبد الله، عن النبي ﵇ مثل حديث يونس، عن معن، قيل لهم: هذا الحديث كل من رواه عن ابن أبي ذئب من الحفاظ يقطعه ويوقفه على محمد بن عبد الرحمن، فمن ذلك ما حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عامر، قال: نا ابن أبي ذئب، عن عقبة، عن محمَّد ابن عبد الرحمن، عن النبي ﵇ بذلك.
فهؤلاء الحفاظ يوقفون هذا الحديث على محمَّد بن عبد الرحمن، ويخالفون فيه ابن نافع، وهو عندكم حجة عليه وليس هو بحجة عليهم، فكيف تحتجون بحديث منقطع في هذا وأنتم لا تثبتون الحديث المنقطع.
ش: أي وإن احتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث جابر بن عبد الله، فجوابه أنه منقطع موقوف على محمَّد بن عبد الرحمن، والمنقطع ليس بحجة عندهم، فكيف يحتجون به؟! والدليل على ذلك أن الحفاظ الثقات يوقفونه على
стр. 612
محمَّد بن عبد الرحمن ويخالفون فيه عبد الله بن نافع الصائغ الذي يرفعه، وكذا قال الشافعي: سمعت جماعة من الحفاظ غير ابن نافع يروونه ولا يذكرون فيه جابرا.
وقال البخاري (١): عقبة، عن ابن ثوبان، روى عنه ابن أبي ذئب مرسل عن النبي ﵇ في مس الذكر.
قلت: فعلى هذا يئول الحديث إلى الإرسال، وهم لا يحتجون بالمرسل؛ فإذن سقط احتجاجهم بحديث جابر ﵁ وقد شنع [البيهقي] (٢) في هذا المقام على هذا الطحاوي بقوله: "ثم أخذ الطحاوي في رواية أحاديث لم يعتمد عليها في الوضوء من مس الذكر، وجعل يضعفها مرة بضعف الرواة ومرة بالانقطاع، وأن من أوجب الوضوء منه لا يقول بالمنقطع، ونحن إنما لا نقول بالمنقطع إذا كان منفردا، فإذا انضم إليه غيره أو انضم إليه قول بعض الصحابة أو ما يتأكد به المراسيل، ولم يعارضه ما هو أقوى منه؛ فإنا نقول به. انتهى.
قلت: هذا تشنيع من غير وجه؛ لأن الطحاوي ما ضعف حديثا قد صح فيه، ولا جعل الموصول منقطعا، وإنما ذكره على وجه يرضى به الخصم، وأراد بهذا أن هذه الأحاديث التي احتج بها الخصم لا تصلح للاحتجاج، والعجب من البيهقي أنه يصرح بأن هذه الأحاديث لا يعتمد عليها في الوضوء من مس الذكر ثم يرجع ويشنع على الطحاوي بأنه يضعفها مرة بضعف الرواية ومرة بالانقطاع!
ورجال المرفوع ثقات كلهم، ودحيم قد مض ذكره آنفا.
وعبد الله بن نافع الصائغ المخزومي القرشي أبو محمَّد المدني، روى له الجماعة إلاَّ البخاري.
وابن أبي ذئب اسمه محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، روى له الجماعة.
стр. 613
وعقبة هو ابن عبد الرحمن بن أبي معمر، حجازي، ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (١).
ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشي أبو عبد الله المدني، روى له الجماعة.
ورجال الموقوف أيضًا ثقات وأبو بكرة بكَّار القاضي. وأبو عامر: عبد الملك ابن عمرو العقدي، تكرر ذكره.
ص: وإن احتجوا في ذلك بما حدثنا صالح بن عبد الرحمن ويونس وربيع الجيزي، قالوا: ثنا عبد الله بن يوسف، عن الهيثم بن حميد، قال: أخبرني العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة زوج النبي ﵇ قالت: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "من مس فرجه فليتوضأ".
حدثنا ابن أبي داود، قال: نا أبو مسهر، عن الهيثم ... فذكر بإسناده مثله.
قيل لهم: هذا حديث منقطع أيضًا؛ لأن مكحولا لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان شيئا.
حدثنا ابن أبي داود قال: سمعت أبا مسهر يقول ذلك، وأنتم تحتجون في مثل هذا بقول أبي مسهر.
ش: أي وإن احتج أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه بحديث أم حبيبة ﵂ فجوابه: أنه أيضًا منقطع؛ وذلك لأن مكحولا لم يسمع من عنبسة بن أبي سفيان شيئًا، قاله أبو مسهر.
روى الطحاوي عن ابن أبي داود، عن أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي أنه كان يقول ذلك، يعني بأن مكحولا لم يسمع من عنبسة، وهم يحتجون بأبي مسهر، وقال عباس الدوري، عن يحيى بن معين، قال أبو مسهر: لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، ولا أدري أدركه أم لا.
стр. 614
فإن قلت: قال البيهقي بعد أن ذكر هذا الحديث: بلغني عن الترمذي، سألت أبا زرعة عن هذا الحديث فاستحسنه ورأيته كأنه يعدّه محفوظا.
قلت: وقال الترمذي في كتابه: قال محمَّد -يعني البخاري-: لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان، وروى مكحول عن رجل عن عنبسة غير هذا الحديث. وكأنه لم ير هذا الحديث صحيحا.
وفي "الإِمام" عن ابن معين قال: هذا أضعف أحاديث هذا الباب.
وأخرج النسائي (١): حديثا آخر من رواية مكحول، عن عنبسة، عن أم حبيبة، ثم قال: مكحول لم يسمع من عنبسة شيئًا.
وأخرج الطحاوي حديث أم حبيبة هذا من طريقين:
الأول: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو، ويونس بن عبد الأعلى، وربيع بن سليمان الجيزي كلهم عن عبد الله بن يوسف التنيسي -أحد مشايخ البخاري- عن الهيثم بن حميد الغساني الدمشقي، عن العلاء بن الحارث بن عبد الوارث الحضرمي، عن مكحول الشامي، عن عنبسة بن أبي سفيان صخر ابن حرب بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي عن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان زوج النبي ﵇.
وأخرجه ابن ماجه (٢): نحوه، وقد ذكرناه.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي مسهر، عن الهيثم بن [حميد] (٣) إلى آخره.
وأخرجه الطبراني (٤) نحوه.
стр. 615
ص: وإن احتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: نا معن بن عيسى، عن عبد الله بن المؤمل المخزومي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن بسرة سألت النبي ﵇ فقالت: المرأة تضرب بيدها فتصيب فرجها. قال: تتوضأ يا بسرة".
حدثنا ابن أبي داود، قال: نا الخطاب بن عثمان الفوزي، قال: نا بقية، عن الزبيدي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ".
قيل لهم: أنتم تزعمون أن عمرو بن شعيب لم يسمع من أبيه شيئًا، وإنما حديثه عنه عن صحيفة، فهذا على قولكم منقطع، والمنقطع لا تجب به حجة عندكم.
ش: أي وإن احتج أهل المقالة الأولى، فيما ذهبوا إليه بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن بسرة، عن النبي ﵇ وبحديثه عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇؛ فجوابه أن يقال: إنكم تزعمون أن عمرو بن شعيب لم يسمع من أبيه شيئًا وإنما حديثه عنه عن صحيفة؛ فيكون منقطعا، والمنقطع لا تقوم به حجة عندكم، وقال ابن المديني: عن يحيى بن سعيد: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عندنا واهٍ.
وقال عباس الدوري: عن يحيى بن معين: إذا حدث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده فهو كتاب، هو عمرو بن شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو يقول: أي عن جدي، فمن ها هنا جاء ضعفه. أو نحو هذا من الكلام.
وقال ابن عُدي: عمرو بن شعيب في نفسه ثقة إلاَّ إذا روى عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇ يكون مرسلًا.
لأن جده عنده: محمَّد بن عبد الله بن عمرو لا صحبة له، وتردد ابن حبان في عمرو وذكره في الضعفاء فقال: إذا روى عن طاوس وابن المسيب وغيرهما من الثقات غير أبيه فهو ثقة يجوز الاحتجاج به، وإذا روى عن أبيه عن جده ففيه مناكير كثيرة فلا يجوز
стр. 616
الاحتجاج بذلك، قال: فإذا روى عن أبيه عن جده؛ فإن شعيبا لم يلق عبد الله، فيكون خبره منقطعا.
وإن أراد بحده الأدنى فهو محمَّد لا صحبة له فيكون مرسلًا.
وقال الحافظ المزِّي: عمرو بن شعيب على ثلاثة أوجه:
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، فعمرو له ثلاثة أجداد: محمَّد، وعبد الله، وعمرو بن العاص.
محمَّد تابعي، وعبد الله وعمرو صحابيان، فإن كان المراد بجده محمدا فالحديث مرسل لأنه تابعي، وإن كان المراد به عَمرا فالحديث منقطع؛ لأن شعيبا لم يدرك عمرا، وإن كان المراد به عبد الله فنحتاج إلى معرفة سماع شعيب من عبد الله.
فإن قيل: قال البخاري في تاريخه: عمرو بن شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو بن العاص سمع أباه وسعيد بن المسيب وطاوسا. فكيف يقول الطحاوي وأنتم تزعمون أن عمرو بن شعيب لم يسمع من أبيه شيئًا؟ ولهذا شنع البيهقي في "المعرفة" على الطحاوي بسبب هذا الكلام.
وقال: الخلاف في سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو، ثم قال: وقد صح سماع عمرو بن شعيب من أبيه، وصح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو.
قلت: الطحاوي نفسه قائل بأن عمرو بن شعيب سمع من أبيه؛ ولهذا يحتج به في كثير من المواضع، وإنما ذكر ما ذكره ناقلا عن بعض طائفة من الخصوم أنهم قالوا: إنه لم يسمع من أبيه شيئًا، وأراد به إلزامهم بذلك؛ لأنه إذا لم يكن سمع من أبيه يكون حديثه منقطعا، فكيف يجوز الاحتجاج به مع دعواهم بذلك؟! فسقط بذلك تشنيع البيهقي أيضًا.
فإن قلت: إذا كان الطحاوي يحتج بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده فما باله لم يعمل بحديثه هذا؟
стр. 617
قلت: لأنه قد عارضه حديث طلق بن علي، فلم يكن ليعمل به لتأخر حديث طلق عنه فيثبت بذلك انتساخ أحاديث انتقاض الوضوء من مس الفرج.
فإن قيل: حديث أبي هريرة الذي ذكرناه في هذا الباب ناسخ لحديث طلق بن علي؛ لأن طلقا قدم على النبي ﵇ في ابتداء الهجرة والمسجد على عرش، وأبو هريرة أسلم سنة ست من الهجرة فكان حديثه متأخرا، والأخذ بآخر الأمرين واجب لأنه ناسخ، والطبراني أيضًا مال إلى أن حديث طلق منسوخ.
قلت: روى أبو داود (١): عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: "قدمنا على نبي الله ﵇ فجاءه رجل كأنه بدوي، فقال: يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ؟ فقال: هل [هو] (٢) إلاَّ مضغة منه أو بضعة منه".
ففي قوله: "ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ" دلالة على أنه كان بلغه أن النبي ﵇ شَرَّعَ فيه الوضوء، فأراد أن يستيقن ذلك، وإلَّا فالمستقر عندهم أن الأحداث إنما كانت من الخارج النجس، وإلَّا فالعقل لا يهدي إلى أن مس الذكر يناسب نقض الوضوء، فعلى هذا يكون حديث طلق هو آخر الأمرين، ويكون أبو هريرة قد سمعه من بعض الصحابة ثم أرسله.
وجواب آخر أن دعوى النسخ إنما تصح بعد ثبوت صحة الحديث، ونحن لا نُسَلِّم صحة حديث أبي هريرة؛ فافهم.
ص: فقد ثبت فساد هذه الآثار كلها التي يحتج بها من يذهب إلى إيجاب الوضوء من مس الفرج.
ش: أي إذا علم ما ذكرنا، فقد ثبت فساد هذا الأحاديث التي سلفت في هذا الباب التي يحتج بها من يذهب إلى إيجاب الوضوء من مس الفرج، وذلك لكون بعضها منكرا، وبعضها مضطربا، وبعضها ضعيفا معلولا، وبعضها منقطعا،
стр. 618
وبعضها موقوفًا على ما بُيِّنَت مستقصاة مشروحة، وفي ذلك نقل شمس الأئمة السرخسي عن يحيى بن معين أنه قال: ثلاث لا يصح فيهن حديث، منها: انتقاض الوضوء من مس الفرج.
ص: وقد رويت آثار عن رسول الله ﷺ تخالف ذلك، فمنها: ما حدثنا يونس، قال: نا سفيان، عن محمَّد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه: "أنه سأل النبي ﵇ أفي مس الذكر وضوء؟ قال: لا".
ش: أي قد رويت أحاديث عن رسول الله ﵇ تخالف ما روي من إيجاب الوضوء من مس الفرج، ولما ذكر ما يحتج به أهل المقالة الأولى من الأحاديث وأجاب عنها، شرع يذكر ما يحتج به أهل المقالة الثانية، فمن جملة حججهم: حديث قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي ﵇.
أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن جابر بن سيار اليمامي الأعمى -فيه مقال- عن قيس بن طلق، عن أبيه طلق بن علي بن المنذر الحنفي اليمامي الصحابي ﵁.
وأخرجه ابن ماجه (١): نا علي بن محمَّد، نا وكيع، نا محمد بن جابر، قال: سمعت قيس بن طلق الحنفي، عن أبيه قال: "سمعت رسول الله ﵇ سئل عن مس الذكر، فقال: ليس فيه وضوء، إنما هو منك".
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): عن موسى بن داود، عن محمَّد بن جابر ... إلى آخره نحوه.
واعلم أن حديث طلق صحيح وإن كان هذا الطريق فيه مقال؛ لأنه روي من غير وجه، وقال أبو داود: وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﵇ وبعض التابعين أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك، وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب.
стр. 619
وقال ابن حزم في "المحلى" بعد أن ذكر حديث طَلق بن علي قال عَليٌّ: وهذا خبر صحيح.
ولكن ادعى أنه منسوخ كما ادعى الطبراني والبيهقي وصاحب "المغني" وهذه الدعوى غير صحيحة، وقد بينا فسادها عن قريب.
فإن قيل: قد ذكر البيهقي عن ابن معين أنه قال: قد أكثر الناس في قيس بن طلق ولا يحتج بحديثه.
قلت: قد ذكر البيهقي ذلك بسند فيه محمَّد بن الحسن النقاش المفسّر، وهو من المتهمين بالكذب.
وقال البرقاني: كل حديثه مناكير، وليس في تفسيره حديث صحيح.
وروى النقاش كلام ابن معين هذا عن عبد الله بن يحيى القاضي السرخسي، وعبد الله هذا قال فيه ابن عدي: كان متهما في روايته عن قوم أنه لم يلحقهم.
وقد ذكر ابن أبي حاتم أن ابن معين وثق قيسا بخلاف ما ذُكِرَ عنه في هذا السند الساقط، وصحح حديثه هذا ابن حبان وابن حزم كما ذكرناه.
وذكر ابن منده في كتابه: أن عمرو بن علي الفلّاس قال: حديث قيس عندنا أثبت من حديث بسرة.
فإن قيل: ذكر البيهقي عن الشافعي أنه قال: سألنا عن قيس فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا فيه قبول خبره.
وقد حكى الدارقطني أيضًا في "سننه" (١): عن ابن أبي حاتم أنه سأل أباه وأبا زرعة عن هذا الحديث فقالا: قيس بن طلق ليس ممن تقوم به حجة. ووهياه ولم يثبتاه.
قلت: هو معروف روى عنه تسعة أنفس ذكرهم صاحب الكمال وهم: عبد الله ابن بدر، ومحمد بن جابر اليمامي، وعبد الله بن النعيمان السحيمي، وعجيبة بن
стр. 620
عبد الحميد بن طلق، وابنه هوذة بن قيس وأيوب بن عتبة اليمامي، وموسى بن عمير اليمامي، وسراج بن عقبة، وعيسى بن خثيم، ثم قال عبد الغني بعد ذكر هؤلاء: قال يحيى بن معين وأحمد بن عبد الله: ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات" وأخرج له ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في "المستدرك" وروى له أصحاب السنن الأربعة، وأخرج الترمذي من طريق ملازم وقيس هذا حديث "لا وتران في ليلة" وحسنه، وقال عبد الحق: وغير الترمذي يصححه.
فإن قيل: قد روى حديث بسرة جماعة من الصحابة وكثرة الرواية مؤثرة في الترجيح، وحديث طلق بن علي لا يحفظ من طريق يوازي هذه الطرق وهو حديث فرد في هذا الباب.
قلت: كما وجد اختلاف الرواة في حديثها فكذلك وجد في حديث طلق نحو ذلك، ثم إذا وجد للحديث طريق واحد سالم من شوائب الطعن تعين المصير إليه، ولا عبرة باختلاف الباقين، وقد يقال: إن كثرة الرواة لا أثر لها في باب الترجيحات؛ لأن طريق كل واحد منها غلبة الظن؛ فصار كشهادة شاهدين مع شهادة أربعة. وقد يقال: إن بسرة غير مشهورة، لاختلاف الرواة في نسبها؛ لأن بعضهم يقول: هي كنانية، وبعضهم يقول: هي أسدية، ولو سلم عدم جهالتها فليست توازي طلقا في شهرته وكثرة روايته وطول صحبته، وبالجملة فحديث النساء لا يوازي حديث الرجال.
فإن قيل: قد أسند البيهقي عن طلق أنه قدم على النبي ﵇ وهو يبني المسجد قلت: استدل بذلك على أن حديثه متقدم ليثبت كونه منسوخا، وفي سنده هذا محمَّد بن جابر وهو ضعيف وقد ضعفه هو أيضًا في بابه، وأيضًا فقد اختلف عليه، فرواه البيهقي عنه عن قيس بن طلق عن أبيه، وأخرجه الحازمي في الناسخ والمنسوخ عنه عن عبد الله بن بدر عن طلق.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا مسدد، قال: نا محمَّد بن جابر ... فذكر بإسناده نحوه.
стр. 621
ش: هذا طريق آخر عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري، عن محمَّد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): نا إسحاق الدبري [عن عبد الرزاق] (٢) عن هشام بن حسان، عن محمَّد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: "قلت: يا رسول الله، أرأيت الرجل يتوضأ، ثم يهوي فيمس ذكره أو أَرْنَبَتَهُ؟ قال: هو منك".
ص: حدثنا محمَّد بن العباس اللؤلؤي، قال: نا أسد، قال: نا أيوب بن عتبة (ح).
وحدثنا أبو بشر الرقي، قال: نا حجاج بن محمَّد، قال: نا أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي ﵇ نحوه.
ش: هذان طريقان آخران:
أحدهما: عن محمَّد بن العباس اللؤلؤي أحد أصحاب أبي حنيفة، عن أسد بن موسى.
عن أيوب بن عتبة اليمامي، فيه مقال كبير، وقال أبو زرعة: ما حدث باليمامة فهو مستقيم. وقال الدارقطني مرة: يعتبر به شيخ. وقال أبو داود: كان صحيح الكتاب تقادم موته. وقال العجلي: يكتب حديثه.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): نا حماد بن خالد، نا أيوب بن عتبة، عن قيس ابن طلق، عن أبيه قال: "سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أيتوضأ أحدنا إذا مس ذكره؟ قال: إنما هو بضعة منك- أو من جسدك".
стр. 622
والآخر: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي -وثقه ابن يونس- عن حجاج بن محمَّد المصيصي، عن أيوب بن عتبة.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): نا علي بن عبد العزيز، نا أحمد بن يونس، نا أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: "سأل رجل رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا مس أحدنا ذكره، يتوضأ؟ قال: لا، إنما هو بضعة منك".
ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: نا يوسف بن عدي، قال: نا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر السحيمي، عن قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثله.
ش: هذا طريق آخر وهو صحيح، عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يوسف ابن عدي بن زريق -أحد مشايخ البخاري- عن ملازم بن عمرو بن عبد الله الحنفي السُحَيْمي اليمامي، وثقه ابن حبان وغيره وروى له الأربعة، عن عبد الله بن بدر بن عميرة الحنفي السُحَيْمي اليمامي، جد ملازم بن عمرو لأبيه -وقيل: لأمه- وثقه ابن معين وابن حبان، وروى له الأربعة.
والسحيمي نسبة إلى سُحيم -بضم السين وفتح الحاء المهملتين- بن مرة بن دول بن حنيفة بطن من بني حنيفة.
وأخرجه الثلاثة.
فأبو داود (٢): عن مسدد، عن ملازم بن عمرو الحنفي، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: "قدمنا على نبي الله ﵇ فجاء رجل كأنه بدوي، فقال: يا نبي الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ؟ فقال: وهل هو [إلَّا] (٣) مضغة منه- أو بضعة منه؟! ".
стр. 623
والترمذي (١): عن هنّاد، عن ملازم بن عمرو ... وإلى آخره.
والنسائي (٢) أيضًا: عن هناد بن السري، عن ملازم بن عمرو ... إلى آخره، ولفظه: "خرجنا وفدا حتى قدمنا على نبي الله ﵇ فبايعناه وصلينا معه، فلما قضى الصلاة، جاء رجل كأنه بدوي، فقال: يا رسول الله، ما ترى في رجل مس ذكره في الصلاة؟ قال: وهل هو إلاَّ مضغة منك- أو بضعة منك؟! ".
ص: حدثنا أبو أميّة، قال: نا الأسود بن عامر وخلف بن الوليد وأحمد بن يونس وسعيد بن سليمان، عن أيوب، عن قيس، أنه حدثه عن أبيه، عن النبي ﵇ نحوه.
ش: هذا طريق أخر رجاله كلهم ثقات ما خلا أيوب؛ فإن فيه مقالا مع أن بعضهم وثقوه.
وأبو أُميَّة هو محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي.
وخلف بن الوليد الجوهري البغدادي نزيل مكة، وثقة أبو زرعة.
وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس وينسب إلى جده، أحد مشايخ البخاري ومسلم وأبي داود.
وسعيد بن سليمان الضبي الواسطي المعروف بسعدويه.
وأخرجه أحمد (٣) وأبو يعلى في مسنديهما.
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، نا ملازم، عن عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، عن النبي ﵇: "أنه سأله رجل فقال: يا نبي الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما توضأ؟ فقال النبي ﵇: هل هو إلاَّ بضعة منك أو مضغة منك؟!.
ش: هذا طريق أخر وهو صحيح، عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج
стр. 624
ابن المنهال الأنماطي، عن ملازم ... إلى آخره.
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١): أنا ابن قتيبة بعسقلان، قال: نا محمَّد بن أبي السري، نا ملازم بن عمرو، حدثني عبد الله بن بدر، قال: حدثني قيس بن طلق، قال: حدثني أبي قال: "كنا عند النبي ﵇ فأتاه أعرابي، فقال: يا رسول الله، إن أحدنا يكون في الصلاة فيحتك فتصيب يده ذكره. فقال رسول الله ﵇: وهل هو إلاَّ بضعة أومضغة منك"؟!
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢): نا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، نا محمَّد بن أزياد، (٣) بن فروة البلدي أبو روح، نا ملازم بن عمرو ... إلى آخره.
قوله: "بضعة" بفتح الباء وكسرها، وهي القطعة من اللحم، والمعنى أنه جزء منه كما في الحديث: "فاطمة بضعة مني" (٤) أي جزء مني كما أن القطعة من اللحم.
قوله: "أو مُضغة" شك من الراوي، وهي بضم الميم القطعة من اللحم قدر ما يمضغ، وجمعها مُضَغ.
ص: فهذا حديث ملازم، مستقيم الإسناد، غير مضطرب في إسناده ولا في متنه، فهو أولى عندنا مما رويناه أولا من الآثار المضطربة في أسانيدها، ولقد حدثني ابن أبي عمران، قال: سمعت عباس بن عبد العظيم العنبري، يقول: سمعت علي بن المديني، يقول: حديث ملازم هذا أحسن من حديث بسرة، فإن كان هذا الباب يؤخذ من طريق الإسناد واستقامته؛ فحديث ملازم هذا أحسن إسنادا، وإن كان يؤخذ من طريق النظر؛ فإنا رأيناهم لا يختلفون أنَّ من مس ذكره بظهر كفه أو بذراعه لم يجب في ذلك وضوء، فالنظر أن يكون مسه إياه ببطن كفه كذلك،
стр. 625
وقد رأينا لو ماسه بفخذه لم يجب عليه بذلك وضوء، والفخذ عورة، فإذا كانت مماسته إياه بالعورة لا توجب عليه وضوءا، فمماسته إياه بغير العورة أحرى ألَّا توجب عليه وضوءا.
ش: الذي قاله ظاهر، وبينته على دعواه صادقة [وهذا] (١) الإِمام المبّرز في هذا الشأن صاحب التصانيف الواسعة، الذي هو أكبر مشايخ البخاري وأبي داود وأحمد بن حنبل وأبي يعلى الموصلي وأبي حاتم الرازي وغيرهم من أكابر أئمة الشأن، وهو الحافظ علي بن المديني، روى عنه مقالته هذه عباس بن عبد العظيم العنبري الحافظ شيخ الجماعة، وروى عنه شيخ الحنفية شيخ الطحاوي أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي.
فإن قيل: قال البيهقي في "المعرفة" (٢): ورواه عكرمة بن عمار عن قيس بن طلق مرسلًا. ورواه بإسناده إلى أن قال: نا عكرمة بن عمار اليمامي، عن قيس بن طلق: "أن طلقا سأل النبي ﵇ عن الرجل يمس ذكره وهو في الصلاة. فقال: لا بأس به، إنما هو كبعض جسده" وهذا منقطع لأن قيسا لم يشهد سؤال طلق، وعكرمة بن عمار أقوى مَنْ رواه عن قيس بن طلق، وإن كان هو أيضًا مختلف في عدالته، فاحتج به مسلم بن الحجاج في غير هذا الحديث، وتركه البخاري، وضعفه يحيى بن سعيد القطان في آخرين.
وقال في "سننه الكبير" (٣): بإسناده إلى رجاء بن مرجا الحافظ قال: اجتمعنا في مسجد الخيف أنا وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين، فتناظروا في مس الذكر، فقال يحيى بن معين: يتوضأ منه. وتقلّد علي بن المديني قول الكوفيين وقال به، واحتج يحيى بن معين بحديث بسرة بنت صفوان، واحتج علي بن المديني بحديث قيس بن طلق، وقال ليحيى: كيف تتقلد إسناد بسرة ومروان أرسل شرطيا
стр. 626
حتى رد جوابها إليه؟! فقال يحيى: ثم لم يقنع ذلك عروة حتى أتى بسرة فسألها وشافهته بالحديث. ثم قال يحيى: ولقد أكثر الناس في قيس بن طلق وأنه لا يحتج بحديثه. فقال أحمد بن حنبل: كلا الأمرين على ما قلتما. فقال يحيى: مالك، عن نافع، عن ابن عمر "يتوضأ من مس الذكر" فقال علي: كان ابن مسعود يقول: "لا يتوضأ منه وإنما هو بضعة من جسدك". وقال يحيى: هذا عن من؟ فقال: عن سفيان، عن أبي قيس، عن هذيل، عن عبد الله، وإذا اجتمع ابن مسعود وابن عمر واختلفا فابن مسعود أولى بأن يتبع. فقال أحمد بن حنبل: نعم، ولكن أبو قيس الأودي لا يحتج بحديثه. فقال علي: حدثني أبو نعيم، نا مسعر، عن عمير بن سعيد، عن عمار قال: "ما أبالي مسسته أو أنفي". فقال يحيى: بين عمير بن سعيد وعمار بن ياسر مفازة.
ثم أسند البيهقي (١): أن ابن جريج والثوري تذاكرا مس الذكر، فقال ابن جريج: يتوضأ منه. وقال سفيان: لا يتوضأ منه. فقال سفيان: أرأيت لو أن رجلًا أمسك بيده منيّا ما كان عليه؟ فقال ابن جريج: يغسل يده. فقال: أيهما أكثر المني أو مس الذكر؟ فقال: ما ألقاها عل لسانك إلاَّ الشيطان. قال: وإنما أراد ابن جريج أن السُّنة لا تعارض بالقياس، وذكر الشافعي في رواية الزعفراني عنه أن الذي قال من الصحابة لا وضوء فيه فإنما قال بالرأي، ومن أوجب الوضوء فيه فلا يوجبه إلاَّ بالاتباع. انتهى كلامه.
قلت: لا يلزم من إرسال عكرمة بن عمار عدم صحة الحديث من غيره، وقوله: عكرمة (بن) (٢) عمار أقوى مَنْ رواه عن قيس. غير صحيح؛ لأن عكرمة أيضًا مختلف فيه، ولهذا لم يخرج له البخاري إلاَّ مستشهدا، وضعفه يحيى القطان في أحاديث عن يحيى بن أبي كثير، وقَدَّم مُلازِمَ بن عمرو عليه وأما حكايته رجاء بن
стр. 627
مرجا ففي إسناده عبد الله السرخسي وكان متهما.
قوله: "ولكن أبو قيس الأودي لا يحتج بحدثيه" يعارضه قوله: في باب "لا نكاح إلَّا بولي": مختلف في عدالته. انتهى كلامه.
وأبو قيس هذا وثقه ابن معين، وقال العجلي: ثقه ثبت.
واحتج به البخاري، وأخرج له ابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "مستدركه".
وقوله: "بين عمير وعمار مفازة" يعارضه ما ذكره ابن أبي شيبة (١): حدثنا ابن فضيل ووكيع، عن مسعر، عن عمير بن سعيد، قال: "كنت جالسا في مجلس فيه عمار بن ياسر، فسئل عن مس الذكر في الصلاة، فقال: ما هو إلاَّ بضعة منك"، وهذا سند صحيح، وفيه تصريح بأنه لا مفازة بينهما.
وقوله: "عمار وابن عمر استويا"، ليس كذلك؛ لأن مع عمار ابن مسعود وغيره من الصحابة ﵃ والأسانيد بذلك صحاح كما ذكر ابن عبد البر، وقد ذكر الطحاوي أنه لم يُفْتِ بالوضوء منه من الصحابة غير ابن عمر ﵄ فحينئذ لا نُسَلِّم الاستواء.
وقوله: "فإنما قال بالرأي" غير مُسَلَّم؛ لأنه كيف يكون ذلك وقد صح الحديث فيه؟! فافهم.
وأما قول الطحاوي: "فإن كان هذا الباب" أي: هذا النوع من الحكم يؤخذ من طريق إسناد الأحاديث من حيث الصحة والاستقامة، فحديث ملازم بن عمرو هذا الذي مضى أحسن إسنادا من أحاديث الخصم، فتكون أولى بالقبول وأحق بالعمل به.
وإن كان يؤخذ من طريق النظر والقياس؛ فالقياس يقضي ألَّا ينتقض الوضوء بالمس بباطن الكف، كما لا ينتقض بالمس بظاهره أو بذراعه بالإجماع والجامع أن
стр. 628
كلا منهما مَسٌّ في موضع مخصوص.
وكذا لو مسَّه بفخذه لا ينتقض الوضوء، مع أن الفخذ عورة، فبالأولى ألَّا ينتقض وضوءه بالمس بباطن كفه التي هي ليست بعورة.
وتعليل بعض الشافعية المس بباطن الكف بأنه مظنة خروج شيءٌ تعليل فاسد؛ لأنه يلزم منه ألَّا ينتقض الوضوء عند تحققه بعدم الخروج، وكذا في مسّ الدبر، وكذا في مس المرأة فرجها، وكذا في مس ذكر غيره، والله أعلم.
ص: فقال الذين ذهبوا إلى إيجاب الوضوء منه: فقد أوجب الوضوء في مماسته بالكف أصحاب النبي ﵇ فذكروا في ذلك:
ما حدثنا أبو بكرة قال: نا أبو داود، قال: نا شعبة، قال: أنبأني الحكم، قال: سمعت مصعب بن سعد بن أبي وقاص يقول: "كنت أمسك المصحف على أبي، فمسِستُ فرجي، فأمرني أن أتوضأ".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا عبد الرحمن بن زياد، قال: نا شعبة، عن قتادة قال: "كان ابن عمر وابن عباس يقولان في الرجل يَمَسُّ ذكره، قالا: يتوضأ".
قال شعبة، فقلت لقتادة: عمَّن هذا؟ فقال: عن عطاء بن أبي رباح.
حدثنا يونس، قال: نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: "أنه رآه صلى صلاة لم يكن يصليها، قال: فقلت له: ما هذه الصلاة؟ قال: إني مسست فرجي، فنسيت أن أتوضأ".
حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ... مثله.
حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا أبو عوانة، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد، قال: "صلينا مع ابن عمر -أو صلى بنا ابن عمر- ثم سار، ثم أناخ بجمله، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إنا قد صلينا! فقال: إن أبا عبد الرحمن قد
стр. 629
عرف ذلك؛ ولكني مَسِسْتُ ذكري، قال: فتوضأ وأعاد الصلاة".
ش: لما ذكر الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من انتقاض الوضوء بمس الفرج، وأجاب عنها؛ شرع يذكر الأخبار التي وردت من بعض الصحابة موافقة لما ذهبوا إليه ليجيب نهما، فذكر عن ثلاثة من الصحابة، وهم: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عباس، وعبد الله ابن عمر، ﵃.
أما خبر سعد فأخرجه عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحكم بن عُتَيْبَة، عن مصعب بن سعد.
وهؤلاء كلهم ثقات أئمة أجلاء.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا وكيع، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن الزبير بن عدي، عن مصعب بن سعد، قال: "كنت أمسك على أبي (في) (٢) المصحف، فأدخلت يدي هكذا -يعني مَسَّ ذكره- فقال له: توضأ".
قوله: "فَمَسِسْتُ" من مَسِسْت الشيء -بالكسر- أَمَسُّه مَسًّا، فهذه اللغة الفصيحة.
وحكى أبو عُبيدة: مَسَسْتُ الشيء -بالفتح- أَمُسُّه مَسًّا- فهذه بالضم.
وربما قالوا: مِسْتُ الشيء يحذفون منه السين الأولى ويحولون كسرتها إلى الميم، ومنهم من لا يحول ويترك الميم على حالها مفتوحة (٣).
قوله: "أن أتوضأ": أي: بأن أتوضأ، "وأَنْ" مصدرية، والتقدير: أمرني بالوضوء.
وأما خبر ابن عباس: وفيه ابن عمر أيضًا: فأخرجه عن سليمان بن شعيب، عن
стр. 630
عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن شعبة ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا شبابة، نا شعبة، عن قتادة، عن عطاء، عن ابن عباس وابن عمر، قالا: "من مَسَّ ذكره توضأ".
وأما خبر ابن عمر ﵄: فأخرجه من ثلاث طرق:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عُيَينة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر ... إلى آخره، وهذا على شرط مسلم.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن ابن جريج، قال: أخبرنا ابن شهاب، عن سالم: "أن ابن عمر ﵄ صلى بهم بطريق مكة العصر، ثم ركبنا فسرنا ما قُدِّر أن نسير، ثم أناخ ابن عمر فتوضأ، وصلى العصر وحده.
قال سالم: فقلت له: إنك قد صليت لنا صلاة العصر، أفنسيت؟ قال: لم أنس ولكني مَسِسْت ذكري قبل أن أصلي، فلما ذكرت ذلك توضأت فعدت لصلاتي".
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٣): نا ابن عُليَّة، عن ابن عون، عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا مسَّ فرجه؛ أعاد الوضوء".
الثالث: عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن أبي عوانة الوضاح اليِشكري، عن إبراهيم بن المهاجر بن جابر البجلي الكوفي، عن مجاهد بن جبر المكي، عن عبد الله بن عمر.
стр. 631
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
ص: قيل لهم: أما ما رويتموه عن سعد بن مالك، فإنه قد روى عن مصعب بن سعد، عن أبيه، خلاف ما رواه عنه الحكم.
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال ثنا عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمَّد، عن مصعب بن سعد، قال: "كنت آخذا على أبي المصحف، فاحتككت فأصبت فرجي، فقال: أصبت فرجك؟ قلت: نعم. فقال: اغمس يدك في التراب. ولم يأمرني أن أتوضأ".
وروي عن مصعب أيضًا، أن أباه أمره بغسل يده.
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن الزبير بن عديّ، عن مصعب بن سعد، مثله. غير أنه قال: "قم فاغسل يدك".
قال أبو جعفر ﵀: فقد يجوز أن يكون الوضوء الذي أراده الحكم في حديثه عن مصعب: هو غسل اليد، على ما ما بينه عنه الزبير بن عدي؛ حتى لا تتضاد الروايتان.
وقد روي عن سعد من قوله: "إنه لا وضوء في ذلك".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: "سئل سعد عن مسِّ الذكر، فقال: إن كان نجسا فاقطعه، لا بأس به".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: أنا هُشَيم، قال: نا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: "قال رجل لسعد: إنه مسَّ ذكره وهو في الصلاة، فقال: اقطعه، إنما هو بضعة منك".
فهذا سعد لما كُشِفَت الروايات عنه، ثبت عنه أنه لا وضوء في مس الذكر.
стр. 632
ش: هذا جواب عما روي عن سعد بن مالك -هو سعد بن أبي وقاص، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة- في وجوب الوضوء من مس الفرج، على ما روى عنه ابنه مصعب بن سعد، وعن غيره: أنَّ سعدا ﵁ روي عنه الأمر بالوضوء من ذلك، وروي عنه ترك الوضوء منه، وروي عنه الأمر بغمس اليد في التراب، وروي عنه الأمر بغسل اليد فقط.
فمتى تكشف هذه الروايات يثبت عنه أنه لا وضوء في مس الذكر؛ فحينئذ يجوز أن يكون المراد في الوضوء الذي في رواية الحكَم: هو غسل اليد، كما صرح به في رواية الزبير بن عدي؛ فبهذا ينتفي التضاد الذي بين الروايتين، ثم الأخبار التي رويت عنه في ذلك أربعة:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن القرشي الزهري، عن إسماعيل بن محمَّد بن سعد ابن أبي وقاص المدني، عن مصعب بن سعد ... إلي آخره.
وهؤلاء كلهم رجال الصحيحين ما خلا ابن مرزوق؛ فإنه أيضًا ثقة، وثقه الدارقطني وغيره.
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء بن عمر الغداني البصري، عن زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي، عن إسماعيل بن أبي خالد هرمز أبي عبد الله الكوفي، عن الزبير بن عدي الهمداني الكوفي قاضي الريّ، عن مصعب ابن سعد ... إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح.
الثالث: عن محمَّد بن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء، عن زائدة، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، واسم أبي حازم: حصين بن عوف البجلي الأحمسي الكوفي، قيل: له صحبة ولم يصح، وأبوه أبو حازم له صحبة، روى له الجماعة.
стр. 633
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفة" (١): نا وكيع، عن إسماعيل، عن قيس، قال: سأل رجل سعدا عن مس الذكر فقال: "إن علمت أن منك بضعة نجسة فاقطعها".
الرابع: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث المصري، عن سعيد بن منصور -شيخ مسلم وأبي داود- عن هشيم بن بشير الواسطي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم ... إلى آخره.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفة" (٢): عن ابن عُيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: "سأل رجل سعد بن أبي وقاص عن مس الذكر، أَيُتوضأ منه؟ قال: إن كان منك شيء نجس فاقطعه".
ص: وأما ما روي عن ابن عباس ﵄ في إيجاب الوضوء فيه؛ فإنه قد روي عنه خلاف ذلك.
حدثنا أبو بكرة، قال: نا يعقوب بن إسحاق، قال: نا عكرمة بن عمار، قال: ثنا عطاء، عن ابن عباس قال: "ما أبالي إياه مسست أو أنفي".
حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عامر، قال: نا ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، مثله.
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: نا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أنه كان لا يرى في مسِّ الذكر وضوءا".
فهذا ابن عباس قد روي عنه غير ما رواه قتادة عن عطاء عنه، فلم نعلم أحدًا من أصحاب رسول الله ﵇ أفتى بالوضوء منه، غير ابن عمر ﵄.
стр. 634
ش: هذا جواب عَمَّا رُوي عن ابن عباس من وجوب الوضوء من مَسِّ الذكر.
بيانه: أن ابن عباس روى عنه عطاء بن أبي رباح وجوب الوضوء من مس الذكر، وروى عنه أيضًا عدم الوجوب، وكذا روى شعبة مولى ابن عباس عنه، وكذا روى سعيد بن جبير عنه، فهذه الرواية ترجح لموافقته الأصل والقياس؛ لأن الوضوء مما يخرج، ولأن بين روايتي عطاء تضاد؛ فتحمل روايته الأولى على غسل اليد لينتفي التضاد، والحامل عل هذا رواية شعبة مولاه، ورواية سعيد بن جبير ثم الأخبار التي رويت عنه ثلاثة:
الأول: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن يعقوب بن إسحاق بن زيد البصري المقرئ، عن عكرمة بن عمار العجلي، عن عطاء ابن أبي رباح، عن ابن عباس.
وهذا صحيح على شرط مسلم.
وأخرجه محمَّد بن الحسن في "موطأه" (١): أنا طلحة بن عمرو المكي، أنا عطاء ابن أبي رباح، عن ابن عباس، قال في مس الذكر وأنت في الصلاة، قال: "ما أبالي مَسِسْتُه أو مَسِسْتُ أنفي".
وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن ابن جريج قال: أخبرني محمَّد بن يوسف، عن كثير من أهل المدينة، أن ابن عباس قال لابن عمر: "لو أعلم أن ما تقول في الذكر حقا لقطعته، ثم إذا لو أعلمه نجسا لقطعته، وما أبالي إياه مَسِسْتُ أو مَسِسْتُ أنفي".
قوله: "ما أبالي إياه" الضمير فيه يرجع إلى الذكر؛ لأن الكلام خرج (سؤالا) (٣) عن سؤال وجوب الوضوء من مس الذكر.
الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن
стр. 635
محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن شعبة بن دينار القرشي مولى ابن عباس، عن ابن عباس.
وفي شعبة مقال.
الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن سليمان الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي، عن سعيد بن جبير، وهذا إسناد صحيح.
قوله: "فلم نعلم أحدا من أصحاب رسول الله ﵇ ... " إلى آخره.
فإن قيل: كيف قال ذلك وقد روى هو نفسه عن سعد بن أبي وقاص وابن عباس وجوب الوضوء من مس الذكر؟!
قلت: قد بَيَّن لك أنه روي عن كل منهما خلاف ذلك، وأن سعدا إنما أمر بغسل اليد فقط دون الوضوء الشرعي، وأن ابن عباس مذهبه أن الوضوء.
مما يخرج رواه ابن أبي شيبة (١) عنه، ورواه الدارقطني (٢) بإسناده عنه مرفوعًا.
ص: وقد خالفه في ذلك أكثر أصحاب رسول الله ﷺ .
حدثنا محمَّد بن العباس، قال: نا عبد الله بن محمَّد بن المغيرة، قال: أنا مِسْعر، عن قابوس، عن أبي ظبيان، عن علي ﵁ قال: "ما أبالي أنفي مَسِسْتُ أو أُذني أو ذكري".
حدثنا أبو بكرة، قال: نا يحيى بن حماد، قال: نا أبو عوانة، عن سليمان، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، قال: قال عبد الله بن مسعود: "ما أبالي ذكري مَسِسْتُ في الصلاة أم أُذني أم أنفي".
حدثنا بكر بن إدريس، قال: نا آدم بن أبي إياس، قال: نا شعبة، قال: نا أبو قيس، قال: سمعت هُزَيْلا يحدث عن عبد الله ... نحوه.