قوله: "ذلك الربا" أي بيع الثمر بالتمر، وإنما أنث اسم الإشارة في قوله: "تلك المزابنة" باعتبار لفظ المزابنة.
قوله: "النخلة والنخلتين ... " إلى آخره تفسير لقوله: "العرية".
قوله: "بخرصها" الباء فيه متعلقة بقوله: "يأخذها".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا القعنبي وعثمان بن عمر، قالا: ثنا مالك بن أنس، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولي ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق -أو فيما دون خمسة أوسق، شك داود هي خمسة أو فيها دون خمسة؟ ".
ش: إسناده صحيح. ورجاله ثقات.
وعثمان بن عمر بن فارس، شيخ أحمد، روي له الجماعة، وأبو سفيان اسمه قُزمان، قاله الدارقطني، روي له الجماعة، وهو مولي عبد الله بن أبي أحمد بن جحش القرشي الأسدي.
والحديث أخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢): عن القعنبي.
والترمذي (٣): عن قتيبة، عن مالك، وعن أبي كريب، عن زيد بن حباب، عن مالك.
وأخرجه البخاري (٤) والنسائي (٥) وابن ماجه (٦).
وقال القاضي: قوله: "فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق" ما يدل أنه يختص
стр. 5847
بما يوسق ويكال، ويحتج به لأحد القولين، لاختصاص ذلك بالتمر والزبيب، وما في معناه مما ييبس ويدخر ويأخذه المكيل.
وقد ذكر أبو داود عن أبي هريرة الحديث وفيه: "فيما دون خمسة أوسق".
فقد قصر ﵇ الرخصة والحكم في العرية على هذا القدر المذكور في الحديث فلا يزاد عليه، وكان الخمسة الأوسق هو أول مقادير المال الكثير الذي تجب فيه الزكاة من هذا الجنس، وقد اختلف قول مالك في إجراء حكم العرية في خمسة أوسق فقال به في مشهور قوله؛ اتباعًا لما وجد عليه العمل عندهم بالمدينة، وقال أيضًا: لا يجوز في الخمسة ويجوز فيما دونها، لأنه المتحقق في الحديث، والخمسة مشكوك فيها، وبهذا قال الشافعي إلا أنه قال: لا أفسخ البيع في مقدار خمسة أوسق وأفسخه فيما وراءه، وحكي ابن القصار عنه اختلاف قوله كاختلاف قول مالك، وهذا في شرائها بخرصها تمرًا، وأما شراؤها بالدنانير والدراهم والعروض على مشهور قول مالك؛ فجائز من ربها وغيره وإن جاوزت خمسة أوسق، وقال الإِمام أما شك الرواي في الخمسة أوسق فعندنا اختلاف في جواز البلوغ إليها، وقد قال بعض المخالفين: إذا شك الراوي بين خمسة فما دون فلا وجه للتعلق بروايته في تحديد مقدار ما دون الخمسة أوسق، ولكن وقع في بعض الروايات: "أربعة أوسق" فوجب الانتهاء إلى هذا للتيقن، وإسقاط ما زاد عليه، وإلى هذا المذهب مال ابن المنذر، وألزم المزني الشافعي أن يقول به.
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبيد الله بن محمد التيمي، قال: أنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن الواسع بن حَبَّان، عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ رخص في العرية في الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة، وقال: في كل عشرة أقناء قنو، يوضع في المسجد للمساكين".
ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات قد تكرر ذكرهم.
وحَبَّان في الموضعين بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة.
стр. 5848
وأخرجه البيهقي (١) من حديث ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع، عن جابر: "نهى رسول الله ﵇ عن المحاقلة والمزابنة، وأذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها، ثم قال: الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة".
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): نا أحمد بن عبد الملك، نا محمد (٣) بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله قال: "أمر رسول الله ﵇ من كل جاد بعشرة أوسق من تمر بقنو، يعلق في المسجد للمساكين".
حدثنا يعقوب، نا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: "سمعت رسول الله ﵇-حين أَذِنَ لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها- يقول: الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة".
قوله: "أقناء" جمع قِنْو -بكسر القاف- وهو العِذق بما فيه من الرطب.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق ... فذكر
стр. 5849
بإسناده مثله، غير أنه قال: "ثم قال: الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة" ولم يذكر قوله: "في كل عشرة".
ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح.
عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الوهبي الكندي الحمصي أحد مشايخ البخاري في غير الصحيح، عن محمد بن إسحاق صاحب المغازي، عن محمد بن يحيى بن حبَّان، عن عمه واسع بن حَبَّان، عن جابر بن عبد الله ﵁.
ص: قال أبو جعفر -رحمة الله-: فقد جاءت عن الآثار، عن رسول الله ﷺ وتواترت في الرخصة في بيع العرايا، فقبلها أهل العلم جميعًا ولم يختلفوا في صحة مجيئها، وتنازعوا في تأويلها، فقال قوم: العرايا أن يكون الرجل له النخلة والنخلتان في وسط النخل الكثير لرجل آخر، وقد كان أهل المدينة إذا كان وقت الثمار خرجوا بأهليهم إلى حوائطهم، فيجيء صاحب النخلة والنخلتين بأهله؛ فيضر ذلك بصاحب النخل الكثير.
فرخص رسول الله ﷺ لصاحب النخل الكثير أن يعطي صاحب النخلة أو النخلتين بخرص ماله من ذلك تمرًا، لينصرف هو وأهله عنه، ويخلص تمر الحائط كله لصاحب النخل الكثير، فيكون فيه هو وأهله.
وقد روي هذا القول عن مالك بن أنس ﵁.
ش: أشار بهذا الكلام إلى أن هذه الأحاديث التى وردت في العرايا لم ينازع أحد في صحتها، ولا اختلف في صحة مجيئها وإنما تنازعوا في تأويلها، فقال قوم: "العرايا أن يكون الرجل له النخلة أو النخلتين ... " إلى آخره.
وأراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن جبير والأوزاعي ومالك بن أنس ﵏، فإنهم قالوا: العرايا هي أن يهب الرجل لآخر ثمر نخلة -أو نخلتين أو نخلات- من ماله ويكون الواهب سكن بأهله في ذلك الحائط، فيشق عليه دخول المعرى في
стр. 5850
الحائط، فله أن يبتاع منه ذلك الثمر يخرصه تمرًا إلى الجداد، ولا يجوز عندهم إلا نسيئة، وأما يدًا بيد فلا.
وقال أبو عمر (١): فجملة قول مالك وأصحابه في العرايا: أن العرية هي أن يهب الرجل من حائطه خمسة أوسق فما دونها، ثم يريد أن يشتريها من المعرى عند طيب الثمرة، فأبيح له أن يشتريها بخرصها تمرًا عند الجذاذ، وإن عَجَّل له لم يجز، ولا يجوز ذلك لغير المعرى؛ لأن الرخصة فيه وردت، وجائز بيعها من غيره بالدنانير والدراهم وسائر العروض.
وقال أيضًا ولا يجوز البيع في العرايا عند مالك وأصحابه إلا لوجهين: إما لدفع ضرر دخول المعرى على المعري، وإما لأن يرفق المعري المعرى فيكفيه المؤنة فيها فأرخص له أن يشتريها منه بخرصها تمرًا إلى الجذاذ.
وفي "الاستذكار": يجوز الإعراء في كل نوع من الثمر كان مما ييبس ويدخر أم لا؟ وفي القثاء والموز والبطيخ قاله ابن حبيب قبل الأبار وبعده لعام أو لأعوام في جميع الحائط أو بعضه، وقال ابن حبيب عن مالك: يكون باجتماع أمرين: أن يصلح فيها ثمره وأن يقبضها، فإن عدم أحد الأمرين قبل موت المعري فلا شيء فيها للمعرى، وقال عبد الوهاب: بيع العرية جائز بأربعة شروط:
أحدهما: أن تزهى وهو قول جمهور الفقهاء، وقال يزيد بن أبي حبيب: يجوز قبل بدو الصلاح.
والثاني: أن تكون خمسة أوسق فأدنى، وهو رواية المصريين عن مالك، وروى عنه أبو الفرج عمرو بن محمد: أنه لا يجوز إلا في أقل من خمسة أوسق، فإن خرصت أقل من خمسة أوسق فلما جذت وجد أكثر، ففي "المدونة" روى صدقة بن حبيب عن مالك: أن الفضل لصاحب العرية، ولو جذ أقل من الخرص ضمن الخرص، ولو خلطه قبل أن يكيله لم يكن عليه زيادة ولا نقص.
стр. 5851
والثالث: أن يعطيه خرصها عند الجذاذ، ولا يجوز له تعجيل الخرص تمرًا خلافًا للشافعي في قوله: إنه يجب عليه أن يعجل الخرص تمرًا، ولا يجوز أن يفترقا حتى يتقابضا.
والشرط الرابع: أن يكون من صنعها فإذا باعها بخرصها إلى الجذاذ، ثم أراد تعجيل الخرص جاز، قاله ابن حبيب.
وعن مالك فيما يصح ذلك فيه من الثمار روايتان:
إحداهما: أنه لا يجوز إلا في النخل والعنب، وبه قال الشافعي.
والثانية: أنه يجوز في كل ما ييبس ويدخر من الثمار، كالجوز واللوز والتين والزيتون والفستق. رواه محمد، وقال أشهب في الزيتون: يجوز إذا كان ييبس ويدخر، وأما النخل الذي لا يتتمر والعنب الذي لا يتزبب؛ فعلى اشتراط التيبيس يجب أن لايجوز. انتهي.
وقال قوم: العرية النخلة والنخلتان والثلاث تجعل للقوم، فيبيعون ثمرها يخرصها تمرًا. وهو قول يحيى بن سعيد الأنصاري ومحمد بن إسحاق، وروي عن زيد بن ثابت.
وقال قوم مثل هذا إلا أنهم خصوا بذلك المساكين يجعل لهم ثمر النخل فيصعب عليهم القيام عليها، فأبيح لهم أن يبيعوه بما شاءوا من التمر؛ وهو قول سفيان بن حسين، وسفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل.
وقال قوم: العرية: الرجل يعري النخلة -أو يستثني من ماله النخلة- أو النخلتين يأكلها، فيبيعها بمثل خرصها. وهو قول عبد ربه بن سعيد الأنصاري.
وقال قوم: العرية أن يأتي أوان الرطب، وهنالك قوم فقراء لا مال لهم ويريدون ابتياع رطب يأكلونه مع الناس ولهم فضول تمر من أقواتهم، فإنه لهم أن يشتروا الرطب بخرصها من التمر فيما دون خمسة أوسق.
стр. 5852
وهو قول الشافعي وأبي ثور، ولا عرية عندهما في غير النخل والعنب، وقال ابن قدامة في "المغني": العرايا لا تجوز إلا فيما دون خمسة أوسق. وبهذا قال ابن المنذر والشافعي -في أحد قوليه- وقال مالك والشافعي -في القول الآخر-: يجوز في الخمسة، ورواه الجوزقاني عن إسماعيل بن سعيد، عن أحمد، واتفقوا على أنها لا تجوز في الزيادة على خمسة أوسق.
وقال أيضًا: إنما يجوز بيعها بخرصها من التمر لا أقل منه ولا أكثر، ويجب أن يكون التمر الذي يشترى به معلومًا بالكيل، ولا يجوز جزافًا، ولا نعلم في هذا عند من أباح بيع العرايا اختلافًا.
واختلف في معني خرصها من التمر، فقيل: معناه: أن يطيف الخارص بالعرية فينظر كم يجيء منها تمرًا فيشتريها بمثله من التمر، وهذا مذهب الشافعي.
ونقل حنبل عن أحمد أنه قال: يخرصها رطبًا ويعطي تمرًا، ولا يجوز أن يشتريها بخرصها رطبًا. وهو أحد الوجوه لأصحاب الشافعي.
والثاني: يجوز.
والثالث: يجوز مع اختلاف النوع، ولا يجوز مع اتفاقه، ولا يجوز بيعها إلا لمحتاج إلى أكلها رطبًا، ولا يجوز بيعها لغني، وهذا أحد قولي الشافعي، وأباحها في القول الآخر مطلقًا للغني والمحتاج، ولا يجوز بيعها في غير النخل، وهو مذهب الليث، وقال القاضي: يجوز في بقية الثمار من العنب والتين وغيرهما. وهو قول مالك والأوزاعي.
وأجازه الشافعي في النخل والعنب دون غيرهما.
ص: وكان أبو حنيفة -رحمة الله- يقول -فيما سمعت أحمد بن أبي عمران يذكر-: أنه سمع محمد بن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة قال: معني ذلك عندنا: أن يعري الرجلُ الرجلَ ثمر نخلة من نخله فلم يُسَلِّم ذلك إليه حتى يبدو له، فرخص له أن يحبس ذلك ويعطيه مكانه خرصه تمرًا. وكان هذا التأويل أشبه وأولى
стр. 5853
مما قال مالك؛ لأن العرية إنما هي العطية، ألا تري إلى الذي مدح الأنصار كيف مدحهم إذ يقول:
ليست بسَنْهَاءَ ولا رُجَبيَّة ... ولكن عرايا في السّنين الجَوَائِحِ
أي أنهم كانوا يعرونها في السنين الجوائح، فلو كانت العرية كما ذهب إليه مالك إذا؛ لما كانوا ممدوحين بها إذ كانوا يُعْطَون كما يُعْطَون، ولكن العرية بخلاف ذلك.
ش: أوَّل أبو حنيفة: معني العرايا بأن يهب الرجل رجلاً آخر ثمر نخلة أو نخلتين، فلم يسلِّم ذلك إليه ثم يبدو له -يعني يظهر له أن لا يُمَكِّنه من ذلك- فيعطيه مكان ثمر ما أعطاه تمرًا يابسًا، فيخرج بذلك عن إخلاف الوعد، وهذا هو معنى العرية عند أبي حنيفة وحكمها، ثم ادعي الطحاوي أن هذا التأويل هو أشبه وأولي التأويلين -أعني التأويل الذي أوله وتأويل مالك وذلك لأن العرية معناها: العطية، ألا تري إلى الذي مدح الأنصار بقوله: ليست بِسَنْهاءَ ... إلى آخره، ذكر العرايا وأراد بها العطايا، يعني أنهم كانوا يعرونها أي يعطونها في السنين الجوائح؟ ولو كانت العرايا كما ذهب إليه مالك؛ إذًا لما وقع كلام الشاعر مدحًا في حقهم، ولا كانوا هم ممدوحين بها، لأنهم كما كانوا يُعْطُون كانوا يُعْطَون أيضًا، فتقع المعاوضة؛ فلا يصير فيه فضل لأحدهما على الآخر.
فعلم من ذلك أن معنى العرية على ما قاله أبو حنيفة، لا على ما قاله مالك ولا غيره من الأئمة.
ثم اعلم أن قائل هذا الشعر هو سويد بن الصامت من شعراء الأنصار.
قوله: "ليست بسنهاء". أي ليست نخلهم بسنهاء، والسنهاء النخل التي تحمل سنة وتحول سنة فلا تحمل، وذلك عيب في النخل، فوصف نخله أنها ليست كذلك، ولكنها تحمل في كل عام، وهو على وزن صحراء، يقال: سَنَهَت النخلة وتَسَنَّهت إذا أتت عليها السنون والسَّنْهَة -مثل الجَبْهة- أصل السنة.
стр. 5854
قوله: "ولا رُجَبِيَّة" بضم الراء المهملة وفتح الجيم وكسر الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف، نسبة إلى الرجب وهو جمع رُجْبَة مثل ركبة تجمع على رُكَب، والرجبة اسم من الترجيب، وهو أن تدعم الشجرة إذا كثر حملها لئلا تنكسر أغصانها، وقال ابن قتيبة: الرجبية هي التى تميل لضعفها؛ فَتُدْعَم من تحتها.
قوله: "ولكن عرايا" استدراك من المعني الأول، أي ولكن كانوا يُعْرون عرايا: أي عطايا.
قوله: "من السنين الجوائح". بالجيم، وفي آخره حاء مهملة، وهو جمع جائحة وهي الشدة التى تجتاح المال من سنة أو فتنة، يقال جاحتهم الجائحة واجتاحتهم، وجاح الله ماله وأجاحه واجتاحه بمعنى، أي أهلكه بالجائحة، وأصل الكلمة من الجوح وهو الاستئصال، يقال: جحت الشيء أجوحه، ويروى: في السنين المواحل، وهو جمع ماحلة من المحل، وهو الجدب والقحط، والمعني أنهم يعرونها في السنين الجدبة، يعني يعطون ثمرتها أهل الحاجة في سِنِيّ الجدب والمجاعة والشدة.
ص: فإن قال قائل: فقد ذكر في حديث زيد بن ثابت: "أن رسول الله ﵇ نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في العرايا" فصارت العرايا في هذا الحديث أيضًا هي بيع ثمر بتمر، قيل له: ليس في الحديث من ذلك شيء [إنما] (١) فيه ذكر الرخصة في العرايا مع النهي عن بيع الثمر بالتمر، وقد يقرن الشيء بالشيء، وحكمهما يختلف.
ش: هذا السؤال وارد على تأويل أبي حنيفة، يعني العرية: هي العطية بلا بدل، وليست بيعًا، تقريره أن يقال: إن ما ذكره أبو حنيفة منقوض بما رواه زيد بن ثابت: "أن رسول الله ﵇ عن بيع الثمر -بالثاء المثلثة- بالتمر -بالتاء المثناة من فوق- ورخص في العرايا" فدل ذلك أن العرية أيضًا بيع ثمر بتمر، ولكنه رَخَّص فيها ترفيقًا للناس.
стр. 5855
وتقرير الجواب أن يقال: لا نسلم أن يدل هذا الحديث على ما ذكرتم، غاية ما في الباب أن هذا الحديث مشتمل على حكمين مقرونين:
أحدهما: النهي عن بيع الثمر بالتمر.
والآخر: الترخيص في العرايا.
ولا يلزم من ذكرهما مقرونين أن يكون حكمهما واحد، وقد يقرن الشيء بالشيء وحكمهما يختلف، ونظائر هذا كثيرة، وقد ذكر أهل التحقيق من الأصوليين: أن من العمل بالوجوه الفاسدة ما قال بعضهم: إن القران في النظم يوجب القران في الحكم، ووجه فساد ذلك: أن ما يجب في الجملة الناقصة لافتقارها إلى ما يتم به، فإذا تم بنفسه لم تجب الشركة إلا فيما يفتقر إليه، وقوله ﵇: "ورخص في العرايا" جملة تامة لا تفتقر إلى ما تتم به، فلا يطلق حينئذ على العرية أنها البيع.
فإن قيل: حديث زيد بن ثابت ﵁: "أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا" وحديث سهل بن أبي حثمة: "إلا أنه رخص في بيع العرية" يدل على أن العرية بيع ثمر بتمر، وأنه يرد ما قاله أبو حنيفة -ومن تبعه-: إن العرية هي العطية.
قلت: الراوي هو الذي سماها بيعًا لتصورها بصورة البيع لا أن يكون بيعًا حقيقة، ألا تري أنه لم يملكها المعرى له لانعدام القبض، فكيف يجعل بيعًا؟ ولأنه لو جعل بيعًا لكان بيع الثمر بالتمر إلى أجل، وأنه لا يجوز بلا خلاف، فدل ذلك أن العرية المرخص فيها ليست ببيعٍ حقيقة، بل هي عطية.
ص: فإن قال: فقد ذكر التوقيف في حديث أبي هريرة ﵁ على خمسة أوسق، وفي ذكره ما ينفي أن يكون حكم ما هو أكثر من ذلك كحكمه.
قيل له: ما فيه ما ينفي شيئًا مما ذكرت، وإنما يكون ذلك كذلك لو قال رسول الله ﵇: لا تكون العرية إلا في خمسة أوسق أو فيما دون خمسة أوسق، فأما إذا كان الحديث إنما فيه: "أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا في خمسة أوسق أو فيما دون خمسة أوسق فذلك يحتمل أن يكون النبي ﵇ رخص فيه لقوم في عرية لهم هذا
стр. 5856
مقدارها، فنقل أبو هريرة ذلك، وأخبر بالرخصة فيما كانت، ولا ينفي أن تكون تلك الرخصة جارية فيما هو أكثر من ذلك.
ش: هذا السؤال وارد على تأويل أبي حنيفة، حيث لم يقدر بخمسة أوسق ولا بما دونها. وحديث أبي هريرة يرده؛ لأن فيه توقيفًا على خمسة أوسق، وتنصيصه بذلك ينفي أن يكون حكم الأكثر من ذلك كحكم الخمسة أو ما دونها.
وأيضًا لو كانت العرية عطية -على ما ذكره- لما حددها وقصرها على خمسة أوسق، فقصره عليها يدل على أنها بيع رخَّص فيه واستثني من البيع المحرم الذي هو بيع الثمر بالتمر.
وتقرير الجواب أن يقال: لا نسلم أن التحديد بالخمسة ينفي أن يكون ما هو أكثر خارجًا عن حكم الخمسة، وإنما يلزم ذلك أن لو كان فيه شيء يدل على الحصر، نحو ما إذا قال: لا تكون العرية إلا في خمسة أوسق أو فيما دون خمسة أوسق، وليس نظم الحديث كذلك وإنما هو أنه ﵇ رخص فيها لقوم في عرية كانت عندهم هذا المقدار، فنقل الراوي ذلك كما كان عليه أهل القضية وذلك لا ينفي أن تكون الرخصة فيما هو أكثر من ذلك، ثم العجب أنهم يجعلون الخمسة تحديدًا ويقصرون الحكم عليها، والحال أنها مشكوك فيها، والنهي عن المزابنة ثابت بيقين؛ فوجب أن لا يستثنى منها إلا الثابت بيقين، وهو أربعة أوسق، فافهم. والله أعلم.
ص: فإن قال قائل: ففي حديث ابن عمر وجابر ﵃: "إلا أنه رخص في العرايا" فصار ذلك مستثنى من بيع الثمر بالتمر، فثبت بذلك أنه بيع ثمر بتمر.
قيل له: قد يجوز أن يكون قصد بذلك إلى المعرى، فرخص له أن يأخذ تمرًا بدلاً من ثمرٍ في رءوس النخل، لأنه يكون ذلك في معني البيع، وذلك له حلال، فيكون الاستثناء لهذه العلة، وفي حديث سهل بن أبي حثمة: "إلا أنه رخص في بيع العرية بخرصها تمرًا، يأكلها رطبًا" فقد ذكر للعرية أهلًا وجعلهم يأكلونها رطبًا، ولا يكون ذلك إلا ومَلَكها الذين عادت إليهم بالبدل الذي أُخِذَ منهم.
стр. 5857
فبذلك ثبت قول أبي حنيفة ﵁.
ش: تقرير السؤال أن يقال: نظم حديث عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله يدل على أن العرية بيع؛ لأن في حديثهما: "إلا أنه رخص في العرايا" وقد استثني ذلك من بيع الثمر بالتمر، والمستثنى من جنس المستثنى منه، فثبت بذلك أن العرية بيع ثمر بتمر مستثنى من البيع المحرم المنهي عنه، وهو بيع الثمر بالتمر.
وتقرير الجواب أن يقال: يجوز أن يكون الاستثناء ها هنا لا لما ذكرتم، بل يكون قصد بذلك إلى أن المعرَى -بفتح الراء- قد قصد له أن يأخذ تمرًا بدلاً من التمر الذي في رءوس النخل التى أعريت له، فهذه الصورة في حق غيره حرام، وفي حق المعرَى -بفتح الراء- حلال، فاستثني بذلك بيانًا لهذه العلة ثم إن المعرَى -بفتح الراء- بأخذه التمر بدلاً عن الثمر الذي في رءوس النخل يكون كالبائع لذلك الثمر بالتمر الذي يأخذه من المعري -بكسر الراء- فإطلاق البيع على العرية بهذه الحيثية؛ لا باعتبار أن هناك بائع حقيقة أو بيع حقيقة.
ص: فإن قال قائل: لو كان تأويل هذه الآثار ما ذهب إليه أبو حنيفة، لما كان لذكر الرخصة فيها معني.
قيل له: بل له معنى صحيح، ولكن قد اختلف فيه، ما هو؟
فقال عيسى بن أبان: معني الرخصة في ذلك أن الأموال كلها لا تملك بها أبدالًا إلا من كان مالكها لا يبيع الرجل ما لا يملك ببدل، فيملك ذلك البدل، فإنما يملك ذلك البدل إذا ملكه بصحة ملكه للشيء الذي هو بدل منه.
قال: فالمعرَى لم يكن يملك العرية، لأنه لم يكن قبضها، والتمر الذي يأخذه بدلاً منها، فقد جعل طَيِّيًا له في هذا الحديث، وهو بدل من رطبٍ لم يكن ملكه.
قال: فهذا هو الذي قصد بالرخصة إليه.
стр. 5858
وقال غيره: الرخصة أن الرجل إذا عرَى الرجل الشيء من ثمره، فقد وعد أن يسلمه إليه ليملكه المُسَلَّم إليه بقبضه إياه، وعلى الرجل في دينه أن يفي بوعده، وإن كان غير مأخوذ به في الحكم، فرخص للمعرِي أن يحبس ما أعرى بأن يعطي المعرى خرصه تمرًا بدلاً منه من غير أن يكون آثمًا، ولا في حكم من أخلف موعدًا، فهذا موضع الرخصة.
ش: تقرير السؤال أن يقال: أحاديث العرايا ذُكرت بالرخصة، والرخصة لا تكون إلا في شيء محرم، والعرايا لو كانت عطية على ما أَوَّله أبو حنيفة لم يكن لذكر الرخصة فيها فائدة ولا معني؛ لأن الرخصة لا دخل لها في العطايا والهبات، فَذِكْر الرخصة يدل على أنها بيع مستثنى من البيوع الحرمة.
وقد أجاب عنه الطحاوي بجوابين:
أحدهما: عن عيسى بن أبان، والآخر: عن غيره، وكلاهما ظاهر.
قوله: "قال: فالمعرى" بفتح الراء.
قوله: "وقال غيره" أي غير عيسى بن أبان.
قوله: "وعلى الرجل في دينه أن يفي بوعده" لورود النصوص من الكتاب والسنة على الحث والتحريض بوفاء المواعيد.
قوله: "فرخص للمعري" بكسر الراء.
قوله: "بأن يعطي المعرَى" بفتح الراء.
ص: وهذا التأويل الذي ذكرناه عن أبي حنيفة أولى ما حُمل عليه وجه هذا الحديث، لأن الآثار قد جاءت عن رسول الله ﵇ متواترة بالنهي عن بيع الثمر بالتمر، منها ما قد ذكرناه في أول هذا الباب، ومنها:
ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني سعيد وأبو سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "لا تبايعوا الثمر بالتمر".
стр. 5859
قال ابن شهاب: وحدثني سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﵇.
مثله سواء.
حدثنا يزيد وابن أبي داود، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقَيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇، مثله.
حدثنا محمد بن الحجاج، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، قال: "سمعت ابن عمر ﵄ سئل عن رجل اشتري ثمرة بمائة فرق يكيل له، قال: نهى رسول الله ﵇ عن هذا -يعني المزابنة".
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا أسد، قال: ثنا يحيى بن زكريا قال: ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﵇ عن بيع ثمر النخل بالتمر كيلاً، والزبيب بالعنب كيلا، والزرع بالحنطة كيلًا".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا محمد بن عون، قال: أنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار: "أن ابن عمر سئل عن رجل باع ثمرة أرضه من رجل بمائة فرق، فقال: نهي رسول الله ﵇ عن هذا، وهو المزابنة".
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، قال: أخبرني يونس، قال: حدثني نافع، أن عبد الله بن عمر قال: "نهى رسول الله ﵇ عن المزابنة، قال: والمزابنة: أن يشتري الرجل -أو يبيع- حائطه بتمر كيلاً، أو كرمه بزبيب كيلاً، أو أن يبيع الزرع كيلًا بشيء من الطعام".
حدثنا محمد بن عمرو بن يونس، قال: ثنا أبو معاوية، عن أبي إسحاق الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: "نهي رسول الله ﵇ عن المحاقلة والمزابنة".
حدثنا المزني، قال: ثنا الشافعي، عن سفيان، عن ابن جريج عن عطاء، عن جابر عن النبي ﵇، مثله، وزاد: "أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق حنطة، والمزابنة: أن يبيع الثمر في رءوس النخل بمائة فرق".
стр. 5860
حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم قال: ثنا محمد بن مسلم الطائفي، قال: أنا إبراهيم بن ميسرة، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله ﵇ عن المخابرة والمزابنة والمحاقلة".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حسين بن حفص، قال: ثنا سفيان، قال: حدثني سَعْد بن إبراهيم، قال: حدثني عمر بن أبي سلمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﵇ عن المحاقلة والمزابنة. قال والمحاقلة: الشرك في الزرع، والمزابنة: التمر بالتمر في النخل".
فهذه الآثار قد تواترت عن رسول الله ﵇ بالنهي عن بيع الكيل من التمر بالثمر في رءوس النخل، فإن حمل تأويل العرايا على ما ذهب إليه أبو حنيفة كان النهي على عمومه ولم يبطل منه شيء، وإن حمل على ما ذهب إليه مالك بن أنس: خرج منه ما تأول هو العرية عليه، فلا ينبغي أن يخرج شيء من حديث متفق عليه إلا بحديث متفق على تأويله، أو بدلالة أخري متفق عليها، وقد روي أيضًا عن رسول الله ﷺ ما قد ذكرناه في غير هذا الموضع، في النهي عن بيع الرطب بالتمر، فإن حملنا معني العرية على ما قال مالك؛ ضاد ما روي في النهي عن بيع الرطب بالتمر، وإن حملناه على ما قال أبو حنيفة؛ اتفقت معانيها ولم تتضاد، وأولى بنا في صرف وجوه الآثار ومعانيها ما ليس فيه تضاد ولا معارضة سنة بسنة.
فقد ثبت بما ذكرنا في العرايا ما ذهب إليه أبو حنيفة، والله أسأله التوفيق.
ش: أشار بهذا الكلام إلى ترجيح تأويل أبي حنيفة في العرايا على تأويل غيره، بيان ذلك أن الأحاديث الصحيحة قد جاءت عن النبي ﵇ متواترة -يعني متكاثرة، ولم يرد بها التواتر المصطلح عليه- بالنهي عن بيع الثَّمَر -بالثاء المثلثة وفتح الميم- بالتمر -بالتاء المثناة من فوق وسكون الميم- فمنها أي من هذه الأحاديث: ما قد مر ذكره في أول هذا الباب، وهو حديث ابن عمر الذي أخرجه من طرق متعددة، وفيه نهي رسول الله ﵇ عن بيع الثمر بالتمر، ومنها ما أخرجه
стр. 5861
عن أبي هريرة، وعن عبد الله بن عمر ﵃ من ستة طرق صحاح:
الأول فيه: عن أبي هريرة وعن ابن عمر كليهما.
أخرجه بإسناد رجاله كلهم رجال الصحيح.
وهو عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، كلاهما عن أبي هريرة.
وعن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇.
وأخرجه مسلم (١): حدثني أبو الطاهر وحرملة -واللفظ لحرملة- قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبتاعوا الثمر بالتمر". قال ابن شهاب: وحدثني سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﵇، مثله سواء.
الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز، وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، كلاهما عن عبد الله بن صالح وراق الليث، عن ليث بن سعد، عن عُقَيل -بضم العين- بن خالد، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇.
وأخرجه البخاري (٢): من حديث الليث، عن عُقَيل، عن الزهري ... إلى آخره نحوه.
الثالث: عن محمد بن الحجاج بن سليمان الحضرمي، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني المَرْوذي -وثقه يحيى- عن حماد بن سلمة إلى آخره.
стр. 5862
وأخرجه الطبراني (١): ثنا يوسف القاضي، ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار: "أن ابن عمر سئل عن رجل قال لرجل: بعني ثمرة أرضك بما كنت تكيل منها، قال ابن عمر: نهى رسول الله ﵇ عن هذا، وهي المزابنة".
الرابع: عن نصر بن مرزوق، عن أسد بن موسى، عن يحيى بن زكرياء .... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير، قالا: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا عبيد الله، عن نافع، أن عبد الله أخبره: "أن النبي ﵇ نهى عن المزابنة؛ بيع ثمر النخل بالتمر كيلا، وبيع العنب بالزبيب كيلاً، وبيع الزرع بالحنطة كيلًا".
الخامس: عن أحمد بن داود المكي، عن محمد بن عون الزيادي مولي آل زياد بن أبي سفيان البصري، وثقة أبو زرعة وابن حبان.
السادس: عن نصر بن مرزوق، عن أبي زرعة المصري المؤذن، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن نافع ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٣): عن قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﵇ عن المزابنة؛ أن يبيع ثمر حائطه وإن كان نخلًا بتمر كيلاً، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلاً، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله".
قوله: "بمائة فَرَق" بفتح الفاء والراء وفي آخره قاف، وهو مكيال يسع ستة عشر رطلاً، وهي اثني عشر مدًّا وثلاثة آصع عند أهل الحجاز، وقيل: الفَرَق: خمسة أقساط، والقسط نصف صاع، وأما الفَرْق بالسكون فمائة وعشرون رطلًا.
стр. 5863
قوله: "عن بيع ثَمَر النخل" بالثاء المثلثة وفتح الميم.
وقوله: "بالتمر" بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الميم.
قوله: "حائطه" أراد بالحائط: البستان من النخيل إذا كان عليه حائط وهو الجدار، ويجمع على حوائط.
ومنها ما أخرجه عن ابن عباس ﵄ بإسناد صحيح، عن محمد بن عمرو بن يونس، عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم، عن أبي إسحاق سليمان بن فيروز الشيباني الكوفي.
وأخرجه البخاري (١) من حديث أبي إسحاق الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﵇ عن المحاقلة والمزابنة".
ومنها ما أخرجه عن جابر بن عبد الله ﵄ من طريقتين صحيحين:
الأول: عن إسماعيل بن يحيى المزني، عن محمد بن إدريس الشافعي، عن سفيان ابن عيينة، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، عن عطاء بن أبي رباح المكي، عن جابر ﵁.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) من طريق الشافعي نحوه، وفيه:
"والمحاقلة: أن يبيع الزرع بمائة فَرَق حنطة، والمزابنة: أن يبيع الثمر في رءوس النخل بمائة فَرَق تمر، والمخابرة كراء الأرض بالثلث والربع".
وأخرجه الجماعة بألفاظ مختلفة (٣).
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم المصري المعروف بابن أبي مريم
стр. 5864
شيخ البخاري، عن محمد بن مسلم بن سُوسَن الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة الطائفي ... إلى آخره.
ومنها ما أخرجه عن أبي هريرة بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن حسين بن حفص الأصبهاني، عن سفيان الثوري، عن سَعْد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو داود، نا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن ابن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة" انتهي.
ففي هذه الأحاديث النهي عن بيع الكيل من التمر بالثمر في رءوس الأشجار، فمتى ما حملنا تأويل العرايا على ما ذهب إليه غير أبي حنيفة، منها ما تأوله هؤلاء، فيخرج النهي عن عمومه.
وإذا حملناه على ما ذهب إليه أبو حنيفة، كان النهي على عمومه ولم يبطل منه شيء، ولا شك أن هذا أولى؛ لأن فيه العمل بالعموم، وفيما ذهب إليه غيره إبطال بعض العموم.
وأيضًا فقد روي عن النبي ﵇ النهي عن بيع الرطب بالتمر كما مرت أحاديثه في الباب المعقود لها فيما مضى، فمتى ما حملنا معني العرية على ما قال غير أبي حنيفة؛ يلزم التضاد بين أحاديث النهي عن بيع الرطب بالتمر وبين أحاديث العرايا، وإذا حملناها على ما قال أبو حنيفة لا يلزم من ذلك شيء وتتفق معاني أحاديث البابين.
والأولي بل الواجب صرف وجوه الأحاديث إلى معنى ليس فيه تضاد، ولا معارضة سنة بسنة، فافهم.
стр. 5865
ص: وقد روي عن رسول الله ﷺ أيضًا أنه قال: "خففوا في الصدقات؛ فإن في المال العرية والوصيه".
حدثنا بذلك أبو بكرة قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: أنا جرير بن حازم، قال: سمعت قيس بن سعد يحدث، عن مكحول الشامي، عن رسول الله ﷺ بذلك.
فدل ذلك أن العرية إنما هي شيء يُمَلِّكه أرباب الأموال قومًا في حياتهم، كما يملكون الوصايا بعد وفاتهم.
ش: هذه حجة أخري تدل على صحة تأويل أبي حنيفة في العرايا، وهو أن معناها العطايا لا البيع، على ما لا يخفى.
والحديث المذكور مرسل، وإسناده صحيح، وهو حجة عندنا على ما عرف في موضعه.
وأبو بكرة هو بكار القاضي.
وأبو عمر الضرير اسمه: حفص بن عمر المصري، شيخ أبي داود وابن ماجه وقيس بن سعد المكي مولي نافع بن علقمة وثقه أحمد وأبو زرعة.
ص: وحجة أخرى في أن معنى العرية كما قال أبو حنيفة لا كما قال مخالفه:
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا محمد بن عون، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب وعبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ نهى البائع والمبتاع عن المزابنة، قال: وقال زيد بن ثابت ﵁: رخص في العرايا في النخلة والنخلتين توهبان للرجل فيبيعهما بخرصهما تمرًا".
فهذا زيد بن ثابت وهو أحد من روى عن النبي ﵇ الرخصة في العرية، فقد أخبر أنها الهبة.
ش: دلالة هذا الحديث على ما قال أبو حنيفة ظاهرة لا تخفى إلا على المعاند.
стр. 5866
وأخرجه بإسناد صحيح، عن أحمد بن داود المكي، عن محمد بن عون الزيادي، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، كلاهما عن نافع ... إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا يوسف القاضي، ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب وعبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال زيد ثابت ﵁: "رخص رسول الله ﵇ في العرايا؛ النخلة والنخلتين توهبان للرجل، فيبيعهما بخرصهما تمرًا".
قوله: "توهبان" على صيغة المجهول صفة لقوله: "والنخلتين" فافهم.
...
стр. 5867
ص: باب: الرجل يشتري الثمرة فيقبضها فتصيبها جائحة
ش: أي هذا باب في بيان حكم الثمرة التي يشتريها الرجل فيقبضها، ثم تصيبها آفة.
والجائحة -بالجيم ثم الحاء-: من الجوح، يقال: جاحهم يجوحهم جوحًا إذا غشيهم بالجوائح وأهلكهم.
والجائحة: الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها، وكل مصيبة عظيمة وفتنة مُبِيرَة: جائحة.
ص: حدثنا المزني، قال: ثنا الشافعي، عن سفيان، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر بن عبد الله: "أن النبي ﵇ نهى عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح".
حدثنا المزني، قال: ثنا الشافعي، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵇، بمثله.
ش: هذان طريقان صحيحان.
والمزني هو إسماعيل بن يحيى خال الطحاوي، وسفيان هو ابن عيينة، وأبو الزبير محمد بن مسلم المكي، وقد أخرج الطحاوي هذا الحديث في باب: بيع الثمار قبل أن تتناهى، عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر بن عبد الله "أن النبي ﵇ نهى عن بيع السنين" واقتصر على هذا هناك.
وكذا أخرجه مسلم (١) والنسائي (٢).
стр. 5868
وأخرجه أبو داود عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، كلاهما عن سفيان بن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر بن عبد الله: "أن النبي ﵇ نهى عن بيع السنين ووضع الجوائح".
وقد ذكرنا أن بيع السنين هو أن يبيع ثمرة حائطه سنين، وهو الذي يسمي أيضًا بيع المعاومة.
و"الوضع" من وَضِعَ في البيع يُوضع وَضِعية، وهو أن تكون الخسارة من رأس المال.
والجوائح جمع جائحة وهي الآفة.
ص: قال أبو جعفر -رحمة الله-: فذهب قوم إلى أن معني هذه الجوائح التي أمر النبي ﵇ بوضعها في الثمار يبتاعها الرجل فيقبضها، فتصيبها في يده جائحة فتذهب بثلثها فصاعدًا، قالوا: فذلك يبطل ثمنها عن المشتري.
قالوا: وما أصابها فأذهب بشيء منها دون ثلثها ذلك من مال المشتري، ولم يبطل عنه من ثمنه شيء.
قالوا: وهذا مثل الحديث المروي عن رسول الله ﵇، فذكروا ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: "إن بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة، لم يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، [بم] (١) تأخذ [مال] (٢) أخيك بغير حق".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، فذكر بإسناده مثله.
قالوا: فقد بين هذا الحديث المعني الذي ذكرنا.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: مالكًا والشافعي -في القديم- وأحمد وأبا عبيد وطائفة من أهل الحديث، ولكن فيما بينهم اختلاف أيضًا، فقال مالك والشافعي -في
стр. 5869
قول-: الجائحة التي توضع عن المشتري: الثلث فصاعدًا، ولا تكون فيما دون الثلث جائحة، وقال أحمد وأبو عبيد والشافعي -في قول-: تحط الجائحة في الثمار عن المشتري قلَّت أو كثرت.
وقال ابن قدامة في "المغني" (١): الكلام في هذه المسألة على فصول:
الأول: أن ما تهلكة الجائحة من الثمار من ضمان البائع في الجملة، وبهذا قال أكثر أهل المدينة، منهم: يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك وأبو عبيد وجماعة من أهل الحديث.
الثاني: أن الجائحة: كل آفة لا صنع للآدمي فيها، كالريح والبرد والجراد والعطش.
الثالث: أن ظاهر المذهب أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها، إلا أن ما جرت العادة بتلف مثله كالشيء اليسير الذي لا ينضبط، فلا يلتفت إليه.
وقال أحمد: إني لا أقول في عشر تمرات وعشرين تمرة، ولا أدري ما الثلث، ولكن إذا كانت جائحة فوق -الثلث أو الربع أو الخمس- توضع.
وعنه رواية أخري: أن ما كان دون الثلث فهو من ضمان المشتري، وهو مذهب مالك والشافعي في القديم، لأنه لا بد أن يأكل الطائر، منها وتنثُر الريح، ويسقط منها، فلم يكن بد من ضابط واحد فاصل بن هذا وبين الجائحة، والثلث قد رأينا الشرع اعتبره في مواضع، منها: الوصية وعطايا المريض.
وقال الأثرم: إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألة، ولأن الثلث في حد الكثرة، وما دونه في حد القلة، ودليله قوله ﵇ في الوصية: "الثلث والثلث كثير" ووجه الرواية الأولى عموم الأحاديث، فإن النبي ﵇ أمر بوضع الجوائح، ولم يفرق بين القليل والكثير، إذا ثبت هذا؛ فإنه إذا تلف شيء له قدر خارج عن العادة؛ وضع من الثمن بقدر الذاهب، وإن تلف الجميع بطل العقد ويرجع المشتري بجميع الثمن،
стр. 5870
وإن تلف البعض وكان الثلث فما زاد؛ رجع بقسطه من الثمن، وإن كان دونه لم يرجع بشيء، وإن اختلفا في الجائحة أو في قدر ما أتلفت، فالقول قول البائع لأن الأصل السلامة، ولأنه غارم، والقول في الأصول قول الغارم.
وفي "شرح الموطأ" لابن زرقون: والذي يوضع من الجوائح عند ابن القاسم: كل ما لا يستطاع دفعه وإن علم به، والذي يستطاع دفعه إن علم به ليس بجائحة، كالسارق، وهو مذهب ابن نافع في "المدونة" وقال ابن القاسم في "المدونة": كل ما أصاب الثمرة بأي وجه كان فهو جائحة سارقًا كان أو غيره، وقال مطرف وابن الماجشون: لا تكون جائحة إلا ما أصاب الثمر من أمر السماء؛ من عفن أو برد أو عطش أو فساد بِحَرٍّ أو بَرْدٍ أو بكسر الشجر، وأما صنع الآدمي فليس بجائحة، وإذا كانت الجائحة من قبل العطش فقال مالك وابن القاسم في "الواضحة": يوضع قليل ذلك وكثيره؛ كانت تشرب مطرًا أو غيره، وأما الجائحة بكثرة المطر فهو نوع من العفن يوضع كثيره دون قليله، وكل مبيع يحتاج إلى بقائه في أصلة لانتهاء صلاحه وطيبه كثمرة النخل والعنب؛ إذا اشتري عند بدو صلاحه، وكثمرة التفاح والتين والبطيخ والورد والياسمين والفول فلا خلاف عندنا في وضع الجائحة فيه، وأما ما لا يحتاج إلى بقائه في أصله لتمام صلاحه ولا لبقاء نضارة كالتمر اليابس والزرع، فلا خلاف أنه لا توضع فيه جائحة، لأن تسليمه قد كمل، وهو كالصبرة الموضوعة في الأرض.
وأما ما يحتاج إلى بقائه في أصله لحفظ نضارته كالعنب يشترى بعد تمام صلاحه، وكالقصيل والقصب والقرط والبقول والأصول المغيبة، فروى ابن القاسم في "المدونة": إن اشترى التمر في رءوس النخل وقد طابت طيبًا بيِّنًا، فأصابتها جائحة، فليس على البائع شيء، لأنه مثل ما في الجرن.
وروي أصبغ، عن ابن القاسم: لا توضع في قصب السكر جائحة، لأنه لا يباع حتى يتم، وروى سحنون عن ابن القاسم في قصب السكر والخريز وسائر البقول
стр. 5871
والقصيل الجائحة، وبه قال ابن عبد الحكم، وقال سحنون: إذا تناهى العنب وآن قطافه حتى لا يتركه تارك إلا لسوق يرجوه أو لشغل يعرض له لم توضع فيه جائحة، هذا في البيع.
وأما إن كان مهرًا في النكاح فقال ابن القاسم: لا جائحة فيه. وقال ابن الماجشون: فيه الجائحة. وقال ابن زرقون أيضًا: وما بيع من الثمار كالتين والعنب والتمر واللوز والجوز والتفاح فيراعي في جائحته الثلث، فإن قصرت الجائحة عن الثلث لم يوضع عن المشتري شيء، وما كان من أنواع البقول والأصول المغيبة مما الغرض في أعيانها دون ما يخرج منها، ففيها روايتان: نفي الجائحة جملة، وإثباتها.
فإذا قلنا بإثباتها فيها، فروى ابن القاسم عن مالك: أن الجائحة توضع فيها قليلها وكثيرها، وإن كانت دون الثلث قال ابن القاسم: عن مالك في "المدونة": إلا أن يكون الشيء التافه، وروي عنه: أنه لا يوضع من جائحتها إلا ما بلغ الثلث.
وأما القثاء والبطيخ والقرع والباذنجان والفول والجلبان، فروى ابن القاسم وجميع أصحابنا: أن الثلث يعتبر في جائحتها، وقال محمد عن أشهب: المقاثي كالبقل يوضع قليل جائحتها وكثيرها، فإن كان المبيع من الثمار في عقد واحد أجناسًا: عنبًا وتينًا وسفرجلًا أو ياسمينًا ووردًا، فأصاب جنسًا منها جائحة دون سائرها: فروى ابن حبيب عن مالك: كل جنس معتبر بنفسه إن بلغت ثلثه وضعت، وإن لم تبلغه لم توضع. وروى محمد عن أصبغ: أن جائحة المصاب معتبرة بالجملة، سواء كان في حائط أو حوائط مختلفة، ولو أشتري حوائط كثيرة من جنس واحد فأصابت الجائحة حائطًا منها اعتبر ثلث الجملة، والله أعلم.
قال ابن حزم في "المحلى" (١): وأما قول مالك في الجوائح فإنه لا يعرف عن أحد قبله ما ذكرنا عنه من التقسيم بين الثمار والمقاثي، وبين البقول والموز، ولا يعضد
стр. 5872
قوله في ذلك قرآن ولا سنة، ولا رواية سقيمة أصلًا ولا قول أحد من السلف، ولا قياس ولا رأي له وجه، ولهم في تخصيص الثلث آثار ساقطة، وهي التي روينا من طريق عبد الملك بن حبيب الأندلسي، ثنا مطرف، عن أبي طوالة، عن أبيه، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا أصيب ثلث الثمرة فقد وجب على البائع الوضيعة".
قال عبد الملك: وحدثني أصبغ بن الفرج، عن السبيعي، عن عبد الجبار بن عمر، عن ربيعة الرأي: "أن رسول الله ﵇ أمر بوضع الجائحة إذا بلغت ثلث الثمر فصاعدًا".
قال عبد الملك: وحدثني عبد الله بن موسي، عن خالد بن إياس، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﵇: "خمس من الجوائح: الريح، والبرد، والحريق، والجراد، والسيل".
قال علي: هذا كله كذب، عبد الملك مذكور بالكذب، والأول مرسل مع ذلك، والسبيعي مجهول، لا يدري أحد من هو، وعبد الجبار بن عمر ضعيف، وهو أيضًا مرسل؛ فسقط كل ذلك، وخالد بن إياس ساقط.
وذكروا أيضًا عمن دون رسول الله ﷺ ما روينا من طريق عبد الملك بن حبيب: نا ابن أبي أويس، عن الحسين بن عبيد الله بن ضَمْرة، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب ﵁: "أنه كان يقضي بوضع الجائحة إذا بلغت ثلث الثمن فصاعدًا".
ومن طريق ابن حبيب أيضًا: حدثني الحزامي، عن الواقدي، عن موسى بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن سليمان بن يسار قال: "باع عبد الرحمن بن عوف من سعد بن أبي وقاص عنبًا له، فأصابه الجراد، فأذهبه -أو أكثره- فاختصما إلى عثمان بن عفان، فقضى على عبد الرحمن برد الثمن إلى سعد".
قال الواقدي: وكان سهل بن أبي حثمة وعمر بن عبد العزيز والقاسم وسالم وعلي بن الحسين وسليمان بن يسار وعطاء بن أبي رباح يرون الجائحة موضوعة عن المشتري إذا بلغت الثلث فصاعدًا.
стр. 5873
قال علي: هذا كله باطل؛ لأن كله من طريق عبد الملك بن حبيب. ثم الحسين ابن عبد الله بن ضَمْرة مطرح متفق على أن لا يحتج بروايته؛ وأبوه مجهول، والواقدي مذكور بالكذب، والله أعلم.
قوله: "وهذا مثل الحديث المذكور عن رسول الله ﵇ ... " إلى آخره، إشارة إلى أن ما ذكر هؤلاء القوم من معنى الجوائح التي تصيب الثمرة وتبطل من الثمن ثلثه على ما ذكر مثل ما روي عنه ﵇ من قوله: "إن بعت من أخيك تمرًا ... " الحديث وذلك لأنه يدل على أن الرجل إذا باع من آخر ثمرًا ثم أصابته جائحة؛ فإنه لا يحل له أن يأخذ من المشتري شيئًا، فإن أخذ منه شيئًا يرده عليه، وهذا معنى ما روي من قوله ﵇: "أنه أمر بوضع الجوائح".
ثم إنه أخرج هذا الحديث من طريقتين صحيحتين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلي المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁.
وأخرجه مسلم (١): حدثني أبو الطاهر، قال: نا ابن وهب، عن ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﵇ قال: "إن بعت من أخيك ثمرًا- (ح).
ونا محمد بن عباد، قال: نا أبو ضمرة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "لو بعت من أخيك ثمرًا- فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا؛ بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟! ".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، نحوه.
стр. 5874
وأخرجه البيهقي (١) من حديث ابن وهب وأبي عاصم، قالا: أنا ابن جريج، أن أبا الزبير أخبره، عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال: "إن بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟! ".
وقالت أهل المقالة الأولى: هذا الحديث قد بَيَّن المعني الذي ذكرنا في وضع الجوائح. وسيأتي الجواب عن هذا إن شاء الله تعالى.
وقال ابن حزم: لا حجة في هذا الحديث لقول مالك ومن تبعه؛ بل هو حجة عليه، لأنه ليس فيه تخصيص ثلث من غيره، وكذا الحديث الأول.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ما ذهب من ذلك من شيء -قَلَّ أو كثر- بعد أن يقبضه المشتري؛ ذهب من مال المشتري وما ذهب في يدي البائع قبل أن يقبضه المشتري بطل ثمنه عن المشتري.
وقالوا: ما في هذه الآثار المروية عن رسول الله ﵇ التي ذكرتموها فمقبول صحيح على ما جاء، ولسنا ندفع من ذلك شيئًا؛ لصحة مخرجه، ولكنا نخالف التأويل الذي تأولها عليه أهل المقالة الأولى.
ونقول: إن معنى الجوائح المذكورة فيها: هي الجوائح التى يصاب الناس بها وتجتاحهم في الأرضين الخِرَاجية التي خراجها للمسلمين، فوضع ذلك الخراج عنهم واجب لازم؛ لأن في ذلك صلاحًا للمسلمين، وتقوية لهم في عمارة أرضهم، فأما في الأشياء المبيعات فلا؛ فهذا تأويل حديث جابر ﵁ الذي في أول هذا الباب.
وأما حديث جابر الثاني فمعناه غير هذا المعني، وذلك أنه ذكر فيه البيع ولم يذكر فيه القبض، فذلك عندنا على البياعات التي تصاب في أيدي باعتها قبل قبض المشتري لها، فلا يحل للباعة أخذ ثمنها، لأنهم يأخذونها بغير حق، فهذا تأويل هذا الحديث عندهم.
стр. 5875
فأما ما قد قبضه المشترون وصار في أيديهم، فذلك كسائر البياعات التبم يقبضها المشتري لها فتحدث بها الآفات في أيديهم، فلما كان غير الثمار يذهب من أموال المشتري لها لا من أموال باعتها؛ فكذلك الثمار.
فهذا هو النظر وهو أولى ما حمل عليه هذا الحديث؛ لأنه قد روي عن رسول الله ﵇ ما قد حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث (ح).
وحدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف (ح).
وحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب (ح).
وحدثنا أبو أمية، قال: ثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، قالوا: ثنا الليث، قالا جميعًا: عن بكير بن الأشج، عن عياض بن عبد الله، عن أي سعيد الخدري ﵁ قال: "أصيب رجل في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ : تصدقوا عليه، فتصدق عليه فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ : خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك".
فلما كان رسول الله ﷺ لم يبطل دين الغرماء بذهاب الثمار، وفيهم باعتها، ولم يرده على الباعة بالثمن، إن كانوا قد قبضوا ذلك منه؛ ثبت أن الجوائح الحادثة في يد المشتري لا تكون مبطلة عنه شيئًا من الثمن الذي عليه للبائع.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: وهم جمهور السلف والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي في الجديد وأبا جعفر الطبري وداود وأصحابه، فإنهم قالوا: ما ذهب من ذلك -أي من المبيع- الثمر الذي أصابته جائحة من شيء، سواء كان قليلاً أو كثيرًا بعد قبض المشتري إياه، فهو ذاهب من مال المشتري، والذي ذهب في يد البائع قبل قبض [المشتري] (١) فذاك يبطل الثمن عن المشتري.
стр. 5876
قوله: "وقالوا: ما في هذه الأحاديث ... " إلى آخره جواب عن الأحاديث التي رويت عن رسول الله ﵇ في الجائحة التي احتجت بها أهل المقالة الأولى، وهو ظاهر.
وقوله: "ما" في محل الرفع على الابتداء، موصولة تتضمن معني الشرط، ولهذا دخلت "الفاء" في خبره، وهو قوله: "فمقبول".
قوله: "على البياعات" جمع بياعة، بمعني البيع.
قوله: "باعتها" جمع بائع، كالحاكة جمع حائك.
قوله: "فهذا هو النظر" أي هذا الذي أوَّلناه هو وجه النظر والقياس، وهذا هو أولى ما حُمِلَ عليه حديث جابر ﵁ أعني حديثه الثاني الذي رواه ابن جريج عن أبي الزبير عنه.
وقوله: "لأن ما روي عن رسول الله ﵇ إلى آخره دليل لما ذكره من التأويل الذي يقتضيه النظر.
وقد بَيَّن ذلك بقوله: "فلما كان رسول الله ﵇ لم يبطل دين الغرماء ... " إلى آخره.
ثم إنه أخرج حديث أبي سعيد الخدري ﵁ من أربع طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث ابن يعقوب الأنصاري، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عياض بن عبد الله ابن سعد بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري ﵁.
وأخرجه مسلم (١) بنفس هذا الإسناد: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله ابن وهب.
وقد ذكرنا في ترجمة الطحاوي أنه قد شارك مسلمًا في بعض مشايخه، منهم: يونس بن عبد الأعلى هذا.
стр. 5877
الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن يوسف التنيسي المصري شيخ البخاري عن الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله بن الأشج ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم أيضًا (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا ليث، عن بكير، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري قال: "أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله ﵇: تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك".
الثالث: عن الربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث، عن بكير ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (١)، عن قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن بكير ... إلى آخره نحوه.
الرابع: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن يحيى بن إسحاق البجلي أبي بكر السيلحيني -ويقال: السيلحوني، والسالحيني أيضًا، والسيلحين: قرية بالقرب من بغداد.
وأخرجه النسائي (٢): عن قتيبة، عن الليث، عن بكير ... إلى آخره نحوه.
قوله: "أصيب رجل في ثماره" قيل: إنه هو معاذ بن جبل ﵁.
قوله: "ابتاعها" أي اشتراها.
قوله: "فلم يبلغ ذلك" أي الذي تصدق عليه.
وهذا الحديث يشتمل على أحكام:
الأول: فيه دلالة على أن الجائحة التي تحدث في يد المشتري لا تكون مبطلة
стр. 5878
للثمن الذي عليه للبائع، ولا شيئًا منه؛ لأنه ﵇ لم يحكم ببطلان دين الغرماء فيه بذهاب الثمار.
وقال ابن حزم: أخرج رسول الله ﵇ هذا الرجل الذي أصيب في ثمار من ماله كله لغرمائه، ولم يسقط عنه لأجل الجائحة شيئًا، فدل ذلك أن الجائحة التي تحدث في يد المشتري لا تبطل شيئًا من الثمن.
فإن قيل: لا نُسَلِّم هذا الذي ذكرتم لأن الحديث الأول عام، والمقصود منه البيان بوضع الجوائح، وهذا الحديث حكم في عين، ولعله اشتراها بعد تمام طيبها وإمكان جِذاذها.
قلت: هذا ممنوع؛ لأن الحديث الأول قد ذكرنا أنه في الأرضيين الخَرَاجِيَّة وليس فيه شيء يدل على أنه في الأشياء المبيعات.
وأما الحديث الثاني فإن العبرة فيه لعموم اللفظ لا لخصوص السبب؛ فافهم.
الثاني: فيه الحض على الصدقة على المديان ليقضي منها دينه.
الثالث: فيه أن الحر لا يباع في الدين، على ما كان في أول الإِسلام ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١).
الرابع: فيه أنه لم يلزمهم بلزومه، ولا سوغه لهم، وهو حجة على من يذهب إلى خلاف ذلك.
الخامس: فيه أنه لم يسجنه ﵇، وهو حجة على شريح: في قوله: يسجن أبدًا حتى يؤدي، وإن ثبت عدمه.
السادس: فيه الحكم بأن يسلم للغرماء جميع ما يملكه، ويسوغه لهم الحاكم إن كان دينهم من جنسه، وإن كان غيره، باعه لهم الحاكم، وقسم ثمنه بينهم.
ص: فإن قال قائل: إن الثمار لا تشبه سائر البياعات، لأنها معلقة في رءوس النخل، لا تصل إليها يد من ابتاعها إلا بقطعه إياها، وسائر الأشياء ليست كذلك،
стр. 5879
فما يكون مقبوضًا بغير قطع مستأنف فهو الذي يذهب من مال المشتري، وما كان لا يقبض إلا بقطع مستأنف فهو الذي يذهب من مال البائع.
قيل له: هذا الكلام فاسد من وجهين:
أما أحدهما: فإنا رأينا هذه الثمار إذا بيعت في رءوس النخل فذهبت بكمالها أو ذهب منها شيء في أيدي باعتها؛ ذهب ذلك من أموالهم دون أموال المشتري.
فكان ذهاب قليلها وكثيرها في ذلك سواء؛ لأنهم لم يقبضوها، فإذا قبضوها فذهب منها ما دون الثلث؛ فقد أجمع أنه ذاهب من مال المشتري؛ لأنه ذهب بعد قبضه إياه.
فلما استوي ذهاب قليله وكثيره في يد البائع، وكان قليلة إذا ذهب في يد المشتري ذهب من ماله؛ كان كثيره كذلك، وكان المشتري بتخلية البائع بينه وبين ثمر النخل قابضًا له، وإن لم يقطعه. فهذا وجه.
ووجه أخر: أنا رأينا رسول الله ﷺ قد نهي عن بيع الطعام حتى يقبض، وأجمع المسلمون على ذلك، وكانت الثمار في ذلك داخلة باتفاقهم، وأجمعوا أن المشتري لها لو باعها في يد بائعها كان بيعه باطلاً، ولو باعها بعد أن خلى البائع بينه وبينها ولم يقطعها كان بيعه جائزًا، فصار قابضًا لها بتخلية البائع بينه وبينها قبل قطعه إياها.
فثبت بذلك أن قبض المشتري للثمار في رءوس النخل هو بتخلية البائع بينه وبينها وإمكانه إياه منها، فإذا فعل ذلك به فقد صارت في يده وفي ضمانه وبريء منها البائع، فما حدث فيها من جائحة أتت عليها كلها أو على بعضها فهي ذاهبة من مال المشتري لا من مال البائع.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: هذا السؤال مع جوابه ظاهران غنيان عن الشرح.
قوله: "وكانت الثمار في ذلك داخلة باتفاقهم". قيل: لا نسلم أنها داخلة في ذلك؛ لأن المراد من بيع الطعام: هو الحنطة والثمار لا تدخل في ذلك، وأجيب بأن
стр. 5880
هذا غير صحيح؛ لأن العلماء متفقون على أن المراد من الطعام في الحديث الذي نهي فيه عن بيعه حتى يقبض ما يتناول كل مقبوض.
وقال القاضي في شرح هذا الحديث: والمشهور عن مالك عمومه في جميع المطعومات وهو قول أبي ثور وأحمد في كل ما يقع عليه اسم مطعوم، وذهب الشافعي إلى عموم ذلك في أنواع المبيعات، ووافقه أبو حنيفة ﵁ واستثني العقار وحده.
وقال آخرون: كل بيع يكون على الكيل أو الوزن -طعامًا أو غيره- فلا يباع حتى يقبض، وسيجيء التحقيق فيه في الباب التالي إن شاء الله تعالى.
***
стр. 5881
ص: باب: ما نهي عن بيعه حتى يقبض
ش: أي هذا باب في بيان ما نهي رسول الله ﷺ عن بيعه إلا بعد القبض.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب وعفان، قالا: ثنا شعبة، عن عبد الله ابن دينار، عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: "من اشتري طعامًا فلا يبيعه حتى يقبضه".
حدثنا على بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن عبد بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا على بن معبد، قال: ثنا يونس بن محمد، قال: ثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵄، عن رسول الله ﵇، مثله.
حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن عبيد الله، عن نافع، ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من اشتري طعامًا فلا يبعه حتى يَسْتَوْفِيَه".
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا على بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "من اشتري طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عمر وعمر بن محمد ومالك وغيرهم، أن نافعًا حدثهم، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: "من اشترى طعامًا فلا يبيعه حتى يستوفِيَه".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇، مثله.
قال مالك: "حتى يقبضه".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث وغيره، عن
стр. 5882
المنذر بن عبيد المدني، عن القاسم بن محمد، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ نهى أن يبيع أحد طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه".
ش: هذه ثمان طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، وعفان بن مسلم، كلاهما عن شعبة .... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن عبد الله بن دينار، سمعت ابن عمر يحدث، عن النبي ﵇ أنه قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يقبضه".
قوله: " فلا يبيعه" نفي، فلذلك لم يجزم.
وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي بأسانيد مختلفة وألفاظ مبتاينة.
الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "من ابتاع طعامًا، فلا يبيعه حتى يقبضه ويستوفيه".
الثالث: عن علي بن معبد، عن يونس بن محمد بن مسلم البغدادي المؤدب -روى له الجماعة- عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب الذي احتج به الأربعة.
وأخرجه البزار في "مسنده" (٢): ثنا إبراهيم بن زياد الصائغ، ثنا يونس بن محمد، نا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﵇ قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه".
стр. 5883
الرابع: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني -روي له الجماعة- عن عبيد الله بن عمر ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا أبي، قال: نا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: "من اشتري طعامًا فلا يبعه حتى يَسْتَوْفِيَه".
قوله: "فلا يبعه" نهي، فلذلك جزم.
الخامس: عن نصر بن مرزوق، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني قارئ أهل المدينة، عن عبد الله بن دينار .... إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى وعلي بن حجر، قال يحيى: أنا إسماعيل بن جعفر، وقال علي: ثنا إسماعيل، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه".
السادس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وعمر بن محمد ابن زيد بن عبد الله بن عمر الخطاب، ومالك بن أنس، ثلاثتهم عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه ابن وهب في "مسنده".
السابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب .... إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطأه" (٢).
الثامن: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب أيضًا، عن عمرو بن الحارث
стр. 5884
وغيره، عن المنذر بن عبيد المدني -وثقه ابن حبان وروى له أبو داود والنسائي- عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه النسائي (١): أنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، عن ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن المنذر بن عبيد، عن القاسم بن محمد، عن ابن عمر "أن رسول الله ﵇ نهى أن يبيع أحد طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه".
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، عن رسول الله ﵇ قال: "من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه".
ش: إسناده صحيح.
وابن جريج هو عبد الملك، وأبو الزبير محمد بن مسلم المكي.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: حدثني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كان رسول الله ﵇ يقول: "إذا ابتعت طعامًا فلا تبعه حتى تَستوفِيَهُ".
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا ابن أبي حازم، عن الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اشتري طعامًا فلا يبعه حتى يستوفِيَه".
ش: يعقوب بن حميد بن كاسب المدني شيخ ابن ماجه فيه مقال.
وابن أبي حازم هو عبد العزيز بن أبي حازم واسمه سلمة بن دينار المدني، روى له الجماعة.
стр. 5885
والضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام الحزامي أبو عثمان المدني الكبير، وثقه يحيى وأحمد، وروى له الجماعة سوي البخاري.
وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير وأبو كريب، قالوا: ثنا زيد بن الحباب، عن الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله -وفي رواية أبي بكر: من ابتاع".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أنا ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن عصمة الجشُمي، عن حكيم بن حزام قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ألم أُنبأ -أو ألم أُخْبَر- أنك تبيع الطعام؟ فلا تبعه حتى تستوفيه".
حدثنا ابن مرزوق، قال: أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، عن صفوان بن موهب، عن عبد الله بن محمد بن صيفي، عن حكيم بن حزام، عن رسول الله ﵇ مثله، غير أنه قال: "حتى تقبضه".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عبد العزيز ابن رفيع، عن عطاء، عن حزام بن حكيم بن حزام، عن حكيم بن حزام قال: "كنت اشتري طعامًا فأربح فيه قبل أن أقبضه، فسألت النبي ﵇ فقال: لا تبعه حتى تقبضه".
ش: هذه ثلاث طرق حسان جياد:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس روي له الجماعة، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عصمة الجشمي الحجازي، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي (٢) وأخرج الحديث: أخبرني إبراهيم