← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.

стр. 5881

ص: باب: ما نهي عن بيعه حتى يقبض ش: أي هذا باب في بيان ما نهي رسول الله ﷺ عن بيعه إلا بعد القبض. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب وعفان، قالا: ثنا شعبة، عن عبد الله ابن دينار، عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: "من اشتري طعامًا فلا يبيعه حتى يقبضه". حدثنا على بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن عبد بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا على بن معبد، قال: ثنا يونس بن محمد، قال: ثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب ﵄، عن رسول الله ﵇، مثله. حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن عبيد الله، عن نافع، ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من اشتري طعامًا فلا يبعه حتى يَسْتَوْفِيَه". حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا على بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "من اشتري طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عمر وعمر بن محمد ومالك وغيرهم، أن نافعًا حدثهم، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: "من اشترى طعامًا فلا يبيعه حتى يستوفِيَه". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇، مثله. قال مالك: "حتى يقبضه". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث وغيره، عن

стр. 5882

المنذر بن عبيد المدني، عن القاسم بن محمد، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ نهى أن يبيع أحد طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه". ش: هذه ثمان طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، وعفان بن مسلم، كلاهما عن شعبة .... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن عبد الله بن دينار، سمعت ابن عمر يحدث، عن النبي ﵇ أنه قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يقبضه". قوله: " فلا يبيعه" نفي، فلذلك لم يجزم. وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي بأسانيد مختلفة وألفاظ مبتاينة. الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر. وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "من ابتاع طعامًا، فلا يبيعه حتى يقبضه ويستوفيه". الثالث: عن علي بن معبد، عن يونس بن محمد بن مسلم البغدادي المؤدب -روى له الجماعة- عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب الذي احتج به الأربعة. وأخرجه البزار في "مسنده" (٢): ثنا إبراهيم بن زياد الصائغ، ثنا يونس بن محمد، نا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﵇ قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه".

стр. 5883

الرابع: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني -روي له الجماعة- عن عبيد الله بن عمر ... إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا أبي، قال: نا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: "من اشتري طعامًا فلا يبعه حتى يَسْتَوْفِيَه". قوله: "فلا يبعه" نهي، فلذلك جزم. الخامس: عن نصر بن مرزوق، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني قارئ أهل المدينة، عن عبد الله بن دينار .... إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى وعلي بن حجر، قال يحيى: أنا إسماعيل بن جعفر، وقال علي: ثنا إسماعيل، عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه". السادس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وعمر بن محمد ابن زيد بن عبد الله بن عمر الخطاب، ومالك بن أنس، ثلاثتهم عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه ابن وهب في "مسنده". السابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب .... إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطأه" (٢). الثامن: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب أيضًا، عن عمرو بن الحارث

стр. 5884

وغيره، عن المنذر بن عبيد المدني -وثقه ابن حبان وروى له أبو داود والنسائي- عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁، عن عبد الله بن عمر. وأخرجه النسائي (١): أنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، عن ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن المنذر بن عبيد، عن القاسم بن محمد، عن ابن عمر "أن رسول الله ﵇ نهى أن يبيع أحد طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه". ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁، عن رسول الله ﵇ قال: "من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه". ش: إسناده صحيح. وابن جريج هو عبد الملك، وأبو الزبير محمد بن مسلم المكي. وأخرجه مسلم (٢): ثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: حدثني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كان رسول الله ﵇ يقول: "إذا ابتعت طعامًا فلا تبعه حتى تَستوفِيَهُ". ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا ابن أبي حازم، عن الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اشتري طعامًا فلا يبعه حتى يستوفِيَه". ش: يعقوب بن حميد بن كاسب المدني شيخ ابن ماجه فيه مقال. وابن أبي حازم هو عبد العزيز بن أبي حازم واسمه سلمة بن دينار المدني، روى له الجماعة.

стр. 5885

والضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام الحزامي أبو عثمان المدني الكبير، وثقه يحيى وأحمد، وروى له الجماعة سوي البخاري. وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير وأبو كريب، قالوا: ثنا زيد بن الحباب، عن الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يكتاله -وفي رواية أبي بكر: من ابتاع". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أنا ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن عصمة الجشُمي، عن حكيم بن حزام قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ألم أُنبأ -أو ألم أُخْبَر- أنك تبيع الطعام؟ فلا تبعه حتى تستوفيه". حدثنا ابن مرزوق، قال: أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، عن صفوان بن موهب، عن عبد الله بن محمد بن صيفي، عن حكيم بن حزام، عن رسول الله ﵇ مثله، غير أنه قال: "حتى تقبضه". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عبد العزيز ابن رفيع، عن عطاء، عن حزام بن حكيم بن حزام، عن حكيم بن حزام قال: "كنت اشتري طعامًا فأربح فيه قبل أن أقبضه، فسألت النبي ﵇ فقال: لا تبعه حتى تقبضه". ش: هذه ثلاث طرق حسان جياد: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عثمان بن عمر بن فارس روي له الجماعة، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عصمة الجشمي الحجازي، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي (٢) وأخرج الحديث: أخبرني إبراهيم

стр. 5886

ابن الحسن، ثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني عطاء، عن عبد الله بن عصمة الجُشُمي، عن حكيم بن حزام، عن النبي ﵇، نحوه. قوله: "ألَمْ أُئْبَا" على صيغة المجهول وكذا قوله: "أَلَم أُخْبَر" ومعناهما واحد. الثاني: عن ابن مرزوق أيضًا، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء، عن صفوان بن موهب الحجازي وثقه ابن حبان، عن عبد الله بن محمد بن صيفي القرشي المخزومي وثقه ابن حبان، عن حكيم بن حزام ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث أبي عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن صفوان بن موهب، عن عبد الله بن محمد بن صيفي، عن حكيم بن حزام، أن النبي ﵇ قال له: "ألم أُنْبَأ -أو: ألم أُخْبَر، أو: ألم يبلغني، أو كما شاء الله- أنك تبيع الطعام؟ قلت: بلي، قال: فإذا ابتعت طعامًا فلًا تبعه حتى تستوفيه". وأخرجه النسائي أيضًا (٢): عن إبراهيم بن الحسن، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج ... إلى آخره نحوه. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي، عن عبد العزيز ابن رفيع الأسدي المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن حزام بن حكيم بن حزام، عن أبيه حكيم بن حزام ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٣): أنا سليمان بن منصور، نا أبو الأحوص، عن عبد العزيز ابن رفيع، عن عطاء بن أبي رباح، عن حزام بن حكيم قال: قال حكيم بن حزام:

стр. 5887

"ابتعت طعامًا من طعام الصدقة، فربحت فيه قبل أن أقبضه، فأتيت رسول الله ﵇ فذكرت ذلك له، فقال: لا تبعه حتى تقبضه". ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن من اشترى طعامًا لم يجز له بيعه حتى يقبضه، ومن اشترى غير الطعام حل له بيعه وإن لم يقبضه، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار، وقالوا: لما قصد النبي ﷺ بالنهي إلى الطعام، دل ذلك أن حكم غير الطعام في ذلك بخلاف حكم الطعام. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عثمان البتي وسعيد بن المسيب، والحسن والأوزاعي وإسحاق ومالكًا في رواية وأحمد في قول، فإنهم قالوا: من اشترى طعامًا لم يجز له بيعه حتى يقبضه، ومن اشترى غير الطعام حل له بيعه وان لم يقبضه. وتحقيق الخلاف أن مذهب عثمان البتي: جواز بيع كل شيء قبل قبضه سواء كان طعامًا أو غيره ومذهب غيره، ممن ذكرناهم على التفصيل المذكور، وهو مذهب الحكم بن عتيبة وحماد أيضًا، ويروى مثل هذا عن عثمان بن عفان ﵁. وقال ابن قدامة في "المغني": ومن اشتري ما يحتاج إلى قبض لم يجز بيعه حتى يقبضه، ولا أرى بين أهل العلم في هذا خلافًا، إلا ما حكي عن عثمان البتي، أنه قال: لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه. قال ابن عبد البر: هذا قول مردود بالسنة، وأما غير ذلك فيجوز بيعه قبل قبضه -في أظهر الروايتين- ونحوه قول مالك وابن المنذر. وقال القاضي عياض في "شرح مسلم": اختلف الناس في جواز بيع المشتريات قبل قبضها، فمنعه الشافعي في كل شيء، وانفرد عثمان البتي فأجازه في كل شيء، ومنعه أبو حنيفة -رحمة الله- في كل شيء إلا العقار وما لا ينقل، ومنعه آخرون في سائر المكيلات والموزونات، ومنعه مالك في سائر المكيلات والموزونات إذا كانت طعامًا. وقال أيضًا: اختلف العلماء فيما بيع من الطعام جزافًا هل هو مثل ما بيع على الكيل أو العد والوزن، يجوز بيعه قبل استيفائه ونقله أم لا؟ فمشهور

стр. 5888

مذهب مالك جوازه؛ لأنه بتمام العقد صار في ضمان البائع، فخرج من النهي عن ربح ما لم يضمن، وبجوازه قال عثمان وسعيد بن المسيب والحسن والحكم والأوزاعي وإسحاق. وذهب الكوفيون والشافعي وأبو ثور وأحمد وداود إلى منعه. وقد بقي من الخلاف في أصل المسألة ما روي عن مالك: أن ذلك يختص فيما لا يجوز فيه التفاضل والطعام، رواه عنه ابن وهب، وإن كان قد ذكر غير واحد أن العلماء لم يختلفوا في منع ذلك في جميع الطعام، والمشهور عن مالك عمومه في جميع المطعومات، وهو قول أبي ثور وأحمد، في كل ما يقع عليه اسم مطعوم، وذهب الشافعي إلى عموم ذلك في أنواع المبيعات، ووافقه أبو حنيفة واستثني العقار وحده. وقال آخرون: كل بيع على الكيل أو الوزن طعامًا أو غيره، فلا يباع حتى يقبض. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ذلك النهي قد وقع على الطعام وغير الطعام، وإن كان المذكور في الآثار التي ذكر ذلك النهي فيها هو الطعام. واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أحمد بن خالد الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن أبي الزناد، عن عبيد بن حنين، عن ابن عمر ﵄ قال: "ابتعت زيتًا بالسوق، فلما استوجبته لقيني رجل فأعطاني به ربحًا حسنًا، فأردت أن أضرب على يده، فأخذ رجل من خلفي بذراعي، فالتفتُّ إليه، فإذا زيد بن ثابت ﵁، فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك؛ فإن رسول الله ﵇ نهانا أن نبيع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم". فلما أخبر زيد ﵁ عن رسول الله ﵇ بأن الزيت قد دخل فيما كان نهى عن بيعه قبل قبضه -وهو غير الطعام الذي كان ابن عمر علم من رسول الله ﵇ النهي عن منعه بعد ابتياعه حتى يقبض، وعمل ابن عمر على ذلك، فأراد بيع الزيت قبل قبضه، لأنه ليس من الطعام، فقُبِلَ ذلك منه ابن عمر ﵄، ولم يكن ما كان سمع من رسول الله ﵇-مما ذكرناه عنه في أول هذا الباب من قصده إلى الطعام- بمانع

стр. 5889

أن يكون غير الطعام في ذلك بخلاف الطعام، ثم أكد زيد بن ثابت ﵁ الأمر في ذلك، فقال: "كان رسول الله ﵇ ينهانا عن ابتياع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم" فجمع بذلك كل السلع، وفيها غير الطعام. فدل ذلك على أنه لا يجوز بيع شيء ابتيع إلا بعد قبض مبتاعه إياه، طعامًا كان أو غيره، وقد قال ابن عباس ﵄، وقد علم من رسول الله ﵇ قصده بالنهي عن بيع ما لم يقبض إلى الطعام ما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، عن ابن عباس قال: "أما الذي نهى عنه رسول الله ﵇ فبيع الطعام قبل أن يستوفى، قال ابن عباس برأيه: وأحسب كل شيء مثله". فهذا ابن عباس لم يمنعه قصد النبي ﵇ بالنهي إلى الطعام أن يُدخل في ذلك النهي غير الطعام. وقد روي عن جابر بن عبد الله ﵄ مثل ذلك أيضًا: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر: "في الرجل يبتاع البيع فيبيعه قبل أن يقبضه، قال: أكرهه". فهذا جابر ﵁ قد سوى بين الأشياء المبيعة في ذلك، وقد عَلِمَ من رسول الله ﵇ قصده -بالنهي عن البيع فيه حتى يُقبض- إلى الطعام بعينه، فدل ذلك على ما قد تقدم وصفنا لذلك. ش: أي خالف القوم المذكورين فيما ذهبوا إليه جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح والثوري وابن عيينة وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي في الجديد، ومالكًا في رواية، وأحمد في رواية، وأبا ثور وداود، فإنهم قالوا: النهي المذكور في الأحاديث المذكورة قد وقع على الطعام وغيره، وهو مذهب ابن عباس أيضًا، ولكن أبا حنيفة قال: لا بأس ببيع الدور والأرضين قبل القبض، لأنها لا تنقل، ولا تحول وفي "شرح الموطأ" لابن زرقون: قال أبو حنيفة هذا الحكم -يعني عدم جواز البيع قبل القبض- في كل مبيع ينقل ويحول. وقال الشافعي: هو في

стр. 5890

كل مبيع. وقال أبو حنيفة: أما المهر والجعل وما يؤخذ في الخلع من طعام أو غيره فيجوز بيعه قبل قبضه. قال: وما ملك بالشراء -أو بالإجارة- فلا يجوز بيعه قبل القبض إلا العقار وحده، ومنعه الشافعي في كل مبيع؛ عقارًا أو غيره، وهو قول الثوري وابن عيينة ومحمد بن الحسن. وهو مذهب ابن عباس وجابر بن عبد الله ﵃. قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من أن النهي المذكور عام يتناول الطعام وغيره، وإن كان المذكور -في الأحاديث التي ذكر فيها النهي المذكور- فيها هو الطعام، بحديث زيد بن ثابت ﵁، فإنه أخبر عن النبي بأن الزيت قد دخل في الذي نهي ﵇ عن بيعه قبل القبض، والزيت غير الطعام الذي قد علم ابن عمر ﵄ من النبي ﵇ النهي عن بيعه بعد الشراء قبل القبض. ثم إن ابن عمر ﵄ قد عمل بما قال له زيد بن ثابت ﵁، والحال أن ما كان سمع منه ﵇ ما قد تقدم ذكره في أول الباب من قصده إلى الطعام لم يكن مانعًا أن يكون غير الطعام في ذلك بخلاف الطعام. ثم إن زيد بن ثابت ﵁ قد أكد عموم النهي وتناوله للطعام وغيره بقوله: "كان رسول الله ﵇ نهانا عن ابتياع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم" فقوله: "السلع" يتناول كل سلعة كانت، وهي أعم من أن تكون طعامًا أو غيره، فدل ذلك على أنه لا يجوز بيع شيء أشتراه الرجل إلا بعد قبضه؛ سواء كان طعامًا أو غيره، ويؤكد ما ذكرنا أيضًا قول ابن عباس: "أما الذي نهى عنه رسول الله ﵇: فبيع الطعام قبل أن يستوفى"، ثم قال برأيه: "وأحسب كل شيء مثله". فكلامه هذا يدل على أن قصد النبي ﵇ بالنهي إلى الطعام لم يمنع فيه أن يدخل في النهي المذكور غير الطعام؛ لأن ابن عباس قد علم منه ﵇ ذلك القصد، ثم قال: "وأحسب كل شيء مثله".

стр. 5891

وكذلك جابر بن عبد الله قد علم من رسول الله ﵇ قصده بالنهي عن البيع قبل القبض إلى الطعام، ثم قال في الرجل يبتاع البيع فيبيعه قبل أن يقبضه قال: "أكرهه" فعمم في كلامه؛ لأن قوله: "يبتاع البيع" يتناول الطعام وغيره. فدل هذا كله أن المراد من النهي عن البيع قبل القبض عامٌّ، يتناول الطعام وغيره، وإن كانت الأحاديث المذكورة قد عُيِّنَ فيها الطعام بالوجه الذي ذكرناه. فإن قيل: دليل خطاب الأحاديث المذكورة في أول الباب يقتضي جواز بيع غير الطعام قبل القبض؛ لأن سائر المكيلات لو كان بيعها ممنوعًا قبل القبض لما خص الطعام بالذكر، فلما خصَّه؛ دل على أن ما عداه بخلافه. قلت: الطعام عام في كل ما يقتات من الحنطة والشعير والتمر وغير ذلك فيتناول سائر المطعومات من المكيلات وغيرها، والطعام يطلق على غير ما يؤكل أيضًا، فإنه أطلق على ماء زمزم على ما جاء في الحديث (١) "أنها طعام طعم وشفاء سقم" ولئن سَلَّمنا أن الطعام مقتصر على ما يطعم أو على الحنطة خاصة، ولكن ما ذكرنا من حديث زيد وغيره يدل على أن تعيين الطعام في الأحاديث المذكورة ليس المراد منه تخصيصه، بل حكم غيره مثل حكمه، لأن النهي لأجل أن فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه؛ لأنه إذا هلك المعقود عليه قبل القبض بطل البيع الأول، فينفسخ الثاني؛ لأنه بناءً على الأول، وقد "نهي رسول الله ﵇ عن بيع فيه غرر" رواه مسلم (٢)

стр. 5892

والترمذي (١) وأبو داود (٢) والنسائي (٣) من حديث أبي هريرة ﵁. ثم حديث زيد بن ثابت أخرجه بإسناد حسن جيِّد عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الوهبي الكندي الحمصي شيخ البخاري في غير الصحيح، عن محمد بن إسحاق المدني، عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن عبيد بن حنين المدني -روى له الجماعة. وأخرجه أبو داود (٤): ثنا محمد بن عوف الطائي، قال: نا أحمد بن خالد الوهبي، قال: نا محمد بن إسحاق ... إلى آخره نحوه. وأخرجه الدارقطني (٥) والبيهقي (٦) أيضًا. فإن قلت: كيف قلت: إسناده جيد حسن وقد قال ابن حزم: حديث زيد بن ثابت هذا رواه أحمد بن خالد الوهبي وهو مجهول؟! قلت: هذا كلام ساقط؛ لأن الوهبي رجل مشهور روى عنه أئمة حفاظ، وقد وثقه يحيى، واحتج به الأربعة. قوله: "ابتعت زيتًا" أي اشتريت. قوله: "فأردت أن أضرب على يده" أي أعقد به البيع لأن من عادة المتبايعين أن يضع أحدهما يده في يد الآخر عند عقد التبايع. قوله: "حتى تحوزه إلى رحلك" أي حتى تضمه وتسوقه إلى منزلك، يقال: حازه يحوزه إذا قبضه وملكه واستبد به. ورحل الرجل: منزله ومسكنه.

стр. 5893

وأما أثر ابن عباس فأخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس اليماني، عن ابن عباس. وأحْرجه البخاري (١) ومسلم (٢): من حديث عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس يقول: "أما الذي نهى عنه رسول الله ﵇ فهو الطعام أن يباع حتى يقبض، قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله". ولفظ مسلم: أن رسول الله ﵇ قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفِيَهُ قال ابن عباس: وأحسب كل شيء مثله". وأما أثر جابر ﵁ فأخرجه أيضًا بإسناده صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله ﵄. وأخرجه عبد الرزاق (٣)، عن ابن جريج ... إلى آخره نحوه. ص: فإن قال قائل: فكيف قصد بالنهي في ذلك إلى الطعام بعينه ولم يعم الأشياء؟! قيل له: قد وجدنا مثل هذا في القرآن، قال الله ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (٤) فأوجب عليه الجزاء المذكور في الآية، ولم يختلف أهل العلم في قاتل الصيد خطأً أن عليه مثل ذلك، وأن ذكره العمد لا ينفي الخطأ، فكذلك ذكره الطعام في النهي عن بيعه قبل القبض لا ينفي غير الطعام، وقد رأينا الطعام يجوز فيه السَّلَم، ولا يجوز السَّلَم في العروض، فكان الطعام أوسع أمرًا في البيوع من غير الطعام؛ لأن الطعام يجوز السَّلَم فيه وإن لم يكن عند المُسَلَّم إليه،

стр. 5894

ولا يكون ذلك في غيره، فلما كان الطعام أوسع أمرًا في البيوع، وكثر جوازًا، ورأيناه قد نهى عن بيعه حتى يقبض، كان ذلك فيما لا يجوز السلم فيه أحرى أن لا يجوز بيعه حتى يقبض، فقصد رسول الله ﵇ بالنهي الذي إذا نهى عنه دل نهيه على نهيه عن غيره، وأغناه ذكره له، عن ذكره لغيره، فقام ذلك مقام النهي إلى الذي لو عمَّ به الأشياء كلها. ولو قصد بالنهي إلى غير الطعام أشكل حكم الطعام في ذلك على السامع، فلم يدر هل هو كذلك أم لا؟ لأنه قد يجد الطعام يجوز السَّلَم فيه، وليس هو بقائم حينئذ، ولشى يجوز ذلك في العروض، فيقول: كما خالف الطعام العروض في جواز السَّلَم فيه، وليس عند المسلم إليه، وليس ذلك في العروض، فكذلك يحتمل أن يكون مخالفًا له في جواز بيعه قبل أن يقبض، وإن كان ذلك غير جائز في العروض. فهذا هو المعنى الذي له قصد النبي ﵇ بالنهي عن بيع ما لم يقبض إلى الطعام خاصة. ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم ادعيتم أن النهي المذكور في الأحاديث المتقدمة وقع على الطعام وغيره، وإن كان النهي فيها عن الطعام خاصة، ولو كان المراد هذا لم يكن النبي ﵇ يقصد بالنهي إلى الطعام بعينه، ولَكَانَ يذكر شيئًا يعمّ الأشياء كلها، فلما لم يعمّ الأشياء، وقصد بالنهي إلى الطعام؛ دل أن غير الطعام يخالف الطعام فيه، فافهم. وتقرير الجواب ما ذكره بقوله: "قيل له .... " إلى آخره، ملخصه أن تعيين الطعام بالذكر من قبيل تعيين العمد بالذكر في قوله تعالي: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ (١) فإنهم اتفقوا على أن ذكر العمد في الآية ليس يقيد، بل حكم الخطأ فيه كالعمد، فكذلك الطعام ها هنا ليس بقيد، بل غير الطعام فيه كالطعام.

стр. 5895

فإن قيل: قد ذكروا أن نزول الآية في العمد، والحقوا به الخطأ والنسيان تغليظًا، وها هنا كيف يلحق غير الطعام بالطعام؟ قلت: لما كان النهي عن بيع الطعام قبل قبضه معلَّلا بأن فيه غرر انفساخ البيع، فهذا المعنى يوجد في غير الطعام أيضًا، فيلحق به، مع ما جاء من الآثار الدالة على بيع الطعام وغير كما تقدم ذكره. فإن قيل: لا يجوز عندكم إثبات الكفارات قياسًا، وليس في المخطئ نصٌّ في إيجاب الجزاء، فكيف توجبون عليه الكفارة كالعامد؟! قلت: ليس هذا قياس بل بالنص؛ لأنه لما استوى حال المعذور وغير المعذور في سائر جنايات الإحرام، كان مقصودًا في ظاهر النهي بتساوي حال العامد والمخطئ، وليس ذلك قياسًا، كما أن حكمنا في غير بريرة بما حكم النبي ﵇ في بريرة ليس بقياس، وكذلك حكمنا في العصفور بحكم الفأرة، وحكم الزيت بحكم السمن إذا مات فيه، ليس هو قياسًا على الفأرة والسمن؛ لأنه قد ثبت تساوي ذلك قبل ورود الحكم بما وصفنا، فإذا ورد في شيء منه كان حكمًا في جميعه. قوله: "وقد رأينا الطعام ... " إلى آخره دليل آخر يلحق غير الطعام بالطعام تأكيدًا لما ذكره من الجواب، وهو ظاهر. قوله: "ولا يجوز السلم في العروض" ليس على الإطلاق ففي العروض التي يمكن ضبط صفتها ومعرفة مقدارها يجوز السلم فيها، كما عرف في موضعه. ص: وفي ذلك حجة أخرى: أن المعني الذي حرم به على مشتري الطعام بيعه قبل قبضه، هو أنه لا يطيب له ربح ما في ضمان غيره، فإذا قبضه صار في ضمانه، فطاب له ربحه، فجاز أن يبيعه متى أحب، والعروض المبيمعة هذا المعنى بعينه موجود فيها، وذلك أن الربح فيها قبل قبضها غير حلال لمبتاعها؛ لأن النبي ﵇ قد نهي عن ربح ما لم يضمن.

стр. 5896

فلما كان ذلك قد دخل فيه الطعام وغير الطعام، ولم يكن الربح يطيب لأحد إلا بتقدم ضمانه، لما كان عنه ذلك الربح، فكذلك الأشياء المبيعة كلها ما كان منها يطيب الربح فيه لبائعه، فحلال له بيعه، وما كان منها يحرم الربح فيه على بائعه، فحرام عليه بيعه. ش: أي وفي عموم النهي وتناوله الطعام وغيره حجة أخرى، حاصل ذلك أن بيع المبيع قبل قبضه يستلزم ربح ما لم يضمن، وقد نهي رسول الله ﵇ عن ربح ما لم يضمن على ما نبينه الآن إن شاء الله تعالى. بيان ذلك أن المبيع ما لم يقبض هو في ضمان البائع، حتى إذا هلك يهلك من ماله دون مال المشتري، فإذا باعه المشتري قبل قبضه يكون فيه ربح ما في ضمان غيره، فلا يطيب له ذلك، فإذا قبضه دخل في ضمانه، حتى إذا هلك يهلك من ماله دون مال البائع، فإذا باعه بعد القبض يكون فيه ربح ما في ضمان نفسه، فيطيب له ذلك على أي وجه كان. ثم هذا المعني يستوي فيه الطعام وغيره من العروض والسلع، فدل ذلك أن النهي عن بيع ما لم يقبض يتناول الطعام وغيره، وقد أجاب بعض المالكية عن هذا فقال: إن النهي عن ربح ما لم يضمن محمول على بيع الخيار، وأن يبيع المشتري قبل أن يختار، أو هو محمول على الطعام، ثم يخص عمومه إذا حملته على بيع الخيار وأن يبيع المشتري قبل أن يختار، أو هو محمول على الطعام ثم يخص عمومه إذا حملناه على الطعام بإحدي طريقتين: إما دليل الخطاب في قوله: "نهى عن بيع الطعام حتى يستوفى" فدل أن ما عداه بخلافه. أو يخص بما ذكره ابن عمر ﵄ من أنهم كانوا يبيعون الإبل بالدراهم ويأخذون عنها ذهبًا، أو بالذهب، ويأخذون عنها دراهم وأضاف إجازة ذلك إلى النبي ﵇ وهذا إجازة ربح ما لم يضمن في العين، ونقيس عليه ما سوى الطعام ونخص به النهي عن ربح ما لم يضمن، ويحمل قول ابن عمر من منع بيع الطعام

стр. 5897

الجزاف حتى يؤوه إلى رحالهم؛ على الاستحباب، والرواية التى فيها ذكر ضربهم، وهو أنهم كانوا يضربون على عهد النبي ﵇ إذا اشتروا طعامًا جزافًا أن يبيعوه في مكانه حتى يحركوه، تحمل على أنه فعل ذلك حماية للذريعة وعلى أنهم اتخذوا ذلك غيبة ممنوعة. وقال هؤلاء أيضًا: إن الملك ينتقل بنفس العقد بدليل أن المبيع لو كان عبدًا فأعتقه المشتري قبل القبض عتق، وإذا ثبت الملك جاز التصرف، ما لم يكن فيه إبطال حق لغيره. والجواب عن ذلك أن ما ذكر كله فاسد: أما الأول: فلأن نهيه ﵇ عن ربح ما لم يضمن عامّ، وحمله على بيع الخيار تحكم ليس فيه دليل. وأما الثاني: فممنوع؛ لأن تعليق الخبر بالاسم لا يدل على نفيه ما عداه، وقد قلنا أن تنصيص الطعام بالذكر ليس لأجل التعيين والتقييد، وأنه لا ينافي أن يكون غير الطعام في ذلك كالطعام. وأما الثالث: فلأن أخذ الذهب عن الدراهم، أو أخذ الدراهم عن الذهب ليس مما نحن فيه؛ لأنه لا يقصد به الربح حتى يدل على إجازة ربح ما لم يضمن، وإنما يراد به الاقتضاء والاقتصاص، والنقود مخالفة لغيرها من الأشياء، وبعضها ينوب عن بعض، وللحاكم أن يحكم على من أتلف على إنسان مالاً بأيهما شاء، لأنهما كالنوع الواحد في هذا المعني. وأما الرابع: فلأن العتق إتلاف، وإتلاف المشتري عين المبيع يقوم مقام القبض، فافهم. وأما حديث النهي عن ربح ما لم يضمن فأخرجه أبو داود (١): ثنا زهير بن حرب، نا إسماعيل -هو ابن علية- عن أيوب السختياني، حدثني عمرو بن

стр. 5898

شعيب، حدثني أبي، عن أبيه حتى ذكر عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك". وأخرجه الترمذي أيضًا (١): عن أحمد بن منيع، عن إسماعيل .. إلى آخره نحوه، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه النسائي (٢) أيضًا. وأخرجه الطحاوي في الباب الذي يأتي، وسيأتي إن شاء الله تعالى. ص: وقد جاءت أيضًا آثار أخر عن رسول الله ﵇ بالنهي عن بيع ما لم يقبض، لم يقصد فيها إلى الطعام ولا إلى غيره: حدثنا أبو خازم عبد الحميد بن عبد العزيز، قال: ثنا محمد بن بشار بندار، قال: ثنا حبان بن هلال، عن أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، أن يعلى بن حكيم أخبره، أن يوسف بن ماهك أخبره، أن عبد الله بن عصمة أخبره، عن حكيم بن حزام أخبره قال: "أخد النبي ﵇ بيدي، فقال إذا ابتعت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه". حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: ثنا يعلى بن حكيم بن حزام: "أن أباه سأل النبي ﵇ فقال: إني اشتريت بيوعًا فما يحل لي؟ قال: إذا اشتريت بيعًا، فلا تبعه حتى تقبضه". قال أبو جعفر: فبهذا نأخد، وهو قول أبي حنيفه وأبي يوسف ومحمد ﵏؛ غير أن أبا حنيفة قال: لا بأس ببيع الدور والأرضين قبل قبض مشتريها إياها، لأنها لا تنقل ولا تحول، وسائر البياعات ليست كذلك والنظر في هذا عندنا: أن تكون العروض وسائر الأشياء في ذلك سواء على ما ذكرنا في الطعام.

стр. 5899

ش: هذا بيان حجة أخرى في عدم جواز البيع قبل القبض، سواء كان طعامًا أو غيره، بيان ذلك: أن حكيم بن حزام ﵁ روى عن النبي ﵇ أنه قال له: "إذا ابتعت شيئًا، فلا تبعه حتى تقبضه". فقوله: "شيئًا" أعم من الطعام وغيره، والنبي ﵇ لم ينص فيه على الطعام ولا على غيره، بل عمم الحكم، فاقتضى أن لا يجوز البيع قبل القبض مطلقًا، إلا أن أبا حنيفة استثنى من ذلك بيع الدور والأرضين، فقال بجواز بيعها قبل القبض، لأنها لا تنقل ولا تحول بخلاف غيرها. والنظر في ذلك له: أن الامتناع فيما ينقل ويحوَّل لعارض الغرر، وهو غرر انفساخ العقد بهلاك المعقود عليه، ولا يتوهم هلاك العقار، فلا يتحقق الغرر، فبقي حكمه على حكم الأصل. وذكر في "البدائع" قول أبي يوسف مع أبي حنيفه في جواز بيع الدور والأرضين قبل القبض، وذكر قول زفر والشافعي مع محمد في عدم الجواز مطلقًا؛ لعموم النهي، وهو اختيار الطحاوي أيضًا أشار إليه بقوله: "فبهذا نأخذ". ثم إنه أخرج حديث حكيم بن حزام المذكور من طريقين: الأول: عن أبي حازم عبد الحميد بن عبد العزيز البصري أحد الأئمة الحنفية الكبار، قال ابن الجوزي: كان عالمًا ورعًا، ثقة، قدوة في العلوم، غزير الفضل والدين، ولي القضاء بالشام والكوفة والكرخ من مدينة السلام وله مصنفات كثيرة، ذكره صاحب "الهداية" في كتاب الرهن، وهو يروي عن محمد بن بشار البصري الملقب بندار، والبندار: الحافظ كان بندارًا في الحديث، وهو شيخ الجماعة، رووا عنه. وهو يروي عن حبان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- بن هلال الباهلي ثقة، روى له الجماعة. وهو يروي عن أبان بن يزيد العطار البصري، عن أحمد: ثبت في كل المشايخ، روي له الجماعة غير ابن ماجه.

стр. 5900

وهو يروي عن يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي، روي له الجماعة. وهو يروي عن يعلى بن حكيم الثقفي البصري، ثقة، روى له الجماعة سوى الترمذي. وهو يروي عن يوسف بن مَاهَك بن بهزاد الفارسي المكي، روى له الجماعة. وهو يروي عن عبد الله بن عصمة الجشمي الحجازي، وثقه ابن حبان، وروى له النسائي. وهو يروي عن حكيم بن حزام ﵁. وأخرجه ابن حزم (١) من طريق قاسم بن أصبغ، ثنا أحمد بن زهير بن حرب، ثنا حبان بن هلال، ثنا همام بن يحيى، نا يحيى بن أبي كثير، أن يعلى بن حكيم حدثه، أن يوسف بن مَاهَك حدثه، أن حكيم بن حزام حدثه، أنه قال: "يا رسول الله ﷺ إني رجل أشتري هذه البيوع، فما يحل لي منها مما يحرم على؟ قال: يا ابن أخي إذا ابتعت بيعًا فلا تبعه حتى تقبضه". ورواه أيضًا (١) من طريق خالد بن الحارث الهجيمي، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني رجل من إخواننا، حدثني يوسف بن ماهك، أن عبد الله بن عصمة الجشمي حدثه، أن حكيم بن حزام حدثه ... فذكر هذا الخبر، ثم قال: وعبد الله بن عصمة متروك. قلت: هو ثقة، وثقه ابن حبان كما ذكرناه. وأخرجه الطبراني (٢) أيضًا: ثنا على بن عبد العزيز، ثنا محمد بن عمار الموصلي، ثنا سالم بن نوح، ثنا عمرو بن عامر، عن عامر الأحول، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عصمة، أن حكيم بن حزام قال: "يا رسول الله، إني أبيع بيوعًا كثيرة، فما يحل منها مما يحرم علي؟ فقال: لا تبيعن ما لم تقبض".

стр. 5901

الطريق الثاني: عن محمد بن عبد الله بن ميمون، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن يعلى بن حكيم بن حزام، عن أبيه. وأخرجه الترمذي (١): عن قتيبة، عن هشيم، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام. ثم قال: وقد روى يحيى بن أبي كثير هذا الحديث عن يعلى بن حكيم، وعن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عصمة، عن حكيم بن حزام، عن النبي ﵇. ...

стр. 5902

ص: باب: البيع يشترط فيه شرط ليس فيه ش: أي هذا باب في بيان حكم البيع الذي يشترط فيه شرط ليس فيه، ولا من مقتضياته. ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا زكرياء بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله ﵁: "أنه كان يسير مع رسول الله ﷺ على جمل له فأعياه، فأدركه رسول الله ﵇، فقال: ما شأنك يا جابر؟ فقال: أُعْيِيَ ناضحي يا رسول الله، فقال: أمعك شيء؟ فأعطاه قضييًا -أو عودًا فنخسه به- أو قال: فضربه به- فسار مسيرة يكن يسير مثلها، فقال لي رسول الله ﷺ : بعْنِيه بأوقية، قال: قلت: يا رسول الله، هو ناضحك، فبعته بأوقية واستثنيت حملانه حتى أقدم على أهلي، فلما قدمت أتيت بالبعير، فقلت: هذا بعيرك يا رسول الله، قال: لعلك ترى أني إنما حبستك لأذهب ببعيرك، يا بلال أعطه من العيبة، أوقية وقال: انطلق ببعيرك فهما لك". ش: إسناده صحيح: والشعبي هو عامر بن شراحيل. وأخرجه الجماعة غير ابن ماجه بألفاظ مختلفة وأسانيد متغيرة: فقال البخاري (١): ثنا أبو نعيم، ثنا زكرياء، سمعت عامرًا يقول: حدثني جابر: "أنه كان يسير على جمل له قد أعيا (*)، فمر النبي ﵇ فضربه، فدعا له، فسار سيرًا ليس يسير مثله، ثم قال: بعنيه بوقية. قلت: لا، ثم قال بعنيه بوقية، فبعته فاستثنيت حملانه إلى أهلي، فلما قدمنا المدينة أتيت بالجمل، ونقدني ثمنه، ثم انصرفت فأرسل على إثري، قال: ما كنت لآخذ جملك، فخذ جملك ذلك فهو مالك".

стр. 5903

وقال شعبة: عن مغيرة، [عن جابر] (١): "فبعته على أن لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة". وقال عطاء وغيره: "لك ظهره إلى المدينة". وقال ابن المنكدر: عن جابر: "شرط ظهره إلى المدينة". وقال زيد بن أسلم عن جابر: ["ولك ظهره حتى ترجع". وقال أبو الزبير، عن جابر: "أفقرناك ظهره إلى المدينة". وقال الأعمش، عن سالم، عن جابر: "تبلغ عليه إلى أهلك". وقال عبيد الله بن إسحاق، عن وهب، عن جابر] (٢): "اشتراه النبي ﵇ بوقية". وتابعه زيد بن أسلم عن جابر. وقال ابن جريج، عن عطاء وغيره، عن جابر: "أخذته بأربعة دنانير" وهذا يكون وقية على حساب الدينار بعشرة دراهم، ولم يبين الثمن مغيرة عن الشعبي، عن جابر، وابن المنكدر وأبو الزبير، عن جابر. وقال الأعمش: عن سالم، عن جابر: "وقية ذهب". وقال أبو إسحاق عن سالم عن جابر: "بمائتي درهم". وقال داود بن قيس عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر: "اشتراه بطريق تبوك، أحسبه قال: بأربع أواق". وقال أبو نضرة: عن جابر: "اشتراه بعشرين دينارًا". وقول الشعبي: "بوقية" أكثر. قال أبو عبد الله: الاشتراط أكثر وأصح عندي. أخرج البخاري هذا في كتاب الشرط.

стр. 5904

وأخرجه أيضًا في كتاب الاستقراض (١): عن محمد، عن جرير. وفي كتاب الجهاد أيضًا (٢): عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن مغيرة. وقال مسلم (٣): ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا أبي، ثنا زكرياء، عن عامر، قال: حدثني جابر بن عبد الله: "أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فأراد أن يسيب، قال: فلحقني النبي ﵇، فدعى لي وضربه، فسار سيرًا لم يسر مثله، فقال: بعنيه بأوقية، قلت: لا، ثم قال: بعنيه، فبعته بأوقية واستثنيت عليه حملانه إلى أهلي، فلما بلغت، أتيته بالحمل، فنقدني ثمنه، ثم رجعت، فأرسل في إثري فقال: أتراني ماكستك لأخذ جملك؟! خذ جملك ودراهمك، فهو لك". وأخرجه مسلم في كتاب البيوع. وأخرجه أيضًا (٣): عن على بن خشرم، عن عيسى بن يونس، عن زكرياء. وعن (٣) عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه، عن جرير، عن مغيرة، كلاهما عن الشعبي، عن جابر بهذا. وقال أبو داود (٤): ثنا مسدد، قال: نا يحيى بن سعيد، عن زكرياء قال: ثنا عامر، عن جابر بن عبد الله قال: "بعته -يعني بعيره- من النبي ﵇، واشترطت حملانه إلى أهلي، وقال في آخره: تراني إنما ماكستك لأذهب بجملك؟ خذ جملك وثمنه، فهما لك". وقال الترمذي (٥): ثنا ابن أبي عمر، قال: ثنا وكيع، عن زكرياء، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله: "أنه باع من النبي ﵇ بعيرًا، واشترط ظهره إلى أهله". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 5905

وقال النسائي (١): أخبرنا علي بن حجر، أبنا سعدان بن يحيى، عن زكرياء، عن عامر، عن جابر بن عبد الله قال: "كنت مع النبي ﵇ في سفر، فأعيى جملي، فأردت أن أُسيبه، فلحقني رسول الله ﵇، ودعى له، فضربه، فسار سيرًا لم يسر مثله، فقال: بعنيه بوقية، قلت: لا، قال: بعنيه، فبعته بوقية، واستثنيت حملانه إلى المدينة، فلما بلغنا المدينة أتيته بالجمل وابتغيت ثمنه ثم رجعت، فأرسل إلي فقال: أَتُرَاني إنما ماكستك لاَخذ جملك؟! خذ جملك ودراهمك" (٢). وأخرجه (٣) من طريق آخر بأتم منه: قوله: "على جمل له" قال الفراء: الجمل زوج الناقة والجمع: جمال، وأجمال، وجملات، وجمائل، ويطلق عليه البعير؛ لأن جابرًا ﵁ قال في الحديث: "ثم أتيت بالبعير" وأراد به الجمل المذكور. وقال أهل اللغة: البعير: الجمل البازل، وقيل: الجذع، وقد يكون للأنثى. وحكي عن بعض العرب: شربت من لبن بعيري، وصرعتني بعير لي، فإذا استثنيته قلت: جمل أو ناقة ويجمع على أبعرة وأباعر وأباعير وبُعران وبَعران. قوله: "فأعياه" أي أعجزه عن الذهاب إلى مقصده؛ لعيِّه وعجزه عن المشي، يقال: عييت بأمري إذا لم تهتد بوجهه، وأعياني هو، ويقال: هذا مرض أعيى الأطباء: إذا أعجزهم عن مداواته. قوله: "أعيى ناضحي" من قولهم: أعيى الرجل في مشيه فهو معيى، ولا يقال: عيان، وأعياه الله، كلاهما بالألف.

стр. 5906

و"الناضح" بالنون والضاد المعجمة والحاء المهملة، هو البعير الذي يستقى عليه والأنثى: ناضحة وسائبة، وأراد به ها هنا الجمل المذكور. قوله: "أمعك شيء؟ " الهمزة فيه للاستفهام. قوله: "فنخسه" بالنون والخاء المعجمة والسين المهملة، أي: طعنه. قوله: "بأوقية" بضم الهمزة وتشديد الياء والجمع يشدد ويخفف، مثل: أثفية وأثافيّ وأثاف، وقد جاء في رواية البخاري وغيره "وقية" بدون الهمزة وليست بلغة عالية، وكانت الوقية قديمًا عبارة عن أربعين درهمًا، وقد اختلفت الروايات ها هنا، ففي رواية: "أنه باعه بخمس أواقي وزادني أوقية"، وفي بعضها: "بأوقيتين ودرهم أو درهمين"، وفي بعضها: "بأوقية ذهب"، وفي رواية: "بأربعة دنانير"، وفي الأخرى: "بأوقة" ولم يقل: ذهبًا، وقد ذكر البخاري أيضًا اختلاف هذه الروايات وقد بَيَّنَّاها الآن. وقال أبو جعفر الداودي: ليس لأوقية الذهب وزن يحفظ، وأما أوقية الفضة فأربعون درهمًا. وأما اختلاف هذه الروايات فسببها نقل الحديث على المعنى، وبمثل هذا يحتج من يجيز ذلك، وقال: إنا نجد الحديث الواحد قد حدث به جماعة من الصحابة والتابعين بألفاظ مختلفة وعبارات متقاربة ترجع إلى معنى واحد، وإنما قاله النبي ﷺ مرة واحدة في قصة منفردة، فأما ذكر الأوقية المهملة فيفسرها قوله: "أوقية ذهب" وإليه يرجع اختلاف الألفاظ؛ إذ هي في رواية سالم بن أبي الجعد عن جابر مفسرة بقوله: "إن لرجل عليَّ أوقية ذهب، فهو لك بها" ويكون قوله في الرواية الأخرى: "فبعته منه بخمس أواقي" أي: فضة صرف أوقية الذهب حينئذ، كأنه أخبر مرة عما وقع به البيع من أوقية الذهب أولاً ومرة عما كان به القضاء من عدلها فضة، والله أعلم.

стр. 5907

ويعضد هذا قوله آخر الحديث: "خذ جملك ودراهمك" ورواية من قال: "مائتي درهم"؛ لأنه خمس أواقي أو يكون هذا كله زيادة على الأوقية كما قال: "فما زال يزيدني". وأما ذكر الأربعة الدنانير فموافقة لأوقية؛ إذ قد يحتمل أن يكون وزن أوقية الذهب حينئذ وزن أربعة دنانر كبار؛ لأن دنانيرهم كانت مختلفة وكذلك دراهمهم على ما مرَّ بيانه في الزكاة، ولأن أوقية الذهب غير محققة الوزن بخلاف الفضة، أو يكون المراد بذلك أنها صرفت أربعين درهمًا، فأربعة دنانير موافقة للأوقية الفضة؛ إذ هي صرفها. ثم قال: "أوقية ذهب"؛ لأنه أخذ عن الأوقية عدلها من الذهب الدنانير المذكورة، أو يكون ذكر الأربعة دنانير في ابتداء المماكسة، وانعقد البيع بأوقية. وأما قوله: "أوقيتان" فيحتمل أن الواحدة هي التي وقع بها البيع، والثانية زاده إياها، ألا تراه كيف قال في الرواية الأخرى: "فزادني أوقية"؟ وذكره الدرهم والدرهمين مطابق لقوله: "وزادني قيراطًا" في بعض الروايات يحتمل أنه أرجح له في كل (١) دينار قيراطًا، وأنها الزيادة التى زاده أولاً، فذكر مرة قيراطًا، وشك في هذه الرواية في مقدار الزيادة، إذ صرف قيراط الذهب على ما كان قبل: درهم ونحوه، لأن دنانيرهم كان بعضها من عشرة قراريط، وبعضها من عشرين قيراطًا، فوجه بناء هذه الروايات -المختلف ظاهرها- والجمع بينها وترتيب منازلها: أنه ﵇ أولاً أعطاه أربعة دنانير حين ساومه به، ولم ينعقد البيع بذلك ولا أمضاه جابر ﵁، وإنما أمضاه له بأوقية ذهب، ألا تراه إنما قال له: "قد أخذته منك بأربعة دنانير"؟ ولم يزد في هذا الحديث على ذلك، وفي الحديث أنه ماكسه في البيع ثم أمضاه له بأوقية ذهب، وبها أنعقد البيع كما بينه في حديث سالم بن أبي الجعد، وهذا يضعف تأويل البخاري: أن الأوقية دراهم لتوافق أربعة دنانير،

стр. 5908

وقول البخاري هذا يكون على حساب الدينار بعشرة دراهم، إذ قد يفسر في الحديث أنها أوقية ذهب، وبدليل قوله في الرواية الأولى: "عشرين دينارًا". إذ كانت دنانيرهم مختلفة، فيها ما هو من درهم وثلثين، ومن درهم وثلاثة أسباع، ومن ثلاثة دراهم، فقد يحتمل إذا اجتمعت منها عشرون كان وزنها أربعين درهمًا، وهي أوقية، ويكون ما في الرواية الأخرى: "خذ جملك ودراهمك" وفي الرواية الأخرى: "مائتي درهم" وذلك صرف العشرين دينارًا، لكل دينار عشرة دراهم، وذلك صرف الأوقية الذهب. وأما رواية "أربع" فقد شك فيها رواتها، فلا تعتبر، وكذلك الرواية باقتضاء أربعة دنانير، والله أعلم؛ لأن سائر الروايات تخالفها. وقوله في الرواية الأخري: "بأوقيتين" الأولى التي وقع بها البيع من الذهب، والثانية التي زاده، كما بين ذلك في الحديث: "وزادني أوقية" فيحتمل أن تكون ذهبًا ويحتمل أن تكون فضة، ألا تراه قال: "فما زال يزيدني" وتكون زيادة الأوقية زيادة في عدد الأواقي، كل ذلك بفضل منه وإحسان، ثم زاده أيضًا في الوزن والرجحان بقوله: "فزادني قيراطًا" وهو وفق الدرهم أو الدرهمين في الرواية الأخرى كما بيَّناه. قوله: "واستثنيت حُمْلانه" بضم الحاء وسكون الميم: مصدر من حَمَلَ يَحْمِلُ، من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ، وذلك كالغُفْرَان من غَفَرَ يَغْفِرُ. قوله: "لعلك تُرَى" بضم التاء أي: تظنّ. قوله: "إنما حبستك" أي إنما منعتك ثمن جملك، وفي رواية غيره: "أتراني ماكستك" من المماكسة وهي المكالمة في النقص من الثمن، وأصلها من النقص، ومنه: مكس العشَّار، وهو ما ينتقصه ويأخذه من أموال الناس. قوله: "من العَيْبَة" العيبة -بفتح الين المهملة، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح الباء الموحدة، وفي آخره هاء-: ما تجعل فيه الثياب، وأراد بها ها هنا ما يحفظ فيها الذهب والفضة.

стр. 5909

ويستنبط منها أحكام: الأول: احتج به من يقول بجواز شرط البائع ركوب الدابة التي يبيعها من غيره، إلى مسافة معلومة على ما يجيء بيانه مفصلًا عن قريب إن شاء الله تعالى. الثاني: فيه علامة من علامات النبوة: فيما نخسه أو ضربه بالعود. الثالث: فيه جواز طلب البيع من الرجل سلعته ابتداء، وإن لم يعرضها للبيع. الرابع: فيه جواز الزيادة والرجحان في ثمن المبيع، كَثرَ أو قَلَّ، كان في مجلس القضاء أو بعده، وبهذا قال كافة العلماء. الخامس: فيه أن الوزن والكيل في المييع على البائع، وفي الثمن على المشتري، إذ توفية ما يؤخذ من كل واحد منها عليه. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الرجل إذا باع من رجل دابة بثمن معلوم على أن يركبها البائع إلى موضع معلوم؛ أن البيع جائز والشرط جائز واحتجوا في ذلك بحديث جابر ﵁ هذا. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي ومالكًا وأحمد وإسحاق وأبا ثور وابن المنذر؛ فإنهم قالوا: إذا باع دابةً بشرط أن يركبها البائع إلى موضع معلوم؛ أن البيع صحيح والشرط صحيح. وقال ابن قدامة في "المغني": ويصح أن يشترط البائع منفعة البيع مدةً معلومةً، مثل أن يبيع دارًا ويستثني سكناها شهرًا، أو عبدًا ويشترط خدمته سنة، أو جملًا ويشترط ظهره إلى مكان؛ نص عليه أحمد، وهو قول الأوزاعي وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر، ثم احتج لهم بحديث جابر المذكور. وقال القاضي في "شرح مسلم": من الناس من أجاز بيع الدابة واستثناء البائع ركوبها أخذ بظاهر الحديث. وأما مالك فيجيزه بشرط أن تكون مسافة الركوب قريبة ويحمل هذا الحديث عليه.

стр. 5910

وقال الترمذي عقيب إخراج هذا الحديث: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، يرون الشرط جائزًا في البيع إذا كان شرطًا واحدًا، وهو قول أحمد وإسحاق. وقال ابن حزم في "المحلى": قال أحمد: يبطل البيع إذا كان فيه شرطان، ويجوز إذا كان فيه شرط واحد. وذهب أبو ثور إلى جواز اشتراط البائع بعض ملكه كسكنى الدار مدة مسماة أو دهره كله، أو خدمة العبد كذلك، أو ركوب الدابة كذلك، أو لباس الثوب كذلك، وقال: جاز البيع والشرط؛ لأن الأصل له والمنافع، فباع ما شاء وأمسك ما شاء، وكل بيع اشترط فيه ما يحدث في ملك المشتري فالبيع جائز والشرط باطل، كالولاء ونحوه، وكل بيع اشترط فيه عمل أو مال على البائع أو على المشتري فالبيع والشرط باطلان معًا. وفي "شرح الموطأ" لابن زرقون: قال أبو ثور: كل شرط اشترطه البائع على المبتاع مما كان البائع يملكه فهو جائز مثل ركوب الدابة وسكنى الدار، وكان مَنْ شرط على المشتري بعد ملكه مما لم يكن في ملك البائع مثل أن يعتق العبد ويكون ولاؤه للبائع، وأن لا يبيع ولا يهب ولا يتصدق فالبيع جائز والشرط باطل لا يجوز. وقاله ابن أبي ليلى أيضًا. وقال أحمد: إذا كان في البيع شرط واحد جاز، وإن كان فيه شرطان بطل؛ للحديث: "لا يحل شرطان في بيع"، وشرطان في بيع أن يقول: أبيعك هذه السلعة إلى شهرٍ بكذا وإلى شهرين بكذا. قال أحمد: ومن شرطين في بيع أن يقول: أبيعك بذهب على أن تأخذ منه دراهم، الدينار بكذا، أو يبيعه بدراهم على أن يأخذ منه ذهبًا، وحجته في إجازة شرط واحد حديث جابر ﵁ في بيعه بعيره من النبي ﷺ على أن له ظهره إلى المدينة.

стр. 5911

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، ثم افترق المخالفون لهم على فرقتين، فقالت فرقة: البيع جائز والشرط باطل. وقالت فرقة: البيع فاسد. وسنبيِّن ما ذهب إليه الفريقان جميعًا في هذا الباب إن شاء الله تعالى. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: ابن أبي ليلى وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي وأشهب وأحمد في رواية. ثم افترق هؤلاء على فرقتين، فقالت فرقة -وهم: ابن أبي ليلى وأحمد- في رواية -وأشهب-: البيع جائز والشرط باطل. وقالت فرقة -وهم: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي-: البيع فاسد. وفي "شرح الموطأ" قال أبو حنيفة: لا يجوز أن يشترط سكنى الدار ولا خدمة العبد ولا ركوب الدابة وقتًا بحال؛ والبيع فاسد. وكره الليث بن سعد أن يشترط سكنى الدار عشرين سنة، وأجاز اشتراط سكناها سنة، وإن احترقت في السنة كانت من المشتري، ولم يُجِز اشتراط ركوب الدابة إلى موضع قريب ولا بعيد، وإن اشترط البائع على المبتاع إيقاع معنى من معاني البر، فإن اشترط عليه من ذلك ما يتعجل كالعتق المعجل؛ فذلك جائز لبعده عن الغرر، وبه قال الشافعي، ولم يجزه أبو حنيفة. فإن امتنع البائع من إنفاذ العتق، فقال أشهب: يجبر على العتق] (١) وقاله ابن كنانة في المدينة، وزاد: ولو رضي البائع بذلك لم يكن له ذلك، ويعتق عليه. وقال ابن القاسم: إن كان اشتراه على إيجاب العتق فهو حُر، وإن كان اشتراه من غير إيجاب عتق لم يجبر على عتقه، والإيجاب أن يقول: اشتريته منك فهو حُر، وإن لم يقل ذلك وإنما اشترط أن يستأنف عنه بعد كمال ملكه فليس بإيجاب.

стр. 5912

وقال الشافعي: البيع فاسد، ويمضي العتق اتباعًا للسنة. وروي عنه: البيع جائز والشرط باطل. وروى المزني عنه: لا يجوز تصرف المشتري في البيع الفاسد بحال. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، واستحسن أبو حنيفة ومحمد بن الحسن أن يجيز له العتق ويجعل عليه الثمن، وإن مات قبل أن يعتقه كانت عليه القيمة. وقال أبو يوسف: العتق جائز وعليه القيمة. وانفرد الشافعي بقوله فيمن اشترى عبدًا شراءً فاسدًا وقبضه وأعتقه: إنه لا يجوز عتقه؛ لأنه لم يملكه بالبيع الفاسد، ولا يجوز له التصرف فيه. وقال ابن حزم في "المحلى" (١): وكل شرط وقع في بيع منهما أو من أحدهما برضا الآخر فإنهما إن عقداه قبل عقد البيع وبعد تمام البيع بالتفرق بالأبدان أو بالتخيير أو في أحد الوقتين -يعني قبل العقد أو بعده- ولم يذكراه في حين عقد البيع؛ فالبيع صحيح تامٌّ، والشرط باطل لا يلزم. فإن ذكرا ذلك الشرط في حال عقد البيع فالبيع باطل مفسوخ والشرط باطل أي شرط كان؛ لا يحاش شيئًا إلا سبعة شروط فإنها لازمة، والبيع صحيح إن اشترطت في البيع وهي: اشتراط الرهن فيما تبايعاه إلى أجل مسمى، واشتراط تأخير الثمن إن كان دنانير أو دراهم إلى أجل مسمى، واشتراط الثمن إلى الميسرة وإن لم يذكرا أجلاً، واشتراط صفات المبيع التي يتراضيانها معًا ويبتاعان ذلك الشيء على أنه بتلك الصفة، واشتراط أن لا خلابة، وبيع العبد أو الأمة فيشترط المشتري مالهما أو بعضه مسمى معينًا أو جزءًا منسوبًا مشاعًا في جميعه سواء كان مالهما مجهولًا كله أو معلومًا كله، أو معلومًا بعضه ومجهولًا بعضه، وبيع أصول نخل فيها ثمرة قد أبرت قبل الطيب أو بعده، فيشترط المشتري الثمرة لنفسه أو جزءًا معينًا منها أو مسمى مشاعًا في جميعها.

стр. 5913

فهذه ولا مزيد وسائرها باطل، كمن باع مملوكًا بشرط العتق أو أمة بشرط الإيلاد أو دابة واشترط ركوبها مدة مسماة -قلَّت أو كثرت- أو إلى مكان مسمى -قريب أو بعيد- أو دارًا واشترط سكناها ساعةً فما فوقها، أو غير ذلك من الشروط كلها. وقال ابن حزم (١): حدثني محمد بن إسماعيل بن إسحاق العذري القاضي بسرقُسْطة، ثنا محمد بن علي الرازي المطوعي، نا محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، ثنا جعفر بن محمد الخلدي، ثنا عبد الله بن أيوب بن زاذان الضرير، ثنا محمد بن سليمان الذهلي، ثنا عبد الوارث -هو ابن سعيد- التنوري: "قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة عمن باع بيعًا واشترط شرطًا، فقال: البيع باطل والشرط باطل. ثم سألت ابن أبي ليلى عن ذلك، فقال: البيع جائز والشرط باطل. ثم سألت ابن شبرمة عن ذلك، فقال: البيع جائز والشرط جائز. فرجعت إلى أبي حنيفة فأخبرته بما قالا فقال: لا أدري ما قالا؛ ثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع وشرط، البيع باطل والشرط باطل. فأتيت ابن أبي ليلى فأخبرته بما قالا فقال: لا أدري ما قالا؛ ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: اشتري بريرة واشترطي لهم الولاء. البيع جائز والشرط باطل. فأتيت ابن شبرمة فأخبرته بما قالا فقال: لا أدري ما قالا؛ ثنا مسعر بن كدام، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله ﵁: أنه باع من رسول الله ﵇ جملًا واشترط ظهره إلى المدينة. البيع جائز والشرط جائز". والله أعلم. ص: فكان من الحجة لهاتين الفرقتين جميعًا على الفرقة الأولى في حديث جابر ﵁ الذي ذكرنا: أن فيه معنيين يدلان أن لا حجة لهم فيه، فأما أحد

стр. 5914

المعنيين: فإن مساومة النبي ﵇ لجابر ﵁ إنما كانت على البعير ولم يشترط في ذلك لجابر ركوبًا. قال جابر: "فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي". فوجه هذا الحديث أن البيع إنما كان على ما كانت عليه المساومة من النبي ﵇، ثم كان الاسئثناء للركوب من بعد وكان ذلك الاستثناء مفصولًا من البيع؛ لأنه إنما كان بعده؛ فليس في ذلك حجة تدلنا كيف كان حكم البيع لو كان ذلك الاسئثناء مشروطًا في عقدته، هل هو كذلك أم لا؟ وأما الحجة الأخرى: فإن جابرًا ﵁ قال: "فلما قدمت المدينة أتيت النبي ﷺ بالبعير فقلت: هذا بعيرك، فقال: لعلك تُرَى أني إنما حبستك لأذهب ببعيرك؟! يا بلال أعطه أوقية وحد بعيرك فهما لك" فدلَّ ذلك أن ذلك القول الأول لم يكن على التبايع، فلو ثبت أن الاشتراط للركوب كان في أصله بعد ثبوت هذه العلة لم يكن في هذا الحديث حجة؛ لأن المشروط فيه ذلك الشرط لم يكن بيعًا، ولأن النبي ﵇ لم يكن ملك البعير على جابر ﵁؛ فكان اشتراط جابر للركوب اشتراطًا فيما هو له مالك، فليس في هذا دليل على حكم ذلك الشرط لو وقع في بيع يوجب الملك للمشتري كيف كان حكمه. ش: أي فكان من الدليل والبرهان للجماعة الآخرين الذين افترقوا على فرقتين، وأراد به: الجواب عن استدلال أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه بحديث جابر ﵁ المذكور. وحاصله: أنه أجاب عن ذلك بثلاثة أجوبة: الأول والثاني بطريق المنع، والثالث بطريق التسليم. أما الأول: فلا نسلم أن هذا العقد كان فيه شرط؛ لأنه ﵇ إنما ساوم جابرًا على البعير ولم يشترط له ركوبًا، وإنما جابر هو الذي قال: "بعته واستثنيت حملانه إلى أهلي" فيكون استثناؤه للركوب مفصولًا من العقد؛ لأنه إنما وقع بعد العقد.

стр. 5915

وأما الثاني: فلا نسلم أن ذلك القول من النبي ﵇ كان على التبايع، ألا ترى إلى قوله لجابر ﵁: "تُرَى أني إنما حبستك لأذهب ببعيرك؟! يا بلال أعطه أوقية وخذ بعيرك فهما لك". فهذا صريح أنه لم يكن ثمة عقد فضلاً عن أن يكون فيه شرط. وقال ابن حزم: أخبر ﵇ أنه لم يماكسه ليأخذ جمله؛ فصح أن البيع لم يتم فيه فقط، وإنما اشترط جابر ﵁ ركوب جمل نفسه فقط. وأما الثالث: فلئن سلمنا أن هناك شرطًا قد شرط فيه الركوب، ولكن لا يدل أن الحديث حجة لهم أيضًا؛ وذلك لأن المشروط فيه ذلك الشرط لم يكن بيعًا؛ لأنه ﵇ لم يكن ملك البعير على جابر فكان اشتراط جابر للركوب اشتراطًا فيما هو له مالك. وقال ابن حزم (١): روي هذا: أن ركوب جابر ﵁ للجمل كان تطوعًا من النبي ﵇، واختلف فيه على الشعبي وأبي الزبير؛ فروي عنهما، عن جابر ﵁ أنه كان شرطًا من جابر، وروي عنهما أنه كان تطوعًا من رسول الله ﷺ ، فنحن نسلم لهم أنه كان شرطًا ثم نقول وبالله التوفيق: إنه قد صح أنه ﵇ قال: "قد أخذته بأوقية"، وصح أنه ﵇ قال: "أَتُرَاني ماكستك لآخذ جملك؟! فخذ جملك ذلك فهو مالك" فصح يقينًا أنهما أخذان: أحدهما فعله رسول الله ﵇، والآخر لم يفعله، بل انتفى عنه، وهو أنه ﵇ أخذه وابتاعه ثم تخير قبل التفرق ترك أخذه؛ فصح أن البيع لم يتم فيه فقط؛ فيكون اشتراط جابر ﵁ اشتراطًا لركوب جمل نفسه فقط، والله أعلم. ص: وذهب الذين أبطلوا الشرط في ذلك وجوزوا البيع إلى حديث بريرة. حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أن عائشة ﵂ أرادت أن تشتري بريرة فَتُعْتقها، فقال لها أهلها:

стр. 5916

نبيعكها على أن ولاءها لنا، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا يمنعنك ذلك؛ فإنما الولاء لمن أعتق". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن: "أن بريرة جاءت تستعين عائشة، فقالت لها عائشة: إن أحب أهلك أن أصب لهم ثمنك صبة واحدة وأعتقك فعلت، فذكرت ذلك بريرة لأهلها فقالوا: لا، إلا أن يكون ولاؤك لنا". قال مالك: قال يحيى: فزعمت عمرة: "أن عائشة ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: اشتريها فأعتقيها؛ فإنما الولاء لمن أعتق". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂: "أنها أرادت أن تشتري بريرة فَتُعتقها، فاشترط مواليها ولاءها، فذكرت ذلك لرسول الله ﵇، فقال: اشتريها فأعتقيها؛ فإنما الولاء لمن أعتق". حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂: "أن أهل بريرة أرادوا أن يبيعوها ويشترطوا الولاء، فذكرت ذلك للنبي ﵇ فقال: اشتريها فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق". حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، عن عائشة: "أن بريرة جاءتها تستعينها في كتابتها، فقالت عائشة: إن شاء أهلك اشتريتك ونقدتهم ثمنك صبة واحدة، فذهبت إلي أهلها فقالت لهم ذلك، [فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ] (١) فقال رسول الله ﷺ : اشتريها لا يضرك ما قالوا؛ فإنما الولاء لمن أعتق".

стр. 5917

قالوا: فلما كان أهل بريرة أرادوا بيعها على أن تعتق فيكون ولاؤها لهم، فقال النبي ﵇ لعائشة: "لا يمنعك ذلك؛ فإنما الولاء لمن أعتق". دلَّ أن هكذا الشروط كلها التي تشترط في البيوع، وأنها تبطل وتثبت البيوع. ش: أشار بهذا الكلام إلى بيان حجة أحد الفرقتين من أهل المقالة الثانية وهم الذين قالوا: البيع جائز والشرط باطل. أي ذهبت الفرقة الذين أبطلوا الشرط وجوزوا البيع -فيما إذا باع بالشرط- إلى حديث بريرة، فإن أهل بريرة لما أرادوا بيعها بشرط أن تعتق ويكون ولاءها لهم؛ قال النبي ﵇ لعائشة: "لا يمنعك ذلك" أي اشتراطهم الولاء لا يمنع صحة العقد "فإنما الولاء لمن أعتق" سواء اشترط أهلها أن يكون لهم أو لم يشترطوا. فدلَّ هذا الكلام أن الشروط كلها التي تشترط في البيوع لا تضر صحة البيوع، فتثبت البيوع وتبطل الشروط. ثم إنه أخرج حديث عائشة في بريرة ها هنا من خمس طرق صحاح، ورجالها كلهم رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن مرزوق وأبا بشر وعلي بن عبد الرحمن: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر: "أن عائشة ﵃ ... " إلخ. وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عائشة: "أنها أرادت أن تشتري جارية تعتقها، فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا. فذكرت ذلك لرسول الله ﵇، فقال: لا يمنعك ذلك؛ فإنما الولاء لمن أعتق". الثاني: عن يونس أيضًا ... إلى آخره.

стр. 5918

وأخرجه مالك في "موطئه" (١). الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني البصري، عن شعبة ابن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة ﵂. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن المثنى وعمرو بن علي، قالا: ثنا محمد ابن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "أنها أرادت أن تشتري بريرة، فشرطوا ولاءها، فقال رسول الله ﵇: اشتريها وأعتقيها، فإن الولاء لمن أعتق". الرابع: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن أبي معاوية الضرير محمد ابن خازم، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. وأخرجه النسائي (٢): أنا قتيبة، ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "اشتريت بريرة فاشترط أهلها ولاءها، فذكرت ذلك للنبي ﵇ فقال: أعتقيها؛ فإنما الولاء لمن أعطى الورِق". الخامس: عن علي بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، عن سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣). ثم اعلم أن الناس قد أكثروا في حديث عائشة في قصة بريرة. قال أبو عمر: قد أكثر الناس في تشقيق معاني الأحاديث المروية في قصة بريرة وتنسيقها وتخريج وجوهها؛ فلمحمد بن جرير في ذلك كتاب، ولمحمد بن خزيمة

стр. 5919

في ذلك كتاب، ولجماعة في ذلك أبواب، أكثر ذلك تكلُّف واستنباط، واستخراج محتمل، وتأويل ممكن لا يُقطع بصحته ولا يُستغنى عن الاستدلال عليه. ثم إنه يشتمل على أحكام: الأول: فيه من الفقه استعمال عموم الخطاب في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (١) دخل في ذلك الأَمَةُ ذات الزوج وغيرها؛ لأن بريرة كانت ذات زوج خيرت تحته إذ أعتقت. الثاني: فيه جواز كتابة الأمة دون زوجها. الثالث: فيه دليل على أن زوج الأَمَة ليس له منعها من السعي في كتابتها. قال أبو عمر: لو استدل مستدلّ من هذا المعنى بأن الزوجة ليس عليها خدمة زوجها كان حسنًا. الرابع: فيه دليل على أن العبد زوج الأمة ليس له منعها من الكتابة التي تؤول إلى عتقها وفراقها له، كما أن لسيد الأمة عتق أمته تحت العبد وإن أدى ذلك إلى إبطال نكاحه، وكذلك له أن يبيع أمته من زوجها الحر وإن كان في ذلك بطلان عقده. الخامس: فيه دليل على جواز نكاح العبد الحرة؛ لأنها إذ خيرت فاختارته؛ بقيت معه وهي حرة، وهو عبد. السادس: فيه أن المكاتب يجوز له السعي في كتابته والسؤال والتكسب به. السابع: فيه جوازركتابة مملوكه وهو لا شيء معه، وفيه ردٌّ على من يقول: لا يجوز كتابة المكاتب حتى يكون له مال؛ واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (١) قالوا: هو المال. روي ذلك عن ابن عباس وعطاء، وقال عمرو بن دينار: المال والصلاح. وقال مجاهد: الغني والأداء. وكان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة.

стр. 5920

وقال إبراهيم النخعي: صدقًا ووفاءً. وقال الثوري: دينًا وأمانةً. وقال الشافعي: القوة على الاكتساب. وقال أبو عمر: رخص مالك وأبو حنيفة والشافعي في مكاتبة من لا حرفة له؛ وإن كان قد اختلف قول مالك في ذلك. وكره الأوزاعي وأحمد وإسحاق مكاتبة من لا حرفة له. وروي نحو ذلك عن عمر وابن عمر ومسروق. الثامن: فيه دليل على إجازة كتابة الأمة وهي غير ذات صنعة ولا حرفة ولا مال، وهو ظاهر الخبر، ولم يسأل النبي ﵇ هل لها كسب -أو عمل أو مال-؟ ولو كان هذا واجبًا لسأل عنه ليقع حكمه عليه؛ لأنه بُعِثَ مبينًا ومعلمًا ﵇. التاسع: فيه دليل على جواز أخد السيد نجوم المكاتب من مسألة الناس؛ لترك النبي ﵇ زجرها عن مسألة عائشة ﵂؛ إذ كانت تستعينها في أداء نجمها، وهذا يرد قول من كره كتابة المكاتب الذي يسأل الناس وقال: يطعمني أوساخ الناس. العاشر: فيه دليل على أن المكاتب عبد ما بقي عليه شيء من كتابته. الحادي عشر: فيه دليل على أن عقد الكتابة من غير أداء لا يوجب شيئًا من العتق؛ خلافًا لمن جعله غريمًا من الغرماء؛ لأن النبي ﵇ قد أجاز بيع بريرة، ولو كان فيها شيء من العتق ما أجاز بيع ذلك، وفي السنة المجتمع عليها: أن لا يباع الحُرّ. قال أبو عمر في حديث بريرة: روي عن عمر وابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة وأم سلمة: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم واحد" وهو قول سعيد بن المسيب والقاسم وابن يسار والزهري وقتادة وعطاء، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري وابن شبرمة وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري.
следующие страницы →