← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

نبيعكها على أن ولاءها لنا، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "لا يمنعنك ذلك؛ فإنما الولاء لمن أعتق". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن: "أن بريرة جاءت تستعين عائشة، فقالت لها عائشة: إن أحب أهلك أن أصب لهم ثمنك صبة واحدة وأعتقك فعلت، فذكرت ذلك بريرة لأهلها فقالوا: لا، إلا أن يكون ولاؤك لنا". قال مالك: قال يحيى: فزعمت عمرة: "أن عائشة ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: اشتريها فأعتقيها؛ فإنما الولاء لمن أعتق". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂: "أنها أرادت أن تشتري بريرة فَتُعتقها، فاشترط مواليها ولاءها، فذكرت ذلك لرسول الله ﵇، فقال: اشتريها فأعتقيها؛ فإنما الولاء لمن أعتق". حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂: "أن أهل بريرة أرادوا أن يبيعوها ويشترطوا الولاء، فذكرت ذلك للنبي ﵇ فقال: اشتريها فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق". حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن القاسم بن محمد، عن عائشة: "أن بريرة جاءتها تستعينها في كتابتها، فقالت عائشة: إن شاء أهلك اشتريتك ونقدتهم ثمنك صبة واحدة، فذهبت إلي أهلها فقالت لهم ذلك، [فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ] (١) فقال رسول الله ﷺ : اشتريها لا يضرك ما قالوا؛ فإنما الولاء لمن أعتق".

стр. 5917

قالوا: فلما كان أهل بريرة أرادوا بيعها على أن تعتق فيكون ولاؤها لهم، فقال النبي ﵇ لعائشة: "لا يمنعك ذلك؛ فإنما الولاء لمن أعتق". دلَّ أن هكذا الشروط كلها التي تشترط في البيوع، وأنها تبطل وتثبت البيوع. ش: أشار بهذا الكلام إلى بيان حجة أحد الفرقتين من أهل المقالة الثانية وهم الذين قالوا: البيع جائز والشرط باطل. أي ذهبت الفرقة الذين أبطلوا الشرط وجوزوا البيع -فيما إذا باع بالشرط- إلى حديث بريرة، فإن أهل بريرة لما أرادوا بيعها بشرط أن تعتق ويكون ولاءها لهم؛ قال النبي ﵇ لعائشة: "لا يمنعك ذلك" أي اشتراطهم الولاء لا يمنع صحة العقد "فإنما الولاء لمن أعتق" سواء اشترط أهلها أن يكون لهم أو لم يشترطوا. فدلَّ هذا الكلام أن الشروط كلها التي تشترط في البيوع لا تضر صحة البيوع، فتثبت البيوع وتبطل الشروط. ثم إنه أخرج حديث عائشة في بريرة ها هنا من خمس طرق صحاح، ورجالها كلهم رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن مرزوق وأبا بشر وعلي بن عبد الرحمن: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر: "أن عائشة ﵃ ... " إلخ. وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن عائشة: "أنها أرادت أن تشتري جارية تعتقها، فقال أهلها: نبيعكها على أن ولاءها لنا. فذكرت ذلك لرسول الله ﵇، فقال: لا يمنعك ذلك؛ فإنما الولاء لمن أعتق". الثاني: عن يونس أيضًا ... إلى آخره.

стр. 5918

وأخرجه مالك في "موطئه" (١). الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني البصري، عن شعبة ابن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة ﵂. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن المثنى وعمرو بن علي، قالا: ثنا محمد ابن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "أنها أرادت أن تشتري بريرة، فشرطوا ولاءها، فقال رسول الله ﵇: اشتريها وأعتقيها، فإن الولاء لمن أعتق". الرابع: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن أبي معاوية الضرير محمد ابن خازم، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة. وأخرجه النسائي (٢): أنا قتيبة، ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة: "اشتريت بريرة فاشترط أهلها ولاءها، فذكرت ذلك للنبي ﵇ فقال: أعتقيها؛ فإنما الولاء لمن أعطى الورِق". الخامس: عن علي بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، عن سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣). ثم اعلم أن الناس قد أكثروا في حديث عائشة في قصة بريرة. قال أبو عمر: قد أكثر الناس في تشقيق معاني الأحاديث المروية في قصة بريرة وتنسيقها وتخريج وجوهها؛ فلمحمد بن جرير في ذلك كتاب، ولمحمد بن خزيمة

стр. 5919

في ذلك كتاب، ولجماعة في ذلك أبواب، أكثر ذلك تكلُّف واستنباط، واستخراج محتمل، وتأويل ممكن لا يُقطع بصحته ولا يُستغنى عن الاستدلال عليه. ثم إنه يشتمل على أحكام: الأول: فيه من الفقه استعمال عموم الخطاب في قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (١) دخل في ذلك الأَمَةُ ذات الزوج وغيرها؛ لأن بريرة كانت ذات زوج خيرت تحته إذ أعتقت. الثاني: فيه جواز كتابة الأمة دون زوجها. الثالث: فيه دليل على أن زوج الأَمَة ليس له منعها من السعي في كتابتها. قال أبو عمر: لو استدل مستدلّ من هذا المعنى بأن الزوجة ليس عليها خدمة زوجها كان حسنًا. الرابع: فيه دليل على أن العبد زوج الأمة ليس له منعها من الكتابة التي تؤول إلى عتقها وفراقها له، كما أن لسيد الأمة عتق أمته تحت العبد وإن أدى ذلك إلى إبطال نكاحه، وكذلك له أن يبيع أمته من زوجها الحر وإن كان في ذلك بطلان عقده. الخامس: فيه دليل على جواز نكاح العبد الحرة؛ لأنها إذ خيرت فاختارته؛ بقيت معه وهي حرة، وهو عبد. السادس: فيه أن المكاتب يجوز له السعي في كتابته والسؤال والتكسب به. السابع: فيه جوازركتابة مملوكه وهو لا شيء معه، وفيه ردٌّ على من يقول: لا يجوز كتابة المكاتب حتى يكون له مال؛ واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (١) قالوا: هو المال. روي ذلك عن ابن عباس وعطاء، وقال عمرو بن دينار: المال والصلاح. وقال مجاهد: الغني والأداء. وكان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة.

стр. 5920

وقال إبراهيم النخعي: صدقًا ووفاءً. وقال الثوري: دينًا وأمانةً. وقال الشافعي: القوة على الاكتساب. وقال أبو عمر: رخص مالك وأبو حنيفة والشافعي في مكاتبة من لا حرفة له؛ وإن كان قد اختلف قول مالك في ذلك. وكره الأوزاعي وأحمد وإسحاق مكاتبة من لا حرفة له. وروي نحو ذلك عن عمر وابن عمر ومسروق. الثامن: فيه دليل على إجازة كتابة الأمة وهي غير ذات صنعة ولا حرفة ولا مال، وهو ظاهر الخبر، ولم يسأل النبي ﵇ هل لها كسب -أو عمل أو مال-؟ ولو كان هذا واجبًا لسأل عنه ليقع حكمه عليه؛ لأنه بُعِثَ مبينًا ومعلمًا ﵇. التاسع: فيه دليل على جواز أخد السيد نجوم المكاتب من مسألة الناس؛ لترك النبي ﵇ زجرها عن مسألة عائشة ﵂؛ إذ كانت تستعينها في أداء نجمها، وهذا يرد قول من كره كتابة المكاتب الذي يسأل الناس وقال: يطعمني أوساخ الناس. العاشر: فيه دليل على أن المكاتب عبد ما بقي عليه شيء من كتابته. الحادي عشر: فيه دليل على أن عقد الكتابة من غير أداء لا يوجب شيئًا من العتق؛ خلافًا لمن جعله غريمًا من الغرماء؛ لأن النبي ﵇ قد أجاز بيع بريرة، ولو كان فيها شيء من العتق ما أجاز بيع ذلك، وفي السنة المجتمع عليها: أن لا يباع الحُرّ. قال أبو عمر في حديث بريرة: روي عن عمر وابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة وأم سلمة: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم واحد" وهو قول سعيد بن المسيب والقاسم وابن يسار والزهري وقتادة وعطاء، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري وابن شبرمة وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري.

стр. 5921

الثاني عشر: فيه دليل على جواز بيع المكاتب إذا رضي بالبيع ولم يكن عاجزًا عن أداء نجم قد دخل عليه؛ خلافًا لمن يقول أن بيع المكاتب غير جائز إلا بالعجز. قلت: مذهب الفقهاء في ذلك واختلافهم: ما ذكره أبو عمر في "التمهيد" فقال: قال مالك: لا يجوز بيع المكاتب إلا أن يعجز عن الأداء، فإن لم يعجز عن الأداء فليس له ولا لسيده بيعه. وقال ابن شهاب وأبو الزناد وربيعة: لا يجوز بيعه إلا برضاه، فإن رضي بالبيع فهو عجز منه. وقال إبراهيم النخعي وعطاء والليث وأحمد وأبو ثور: يجوز بيع المكاتب على أن يمضي في كتابته؛ فإن أدَّى عتق وكان ولاؤه للذي ابتاعه، وإن عجز فهو عبد له. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز بيع المكاتب ما دام مكاتبًا حتى يعجز، ولا يجوز بيع كتابته بحال. وهو قول الشافعي بمصر، وكان بالعراق يقول: يجوز بيعه، وأما بيع كتابته فغير جائز بحال. الثالث عشر: فيه دليل على أن بيع الأمة ذات الزوج ليس بطلاق لها؛ لأن العلماء قد اجتمعوا -ولم تختلف في ذلك الآثار أيضًا-: أن بريرة كانت حين اشترتها عائشة ﵂ ذات زوج، وإنما اختلفوا في زوجها هل كان حرًّا أو عبدًا. وقد أجمع علماء المسلمين على أن الأمة إذا أعتقت زوجها عبد أنها تُخَيَّر، واختلفوا إذا كان زوجها حرًّا هل تُخَيّر أم لا؟ وقد مضى الكلام فيه في كتاب النكاح. الرابع عشر: فيه أن النبي ﵇ أجاز بيع بريرة على ذلك الشرط الفاسد وهو اشتراط موالي بريرة لأنفسهم الولاء دون عائشة وهي مُعْتِقَة، وقد احتجت به إحدى الفرقتين من أهل المقالة الثانية؛ كما ذكرناه، وسيجيء الجواب عن ذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 5922

الخامس عشر: فيه حجة واضحة أن الولاء لمن أعتق، سواء كان ذكرًا أو أنثى، أو واحداً أو جمعًا؛ لأن قوله ﵇: "فإن الولاء لمن أعتق" عام؛ لأن "مَنْ" تصلح لما ذكرنا؛ لأن النساء ليس لهم من الولاء إلا من أعتقن أو أعتقه من أعتقن. وقال أبو عمر (١): أما قوله ﵇: "الولاء لمن أعتق" فإنه يدخل فيه كل مالك نافذ أمره مستقر ملكه من الرجال والنساء البالغين؛ إلا أن نساء ليس لهم من الولاء إلا ما أعتقن أو ولاء معتق من أعتقن؛ لأن الولاء للعصبات، وليس لذوي الفروض مدخل في ميراث الولاء إلا أن يكونوا عصبةً، وليس للنساء عَصَبة. روى ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، أنه أخبره، عن سالم: "أن ابن عمر ﵄ كان يونس موالي عمر دون بنات عمر". وروي عن زيد بن ثابت ﵁ بمعناه، وعليه جماعة أهل العلم، ولا يستحق الولاء من العصبات إلا الأقرب فالأقرب، ولا يدخل بعيد على قريب [وإن قربت قرابتهم] (٢) فأقرب العصبات: الأبناء، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأب؛ لأنه ألصق الناس به بعد ولده وولد ولده، ثم الإخوة لأنهم بنو الأب، ثم بنوا الإخوة وإن سفلوا، ثم الجد أبو الأب، ثم العم لابن الجد، ثم بنو العم، فعلى هذا التنزيل ميراث الولاء. ذكر إسماعيل بن إسحاق، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا هشام، قال: ثنا المغيرة، عن إبراهيم، أن عليًّا وابن مسعود وزيد ﵃ كانوا يقولون: "الولاء للكبر". قال أبو عمر: [على] (٣) قول علي وعبد الله وزيد: جمهور الفقهاء، وكثر أهل العلم كلهم يقولون: الولاء لا يحرزه في الميراث إلا أقرب الناس إلى المعتق يوم يموت الموروث المعتق، وأنه ينتقل أبدًا كهذه الحال.

стр. 5923

قال إسماعيل: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن قتادة: "أن شريحًا قال في رجل ترك جدة وابنة ومولى، قال: للجد السدس من الولاء، وما بقي فللابن". قال قتادة: وقال زيد: "الولاء كله للابن". قال أبو عمر: وعليه الناس اليوم. السادس عشر: احتج بقوله: "الولاء لمن أعتق" من لا يجيز العتق عن غيره بغير أمره. وتحقيق الكلام ها هنا ما قاله أبو عمر في "التمهيد": أجمع المسلمون على أن المسلم إذا أعتق عبده المسلم عن نفسه فإن الولاء له، هذا ما لا خلاف فيه. واختلفوا فيمن أعتق عن غيره رقبة بغير إذن المعتق عنه ودون أمره. وكذلك اختلفوا في النصراني يعتق عبده المسلم قبل أن يباع عليه، وفي ولاء المعتق سائبة، وفي ولاء الذي يُسْلم على يد رجل. فقالوا في ذلك كله أقاويل شتى. فأما عتق الرجل عن غيره: فإن مالكًا وأصحابه إلا أشهبًا قالوا: الولاء للمعتق عنه وسواء أمر بذلك أو لم يأمره إذا كان مسلمًا، فإن كان نصرانيًّا فالولاء لجماعة المسلمين. وكذلك قال الليث بن سعد في ذلك كله. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: من أعتق عن غيره فالولاء للمعتق عنه كقول مالك. وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: إن قال: أعتق عبدك عني. على مال ذكره، فالولاء للمعتق عنه؛ لأنه بيع صحيح. وإذا قال: أعتق عبدك عني بغير مال، فأعتقه فالولاء للمعتق؛ لأن الآمر لم يملك منه شيئًا وهي هبة باطلة؛ لأنها لا يصح فيها القبض. وقال الشافعي: إذا أعتقت عبدك عن رجل حي أو ميت بغير إكراه فولاؤه لك، وإن أعتقته عنه بأمره بعوض أو غير عوض فولاؤه له دونك، ويجزئه بمال أو بغير مال، وسواء قبله المعتق عنه بعد ذلك أو لم يقبله.

стр. 5924

قال الشافعي: ولا يكون ولاء لغير معتق أبدًا، وكذلك قال أحمد وداود. وقال الأوزاعي فيمن أعتق عن غيره: الولاء للمعتق. وأما النصراني يعتق عبده المسلم قبل أن يباع عليه؛ فإن مالكًا قال: ليس له من ولائه شيء، وولاؤه لجماعة المسلمين، ولا يرجع إليه الولاء أبدًا وإن أسلم، ولا إلى ورثته وإن كانوا مسلمين. وقال الشافعي والعراقيون وأصحابهم: ولاؤه له، واحتجوا بعموم قوله ﵇: "الولاء لمن أعتق" لم يخص مسلمًا من كافر ولو لم يكن له عليه ملك ما بيع عليه، ودفع ثمنه إليه. قال أبو عمر ﵀: أما المسلم إذا أعتق عبده النصراني فلا خلاف بين العلماء أن له ولاءه، وأنه يرثه إن أسلم إذا لم يكن له وارث من نسبه يحجبه، فإن مات العبد وهو نصراني فلا خلاف علمته أيضًا بين الفقهاء أن ماله يوضع في بيت مال المسلمين ويجري مجرى الفيء؛ إلا ما ذكره أشهب عن المخزومي، فإنه قال عنه: إن ميراثه لأهل دينه. وأما الحربي يعتق مملوكه ثم يخرجان مسلمين: فإن أبا حنيفة وأصحابه قالوا: للعبد أن يوالي من شاء، ولا يكون ولاؤه للمعتق، فكذلك عندهم كل كافر أعتق كافرًا، وقال الشافعي: له ولاؤه ويرثه إذا أسلم، واستحسنه أبو يوسف، وهو قياس قول مالك في الذمي يعتق الذمي ثم يسلمان. وأما المعتق سائبة: فإن ابن وهب روى عن مالك قال: لا يعتق أحد سائبة. قال أبو عمر: كل من أعتق سائبة نفذ عتقه وكان ولاؤه لجماعة المسلمين، هكذا روى ابن القاسم وابن عبد الحكم وأشهب وغيرهم عن مالك، وهو المشهور من مذهبه. وقال أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما: من أعتق سائبة فولاؤه له، وهو يرثه دون الناس، وهو قول الشعبي وعطاء والحسن وابن سيرين وضمرة بن حبيب وراشد بن سعد، وبه يقول محمد بن عبد الله بن عبد الحكم.

стр. 5925

وحجتهم في ذلك: قوله ﵇: "الولاء لمن أعتق" فانتفى بذلك أن يكون الولاء لغير معتق. وأما الذي يسلم على يدي رجل أو يواليه: فإن مالكًا وأصحابه وعبد الله بن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحابه قالوا: لا ميراث للذي أسلم على يديه ولا ولاء له بحال، وميراث ذلك إن لم يدع وارثًا لجماعة المسلمين، وهو قول أحمد وداود، وحجتهم: قوله ﵇: "الولاء لمن أعتق". وقال الليث بن سعد وربيعة: من أسلم على يدي رجل فولاؤه وميراثه للذي أسلم على يديه، قال الليث: إذا لم يدع وارثًا غيره. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه؛ إذا والاه وعاقده ثم مات ولا وارث له غيره فميراثه له، والله أعلم. ص: فكان من الحجة عليهم: أن هذه الآثار هكذا رويت: "أنها أرادت أن تشتريها فتعتقها فأبى أهلها إلا أن يكون ولاءها لهم"، وقد رواها آخرون على خلاف ذلك. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني رجال من أهل العلم، منهم: يونس بن يزيد والليث، عن ابن شهاب، حدثهم عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: "جاءت بريرة إليَّ فقالت: يا عائشة إني قد كاتبت أهلي على تسع أواقٍ، في كل عام أوقية، فأعينيني، ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعًا ويكون ولاؤك لي فعلت. فذهبت إلى أهلها فعرضت ذلك عليهم فأبوا وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل ويكون ولاؤك لنا، فذكرت ذلك لرسول الله ﵇ فقال: لا يمنعك منها ذلك، ابتاعي وأعتقي؛ فإنما الولاء لمن أعتق، وقام رسول الله ﷺ في الناس، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فما بال ناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، فإنما الولاء لمن أعتق".

стр. 5926

قال أبو جعفر ﵀: ففي هذا الحديث غير ما في الأحاديث الأُوَل؛ وذلك أن في الأحاديث الأُوَل: أن أهل بريرة أرادوا أن يبيعوها، على أن تعتقها عائشة ويكون ولاؤها لهم، فقال النبي ﵇: "لا يمنعك ذلك، اشتريها فأعتقيها؛ فإنما الولاء لمن أعتق". فكان في هذا الحديث إباحة البيع أن يعتق المشتري، وعلى أن يكون ولاء المُعْتق للبائع، فإذا وقع ذلك ثبت البيع بطل الشرط، وكان الولاء للمعتق. وفي حديث عروة عن عائشة ﵂ قالت لها: "إن أحب أهلك أن أعطيهم ذلك -تريد الكتابة- صبة واحدة فعلت ويكون ولاؤك لي، فلما عرضت عليهم بريرة ذلك، قالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، فقال رسول الله ﵇ لعائشة: لا يمنعك ذلك منها، فأعتقيها؛ فإن الولاء لمن أعتق". فكان الذي في هذا الحديث فيما كان من أهل بريرة من اشتراط الولاء ليس في بيع، ولكن في أداء عائشة إليهم الكتابة عن بريرة، وهم تولوا عقد تلك الكتابية، ولم يكن تقدَّم ذلك الأداء من عائشة ملك، فذكرت ذلك عائشة للنبي ﵇، فقال: لا يمنعك ذلك منها، أي لا ترجعي لهذا المعنى عما كنت نويت في عتاقها من الثواب؛ اشتريها فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق، فكان ذكر الشراء ها هنا ابتداء من النبي ﵇ ليس مما كان قبل ذلك بين عائشة وبين أهل بريرة في شيء. ثم قام النبي ﵇ فخطب فقال: "ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط" إنكارًا منه على عائشة في طلبها ولاء من تولى غيرها كتابته بحق ملكه عليه، ثم نبهها وعلمها بقوله: "فإنما الولاء لمن أعتق" أي أن المكاتب إذا أعتق بالكتابة فمكاتبه هو الذي أعتقه، فولاؤه له. فهذا حديث فيه ضد ما في غيره من الأحاديث الأول، وليس فيه دليل على اشتراط الولاء في البيع كيف حكمه، هل يجب به فساد البيع أم لا؟

стр. 5927

ش: هذه إشارة إلى الجواب عما احتج به إحدى الفرقتين من أهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه -من جواز البيع وفساد الشرط- بحديث عائشة في قصة بريرة؛ نصرة للفرقة الأخرى من أهل المقالة الثانية الذين ذهبوا إلى فساد البيع والشرط جميعًا. وملخص هذا: أن الاحتجاج بالأحاديث المذكورة على جواز البيع وفساد الشرط غير تام؛ لأن عروة بن الزبير روى عن عائشة في هذا الباب ما يضاد تلك الأحاديث، بيانه: أن تلك الأحاديث يفهم منها إباحة البيع على أن يعتق المشتري، وأن يكون الولاء للبائع، فإذا وجد ذلك ثبت البيع وبطل الشرط ويكون الولاء للمعتق؛ لقوله ﵇: "الولاء لمن أعتق". حديث عروة يفهم منه: أن اشتراط الولاء للبائع لم يكن في البيع وإنما كان في أداء عائشة الكتابة عن بريرة إلى أهلها، والحال أنهم هم الذين قد تولوا عقد تلك الكتابة، ولم يكن لعائشة ملك متقدم على الأداء، فذكرت عائشة ذلك للنبي ﵇، فقال لها ﵇: لا يمنعك منها ذلك أداء، وأنك لا ترجعي لأجل ما قالوا عما نويت من الثواب في عتاقها، اشتريها فأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق، فكان ذكر الشراء ها هنا ابتداء من النبي ﵇ ولم يكن ذلك فيما قيل بين عائشة وبين أهل بريرة، ثم إنه ﵇ خطب فقال في خطبته مما قال إنكارًا منه على عائشة في كونها قد طلبت ولاء من تولى غيرها كتابته بحق تملكه عليه، ثم علمها بأن الولاء لا يكون إلا للمعتق؛ لقوله: "فإنما الولاء لمن أعتق" أراد أن المكاتب إذا أعتق بالكتابة فالذي كاتبه هو الذي أعتقه فيكون ولاؤه له، فهذا المعنى كله ضد ما في تلك الأحاديث، وليس فيه دليل على اشتراط الولاء في البيع كيف حكمه هل يجب به فساد البيع أم لا؟ ثم رجال حديث عروة المذكور كلهم من رجال الصحيح وقد ذكروا غير مرة. وأخرجه النسائي (١): أنا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، أخبرني رجال من أهل العلم منهم: يونس والليث ... إلى آخره نحوه.

стр. 5928

فهذا النسائي والطحاوي اشتركا في إخراج هذا الحديث عن يونس ابن عبد الأعلى المصري، وقد روى عن يونس مسلم أيضًا على ما ذكرناه غير مرة. قوله: "على تسع أواقٍ" جمع أوقية، وهي أربعون درهما، وقد مرَّ الكلام فيه مستوفى. وفيه دليل على أن التبايع كان بين الناس في ذلك الزمان بالأواق وبالنواة وبالنش، وهي أوزان معروفة. قوله: "إن شاءت أن تحتسب عليك" معناه: تفعل ذلك احتسابا لله وطلبًا للأجر لا طلبًا للولاء. قوله: "ابتاعي" أي اشتري؛ وسيجيء الكلام فيه عن قريب. قوله: "أما بعد" كلمة قالها داود ﵇، قال الله : ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (١) قيل: فصل الخطاب هو: أما بعد، وقيل: البينات ومعرفة الشهود ومعرفة القضاء. قوله: "فما بال ناس" أي شأنهم. قوله: "كل شرط ليس في كتاب الله" أي ليس في حكم الله وقضائه في كتابه أو سنة رسوله ﵇. قال أبو عمر: لا يُعلم نصٌّ في كتاب الله ولا في دلالة منه أن الولاء للمعتق، وذلك في سنة رسول الله ﵇ المأثورة بنقل أهل العدالة من جهة الخبر الخالص، ولما أمر الله تعالى باتباع رسوله؛ جاز أن يقال لكل حكم حكم رسول الله ﵇: حكم الله وقضاؤه. وقال أيضًا: وفيه دليل على أن الشروط وإن كثرت حتى تبلغ مائة شرط أو أكثر جائز اشتراطها إذا كانت لا يردها كتاب ولا سنة.

стр. 5929

وقال عياض: فقوله ﵇: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" فيجب أن يعلم أن الشروط المقارنة للبيع لا تخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون من مقتضى العقد كالتسليم وجواز التصرف في المبيع، وهذا لا خلاف في جواز اشتراطه؛ لأنه يقضى به وإن لم يشترط. والثاني: أن لا تكون من مقتضاه ولكنها من مصلحته كالحميل والزهي واشتراط الخيار، فهذا أيضًا يجوز اشتراطه؛ لأنه من مصلحته؛ فأشبه ما كان من مقتضاه، ولكنه إنما يقضى به مع الاشتراط، وإن لم يشترط فلا يقضي به، وهذا يفارق القسم الأول. والثالث: أن تكون خارجة عن ذلك مما لا يجوز اشتراطه في العقود، بل يمنع من مقتضى العقد أو يوقع فيه غررًا أو غير ذلك من الوجوه الممنوعة، فهذا موضع اضطراب العلماء، ومسائل المذهب مضطربة فيه، ولكن المشهور فيه على الجملة في القول المطلق: أن البيع والشرط جميعًا يُنْقَضان ويبطلان؛ لقوله ﵇: "من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد". قوله: "قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق" قال الداودي: وشرط الله ها هنا أُرَاهُ -والله وأعلم- قوله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ (٢)، وقال في موضع آخر هو قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ...﴾ (٤) الآية. قال القاضي: وعندي أن الأظهر هو ما أعلم به ﵇ من قوله: "إنما الولاء لمن أعتق"، و"مولى القوم منهم"، و"الولاء لحمة كالنسب".

стр. 5930

قال: وقوله في بعض الروايات: "كتاب الله أحق" يحتمل أن يريد حكمه، ويحتمل أن يريد القرآن، ويرجع إلى ما تقدم من قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ (١) أو الآيتين الآخرين. وفيه جواز السجع غير المتكلف، وإنما نهى النبي ﵇ عن سجع الكهان وما أشبهه مما فيه تكلف، وإقسام على مطوي الغيب. ص: فإن قال قائل: فإن هشام بن عروة قد رواه عن أبيه فزاد فيه شيئًا. قلنا له: صدقت. حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني، ثنا الشافعي، عن مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: "جاءتني بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواقٍ في كل عام أوقية؛ فأعينيني، فقالت لها عائشة: إن أحبَّ أهلك أن أعدها لهم عددتها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم ذلك، فأبوا عليها، فجاءت من عند أهلها ورسول الله ﵇ جالس فقالت: إني عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع بذلك رسول الله ﷺ فسألها، فأخبرته عائشة فقال: خذيها واشترطي؛ فإنما الولاء لمن أعتق. ففعلت عائشة ﵂، فقام رسول الله ﵇ في الناس ... " فذكر مثل ما في حديث الزهري. حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك ... فذكر بإسناده مثله. ففي هذا الحديث مثل ما في حديث الزهري: أن الذي كان فيه الاشتراط من أهل بريرة أن يكون الولاء لهم وإباء عائشة إلا أن يكون الولاء لها هو أداء عائشة عن بريرة الكتابة، فقد اتفق الزهري وهشام على هذا الحديث، وخالفا في ذلك أصحاب الأحاديث الأُوَل، وزاد هشام على الزهري قول رسول الله ﷺ : "خذيها واشترطي؛ فإنما الولاء لمن أعتق".

стр. 5931

هكذا في حديث هشام، وموضع هذا الكلام في حديث الزهري: "ابتاعي وأعتقي؛ فإنما الولاء لمن أعتق". ففي هذا اختلف هشام والزهري، فإن كان الذي يعتبر في هذا هو الضبط والحفظ فيؤخذ بما روى أهله ويترك ما روى الآخرون، فإن ما روى الزهري أولى؛ لأنه أضبط وأتقن وأحفظ من هشام. وإن كان الذي يعتبر في ذلك هو التأويل، فإن قوله: "خذيها" قد يجوز أن يكون معناه: وابتاعيها، كما يقول الرجل لصاحبه: بكم أخذت هذا العبد؟ يريد: بكم ابتعت هذا العبد؟ وكما يقول الرجل للرجل: خذ هذا العبد بألف درهم، يريد بذلك: البيع، ثم قال رسول الله ﵇: "واشترطي" فلم يبين رسول الله ﵇ ما يشترط، فقد يجوز أن يكون أراد: واشترطي ما يشترط في البياعات الصحاح. فليس في حديث هشام هذا -لما كشف معناه- خلاف لشيء عما في حديث الزهري، ولا بيان فيهما كيف حكم البيع إذا وقع فيه مثل هذا الشرط، هل يكون فاسدًا أو يكون جائزًا؟ ش: حاصل هذا السؤال أن يقال: كيف تقول: وليس في حديث عروة المذكور ما يدل على اشتراط الولاء في البيع كيف حكمه: هل يجب به فساد البيع أم لا؟ وقد روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، نحو حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة، وزاد فيه شيئًا وهو قوله: "خذيها واشترطي" على ما يجيء بيانه الآن؟ فإنه يدل على أن البيع صحيح بهذا الشرط مع بطلان الشرط. وتقرير الجواب أن يقال: إن حديث الزهري وحديث هشام متفقان على أن الذي كان فيه الاشتراط من أهل بريرة أن يكون الولاء لهم، وأن عائشة أَبَتْ إلا أن يكون الولاء لها، فقد اتفق الزهري وهشام على هذا، ولكنهما خالفا في ذلك سائر رواة الحديث التي مضت في الفصل الأول، وزاد هشام على الزهري قوله ﵇: "خذيها"، وفي حديث الزهري عوض هذه اللفظة: "ابتاعيها".

стр. 5932

فقد اختلف الزهري وهشام في هذا الموضع، فإن كان الاعتبار في مثل هذا القول مَنْ هو أحفظ وأضبط؛ فيكون ما رواه الزهري أولى؛ لأنه أحفظ وأضبط وأتقن من هشام. وإن كان الاعتبار فيه للتأويل؛ فإن قول هشام: "خذيها" قد يجوز أن يكون معناه: ابتاعيها كلفظ الزهري؛ فإن مثل هذا كثير كما ذكره في المتن. ثم قوله ﵇: "واشترطي" ليس فيه بيان ما يشترط، فقد يجوز أن يكون أراد: واشترطي ما يشترط في البيوع الصحيحة، فإذا كان الأمر كذلك لا يكون في حديث هشام ما يخالف ما في حديث الزهري، ولا في حديثهما بيان كيف حكم المبيع إذا وقع فيه مثل هذا الشرط هل يكون فاسدًا أو جائزًا؟ فإذا كان كذلك لا يتم به الاستدلال على أن البيع صحيح والشرط باطل. وقال الطحاوي في "مشكل الآثار" ما ملخصه: أنه لم يوجد اشتراط الولاء في حديث عائشة إلا من رواية مالك عن هشام، فأما من سواه -وهو الليث بن سعد وعمرو بن الحارث- فقد رويا عن هشام من السؤال لولاء بريرة إنما كان من عائشة لأهلها بأداء مكاتبتها إليهم، فقال ﵇: "لا يمنعك ذلك منها، ابتاعي وأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق" وهذا خلاف ما رواه مالك عن هشام: "خذيها واشترطي؛ فإنما الولاء لمن أعتق" مع أنه يحتمل أن يكون معنى "اشترطي": أظهري؛ لأن الاشتراط في كلام العرب هو الإظهار، ومنه قول أوس بن حجر: فَأَشْرَطَ فيها نَفْسَهُ وهو مُعْصِمٌ ... فَأَلْقَى بأسبابٍ لَهُ وَتَوكَّلا أي أظهر نفسه. أي أظهري الولاء الذي يوجبه عتاقك أنه لمن يكون ذلك العتاق منه دون من سواه. وقال بعضهم: إن معنى "اشترطي لهم" أي عليهم كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (١).

стр. 5933

وقال محمد بن شجاع: هو على الوعيد الذي ظاهره الأمر وباطنه النهي كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (١)، وكقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ (٢)، ألا ترى أنه ﵇ صعد المنبر وقال: "ما بال رجال ... " إلى آخره. وقال القاضي: المشكل في هذا الحديث ما وقع من طريق هشام ها هنا، وهو قوله ﵇: "اشتريها وأعتقيها واشترطي لهم الولاء" كيف أمرها رسول ﷺ بهذا وفيه عقد بيع على شرط لا يجوز؟ وتغرير بالبائعين إذ اشترطت لهم ما لا يصح وخدعتهم فيه، ولما صعب الانفصال عن هذا على بعض الناس أنكر هذا الحديث أصلاً. فحكي ذلك عن يحيى بن أكثم، وقد وقع في كثير من الروايات سقوط هذه اللفظة، وهذا ما يشجع يحيى على إنكارها، وأما المحصلون من أهل العلم فطلبوا لذلك تأويلًا واختلفوا فيه، فقال بعضهم: "لهم" ها هنا بمعنى "عليهم"، فيكون معناه: اشترطي عليهم الولاء، وعبَّر عن "عليهم" بلفظ "لهم" كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ (٣) بمعنى: عليهم. وقال آخرون: معنى "اشترطي" ها هنا: أظهري حكم الولاء. وقال أوس بن حجر: يذكر رجلاً تدلى من رأس جبل إلى نبقةٍ ليقطفها فيتخذ منها قوسًا: فَأَشْرِط مِنْها نفسه ... إلى آخره على ما مرَّ الآن، ومعناه: جعل نفسه علمًا لذلك الأمر، ومنه قيل: أشراط الساعة: أي علاماتها، ومنه سُمُّوا أصحاب الشرط؛ لأنه كان لهم في القديم علامات يعرفون بها، ومنه: الشرط في كذا بمعنى أنه علم عليه.

стр. 5934

ثم إنه أخرج حديث هشام بن عروة من طريقين صحيحين: الأول: عن المزني، عن الشافعي، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. والثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك ... إلى آخره. وأخرجه البخاري (١): عن إسماعيل، عن مالك ... إلى آخره نحوه. ومسلم (٢): عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. قوله: "أن أعدها لهم عددتها لهم" فيه دليل على أن العد في الدراهم الصحاح يقوم مقام الوزن، وأن الشراء بها جائز من غير ذكر الوزن. قوله: "خذيها وأشرطي"، قال القاضي: قال الطحاوي: رواية الشافعي عن مالك في هذا الحديث: "أشرطي" بغير تاء؛ أي أظهري لهم حكمه وعلميهم سنته، وليس من الاشتراط، والله أعلم. ص: وأما ما احتج به الذين فسدوا البيع بذلك الشرط: فما حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخَصِيب بن ناصح، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﵇ نهى عن بيع وسلف، وعن شرطين في بيعة". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد ... فذكر بإسناده مثله.

стр. 5935

حدثنا أبو أمية، قال: ثنا محمد بن الفضل، قال: ثنا حماد بن زيد ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور، قال: ثنا الهيثم بن جميل، قال: ثنا هشيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "نهى رسول الله ﵇ عن شرطين في بيع، وعن سلف وبيع". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء الغداني، قال: أنا همام، عن عامر الأحول، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا يونس، قال: أخبرني عبد الله بن نافع، عن داود بن قيس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن النبي ﵇ نهى عن بيع وسلف". قالوا: فالبيع في نفسه شرط، فإذا شُرِطَ فيه شَرْطٌ آخر فقد صار شرطين في بيع؛ فهذا هو الشرطان المنهي عنهما عندهم، المذكورين في هذا الحديث. ش: هذا بيان استدلال الفرقة الثانية من أهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه من فسافى البيع وفساد الشرط، وقد استدلوا على ذلك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، فإنه يدل على أن البيع بالشرط غير جائز، وفسروا قوله ﵇: "وعن شرطين في بيع"، وقوله: "ولا شرطان في بيع" بأن البيع في نفسه شرطًا، فإذا شُرِطَ فيه شرط آخر فقد صار شرطين في بيع. ويفهم من هذا أن كل بيع يشرط فيه شرط واحد يطلق عليه أنه بيع فيه شرطان، وبهذا نرد على قول بعض الحنابلة في نهيه ﵇ عن شرطين في بيع: أن هذا يدل بمفهومه على جواز الشرط الواحد؛ وذلك لأن الشرط الواحد حيث ما يكون في البيوع يطلق عليه أن فيه شرطين، ولا يتصور حينئذٍ إطلاق شرط واحد فقط فضلاً عن أن يحكم بجوازه، فافهم؛ فإنه موضع دقيق.

стр. 5936

ثم إنه أخرج الحديث المذكور من سبعة طرق: الأول: عن نصر بن مرزوق، عن الخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة- بن ناصح الحارثي، عن حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند دينار البصري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﵇. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": ثنا عبد الأعلى، ثنا حماد النرسي، ثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن النبي ﵇ نهى عن سلف وبيع، وعن شرطين في بيع، وبيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم تضمن". فإن قيل: ما حالة هذا الإسناد؟ قلت: جيد حسن، بل صحيح؛ لأن الترمذي لما أخرجه قال: هذا حديث حسن صحيح. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇. وأخرجه أبو داود (١): ثنا زهير بن حرب، قال: ثنا إسماعيل، عن أيوب، قال: حدثني عمرو بن شعيب، قال: حدثني أبي، عن أبيه، حتى ذكر عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﵇: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك". الثالث: عن إبراهيم أيضًا، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب ... إلي آخره.

стр. 5937

وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": ثنا كامل بن طلحة، ثنا حماد بن زيد وحماد بن سلمة، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﵇ نهى عن سلف وبيع، وشرطين في بيع، وربح ما لم تضمن، وبيع ما ليس عندك". الرابع: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، عن محمد بن الفضل عارم شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن شعيب. وأخرجه النسائي (١): ثنا زياد بن أيوب، نا ابن علية، نا أيوب، نا عمرو بن شعيب، حدثني أبي، عن أبيه، حتى ذكر عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﵇: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن". الخامس: عن الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي، عن الهيثم بن جميل الحافظ نزيل أنطاكية، عن هشيم بن بشير، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي الكوفي، عن عمرو بن شعيب ... إلى آخره. السادس: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء الغداني عن همام بن يحيى، عن عامر بن عبد الواحد الأحول البصري، عن عمرو بن شعيب ... إلى آخره. السابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن نافع الصائغ شيخ الشافعي، عن داود بن قيس الفراء الدباغ، عن عمرو بن شعيب ... إلى آخره. وأخرجه الترمذي (٢)، وابن ماجه (٣) أيضًا. وهذه الطرق كلها صحاح، ورجالها ثقات قد تكرر ذكرهم. قوله: "لا يحل سلف وبيع" مثاله أن تقول: أبيعك هذه السلعة بكذا على أن تسلفني في متاع أبيعه منك إلى أجل، أو تقول: أبيعك بكذا على أن

стр. 5938

تقرضني كذا، ويكون معنى السلف: القرض، وذلك فاسد؛ لأنه إنما يقرضه على أن يحاسبه في الثمن، فقد حلّ الثمن في حد الجهالة، ولأن "كل قرض جر نفعًا فهو ربا". قوله: "ولا شرطان في بيع" أي: ولا يحل شرطان في بيع، وقد مرَّ الكلام فيه عن قريب. قوله: "وبيع ما ليس عندك" يريد العين لا تبع للصفة؛ لأن المسلم فيه بيع ما ليس عند البائع في الحال وهو جائز بالصفة، وإنما نهى عن بيع ما ليس عند البائع من قبل الغرر، وذلك مثل أن يبيعه عبده الآبق أو جمله الشارد. قوله: "وعن ربح ما لم تضمن" وهو أن يبيعه سلعة عند اشترائها ولم يكن قبضها، فهو على ضمان البائع الأول ليس من ضمانه، فهذا لا يجوز بيعها حتى يقبضها فتكون من ضمانه. ص: وقد خولفوا في ذلك، فقيل: الشرطان في البيع هو أن يقع البيع على ألف درهم حالّ أو مائة دينار إلى سنة، فيقع البيع على أن يعطيه المشتري أيهما شاء، فالبيع فاسد؛ لأنه وقع بثمن مجهول، وكان من الحجة لهم في ذلك ما قد روي عن أصحاب رسول الله ﵇: أن مبشر بن الحسن حدثنا، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا شعبة، عن خالد بن سلمة، قال: سمعت محمد بن عمرو بن الحارث يحدث، عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود ﵄: "أنها باعت عبد الله جاريةً واشترطت خدمتها، فذكرت ذلك لعمر ﵁ فقال: لا يقربها ولأحدٍ فيها مشوبة". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير، عن عبيد الله بن عمر، قال: حدثني نافع، عن ابن عمر، قال: "لا يحل فرج إلا فرج إن شاء صاحبه باعه وإن شاء وهبه وإن شاء أمسكه؛ لا شرط فيه". حدثنا محمد بن النعمان، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا يونس بن عبيد، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يكره أن يشتري الرجل الأمة على أن لا يبيع ولا يهب".

стр. 5939

فقد أبطل عمر ﵁ بيع عبد الله، وتابعه عبد الله على ذلك، ولم يخالفه فيه، وقد كان له خلافه أن لو كان يرى خلاف ذلك؛ لأن ما كان من عمر ﵁ لم يكن على جهة الحكم، وإنما كان على جهة الفتيا، وتابعتهما زينب امرأة عبد الله على ذلك، ولها من رسول الله ﵇ صحبة، وتابعهم على ذلك عبد الله بن عمر وقد علم من رسول الله ﵇ ما كان من قوله لعائشة ﵂ في أمر بريرة، على ما قد رويناه عنه في هذا الباب. فدل ذلك أن معناه كان عنده على خلاف ما حمله عليه الذين احتجوا بحديثه، ولم نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﵇ غير من ذكرنا ذهب إلى غير ما ذهب إليه عمر ومن تابعه على ذلك ممن ذكر في هذه الآثار؛ فكان ينبغي أن يجعل هذا أصلاً وإجماعًا من أصحاب النبي ﵇ ولا يخالف ذلك. فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. ش: أي: وقد خولف القوم الذين أفسدوا البيع بذلك على الشرط، والمخالفون هم بعض الحنابلة، فإنهم قالوا: المراد من الشرطين من نهيه ﵇ عن شرطين في بيعة: هو أن يقع البيع على ألف درهم حالّ أو مائة دينار ... إلى آخره، فهذه الصورة عند هؤلاء يكون فيها ثلاث شروط؛ لأن البيع نفسه شرط، وشرطان آخران: أحدهما: قوله: على ألف درهم حالَّة، والآخر: قوله: أو مائة دينار إلى سنة. وقال الخطابي: معنى قوله: "ولا شرطان في بيع" هو أن يقول: بعت هذا الثوب نقدًا بدينار، ونسيئة بدينارين، فهذا بيع واحد يضمن شرطين يختلف المقصود منه بأختلافهما وهو الثمن، ويدخله الغرر والجهالة، ولا فرق في مثل هذا بين شرط واحد وبين شرطين اثنين. قوله: "وكان من الحجة لهم في ذلك ... " إلى آخره، جواب عما قاله هؤلاء المخالفون، بيانه: أن عمر ﵁ أبطل بيع عبد الله بن مسعود، وعبد الله تابع عمر على ذلك ولم يخالفه فيه، ولو كان عنده خلافه لخالفه في ذلك، ولكن كان عنده مثل

стр. 5940

ما أفتي به عمر ﵁ ولا سيما تابعته أيضًا على ذلك زينب امرأة عبد الله وهي أيضًا صحابية، وتابعهم على ذلك أيضًا عبد الله بن عمر فيما روى نافع عنه، والحال أنه قد علم من رسول الله ﵇ ما كان من قوله لعائشة في أمر بريرة على ما مرت روايته فيما مضى، فدلَّ ذلك على شيئين: الأول: أن معنى حديث بريرة كان عند عبد الله بن عمر على خلاف ما حمله عليه أهل المقالة الأولى. والثاني: أن هذا الحكم، أعني فساد البيع بفساد الشرط صار كالمجمع عليه؛ لأنا لا نعلم أحدًا من الصحابة ﵃ ذهب في ذلك إلى خلاف ما ذهب إليه عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعبد الله بن مسعود وامرأته زينب ﵃. فإن قيل: الأظهر من أمر عمر ﵁: "لا يقربها" أنه أمضى شراءه لها ونهاه عن وطئها، فلا يدلُّ ذلك على فساد البيع بالشرط. قلت: لا نسلم ذلك، ولكن معنى كلامه: تنح عنها وافسخ البيع فهو فاسد، وهكذا فُسِّر كلامه في بعض شروح "الموطأ"، ثم قال: وروي عنه نحو هذا الخبر، وأن عمر ﵁ قال له: "ليس من مالك ما فيه مشوبة لغيرك". وقال أبو مصعب: قال مالك: قول عمر ﵁: "لا تقربها وفيها شرط لأحد" يريد: لا تشترها، ليس: لا تطأها. وقال محمد بن معاوية الحضرمي: سمعت مالكًا يقول في قول عمر ﵁: "لا تقربها وفيها شرط لأحد" يقول: لا تطأها، وهذا خلاف مذهب مالك عند أصحابه، والصحيح عندهم ما ذكره أبو مصعب عنه. قاله ابن زرقون في "شرح الموطأ". وقال أبو عمر: ظاهر قوله: "اشترطت خدمتها" أن ذلك كان في نفس العقد لا تطوعًا بعد كماله، وهذا يسمى بيع الثُنْيا، وهو بيع فاسد مع النقد، وإذا كانت الثنيا غير مؤقتة مثل أن يقول: متى جئت بالثمن رددت عليك المبيع، أو: متى أردت بيعه رددته عليك بالثمن الذي أعطى بها أو بالثمن الذي اشتريتها به، فهذا كله غير جائز؛ لنهي رسول الله ﵇ عن الثُنْيَا.

стр. 5941

ثم إسناد أثر زينب امرأة عبد الله صحيح، ورجاله ثقات. فأبو عامر العقدي اسمه عبد الملك بن عمرو، روى له الجماعة. وأخرجه مال في "موطئه" (١): عن ابن شهاب، أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أخبره: "أن عبد الله بن مسعود ابتاع جارية من زينب الثقفية واشترطت عليه إن بعتها فهي بالثمن الذي تبيعها به، فسأل عبد الله بن مسعود عن ذلك عمر بن الخطاب، فقال عمر بن الخطاب: لا تقربها وفيها شرط لأحد". وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، قال: "ابتعت جارية وشرط علي أهلها أن لا أبيع ولا أهب ولا أمهر فإذا مت فهي حرة، فسألت الحكم بن عتيبة فقال: لا بأس به. وسألت مكحولًا فقال: لا بأس به. قلت: يخاف عليّ منه؟ قال: بل أرجو لك فيه أجرين، وسألت عطاء أو سئل فكرهه. قال الأوزاعي: فحدثني يحيى بن أبي كثير، عن الحسن قال: "البيع جائز والشرط باطل. وسألت عبدة بن أبي لبابة فقال: هذا فرج سوء. وسألت الزهري فأخبرني أن ابن مسعود كتب إلى عمر بن الخطاب يسأله عن جارية ابتاعها من امرأته على أنه إن باعها فهي أحق بها بالثمن، فقال عمر ﵁: لا تطأ فرجًا فيه شيء لغيرك". حدثنا (٣) وكيع وابن أبي زائدة، عن مسعر، عن القاسم، قال: قال عمر ﵁: "ليس من مالك ما كان فيه شوبة لغيرك". حدثنا (٤) وكيع، قال: ثنا جعفر بن برقان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة: "أن ابن مسعود اشترى من امرأته زينب جارية واشترطت عليه إن باعها فهي أحق بها بالثمن، فسأل ابن مسعود عمر ﵄ فكره أن يطأها".

стр. 5942

حدثنا (١) وكيع، عن مسعر، عن عمران بن عمير، أن عمر ﵁ قال لعبد الله: "لا تقربها". ثم إنه أخرج أثر ابن عمر ﵁ من طريقين صحيحين: الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية الكوفي أحد الأئمة الحنفية، روى له الجماعة، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، روى له الجماعة، عن نافع ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: "لا يحل للرجل أن يطأ فرجًا إلا فرجًا إن شاء وهبه وإن شاء باعه وإن شاء عتقه، ليس فيه شرط". الثاني: عن محمد بن النعمان السقطي، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير ... إلى آخره. وأخرج مالك في "موطئه" (٣): عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: "لا يطأ الرجل وليدة إلا وليدةً إن شاء باعها وإن شاء وهبها وإن شاء أمسكها وإن شاء صنع بها ما شاء". قوله: "لا يحل فرج" أي وطء فرج إلا وطء فرج خالص له؛ إن شاء باعه وإن شاء وهبه وإن شاء أمسكه، والحال أنه لا شرط فيه ولا نزاع فيه لأحد. ص: وأما وجهه من طريق النظر فإنا رأينا الأصل المجتمع عليه أن شروطًا صحاحًا قد تعقد في الشيء المبيع مثل الخيار إلى أجل معلوم للبائع أو للمبتاع فيكون البيع على ذلك جائزًا، وكذلك الأثمان قد تعقد فيها آجال يشترطها المبتاع فتكون

стр. 5943

لازمة إذا كانت معلومة، ويكون البيع مضمنًا بها، ورأينا ذلك الأجل لو كان فاسدًا أفسد بفساده البيع، ولم يثبت البيع وينتفي هو إذا كان معقودًا فيه، فلما جعل البيع مضمنًا بهذه الشرائط المشروطة في ثمنه من صحتها وفسادها فجعله جائزًا بجوازها وفاسدًا بفسادها، ثم كان البيع إذا وقع على المبيع وكان عبدًا على أن يخدم البائع شهرًا، فقد ملك البائع المشتري العبد على أن ملكه المشتري ألف درهم وخدمة العبد شهرًا، والمشتري حينئذٍ فغير مالك للخدمة ولا للعبد؛ لأن ملكه إنما يكون بعد تمام البيع، فصار البيع واقعًا بمال وبخدمة عبد لا يملكه المشتري في وقت ابتياعه بالمال وبخدمته. وقد رأيناه لو ابتاع عبدًا بخدمة أمة لا يملكها كان البيع فاسدًا، فالنظر على ذلك أن يكون البيع أيضًا كذلك إذا عقد بخدمة من لم يكن تقدم ملكه له قبل ذلك العقد؛ لأن رسول الله ﵇ قد نهى عن بيع ما ليس عندك، ولما كانت الأثمان مضمنة بالآجال الصحيحة والفاسدة على ما قد ذكرنا؛ كان كذلك الأشياء المثمونة أيضًا المضمنة بالشرائط الفاسدة والصحيحة. فثبت بذلك أن البيع لو وقع واشترط فيه شرط مجهول أن البيع يفسد بفساد ذلك الشرط على ما قد ذكرنا؛ فقد انتفى قول من قال: يجوز البيع يبطل الشرط، وقول من قال: يجوز البيع ويثبت الشرط، ولم يكن في هذا الباب قول غير هذين القولين وغير القول الآخر: أن البيع يبطل إذا اشترط فيه ما ليس منه. فلما انتفى القولان الأولان ثبت القول الآخر، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: وجه هذا النظر والقياس ظاهر. ملخصه: أن الشروط التي هي من مقتضيات العقد لا تفسد العقد إذا كانت معلومة كالخيار لأحد المتعاقدين والتأجيل في الثمن، وتُفسد العقد إذا كانت مجهولة، فالنظر على ذلك أن نفسد العقد بشروط ليست من مقتضيات العقد سواء كانت معلومة أو مجهولة.

стр. 5944

فإن قيل: إذا كانت مجهولة فمسلّم، وإذا كانت معلومة فلم تبطل؟ قلت: لأن فيه معنى آخر وهو أنه يؤدي إلى بيع ما ليس عندك وهو باطل. بيان ذلك: أنه إذا اشترى عبدًا وشرط فيه البائع أن يخدمه العبد شهرًا فالعقد يكون بمال وبخدمة عبد لا يملكه المشتري وقت العقد، فيكون نظيره كمن اشترى عبدًا بخدمة أمة لا يملكها، فلما كان هذا فاسدًا فكذلك هناك؛ لأنه عقد بخدمة عما ليس عندك. فإن قيل: روى ابن وهب في "مسنده": حدثني سليمان بن بلال، ثنا كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "المسلمون عند شروطهم". وأخرج ابن حزم (١): من طريق عبد الملك بن حبيب الأندلسي، ثنا الحزامي، عن محمد بن عمر، عن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز قال: قال رسول الله ﵇: "المسلمون عند شروطهم". وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الملك، عن عطاء، بلغنا أن النبي ﵇ قال: "المسلمون على شروطهم". حدثنا (٣) ابن أبي زائدة، عن الحجاج بن أرطاة، عن خالد بن محمد، عن شيخ من بني كنانة، سمعت عمر ﵁ يقول: "المسلم عند شرطه". ثنا (٤) حفص بن غياث، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي قال: "المسلمون عند شروطهم". فهذا كله يدل على أن الشرط لا يضر صحة البيع.

стр. 5945

قلت: المراد من هذه الشروط هي التي أباحها الله تعالى، لا التي نهاهم عنها، وقد قال ﵇: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط"، على أن ابن حزم قد قال: كثير بن زيد هو كثير بن عبد الله بن عمرو بن زيد هالك متروك باتفاق، والوليد بن رباح مجهول، وعبد الملك هالك، ومحمد بن عمر هو الواقدي مذكور بالكذب، وعبد الرحمن بن محمد مجهول لا يعرف، وهو مرسل أيضًا، والحجاج بن أرطاة هالك، وخالد بن محمد مجهول، وكذلك شيخ من بني كنانة. وخبر علي ﵁ مرسل. قوله: "فقد انتفى قول من قال: يجوز البيع يبطل الشرط" وهو قول إحدى الفرقتين من أهل المقالة الثانية. قوله: "وقول من قال: يجوز البيع ويثبت الشرط" وهو قول أهل المقالة الأولى الذي ذكر في أول الباب. قوله: "ولم يكن في هذا الباب قول غير هذين القولين" أشار به إلى قول إحدى الفرقتين من أهل المقالة الثانية وقول أهل المقالة الأولى، وأراد بقوله: "وغير القول الآخر" هو قول الفرقة الثانية من أهل المقالة الثانية، وهو قول أصحابنا ومن معهم، والله أعلم.

стр. 5946

ص: باب: بيع أراضي مكة وإجارتها ش: أي: هذا باب في بيان حكم بيع أراضي مكة وإجارتها هل يجوز أم لا؟ ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الرحيم ابن سليمان، عن إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، عن أبيه، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﵇ قال: "لا يحل بيع بيوت مكة ولا إجارتها". ش: يوسف بن عدي بن زريق الكوفي شيخ البخاري. وعبد الرحيم بن سليمان أبو علي الأشلَّ الطائي، روى له الجماعة. وإسماعيل بن إبراهيم فيه مقال، فعن يحيى والنسائي: ضعيف. وعن يحيى مرةً: لا شيء. روى له الترمذي. وأبوه إبراهيم بن المهاجر أبو إسحاق الكوفي، روى له الجماعة إلا البخاري. والحديث أخرجه البيهقي (١): من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو، قال رسول الله ﷺ : "مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن عمر بن سعيد، عن ابن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة، قال: "توفي رسول الله ﵇ وأبو بكر وعمر وعثمان ﵃ ورباع مكة تدعى السوائب؛ من احتاج سكن ومن استغنى أسكن". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا يحيى بن سليم، عن عمرو بن سعيد، قال: ثنا عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة، قال: "كانت الدور على عهد النبي ﵇ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ ما تباع ولا تكرى ولا تدعى إلا السوائب من احتاج سكن ومن استغنى أسكن".

стр. 5947

ش: هذان طريقان رجالهما ثقات، ولكنهما منقطعان إلا علقمة بن نضلة ليس بصحابي. الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين القرشي النوفلي المكي، روى له الجماعة إلا أبا داود. عن ابن أبي سليمان عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم النوفلي المكي قاضي مكة، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، والترمذي في "الشمائل". عن علقمة بن نضلة بن عبد الرحمن الكناني المكي، ذكره ابن حبان في أتباع التابعين من "الثقات". وأخرجه ابن ماجه (١): من رواية ابن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن يحيى بن سليم المكي، طائفي نزل مكة، يقال له: أبو زكرياء الخزاز -بالزاي في آخره- روى له الجماعة. وأخرجه البيهقي (٢): من حديث أبي الجواب، عن سفيان، عن عمر بن سعيد، عن عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة الكناني قال: "كانت بيوت مكة تدعى السوائب، لم تبع رباعها في زمن رسول الله ﷺ ولا أبي بكر ولا عمر، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن". قوله: "ورباع مكة" كلام إضافي مبتدأ، وخبره قوله: "تدعى السوائب"، والرباع جمع رَبْع، وهو المنزل. قال الجوهري: الرَّبَعُ: الدار بعينها حيث كانت، وجمعها: رباع ورُبُوع وأَرْبَاع وأَرْبُع، والرَّبْعُ: المحلة.

стр. 5948

والسوائب: جمع سائبة وأصلها من تسييب الدواب وهو إرسالها تذهب وتجيء كيف شاءت، وأراد بها أنها كانت سائبة لكل أحد؛ من شاء كان يسكنها، فإذا فرغ منها أسكن غيره بلا بيع ولا أجرة. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار فقالوا: لا يجوز بيع أرض مكة ولا إجارتها، وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة ومحمد وسفيان الثوري. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح ومجاهدًا ومالكًا وإسحاق وأبا عبيد، فإنهم ذهبوا إلى الآثار المذكورة وقالوا: لا يجوز بيع أراضي مكة ولا إجارتها؛ لأنها مباحة غير مملوكة؛ فصار كبيع الصيد في البراري والطير الذي لم يُصَد، وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد، وإليه ذهب سفيان الثوري. وفي "البدائع": لا ينعقد البيع فيما ليس بمملوك، كمن باع الكلأ في أرض مملوكة والماء الذي في نهره أو في بئره، وكذلك بيع الكمأة، وبيع صيد لم يوجد في أرضه لا ينعقد؛ لأنه مباح غير مملوك لانعدام سبب الملك فيه، وكذا بيع الحطب والحشيش والصيود التي في البراري، والطير الذي لم يصد في الهواء، والسمك الذي لم يؤخذ من الماء، وعلى هذا يخرج بيع رباع مكة وإجارتها أنه لا يجوز عند أبي حنيفة ﵁. ص: وقد روي ذلك أيضًا عن عطاء ومجاهد. حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا قرة بن حبيب، قال: ثنا شعبة، عن العوام بن حوشب، عن عطاء بن أبي رباح: "أنه كان يكره أجور بيوت مكة". حدثنا فهد، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: أنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد أنه قال: "مكة مناخ، لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها". ش: أي وقد روي عدم جواز بيع بيوت مكة وعدم جواز إجارتها عن عطاء بن أبي رباح المكي ومجاهد بن جبر المكي، وبيَّن ذلك بقوله: حدثنا أحمد بن داود ... إلى آخره. واسناد الأثرين صحيح.

стр. 5949

وقرة بن حبيب بن يزيد الرماح البصري شيخ البخاري. والعوام بن حوشب بن يزيد الواسطي وثقه ابن معين وغيره، وروى له الجماعة إلا أبا داود. وابن الأصبهاني هو محمد بن سعيد شيخ البخاري. وروى عبد الرزاق (١): عن ابن جريج قال: "كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم". وروى عن منصور (٢)، عن مجاهد: "نهى عن إجارة بيوت مكة وبيع رباعها". ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس ببيع أرضها وإجارتها، وجعلوها في ذلك كسائر البلدان، وممن ذهب إلى هذا القول: أبو يوسف. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: طاوسًا وعمرو بن دينار والشافعي وأبا يوسف وأحمد وابن المنذر معهم؛ فإنهم قالوا: يجوز بيع دور مكة وإجارتها، وهو رواية عن أبي حنيفة أيضًا نقلها صاحب "البدائع"، وهو مذهب الظاهرية أيضًا. وقال ابن حزم: وبيع دور مكة -أعزها الله- وابتياعها وإجارتها جائز. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن علي بن حسين أخبره، أن عمرو بن عثمان أخبره، عن أسامة بن زيد أنه قال: "يا رسول الله أتنزل في دارك بمكة؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟! وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب ولم يرثه جعفر ولا علي ﵄؛ لأنهما كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين، فكان عمر بن الخطاب ﵁ من أجل ذلك يقول: لا يرث المؤمن الكافر". حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب ... فذكر بإسناده مثله.

стр. 5950

قال أبو جعفر ﵀: ففي هذا الحديث ما يدل أن أرض مكة تملك وتورث؛ لأنه قد ذكر فيها ميراث عقيل وطالب لما تركه أبو طالب فيها من رباع ودور، فهذا خلاف الحديث الأول. ولما اختلفا احتيج إلى النظر في ذلك ليستخرج من القولين قول صحيح، ولو كان على طريق اختيار الأسانيد وصرف القول إلى ذلك؛ لكان حديث علي بن حسين أصحهما إسنادًا ولكنها تحتاج إلى كشف ذلك من طريق النظر. فاعتبرنا ذلك فرأينا المسجد الحرام كل الناس فيه سواء؛ لا يجوز لأحد أن يبني فيه بناء ولا يحتجز منه موضعًا، وكذلك حكم جميع المواضع التي لا يقع لأحد فيها ملك وجميع الناس فيها سواء، ألا ترى أن عرفة لو أراد الرجل أن يبني في المكان الذي يقف فيه الناس بناء لم يكن ذلك له؟ وكذلك منى لو أراد أن يبني فيه دارًا كان من ذلك ممنوعًا؟ وكذلك جاء الأثر عن رسول الله ﷺ . حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا الحكم بن مروان الضرير الكوفي، قال: ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه، عن عائشة ﵄ قالت: "قلت: يا رسول الله، ألا نتخد لك بمنى بيتًا تستظل فيه؟ فقال: يا عائشة إنها مبنية لمن سبق". أفلا ترى أن رسول الله ﵇ لم يأذن لهم أن يجعلوا له فيها بيتًا يستظل فيه؟ لأنه مناخ من سبق؛ لأن الناس كلهم فيها سواء. حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابي (ح). وحدثنا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: ثنا أبو نعيم، قالا: ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن المهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه -وكانت تخدم عائشة أم المؤمنين ﵂- فحدثته عن عائشة مثله. قال: وسألت أمي مكان عائشة بعدما توفي النبي ﵇ أن تعطيها إياه فقالت لها عائشة: لا أحل لك ولا لأحد من أهل بيتي أن يستحل هذا المكان -تعني منى.

стр. 5951

قال أبو جعفر ﵀: فهذا حكم المواضع التي الناس فيها سواء ولا ملك لأحد عليها، ورأينا مكة على غير ذلك قد أجيز البناء فيها، وقال رسول الله ﷺ يوم دخلها: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن". حدثنا بذلك ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇. فلما كانت مكة مما تغلق عليه الأبواب ومما تبنى فيه المنازل كانت صفتها صفة المواضع التبم تجري عليها الأملاك وتقع فيها المواريث. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من جواز بيع دور مكة وإجارتها بحديث أسامة بن زيد ﵁، فإنه يدل على أن أرض مكة تملك وتورث، ألا ترى كيف ذكر فيها ميراث عقيل وطالب بن أبي طالب لما تركه أبو طالب في مكة من رباع ودور ومنازل، وإنما ورث هذان أبا طالب ولم يرثه علي وجعفر أبناء أبي طالب أيضًا لأنهما كانا مسلمين، والمسلم لا يرث الكافر، وكان عقيل وطالب كافرين فلذلك ورثاه. ثم حديث أسامة هذا يعارض حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي احتج به أهل المقالة الأولى، فإذا تعارض الحديثان ينظر فيهما ليعمل بأصحهما، فنظرنا في ذلك فوجدنا حديث أسامة أصحهما إسنادًا وأقواهما مجيئًا، وهذا ظاهر لا يخفى، فحيئذٍ يسقط حديث عبد الله بن عمرو؛ على أنَّا لم نكتف بذلك، بل كشفنا وجه ذلك من طريق النظر والقياس، فوجدنا أن ما يقتضي به حديث أسامة أولى وأصوب من حديث عبد الله بن عمرو. بيان ذلك: أن المسجد الحرام وغيره من المساجد وجميع المواضع التي لا تدخل في ملك أحد لا يجوز لأحد أن يبني فيها بناءً أو يحتجز موضعًا منها، ألا ترى أن موضع الوقوف بعرفة لا يجوز لأحد أن يبني فيها بناءً؟ وكذلك منى لا يجوز لأحد أن يبني فيها دارًا؟ والدليل على ذلك حديث عائشة المذكور.

стр. 5952

ووجدنا مكة على خلاف هذا؛ لأنه قد أجيز فيها البناء، وقد قال ﵇ يوم دخل مكة: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ... " الحديث، فهذا يدل على أن مكة مما تبنى فيها الدور ومما تغلق عليها الأبواب، فإذا كان كذلك تكون صفتها صفة المواضع التي تجري عليها الأملاك، وتقع فيها المواريث، فحينئذٍ يجوز بيع الدور التي فيها ويجوز إجارتها، والله أعلم. وقال ابن قدامة: أضاف النبي ﵇ الدار إلى أبي سفيان إضافة الملك بقوله: "من دخل دار أبي سفيان"، ولأن أصحاب النبي ﵇ كانت لهم دور بمكة: دار لأبي بكر ﵁ وللزبير ﵁ وحكيم بن حزام ﵁ وغيرهم مما يكثر تعدادهم، فبعضٌ بيع وبعضٌ في يد أعقابهم إلى اليوم، وأن عمر ﵁ اشترى من صفوان بن أمية دارًا بأربعة آلاف، واشترى معاوية من حكيم بن حزام دارين بمكة إحداهما بستين ألف درهم والأخرى بأربعين ألف درهم، وهذه قصص اشتهرت فلم تنكر فصارت إجماعًا، ولأنها أرض حية لم يرد عليها صدقة محرمة فجاز بيعها كسائر الأراضي. ثم إنه أخرج حديث أسامة بن زيد بإسناد رجاله كلهم رجال الصحيح: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين، عن عمرو بن عثمان بن عفان، عن أسامة بن زيد بن حارثة ﵃ حِبّ رسول الله ﵇. وأخرجه البخاري (١): ثنا أصبغ، قال: ثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد: "قلت: يا رسول الله، أتنزل غدًا في دارك بمكة؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع؟! ثم قال: لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر".

стр. 5953

وزاد عبد الرزاق عن معمر: "نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريش على الكفر". وأخرجه البخاري في كتاب الحج (١). وأخرجه في المغازي أيضًا (٢): عن سليمان بن عبد الرحمن، عن سعدان بن يحيى، عن محمد بن أبي حفصة. وفي كتاب الفرائض (٣) أيضًا مختصرًا عن أبي عاصم، عن ابن جريج. وأخرجه مسلم في كتاب المناسك (٤): حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى، قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني موسى بن زيد ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. وأخرجه أبو داود أيضًا في الحج (٥): ثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد قال: "قلت: يا رسول الله أين تنزل غذا؟ -في حجته- قال: هل ترك لنا عقيل منزلًا؟! ثم قال: نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريش على الكفر -يعني المحصب- وذلك أن بني كنانة حالفت قريشًا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يؤووهم". قال الزهري: والخيف: الوادي. وأخرجه النسائي (٦): عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء، وفي آخره: "فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول من أجل ذلك: لا يرث المؤمن الكافر".

стр. 5954

وأخرجه ابن ماجه أيضًا في الحج (١): عن محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن معمر به. قوله: "أتنزل" الهمزة فيه للاستفهام. قوله: "وهل ترك لنا عَقِيل" بفتح العين المهملة وكسر القاف هو أخو علي بن أبي طالب وجعفر وكان يكنى بأبي يزيد، وقيل: بأبي عيسى، والأول هو المشهور، وكان أسنّ من علي وجعفر، وكان طالب أسنّ منه وعليٌّ أحدثهم سنًّا. وقال ابن سعد: كان عقيل ممن خرج من المشركين إلى بدر مكرهًا فأسر يومئذٍ وكان لا مال له ففداه عمه العباس ﵁، ثم أتى مسلمًا قبل الحديبية، وهاجر إلى النبي ﵇ سنة ثمان وشهد غزوة مؤتة، وتوفي عقيل في خلافة معاوية ﵁. قوله: "وطالبُ" مرفوع؛ لأنه عطف على الضمير المرفوع الذي في قوله: "ورث"، وإنما فصل بينهما بقوله: "هو" لئلا يتوهم عطف الاسم على الفعل، وقد عُلِمَ أن الضمير المرفوع مطلقًا لا يحسن العطف عليه إلا بفصل، والأكثر أن يكون ضمير الفصل كما في السورة المذكورة، وقد يكون بكلمة "لا" كما في قوله ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ (٢). قوله: "وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب" وإنما ورثاه لأنهما كانا كافرين وقت الإرث بخلاف جعفر وعلي ﵄ لأنهما كانا مسلمين وقتئذٍ، ثم أسلم عقيل بعد ذلك كما ذكرنا. قوله: "من أجل ذلك" أي من أجل عدم إرث علي وجعفر أباهما أبا طالب. "قال عمر بن الخطاب ﵁: لا يرث المؤمن الكافر". ويستنبط منه أحكام: الأول: فيه دليل على بقاء دور مكة لأربابها.

стр. 5955

الثاني: ذكر بعضهم أن فيه دليلًا على أن من خرج من بلده مسلمًا وبقي أهله وولده في دار الكفر ثم غزاها مع المسلمين أن ما فيها من ماله وولده بحكم البلد كما كانت دار رسول الله ﵇ على حكم البلد ولم ير نفسه أحق بها. وأجيب بأن هذا لو كان هكذا لعلل به ﵇، وقد قيل: إنه ﵇ إنما ترك النزول بها وكرهه؛ لأنه ترك ذلك حين هاجر لله تعالى، فلم يرجع فيما تركه لله تعالى. الثالث: فيه دليل على أن المسلم لا يرث الكافر، وهذا أصل في ذلك، وفقهاء الأمصار على ذلك إلا ما حُكِيَ عن معاوية ومعاذ ومسروق والحسن البصري وإبراهيم النخعي وإسحاق: أن المسلم يرث الكافر، وأجمعوا أن الكافر لا يرث المسلم. ثم إنه أخرج حديث عائشة ﵂ من ثلاث طرق جياد حسان: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن الحكم بن مروان الكوفي الضرير الصدوق شيخ أحمد، عن إسرائيل بن يونس، عن إبراهيم بن المهاجر البجلي الكوفي، عن يوسف بن ماهك، عن أمه واسمها مسيكة المكية، عن عائشة ﵂. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) مصرحًا باسمها: ثنا وكيع، ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه مسيكة، عن عائشة قالت: "قلنا: يا رسول الله، ألا نبني لك بيتًا بمنى؟ قال: لا، منى مناخ من سبق". الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢) من حديث ابن مهدي، عن إسرائيل ... إلى آخره، وقال: "عن أمه"، ولم يسمها.
следующие страницы →