← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

قال أبو جعفر ﵀: فهذا حكم المواضع التي الناس فيها سواء ولا ملك لأحد عليها، ورأينا مكة على غير ذلك قد أجيز البناء فيها، وقال رسول الله ﷺ يوم دخلها: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن". حدثنا بذلك ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇. فلما كانت مكة مما تغلق عليه الأبواب ومما تبنى فيه المنازل كانت صفتها صفة المواضع التبم تجري عليها الأملاك وتقع فيها المواريث. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من جواز بيع دور مكة وإجارتها بحديث أسامة بن زيد ﵁، فإنه يدل على أن أرض مكة تملك وتورث، ألا ترى كيف ذكر فيها ميراث عقيل وطالب بن أبي طالب لما تركه أبو طالب في مكة من رباع ودور ومنازل، وإنما ورث هذان أبا طالب ولم يرثه علي وجعفر أبناء أبي طالب أيضًا لأنهما كانا مسلمين، والمسلم لا يرث الكافر، وكان عقيل وطالب كافرين فلذلك ورثاه. ثم حديث أسامة هذا يعارض حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي احتج به أهل المقالة الأولى، فإذا تعارض الحديثان ينظر فيهما ليعمل بأصحهما، فنظرنا في ذلك فوجدنا حديث أسامة أصحهما إسنادًا وأقواهما مجيئًا، وهذا ظاهر لا يخفى، فحيئذٍ يسقط حديث عبد الله بن عمرو؛ على أنَّا لم نكتف بذلك، بل كشفنا وجه ذلك من طريق النظر والقياس، فوجدنا أن ما يقتضي به حديث أسامة أولى وأصوب من حديث عبد الله بن عمرو. بيان ذلك: أن المسجد الحرام وغيره من المساجد وجميع المواضع التي لا تدخل في ملك أحد لا يجوز لأحد أن يبني فيها بناءً أو يحتجز موضعًا منها، ألا ترى أن موضع الوقوف بعرفة لا يجوز لأحد أن يبني فيها بناءً؟ وكذلك منى لا يجوز لأحد أن يبني فيها دارًا؟ والدليل على ذلك حديث عائشة المذكور.

стр. 5952

ووجدنا مكة على خلاف هذا؛ لأنه قد أجيز فيها البناء، وقد قال ﵇ يوم دخل مكة: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ... " الحديث، فهذا يدل على أن مكة مما تبنى فيها الدور ومما تغلق عليها الأبواب، فإذا كان كذلك تكون صفتها صفة المواضع التي تجري عليها الأملاك، وتقع فيها المواريث، فحينئذٍ يجوز بيع الدور التي فيها ويجوز إجارتها، والله أعلم. وقال ابن قدامة: أضاف النبي ﵇ الدار إلى أبي سفيان إضافة الملك بقوله: "من دخل دار أبي سفيان"، ولأن أصحاب النبي ﵇ كانت لهم دور بمكة: دار لأبي بكر ﵁ وللزبير ﵁ وحكيم بن حزام ﵁ وغيرهم مما يكثر تعدادهم، فبعضٌ بيع وبعضٌ في يد أعقابهم إلى اليوم، وأن عمر ﵁ اشترى من صفوان بن أمية دارًا بأربعة آلاف، واشترى معاوية من حكيم بن حزام دارين بمكة إحداهما بستين ألف درهم والأخرى بأربعين ألف درهم، وهذه قصص اشتهرت فلم تنكر فصارت إجماعًا، ولأنها أرض حية لم يرد عليها صدقة محرمة فجاز بيعها كسائر الأراضي. ثم إنه أخرج حديث أسامة بن زيد بإسناد رجاله كلهم رجال الصحيح: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب زين العابدين، عن عمرو بن عثمان بن عفان، عن أسامة بن زيد بن حارثة ﵃ حِبّ رسول الله ﵇. وأخرجه البخاري (١): ثنا أصبغ، قال: ثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد: "قلت: يا رسول الله، أتنزل غدًا في دارك بمكة؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع؟! ثم قال: لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر".

стр. 5953

وزاد عبد الرزاق عن معمر: "نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريش على الكفر". وأخرجه البخاري في كتاب الحج (١). وأخرجه في المغازي أيضًا (٢): عن سليمان بن عبد الرحمن، عن سعدان بن يحيى، عن محمد بن أبي حفصة. وفي كتاب الفرائض (٣) أيضًا مختصرًا عن أبي عاصم، عن ابن جريج. وأخرجه مسلم في كتاب المناسك (٤): حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى، قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني موسى بن زيد ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. وأخرجه أبو داود أيضًا في الحج (٥): ثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد قال: "قلت: يا رسول الله أين تنزل غذا؟ -في حجته- قال: هل ترك لنا عقيل منزلًا؟! ثم قال: نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريش على الكفر -يعني المحصب- وذلك أن بني كنانة حالفت قريشًا على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يؤووهم". قال الزهري: والخيف: الوادي. وأخرجه النسائي (٦): عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء، وفي آخره: "فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول من أجل ذلك: لا يرث المؤمن الكافر".

стр. 5954

وأخرجه ابن ماجه أيضًا في الحج (١): عن محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن معمر به. قوله: "أتنزل" الهمزة فيه للاستفهام. قوله: "وهل ترك لنا عَقِيل" بفتح العين المهملة وكسر القاف هو أخو علي بن أبي طالب وجعفر وكان يكنى بأبي يزيد، وقيل: بأبي عيسى، والأول هو المشهور، وكان أسنّ من علي وجعفر، وكان طالب أسنّ منه وعليٌّ أحدثهم سنًّا. وقال ابن سعد: كان عقيل ممن خرج من المشركين إلى بدر مكرهًا فأسر يومئذٍ وكان لا مال له ففداه عمه العباس ﵁، ثم أتى مسلمًا قبل الحديبية، وهاجر إلى النبي ﵇ سنة ثمان وشهد غزوة مؤتة، وتوفي عقيل في خلافة معاوية ﵁. قوله: "وطالبُ" مرفوع؛ لأنه عطف على الضمير المرفوع الذي في قوله: "ورث"، وإنما فصل بينهما بقوله: "هو" لئلا يتوهم عطف الاسم على الفعل، وقد عُلِمَ أن الضمير المرفوع مطلقًا لا يحسن العطف عليه إلا بفصل، والأكثر أن يكون ضمير الفصل كما في السورة المذكورة، وقد يكون بكلمة "لا" كما في قوله ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ (٢). قوله: "وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب" وإنما ورثاه لأنهما كانا كافرين وقت الإرث بخلاف جعفر وعلي ﵄ لأنهما كانا مسلمين وقتئذٍ، ثم أسلم عقيل بعد ذلك كما ذكرنا. قوله: "من أجل ذلك" أي من أجل عدم إرث علي وجعفر أباهما أبا طالب. "قال عمر بن الخطاب ﵁: لا يرث المؤمن الكافر". ويستنبط منه أحكام: الأول: فيه دليل على بقاء دور مكة لأربابها.

стр. 5955

الثاني: ذكر بعضهم أن فيه دليلًا على أن من خرج من بلده مسلمًا وبقي أهله وولده في دار الكفر ثم غزاها مع المسلمين أن ما فيها من ماله وولده بحكم البلد كما كانت دار رسول الله ﵇ على حكم البلد ولم ير نفسه أحق بها. وأجيب بأن هذا لو كان هكذا لعلل به ﵇، وقد قيل: إنه ﵇ إنما ترك النزول بها وكرهه؛ لأنه ترك ذلك حين هاجر لله تعالى، فلم يرجع فيما تركه لله تعالى. الثالث: فيه دليل على أن المسلم لا يرث الكافر، وهذا أصل في ذلك، وفقهاء الأمصار على ذلك إلا ما حُكِيَ عن معاوية ومعاذ ومسروق والحسن البصري وإبراهيم النخعي وإسحاق: أن المسلم يرث الكافر، وأجمعوا أن الكافر لا يرث المسلم. ثم إنه أخرج حديث عائشة ﵂ من ثلاث طرق جياد حسان: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن الحكم بن مروان الكوفي الضرير الصدوق شيخ أحمد، عن إسرائيل بن يونس، عن إبراهيم بن المهاجر البجلي الكوفي، عن يوسف بن ماهك، عن أمه واسمها مسيكة المكية، عن عائشة ﵂. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) مصرحًا باسمها: ثنا وكيع، ثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك، عن أمه مسيكة، عن عائشة قالت: "قلنا: يا رسول الله، ألا نبني لك بيتًا بمنى؟ قال: لا، منى مناخ من سبق". الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس ... إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٢) من حديث ابن مهدي، عن إسرائيل ... إلى آخره، وقال: "عن أمه"، ولم يسمها.

стр. 5956

وأخرجه الترمذي (١) وابن ماجه (٢): من حديث وكيع، عن إسرائيل ... كما أخرجه أحمد. الثالث: عن أبي زرعة الدمشقي عبد الرحمن بن عمرو، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن إسرائيل ... إلى آخره. ولما أخرجه الترمذي قال: حديث حسن. قوله: "ألا نتخذ لك بمنى بيتًا" وفي رواية: "شيئًا"، وفي رواية أبي داود: "بيتًا أو شيئًا". قوله: "مُنَاخ" بضم الميم وبالخاء المعجمة، قال أبو حاتم: مناخ الإبل بضم الميم، ولا يقال بفتحها. قلت: لأنه اسم موضع، من أناخ إبله: إذا أبركها. ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة: عن ربيع بن سليمان، عن أسد بن موسى ... إلى آخره. وأخرجه مسلم مطولًا جدًّا (٣): ثنا شيبان بن فروخ، قال: ثنا سليمان بن المغيرة، قال: ثنا ثابت البناني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي هريرة قال: "وفدت وفود إلى معاوية وذلك في رمضان ... " الحديث بطوله. وفيه: قال رسول الله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن". ص: فإن احتج محتج في ذلك بقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (٤).

стр. 5957

قيل له: قد روي في تأويل هذا عن المتقدمين ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: " ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (١) قال: خَلْقُ الله فيه سواء". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، قال: "أردت أن أعتكف فسألت سعيد بن جبير وأنا بمكة، فقال: أنت عاكف، ثم قرأ ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ ". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الملك، عن عطاء قال: " ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ قال: الناس في البيت سواء، ليس أحد أحق به من أحد". فثبت بذلك أنه إنما قصد بذلك إلى البيت أو إلى المسجد الحرام لا إلى سائر مكة. وهذا قول أبي يوسف ﵀. ش: لما احتج بعض أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه بقوله تعالى: ﴿نَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ....﴾ (١) ذكر ذلك الطحاوي ثم أجاب عنه. أما بيان احتجاجهم فهو أن الله تعالى جعل المسجد الحرام للناس سواء العاكف فيه والبادي، فمقتضاه أن يتساووا كلهم في سكناه والمقام فيه. وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يجوز بيعه؛ لأن لغير المشتري سكناه كما للمشتري، ولا يصح للمشتري تسليمه والانتفاع به حسب الانتفاع بالأملاك، وهذا يدل على أنه غير مملوك. فإن قيل: يحتمل أنه يريد به أنهم متساوون في وجوب اعتقاد تعظيمه وحرمته. قيل له: هو على الأمرين جميعًا من اعتقاد تعظيمه وحرمته، ومَنْ يساويهم في سكناه والمقام به.

стр. 5958

وأما الجواب عنه: فهو أنه روي في تأويل هذه الآية عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ﵃ ما يدل على أن المراد من قوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (١) وهو البيت نفسه أو المسجد الحرام نفسه، وليس المراد منه سائر مكة. فإذا كان كذلك لا يتساوى الناس في غير المسجد الحرام؛ لأن بعضهم يكونون ملاكًا وبعضهم يكونون سكانًا، فالمالك يجوز له بيع ملكه وإجارته ونحوهما فافهم. ويخدش هذا: ما روي عن ابن عباس أيضًا قال: كانوا يرون الحرم كله مسجدًا سواء العاكف فيه والبادي. وروى يزيد بن زياد، عن عبد الرحمن بن سابط: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ قال: من يجيء من الحاج والمعتمرين سواء في المنازل، ينزلون حيث شاءوا غير أن لا يخرج من ساكنه". قال: وقال ابن عباس في قوله: " ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (١) قال: العاكف: فيه أهله، والبادي: من يأتيه من أرض أخرى وأهله في المنزل سواء". وروى الثوري، عن منصور، عن مجاهد، قال: قال عمر ﵁: "يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابًا لينزل البادي حيث شاء". وروى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أن عمر ﵁ نهى أهل مكة أن يغلقوا أبواب دورهم دون الحاج". وروى ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمر قال: "من أكل من كراء بيوت أهل مكة فإنما يأكل نارًا في بطنه". وروى عثمان بن الأسود، عن عطاء، قال: "يكره بيع بيوت مكة وكراها" (٢).

стр. 5959

وقال أبو بكر الجصاص ﵀: لم يتأول السلف المسجد الحرام على الحرم كله إلا والاسم شامل له من طريق الشرع، إذ غير جائز أن تتأول الآية على معنى لا يحتمله اللفظ، وفي ذلك دليل على أنهم قد علموا وقوع اسم المسجد على الحرم من طريق التوقيف، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١)، والمراد -فيما روي-: الحديبية، وهي بعيدة من المسجد قريبة من الحرم، وروي أنها على شفير الحرم. وروى المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: "أن النبي ﵇ كان مضربه في الحل ومصلاه في الحرم"، وهذا يدل على أنه أراد بالمسجد الحرام ها هنا الحرم كله، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٢) والمراد إخراج المسلمين من مكة حين هاجروا إلى المدينة فجعل المسجد الحرام عبارة عن الحرم، ويدل أن المراد جميع الحرم كله قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) والمراد به من انتهك حرمة الحرم بالظلم فيه. وإذا ثبت ذلك اقتضى بقوله: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (٣) تساوي الناس كلهم في سكناه والمقام فيه، والله أعلم. ثم أثر ابن عباس: أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي فيه مقال، فعن أحمد: ضعيف ليس بشيء. وعن يحيى والنسائي: ضعيف. وقال عمرو بن علي: ليس بشيء.

стр. 5960

وأثر سعيد بن جبير: أخرجه عن ابن مرزوق أيضًا، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي البصري شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي حَصِين -بفتح الحاء وكسر الصاد- اسمه عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي، روى له الجماعة. وأثر عطاء: أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد شيخ البخاري، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا، والله أعلم. ***

стр. 5961

ص: باب: ثمن الكلب ش: أي هذا باب في بيان حكم ثمن الكلب هل يباح أم لا؟ ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، عن ابن مسعود: "أن النبي ﵇ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغيّ وحلوان الكاهن". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي بكر، عن أبي مسعود، أن النبي ﵇ قال: "ثلاث هن سحتٌ ... " ثم ذكر مثله. ش: هذان إسنادان رجالهما كلهم رجال الصحيح. الأول: عن يونس بن عبد الأعلى عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المدني، أحد الفقهاء السبعة، قيل: اسمه محمد، وقيل: اسمه أبو بكر وكنيته أبو عبد الرحمن، والصحيح أن اسمه وكنيته واحد. عن أبي مسعود البدري، واسمه عقبة بن عمرو بن ثعلبة ﵁. وأخرجه البخاري في الطلاق (١): عن علي. وفي الطب (٢): عن عبد الله بن محمد، كلاهما عن ابن عيينة، عن الزهري ... إلى آخره نحوه. وأخرجه في البيوع (٣): عن عبد الله بن يوسف.

стр. 5962

وفي الإجارة (١): عن قتيبة كلاهما، عن مالك، عن الزهري ... إلى آخره. وأخرجه مسلم في البيوع (٢): عن يحيى بن يحيى، عن مالك. وعن قتيبة ومحمد بن رمح، عن الليث. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن عيينة، ثلاثتهم، عن الزهري، عن أبي بكر ... إلى آخره نحوه. وأخرجه أبو داود (٣): عن قتيبة، عن سفيان، عن الزهري ... إلى آخره. الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ... إلى آخره. قوله: "ومهر البغي" البَغِيّ -بفتح الباء وكسر الغين وتشديد الياء- الفاجرة، وأصله: بغوى على وزن فَعْوَل بمعنى فاعلة وهي صفة لمؤنث فلذلك جاءت بغير هاء كما تجيء إذا كانت بمعنى مفعول نحو رَكُوب وَحَلُوب، ولا يجوز أن تكون بغي ها هنا على وزن فعيل؛ إذ لو كان كذلك للزمته الهاء كامرأة حليمة وكريمة، والبِغَاء -بكسر الياء ممدود- الزنا والفجور، قال الله : ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (٤) يقال: بَغَت المرأة تَبْغِي بِغَاءً بالكسر، وامرأة بغي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (٥)، وتجمع على بغايا. قوله: "وحُلْوَان الكاهن" الحُلوان -بالضم- الرشوة، وهو ما يعطى الكاهن ويجعل له على كهانته تقول منه: حلوت الرجل حلوانًا إذا حبوته بشيء. قال الهروي: قال بعضهم: أصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو، يقال: حلوته إذا أطعمته الحلو، كما يقال: عسلته إذا أطعمته العسل.

стр. 5963

قال أبو عبيد: والحلوان أيضًا في غير هذا: أن يأخذ الرجل من مهر ابنته لنفسه، وهو عيب عند النساء، قالت امرأة تمدح زوجها: لا يَأْخُذُ الحُلوانَ من بَنَاتِنا وفي "شرح الموطأ" لابن زرقون: وأصل الحلوان في اللغة العطية، قال الشاعر: فمن رجلٌ أحلوه رَحْلي وناَقَتِي ... يُبَلِّغُ عني الشِّعْرَ إذا مات قائِلُه قال الجوهري: حَلَوْت فلانًا على كذا مالاً، وأنا أَحْلُوه حُلْوًا وحلوانًا: إذا وهبت له شيئًا على شيء يفعله لك غير الأجرة، والحلوان أيضًا: أن يأخذ الرجل من مهر ابنته لنفسه، وكانت العرب تعير به. و"الكاهن": الذي يخبر بالغيب المستقبل، و"العراف": الذي يخبر بما أخفي وقد حصل في الوجود، ويجمع الكاهن على كهنة وكهان، يقال: كَهَنَ يَكْهُنُ كِهَانَة، مثل كَتَبَ يَكْتُبُ كتَابةً إذا تكهن، فإذا أردت أنه صار كاهنًا قلت: كَهُنَ -بالضم- كَهَانَةً -بالفتح-. وقال ابن الأثير: الكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار، وقد كان في العرب كهنة كَشِقٍّ وسَطِيح وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجن وَرَئيًّا يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا يخصونه باسم "العراف" كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة ونحوهما. والحديث الذي فيه "من أتى كاهنًا" قد يشتمل على إتيان الكاهن والعراف والمنجم. قوله: "ثلاثة هن" أي ثلاثة أشياء هن. "سحت" أي حرام. وقال ابن الأثير: السحت: الحرام الذي لا يحل كسبه؛ لأنه يَسْحَت البركة أي يذهبها.

стр. 5964

ويستفاد منه أحكام: الأول: فيه أن ثمن الكلب حرام، وسيجيء الكلام فيه مستقصى. الثاني: فيه أن مهر البغي حرام، وهو ما يعطى على النكاح المحرم، وإذا كان محرمًا ولم يستبح بعقد؛ صارت المعاوضة عليه لا تحل؛ لأن ما حرم الانتفاع به فكأنه لا منفعة فيه أصلاً. وقال القاضي: لم يختلف العلماء في تحريم أجر البغي وحلوان الكاهن؛ لأنه ثمن عن محرم، وقد حرم الله الزنا، وكذلك أجمعوا على إبطال أجر المغنية والنائحة. الثالث: فيه أن حلوان الكاهن حرام؛ لأنه ﵇ نهى عن إتيان الكهان مع أن ما يأتون به باطل وجله كذب، قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ (١)، وأخذ العوض على مثل هذا -ولو لم يكن منهيًّا عنه- من أكل المال بالباطل، ولأن الكاهن يقول ما لا ينتفع به، ويعان بما يعطاه على ما لا يحل. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا هارون بن إسماعيل الخزاز، قال: ثنا علي بن المبارك، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، أن السائب ابن يزيد حدثه، أن رافع بن خديج ﵁ حدثه، أن رسول الله ﷺ قال: "كسب الحجام خبيث، ومهر البغي خبيث، وثمن الكلب خبيث". ش: إسناده صحيح، فيه صحابي عن صحابي، أحدهما: هو السائب بن يزيد ابن سعيد الكندي الصحابي، والآخر: رافع بن خديج الأنصاري. وبقية الرجال رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق. وأخرجه مسلم (٢): ثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني إبراهيم بن قارظ، عن السائب بن يزيد ... إلى آخره نحوه.

стр. 5965

وأحْرجه الترمذي (١): قال: ثنا محمد بن رافع، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير ... إلى آخره نحوه. وقال: حديث رافع حديث حسن صحيح. وفيه: أن كسب الحجام خبيث، ولكنه محمول على أن المراد منه التنزه عن كسبه؛ لأنها من الصنائع المستقذرة الذميمة، والشرع يحض على مكارم الأخلاق والتنزه عن الدناءة، والدليل على ذلك: ما رواه مسلم (٢): عن ابن عباس ﵄: "حجم النبي ﵇ عبد لبني بياضة، فأعطاه النبي ﵇ أجره، وكلم سيده فخفف عنه ضريبته، ولو كان سحتًا لم يعطه". وقد ذهب بعض الناس إلى منع ذلك في الأحرار، واستعمل الحديث فيمن وقع على صفة ما وقع عليه، وأظنهم يجيزونه في العبد ليعلف به نواضحه ورقيقه. وفي الترمذي (٣): "أنه ﵇ استؤذن في إجارة الحجام فنهى الذي استأذنه عنها، فلم يزل يستأذنه ويسأله حتى قال: اعلفه ناضحك ورقيقك". قال القاضي: كذا قال أحمد بن حنبل وفقهاء أصحاب الحديث كما أشار إليه أنه محرم على الأحرار مباح للعبيد أخذًا بظاهر الحديث الذي ذكره من قوله: "اعلفه ناضحك ورقيقك"، وعامة الفقهاء على خلاف قولهم، وأنه جائز أكله، وحملوا الحديث على التنزيه والحض على مكارم الأخلاق؛ إذ لا يجوز للرجل أن يطعم عبيده ما لا يحل أكله، وجعلوا أن إباحته هذه ناسخة لقوله: "كسب الحجام خبيث" والخبيث: الحرام، وأنه آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، ألا تراه في حديث "الموطأ" (٤) والترمذي (٥) نهاه أولاً فلم يزل يسأله حتى أباح له إطعامه لناضحه

стр. 5966

ورقيقه؟ وأنه حجمه أبو طيبة وأعطاه أجره؟! ولا يعطي النبي ﵇ ما لا يحل، والحجام هنا هو الذي يحجم لا ما يطلقه الناس على المزين وغيره. قال القاضي: وقد رأيت الطحاوي ذهب إلى جواز الاستئجار على فصد العرق وتعريب الدواب. قال: فكذلك الحجامة. والذي عنده أنه لا فرق بين فصد العرق والحجامة، وأنه يدخلها من الكراهة ما دَخَلَهَا؛ لا سيما على ما جاء في بعض الأحاديث: "نهى عن ثمن الدم" (١)، وقد قيل: إن النهي عن كسب الحجام قد يحتمل أن يكون بيع دم ما يفصده من الحيوانات لن يستجيز أكلها من الكفرة، أو لاستعمالها في بعض الأشياء، واحتج على ذلك بقوله: ونهى عن ثمن الدم". وقيل: إنما كره لأنه لا يشترط أجرة معلومة قبل العمل، وإنما يعمل غالبًا بأجر مجهول. وهذا لا تعلق فيه، وقد أجاز العلماء مثل هذا على ما استمرت به العادة في المكارمة، وإن كان لابن حبيب من أصحابنا ما ظاهره المنع في كل إجارة حتى يسمى الأجر، وقد حكى الداودي في هذا الباب جواز ما جرت به العادة أيضًا في معاملة الجزار وبياع الفاكهة ودفع الثمن إليه ليعطيك مما يبيعه دون أن تساومه أو تعرف كيف يبيعه. ص: حدثنا ربيع المؤذن ونصر بن مرزوق، قالا: ثنا أسد، قال: ثنا عبد المجيد ابن عبد العزيز، عن ابن جريج، عن حبيب بن وأبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁: "أن النبي ﵇ نهى عن ثمن الكلب". ش: أسد هو ابن موسى الذي يقال له: أسد السنة. وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد الأزدي المكي مولى المهلب بن أبي صفرة قال يحيى: ثقة. وعنه: كان يروي عن قوم ضعفاء، وكان أعلم الناس بحديث ابن جريج، وكان يعلن بالإرجاء. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الدارقطني: لا يحتج به، يعتبر به. روى له مسلم مقرونًا بغيره والأربعة.

стр. 5967

وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، روى له الجماعة. وعاصم بن ضمرة السلولي الكوفي، وثقه العجلي وابن المديني، روى له الأربعة. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا عبد الكريم الجزري، عن قيس بن حبتر، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "ثمن الكلب حرام". حدثنا يونس وحسين بن نصر، قالا: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله، عن عبد الكريم ... فذكر بإسناده. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن عبد الكريم الجزري، عن قيس بن حبتر -بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وفتح التاء المثناة من فوق وفي آخره راء- النهشلي الكوفي، وثقه النسائي وابن حبان. وروى له أبو داود وأخرجه (١): ثنا الربيع بن نافع أبو توبة، قال: ثنا عبيد الله -يعني ابن عمرو- عن عبد الكريم، عن قيس بن حبتر، عن عبد الله بن عباس قال: "نهى رسول الله ﵇ عن ثمن الكلب، وإن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابًا". الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى وحسين بن نصر بن المعارك كلاهما، عن علي بن معبد بن شداد الرقي صاحب محمد بن الحسن الشيباني، عن عبيد الله بن عمرو الأسدي الرقي، عن عبد الكريم بن مالك الجزري الحراني، عن قيس بن حبتر، عن ابن عباس ﵄.

стр. 5968

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن قيس بن حبتر، عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﵇ عن ثمن الخمر ومهر البغي وثمن الكلب، وقال: إذا جاءك يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابًا". ص: حدثنا مالك بن عبد الله التجيبي، قال: ثنا عثمان بن صالح (ح). وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، أن صفوان بن سليم أخبره، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ نهى عن ثمن الكلب وإن كان ضاريًا". ش: هذان طريقان فيهما عبد الله بن لهيعة، وفيه مقال. وعثمان بن صالح بن صفوان التجيبي المصري شيخ البخاري. وعبيد الله بن أبي جعفر المصري الفقيه، روى له الجماعة. وصفوان بن سليم المدني الفقيه، روى له الجماعة. قوله: "وإن كان ضاريًا" وأصل بما قبله، أي: وإن كان كلب صيد ضاريًا، يقال: ضرى الكلب وأَضْرَاه صاحبه: أي عوده للصيد وأغراه به. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، قال: حدثني أبو سفيان، عن جابر -أثبته مرة، ومرة شك في أبي سفيان- عن النبي ﵇: "أنه نهى عن ثمن الكلب والسنور". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﵇ مثله، ولم يشك. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الغفار بن داود، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﵇ مثله.

стр. 5969

ش: هذه ثلاث طرق: الأول: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص بن غياث النخعي الكوفي شيخ البخاري ومسلم، عن أبيه حفص بن غياث بن طلق النخعي القاضي بالكوفة واحد أصحاب أبي حنيفة، روى له الجماعة، عن سليمان الأعمش، عن أبي سفيان -واسمه طلحة بن نافع- القرشي الواسطي الإسكاف، روى له الجماعة، البخاري مقرونًا بغيره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن الأعمش، قال: أنا أبو سفيان، ذكره عن جابر، قال: "نهى رسول الله ﵇ عن ثمن الكلب". وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمرو بن علي، ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵇ عن ثمن الكلب والسنور". قال الأعمش: أرى أبا سفيان ذكره. قوله: "أثبته مرة" أي أثبت الأعمش ذكر أبي سفيان مرة، ومرة أخرى شك في ذكره، فعلى الأول يكون الحديث متصلاً، وعلى الثاني يكون منقطعًا. الطريق الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن سليمان الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر ﵁. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن أبي مذعور، ثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: "أن النبي ﵇ نهى عن ثمن الكلب والسنور". وأخرجه الترمذي (٢): ثنا علي بن حجر وعلي بن خشرم، قالا: ثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵇ عن ثمن الكلب والسنور".

стр. 5970

قال أبو عيسى: هذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح في ثمن السنور. وقد روي هذا الحديث عن الأعمش عن بعض أصحابه عن جابر، واضطربوا على الأعمش في هذا الحديث. الطريق الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الغفار بن داود بن مهران شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة المصري، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر ﵁. والحديث أخرجه مسلم (١): حدثني سلمة بن شبيب، قال: ثنا الحسن بن أعين، قال: ثنا معقل، عن أبي الزبير، قال: "سألت جابرًا عن ثمن الكلب والسنور، فقال: زجر النبي ﵇ عن ذلك". ثم وجه النهي عن ثمن السنور ما قاله بعضهم أن ذلك لَعَلَّه على جهة الندب لإعارته؛ لأنه إذا كان له ثمن شح عليه، قال: ولأنه لا يمكن ضبطه وإن ربط لم ينتفع به، فوقع ذلك. وقال بعضهم: لعله في السنور الوحشي، وجمهور العلماء على أنه لا يمنع من بيعه، ويذكر كراهة بيعه عن أبي هريرة ومجاهد وغيرهما؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث. وقال أبو عمر بن عبد البر: حديث منع بيع السنور لا يثبت رفعه، وحديث أبي الزبير عن جابر في ذلك لم يروه غير حماد بن سلمة. وقال ابن حزم في "المحلى" (٢): ولا يحل بيع الهر، فمن اضطر إليه لأذى الفأر فواجب على من عنده منها فضل عن حاجته أن يعطيه منها ما يدفع به الله تعالى عنه الضرر. ثم روى في ذلك حديث جابر (٣) الذي رواه مسلم على ما نذكره.

стр. 5971

ثم قال: وروينا (١) من طريق قاسم بن أصبغ، نا محمد بن وضاح، نا محمد بن آدم، نا عبد الله بن المبارك، نا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله "أنه كره ثمن الكلب والسنور". فهذه فتيا جابر ﵁ بما روى، ولا نعرف له مخالفًا من الصحابة ﵃. ومن طريق (٢) سعيد بن منصور: نا أبو الأحوص، عن ليث، عن طاوس، عن مجاهد: "أنهما كرها أن يستمتع بمسوك السنانير وأثمانها". ومن طريق ابن أبي شيبة (٣): نا حفص بن غياث، عن ليث، عن طاوس ومجاهد "أنهما كرها بيع الهر وثمنه وأكله". وهو قول أبي سليمان وجميع أصحابنا. وفي "المغني": فأما الهر فقد ذكر الخرقي جواز بيعها، وبه قال ابن عباس والحسن وابن سيرين والحكم وحماد والثوري ومالك والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي. وروي عن أحمد أنه كره ثمنها، وروي ذلك عن أبي هريرة وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد، واختاره أبو بكر. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني معروف بن سويد، أن عُلَيّ بن رباح حدثهم، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل ثمن الكلب". حدثنا ابن أبي داود، قال: أنا المقدمي، قال: ثنا حميد بن الأسود، قال: ثنا عبد الله بن أبي هند، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي".

стр. 5972

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا رباح، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "ثمن الكلب من السحت". حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، قال: ثنا محمد بن الفضل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﵇ عن ثمن الكلب". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذه خمس طرق: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب المصري، عن معروف بن سويد الجذامي أبي سلمة المصري وثقه ابن حبان، عن عُلَيّ -بضم العين- بن رباح اللخمي المصري، قال العجلي: تابعي مصري ثقة. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث ابن وهب: أخبرني معروف بن سويد الجذامي، أن علي بن رباح حدثهم، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل ثمن الكلب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي". وأخرجه أبو داود (٢): عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي شيخ البخاري ومسلم، عن حميد بن الأسود الكرابيسي البصري، عن عبد الله بن أبي هند -هو عبد الله بن سعيد بن أبي هند- الفزاري المدني، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر القرشي المدني، عن عطاء بن يسار المدني، عن أبي هريرة. وهؤلاء كلهم ثقات.

стр. 5973

الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن رباح بن أبي معروف المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة. وأخرجه البزار في "مسنده": نا أحمد بن ثابت، نا أبو عامر، ثنا رباح بن أبي معروف، عن عطاء، عن أبي هريرة أن النبي ﵇ قال: "السحت: كسب الحجام، ومهر البغي، وثمن الكلب". الرابع: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن محمد بن الفضل بن غزوان، عن سليمان الأعمش، عن أبي حازم الأشجعي الكوفي سلمان. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه البزار في "مسنده": نا إبراهيم بن عبد الله بن محمد أبو شيبة، نا محمد بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: "نهى النبي ﵇ عن ثمن الكلب ومهر البغي وثمن الدم". وأخرجه النسائي (١): عن واصل بن عبد الأعلى، عن ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم قال: "نهى رسول الله ﵇ عن ثمن الكلب وعسب الفحل". الخامس: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن وكيع، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى -فيه مقال- عن عطاء، عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﵇ عن مهر البغي وكسب الحجام وثمن الكلب". ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد (ح). وحدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا عون بن أبي جحيفة، أخبرني عن أبيه، عن النبي ﵇ مثله.

стр. 5974

ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن أي بكرة بكار القاضي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن شعبة بن الحجاج، عن عون بن أي جحيفة، عن أبيه أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي الكوفي الصحابي ﵁. وأخرجه البخاري (١): نا أبو الوليد، عن شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ نهى عن ثمن الكلب وثمن الدم وكسب البغي، ولعن الواشمة، وآكل الربا وموكله، ولعن المصور". أخرجه في البيوع (١). وأخرجه أيضًا عن الحجاج بن المنهال (٢). وأخرجه في اللباس أيضًا (٣): عن سليمان بن حرب. وفي الطلاق أيضًا (٤): عن آدم. وفي اللباس أيضًا (٥): عن أبي موسى، عن غندر، كلهم عن شعبة، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه بهذا. الثاني: عن علي بن شيبة، عن روح بن عبادة، عن شعبة ... إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٦) من حديث شعبة ... إلى آخره نحو رواية البخاري. ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا أبو الزبير، قال: "سألت جابر بن عبد الله ﵁ عن ثمن الكلب والسنور، فقال: زجر عن ذلك رسول الله ﵇.

стр. 5975

ش: عمرو بن خالد بن فروخ الحراني شيخ البخاري. وابن لهيعة هو عبد الله بن لهيعة، فيه مقال. وأبو الزبير محمد بن مسلم المكي. وأخرجه مسلم (١): عن سلمة بن شبيب، عن الحسن بن أعين، عن معقل بن يسار، عن أبي الزبير قال: "سألت جابرًا عن ثمن الكلب والسنور، فقال: زجر النبي ﵇ عن ذلك". فهذا كما رأيت أخرج الطحاوي أحاديث هذا الباب عن ثمانية أنفس من الصحابة ﵃، وهم: أبو مسعود البدري، ورافع بن خديج، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأبو جحيفة ﵃. ولما أخرج الترمذي حديث رافع بن خديج قال: وفي الباب عن عمر، وأبي مسعود، وجابر، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن جعفر ﵃. وفات الطحاوي من ذلك حديث عمر وعبد الله بن جعفر. أما حديث عمر ﵁: فأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): من حديث السائب بن يزيد، عن عمر بن الخطاب ﵁، أن رسول الله ﵇ قال: "ثمن القينة سحت، وغناؤها حرام، والنظر إليها حرام، وثمنها مثل ثمن الكلب سحت، ومن نبت لحمه على السحت فالنار أولى به". وأما حديث عبد الله بن جعفر: فأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٣): من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الله بن جعفر قال: "نهى رسول الله ﵇ عن ثمن الكلب ... " الحديث.

стр. 5976

ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى تحريم أثمان الكلاب كلها، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري وربيعة وحماد بن أبي سليمان والأوزاعي والشافعي وأحمد وداود ومالكًا في رواية. وقال ابن قدامة: لا يختلف المذهب في أن بيع الكلب باطل على كل حال، وكره أبو هريرة ثمن الكلب، ورخص في ثمن كلب الصيد خاصة جابر، وبه قال عطاء والنخعي، واختلف أصحاب مالك، فمنهم من قال: يجوز، ومنهم من قال: لا يجوز، ومنهم من قال: الكلب المأذون في إمساكه يكره بيعه ويصح ولا يجوز إجارته، نص عليه أحمد، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: يجوز، وقال مالك في "الموطأ": أكره ثمن الكلب الضاري وغير الضاري؛ لنهيه ﵇ عن ثمن الكلب. وفي "شرح الموطأ" لابن زرقون: واختلف قول مالك في ثمن الكلب المباح اتخاذه، فأجازه مرة ومنعه أخرى. وبإجازته قال ابن كنانة وأبو حنيفة. قال سحنون: ويحج بثمنه. وروى عنه ابن القاسم أنه كره بيعه. قال عبد الوهاب: من أصحابنا من قال: إنه مكروه، ومنهم من قال: إنه لا يجوز، وبه قال الشافعي. وفي المدينة كان مالك يأمر ببيع الكلب الضاري في الميراث والدين والمغانم، ويكره بيعه للرجل ابتداءً. قال يحيى بن إبراهيم: قوله في الميراث يعني لليتيم، وأما لأهل الميراث البالغين فلا يباع إلا في الدين والمغانم، وروى أبو زيد عن ابن القاسم: لا بأس باشتراء كلاب الصيد، ولا يجوز بيعها. وقال أشهب في "ديوانه" عن مالك: يفسخ بيع الكلب إلا أن يطول. وحكى ابن عبد الحكم أنه يفسخ وإن طال.

стр. 5977

وقال ابن حزم في "المحلى": ولا يحل بيع كلب أصلاً لا كلب صيد ولا كلب ماشية ولا غيرهما، فإن اضطر إليه ولم يجد من يعطيه إياه فله ابتياعه وهو حلال للمشتري حرام على البائع، ينتزع منه الثمن متى قُدِرَ عليه كالرشوة في دفع الظلم وفداء الأسير ومصانعة الظالم، ولا فرق. ثم قال: وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي سليمان وأبي ثور وغيرهم. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بأثمان الكلاب كلها التي ينتفع بها. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وابن كنانة وسحنون من المالكية؛ فإنهم قالوا: الكلاب التي ينتفع بها يجوز بيعها وتباح أثمانها. وعن أبي حنيفة: أن الكلب العقور لا يجوز بيعه ولا يباح ثمنه. وقال صاحب "البداع": وأما بيع ذي ناب من السباع سوى الخنزير كالكلب فجائز عند أصحابنا، وعند الشافعي لا يجوز، ثم عندنا لا فرق بين المعلَّم وغير المعلَّم في رواية الأصل، فيجوز بيعه كيف ما كان. وروي عن أبي يوسف أنه لا يجوز بيع الكلب العقور. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك على أهل المقالة الأول فيما احتجوا به عليهم من الآثار التي ذكرنا أن الكلاب قد كان حكمها أن تقتل كلها، ولا يحل لأحد إمساك شيء منها، فلم يكن بيعها عندنا جائز ولا ثمنها حلال. فمما روي في ذلك: ما حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: "أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب كلها، فأرسل في أقطار المدينة أن تقتل".

стр. 5978

حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: "سمعت رسول الله ﵇ رافعًا صوته يأمر بقتل الكلاب". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ أمر بقتل الكلاب". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا هارون بن إسماعيل، قال: ثنا علي بن المبارك، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثتني ابنة أبي رافع، عن أبي رافع: "أن النبي ﵇ دفع العَنزة إلى أبي رافع فأمره أن يقتل كلاب المدينة كلها، حتى أفضى به القتل إلى كلب لعجوز، فأمره رسول الله ﵇ بقتله". حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عامر العقدي (ح). وحدثنا محمد بن خزيمة وصالح بن عبد الرحمن، قالا: ثنا القعنبي، قال: ثنا يعقوب بن حميد بن طحلاء، عن أبي الرجال، عن سالم بن عبد الله، عن أبي رافع قال: "أمرني النبي ﵇ بقتل الكلاب، فخرجت أقتلها لا أرى كلبًا إلا قتلته، حتى أتيت موضع كذا -وسماه- فإذا به كلب يدور ببيت فذهبت أقتله فناداني إنسان من جوف البيت: يا عبد الله، ما تريد أن تصنع؟ قلت: أريد أن أقتل هذا الكلب. قالت: إني امرأة بدار مضيعة، وإن هذا الكلب يطرد عني السباع، ويؤذن بالجائي فائت النبي ﵇ واذكر ذلك له. فأتيت النبي ﵇ فذكرت ذلك له، فأمرني بقتله". حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا هوذة بن خليفة بن عوف، عن الحسن، عن عبد الله بن المغفل ﵁، أن رسول الله ﵇ قال: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم". حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن محمد ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂: "أن جبريل ﵇ واعد النبي ﷺ -

стр. 5979

ساعةً يأتيه فيها، فذهبت الساعة ولم يأته، فخرج النبي ﵇ فإذا بجبريل ﵇ على الباب، فقال: ما منعك أن تدخل البيت؟! قال: إن في البيت كلبًا وإنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة، فأمر رسول الله ﵇ بالكلب فأخرج، ثم أمر بالكلاب أن تقتل". حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا يحيى بن صالح الوُحَاظي، قال: ثنا معاوية بن سلام، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، أن السائب بن يزيد أخبره، أن سفيان بن أبي زهير أخبره، أنه سمع النبي ﵇ يقول: "من أمسك الكلب فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراط". قال أبو جعفر ﵀: فكان هذا حكم الكلاب أن تقتل ولا يحل إمسكها ولا الانتفاع بها، فما كان الانتفاع به حرامًا فثمنه حرام، فإن كان نهي النبي ﵇ عن ثمن الكلب كان وهذا حكمها؛ فإن ذلك قد نسخ فأبيح الانتفاع بالكلاب. ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه على أهل المقالة الأولى مما احتجوا به عليهم من الأحاديث المذكورة: أن هذا إنما كان حين كان حكم الكلاب أن تقتل ولا يحل إمساك منها ولا الانتفاع بها، ولا شك أن ما حرم الانتفاع به كان ثمنه حرامًا، فلما أباح رسول الله ﷺ الانتفاع بها للاصطياد ونحوه ونهى عن قتلها؛ نسخ ما كان من النهي عن بيعها وتبادل ثمنها. فإن قيل: ما وجه هذا النسخ؟ قلت: وجهه ظاهر، وهو أن الأصل في الأشياء الإباحة، فلما ورد النهي عن اتخاذ الكلاب وورد الأمر بقتلها، علمنا أن اتخاذها حرام، وأن بيعها حرام أيضًا؛ لأن ما كان الانتفاع به حرامًا فثمنه حرام كالخنزير ونحوه. ثم لما وردت الإباحة بالانتفاع بها للاصطياد ونحوه وورد النهي عن قتلها؛ علمنا أن ما كان قبل ذلك من الحكمين المذكورين قد انتسخ بما ورد بعده، ولا شك أن الإباحة بعد التحريم نسخٌ لذلك التحريم ورفعٌ لحكمه.

стр. 5980

قوله: "فمما روي في ذلك" إشارة إلى بيان ما روي من الأمر بقتل الكلاب، ومن النهي عن اتخاذها، فمن ذلك: ما رواه عبد الله بن عمر ﵄. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا فهدًا. واسم أبي أسامة حماد بن أسامة القرشي الكوفي. وأخرجه مسلم (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة ... إلى آخره نحوه. الثاني: رجاله كلهم رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبيد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ . وأخرجه البخاري (٢): من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ أمر بقتل الكلاب". الثالث: رجاله كلهم أيضًا رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٣): عن وهب بن بيان، عن ابن وهب ... إلى آخره. ومنها ما رواه أبو رافع ﵁. وأخرجه من ثلاث طرق: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن هارون بن إسماعيل الخزاز البصري، عن علي بن المبارك الهنائي البصري، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن ابنة أبي رافع، عن أبي رافع، أن النبي ﵇ ... إلى آخره. وأبو رافع اسمه إبراهيم، ويقال: أسلم، ويقال: ثابت، ويقال: هرمز، وهو مولى النبي ﵇ كان للعباس فوهبه للنبي ﵇، فلما بشره بإسلام عباس أعتقه،

стр. 5981

شهد أُحُدًا والخندق وما بعدها من المشاهد ولم يشهد بدرًا، وكان إسلامه قبل بدر، مات بالمدينة في خلافة علي ﵁. واسم ابنته سلمى، ذكر في "التكميل" جماعة ممن روى عن أبي رافع، ثم قال في آخرهم: وابنته سلمى. أي: وروى عنه أيضًا ابنته سلمى. والحديث أخرجه أبو يعلى في "مسنده": ثنا محمد بن أبي بكر، نا هارون الخزاز، نا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثتني بنت أبي رافع، عن أبي رافع: "أن رسول الله ﵇ دفع العنزة إلى أبي رافع فأمره أن يقتل كلاب المدينة، فقتلها حتى أفضى به القتل إلى كلب لعجوز، فأمر رسول الله ﵇ أن يقتله" انتهى. "والعنزة": مثل نصف الرمح أو أكبر سنًّا، وفيها سنان مثل سنان الرمح، والعكازة قريب منها. قوله: "حتى أفضى به القتل" أي انتهى به القتل إلى كلب لعجوز. الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن يعقوب بن محمد بن طحلاء المدني، عن أبي الرجال -جمع رجل- محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃، عن أبي رافع قال: "أمرني النبي ﵇ ... " إلى آخره. وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وأخرجه أبو يعلى أيضًا بهذا الإسناد والمتن، وقال: ثنا المقدمي، نا أبو عامر، ثنا يعقوب بن محمد ... إلى آخره. قوله: "بدار مَضِيعة" بفتح الميم وكسر الضاد المعجمة على وزن مَفْعِلَة (١)، من الضياع وهو الإطراح والهوان، فكأنها فيها ضائع.

стр. 5982

قوله: "ويؤذن" من الإيذان وهو الإعلام. الثالث: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن صالح بن عبد الرحمن، كلاهما عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري وأبي داود، عن يعقوب بن محمد بن طحلاء ... إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح. ومنها ما رواه عبد الله بن المغفل: أخرجه عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن هوذة بن خليفة بن عبد الله البكراوي البصري الأصم، عن عوف ابن أبي جميلة الأعرابي، عن الحسن البصري، عن عبد الله بن المغفل المزني الصحابي ﵁. وعن أحمد: هوذة عن عوف ضعيف. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. والحديث أخرجه النسائي (١): أنا عمران بن موسى، ثنا يزيد بن زريع، نا يونس، عن الحسن، عن عبد الله بن المغفل، قال: قال رسول الله ﷺ : "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها الأسود البهيم، وأيما قوم اتخذوا كلبًا ليس بكلب حرث أو صيد أو ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراط". قوله: "أُمَّة" أي جيل وطائفة، يقال لكل جيل من الحيوان والناس: أُمَّة. وقد روي عن ابن عباس ﵄: "أن الكلاب من الحن وهي ضعفة الجن، فإذا غشيتكم عند طعامكم فألقوا إليها الشيء فإن لها أنفسًا، يعني أعينًا". وقال إسماعيل بن أمية: أمتان من الجن مسختا وهما الكلاب والحيات. وروى إسماعيل المكي، عن أبي رجاء العطاردي، قال: سمعت ابن عباس يقول: "السود من الكلاب الجن والبقع منها الحن".

стр. 5983

وأنشد بعضهم في الجن والحن قول الشاعر: أَبِيتُ أهوى في شياطين تُرِنُّ ... مختلف نَجْوَاهم جِنّ وحِنّ وقال الجوهري: الحِنُّ -بالكسر- حيّ من الجن، قال الراجز: أَبيتُ أهوى ... إلى آخره. ورجل محنون: أي مجنون، وبه حنة: أي جنة، ويقال: الحِنُّ خلق بين الجن والإنس. انتهى. وقال صاحب "العين": الحِنُّ حيّ من الجن منهم الكلاب البهم، يقال منه: كلب حِنيّ. وقال أبو عمر في "التمهيد" (١): وعن أبي ثعلبة الخشني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "الِجن ثلاثة أثلاث: فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وثلث حيات وكلاب، وثلث يحلون ويظعنون". وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﵇: "الجن ثلاثة أثلاث: فثلث كلاب وحيات وخشاش الأرض، وثلث ريح هفافة، وثلث كبني آدم لهم الثواب وعليهم العقاب. وخلق الله الإنس ثلاثة أثلاث: فثلث لهم قلوب لا يفقهون بها وأعين لا يبصرون بها وآذان لا يسمعون بها إنْ هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً. وثلث أجسادهم كأجساد بني آدم وقلوبهم قلوب الشياطين. وثلث في ظل الله يوم القيامة". قوله: "كل أسود بهيم" البهيم في الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه وإنما خص البهيم لأنه أكثر الكلاب أذى وأبعدها من تعلم ما ينفع؛ ولذلك روي أن الكلب الأسود البهيم شيطان، أي بعيد من المنافع قريب من المضرة والأذى، وهذه أمور لا تدرك بنظر ولا يوصل إليها بقياس، وإنما ينتهى فيها إلى ما جاء عنه ﵇.

стр. 5984

وقال أبو عمر (١): احتجت طائفة بحديث عبد الله بن المغفل أن الأمر بقتل الكلاب منسوخ، واحتجوا أيضًا بما رواه سعيد بن المسيب: "أن رسول الله ﵇ أمر بقتل الكلاب ثم قال: إنها أمة ولا أحب أن أفنيها, ولكن اقتلوا كل أسود بهيم". وقد قال ابن جريج في حديث أبي الزبير، عن جابر ﵁: "أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب. قال: فكنا نقتلها حتى قال: إنها أمة من الأمم، ثم نهى عن قتلها، وقال: عليكم بالأسود ذي الذقين -أو قال: ذي النكتتين- فإنه شيطان". ومنها ما روته عائشة ﵂: أخرجه عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن إسماعيل ابن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني، عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص المدني، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة ﵂. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يزيد، أنا محمد -يعني ابن عمرو- عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ قالت: "واعد رسول الله ﷺ جبريل ﵇ في ساعة أن يأتيه فيها، فراث عليه أن يأتيه فيها، فخرج رسول الله ﵇ فوجده بالباب قائمًا، فقال رسول الله ﵇: إني انتظرتك لميعادكَ؟! فقال: إن في البيت كلبًا ولا ندخل بيتًا فيه كلب؛ ولا صورة، وكان تحت سرير عائشة ﵂ جرو كلب؛ فأمر به رسول الله ﵇ فأخرج، ثم أمر بالكلاب حين أصبح فقتلت". قوله: "إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب" قيل: هو خصوص لجبريل ﵇ وحده، بدليل الحفظة، وقيل: بل الملائكة على عموم الحديث. قلت: الظاهر أن المراد منه الملائكة كلهم غير الحفظة؛ لأن الحفظة لا يفارقون بني آدم، والله أعلم.

стр. 5985

ومنها ما رواه سفيان بن أبي زهير ﵁: أخرجه عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يحيى بن صالح الوُحَاظي أبي زكرياء الشامي الدمشقي شيخ البخاري، عن معاوية بن أبي سلام الحبشي الأسود، عن يحيى بن أبي كثير، عن السائب بن يزيد الصحابي، عن سفيان بن أبي زهير واسمه القرد الأزدي الشنائي. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه البخاري في "الزراعة" (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، عن سفيان بن أبي زهير، عن النبي ﵇ أنه قال: "من اقتنى كلبًا لا يغني عنه زرعًا ولا ضرعًا نقص من عمله كل يوم قيراط". وأخرجه أيضًا في "بدء الخلق" (٢): عن القعنبي، عن سليمان بن بلال. وأخرجه مسلم (٣): نا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن يزيد بن خصيفة ... إلى آخره. قوله: "كل يوم قيراط" أراد بالقيراط ها هنا جرامًا، وهو في الأصل جزء من أجزاء الدينار وهو نصف عشره في أكثر البلاد، وأهل الشام يجعلونه جزءًا من أربعة وعشرين، والياء فيه بدل من الراء؛ فإن أصله قرَّاط، ويجمع على قراريط، وقد جاء في حديث آخر "قيراطان". وفي الرواية الأخرى "نقص من عمله" والكل يرجع إلى معنى واحد: أي من أجر عمله (٤).

стр. 5986

ثم قيل: يحتمل ذلك لما يُدْخِله من الروع على المسلمين والأذى لهم يكتسب من الإثم بما ينقص من أجر عمله هذا المقدار ويوازنه لو لم يكن. وقيل: بل ذلك عقوبة له لاتخاذه ما نهي عنه وعصيانه في ذلك. وقيل: بل إن امتناع دخول الملائكة بيته بسببه. وقيل: بل لما يكتسبه من مراقبة أحكام اتخاذه من غسل الإناء من ولوغها ومن نجاستها -عند من يراها نجسة- وأنه لا يكاد يتحفظ منه ويراعي ذلك، فيدخل عليه الإثم من أجله، فيدخل عليه في هذه الوجوه من السيئات ما ينقص عمله وأجره في يومه. وقيل: يكون ذلك بذهاب أجره في إحسانه إليه من أن في الكل ذي كبد رطبة أجر، فقد يمحق أجره في ذلك وينقصه ما يلحق مقتنيه من السيئات بترك أدائه العبادات فيه ومراعاة أحكامه، أو لترويع غيره. وقيل: يختص هذا النقص من البر ما يطابق الإثم وهو أجره من تغيير المنكر كل يوم فينتقص منه ذلك القدر لموافقته في اتخاذ الكلب مثله، والله أعلم بما أراد رسوله. وذكر القيراط هنا تقدم لمقدار الله أعلم به وما جاء في الحديث الآخر من قوله: "قيراطان"، فقيل: يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب أحدهما أشد أذى من الآخر، أو لمعنى فيهما، أو يكون في اختلاف المواقع فيكون القيراطان في المدينة خاصة والقيراط في غيرها، أو القيراطان في المدائن والحواضر والقيراط في غيرها، أو يكون ذلك في زمنين فذكر القيراط أولاً ثم أراد التغليظ فذكر القيراطين، والله أعلم بمراده. ص: وروي في ذلك ما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا حنظلة بن أبي سفيان، قال: سمعت سالم بن عبد الله يقول: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اقتنى كلبًا -إلا كلبًا ضاريًا بصيد أو كلب ماشية- فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان".

стр. 5987

حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "من اقتنى كلبًا -إلا كلب صيد أو ماشية- نقص من عمله كل يوم قيراطان". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عارم، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "قيراط". حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا الفريابي، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن بكير، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو كلب ماشية". ثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، قال: قال ابن شهاب، حدثني سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: "سمعت رسول الله ﵇ رافعًا صوته يأمر بقتل الكلاب، فكانت الكلاب تقتل إلا كلب صيد أو ماشية". قال ابن شهاب: وحدثني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﵇ قال: "من اقتنى كلبًا -ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض- فإنه ينقص من أجره قيراطان في كل يوم". حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي الحكم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتنى كلبًا -غير كلب زرع ولا صيد- نقص من عمله كل يوم قيراطان".

стр. 5988

حدثنا حسين، قال: أنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زهير، قال: ثنا موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ مثله. غير أنه قال: "إلا كلبًا ضاريّا أو كلب ماشية". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أمية بن بسطام، قال: ثنا يزيد زريع، عن روح ابن القاسم، عن بجير بن أبي بجير، عن عبد الله بن عمرو: "أن رسول الله ﵇ ذكر الكلاب فقال: من اتخذ كلبًا -ليس بكلب قنص أو كلب ماشية- نقص من أجره كل يوم قيراط". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الحميد بن صالح، قال: ثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن أبي سلمة وغيره، عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الكلب وقال: لا يتخذ الكلب إلا صيادًا أو خائف أو صاحب غنم". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا بشر بن بكر، قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أمسك كلبًا فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراطًا إلا كلب حرث أو ماشية". حدثنا بحر، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، أن أبا الزبير أخبره: "أنه سأل جابرًا: أقال النبي ﵇ في الكلاب شيئًا؟ قال: أمر بقتلهن، ثم أذن لطوائف". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن أبي التياح، عن مطرف، عن عبد الله بن المغفل قال: "أمر رسول الله ﵇ بقتل الكلاب ثم قال: ما لي وللكلاب؟! ثم رخص في كلب الصيد وفي كلب آخر نسيه سعيد". حدثنا محمد بن النعمان، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن يزيد بن خصيفة، قال: أخبرني السائب بن يزيد، أن سفيان بن أبي زهير الشنوي أخبره، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من اقتنى كلبًا -لا يغني عنه في ضرع ولا في

стр. 5989

زرع- نقص من عمله كل يوم قيراط. قال: فقال السائب: أأنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فقال: إي ورب القبلة". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكاً حدثه، عن يزيد بن خصيفة ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرني محمد بن جعفر، قال: أخبرني يزيد بن خصيفة ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يذكر قول السائب لسفيان: "أسمعت هذا من رسول الله ﵇؟ ". قال أبو جعفر ﵀: فلما ثبتت الإباحة بعد النهي، وأباح الله تعالى في كتابه ما أباح بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾، اعتبرنا حكم ما ينتفع به هل يجوز بيعه ويحل ثمنه أم لا؟ فرأينا الحمار الأهلي قد نهي عن أكله وأبيح كسبه والانتفاع به، فكان بيعه إذا كان هذا حكمه حلالًا وثمنه حلال، فكان يجيء في النظر أن يكون كذلك الكلاب لمَّا أبيح الانتفاع بها؛ حل بيعها وأكل ثمنها، ويكون ما روي في حرمة أثمانها كان في وقت حرمة الانتفاع بها، وما روي في إباحة الانتفاع بها دليل على حِلِّ أثمانها. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي روي في إباحة الانتفاع بالكلاب لنحو الصيد: ما حدثنا علي بن معبد ... إلى آخره. فهذا يدل على أن ما كان من النهي عن اتخاذ الكلاب قد انتسخ ورفع حكمه كما قد ذكرناه مستقصى. ثم إنه أخرج حديث ابن عمر ﵄ من عشر طرق صحاح: الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن مكي بن إبراهيم بن بشير البلخي شيخ البخاري، عن حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان المكي، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر ﵃، عن النبي ﷺ .

стр. 5990

وأخرجه البخاري (١): عن مكي بن إبراهيم ... إلى آخره نحوه. ومسلم (٢): عن إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا وكيع، قال: نا حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتنى كلبًا إلا كلبًا ضاريًا أو ماشية نقص من عمله كل يوم قيراطان". قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: "أو كلب حرث. وكان صاحب حرث". قوله: "من اقتنى" أي من اتخذ، يقال: قناه يَقْنُوه واقتناه: إذا اتخذه لنفسه دون البيع. قوله: "إلا كلبًا ضاريًا بصيد" يقال: ضرى الكلب وأضراه صاحبه أي عوده وأغراه به، ويجمع على ضوار. والمواشي الضارية المعتادة لرعي زرع الناس. وقد مرّ الكلام في القيراط والقيراطين. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇. وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير وابن نمير، قالوا: نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇، قال: "من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان". الثالث: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ مثله. وأخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤) أيضًا من حديث مالك نحوه.
следующие страницы →