← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

ثم قيل: يحتمل ذلك لما يُدْخِله من الروع على المسلمين والأذى لهم يكتسب من الإثم بما ينقص من أجر عمله هذا المقدار ويوازنه لو لم يكن. وقيل: بل ذلك عقوبة له لاتخاذه ما نهي عنه وعصيانه في ذلك. وقيل: بل إن امتناع دخول الملائكة بيته بسببه. وقيل: بل لما يكتسبه من مراقبة أحكام اتخاذه من غسل الإناء من ولوغها ومن نجاستها -عند من يراها نجسة- وأنه لا يكاد يتحفظ منه ويراعي ذلك، فيدخل عليه الإثم من أجله، فيدخل عليه في هذه الوجوه من السيئات ما ينقص عمله وأجره في يومه. وقيل: يكون ذلك بذهاب أجره في إحسانه إليه من أن في الكل ذي كبد رطبة أجر، فقد يمحق أجره في ذلك وينقصه ما يلحق مقتنيه من السيئات بترك أدائه العبادات فيه ومراعاة أحكامه، أو لترويع غيره. وقيل: يختص هذا النقص من البر ما يطابق الإثم وهو أجره من تغيير المنكر كل يوم فينتقص منه ذلك القدر لموافقته في اتخاذ الكلب مثله، والله أعلم بما أراد رسوله. وذكر القيراط هنا تقدم لمقدار الله أعلم به وما جاء في الحديث الآخر من قوله: "قيراطان"، فقيل: يحتمل أن يكون في نوعين من الكلاب أحدهما أشد أذى من الآخر، أو لمعنى فيهما، أو يكون في اختلاف المواقع فيكون القيراطان في المدينة خاصة والقيراط في غيرها، أو القيراطان في المدائن والحواضر والقيراط في غيرها، أو يكون ذلك في زمنين فذكر القيراط أولاً ثم أراد التغليظ فذكر القيراطين، والله أعلم بمراده. ص: وروي في ذلك ما حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: ثنا حنظلة بن أبي سفيان، قال: سمعت سالم بن عبد الله يقول: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من اقتنى كلبًا -إلا كلبًا ضاريًا بصيد أو كلب ماشية- فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان".

стр. 5987

حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "من اقتنى كلبًا -إلا كلب صيد أو ماشية- نقص من عمله كل يوم قيراطان". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عارم، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "قيراط". حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا الفريابي، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن بكير، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو كلب ماشية". ثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، قال: قال ابن شهاب، حدثني سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: "سمعت رسول الله ﵇ رافعًا صوته يأمر بقتل الكلاب، فكانت الكلاب تقتل إلا كلب صيد أو ماشية". قال ابن شهاب: وحدثني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﵇ قال: "من اقتنى كلبًا -ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض- فإنه ينقص من أجره قيراطان في كل يوم". حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي الحكم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتنى كلبًا -غير كلب زرع ولا صيد- نقص من عمله كل يوم قيراطان".

стр. 5988

حدثنا حسين، قال: أنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زهير، قال: ثنا موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ مثله. غير أنه قال: "إلا كلبًا ضاريّا أو كلب ماشية". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أمية بن بسطام، قال: ثنا يزيد زريع، عن روح ابن القاسم، عن بجير بن أبي بجير، عن عبد الله بن عمرو: "أن رسول الله ﵇ ذكر الكلاب فقال: من اتخذ كلبًا -ليس بكلب قنص أو كلب ماشية- نقص من أجره كل يوم قيراط". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الحميد بن صالح، قال: ثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن أبي سلمة وغيره، عن أبي هريرة ﵁ قال: "نهى رسول الله ﷺ عن الكلب وقال: لا يتخذ الكلب إلا صيادًا أو خائف أو صاحب غنم". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا بشر بن بكر، قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أمسك كلبًا فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراطًا إلا كلب حرث أو ماشية". حدثنا بحر، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، أن أبا الزبير أخبره: "أنه سأل جابرًا: أقال النبي ﵇ في الكلاب شيئًا؟ قال: أمر بقتلهن، ثم أذن لطوائف". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن أبي التياح، عن مطرف، عن عبد الله بن المغفل قال: "أمر رسول الله ﵇ بقتل الكلاب ثم قال: ما لي وللكلاب؟! ثم رخص في كلب الصيد وفي كلب آخر نسيه سعيد". حدثنا محمد بن النعمان، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن يزيد بن خصيفة، قال: أخبرني السائب بن يزيد، أن سفيان بن أبي زهير الشنوي أخبره، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من اقتنى كلبًا -لا يغني عنه في ضرع ولا في

стр. 5989

زرع- نقص من عمله كل يوم قيراط. قال: فقال السائب: أأنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فقال: إي ورب القبلة". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكاً حدثه، عن يزيد بن خصيفة ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرني محمد بن جعفر، قال: أخبرني يزيد بن خصيفة ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يذكر قول السائب لسفيان: "أسمعت هذا من رسول الله ﵇؟ ". قال أبو جعفر ﵀: فلما ثبتت الإباحة بعد النهي، وأباح الله تعالى في كتابه ما أباح بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾، اعتبرنا حكم ما ينتفع به هل يجوز بيعه ويحل ثمنه أم لا؟ فرأينا الحمار الأهلي قد نهي عن أكله وأبيح كسبه والانتفاع به، فكان بيعه إذا كان هذا حكمه حلالًا وثمنه حلال، فكان يجيء في النظر أن يكون كذلك الكلاب لمَّا أبيح الانتفاع بها؛ حل بيعها وأكل ثمنها، ويكون ما روي في حرمة أثمانها كان في وقت حرمة الانتفاع بها، وما روي في إباحة الانتفاع بها دليل على حِلِّ أثمانها. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي روي في إباحة الانتفاع بالكلاب لنحو الصيد: ما حدثنا علي بن معبد ... إلى آخره. فهذا يدل على أن ما كان من النهي عن اتخاذ الكلاب قد انتسخ ورفع حكمه كما قد ذكرناه مستقصى. ثم إنه أخرج حديث ابن عمر ﵄ من عشر طرق صحاح: الأول: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن مكي بن إبراهيم بن بشير البلخي شيخ البخاري، عن حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان المكي، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر ﵃، عن النبي ﷺ .

стр. 5990

وأخرجه البخاري (١): عن مكي بن إبراهيم ... إلى آخره نحوه. ومسلم (٢): عن إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا وكيع، قال: نا حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "من اقتنى كلبًا إلا كلبًا ضاريًا أو ماشية نقص من عمله كل يوم قيراطان". قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: "أو كلب حرث. وكان صاحب حرث". قوله: "من اقتنى" أي من اتخذ، يقال: قناه يَقْنُوه واقتناه: إذا اتخذه لنفسه دون البيع. قوله: "إلا كلبًا ضاريًا بصيد" يقال: ضرى الكلب وأضراه صاحبه أي عوده وأغراه به، ويجمع على ضوار. والمواشي الضارية المعتادة لرعي زرع الناس. وقد مرّ الكلام في القيراط والقيراطين. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇. وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير وابن نمير، قالوا: نا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇، قال: "من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان". الثالث: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ مثله. وأخرجه البخاري (٣) ومسلم (٤) أيضًا من حديث مالك نحوه.

стр. 5991

الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عارم محمد بن الفضل شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا إسماعيل، نا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ أنه قال: "من اتخذ -أو قال: اقتنى- كلبًا ليس بضارٍ ولا كلب ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان. فقيل له: إن أبا هريرة يقول: وكلب حرث. فقال: إن لأبي هريرة حرث". الخامس: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢). السادس: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﵇. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من عمله كل يوم قيراطان". السابع: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يحيى بن بكير -هو يحيى بن عبد الله بن بكير- القرشي المخزومي شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن عبد الله ابن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇. وهذا أيضًا إسناد صحيح.

стр. 5992

وأخرجه مسلم (١): نا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر -قال يحيى بن يحيى: أنا، وقال الآخرون: ثنا- إسماعيل وهو ابن جعفر، عن عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من عمله كل يوم قيراطان". الثامن: عن بحر بن نصر، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي ﵇. وأخرجه النسائي (٢): أنا وهب بن بيان، نا ابن وهب، أخبرني يونس، قال: قال ابن شهاب: حدثني سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: "سمعت رسول الله ﵇ رافعًا صوته يأمر بقتل الكلاب، فكانت الكلاب تقتل إلا كلب صيد أو ماشية". وهذا الطريق أخرجه الطحاوي فيما مضى -يعني هذا الإسناد- ولكن عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب -عوض: بحر بن نصر، عن عبد الله ابن وهب- ولكن هناك أخرجه مختصرًا. التاسع: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون، عن همام بن يحيى عن قتادة، عن أبي الحكم عمران بن الحارث السلمي الكوفي، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇. وأخرجه مسلم (١): نا محمد بن المثنى وابن بشار -واللفظ لابن المثنى- قالا: نا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي الحكم، قال: سمعت ابن عمر يحدث عن النبي ﵇ قال: "من اتخذ كلبًا إلا كلب زرع أو غنم أو صيد ينقص من أجره كل يوم قيراط". العاشر: عن حسين بن نصر، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇.

стр. 5993

وأخرجه النسائي (١): عن قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: "من أمسك كلبًا إلا كلب ضار أو كلب ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان". وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أمية بن بسطام البصري شيخ البخاري، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم التميمي العنبري، عن إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد القاص المكي، عن بجير بن أبي بجير الحجازي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وأخرجه الطبراني في "الكبير": نا إبراهيم بن هاشم البغوي، نا أمية بن بسطام، نا يزيد بن زريع، نا روح بن القاسم، عن إسماعيل بن أمية، عن بجير بن أبي بجير، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: "من اتخذ كلبًا ليس كلب قنص ولا كلب ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط ... " الحديث. فإن قلت: ما حال إسناد هذا الحديث؟ قلت: رجاله ثقات، غير أن بجير بن أبي بجير قال يحيى بن معين: لم أسمع أحدًا يحدث عنه غير إسماعيل بن أمية. وقال الذهبي: لم يعرفه ابن أبي حاتم بشيء. قوله: "ليس بقنص" أي صيد، والقانص: الصائد. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه من طريقين: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الحميد بن صالح بن عجلان البرجمي الكوفي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- عن أبيه أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف وغيره، عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﷺ ... ". وهذا إسناد جيد.

стр. 5994

الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن بشر بن بكر التنيسي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الله، عن أبي هريرة. وأخرجه مسلم (١): عن إسحاق بن إبراهيم، عن شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ بمثله. وأما حديث جابر: فأخرجه عن بحر بن نصر، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن لهيعة، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي "أنه سأل جابرًا ﵁ ... " إلى آخره. وقد مرَّ غير مرة الكلام في ابن لهيعة. وأما حديث عبد الله بن المغفل: فأخرجه عن أبي بكرة بكار القاضي، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي التياح يزيد بن حميد الضبعي البصري، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عبد الله بن المغفل. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه مسلم (٢): نا عبيد الله بن معاذ، قال: نا أبي، قال: نا شعبة، عن أبي التياح، سمع مطرف بن عبد الله، عن ابن المغفل قال: "أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب؟! ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم". وله في رواية أخرى (٣): "ورخص في كلب الغنم والصيد والزرع".

стр. 5995

وأما حديث سفيان بن أبي زهير ﵁ فأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن محمد بن النعمان، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن سليمان بن بلال، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد الصحابي، عن سفيان بن أبي زهير الشنوي. وأخرجه البخاري في "بدء الخلق" (١): عن القعنبي، عن سليمان بن بلال ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، عن سفيان بن أبي زهير. وأخرجه البخاري في المزارعة (٢): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك ... إلى آخره نحوه. الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، عن يزيد بن خصيفة ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٣). قوله: "نسيه سعيد" بن أبي سعيد بن عامر الضبعي، والكلب الآخر الذي نسيه سعيد هو كلب الغنم، كما صرح به في رواية مسلم. قوله: "الشَّنَوي" بفتح الشين المعجمة والنون، ووقع في رواية مسلم والنسائي: "الشَّنَائي" -بفتح الشين والنون بعدها همزة مكسورة- منسوب إلى أزد شنوءة. قال القاضي: ووقع عند السمرقندي بالواو مكان الهمزة على التسهيل، ورواه بعض رواة البخاري: "شُنوي" بضم النون على الأصل.

стр. 5996

قوله: "لا يغني عنه في ضرع ولا زرع" قال الجوهري: الضرع لكل ذات ظلف أو خف. قوله: "أأنت سمعت" الهمزة فيه للاستفهام على وجه الاستخبار. ص: وقد حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، قال: ثنا محمد بن يوسف الفريابي، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن عبيدة، عن القعقاع بن حكيم، عن سلمى أم رافع، عن أبي رافع قال: "جاء جبريل ﵇ إلى النبي ﷺ فاستأذن عليه فأذن له، فأبطأ، فأخذ رداءه فخرج، فقال: قد أَذِنَّا لك، فقال: أجل يا رسول الله، ولكنا لا ندخل بيتًا فيه صورة ولا كلب، فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو، فأمر أبا رافع أن لا يدع كلبًا بالمدينة إلا قتله، فإذا بامرأة من ناحية المدينة لها كلب يحرس عنها. قال: فرحمتها، فأتيت النبي ﵇، فأمرني فقتلته، فأتاه ناس من الناس فقالوا: يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرتنا بقتلها؟ قال: فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (١) ". حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا سليمان الجعفي، قال: ثنا يحيى بن زكرياء، قال: ثنا موسى بن عبيدة، قال: حدثني أبان بن صالح، عن القعقاع بن حكيم، عن سلمى أم بني رافع، عن أبي رافع قال: "لما أمر رسول الله ﵇ بقتل الكلاب، أتاه ناس فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (١) ". ففي هذا الحديث أيضًا مثل ما قبله مما أباحه رسول الله ﷺ بعد أن أمر بقتلها وإن كان لم يذكر في هذا الحديث غير ما يضاد به منها، وفيه زيادة على ما قبله من الأحاديث في الإباحة التي ذكرنا؛ لأن فيه نزول هذه الآية بعد تحريم الكلاب، وأن

стр. 5997

هذه الآية أعادت الجوارح المكلبين إلى أن صيرتها حلالاً، وإذا صارت كذلك كانت في حكم سائر الأشياء التي هي حلال في حل إمساكها، وإباحة أثمانها، وضمان متلفيها ما أتلفوا منها كغيرها. ش: ذكر حديث أبي رافع تأييدًا لما ذكره فيما مضى من انتساخ حكم الأمر بقتل الكلاب وحكم النهي عن اتخاذها، وبيانًا أن حديث أبي رافع مثل الأحاديث المذكور في إباحة اتخاذ الكلاب بعد الأمر بقتلها، مع زيادة فيه على تلك الأحاديث وهي أنه يتضمن نزول قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ (١) بعد تحريم الكلاب، فتكون هذه الآية أيضًا ناسخة لما تقدم من الأحاديث التي فيها الأمر بقتل الكلاب والنهي عن اتخاذها فبينت هذه الآية أن اتخاذ هذه الجوارح حلال، فإذا كانت حلالاً صار حكمها كحكم سائر الأشياء التي هي حلال، في حل إمساكها، وجواز بيعها، وإباحة أثمانها، وفي وجوب الضمان على متلفيها كما في غيرها من الأشياء. وفي هذا الفصل خلاف. فعند أبي حنيفة وأصحابه: إذا قتل كلب رجل الذي يصيد به أو يقتنيه لزرعه أو لماشيته أو نحو ذلك؛ تجب عليه قيمته. وقال أبو عمر ﵀: لا خلاف عن مالك أن من قتل كلب صيد أو ماشية أو زرع فعليه القيمة، ومن قتل غيرها من الكلاب فليس عليه شيء. وروي عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه جعل في كلب الصيد القيمة. وعن عطاء مثله. وعن ابن عمر أنه أوجب فيه أربعين درهمًا وأوجب في كلب ماشية فرقًا من طعام. وعن عثمان ﵁ أنه أجاز الكلب الضاري، وجعل على قاتله عشرًا من الإبل.

стр. 5998

وفي "شرح الموطأ" لابن زرقون: لا خلاف عن مالك أن من قتل كلب صيد أو ماشية أو زرع فعليه قيمته، ولا قيمة على من قتل كلب الدار. وقال الشافعي: لا قيمة عليه بحال. وفي "المغني" لابن قدامة: ومن قتله وهو معلَّم فقد أساء ولا غرم عليه، وبهذا قال الشافعي، وأوجب مالك وعطاء عليه الغرم. وقال ابن حزم في "المحلى": ولا يحل قتل الكلاب فمن قتلها ضمنها بمثلها أو بما يتراضيا عليه عوضًا منها إلا الأسود البهيم أو الأسود ذا النقطتين أينما كانت النقطتان منه، فإن عظمتا حتى لا تسمى في اللغة العربية نقطتين لكن تسمى لمعتين لم يجز قتله. ثم إنه أخرج حديث أبي رافع من طريقين: الأول: عن عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم المصري (١)، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي -ضعفه يحيى وأحمد، وعن يحيى: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة. وهو يروي عن القعقاع بن حكيم الكناني المدني -عن سلمى أم رافع- وهي خادم النبي ﵇، وهي مولاة صفية بنت عبد المطلب وهي امرأة أبي رافع، ويقال أيضًا مولاة النبي ﵇ وكانت قابلة بني فاطمة بنت رسول الله ﵇ وهي التي غسلت فاطمة مع زوجها علي ﵄ ومع أسماء بنت عميس ﵂، وشهدت خيبر مع رسول الله ﵇، وهي تروي عن أبي رافع مولى النبي ﵇ واسمه إبراهيم، وقد مرت ترجمته غير مرة.

стр. 5999

والحديث أخرجه أبو يعلى في "مسنده": ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا ابن نمير، عن موسى بن عبيدة، أخبرني أبان بن صالح، عن القعقاع بن حكيم، عن سلمى أم رافع، عن أبي رافع قال: "جاء جبريل ﵇ فاستأذن على رسول الله ﵇ فأذن له، فأبطأ عليه، فأخذ رسول الله ﵇ رداءه فقام إليه وهو قائم بالباب، فقال رسول الله ﵇: قد أَذنَّا، فقال: أجل يا رسول الله، ولكنَّا لا ندخل بيتًا فيه صورة ولا كلب، فنظروا فوجدوا جروًا في بعض بيوتهم. قال أبو رافع: فأمرني حين أصبحت فلم أدع بالمدينة كلبًا إلا قتلته، فإذا أنا بامرأة قاصية ولها كلب ينبح عليها، فكأني رحمتها فتركته، فجئته فأخبرته، فأمرني أن أقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته، قال: فقال الناس: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمّة التي أمرت بقتلها؟ فأنزل الله ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (١) ". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢) بإسناد الطحاوي مختصرًا، وقال: نا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، ثنا محمد بن يوسف الفريابي، ثنا سفيان، عن موسى ابن عبيدة، عن أبان بن صالح، عن القعقاع بن حكيم، عن سلمى، عن أبي رافع، قال: "جاء ناس إلى النبي ﵇ فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ -يعني الكلاب- فأنزل الله ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ...﴾ الآية". الطريق الثاني: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن سليمان [......] (٣) عن يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن موسى بن عبيدة الربذي، عن أبان بن صالح بن عمير المدني، عن القعقاع بن حكيم، عن سلمى ... إلى آخره.

стр. 6000

وأخرجه أبو يعلى أيضًا في "مسنده": ثنا المقدمي، ثنا زيد بن الحباب، ثنا موسى بن عبيدة، حدثني أبان بن صالح، عن القعقاع بن حكيم، عن سلمى امرأة أبي رافع، عن أبي رافع: "أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فاستأذن فأذن له، فأبطأ عليه، فأخذ النبي ﵇ رداءه ثم خرج إليه فقال: قد أذنَّا لك، قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة. قال أبو رافع: فأمرني النبي ﵇ أن أقتل كل كلب بالمدينة، فخرجت فإذا امرأة عندها كلب فتركته رحمة لها، ثم جئت إلى النبي ﷺ فأخبرته، فأمرني أن أعود إلى الكلب فأقتله، ثم جاء الناس فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت النبي ﵇ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (١) فقال رسول الله ﷺ : إذا أرسل الرجل كلبه وذكر اسم الله عليها يؤكل ما لم يأكل". ثم الكلام في معنى الآية الكريمة: فقوله: ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾: يتناول المعنيين: أحدهما: الطيب المستلذ، والآخر: الحلال؛ وذلك لأن ضد الطيب هو الخبيث، والخبيث حرام، فإذًا الطيب حلال، والأصل فيه الاستلذاذ، فشبه الحلال به في انتفاء المضرة فيهما جميعًا. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا﴾ (٢) يعني الحلال. قال: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٣) فجعل الطيبات في مقابلة الخبائث، والخبائث هي المحرمات، وقال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٤) وهو يحتمل ما حَلَّ لكم، ويحتمل ما استطبتموه.

стр. 6001

فقوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (١) جائز أن يريد به ما استطبتموه واستلذذتموه ما لا ضرر عليكم في تناوله من طريق الدين، فرجع ذلك إلى معنى الحلال الذي لا تبعة على متناوله، وجائز أن يحتج بظاهره في إباحة جميع الأشياء المستلذة إلا ما خصه الدليل. ثم إنهم لما سألوا عما أُحَّل من الكلاب التي أمروا بقتلها أنزل الله تعالى هذه الآية، وليس يمتنع أن تكون الآية منتظمة لإباحة الانتفاع بالكلاب وبصيدها وحقيقة اللفظ يقتضي الكلاب أنفسها؛ لأن قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ﴾ (١) يوجب إباحة ما عَلَّمْنا، وإضمار الصيد يحتاج إلى دلالة. وفي فحوى الآية دليل على إباحة صيدها وهو قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ فحمل هذه الآية على المعنيين واستعمالها فيهما على الفائدتين أولى من الاقتصار على أحدهما. وقد دلت الآية أيضًا على أن شرط إباحة الجوارح: أن تكون معلمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ وقوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾. وأما الجوارح فإنه قد قيل: إنها الكواسب للصيد على أهلها من الكلاب وسباع الطير التي تصيد غيرها، واحدها: جارح ومنه سميت الجارحة؛ لأنه يكتسب بها، قال الله تعالى: ﴿مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (٢) يعني ما كسبتم، ومنه ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ (٣)، وذلك يدل على جواز الاصطياد بكل ما عُلِّم الاصطياد من سائر ذوي الناب من السباع وذي المخلب من الطير، وقيل: الجوارح ما يجرح بناب أو مخلب.

стр. 6002

قال محمد في الزيادات: إذا صدم الكلب الصيد ولم يجرحه فمات لم يؤكل؛ لأنه لم يجرح بناب أو مخلب، ألا ترى إلى، قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (١) فإنما يحل صيد ما يجرح بناب أو مخلب فإذا كان الاسم يقع عليهما فليس يمتنع أن يكونا مرادين باللفظ؛ فيريد بالكواسب ما يكسب بالاصطياد فيقيد الأصناف التي يصاد بها من الكلاب والفهود وسباع الطير وجميع ما يقبل التعليم. قوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ قد قيل فيه وجهان: أحدهما: أن المكلب هو صاحب الكلب الذي يعلمه الصيد ويؤدبه، وقيل: معناه مضرِّين على الصيد كما تضرى الكلاب، والتكلب هو التضرية، يقال: كَلَبَ كلبٌ إذا ضرى بالناس، وليس في قوله ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ تخصيص الكلاب دون غيرها من الجوارح إذا كانت التضرية عامة فيهن، وكذلك إن أراد به تأديب الكلب وتعليمه كان ذلك عمومًا في سائر الجوارح. ص: وقد روي في ذلك عمن بعد النبي ﷺ : حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: سمعت ابن جريج يحدث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو ﵄: "أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهمًا، وقضى في كلب ماشية بكبش". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁: "أنه نهى عن ثمن الكلب". ولم يفسر أي كلب هو، فلم يخل ذلك من أحد وجهين: إما أن يكون أراد خلاف كلاب المنافع، أو يكون أراد كل الكلاب، ثم ثبت عنده نسخ كلب الصيد منها فاستثناه في هذا الحديث. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن عطاء، قال: "لا بأس بثمن الكلب السلوقي".

стр. 6003

فهذا عطاء يقول هذا، وقد روى عن أبي هريرة ﵁[عن النبي ﵇ "أن ثمن الكلب من السحت". فدلّ ذلك على المعنى الذي ذكرناه في حديث جابر ﵁. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقَيل، عن ابن شهاب أنه قال: "إذا قتل الكلب المعلم فإنه يُقَوَّم قيمته فيغرمه الذي قتله". فهذا الزهري يقول هذا وقد روى عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن النبي ﵇: "أن ثمن الكلب سحت" فالكلام في هذا مثل الكلام في حديث جابر. حدثنا بحر، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري قال: "كان يقال: يجعل في الكلب الضاري إذا قتل أربعون درهمًا". حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا شريك ومحمد بن فضيل، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: "لا بأس بثمن كلب الصيد". ش: أي قد روي فيما ذكرنا من حل إمساك الكلاب وإباحة أثمانها وضمان متلفيها، عمن بعد النبي ﵇ من الصحابة والتابعين ﵃، فمن ذلك: ما رواه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الملك بن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ... إلى آخره. وهذا إسناد صحيح. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن إسماعيل بن جستاس، عن عبد الله بن عمرو قال: "في كلب الصيد أربعون درهمًا،

стр. 6004

وفي كلب الماشية شاة من الغنم، وفي كلب الحرث فرق من طعام، وفي كلب الدار فرق من تراب؛ حق على الذي أصابه أن يعطيه وحق على صاحب الكلب أن يقبله" (١). ومنها ما رواه عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر ﵁. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر وابن المهزم، عن أبي هريرة: "أنهما كرها ثمن الكلب إلا كلب صيد، وكرها ثمن الهر". ومنها ما رواه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن عطاء بن أبي رباح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عطاء قال: "إن قتلت كلبًا ليس بعقور فاغرم لأهله ثمنه". قوله: "الكلب السلوقي"، نسبة إلى سَلُوق -بفتح السين المهملة وضم اللام وفي آخره قاف- وهي اسم لمدينة اللَّان تنسب إليها الكلاب السلوقية، ذكره الجوهري، وقال أيضًا: سَلُوق قرية باليمن تنسب إليها الدروع السَّلوقية.

стр. 6005

ومنها ما رواه عن إبراهيم أيضًا عن عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عُقَيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمد بن مسلم الزهري. ومنها ما رواه عن بحر بن نصر، عن عبد الله بن وهب، عن سليمان بن بلال القرشي المدني، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن يحيى بن حبان الأنصاري. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان قال: "كان الناس يقضون في الكلب بأربعين درهمًا". ومنها ما رواه عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله ومحمد بن فضيل، كلاهما عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن إبراهيم النخعي. وأخرجه ابن أبي شيبة (٢): نا وكيع، عن سفيان، عن سعيد، عن إبراهيم قال: "لا بأس بثمن كلب الصيد". ثنا ابن فضيل (٣)، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "لا بأس بثمن كلب الصيد". ...

стр. 6006

ص: باب: استقراض الحيوان ش: أي هذا باب في بيان حكم استقراض الحيوان. والاستقراض: طلب القرض، والقرض -بفتح القاف- ما تعطيه من المال لتقضاه، والقِرض -بالكسر- لغة فيه حكاها الكسائي. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي رافع: "أن رسول الله ﵇ استسلف من رجل بكرًا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا جملًا خيارًا رباعيًا، فقال: أعطه إياه] (١)؛ إن خيار الناس أحسنهم قضاءً". ش: رجاله كلهم رجال الصحيح. وأخرجه مسلم (٢): عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك ... إلى آخره نحوه. وعن أبي كريب (٢)، عن خالد بن مخلد، عن محمد بن جعفر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء. قوله: "استسلف" من قولهم: استسلفت منه دراهم، وتسلفت فأسلفني. قوله: "بكرًا"، بفتح الباء وهو الفتي من الإبل، بمنزلة الغلام من الناس، والأنثى بكرة، وقد يستعار للناس. قوله: "إلا جملًا خيارًا" أي مختارًا جيدًا. قال صاحب "العين": ناقة خيار وجمل خيار، والجمع خيار أيضًا، وكذلك ناقة هجان وهي الكريمة، وإبل هجان بلفظ واحد.

стр. 6007

"رَبَاعيًّا" بفتح الراء وتخفيف الباء، يقال للذكر من الإبل إذا طلعت رباعيته: رَبَاع، والأنثى رَبَاعية بالتخفيف، وذلك إذا دخلا في السنة السابعة. ويستفاد منه أحكام: الأول: احتج به قوم على جواز استقراض الحيوان على ما يجيء. الثاني: فيه ما يدل أن المقرض إذا أعطاه المستقرض أفضل مما أقرضه جنسًا أو كيلًا أو وزنًا أن ذلك معروف، وأنه يطيب له أخذه منه؛ لأنه ﵇ أثنى فيه على من أحسن القضاء وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة. قلت: هذا عند جماعة العلماء إذا لم يكن غير شرط منهما في حين السلف، وقد أجمع المسلمون نقلاً عن نبيهم ﵇ أن اشتراط الزيادة في السلف ربًا. الثالث: فيه دليل على أن للإمام أن يستسلف للمساكين على الصدقات ولسائر المسلمين على بيت المال؛ لأنه كالوصي لجميعهم والوكيل، ومعلوم أنه ﵇ لم يستسلف ذلك لنفسه؛ لأنه قضاه من إبل الصدقة، ومعلوم أن الصدقة محرمة عليه لا يحل له أكلها ولا الانتفاع بها. فإن قيل: فلم أعطى من أموالهم أكثر مما استقرض لهم. قلت: هذا الحديث دليل على أنه جائز للإمام إذا استقرض للمساكين أن يرد من مالهم أكثر مما أخد على وجه النظر والصلاح إذا كان على غير شرط. فإن قيل: إن المستقرض منه غني والصدقة لا تحل لغني! قلت: قد يحتمل أن يكون المستقرض منه قد ذهبت إبله بنوع من جوائح الدنيا، فكان في وقت صرف ما أخذ منه إليه فقيرًا تحل له الزكاة، فأعطاه النبي ﵇ خيرًا من بعيره بمقدار حاجته، وجمع في ذلك وضع الصدقة في موضعها وحسن القضاء. ويحتمل أن يكون غارمًا أو غازيًا ممن تحل له الصدقة من الأغنياء. الرابع: فيه حجة لمن يوجب على من استهلك شيئًا من الحيوان مثله إن وجد له مثل لا قيمة.

стр. 6008

قالوا: وكما يكون له مثل في القضاء فكذلك يكون له مثل في الضمان عن الاستهلاك. وممن قال بالمثل في المستهلكات كلها: الشافعي وأحمد وداود وجماعة. وأما مالك فقد قال: من استهلك شيئًا من الحيوان بغير إذن صاحبه فعليه قيمته ليس عليه أن يؤخذ بمثله من الحيوان. الخامس: فيه أن التداين في البر والطاعات والمباحات جائز، وإنما يكره التداين في الإسراف وما لا يجوز، والله أعلم. ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا شبابة بن سوار، قال: أنا شعبة، عن سلمة ابن كهيل، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يحدث، عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان لرجل على النبي ﵇ دين، فتقاضاه فأغلظ له، فأقبل عليه أصحاب النبي ﵇ وهَمُّوا به، فقال النبي ﵇: ذروه فإن لصاحب الدين مقالاً، اشتروا له سنًّا فأعطوه إياه، فقالوا: إذًا لا تجد إلا سنًّا هو خير من سنه، قال: فاشتروه فأعطوه إياه فإن خيركم -أو من خيركم- أحسنكم قضاء". حدثنا حسين، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يقل: "اشتروا له" وقال: "اطلبوا". ش: هذان طريقان صحيحان، ورجالهما ثقات. وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف ﵄. والحديث أخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "كان لرجل على رسول الله ﵇ حق فأغلظ له، فَهَمَّ به أصحاب رسول الله ﵇، فقال النبي ﵇:

стр. 6009

إن لصاحب الحق [مقالاً، فقال لهم: اشتروا له سنًّا فأعطوه إياه ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي. وأخرجه أيضًا (١) عن محمد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا أبي، قال: نا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "جاء رجل يتقاضى رسول الله ﵇ بعيرًا، فقال: أعطوه سنًّا فوق سنه، وقال: خيركم أحسنكم قضاءً". وأخرجه البخاري في "الاستقراض" (٢): عن أبي الوليد، عن شعبة، عن سلمة ابن كهيل ... إلى آخره نحو رواية مسلم الأولى. وفي "الوكالة" (٣): عن سليمان بن حرب، عن شعبة. وفي "الهبة" (٤): عن عبدان، عن أبيه، عن شعبة. وعن (٥) محمد بن مقاتل، عن عبد الله بن المبارك، عن شعبة. وفي "الاستقراض" (٦): عن مسدد، عن يحيى القطان، عن سفيان. وفي "الاستقراض" (٧): عن أبي نعيم، عن سفيان. وأخرجه الترمذي مختصرًا (٨): ثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن علي بن صالح، عن سلمة بن كهيل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "استقرض رسول الله ﵇ سنًّا، فأعطاه سنًّا خير من سنِّه، وقال: خياركم أحاسنكم قضاءً". قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. وقد رواه شعبة وسفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل.

стр. 6010

وأخرجه النسائي (١): أنا عمرو بن منصور، نا أبو نعيم، نا سفيان، عن سلمة ابن كهيل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "كان لرجل على النبي ﵇ سنٌّ من الإبل، فجاء يتقاضاه، فقال: أعطوه، فلم يجدوا إلا سنًّا فوق سنه، فقال: أعطوه، فقال: أوفيتني، فقال رسول الله ﷺ : إن خياركم أحسنكم قضاءً". قوله: "فتقاضاه" أي طلب منه قضاء دينه، قال الجوهري: اقتضى دينه وتقاضاه بمعنى. قوله: "فأغلظ له" يحتمل إغلاظه له كان في طلب حقه وتشدده فيه لا في كلام مؤذٍ يسمعه إياه؛ فإن ذلك كفر ممن فعله مع النبي ﵇، وقد يكون القائل هذا غير مسلم من اليهود أو غيرهم كما جاء مفسرًا منهم في غير هذا الحديث. قوله: "وهموا به" أي عزموا أن يُوقِعُوا به فعلاً. قوله: "ذروه" أي دعوه، أمر من يَذَر بمعنى يدع، وليس له ماضٍ مستعمل. قوله: "اشتروا له سنًّا" أي ذات سنٍّ. قال الأزهري: البقرة والشاة يقع عليهم اسم السن إذا أثنتا، وتثنيان في السنة الثالثة، وليس معنى إسنانها كبرها كالرجل المسن، لكن معناه طلوع سنها في السنة الثالثة. قوله: "أو من خيركم" شكٌّ من الراوي، والخير والشر يستعملان للتفضيل على لفظهما بمعنى الأخير والأشر. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى إجازة استقراض الحيوان، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي والليث بن سعد ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق، فإنهم قالوا: يجوز استقراض الحيوان، واحتجوا في ذلك بحديثي أبي رافع وأبي هريرة.

стр. 6011

وقال القاضي: أجاز جمهور العلماء استسلاف سائر الأشياء من الحيوان والعروض، واستثنيت من ذلك الجواري، وعلته أنه قد يَرُدَّها بنفسها فتكون من عارية الفروج، وأجاز ذلك بعض أصحابنا بشرط أن يَرُدَّ غيرها، وأجاز استقراض الجواري الطبري والمزني، وروي عن داود الأصبهاني. وقال أبو عمر: قال ابن حبيب وأصحابه والأوزاعي والليث والشافعي: يجوز استقراض الحيوان كله إلا الإماء. وعند مالك: إن استقرض أمة ولم يطأها ردها بعينها، وإن حملت ردها بعد الولادة وقيمة ولدها إن ولد حيًّا وما نقصتها الولادة، وإن ماتت لزمه مثلها، فإن لم يوجد مثلها فقيمتها. وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن استقراض مَالَهُ مِثلٌ من المكيل والموزون والأطعمة جائز. ويجوز قرض كل ما يثبت في الذمة سلمًا سوى بني آدم، وبهذا قال الشافعي. وقال ابن قدامة: أما بنوا آدم فقال أحمد: أكره قرضهم، فيحتمل كراهة تنزيه، ويصح قرضهم، وهو قول ابن جريج والمزني، ويحتمل أنه كراهة التحريم فلا يصح قرضهم، اختاره القاضي. وقال مالك والشافعي: يصح قرض العبيد دون الجواري إلا أن يقرضهن من ذي محارمهن. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجوز استقارض الحيوان، وقالوا: يحتمل أن يكون هذا قبل تحريم الربا، ثم حرم الربا بعد ذلك وحرم كل قرض جرَّ منفعةً، وردت الأشياء المستقرضة إلي أمثالها فلم يجر القرض إلا فيما له مثل، وقد كان أيضًا قبل نسخ الربا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، والدليل على ذلك: أن ابن أبي داود] (١) حدثنا، قال: ثنا أبو عمر الحوضي (ح).

стр. 6012

وحدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مسلم بن جبير، عن أبي سفيان، عن عمرو بن حريش، عن عبد الله بن عمرو: "أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشًا، فنفدت الإبل، فأمر بأن يأخذ في قلاص الصدقة، فجعل يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة، ثم نسخ ذلك". وروي في ذلك ما حدثنا محمد بن علي بن محرز البغدادي، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا سفيان الثوري، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة". حدثنا فهد، قال: ثنا شهاب بن عباد، قال: ثنا داود بن عبد الرحمن، عن معمر ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا إبراهيم بن محمد الصيرفي، قال: ثنا عبد الواحد بن عمرو بن صالح الزهري، قال: ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁: "أن رسول الله ﷺ لم يكن يرى بأسًا ببيع الحيوان بالحيوان اثنين بواحد، ويكرهه نسيئة". حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ وعبد الله بن محمد بن خشيش وإبراهيم بن محمد الصيرفي، قالوا: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا محمد بن دينار، عن يونس بن عبيد، عن زياد بن جبير، عن ابن عمر ﵄: "أن النبي ﵇ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا عبد الله بن محمد بن خشيش، قال: ثنا مسلم، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﵇ مثله.

стр. 6013

قال أبو جعفر ﵀: فكان هذا ناسخًا لما رويناه عن رسول الله ﵇ من إجازة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، فدخل في ذلك أيضًا استقراض الحيوان. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والحسن بن صالح وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وفقهاء الكوفة؛ فإنهم قالوا: لا يجوز استقراض الحيوان. وقال أصحابنا: لا يجوز القرض إلا مما له مثل كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة، فلا يجوز قرض ما لا مثل له من المزروعات والمعدودات المتقاربة؛ لأنه لا سبيل إلى إيجاب رد العين ولا إلى إيجاب رد القيمة؛ لأنه يؤدي إلى المنازعة؛ لاختلاف القيمة باختلاف تقويم المقوّمِين، فتعيَّن أن يكون الواجب فيه رد المثل، فيختص جوازه بما له مثل، وعن هذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يجوز القرض في الخبز لا وزنًا ولا عددًا. وقال محمد: يجوز عددًا. وقال ابن قدامة: ويجوز قرض الخبز، ورخَّص فيه أبو قلابة ومالك إذا لم يشترط أن يقضيه أفضل منه، ومنع منه أبو حنيفة. وذكر الشريف أبو جعفر: هل يجوز بالعدد أم بالوزن؟ على روايتين. قوله: "وقالوا: يحتمل ... " إلى آخره. جواب من جهة أهل المقالة الثانية عما احتج به أهل المقالة الأولى، حاصله أن يقال: إن حديث أبي رافع وحديث أبي هريرة كان قبل تحريم الربا، فلما حُرِّمَ الربا بقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) وحرم كل قرض جرَّ منفعةً؛ ردت الأشياء المستقرضة إلى أمثالها، فلم يجز القرض بعد ذلك إلا فيما له مثل، والحيوان مما له قيمة فلم يجز الاستقراض فيه. وأيضًا قد كان يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً قبل تحريم الربا، فلما حرم الربا نُسخ بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، واستقراض الحيوان في المعنى: بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.

стр. 6014

فإن قيل: كيف وجه هذا النسخ، والنسخ لا يكون إلا بمعرفة التاريخ؟ ولهذا قال الخصم: وهذا الحديث -أعني حديث أبي رافع- حجة عليهم، وليس للسنة مدفع، وليس دعواهم النسخ بغير حجة تدفعها. قلت: قد يوجد النسخ بدلالة التاريخ, وهو أن يكون أحد النصين موجبًا للحظر والآخر موجبًا للإباحة، ولا شك أن حديث أبي رافع يوجب إباحة استقراض الحيوان مطلقًا، وآية الربا تحرِّم كل فضل حالّ عن العوض، ففي استقراض الحيوان يوجد هذا المعنى فيمنع كما يمنع الربا؛ ولأجل هذا المعنى أيضًا منع من بيع الحيوان بالحيوان نسيئة بعد نزول آية الربا؛ لأن فيه ذلك المعنى الذي حرم به الربا، فإذا كان كذلك ثبت النسخ في استقراض الحيوان؛ لأن النص الموجب للحظر فيه متأخرًا عن الموجب للإباحة، فكان الأخذ به أولى، فافهم. قوله: "والدليل على ذلك" أي على كون جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً قبل نسخ الربا: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي البصري، شيخ البخاري وأبي داود، ونسبته إلى حوض داود بن المهدي بن المنصور، محلة كانت ببغداد. وعن نصر بن مرزوق، عن الخَصيب -بفتح الخاء وكسر الصاد- بن ناصح الحارثي الثقة، يروي هو وأبو عمر الحوضي كلاهما، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، روى له الجماعة. عن مسلم بن جبير الحرشي، وثقه ابن حبان. عن أبي سفيان، وثقه يحيى بن معين، قاله عثمان بن سعيد. عن عمرو بن حَرِيش -بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين وفي آخره شين معجمة- وثقه ابن حبان.

стр. 6015

عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄. وأخرجه أبو داود (١): ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن محمد ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مسلم بن جبير، عن أبي سفيان، عن عمرو بن حَرِيش، عن عبد الله بن عمرو: "أن رسول الله ﵇ أمره أن يجهز جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة". وأخرجه البيهقي (٢) بأتم منه: من حديث حماد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مسلم بن جبير، عن أبي سفيان، عن عمرو بن حَرِيش، قال: "قلت لعبد الله بن عمر وأنا بأرض ليس فيها ذهبًا ولا فضة: أفنبيع البقرة بالبقرتين والبعير بالبعيرين والشاة بالشاتين، فقال: أمرني رسول الله ﵇ أن أجهز جيشًا، فنفدت الإبل. فقلت: يا رسول الله نفدت الإبل، فقال: خذ في قلاص الصدقة، قال: فجعلت آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة". فإن قلت: ما حال إسناد هذا الحديث؟ قلت: قال ابن ماكولا (٣): عمرو بن حريش أبو محمد الزبيدي، سمع عبد الله ابن عمرو بن العاص، روى حديثه ابن إسحاق صاحب المغازي فاختلف عليه فيه، رواه عنه حماد بن سلمة، واختلف عنه: فرواه حفص بن عمر الحوضي عنه، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مسلم بن جبير، عن أبي سفيان، عن عمرو بن حَرِيش. وخالفه عفان بن مسلم الصفار فرواه عن حماد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مسلم بن أبي سفيان، عن عمرو بن حَرِيش.

стр. 6016

وخالف حماد بن سلمة إبراهيم بن سعد وجرير بن حازم فروياه عن ابن إسحاق، قال: حدثني أبو سفيان الحرشي -وكان ثقةً فيما ذكر لي أهل بلاده- عن مسلم بن جبير مولى ثقيف، وكان مسلم رجلاً يؤخذ عنه، وقد أدرك وسمع من عمرو بن حَرِيش الزبيدي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وخالفهم عبد الأعلى بن عبد الأعلى، فرواه عن ابن إسحاق، عن أبي سفيان بن مسلم بن كثير، عن عمرو بن حَرِيش. وقال الذهبي في ترجمة عمرو بن حريش: ما روى عنه سوى أبي سفيان، ولا يدرى من أبي سفيان. وقال عبد الغني في "الكمال" في باب الكنى: أبو سفيان روى عن عمرو بن حَرِيش، روى عنه مسلم بن جبير، روى له أبو داود. ولم يذكر شيئًا غير ذلك، ولكن لما أخرج أبو داود حديثه سكت عنه فيدل أنه مرضي عنده. وقال صاحب "التكميل": عمرو بن حريش أبو محمد الزبيدي، روى عن عبد الله بن عمرو قال: "أمرني رسول الله ﵇ أن أجهز شيئًا ... " الحديث. وعنه أبو سفيان، وفي إسناد حديثه اختلاف، وقد قال عثمان بن سعيد، عن ابن معين: هو حديث مشهور. وزعم ابن حبان في "الثقات" أن عمرو بن حبشي وعمرو بن حريش واحد، وليس كما قال، والله أعلم. قوله: "فنفدت الإبل" بالدال المهملة، أي فنيت ولم يبق منها شيء، يقال: نَفِدَ الشيء -بالكسر- نَفَادًا: أي فني وأنفدته، وأنفد القوم: أي ذهبت أموالهم. قوله: "في قلاص الصدقة" القلاص -بكسر القاف- جمع قُلُص -بضم القاف واللام- والقُلُوص جمع قَلُوص فتكون القلاص جمع الجمع. قال الجوهري: تجمع القلوص على قُلُص وقَلَائص مثل قَدُوم وقُدُم وقَدَائِم، وجمع القُلُص قِلَاص مثل سَلَبْ وسِلَاب، والقَلُوص من النوق: الشابة، وهي بمنزلة الجارية من النساء.

стр. 6017

وقال العدوي: القَلُوص أول ما يركب من إناث الإبل إلى أن تثني، فإذا أثنت فهي ناقة، والقعود أول ما يركب من ذكور الإبل إلى أن يثني، فإذا أثنى فهو جمل، وربما سموا الناقة الطويلة القوائم القَلُوص. ومن فوائده: أنه يدل على جواز بيع بعير ببعيرين وشاة بشاتين، وإليه ذهب جماعة، ولكنه منسوخ بحديث ابن عباس الذي يأتي الآن. ومنها: أنه استدلت به طائفة على جواز السَّلَم في الحيوان، وإليه ذهب الشافعي أيضًا. وقال الخطابي: لأنه إذا باع بعيرًا ببعيرين فقد صار ذلك حيوانًا مضمونًا عليه في ذمته، وكذلك السلم في معناه، فيصح. قلنا: إنه منسوخ كما ذكرنا؛ ولأن الحيوان في نفسه متفاوت فيفضى إلى المنازعة؛ فلا يصح. قوله: "وروي في ذلك" أي في نسخ بيع الحيوان بالحيوان: ما حدثنا محمد بن علي ... إلى آخره. وقد أخرج في ذلك عن أربعة من الصحابة، وهم: ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وسمرة بن جندب ﵃. أما حديث ابن عباس فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن محمد بن علي بن محرز البغدادي، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيري الكوفي، عن سفيان الثوري، عن معمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن شهاب بن عبَّاد -بتشديد الباء- العبدي الكوفي شيخ البخاري ومسلم، عن داود بن عبد الرحمن العطار المكي، عن معمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس.

стр. 6018

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): أنا العلوي، أنا أبو حامد بن الشرقي، نا أحمد بن يوسف، نا حفص بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً". ثم قال: وكذا رواه داود العطار، عن معمر موصولاً. وكذا روي عن الزبيري وعبد الملك الذماري، عن الثوري، عن معمر. وكل ذلك وهم. والصحيح عن عكرمة، عن النبي ﵇ مرسلاً. ثم أخرجه كذلك من حديث الفريابي (٢)، عن الثوري، عن معمر، ثم قال: وكذا رواه عبد الرزاق وعبد الأعلى، عن معمر. وكذا رواه علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلًا. وروينا عن البخاري أنه وهَّن رواية من أوصله. ثم أخرج عن ابن خزيمة (٣) قال: الصحيح عند أهل المعرفة: هذا الخبر مرسل ليس بمتصل، ثم ذكر عن الشافعي أن حديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة غير ثابت. انتهى. قلت: حاصله أنه اختلف على الثوري فيه؛ فرواه عنه الفريابي مرسلاً، ورواه عنه الزبيري والذماري متصلاً، واثنان أولى من واحد، كيف وقد تابعهما أبو داود الحفري، فرواه عن سفيان موصولاً.

стр. 6019

كذا أخرجه عنه أبو حاتم بن حبان في "صحيحه" (١)، وظهر بهذا أن رواية من رواه عن الثوري موصولاً أولى من رواية من رواه عنه مرسلاً. واختلف أيضًا على معمر فيه: فرواه عنه عبد الرزاق وعبد الأعلى مرسلاً، على أن عبد الرزاق وإن كان رواه عن معمر مرسلًا فقد رواه عن معمر: ابن طهمان والعطار موصولاً، وتأيدت روايتهما بالرواية المذكورة عن عبد الرزاق، وبما ترجح من رواية الثوري، فظهر أن رواية من رواه عن معمر موصولاً أولى، ومعمر أحفظ من علي بن المبارك؛ فروايته عن يحيى موصولاً أولى من رواية ابن المبارك عنه مرسلاً. وبالجملة فمن وصل حفظ وزاد؛ فلا يكون من قصر حجة عليه. وقد أخرج البزار هذا الحديث وقال: ليس في هذا الباب حديث أجلّ إسنادًا منه. وقد ورد في هذا الباب أيضًا حديث ابن عمر وحديث جابر على ما يأتي ذكرهما الآن وهو مما يؤيد ذلك أيضًا. وأخرج الشافعي أيضًا في "مسنده" (٢): عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عبد الكريم الجزري، أن زياد بن أبي مريم مولى عثمان أخبره: "أن النبي ﵇ بعث مصدقًا له فجاء بظهر مسنَّات، فلما نظره النبي ﵇ قال: هلكت وأهلكت، قال: يا رسول الله إني كنت أبيع البكرين والثلاثة بالبعير المسنّ يدًا بيد وعلمت من حاجة رسول الله ﵇ إلى الظهر، فقال ﵇: [فذاك إذًا". قال ابن الأثير في "شرحه": يدل على صحة قول من منع النسيئة في الحيوان بالحيوان؛ لأنه لما قال له: يدًا بيد أقره على فعله. فظهر بهذه الأحاديث المختلفة والطرق التي أيد بعضها بعضًا: أن هذا الحديث ثابت خلافًا للشافعي ﵀.

стр. 6020

وروى عبد الرزاق (١): أنا الثوري وإسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، سمعت محمد بن الحنفية: "يكره الحيوان بالحيوان نسيئة". ورواه عبد الرزاق (٢): عن عكرمة، وعن أيوب وابن سيرين نحوه. وروى ابن أبي شيبة بسنده (٣): عن عمار بن ياسر نحوه. وأما حديث جابر بن عبد الله: فأخرجه عن إبراهيم بن محمد الصيرفي البصري، عن عبد الواحد بن عمرو بن صالح الزهري، عن عبد الرحيم بن سليمان الأشل، عن أشعث بن سوار، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله. وهذا إسناد لا بأس به. وأشعث بن سوار وثقه يحيى في رواية وضعفه في أخرى. والحديث أخرجه الترمذي (٤): نا أبو عمار الحسين بن حريث، قال: ثنا عبد الله ابن نمير، عن الحجاج -وهو ابن أرطاة- عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﵇: "الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نَسَاء، ولا بأس به يدًا بيد". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وأخرجه ابن ماجه (٥) وأحمد في "مسنده" (٦). وأما حديث عبد الله بن عمر ﵄: فأخرجه عن محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ البغدادي نزيل مكة، وعن عبد الله بن محمد بن خشيش، وعن إبراهيم بن محمد الصيرفي البصري، ثلاثتهم عن مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب البصري

стр. 6021

شيخ البخاري وأبي داود، عن محمد بن دينار الأزدي الطاحي البصري، عن يونس بن عبيد بن دينار البصري، عن زياد بن جبير بن حية الثقفي البصري، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇. وهذا إسناد جيد حسن، ولا يلتفت إلى تضعيف البيهقي هذا الحديث بمحمد ابن دينار الطاحي بما روي عن ابن معين أنه ضعيف؛ لأن أبا زرعة قال فيه: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وكذا قال ابن معين في رواية ابن أبي خيثمة. وقال ابن عدي: حسن الحديث. والحديث أخرجه البيهقي في كتاب "المعرفة" (١): من طريق محمد بن دينار الطاحي ... إلى آخره نحوه. وأما حديث سمرة بن جندب فأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن المنهال التميمي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﵇. وأخرجه النسائي (٢): أنا عمرو بن علي، نا يحيى بن سعيد ويزيد بن زريع وخالد بن الحارث، نا شعبة. وأخبرنا أحمد بن فضالة بن إبراهيم، نا عبيد الله بن موسى، نا الحسن بن صالح، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفَّار، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﵇.

стр. 6022

وأخرجه أبو داود (١): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: نا حماد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة: "أن النبي ﵇ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة". الثالث: عن عبد الله بن محمد بن خشيش، عن مسلم بن إبراهيم القصاب، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﵇. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) نحوه، ثم قال: وأكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة غير حديث العقيقة. قلت: أخرج الترمذي الحديث المذكور ثم قال: حديث سمرة حديث حسن صحيح، وسماع الحسن من سمرة صحيح. هكذا قال علي بن المديني وغيره. وقال صاحب "الاستذكار": قال الترمذي: قلت للبخاري في قولهم: لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة، قال: سمع منه أحاديث كثيرة وجعل روايته عنه سماعًا صحيحًا، وصححها، وقال الترمذي في "جامعه": والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ وغيرهم، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، وبه يقول أحمد ﵀] (٣). وقد رخص بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ وغيرهم في بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً، وهو قول الشافعي وإسحاق. وفي "شرح الموطأ" لابن زرقون: قال الشافعي وأبو ثور وداود: لا ربا في الحيوان بحال، وجائز عندهم بيع بعضه ببعض نقدًا أو نسيئةً، اختلف أو لم يختلف، ولا ربا عندهم إلا في الذهب والورق وما يكال أو يوزن مما يُؤكل أو يُشرب على مذهب ابن المسيب.

стр. 6023

وقال الثوري وأبو حنيفة والحسن بن حيّ: لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً؛ اختلف أو لم يختلف، وحجتهم: ما خرَّج أبو داود (١): "أن النبي ﵇ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة"، وقاله محمد بن الحنفية وعكرمة. وقال الحسن: إذا اختلفا فلا بأس به إلى أجلٍ، يقول: الغنم بالبقر، والبقر بالإبل، ولا خلاف في جواز بيع الحيوان بالحيوان متماثلاً يدًا بيدٍ. ص: فقال أهل المقالة الأولى: هذا لا يلزمنا؛ لأنا قد رأينا الحنطة لا يباع بعضها ببعض نسيئةً وقرضها جائز، فكذلك الحيوان لا يجوز بيع بعضه ببعضٍ نسيئةً وقرضه جائز، فكان من حجتنا على أهل هذه المقالة في تثبيت المقالة الأولى: نَهْيُ النبي ﵇ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً يحتمل أن يكون ذلك لعدم الوقوف منه على المثل، ويحتمل أن يكون من قِبَل ما قال أهل المقالة الأولى في الحنطة في البيع والقرض، فإن كان إنما نهى عن ذلك عن طريق عدم وجود المثل؛ ثبت ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية. وإن كان من قِبل أنهما نوع واحد لا يجوز بيع بعضه ببعض نسيئةً لم يكن في ذلك حجة لأهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى. فاعتبرنا ذلك، فرأينا الأشياء المكيلات لا يجوز بيع بعضها ببعض نسيئة، ولا بأس بقرضها، ورأينا الموزونات حكمها في ذلك كحكم المكيلات سواء خَلاَ الذهب والورِق، ورأينا ما كان من غير المكيلات والموزونات مثل الثياب وما أشبهها فلا بأس ببيع بعضها ببعض وإن كانت متفاضلة، وبيع بعضها ببعض نسيئةً فيه اختلاف بين الناس، فمنهم من يقول: ما كان منها من نوع واحد فلا يصلح بيع بعضه ببعض نسيئةً، وما كان منها من نوعين مختلفين فلا بأس ببيع بعضه ببعض نسيئة، وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.

стр. 6024

ومنهم من يقول: لا بأس ببيع بعضها ببعض يدًا بيدٍ، ونسيئة، وسواء عنده كانت من نوع واحد أو من نوعين، فهذه أحكام الأشياء المكيلات والموزونات والمعدودات غير الحيوان على ما فسرنا، فكان غير المكيل والموزون لا بأس ببيعه بما هو من خلاف نوعه نسيئة، وان كان المبيع والمبتاع به ثيابًا كلها، وكان الحيوان لا يجوز بيع بعضه ببعض نسيئة، وإن اختلفت أجناسه، لا يجوز بيع عبد ببعير ولا ببقرة ولا بشاة نسيئة، فلو كان النهي من النبي ﵇ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة إنما كان لاتفاق النوعين؛ لجاز بيع العبد بالبقرة نسيئة؛ لأنها من غير نوعه، كلما جاز بيع الثوب الكلتان بالثوب القطن الموصوف نسيئة. فلما بطل ذلك في نوعه وفي غير نوعه؛ ثبت أن النهي في ذلك إنما كان لعدم وجود مثله، ولأنه غير موقوف عليه، وإذا كان إنما بطل بيع بعضه ببعض نسيئة لأنه غير موقوف عليه؛ بطل قرضه أيضًا؛ لأنه غير موقوف عليه. فهذا هو النظر في هذا الباب. ومما يدل على ذلك أيضًا ما قد أجمعوا عليه في الاستقراض من الإماء أنه لا يجوز وهي حيوان، فاستقراض سائر الحيوان في النظر أيضًا كذلك. ش: هذه إشارة إلى بيان منع من جهة أهل المقالة الأولى لما قاله أهل المقالة الثانية من قولهم: لمَّا نسخ جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة وحل في ذلك استقراض الحيوان أيضًا، وتقرير المنع أن يقال: لا نسلِّم دخول استقراض الحيوان في انتساخ بيع الحيوان بالحيوان نسيئة؛ لأنا قد رأينا الحنطة لا يجوز بيع بعضها ببعض نسيئة ومع هذا فقرضها جائز، وكذلك الحيوان لا يجوز بيع بعضه ببعضٍ نسيئةً فقرضه جائز. وأجاب عن ذلك بقوله: فكان من حجتنا على أهل هذه المقالة ... إلى آخره، وهو ظاهر لا يحتاج إلى مزيد بيان. قوله: "فمنهم من يقول" أي فمن الفقهاء الذين لهم خلاف [في هذا الباب وأراد بهم: عطاء وإبراهيم النخعي وابن سيرين وعكرمة بن خالد ومحمد ابن الحنفية والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد ﵏.

стр. 6025

قوله: "ومنهم من يقول" أراد بهم: سعيد بن المسيب والأوزاعي والشافعي ومالكًا في رواية وأحمد، وقال مالك في "الموطأ" (١): لا بأس أن يشترى الثوب من الكتان أو الشطوي أو القصبي بالأثواب من الإتريبي أو القسي أو الزيقة أو الثوب الهروي أو المروي بالملاحف اليمانية والشقائق وما أشبه ذلك، الواحد بالاثنين أو الثلاثة، من صنف واحد، فإن دخل ذلك نسيئةً فلا خير فيه. وقال ابن زرقون في "شرحه": أصل ذلك أن ما اختلف جنسه من الثياب يجوز بيعه بما خالفه من جنسه إلى أجل، ولا يجوز ذلك فيما كان من جنسه، وإنما يختلف جنسها بالرقة والغلظ؛ لأنها المنفعة المقصودة منها، فلا بأس برقيق ثياب الكتان وهو الشطوي والقصبي والزيقة والمريسية إلى أجل. وكذلك القطن رقيقه وهو المروي والهروي والقوهي والعدني جنس مخالف لغليظه وهي الشقائق والملاحف اليمانية الغلاظ. وفي "الواضحة": ثياب القطن صنف واحد وإن اختلفت جودتها وأثمانها وبلدانها، وكانت هذه عمائم وهذه أردية وشقق إلا ما كان من وشي القطن الصنعاني والصعيدي القصب والحَبَرة والمشطب والمسير وشبهه فلا بأس به ببياض ثياب القطن متفاضلاً إلى أجل، وكذلك ثياب القصب بثياب القطن لاختلاف المنافع والجمال، وما اختلف أيضًا في الرداءة والجودة والرقة والغلظ فتباين في نفسه وجماله جاز فيهما التفاضل إلي أجل. وكذلك ثياب الكتان صنف واحد إلا أن تتباين بالرقة والغلظ والرداءة والجودة فيجوز فيهما التفاضل إلى أجل. وقال الشافعي: لا ربا إلا في المأكول والمشروب والذهب والفضة، وهو قول ابن المسيب والأوزاعي. وقال أحمد: ما لا يكال ولا يوزن يجوز فيه التفاضل ولا يجوز نسيئة.
следующие страницы →