شيخ البخاري وأبي داود، عن محمد بن دينار الأزدي الطاحي البصري، عن يونس بن عبيد بن دينار البصري، عن زياد بن جبير بن حية الثقفي البصري، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇.
وهذا إسناد جيد حسن، ولا يلتفت إلى تضعيف البيهقي هذا الحديث بمحمد ابن دينار الطاحي بما روي عن ابن معين أنه ضعيف؛ لأن أبا زرعة قال فيه: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وكذا قال ابن معين في رواية ابن أبي خيثمة.
وقال ابن عدي: حسن الحديث.
والحديث أخرجه البيهقي في كتاب "المعرفة" (١): من طريق محمد بن دينار الطاحي ... إلى آخره نحوه.
وأما حديث سمرة بن جندب فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن المنهال التميمي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﵇.
وأخرجه النسائي (٢): أنا عمرو بن علي، نا يحيى بن سعيد ويزيد بن زريع وخالد بن الحارث، نا شعبة.
وأخبرنا أحمد بن فضالة بن إبراهيم، نا عبيد الله بن موسى، نا الحسن بن صالح، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة: "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفَّار، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﵇.
стр. 6022
وأخرجه أبو داود (١): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: نا حماد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة: "أن النبي ﵇ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة".
الثالث: عن عبد الله بن محمد بن خشيش، عن مسلم بن إبراهيم القصاب، عن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﵇.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢) نحوه، ثم قال: وأكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة غير حديث العقيقة.
قلت: أخرج الترمذي الحديث المذكور ثم قال: حديث سمرة حديث حسن صحيح، وسماع الحسن من سمرة صحيح. هكذا قال علي بن المديني وغيره.
وقال صاحب "الاستذكار": قال الترمذي: قلت للبخاري في قولهم: لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة، قال: سمع منه أحاديث كثيرة وجعل روايته عنه سماعًا صحيحًا، وصححها، وقال الترمذي في "جامعه": والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ وغيرهم، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، وبه يقول أحمد ﵀] (٣).
وقد رخص بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ وغيرهم في بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً، وهو قول الشافعي وإسحاق.
وفي "شرح الموطأ" لابن زرقون: قال الشافعي وأبو ثور وداود: لا ربا في الحيوان بحال، وجائز عندهم بيع بعضه ببعض نقدًا أو نسيئةً، اختلف أو لم يختلف، ولا ربا عندهم إلا في الذهب والورق وما يكال أو يوزن مما يُؤكل أو يُشرب على مذهب ابن المسيب.
стр. 6023
وقال الثوري وأبو حنيفة والحسن بن حيّ: لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً؛ اختلف أو لم يختلف، وحجتهم: ما خرَّج أبو داود (١): "أن النبي ﵇ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة"، وقاله محمد بن الحنفية وعكرمة.
وقال الحسن: إذا اختلفا فلا بأس به إلى أجلٍ، يقول: الغنم بالبقر، والبقر بالإبل، ولا خلاف في جواز بيع الحيوان بالحيوان متماثلاً يدًا بيدٍ.
ص: فقال أهل المقالة الأولى: هذا لا يلزمنا؛ لأنا قد رأينا الحنطة لا يباع بعضها ببعض نسيئةً وقرضها جائز، فكذلك الحيوان لا يجوز بيع بعضه ببعضٍ نسيئةً وقرضه جائز، فكان من حجتنا على أهل هذه المقالة في تثبيت المقالة الأولى: نَهْيُ النبي ﵇ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً يحتمل أن يكون ذلك لعدم الوقوف منه على المثل، ويحتمل أن يكون من قِبَل ما قال أهل المقالة الأولى في الحنطة في البيع والقرض، فإن كان إنما نهى عن ذلك عن طريق عدم وجود المثل؛ ثبت ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية.
وإن كان من قِبل أنهما نوع واحد لا يجوز بيع بعضه ببعض نسيئةً لم يكن في ذلك حجة لأهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى.
فاعتبرنا ذلك، فرأينا الأشياء المكيلات لا يجوز بيع بعضها ببعض نسيئة، ولا بأس بقرضها، ورأينا الموزونات حكمها في ذلك كحكم المكيلات سواء خَلاَ الذهب والورِق، ورأينا ما كان من غير المكيلات والموزونات مثل الثياب وما أشبهها فلا بأس ببيع بعضها ببعض وإن كانت متفاضلة، وبيع بعضها ببعض نسيئةً فيه اختلاف بين الناس، فمنهم من يقول: ما كان منها من نوع واحد فلا يصلح بيع بعضه ببعض نسيئةً، وما كان منها من نوعين مختلفين فلا بأس ببيع بعضه ببعض نسيئة، وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
стр. 6024
ومنهم من يقول: لا بأس ببيع بعضها ببعض يدًا بيدٍ، ونسيئة، وسواء عنده كانت من نوع واحد أو من نوعين، فهذه أحكام الأشياء المكيلات والموزونات والمعدودات غير الحيوان على ما فسرنا، فكان غير المكيل والموزون لا بأس ببيعه بما هو من خلاف نوعه نسيئة، وان كان المبيع والمبتاع به ثيابًا كلها، وكان الحيوان لا يجوز بيع بعضه ببعض نسيئة، وإن اختلفت أجناسه، لا يجوز بيع عبد ببعير ولا ببقرة ولا بشاة نسيئة، فلو كان النهي من النبي ﵇ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة إنما كان لاتفاق النوعين؛ لجاز بيع العبد بالبقرة نسيئة؛ لأنها من غير نوعه، كلما جاز بيع الثوب الكلتان بالثوب القطن الموصوف نسيئة.
فلما بطل ذلك في نوعه وفي غير نوعه؛ ثبت أن النهي في ذلك إنما كان لعدم وجود مثله، ولأنه غير موقوف عليه، وإذا كان إنما بطل بيع بعضه ببعض نسيئة لأنه غير موقوف عليه؛ بطل قرضه أيضًا؛ لأنه غير موقوف عليه.
فهذا هو النظر في هذا الباب.
ومما يدل على ذلك أيضًا ما قد أجمعوا عليه في الاستقراض من الإماء أنه لا يجوز وهي حيوان، فاستقراض سائر الحيوان في النظر أيضًا كذلك.
ش: هذه إشارة إلى بيان منع من جهة أهل المقالة الأولى لما قاله أهل المقالة الثانية من قولهم: لمَّا نسخ جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة وحل في ذلك استقراض الحيوان أيضًا، وتقرير المنع أن يقال: لا نسلِّم دخول استقراض الحيوان في انتساخ بيع الحيوان بالحيوان نسيئة؛ لأنا قد رأينا الحنطة لا يجوز بيع بعضها ببعض نسيئة ومع هذا فقرضها جائز، وكذلك الحيوان لا يجوز بيع بعضه ببعضٍ نسيئةً فقرضه جائز.
وأجاب عن ذلك بقوله: فكان من حجتنا على أهل هذه المقالة ... إلى آخره، وهو ظاهر لا يحتاج إلى مزيد بيان.
قوله: "فمنهم من يقول" أي فمن الفقهاء الذين لهم خلاف [في هذا الباب وأراد بهم: عطاء وإبراهيم النخعي وابن سيرين وعكرمة بن خالد ومحمد ابن الحنفية والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد ﵏.
стр. 6025
قوله: "ومنهم من يقول" أراد بهم: سعيد بن المسيب والأوزاعي والشافعي ومالكًا في رواية وأحمد، وقال مالك في "الموطأ" (١): لا بأس أن يشترى الثوب من الكتان أو الشطوي أو القصبي بالأثواب من الإتريبي أو القسي أو الزيقة أو الثوب الهروي أو المروي بالملاحف اليمانية والشقائق وما أشبه ذلك، الواحد بالاثنين أو الثلاثة، من صنف واحد، فإن دخل ذلك نسيئةً فلا خير فيه.
وقال ابن زرقون في "شرحه": أصل ذلك أن ما اختلف جنسه من الثياب يجوز بيعه بما خالفه من جنسه إلى أجل، ولا يجوز ذلك فيما كان من جنسه، وإنما يختلف جنسها بالرقة والغلظ؛ لأنها المنفعة المقصودة منها، فلا بأس برقيق ثياب الكتان وهو الشطوي والقصبي والزيقة والمريسية إلى أجل.
وكذلك القطن رقيقه وهو المروي والهروي والقوهي والعدني جنس مخالف لغليظه وهي الشقائق والملاحف اليمانية الغلاظ.
وفي "الواضحة": ثياب القطن صنف واحد وإن اختلفت جودتها وأثمانها وبلدانها، وكانت هذه عمائم وهذه أردية وشقق إلا ما كان من وشي القطن الصنعاني والصعيدي القصب والحَبَرة والمشطب والمسير وشبهه فلا بأس به ببياض ثياب القطن متفاضلاً إلى أجل، وكذلك ثياب القصب بثياب القطن لاختلاف المنافع والجمال، وما اختلف أيضًا في الرداءة والجودة والرقة والغلظ فتباين في نفسه وجماله جاز فيهما التفاضل إلي أجل.
وكذلك ثياب الكتان صنف واحد إلا أن تتباين بالرقة والغلظ والرداءة والجودة فيجوز فيهما التفاضل إلى أجل.
وقال الشافعي: لا ربا إلا في المأكول والمشروب والذهب والفضة، وهو قول ابن المسيب والأوزاعي.
وقال أحمد: ما لا يكال ولا يوزن يجوز فيه التفاضل ولا يجوز نسيئة.
стр. 6026
وقال سليمان بن يسار: لا يصلح ثوب بثوبين إلا يدًا بيد.
وقال الليث: نسيج مصر كله صنف واحد، لا يجوز فيه النَساء بعضه ببعض، ويجوز نسيج مصر بنسيج العراق نسيئة.
قوله: "ما قد أجمعوا عليه في استقراض الإماء أنه لا يجوز" أراد بهذا الإجماع: إجماع الأئمة الأربعة لا إجماع الفقهاء كلهم، فإن المزني وابن جرير الطبري وداود الأصفهاني أجازوا استقراض الإماء، وقد مرَّ الكلام فيه عن قريب.
ص: فإن قال قائل: فإنا قد رأينا رسول الله ﷺ حكم في الجنين بغرةً عبدًا أو أمةً، وحكم في الدية بمائةٍ من الإبل، وفي أروش الأعضاء بما قد حكم به مما قد جعله في الإبل، فكان ذلك حيوانًا كله يجب في الذمة، فلم لا كان كل الحيوان أيضًا كذلك؟.
قيل: قد حكم النبي ﵇ في الدية وفي الجنين بما ذكرت من الحيوان، ومنه من بيع الحيوان بعضه ببعض نسيئةً على ما قد ذكرنا وشرحنا في هذا الباب، فقد ثبت النهي في وجوب الحيوان في الذمة بأموال، وأبيح وجوب الحيوان في الذمة بغير أموال، فهذان أصلان مختلفان نصححهما ونرد إليهما سائر الفروع، فنجعل ما كان بدلاً من مالٍ حكمه حكم القرض الذي وصفنا، وما كان بدلاً من غير مال فحكمه حكم الديات والغرة التي ذكرنا، من ذلك: التزويج على عبد وسط أو أمة وسط، والخلع على أمة وسط أو على عبد وسط.
والدليل على صحة ما وصفنا أن النبي ﵇ قد جعل في جنين الحرة كرة عبدًا أو أمةً، وأجمع المسلمون أن ذلك لا يجب في جنين الأمة، وأن الواجب فيه دراهم أو دنانير على ما اختلفوا، فقال بعضهم: عُشر قيمة الجنين إن كان أنثى، ونصف عشر قيمته إن كان ذكرًا.
وممن قال ذلك: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏] (١).
وقال آخرون: نصف عُشر قيمة أُمّ الجنين.
стр. 6027
وأجمعوا في جنين البهائم أن فيه ما نقص أم الجنين، وكانت الديات الواجبات من الإبل على ما أوجبها رسول الله ﷺ تجب في أنفس الأحرار ولا تجب في أنفس العبيد، فكان ما حكم فيه بالحيوان المجعول في الذمم هو ما ليس ببدل من مال، ومنع من ذلك في الأبدال من الأموال، فثبت بذلك أن القرض الذي هو بدل من مال لا يجب فيه حيوان في الذمم.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى.
ش: هذا السؤال وارد من جهة أهل المقالة الأولى على ما علل به أهل المقالة الثانية عدم جواز استقراض الحيوان بقولهم: إن الحيوان لا يثبت في الذمة فلا يصح استقراضه؛ ولذلك لم يجوزوا السَّلَم أيضًا في الحيوان.
حاصل السؤال أن يقال: كيف تقولون: الحيوان لا يثبت في الذمة وقد حكم رسول الله ﷺ في الجنين بغرة عبد أو أمة، وحكم في الدية بمائة من الإبل، وكذلك حكم في أروش الأعضاء بما قد حكم به من كل عضو من الإبل المعينة على ما عرف في موضعه، فهذا كله حيوان يجب في الذمة.
فإذا كان الأمر كذلك فَلِمَ لا يجوز أن يكون كل الحيوان كذلك؟
فأجاب عنه بقوله: قيل له ... إلى آخره. وهو ظاهر.
وملخصه أن يقال: لا نسلم استواء الحكم المذكور في كل الحيوان؛ وذلك لأن من الصور الحيوان فيه ليس بدلاً عن مال؛ فلذلك أبيح وجوده في الذمة. وأما في الصورة المتنازع فيها الحيوان بدل من مال فلا يثبت في الذمة؛ لورود النهي في وجوبه في الذمة بأموال، فهذا أصلان تنسحب عليهما فروع كثيرة، فلما كان بدلاً عن مال فحكمه حكم القرض فلا يثبت في الذمة، وما كان بدلاً عن غير مال فحكمه حكم الديات والغرة.
قوله: "من ذلك التزويج" أي مما كان بدلاً من غير مال على أمة وسط ... إلى آخره، فالحيوان في هذه الصور يثبت في الذمة؛ لأنه بدل عن غير مال.
стр. 6028
قوله: "غرةً عبدًا" فانتصاب "غرة" على أنه مفعول لقوله: "قد جعل"، وانتصاب "عبدًا" على أنه بدل من قوله: "غرةٌ" أو عطف بيان، وفي بعض النسخ: "غرةَ عبد" بإضافة الغرة إلى العبد.
قوله: "وقال أخرون" أي جماعة آخرون، وأراد بهم: الليث ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم عندهم الواجب في جنين الأمة نصف عُشر قيمة أمه مطلقًا؛ لأنه جزء منها من وجه، وضمان الأجزاء يعلم من الأصل.
ص: وقد روي ذلك عن نفر من المتقدمين:
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: "أسلم زيد بن خليدة إلى عتريس بن عرقوب في قلائص، كل قَلُوص بخمسين، فلما حلَّ الأجل جاء يتقاضاه، فأتى ابن مسعود ﵁ يستنظره فنهاه عن ذلك، وأمره أن يأخذ رأس ماله".
حدثنا أبو بشر الرقي، حدثنا شجاع بن الوليد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم قال: "السلف في كل شيء إلى أجل مسمى لا بأس به، ما خلا الحيوان".
حدثنا مبشر بن الحسن، قال: ثنا أبو عامر، ثنا شعبة، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير قال: "كان حذيفة يكره السَّلَم في الحيوان".
حدثنا نصر بن مرزوق، ثنا الخَصِيب، ثنا حماد، عن حميد، عن أبي نضرة: "أنه سأل ابن عمر عن السلف في الوصفاء، فقال: لا بأس به. قال: فإن أمراءنا ينهوننا عن ذلك؟ قال: فأطيعوا أمراءكم. قال: وأمراؤنا يومئدٍ عبد الرحمن بن سمرة وأصحاب النبي ﷺ ".
ش: أي قد روي ما ذكرنا -من أن الحيوان إذا كان بدلاً عن مال لا يجب في الذمة- عن طائفة من المتقدمين من الصحابة والتابعين، وهم: عبد الله بن مسعود
стр. 6029
وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن سمرة وإبراهيم النخعي؛ فإنهم كلهم منعوا السَّلَم في الحيوان.
وروي أيضًا عن عمر بن الخطاب، وروي عنه أنه قال: "إن من الربا أبوابًا لا تخفى، وإن منها السلم في السنَّ".
وهو مذهب الثوري والشعبي وسعيد بن جبير، ورواية عن أحمد.
أما الذي روي عن ابن مسعود: فأخرجه عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن شعبة بن الحجاج، عن قيس بن مسلم الجدلي الكوفي، عن طارق بن شهاب بن عبد شمس البجلي الكوفي الصحابي قال: "أسلم زيد بن خليدة -بضم الخاء المعجمة وفتح اللام- اليشكري، ذكره ابن حبان [في "الثقات" التابعين.
"إلى عِتْريس" -بكسر العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق وكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره سين مهملة- بن عرقوب -بضم العين- ذكره ابن حبان في "الثقات" التابعين.
قوله: "في قلائص" جمع قَلُوص: وهو الشاب من الإبل، وقد مرَّ الكلام فيه مستقصّى عن قريب.
والأثر أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: "أن زيد بن خليدة أسلم إلى عتريس بن عرقوب في قلائص، فسأل ابن مسعود فكره السلم في الحيوان".
وأما الذي روي عن النخعي: فأخرجه عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، عن سعيد بن أبي عروبة مهران العدوي البصري، عن أبي معشر زياد بن كليب الكوفي، عن إبراهيم النخعي.
وهذا إسناد صحيح.
стр. 6030
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن حفص، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: "كان عبد الله يكره السَّلَم في الحيوان".
وأما الذي روي عن حذيفة بن اليمان: فأخرجه عن مبشر بن الحسن بن مبشر، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن شعبة بن الحجاج، عن عمار بن معاوية الدهني، عن سعيد بن جبير.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، قال: ثنا شعبة، عن عمار صاحب السابري، قال: "سمعت سعيد بن جبير يُسْأل عن السلم في الحيوان فنهى عنه، فقلت له: قد كنت بأذربيجان سنين أو سنتين نراهم يفعلونه ولا ننهاهم، فقال سعيد: كان حذيفة بن اليمان ﵁ ينهى عنه".
وأما الذي روي عن عبد الله بن عمر: فأخرجه عن نصر بن مرزوق، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن أبي نضرة -بالنون والضاد المعجمة- المنذر بن مالك، عن عبد الله بن عمر.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا سهل بن يوسف، عن حميد، عن أبي نضرة قال: "قلت لابن عمر: إن أمراءنا ينهوننا عنه -يعني السَّلَم في الحيوان في الوصفاء- قال: فأطع أمراءك إن كانوا ينهون عنه، وأمراؤه يومئذٍ مثل الحكم الغفاري وعبد الرحمن ابن سمرة ﵄".
стр. 6031
ص: كتاب السِّير
ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام السير، وهو جمع سيرة وهي الطريقة، ومنه: سيرة العمرين أي طريقتهما؛ وسمي هذا الكتاب بهذا؛ لأنه يجمع سير النبي ﵇ وطرقه في مغازيه وسير أصحابه وما نقل عنهم في ذلك وبعضهم ذكروه بكتاب الجهاد، والجهاد: بذل الطاقة وتحمل المشقة.
...
ص: باب: الإمام يريد قتال العدو هل عليه قبل ذلك أن يدعو أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان أن الإمام إذا قصد قتال قوم من الأعداء هل يجب عليه أن يدعوهم إلى الإسلام ثم إلى الجزية إن كانوا من أهلها قبل اشتغاله بقتالهم أم لا؟
والمراد من الإمام هو الإِمام الأعظم وهو الخليفة، أو نائبه وهو السلطان، أو نائب نائبه وهو أمير بلدة أو ناحية.
ص: حدثنا أبو بشر عبد الملك بن مروان الرقي، قال: ثنا محمد بن يوسف الفريابي، قال: ثنا سفيان بن سعيد، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أمَّرَ رجلاً على سرية قال له: إذا لقيت عدوَّك من المشركين فادعهم إلي إحدى ثلاث خصال -أو خلال- فأيتهن أجابوك إليها فأقبل منهم وكُفَّ عنهم: ادعهم إلى الإِسلام فإن أجابوك فأقبل منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ولهم ما لهم، فإن أبوا فأخبرهم أنهم كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين فلا يكون لهم من الفيء والغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.
فإن هم أبوا أن يدخلوا في الإِسلام فسلهم عن إعطاء الجزية، فإن فعلوا فأقبل منهم وكُفَّ عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم.
стр. 6032
قال علقمة: فحدثت به مقاتل بن حيان، فقال: حدثني مسلم بن هيصم، عن النعمان بن مقرن] (١)، عن النبي ﷺ مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان ... فذكر بإسناده مثله، غير أنه لم يذكر حديث علقمة عن مقاتل عن مسلم بن هيصم.
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو صالح (ح).
وحدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال كل واحد منهما: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن علقمة بن مرثد الحضرمي ... فذكر بإسناده مثله.
ش: هذه أربع طرق صحاح:
الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان بن سعيد الثوري، عن علقمة بن مرثد الحضرمي الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة روى له الجماعة، عن سليمان بن بريدة الأسلمي المروزي روى له الجماعة سوى البخاري، عن أبيه بريدة بن الحُصَيب -بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- الأسلمي الصحابي ﵁.
والحديث أخرجه الجماعة غير البخاري:
فقال مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع بن الجراح، عن سفيان (ح).
وثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا يحيى بن آدم، قال: ثنا سفيان قال: أملاه عليَّ إملاءً (ح).
وحدثني (٢) عبد الله بن هاشم -واللفظ له- قال: حدثني عبد الرحمن -يعني ابن مهدي- قال: ثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية؛ أوصاه في خاصته
стр. 6033
بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا فلا تغلّوا ولا تغدروا ولا تُمَثِّلوا, ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوَّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال -أو خِلال- فأيتهن ما أجابوك فأقبل منهم وكُفّ عنهم، ثم ادعهم إلى الإِسلام، فإن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.
فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فأقبل منهم وكُفّ عنهم.
فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك؛ فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله.
وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ ".
قال عبد الرحمن هذا أو نحوه. وزاد إسحاق في آخر حديثه عن يحيى بن آدم، قال: "فذكرت هذا الحديث لمقاتل بن حيان -قال يحيى: يعني أن علقمة يقوله لابن حيان- فقال: حدثني مسلم بن هيصم، عن النعمان بن مقرن، عن النبي ﵇ بنحوه.
وقال أبو داود (١): ثنا محمد بن سليمان الأنباري، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه، وبمن معه من
стр. 6034
المسلمين خيرًا، وقال: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال -أو خلال- فأيتهن ما أجابوك إليها فأقبل منهم وكُفّ عنهم، ادعهم إلى الإِسلام، فإن أجابوك فأقبل منهم وكُفّ عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونوا مثل أعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين.
فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوك فأقبل منهم وكُفّ عنهم. فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تُنزلهم فإنكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم اقضوا فيهم بعدُ ما شئتم".
قال سفيان: قال علقمة: فذكرت هذا الحديث لمقاتل بن حيان، فقال: حدثني مسلم -وقال أبو داود: هو ابن هيصم- عن النعمان بن مقرن، عن [النبي ﵇ مثل حديث سليمان بن بريدة.
وقال الترمذي (١): نا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ إذا بعث أميرًا على جيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ... " إلى آخره نحوًا من رواية مسلم، وقال في آخره: وفي الباب عن النعمان بن مقرن.
قال أبو عيسى: حديثٌ حسن صحيح.
الطريق الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي البصري شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه.
стр. 6035
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن جرير بن حازم، عن شعبة، عن علقمة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عبد الرحمن بن عيسى، ثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن جرير بن حازم، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﵇ ... إلى آخره.
الرابع: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يحيى بن عبد الله بن بكير المصري شيخ البخاري، عن الليث بن سعد ... إلى آخره.
قوله: "إذا أمَّر" بتشديد الميم، من التأمير وهو جعل الغير أميرًا.
قوله: "على سرية" قال الجوهري: السرية قطعة من الجيش، يقال: خير السرايا أربعمائة رجل.
وقال ابن الأثير: السرية طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة، تُبْعث إلى العدو، وجمعها السرايا؛ سُمُّوا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري النفيس، وقيل: سموا بذلك لأنهم ينفذون سرًّا وخِفية، وليس بالوجه؛ لأن لام السر راء، وهذه تاء، انتهى.
وقال ابن السكيت: السرية ما بين خمسة أنفس إلى ثلاثمائة. وقال الخليل: هي نحو أربعمائة.
قوله: "إلى دار المهاجرين" وهم قوم من قبائل مختلفة تركوا أوطانهم وهجروها في الله، واختاروا المدينة دار، ولم يكن لهم أو لأكثرهم بها زرع ولا ضرع، فكان رسول الله ﵇ ينفق عليهم مما أفاء الله عليه أيام حياته، ولم يكن للأعراب وسكان البدو فيها حظ إلا من قاتل منهم، فإذا شهد الوقعة أَحَدٌ منهم أخذ سهمه.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: فيه توصية الإمام أمرائه وجيوشه وتعريفه ما يجب عليهم في مغازيهم، وما يحل لهم ويحرم عليهم، وتحريم الغلول والغدر والمثلة.
стр. 6036
الثاني: فيه دعاء المشركين قبل القتال إلى إحدى الثلاث المذكورة.
وقالت العلماء -منهم: الحسن البصري وسفيان الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق-: إذا بلغتهم الدعوة جاز أن يقاتلوا قبل أن يدعوا، فأما من لم تبلغهم الدعوة ممن بعدت داره فإنه لا يقاتل حتى يدعى.
الثالث: احتج بظاهر قوله: "فَسَلْهم إعطاء الجزية" الأوزاعي على وجوب قبول الجزية من كل مشرك كتابي أو غير كتابي من عبدة الأوثان والشمس والنيران إذا أذعنوا إليها.
قال الخطابي: ومذهب مالك قريب منه، وحكي عنه أنه قال: تقبل من كل مشرك إلا المرتد، وروي عنه: لا تقبل إلا من أهل الكتاب وسواء كانوا عربًا وعجمًا، وتقبل من المجوس ولا تقبل من مشرك غيرهم. وقال الشافعي: تقبل من كل مشرك من العجم ولا تقبل من مشركي العرب.
وقال البخاري: لم يثبت عن النبي ﵇ أنه حارب عجمًا قط ولا بعث إليهم جيشا وإنما كانت عامة حروبه مع العرب، وكذلك بعوثه وسراياه، فلا يجوز أن يصرف هذا الخطاب إلى غيرهم.
قلت: مذهب أبي حنيفة ﵁ لا تختص بأهل الكتاب، بل توضع على أهل الكتاب وعلى المجوسي والوثني من العجم، وهو رواية عن أحمد.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: "أن النبي ﵇ لما وجَّه علي بن أبي طالب ﵁ إلى خيبر وأعطاه الراية فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رسْلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم] (١) من حق الله ، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن تكون لك حمر النعم".
стр. 6037
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح.
وأبو حازم -بالحاء المهملة والزاي المعجمة- سلمة بن دينار.
وأخرجه مسلم بأتم منه (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: نا عبد العزيز -يعني ابن أبي حازم- عن أبي حازم، عن سهل.
وحدثنا قتيبة (١) -واللفظ هذا- قال: ثنا يعقوب -يعني ابن عبد الرحمن- عن أبي حازم، قال: أخبرني سهل بن سعد: "أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: لأعطين هذه الراية رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها، قال: فلما أصبح الناس غَدَوْا على رسول الله ﵇-كلهم يرجون أن يُعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأتي به، فبصق رسول الله ﵇ في عينيه ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي ﵁: يا رسول الله، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال: انفذ على رِسْلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإِسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من أن تكون لك حمر النعم".
أخرجه مسلم في باب: "فضل علي ﵁" (١).
وأخرجه البخاري في كتاب "الجهاد" (٢): عن قتيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن سهل قال: "قال النبي ﷺ يوم خيبر ... " إلى آخره نحوه.
وأخرجه أبو داود في كتاب "العلم" (٣) مختصرًا، وقال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، عن النبي ﵇ قال: "والله لأن يهدى بهداك رجل واحد خير لك من حمر النعم".
стр. 6038
وأخرجه النسائي في "السير والمناقب" (١): عن قتيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم بتمامه.
قوله: "إلى خيبر" كانت غزوة خيبر في سنة سبع من الهجرة النبوية.
قوله: "انفد على رِسْلِك" أي امض على هَيْنَتَكَ، وهو من نَفَذَ يَنْفِذُ، من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ، ومادته: نون وفاء وذال معجمة.
و"الرِسل": بكسر الراء: الهينة والتأني، قال الجوهري: يقال: افعل كذا وكذا على رِسْلك -بالكسر- أي: اتَّئِد فيه، كما يقال: على هَيْنَتك.
قوله: "بساحتهم" أي بأرضهم، وساحة الدار باحتها، وهي من الأجوف الواوي.
قوله: "حُمْر النعم" الحُمْر -بضم الحاء وسكون الميم-: جمع أحمر، و"النَّعَم" بفتحتين: واحد الأنعام وهي المال الراعية، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل، والمراد ها هنا الإبل؛ لأن أعزّ الأموال عند العرب الإبل ولا سيما الحُمْر منها.
قوله: "لأن يهدي الله" في محل الرفع على الابتداء، و"أن" مصدرية، و"اللام" فيه للتأكيد، وخبره: قوله: "خير لك"، و"الباء" في قوله: "بك" للسببية، فافهم.
ص: حدثنا محمد بن النعمان السقطي، قال: ثنا الحميدي، قال: ثنا سفيان، عن عمر بن ذر، عن ابن أخي أنس بن مالك، عن عَمِّهِ: "أن رسول الله ﵇ بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى قوم يقاتلهم، ثم بعث في إثره يدعوه، وقال له: لا تأته من خلفه وائته من بين يديه، قال: وأمر رسول الله ﵇ عليًّا ﵁ أن لا يقاتلهم حتى يدعوهم".
ش: إسناده صحيح.
والحميدي هو: عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد الحميدي أبو بكر شيخ البخاري.
стр. 6039
وسفيان هو ابن عيينة.
وعمر بن ذرّ بن عبد الله الهمداني الكوفي، روى له الجماعة سوى مسلم.
وابن أخي أنس هو إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، روى له الجماعة.
وعبد الله بن أبي طلحة: أخو أنس بن مالك من الأم، فيكون أنس عم إسحاق ابن عبد الله بن أبي طلحة من الأم.
والحديث أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: ثنا عمر بن ذرّ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي ﵁: "أن النبي ﵇ بعثه في سرية فقال لرجل عنده: الحقه ولا تدعه من خلفه فقل: إن رسول الله ﵇ يأمرك أن تنتظره، قال: فانتظره حتى جاء، فقال: لا تقاتل القوم حتى تدعوهم".
قوله: "في إثره" بكسر الهمزة [أراد بعث وراء علي ﵁.
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن كثير، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: "ما قاتل رسول الله ﵇ قومًا حتى يدعوهم".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عيسى بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا حجاج بن أرطاة، قال: ثنا عبد الله بن أبي نجيح ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا حجاج بن إبراهيم، قال: ثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، عن ابن أبي نجيح ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا حفص بن غياث، عن حجاج ... فذكر بإسناده مثله.
ش: هذه أربع طرق:
الأول: إسناده صحيح، عن محمد بن خزيمة، عن محمد بن كثير العبدي شيخ البخاري وأبي داود، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن أبي نجيح المكي روى له
стр. 6040
الجماعة، عن أبيه أبي نجيح يسار الثقفي المكي، روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا حفص، عن حجاج، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه، عن ابن عباس قال: "ما قاتل رسول الله ﵇ قوما قط حتى يدعوهم".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عيسى بن إبراهيم الغافقي المصري شيخ أبي داود والنسائي، عن عبد الواحد بن زياد العبدي البصري، عن حجاج بن أرطاة النخعي -وفيه مقال- عن عبد الله بن أبي نجيح، عن ابن عباس.
الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن حجاج بن إبراهيم الأزرق، وثقه ابن حبان، عن يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن حجاج بن أرطاة ... إلى آخره.
الرابع: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يوسف بن عدي ... إلى آخره.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى أن الإمام وأهل السرايا إذا أرادوا قتال العدو دعوهم قبل ذلك إلى مثل ما روينا عن رسول الله ﷺ في حديث بريدة، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار، وقالوا: إن قاتلهم الإمام أو أحد من أهل سراياه من غير هذا الدعاء فقد أساءوا في ذلك.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عمر بن عبد العزيز وقتادة وأبا نجيح ومالكًا وأحمد في رواية وإسحاق، فإنهم قالوا: لا يقاتل الإِمام حتى يدعو، فإن قاتلوا بغير دعوة فقد أساءوا.
واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة؛ لأن ظاهرها يدل على أن لا يقاتلوا إلا بعد الدعاء.
وقال الترمذي بعد أن أخرج حديث سليمان في الدعوة قبل القتال (٢): وقد ذهب
стр. 6041
بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ وغيرهم إلى هذا، ورأوا أن يدعو قبل القتال، وهو قول إسحاق بن إبراهيم، قال: إن يقدم إليهم في الدعوة فحسن، يكون ذلك أهيب.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا بأس بقتالهم والغارة عليهم وإن لم يُدعوا قبل ذلك.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: الحسن البصري والنخعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي وأحمد، فإنهم قالوا: لا بأس بقتالهم والغارة عليهم وإن لم يُدعوا قبل ذلك.
وقال الترمذي (١): قال الشافعي: لا يقاتل العدو حتى يدعو إلا أن يعجلوا عن ذلك، فإن لم يفعل فقد بلغتهم الدعوة.
وقال صاحب "المغني": ويقاتل أهل الكتاب والمجوس ولا يدعون؛ لأن الدعوة قد بلغتهم، ويدعى عبدة الأوثان قبل أن يحاربوا. وقال: قال أحمد: إن الدعوة قد بلغت وانتشرت ولكن إن جاز أن يكون قومٌ خلف الروم وخلف الترك على هذه الصفة لم يجز قتالهم قبل الدعوة.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "أَغِز على أُبْنى ذا صباح ثم حَرِّق".
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث أسامة بن زيد؛ فإن النبي ﵇ أمره أن يغير على أهل أُبْنى ولم يأمره بالدعوة؛ لأنها كانت قد بلغتهم.
وقال أحمد: كان النبي ﵇] (٢) يدعو إلى الإِسلام قبل أن يحارب
стр. 6042
حتى أظهر الله الدين وعلا الإِسلام، ولا أعرف اليوم أحدًا يدعى؛ قد بلغت الدعوة كل أحد، والروم قد بلغتهم الدعوة وعلموا ما يراد منهم، وإنما كانت الدعوة قبل الإِسلام، وإن دعى فلا بأس به.
ثم رجال حديث أسامة ثقات، غير أن صالح بن أبي الأخضر اليمامي مولى هشام ابن عبد الملك فيه مقال، فعن يحيى: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليِّن الحديث. وقال البخاري والنسائي: ضعيف.
وأخرجه أبو داود (١): عن هناد بن السري، عن عبد الله بن المبارك، عن صالح ابن أبي الأخضر، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد: "أن النبي ﵇ كان عَهِد إليه فقال: أغِر على أبْنَى صباحًا وحرِّق".
وأخرجه ابن ماجه (٢): عن محمد بن إسماعيل بن سمرة، عن وكيع، عن صالح بن أبي الأخضر ... إلى آخره نحوه.
قوله: "أَغِر" أمرٌ من أَغَارَ يُغِيرُ إغَارةً ومغارًا.
و"أُبْنى" بضم الهمزة وسكون الباء الموحدة مقصورة: اسم موضع من فلسطين بين عسقلان والرملة، ويقال لها: "يُبْني" بالياء.
قوله: "ذا صباح" أي في الصباح.
وفيه فائدتان:
إحداهما: أن الدعوة ليست بواجبة.
والأخرى: جواز تحريق دور الأعداء وعقارهم.
ص: حدثنا محمد بن الحجاج، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن (ح).
وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج وعبيد الله بن محمد التيمي (ح).
стр. 6043
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد (ح).
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قالوا: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﵇ يُغير على العدو عند صلاة الصبح فيستمع، فإن استمع أذانًا أمسك وإلا أغار".
ش: هذه أربع طرق صحاح:
الأول: عن محمد بن الحجاج الحضرمي، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني شيخ يحيى بن معين، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك ﵁.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد، قال: أخبرني ثابت، عن أنس: "أن النبي ﵇ كان يُغير عند صلاة الصبح، وكان يستمع، فإذا سمع أذانًا أمسك وإلا أغار".
الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال شيخ البخاري، وعبيد الله ابن محمد بن حفص التيمي العائشي شيخ أبي داود، كلاهما عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁.
وأخرجه البزار في "مسنده" (٢): ثنا عمرو بن علي، ثنا بهز بن أسد، ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ كان يُغير عند صلاة الفجر، فكان يستمع، فإذا سمع أذانًا أمسك وإلا أغار، فاستمع ذات يوم فسمع رجلاً يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ﵇: على الفطرة، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: خرجت من النار".
стр. 6044
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يونس، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ... إلى آخره كرواية البزار.
الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره.
وأخرجه العدني في "مسنده": عن بشر بن عمر، عن حماد، عن ثابت، عن أنس ... إلى آخره كرواية أحمد.
قوله: "يُغير على العدو عند صلاة الصبح" إنما كان يُغير ﵇ في هذا الوقت؛ لأنه وقت غفلة ونوم، وأيضًا كان يكون في ذلك الوقت على معاينة من حال أصحابه كيف يغيرون؛ لأن قبل ذلك الوقت وقت ظلام، فلا يؤمن أن يقتل بعض المسلمين بعضًا عند قيام الحرب، أو يؤتوا من كمين من حيث لا يشعرون؛ فلذلك كان يغير وقت الصبح، وليس ذلك لتحريم الإغارة ليلاً أو نهارًا.
وأما إمساكه ﵇ عن الإغارة عند استماعه الأذان؛ فلأنه من شعائر الإِسلام؛ فدل على أنهم ليسوا بمحل للإغارة عليهم، والله أعلم.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن الحجاج -هو ابن أرطاة- عن عمرو بن مرة، عن زاذان، عن جرير بن عبد الله، عن النبي ﷺ مثله.
ش: رجاله ثقات، غير أن الحجاج بن أرطاة فيه مقال.
وزاذان -بالزاي والذال المعجمتين- أبو عبد الله الكندي الكوفي الضرير البزاز، روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح".
стр. 6045
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا يوسف بن بهلول، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق، قال: وحدثني حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: "كان رسول الله ﷺ إذا غزا قومًا لم يُغِرْ عليهم حتى يصبح، فإن سمع أذانًا أمسك، وإن لم يسمع أذانًا أغار، فنزلنا خيبر، فلما أصبح ولم يسمع أذانًا ركب وركبنا معه، فركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم رسول الله ﵇، فاستقبلنا عمال خيبر قد أخرجوا مساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا النبي ﵇ والجيش قالوا: محمد والخميس، فأدبروا هرابًا، فقال النبي ﵇: الله أكبر خربت خيبر، إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذَرين".
ش: يوسف بن بهلول التميمي الأنباري، نزيل الكوفة وشيخ البخاري. وعبد الله ابن إدريس الزعافري روى له الجماعة. وابن إسحاق هو محمد بن إسحاق بن يسار المدني صاحب المغازي، ثقة.
وحميد بن أبي حميد الطويل، روى له الجماعة.
والحديث أخرجه البخاري (١): ثنا قتيبة، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس: "أن النبي ﵇ خرج إلى خيبر فجاءها ليلاً، وكان إذا جاء قومًا بليل لا يُغِير عليهم حتى يصبح، فلما أصبح خرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوه قالوا: محمد والله محمد والخميس، فقال النبي ﵇: الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذَرين".
وأخرجه مسلم (٢): حدثني زهير بن حرب، قال: نا إسماعيل بن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ غزا خيبر قال: فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله ﵇ وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله ﵇ في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﵇ وانحسر الإزار عن فخذ نبي الله ﵇ فإني لأرى بياض فخذ نبي الله ﵇، فلما دخل القرية
стр. 6046
قال: الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذَرين -قالها ثلاث مرار- قال: وقد خرج القوم إلى أعمالهم فقالوا: محمد والله -قال عبد العزيز: وقال بعض أصحابنا: محمد والخميس- قال: وأصبناها عنوة".
قوله: "عُمَال خيبر" العمال -بضم العين-: جمع عامل.
و"المساحي" جمع مِسْحَاة وهي المجرفة من الحديد والميم زائدة؛ لأنه من السحو وهو الكشف والإزالة.
و"المكاتل" جمع مِكتل -بكسر الميم- وهو الزَّبِيل الكبير قيل إنه يسع خمسة عشر صاعًا.
قوله: "محمدٌ والخميس" ارتفاع محمد على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا محمد، و"الخميس": الجيش؛ سُمِّي به لأنه مقسوم بخمسة أقوام: المقدمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب، وقيل: لأنه تُخَمس فيه الغنائم.
قوله: "هُرَّابًا" بضم الهاء وتشديد الراء: جمع هارب، وانتصابه على الحال من الضمير الذي في "أدبروا".
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا يوسف بن بهلول، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن مسلم بن عبد الله بن خبيب الجهني، عن جندب بن مُكَيث الجهني قال: "بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الليثي في سرية كنت فيهم، وأمره أن يشنّ الغارة على بني الملوح بالكديد، قال: فراحت الماشية من إبلهم وغنمهم، فلما احتلبوا وعطنوا واطمأنوا نيامًا؛ شننا الغارة فقتلنا واستقنا الغنم".
ش: يعقوب بن عتبة بن المغيرة الثقفي الحجازي، وثقه أبو حاتم والدارقطني.
ومسلم بن عبد الله بن خُبيب -بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة- الجهني، روى له أبو داود.
стр. 6047
وجُندب بن مُكَيث -بضم الميم وفتح الكاف وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره ثاء مثلثة- بن عمرو الجهني، عداده في أهل المدينة، أخو رافع بن مكيث، لهما صحبة.
وغالب بن عبد الله الليثي -وقيل: غالب بن عبيد الله- عداده في أهل الحجاز، وقد وقع في رواية أبي داود: عبد الله بن غالب كما يجيء الآن، والصواب غالب بن عبد الله كما في رواية الطحاوي.
والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (١) مطولاً: ثنا يعقوب، قال: حدثني أبي، حدثني ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن مسلم بن عبد الله بن خبيب الجهني، عن جندب بن مكيث الجهني قال: "بعث رسول الله ﵇ غالب بن عبد الله الكلبي -كلب ليث- إلى بني ملوح بالكديد، وأمره أن يغير عليهم، فخرج فكنت في سريته، فمضينا حتى إذا كنا بكديد لقينا به الحارث بن مالك -وهو ابن البرصاء الليثي- فأخذناه فقال: إنما جئت لأُسْلِم، فقال غالب بن عبد الله: إن كنت إنما جئت مسلمًا فلن يضرك رباط يوم وليلة، وإن كنت على غير ذلك استوثقنا منك، قال: فأوثقه رباطًا ثم خلف عليه رجلاً أسود كان معنا فقال: امكث معه حتى نمر عليك فإن نازعك فاجتز رأسه، قال: ثم مضينا حتى أتينا بطن الكديد فنزلناه عشيشة بعد العصر، فبعثني أصحابي في ربيئة فعمدت إلى تلّ يطلعني على الحاضر فانبطحت عليه وذلك قبل المغرب، فخرج رجل منهم فنظر فرآني منبطحًا على التل فقال لامرأته: والله إني لأرى على هذا التل سوادًا ما رأيته أول النهار فانظري لا تكون الكلاب اجترت بعض أوعيتك، قال: فنظرت فقالت: لا والله ما أفقد شيئًا، قال: فناوليني قوسًا وسهمين من نبلي، قال: فناوَلَتْه، فرماني بسهم فوضعه في جنبي، قال: فنزعته فوضعته ولم أتحرك، ثم رماني بآخر فوضعه في رأس منكبي، فنزعته فوضعته ولم أتحرك، فقال لامرأته: والله لقد خالطه سهمان ولو كان دابة لتحرك فإذا أصبحتِ فابتغي سهميّ فخذيهما لا تمضغهما عليَّ الكلاب، قال: وأمهلناهم حتى راحت
стр. 6048
رائحتهم، حتى إذا احتلبوا وعطنوا وسكتوا وذهبت عتمة من الليل؛ شننا عليهم الغارة، فقتلنا من قتلنا منهم واستقنا النعم، فتوجهنا قافلين، وخرج صريخ القوم إلى قومهم مغوثًا، وخرجنا سراعًا حتى نمر بالحارث ابن البرصاء وصاحبه، فانطلقنا به معنا، وأتانا صريح الناس فجاءنا ما لا قبل لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلا بطن الوادي؛ أقبل سيل حال بيننا وبينهم بعثه الله تعالى من حيث شاء، ما رأينا قبل ذلك مطرًا ولا حالاً، فجاء بما لا يقدر أحد على أن يقدم عليه، فلقد رأيناهم وقوفًا ينظرون إلينا ما يقدر أحد منهم أن يتقدم ونحن نجوزها سراعًا حتى أسندناها في المشلل، ثم حدرناها عنا، فأعجزنا القوم بما في أيدينا".
وأخرجه أبو داود مختصرًا (١): نا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبي معمر، [قال: ثنا عبد الوارث] (٢)، قال: نا محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن مسلم بن عبد الله، عن جندب بن مُكَيث قال: "بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن غالب الليثي في سرية وكنت فيهم، وأمرهم أن يشنوا الغارة على بني الملوح بالكديد، فخرجنا حتى إذا كنا بالكديد لقينا الحارث بن البرصاء الليثي فأخذناه، فقال: إنما جئت أريد الإِسلام، وإنما خرجت إلى رسول الله ﵇، فقلنا: إن تك مسلمًا لم يضرك رباطنا يومًا وليلة، وإن تك غير ذلك نستوثق منك، فشددناه وثاقًا".
قوله: "أن نشن الغارة" الشن -بالشين المعجمة-: الصب المتقطع، والسَّن -بالسين المهملة-: الصب المتصل، والمعنى ها هنا: أن نفرق الغارة عليهم من جميع جهاتهم.
وقال الأزهري: يقال: شننا الغارة عليهم أي فرقناها. وقال غيره: شن الماء على الشراب: فَرَّقه عليه، ومنه قيل: شن عليهم الغارة وأشن إذا فرقها عليهم. والغارة: اسم من الإغارة.
стр. 6049
وذكر النمري: أن هذه السرية كانت سنة خمس من الهجرة وكانوا ستين راكبًا.
وذكر الواقدي أنه كان مع غالب بن عبد الله مائة وثلاثون رجلاً من الصحابة ﵃.
وذكر ابن إسحاق أن هذه السرية إنما كانت في سنة سبع من الهجرة، والله أعلم.
قوله: "على بني المُلَوِّح" بضم الميم وتشديد الواو المكسورة وفي آخره حاء مهملة، وهم بطن [.......] (١).
قوله: "بالكديد" أي فيها، وهو موضع عند قديد من أرض عسفان.
قوله: "وعَطَّنوا" بتشديد الطاء المهملة: أي أراحوا مواشيهم في أماكنها.
قوله: "نيامًا" جمع نائم، وانتصابه على الحال من الضمير الذي في "اطمأنوا".
ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا أسد، قال: ثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، قال: جاء أبو العالية إليَّ وإلى صاحب لي، فانطلقنا معه حتى أتينا نصر بن عاصم الليثي، قال أبو العالية: حَدِّث هذين حديثَكَ، قال: ثنا عقبة بن مالك الليثي، قال: "بعث النبي ﷺ بسرية فأغارت على القوم، فشذّ رجل واتبعه رجل من السرية ... " ثم ذكر حديثًا طويلاً أوردنا منه ما فيه من ذكر الغارة.
ش: سليمان بن المغيرة القيسي البصري، روى له الجماعة.
وحميد بن هلال بن هبيرة البصري، روى له الجماعة.
وأبو العالية رفيع بن مهران الرياحي البصري، روى له الجماعة.
ونصر بن عاصم الليثي البصري، روى له الجماعة غير الترمذي، ولكن البخاري في غير "الصحيح".
وعقبة بن مالك الليثي له صحبة، عداده في أهل البصرة.
والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا المقدام بن داود، قال: ثنا أسد
стр. 6050
ابن موسى، قال: ثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، قال: "أتاني أبو العالية أنا وصاحب لي، فقال: هلما فأنتما أشب مني وأوعى للحديث مِني، فانطلق بنا حتى أتى بنا بشر بن عاصم الليثي، فقال: حدث هذين حديثك، فقال بشر: حدثنا عقبة بن مالك -وكان من رهطه- قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فأغارت على قوم، فشذ رجل من القوم فأتبعه رجل من أهل السرية ومعه السيف شاهره، فقال الشاذ من القوم: إني مسلم، فلم ينظر فيما قال، فضربه فقتله. فنمى الحديث إلى رسول الله ﵇ فقال فيه قولاً شديدًا بلغ القاتل، قال: فبينا رسول الله ﵇ يخطب؛ إذ قال القاتل: والله يا رسول الله ما قال الذي قال إلا تعوذًا من القتل، فأعرض عنه رسول الله ﵇ وعمن قِبَله من الناس وأخذ في خطبته، ثم قال الثانية: والله ما قال الذي قال إلا تعوذًا من القتل، فأعرض عنه رسول الله ﷺ وعمن قِبَله من الناس وأخذ في خطبته، ثم لم يصبر أن قال في الثالثة: والله ما قال الذي قال إلا تعوذًا من القتل.
فأقبل عليه رسول الله ﵇ تُعرف المساءة في وجهه، ثم قال: إن الله أبى عليَّ فيمن قتل مؤمنًا. قالها ثلاثًا".
قوله: "فشذّ" بالشين المعجمة وتشديد الذال المعجمة: أي هرب وندّ.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: "لما قربنا من المشركين؛ أمرنا أبو بكر ﵁ فشننا عليهم الغارة".
ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن مرزوق.
وأخرجه مسلم بأتم منه (١): ثنا زهير بن حرب، قال: ثنا عمر بن يونس، قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة، قال: حدثني أبي قال: "غزونا فزارة وعلينا أبو بكر ﵁ أمَّره رسول الله ﷺ علينا، فلما كان بيننا
стр. 6051
وبين الماء ساعة أَمَرَنا أبو بكر ﵁ فعرسنا، ثم شن الغارة فورد الماء وقتل من قتل عليه وسبي، وانظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري، فخشيت أن يسبقونني إلى الجبل فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلما رأوا السهم وقفوا فجئت بهم أسوقهم، وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم -قال: القشع: النِّطْع- معها ابنة لها من أحسن العرب فسقتهم حتى أتيت بهم إلى أبي بكر ﵁، فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبًا، فلقيني رسول الله ﵇ في السوق فقال: يا سلمة هب لي المرأة، فقلت: يا رسول الله، والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبًا، ثم لقيني رسول الله ﵇ من الغد في السوق فقال: يا سلمة هب لي المرأة؛ لله أبوك، فقلت: هي لك يا رسول الله، فوالله ما كشفت لها ثوبًا، فبعث بها رسول الله ﵇ إلى أهل مكة ففدى بها ناسًا من المسلمين كانوا أُسِروا بمكة".
وأخرجه أبو داود (١): عن هارون بن عبد الله، عن هاشم بن القاسم، عن عكرمة، عن إياس بن سلمة، عن أبيه ... إلى آخره نحوه.
ص: ففي هذه الآثار أمر رسول الله ﵇ بالغارة، والغارة لا تكون وقد تقدمها الدعاء والانذار، فيحتمل أن يكون أحد الأمرين مما روينا ناسخٌ للآخر، فنظرنا في ذلك؛ فإذا يزيد بن سنان قد حدثنا، قال: ثنا سعيد بن سفيان الجحدري (ح).
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا بكر بن بكار (ح).
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا إسحاق الضرير، قالوا: ثنا عبد الله بن عون قال: "كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فقال: إنما كان ذلك في أول الإسلام، أغار رسول الله ﵇ على بني المصطلق وهم غَارُّون وأنعامهم على الماء، فقتل مقاتلهم وسبى سبيهم، ثم أصاب يومئذٍ جويرية بنت الحارث".
وحدثني بهذا الحديث عبد الله بن عمر ﵄ وكان معهم في ذلك الجيش.
стр. 6052
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا حماد بن زيد، عن ابن عون مثله.
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي قال: "كل ذلك قد كان؛ قد كنا ندعوا، وكنا لا ندعوا".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا أبو عمر الضرير، قال: أنا حماد بن سلمة، عن سليمان التيمي، أخبرهم عن أبي عثمان النهدي قال: "كنا نغزوا فندعوا ولا ندعوا".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا مبارك، قال: كان الحسن يقول: "ليس على الروم دعوة؛ لأنهم قد دعوا".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر، قال: ثنا محمد بن طلحة، عن أبي حمزة، قال: قلت لإبراهيم: "إن ناسًا يقولون: إن المشركين ينبغي أن يُدْعَوا، فقال: قد علمت الروم على ما يقاتلون، وقد علمت الديلم على ما يقاتلون".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري، عن منصور قال: "سألت إبراهيم عن دعاء الديلم، فقال: قد علموا ما الدعاء".
فأمر بالدعاء ليكون تبليغًا لهم وإعلامًا لهم ما يقاتلون عليه، فبيَّن ما روينا من هذا أن الدعاء إنما كان في أول الإسلام؛ لأن الناس حينئذٍ لم تكن الدعوة بلغتهم، ولم يكونوا يعلمون ما يقاتلون عليه، فأمر بالدعاء ليكون ذلك تبليغًا لهم وإعلامًا لهم على ما يقاتلون عليه، ثم أمر بالغارة على آخرين فلم يكن ذلك إلا لمعنى لم يحتاجوا معه إلى الدعاء؛ لأنهم قد علموا ما يدعون إليه لو دعوا وما لو أجابوا إليه لم يقاتلوا، فلا معنى للدعاء.
وهكذا كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏ يقولون: كل قوم قد بلغتهم الدعوة فلا ينبغي قتالهم حتى يتبين لهم المعنى الذي عليه يقاتلون، والمعنى الذي إليه يُدعون.
стр. 6053
ش: أشار بهذا الكلام إلى أن الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى منسوخة، بيان ذلك أن أحاديثهم تدل على وجوب الدعاء قبل القتال، والأحاديث اقي احتجت بها أهل المقالة الثانية أمر فيها رسول الله ﵇ بالغارة، والغارة لا تكون وقد تقدمها الدعاء والإنذار.
فثبت بهذا أن بين هذه الأحاديث تعارضًا، ودفعه لا يكون إلا بأن يكون أحد الأمرين من هذه الأحاديث ناسخًا للآخر، فاعتبرنا ذلك، فوجدنا حديث ابن عمر ﵄ الذي روى عنه مولاه نافع يدل على أن الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى منسوخة؛ وذلك لأنه صرح فيه بقوله: "إنما ذلك في أول الإِسلام". أراد أن الدعاء قبل القتال كان في أول الإِسلام وفي بدء الأمر قبل انتشار الدعوة وظهور الإِسلام، فأما اليوم فقد انتشرت الدعوة فاستغني بذلك عن الدعاء عند القتال.
قال أحمد ﵀: كان النبي ﵇ يدعو إلى الإِسلام قبل أن يحارب حتى أظهر الله الدين وعلا الإِسلام، ولا أعرف اليوم أحدًا يدعى، قد بلغت الدعوة كل أحد.
ثم إنه أخرج حديث ابن عمر من أربع طرق صحاح:
الأول: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي، عن سعيد بن سفيان الجَحْدري البصري، عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري قال: "كتبت إلى نافع ... " إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): ثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: نا سليم بن أخضر، عن ابن عون، قال: "كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتب إليَّ: إنما كان ذلك في أول الإِسلام، قد أغار رسول الله ﵇ على بني المصطلق وهم غارّون وأنعامهم تسقي على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم وأصاب يومئذٍ -قال يحيى: أحسبه قال-: جويرية بنة الحارث".
стр. 6054
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن بكر بن بكار القيسي، عن عبد الله بن عون ... إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عيسى بن يونس، عن ابن عون، قال: "كتبت إلى نافع أسأله عن دعاء المشركين، قال: فكتب إليَّ: أخبرني ابن عمر أن رسول الله ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غَارُّون ونعمهم تسقى على الماء، وكانت جويرية بنت الحارث مما أصاب، قال: وكنت في الخيل".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن إسحاق بن يوسف الأزرق البصري شيخ أحمد، عن عبد الله بن عون ... إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٢): من حديث عبد الله بن المبارك، عن ابن عون قال: "كتبت إلى نافع ... " إلى آخره.
الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن بشر بن عمر الزهراني، عن حماد بن زيد، عن عبد الله بن عون ... إلى آخره.
قوله: "بنو المصطلق" وهم بنو جذيمة بن كعب بن خزاعة، فجذيمة هو المصطلق، وهو مفتعل من الصلق وهو رفع الصوت.
قوله: "وهم غارون" أي غافلون، والواو فيه للحال، وكذلك الواو في قوله: "وأنعامهم" وهو جمع نعم وهي المال الراعية وأكثر ما تطلق على الإبل.
وأما الذي روي عن أبي عثمان النهدي فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن روح بن الفرج القطان شيخ الطبراني، عن عمرو بن خالد بن فروخ الحراني شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن سليمان بن طرخان التيمي، عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مَلّ النهدي.
стр. 6055
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا إسماعيل بن علية، عن التيمي، عن أبي عثمان النهدي أنه قال: "دعاء المشركين قبل القتال، كنا ندعوهم وندع".
الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن أبي عمر حفص بن عمر الضرير، عن حماد بن سلمة، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان.
وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا (٢): عن وكيع، عن سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان قال: "كنا ندعوا وندع".
وأما الذي روي عن الحسن البصري: فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن مبارك بن فضالة القرشي، عن الحسن البصري.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا وكيع، قال: ثنا أبو هلال، عن الحسن: "أنه سئل عن العدو هل يدعون قبل القتال؟ قال: قد بلغهم الإِسلام منذ بعث الله محمدًا ﵇".
قوله: "ليس على الروم دعوة" بضم الدال، وبفتحها: الدعوة إلى الطعام، وبكسرها: الدعوة في النسب.
وأما الذي روي عن إبراهيم النخعي: فأخرجه من طريقين:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن محمد بن طلحة بن يزيد الحجازي (٤)، عن أبي حمزة ميمون الأعور، عن إبراهيم النخعي.
قال الترمذي: ميمون الأعور ضعيف.
стр. 6056
الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي.
وهذا إسناد صحيح.
قوله: "عن دعاء الديلم" قال الجوهري: الديلم: جيل من الناس.
قلت: الديلم طائفة من الفرس وهم سكان الجبال في أرض طبرستان، وهي جبال منيفة إلى الغاية والنهاية.
ص: وقد تكلم الناس في المرتد عن الإسلام أيستتاب أم لا؟ فقال قوم: إن استتاب الإِمام المرتد فهو أحسن فإن تاب وإلا قتله، وممن قال ذلك: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
وقال آخرون: لا يستتاب، وجعلوا حكمه حكم الحربيين على ما ذكرنا من بلوغ الدعوة إياهم وفي تقصيرها عنهم، وقالوا: إنما تجب الاستتابة لمن خرج عن الإِسلام لا عن بصيرة منه به، فأما من خرج عنه إلى غيره على بصيرة منه فإنه يقتل ولا يستتاب، وهذا قولٌ قد قال به أبو يوسف في كتاب "الإملاء" فقال: أقتله ولا أستتيبه إلا إنه إن بدرني بالتوبة خليت سبيله ووكلت أمره إلى الله .
وقد حدثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف بذلك أيضًا.
ش: إنما ذكر حكم المرتد واختلاف الناس فيه والآثار الواردة فيه استطرادًا لما ذكره من الخلاف في وجوب الدعوة قبل القتال مع الكفار وعدم وجوبها.
والهمزة في قوله: "أَيُسْتَتَاب" للاستفهام، وهو على صيغة المجهول من الاستتابة، وهي طلب التوبة.
قوله: "فقال قوم" أراد بهم: عمر بن عبد العزيز والشعبي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي في قول، فإنهم قالوا: حكم المرتد أن يقتل، وعرض الإِسلام عليه ليس بواجب؛ لأنه قد بلغته الدعوة، ولكن الإِمام إن استتابه فحسن، فإن تاب قبلت توبته وإلا يقتل.
стр. 6057
قوله: "وقال آخرون" أي جماعة آخرون: "لا يستتاب المرتد بل يقتل"، وأراد بهؤلاء: الحسن البصري والليث بن سعد وسفيان بن محمد بن الجراد. ومذهبهم منقول عن أنس ﵁.
وقال أبو بكر الرازي: وقال الليث: الناس لا يستتيبون مَن وُلد في الإِسلام إذا شُهد عليه بالردة، ولكنه يقتل تاب في ذلك أو لم يتب إذا كانت البينة العادلة.
وقال الشافعي: يستتاب المرتد ظاهرًا، والزنديق إن تاب قُبل وإن لم يتب قُتل، وفي الاستتابة ثلاثًا، قولان.
وقال أيضًا: اختلف في استتابة المرتد والزنديق، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر في الأصل: لا يقتل المرتد حتى يستتاب، ومَن قتل مرتدًّا قبل أن يستتاب فلا ضمان عليه.
وذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف في الزنديق الذي يُظهر الإِسلام: قال أبو حنيفة: أستتيبه كالمرتد، فإن أسلم خَلَّيْت سبيله، وإن أبى قتلته. وقال أبو يوسف بذلك زمانًا فلما رأى ما يصنع الزنادقة ويعودون قال: أرى إذا أُتيت بزنديق أمرت بضرب عنقه ولا أستتيبه، فإن تاب قبل أن أقتله خَلَّيْته.
وذكر سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف قال: إذا زعم الزنديق أنه قد تاب حبسته حتى أعلم توبته.
وذكر محمد في "السير" عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أن المرتد يُعْرَض عليه الإِسلام، فإن أسلم وإلا قتل مكانه، إلا أن يَطْلب أن يؤجل، فإن طلب ذلك أُجِّل ثلاثة أيام؛ ولم يحك خلافًا.
وقال ابن حزم في "المحلى" ما ملخصه: إن الناس اختلفوا في حكم المرتد، فقالت طائفة: لا يستتاب. وهو قول أبي موسى الأشعري وأنس بن مالك وطاوس وعبيد ابن عمير والحسن البصري.
стр. 6058
وقالت طائفة: يستتاب مرة، فإن تاب وإلا قتل؛ وهو قول عمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة وأصحابه، قالوا: إلا أن يطلب أن يؤجل، فإن طلب ذلك أُجِّلَ ثلاثة أيام فقط.
وقالت طائفة: يستتاب ثلاث مرات. وهو قول عثمان بن عفان والزهري.
وقالت طائفة: يستتاب مائة مرة. وهو قول الحسن بن حي.
وقالت طائفة: يستتاب شهرًا. وهو قول علي بن أبي طالب ﵁. وروي أيضًا عن مالك وعن بعض أهل مذهبه.
وقالت طائفة: يستتاب شهرين.
وقالت طائفة: يستتاب أبدًا دون قتل.
وقالت طائفة: يستتاب أربعين يومًا.
وقالت طائفة: يُفرق بين المُسر والمعلن، واستدلوا بما روي عن علي ﵁ "أنه أتى بأناس من الزنادقة ارتدُّوا عن الإِسلام، فسألهم فجحدوا، فقامت عليهم البينة العدول، فقتلهم ولم يستتبهم، وأتي برجل كان نصرانيًّا فأسلم ثم رجع عن الإِسلام، فسأله فأقرَّ بما كان منه فاستتابه فتاب فتركه، فقيل له: كيف استتبت هذا ولم تستتب أولئك؟! قال: إن هذا أقر بما كان منه، وإن أولئك لم يقروا وجحدوا حتى قامت عليهم البينة؛ فلذلك لم أستتبهم".
وعن ابن شهاب أنه قال في الزنديق: "إما هو جاحد وقد قامت عليه البينة فإنه يقتل ولا يستتاب، وإما هو جاء تائبًا معترفًا فإنه يترك".
وبه يقول مالك والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق واحد قولي أبا حنيفة وأبي يوسف، وقد روي عن أحمد التوقف فيه.
وقال الشافعي وعبيد الله بن الحسن وأبو حنيفة وأصحابه في أحد قولهم: يستتاب المُسِر كما يستتاب المُعْلن، وتقبل توبتهما معًا.
стр. 6059
وقال ابن حزم: وقال أصحابنا: إن أقرَّ بعد جحوده وصِدْق البينة قبلنا توبته، وإن تمادى على الإنكار قتل ولابد.
وقالت طائفة: يُفرَّق بين من ارتد ثم رجع ثلاث مرات، وبين من ارتدَّ إلى أربعة، فرأوا أن يقتل في الرابعة ولا تقبل توبته. وهو قول إسحاق بن راهويه.
وقالت طائفة: يُفرَّق بين من أسلم وعرف شرائع الإِسلام وبين من أسلم ولم يعرف شرائع الإِسلام. ويروى نحو هذا عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز.
وقالت طائفة: يُفرَّق بين من صلى ومن لم يصلّ. وهو قول عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك؛ فإنه قال: من أسلم من أهل الكفر إلا أنه لم يصل فإنه يترك والرجوع إلى دينه متى شاء ولا يمنع إلا أن يصلي، فإن صلى فحينئذٍ يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل.
وقالت طائفة: يُفرَّق بين الرجل والمرأة، فكما روينا عن ابن عباس قال: "المرتدة تحبس ولا تقتل". وعن الحسن البصري: "المرتدة تباع وتكره". كذلك فعل أبو بكر بنساء أهل الردة وباعهن.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال في المرتدة: "تستأمى"، أي تجعل أمةً، وعن الزهري أنها تستتاب، فإن تابت إلا قتلت. وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وأبو سليمان وجميع أصحابهم، وهو أحد قولي أبي يوسف، ثم رجع عنه، وهو قول ابن أبي ليلى وعثمان البتي والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وغيرهم.
قلت: مذهب أبي حنيفة وأصحابه في المرتدة أنها لا تقتل، ولكنها تحبس وتجبر على الإِسلام بالضرب في كل يوم مبالغة في الإلجاء إلى الإِسلام؛ لأنه ﵇ نهى عن قتل النساء.
ص: وقد روي في استتابة المرتد وتركها عن جماعة من أصحاب رسول الله ﵇، فمن ذلك ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أنا هشيم،
стр. 6060
عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: حدثني أنس بن مالك قال: "لمَّا فتحنا تُسْتَر بعثني أبو موسى إلى عمر بن الخطاب ﵄، فلمَّا قدمت عليه قال: ما فعل حجينة وأصحابه؟ وكانوا ارتدُّوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين فقتلهم المسلمون، فأخذت معه في حديث آخر، فقال: ما فعل النفر البكريّون؟ قلت: يا أمير المؤمنين إنهم ارتدُّوا ولحقوا بالمشركين فقتلوا، فقال عمر ﵁: لأن يكون أخذتهم سَلمًا أحب إليَّ من كذا وكذا، فقلت: يا أمير المؤمنين ما كان سبيلهم لو أخذتهم سلمًا إلا القتل؟! قومٌ ارتدُّوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين، فقال: لو أخذتهم سَلماً لعرضت عليهم الباب الذي خرجوا منه؛ فإن رجعوا وإلا استودعتهم السجن".
ش: لما ذكر اختلاف العلماء في استتابة المرتد وتركها ذكر ما روي في الخلاف أيضًا من الصحابة والتابعين ﵃.
فمن ذلك: ما أخرجه عن عمر بن الخطاب ﵁ بإسناد صحيح: عن إبراهيم ابن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن عون بن أوس الواسطي البزاز شيخ البخاري في غير الصحيح، عن هشيم بن بشير، عن داود بن أبي هند دينار البصري، عن عامر الشعبي، عن أنس بن مالك.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن داود ابن [أبي] (٢) هند، قال: ثنا عامر، أن أنس بن مالك حدَّثه: "أن نفرًا من بكر بن وائل ارتدُّوا عن الإِسلام ولحقوا بالمشركين فقتلوا في القتال، فلما أتيت عمر بن الخطاب ﵁ بفتح تستر قال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قال: فعرضت في حديث آخرٍ لأشغله عن ذكرهم، قال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قال: قلت: قتُلوا يا أمير المؤمنين، قال: لو كنت أخذتهم سَلمًا كان أحب