← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وهذا أيضًا إسناد صحيح. ص: قيل لهم: أما ما رويتموه عن سعد بن مالك، فإنه قد روى عن مصعب بن سعد، عن أبيه، خلاف ما رواه عنه الحكم. حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال ثنا عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمَّد، عن مصعب بن سعد، قال: "كنت آخذا على أبي المصحف، فاحتككت فأصبت فرجي، فقال: أصبت فرجك؟ قلت: نعم. فقال: اغمس يدك في التراب. ولم يأمرني أن أتوضأ". وروي عن مصعب أيضًا، أن أباه أمره بغسل يده. حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن الزبير بن عديّ، عن مصعب بن سعد، مثله. غير أنه قال: "قم فاغسل يدك". قال أبو جعفر ﵀: فقد يجوز أن يكون الوضوء الذي أراده الحكم في حديثه عن مصعب: هو غسل اليد، على ما ما بينه عنه الزبير بن عدي؛ حتى لا تتضاد الروايتان. وقد روي عن سعد من قوله: "إنه لا وضوء في ذلك". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا عبد الله بن رجاء، قال: أنا زائدة، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: "سئل سعد عن مسِّ الذكر، فقال: إن كان نجسا فاقطعه، لا بأس به". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: أنا هُشَيم، قال: نا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: "قال رجل لسعد: إنه مسَّ ذكره وهو في الصلاة، فقال: اقطعه، إنما هو بضعة منك". فهذا سعد لما كُشِفَت الروايات عنه، ثبت عنه أنه لا وضوء في مس الذكر.

стр. 632

ش: هذا جواب عما روي عن سعد بن مالك -هو سعد بن أبي وقاص، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة- في وجوب الوضوء من مس الفرج، على ما روى عنه ابنه مصعب بن سعد، وعن غيره: أنَّ سعدا ﵁ روي عنه الأمر بالوضوء من ذلك، وروي عنه ترك الوضوء منه، وروي عنه الأمر بغمس اليد في التراب، وروي عنه الأمر بغسل اليد فقط. فمتى تكشف هذه الروايات يثبت عنه أنه لا وضوء في مس الذكر؛ فحينئذ يجوز أن يكون المراد في الوضوء الذي في رواية الحكَم: هو غسل اليد، كما صرح به في رواية الزبير بن عدي؛ فبهذا ينتفي التضاد الذي بين الروايتين، ثم الأخبار التي رويت عنه في ذلك أربعة: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن القرشي الزهري، عن إسماعيل بن محمَّد بن سعد ابن أبي وقاص المدني، عن مصعب بن سعد ... إلي آخره. وهؤلاء كلهم رجال الصحيحين ما خلا ابن مرزوق؛ فإنه أيضًا ثقة، وثقه الدارقطني وغيره. الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء بن عمر الغداني البصري، عن زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي، عن إسماعيل بن أبي خالد هرمز أبي عبد الله الكوفي، عن الزبير بن عدي الهمداني الكوفي قاضي الريّ، عن مصعب ابن سعد ... إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح. الثالث: عن محمَّد بن خزيمة، عن عبد الله بن رجاء، عن زائدة، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، واسم أبي حازم: حصين بن عوف البجلي الأحمسي الكوفي، قيل: له صحبة ولم يصح، وأبوه أبو حازم له صحبة، روى له الجماعة.

стр. 633

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفة" (١): نا وكيع، عن إسماعيل، عن قيس، قال: سأل رجل سعدا عن مس الذكر فقال: "إن علمت أن منك بضعة نجسة فاقطعها". الرابع: عن صالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن الحارث المصري، عن سعيد بن منصور -شيخ مسلم وأبي داود- عن هشيم بن بشير الواسطي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم ... إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفة" (٢): عن ابن عُيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: "سأل رجل سعد بن أبي وقاص عن مس الذكر، أَيُتوضأ منه؟ قال: إن كان منك شيء نجس فاقطعه". ص: وأما ما روي عن ابن عباس ﵄ في إيجاب الوضوء فيه؛ فإنه قد روي عنه خلاف ذلك. حدثنا أبو بكرة، قال: نا يعقوب بن إسحاق، قال: نا عكرمة بن عمار، قال: ثنا عطاء، عن ابن عباس قال: "ما أبالي إياه مسست أو أنفي". حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عامر، قال: نا ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، مثله. حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: نا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أنه كان لا يرى في مسِّ الذكر وضوءا". فهذا ابن عباس قد روي عنه غير ما رواه قتادة عن عطاء عنه، فلم نعلم أحدًا من أصحاب رسول الله ﵇ أفتى بالوضوء منه، غير ابن عمر ﵄.

стр. 634

ش: هذا جواب عَمَّا رُوي عن ابن عباس من وجوب الوضوء من مَسِّ الذكر. بيانه: أن ابن عباس روى عنه عطاء بن أبي رباح وجوب الوضوء من مس الذكر، وروى عنه أيضًا عدم الوجوب، وكذا روى شعبة مولى ابن عباس عنه، وكذا روى سعيد بن جبير عنه، فهذه الرواية ترجح لموافقته الأصل والقياس؛ لأن الوضوء مما يخرج، ولأن بين روايتي عطاء تضاد؛ فتحمل روايته الأولى على غسل اليد لينتفي التضاد، والحامل عل هذا رواية شعبة مولاه، ورواية سعيد بن جبير ثم الأخبار التي رويت عنه ثلاثة: الأول: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن يعقوب بن إسحاق بن زيد البصري المقرئ، عن عكرمة بن عمار العجلي، عن عطاء ابن أبي رباح، عن ابن عباس. وهذا صحيح على شرط مسلم. وأخرجه محمَّد بن الحسن في "موطأه" (١): أنا طلحة بن عمرو المكي، أنا عطاء ابن أبي رباح، عن ابن عباس، قال في مس الذكر وأنت في الصلاة، قال: "ما أبالي مَسِسْتُه أو مَسِسْتُ أنفي". وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن ابن جريج قال: أخبرني محمَّد بن يوسف، عن كثير من أهل المدينة، أن ابن عباس قال لابن عمر: "لو أعلم أن ما تقول في الذكر حقا لقطعته، ثم إذا لو أعلمه نجسا لقطعته، وما أبالي إياه مَسِسْتُ أو مَسِسْتُ أنفي". قوله: "ما أبالي إياه" الضمير فيه يرجع إلى الذكر؛ لأن الكلام خرج (سؤالا) (٣) عن سؤال وجوب الوضوء من مس الذكر. الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن

стр. 635

محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن شعبة بن دينار القرشي مولى ابن عباس، عن ابن عباس. وفي شعبة مقال. الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن سليمان الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي، عن سعيد بن جبير، وهذا إسناد صحيح. قوله: "فلم نعلم أحدا من أصحاب رسول الله ﵇ ... " إلى آخره. فإن قيل: كيف قال ذلك وقد روى هو نفسه عن سعد بن أبي وقاص وابن عباس وجوب الوضوء من مس الذكر؟! قلت: قد بَيَّن لك أنه روي عن كل منهما خلاف ذلك، وأن سعدا إنما أمر بغسل اليد فقط دون الوضوء الشرعي، وأن ابن عباس مذهبه أن الوضوء. مما يخرج رواه ابن أبي شيبة (١) عنه، ورواه الدارقطني (٢) بإسناده عنه مرفوعًا. ص: وقد خالفه في ذلك أكثر أصحاب رسول الله ﷺ . حدثنا محمَّد بن العباس، قال: نا عبد الله بن محمَّد بن المغيرة، قال: أنا مِسْعر، عن قابوس، عن أبي ظبيان، عن علي ﵁ قال: "ما أبالي أنفي مَسِسْتُ أو أُذني أو ذكري". حدثنا أبو بكرة، قال: نا يحيى بن حماد، قال: نا أبو عوانة، عن سليمان، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، قال: قال عبد الله بن مسعود: "ما أبالي ذكري مَسِسْتُ في الصلاة أم أُذني أم أنفي". حدثنا بكر بن إدريس، قال: نا آدم بن أبي إياس، قال: نا شعبة، قال: نا أبو قيس، قال: سمعت هُزَيْلا يحدث عن عبد الله ... نحوه.

стр. 636

حدثنا صالح، قال: نا سعيد، قال: أنا هشيم، قال: أنا الأعمش، عن المنهال ابن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله ... مثله. حدثنا صالح، قال: نا سعيد، قال: نا هشيم، قال [أنا] (١) سليمان الشيباني، عن أبي قيس ... فذكر بإسناده مثله. أخبرنا أبو بكرة، قال: نا أبو أحمد الزبيري، قال: نا مسعر، عن عمير بن سعيد. ح وحدثنا فهد، قال: نا أبو نعيم، قال: نا مسعر، عن عمير بن سعيد قال: "كنت في مجلس فيه عمار بن ياسر، فذكر مس الذكر، فقال: إنما هو بضعة منك مثل أنفي أو أنفك، وأَنَّى لكفك موضعا غيره". أخبرنا أبو بكرة، قال نا أبو عامر، قال: نا سفيان، عن إياد بن لقيط، عن البراء بن قيس (ح). وحدثنا أبو بكرة، قال حدثنا أبو داود، قال: نا شعبة، عن منصور، قال: سمعت سدوسا يحدث عن البراء بن قيس (ح). وحدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا عبيد الله بن إياد بن لقيط، عن أبيه، عن البراء بن قيس، قال: سمعت حذيفة ﵁ يقول: "ما أبالي إياه مسست أو أنفي". حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن قتادة (ح). وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا الخَصِيبُ، قال نا همام، عن قتادة، عن المخارق بن أحمر، عن حذيفة نحوه. حدثنا ابن مرزوق، قال: نا عمرو بن أبي رُزين، قال: نا هشام بن حسان، عن الحسن، عن خمسة من أصحاب النبي ﵇ منهم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن

стр. 637

مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن حصين، ورجل أخر: "أنهم كانوا لا يرون في مس الذكر وضوءا". حدثنا ابن خزيمة قال: نا حجاج، قال: نا حماد (ح). وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا عبد الرحمن، قال: نا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، نحوه. حدثنا صالح، قال: نا سعيد، قال: نا هشيم، قال: أنا حميد الطويل، عن الحسن، عن عمران، مثله. قال أبو جعفر: فإن كان يجب في مثل هذا تقليد ابن عمر؛ فتقليد من ذكرنا أولى من تقليد ابن عمر ﵄. ش: أي قد خالف عبد الله بن عمر ﵄ في إيجاب الوضوء من مس الذكر أكثر الصحابة ﵃ ولما قال: لم يُفْتِ أحد من الصحابة بالوضوء من مس الذكر غير ابن عمر، ولم يرو عن ابن عمر ما يخالف ما روي عنه. أجاب عنه بأن جماعة من الصحابة قد خالفوه في ذلك، فإن كان تقليد ابن عمر في مثل هذا واجبا، فتقليد الجماعة منهم أولى؛ لأنه أقرب إلى الحق وأشبه بالقياس، ثم أخرج ذلك عن خمسة من الصحابة وهم علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن الحصين، ﵃. أما ما روي عن علي ﵁ فأخرجه عن محمَّد بن العباس اللؤلؤي، عن عبد الله ابن محمَّد بن المغيرة الكوفي نزيل مصر -فيه مقال- عن مسعر بن كدام، عن قابوس بن أبي ظبيان الجَنبي -مختلف فيه- عن أبيه أبي ظبيان، واسمه حصُين بن جندب، روول له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا جرير، عن قابوس، عن أبيه قال: "سئل علي ﵁ عن الرجل يمس ذكره؟ قال: لا بأس".

стр. 638

وأما ما روي عن ابن مسعود فأخرجه من أربع طرق: الأول: عن أبي بكرة بكّار، عن يحيى بن حماد بن أبي زياد الشيباني ختن أبي عوانة، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن سليمان الأعمش، عن المنهال بن عمرو الأسدي الكوفي، عن قيس بن السكن الأسدي الكوفي. وإسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا ابن فضيل، عن الأعمش، عن المنهال، عن قيس بن السكن، قال: قال عبد الله: "ما أبالي مَسِسْت ذكري أو أذني أو إبهامي أو أنفي". الثاني: عن بكر بن إدريس بن الحجاج الأزدي، عن آدم بن أبي إياس عبد الرحمن التيمي شيخ البخاري، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي قيس عبد الرحمن ابن ثروان الأودي الكوفي، عن هُزيل بن شرحبيل الأودي الكوفي الأعمى، وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢): نا وكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل: "أن أخاه أرقم بن شرحبيب سأل ابن مسعود فقال: إني أحتك فأفضي بيدي إلى فرجي. فقال ابن مسعود: إن علمت أن منك بضعة نجسة فاقطعها". الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن سليمان الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن ابن مسعود. الرابع: عن صالح بن عبد الرحمن أيضًا، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن سليمان بن أبي سليمان فيروز الشيباني، عن أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان، عن هذيل، عن عبد الله، وهذا أيضًا إسناد صحيح.

стр. 639

وأما ما روي عن عمار بن ياسر، فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي بكرة بكَّار القاضي، عن أبي أحمد محمَّد بن محمَّد بن عبد الله بن الزبير الزبيري الكوفي، عن مسعر بن كدام، عن عمير بن سعيد النخعي الكوفي. والثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نُعيم الفضل بن دكين، عن مسعر ... إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا ابن فضيل ووكيع، عن مسعر، عن عمير بن سعد، قال: "كنت جالسا في مجلس فيه عمار بن ياسر، فسئل عن مس الذكر في الصلاة، فقال: ما هو إلاَّ بَضْعة منك وأَنَّى لكفك موضعا غيره". قوله: "بَضْعة" بفتح الباء، أي: قطعة منك، أراد أنه جزء منك مثل أنفك وأذنك. قوله: "وأنَّى" أي: ومن أين لكفك موضعا غيره؛ وذلك لأن الرجل إذا أدخل يده إلى داخل ثوبه لم يكن لكفه غير الاشتغال بذكره. وأما ما روي عن حذيفة بن اليمان ﵁. فأخرجه من خمس طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكار، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العَقَدي، عن سفيان الثوري، عن إياد بن لقيط السدوسي، عن البراء بن قيس أبي كبشة السكوني، عن حذيفة بن اليمان. الثاني: عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة بن الحجاج، عن منصور بن المعتمر، عن سدوس الثوري الكوفي، عن البراء بن قيس، عن حذيفة. وسَدُوس -بفتح السين المهملة وضم الدال وفي آخره سين أيضًا- وثقه ابن حبان.

стр. 640

الثالث: عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي داود، عن عبيد الله بن إياد بن لقيط، عن أبيه، عن البراء بن قيس، عن حذيفة. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن فضيل، عن حصين، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن حذيفة بن اليمان أنه قال: "ما أبالي مَسِسْت ذكري أو أذني". وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٢): نا أبو محمَّد بن صاعد، ثنا أبو حصين عبد الله ابن أحمد بن يونس، ثنا عَبْثَر، عن حصين، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرحمن قال: قال حذيفة: "ما أبالي مَسِسْت ذكري في الصلاة أو مَسِسْتُ أُذني". الرابع: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن المخارق بن أحمر، عن حذيفة. الخامس: عن سليمان بن شعيب، عن الخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة- بن ناصح، عن همام بن يحيى بن دينار، عن قتادة، عن المخارق، عن حذيفة. والمُخَارق -بضم الميم- وثقه ابن حبان. وروى الطحاوي أيضًا بإسناد آخر عن الصحابة المذكورين وفيهم عمران بن حصين أيضًا ورجل آخر من الصحابة عن إبراهيم بن مرزوق، عن عمرو بن أبي رَزين -هو عمرو بن محمَّد بن أبي رزين الخزاعي البصري- عن هشام بن حسان الأزدي البصري، عن الحسن البصري. وإسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا ابن مرزوق؛ إلاَّ أن الحسن مدلس ولم يصرح بالسماع. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣): نا محمَّد بن النضر الأزدي، نا معاوية بن

стр. 641

عمرو، نا زائدة، عن هشام، عن الحسن: أن خمسة من أصحاب النبي ﵇: علي ابن أبي طالب، وابن مسعود، وحذيفة، وعمران بن حصين، ورجل آخر، قال بعضهم: "ما أبالي ذكري مَسِسْت أو أَرْنَبَتي. وقال الآخر: أذني [وقال الآخر فخذي] (١) وقال الآخر: ركبتي". وروى عبد الرزاق في "مصنفه" (٢): عن سليمان بن مهران الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن: "أن عليًّا وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبا هريرة، لا يرون من مس الذكر وضوءا، وقالوا: لا بأس به". قلت: يحتمل أن يكون الرجل الآخر في رواية الطحاوي والطبراني هو أبا هريرة، فحينئذ يكون مَنْ خالف عبد الله بن عمر من الصحابة في وجوب الوضوء من مس الذكر ثمانية من أعيان الصحابة وهم: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عباس، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن الحصين، وأبو هريرة ﵃. وأما ما روي عن عمران بن الحصين، فأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن عنه. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): أنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن الحصين قال: "ما أبالي إياه مَسِسْت أو فخذي". الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن عمران بن الحصين ﵁.

стр. 642

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا محمَّد بن أبي عدي، عن حميد، عن الحسن، أن عمران بن الحصين قال: "ما أبالي إياه مَسِسْت أو بطن فخذي" يعني: ذكره. الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن حميد الطويل، عن الحسن، عن عمران ﵁. وفي الباب عن أبي أمامة الباهلي، وأبي الدرداء ﵄. أما حديث أبي أمامة: فأخرجه ابن ماجه (٢) مرفوعا: نا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، نا مروان بن معاوية، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: "سئل رسول الله ﵇ عن مس الذكر فقال: إنما هو حُذْوة منك". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): نا وكيع، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة ... إلى آخره نحوه. وأما حديث أبي الدرداء: فأخرجه محمَّد بن الحسن في "موطأه" (٤) موقوفا: أخبرنا إسماعيل بن عياش، قال: حدثني حَرِيزُ بن عثمان عن حبيب بن عُبيد، عن أبي الدرداء: "أنه سئل عن مس الذكر، فقال: إنما هو بَضْعَةٌ منك". قلت: "الحذْوة" بضم الحاء المهملة -وقيل: بكسرها- وسكون الذال المعجمة، قطعة من اللحم، وكذلك الحُذْية.

стр. 643

ص: وقد روي ذلك أيضًا عن سعيد بن المسيَّب، والحسن. حدثنا عبد الله بن محمد بن خُشَيْش، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام، قال: ثنا قتادة، عن سعيد بن المسيَّب: "أنه كان لا يرى في مس الذكر وضوءا". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: نا هشام، عن قتادة، عن الحسن، مثله. حدثنا أبو بكرة، قال: نا عبد الله بن حُمران، قال: نا أشعث، عن الحسن: "أنه كان يكره مسَّ الفرج، فإن فعله لم ير عليه وضوءا". حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: نا هشيم، قال: أنا يونس، عن الحسن: "أنه كان لا يرى في مس الذكر وضوءا". فبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبى يوسف ومحمد بن الحسن ﵏. ش: أي: قد روي عدم انتقاض الوضوء من مس الذكر عن بعض التابعين أيضًا، منهم سعيد بن المسيَّب. أخرج عنه من طريقين صحيحين: الأول: عن عبد الله بن محمَّد بن خُشَيْش -بالمعجمات أولها مضموم- عن مسلم بن إبراهيم الأزدي أحد مشايخ البخاري، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن إبراهيم بن محمَّد، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، قال: "مَنْ مس ذكره فليس عليه وضوء". الثاني: عن أبي بكرة، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام ... إلى آخره. ومنهم الحسن البصري أخرج عنه من طريقين صحيحين أيضًا.

стр. 644

الأول: عن أبي بكرة، عن عبد الله بن حُمران بن عبد الله الأموي مولى عثمان ابن عفان، عن أشعث بن عبد الملك الحُمْراني، عن الحسن البصري ... إلى آخره. الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الحسن البصري ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق (١): عن معمر، عن الحسن ... نحوه. ومنهم طاوس وسعيد بن جبير، أخرج عنهما ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا يحيى بن أبي بكير، عن إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، قال: قال طاوس وسعيد بن جبير: "من مس ذكره وهو لا يريد فليس عليه وضوء". ومنهم إبراهيم، أخرج عنه ابن أبي شيبة (٣) أيضًا: عن ابن فضيل، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: "لا بأس أن يمس الرجل ذكره في الصلاة". وأخرجه محمد بن الحسن في "موطأه" (٤): أنا مُحِلّ الضبيِّ، عن إبراهيم النخعي، في مس الذكر في الصلاة، قال:"إنما هو بضعة منك". قوله: "فبهذا نأخذ" أي: فبعدم انتقاض الوضوء من مس الذكر نأخذ، والله أعلم.

стр. 645

ص: باب: المسح على الخفين كم وقته للمقيم وللمسافر ؟ ش: أي: هذا باب بيان المسح على الخفين، كم وقته ومدته من الأيام؟ للمقيم والمسافر. وجه المناسبة بينه وبين ما قبله من الأبواب: أنه لما فرغ عن بيان الوضوء ونواقضه؛ شرع في بيان المسح على الخفين؛ لأنه خلف عن بعض الوضوء، والمناسبة بين الأصل والخلف ظاهرة، وقدمه على التيمم؛ لأنه خلف عن الكل، فالخلف عن البعض أقرب إلى الأصل من الخلف عن الكل، فبهذا الاعتبار قَدَّمه، وإن كان التيمم أقوى من المسح على الخفين؛ لأنه ثابت بالكتاب، والمسح بالسُّنة. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: نا يحيى بن أيوب، قال: حدثني عبد الرحمن بن رَزين، عن محمَّد بن يزيد بن أبي زياد، عن عبادة بن نُسَيّ، عن أبي بن عمارة -وصلى مع رسول الله ﵇ أبي بن عمارة القبلتين- أنه قال: "يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: نعم. قال: يوما يا رسول الله؟ قال: نعم، ويومين. قال: ويومين يا رسول الله؟! قال: نعم، وثلاث. قال وثلاث يا رسول الله؟! قال: نعم. حتى بلغ سبعا، ثم قال: امسَحْ ما بدا لك". ش: ابن أبي داود وهو إبراهيم البرلسي. وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم المصري شيخ البخاري. ويحيى بن أيوب الغافقي، روى له الجماعة. وعبد الرحمن بن رزين -ويقال: ابن يزيد- الغافقي وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود وابن ماجه هذا الحديث. ومحمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي الفلسطيني نزيل مصر مولى المغيرة بن شعبة، قال أبو حاتم: مجهول. روى له أبو داود والترمذي.

стр. 646

وعُبادة بن نُسَيّ -بالضم في أولها- الكندي أبو عمرو الشامي الأزدي قاضي طبريه، وثقه يحيى والعجلي والنسائي، وروى له الأربعة. وأُبي بن عمارة بكسر العين وقيل: بضمها، والأول أشهر. وهذا حديث ضعيف، وقال ابن حبان: ليس بالمعتمد عليه. وقال ابن الأثير: معلول، في إسناده اضطراب، وفي العلل "المتناهية": لا يصح. وقال أبو عمر: لا يثبت ولا له إسناد قائم. وقال ابن الحصار في "تقريب المدارك": في إسناده اختلاف واضطراب. وقال ابن عُقدة: تفرد به أهل مصر. وقال أحمد بن حنبل: ليس بمعروف الإسناد. وفي موضع آخر: رجاله لا يعرفون. وقال أبو الفتح الأزدي: ليس بالقائم، في متنه نظر، وفي إسناده نظر. وقال أبو داود: وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي. قلت: أشار بذلك إلى أن يحيى بن أيوب رواه عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمَّد بن يزيد، عن عبادة بن نُسَيّ، عن أبي بن عمارة. هذا قول. ويروى عنه عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمَّد بن يزيد، عن أيوب بن قطن، عن عبادة بن نسي، عن أبي بن عمارة. فهذا قول ثان. ويروي عنه مرسلًا لا يذكر فيه أبي بن عمارة. فهذا قول ثالث. ورواه الدارقطني بسند أبي داود على ما نذكره. وقال: هذا إسناد لا يثبت، وعبد الرحمن ومحمد بن يزيد وأيوب بن قطن مجهولون.

стр. 647

وقال أبو حاتم: محمَّد بن يزيد مجهول. ويحيى بن أيوب مختلف فيه، وهو ممن عيب على مسلم في إخراج حديثه. وقال عبد الغني في "الكمال": لم يرو أبي بن عمارة إلاَّ حديثًا واحدًا وفي إسناده ضعف وجهالة واضطراب. وقال أبو زرعة: سمعت أحمد بن حنبل يقول: حديث أبي بن عمارة ليس بمعروف الإسناد. فقلت: فإلى أي شيء ذهب أهل المدينة في المسح أكثر من ثلاثة أيام، ويوم وليلة؟ قال: لهم فيه أثر (١). قلت: الأثر الذي أشار إليه أحمد، الأقرب أنه أراد الرواية عن ابن عمر؛ فإنه صحيح عنه، من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "أنه كان لا يؤقت في المسح على الخفن وقتا" (٢). ويحتمل أن يريد غير ذلك من الآثار منها! رواية حماد بن زيد، عن كثير بن شِنْظير، عن الحسن، قال: "سافرنا مع أصحاب رسول الله ﵇ فكانوا يَمْسحون خفافهم بغير وقت ولا عدد". رواه ابن الجهم في كتابه (٣)، وعلله ابن حزم فقال: وكثير بن شِنظير ضعيف جدًّا. فإن قلت: ما تقول في حديث أخرجه الحاكم في "مستدركه" (٤): عن عبد الغفار ابن داود الحراني، نا حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن أبي بكر وثابت، عن أنس، أن رسول الله ﵇ قال: "إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه، فليصل فيهما، وليمسح عليهما، ثم لا يخلعهما إن شاء إلَّا من جنابة".

стр. 648

قال الحكم: إسناده صحيح على شرط مسلم ورواته عن آخرهم ثقات. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١): عن أسد بن موسى، نا حماد بن سلمة ... به. قال صاحب "التنقيح": إسناده قوي، وأسد بن موسى صدوق، وثقه النسائي وغيره. قلت: قال ابن الجوزي: هو محمول على مدة الثلاث. وقال ابن حزم: هذا مما انفرد به أسد بن موسى عن حماد، وأسد منكر الحديث لا يحتج به. قوله: "أمسح": أصله أأمسح، بهمزة استفهام. قوله: "ما بدا لك" أي: ما ظهر لك. قوله: "ويومين" بالنصب عطفا على قوله: "يوما". قوله: "وثلاث" بالرفع في بعض النسخ، والصحيح: وثلاثا. بالنصب عطفا على يومين ويوما، وكذا وقع في رواية الدارقطني، وأما وجه الرفع -على تقدير ثبوته- فهو أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: قال: نعم، ومدته ثلاث. أي ثلاثة أيام، وتكون "ثلاث" الثاني عطف على الأول في الرفع والنصب. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا سعيد بن عفير، قال: أنا يحيى بن أيوب عن عبد الرحمن بن رزين، أنه أخبره عن محمَّد بن يزيد، عن أيوب ابن قطن، عن عبادة، عن أبي بن عمارة -قال: وكان ممن صلى مع رسول الله ﷺ القبلتين- عن رسول الله ﵇. ش: هذا طريق اخر، وأخرجه أبو داود (٢): نا يحيى بن معين، ثنا عمرو بن الربيع بن طارق، أنا يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمَّد بن

стр. 649

يزيد، عن أيوب بن قطن، عن أبي بن عمارة- قال يحيى بن أيوب: وكان قد صلى مع رسول الله ﵇ القبلتين- أنه قال: "يا رسول الله، أمسح على الخفين؟ قال: نعم. (يوما؟ قال: ويومين. قال: وثلاثة؟ قال: نعم، ما شئت) (١) ". وأخرجه ابن ماجه (٢): نا حرملة بن يحيى وعمرو بن السوَّاد المصريَّان، قالا: نا عبد الله بن وهب، أنا يحيى بن أيوب ... إلى آخره نحوه. وفي آخره قال: "وثلاثا؟ حتى بلغ سبعا، قال له: وما بدا لك". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣): نا الحسن بن غليب المصري، نا سعيد بن عفير ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا ابن عُفَيْر، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رزين، عن محمَّد بن يزيد بن أبي زياد، عن أيوب بن قطن، عن عبادة بن نسي، عن أبي بن عمارة، عن رسول الله ﵇ ... نحوه. ش: هذا طريق آخر عن رَوْح بن الفرج القطان المصريّ. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٤): ثنا أبو بكر النيسابوري، نا محمَّد بن إسحاق، نا سعيد بن عفير، قال: نا يحيى بن أيوب ... إلى آخره، نحو رواية الطحاوي. ثم قال: هذا إسناد لا يثبت، وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافا كثيرا، وعبد الرحمن ومحمد بن يزيد وأيوب بن قطن مجهولون كلهم. ص: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: لا توقيت للمسح على الخفين في السفر ولا في الحضر.

стр. 650

ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري والليث بن سعد وأهل المدينة ومالكا؛ فإنهم قالوا: المسح على الخفين غير مؤقت؛ لحديث أبي بن عمارة. وقال الترمذي: وقد روي عن بعض أهل العلم أنهم لا يوقتوا في المسح على الخفين، وهو قول مالك بن أنس، والتوقيت أصح. وفي "المغني": وقال الليث بن سعد: يمسح ما بدا له. وكذلك قال مالك في المسافر، وله في المقيم روايتان: [إحدهما] (١): يمسح من غير توقيت، والثانية: لا يمسح. وفي "الجواهر" للمالكية: المشهور نفي التحديد، وألَّا يلزمه النزع إلي أن يجنب. وروي عن أشهب: أن المسافر يمسح ثلاثة أيام، ولم يذكر للمقيم وقتا. وروى ابن نافع، أن المقيم يمسح من جمعة إلى جمعة. وقال ابن حزم في "المحلى": والرواية عن مالك مختلفة، والأظهر كراهة المسح للمقيم، وقد روي عنه إجازة المسح للمقيم، وأنه لا يرى التوقيت لا للمقيم ولا للمسافر، وأنهما يمسحان أبدا ما لم يجنبا. وقال صاحب "البدائع": وعن أبي الدرداء، وزيد بن ثابت، وسعد: أنه غير مؤقت. وذكر ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): أنه مذهب سعد بن أبي وقاص، وأبي سلمة، وعروة بن الزبير، والحسن. ص: وقد شدَّ ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أيضًا، فذكروا ما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا بشر بن بكر، قال: أنا موسى بن عُلَيّ، عن أبيه، عن عقبة بن عامر قال: "أُبْرِدْتُ من الشام إلى عمر بن الخطاب، فخرجت من الشام يوم الجمعة ودخلت المدينة يوم الجمعة، فدخلت على عمر ﵁ وعَلَيَّ خُفان لي

стр. 651

جُرْمُقَانِيَّانِ، فقال لي: متى عهدك يا عقبة بخلع خفيك؟ فقلت: لبستهما يوم الجمعة وهذه الجمعة. فقال لي: أصبت السُّنة". حدثنا أبو بكرة، قال: نا إبراهيم بن أبي الوزير، قال: نا المفضَّل بن فضالة -قاضي أهل مصر- عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحكم البلوي، عن عقبة بن عامر بمثله. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو وابن لهيعة والليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحكم البلوي، أنه سمع علي بن رباح اللخمي، يخبر عن عقبة بن عامر ... فذكر مثله، غير أنه قال: "قد أصبت". ولم يقل: "السُّنة"، قالوا: فقول عمر ﵁ هذا لعقبة: "أصبت السُّنة" يدل على أن ذلك عنده عن النبي ﵇ لأن السُّنة لا تكون إلاَّ عنه. ش: أي: وقد قَوَّى وأكَّدَ ما ذهبوا إليه ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁. وفي بعض النسخ: "وقد شيَّد ذلك" من التَشْييد وهو الإحكام والإتقان، ثم إنه أخرج أثر عمر ﵁ من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن بشر بن بكر التِنِّيسي، عن موسى ابن عُلَيّ -بضم العن وفتح اللام- بن رباح اللخْمي- أمير مصر لأبي جعفر المنصور- عن أبيه عُلَيّ بن رباح بن قصير اللخْمي، عن عقبة بن عامر الجُهني الصحابي ﵁. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): أنا الحافظ أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر بن سابق الخولاني، نا بشر بن بكر موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر الجهني، نا بشر بن بكر، نا موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: "خرجت من الشام إلى المدينة [يوم

стр. 652

الجمعة] (١) فدخلت على عمر بن الخطاب، فقال لي: متى أولجت خفيك في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة، قال: فهل نزعتهما؟ [قلت] (٢) لا. قال: أصبت السُّنَّة". الثاني: رواه عن أبي بكرة بكَّار، عن إبراهيم بن أبي الوزير، وهو إبراهيم بن عمر بن مطرت الهاشمي مولاهم المكي أبي عمرو، عن المفضَّل بن فضالة بن عبيد -قاضي مصر- عن يزيد بن أبي حبيب سُوَيد المصري، عن عبد الله بن الحكم البلوي، عن عقبة بن عامر. وأخرجه البيهقي (٣): أيضًا نا علي بن أحمد بن عبدان، نا أحمد بن عبيد، نا عبيد بن شريك، نا يحيى بن بُكَير، نا مُفضّل بن فضالة، إلى آخره نحوه. الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب المصري، عن عمرو بن الحارث المصري وعبد الله بن لهيعة المصري والليث بن سعد المصري، ثلاثتهم عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحكم البلوى ... إلى آخره. وأخرجه الدارقطني في "سُننه" (٤): نا أبو بكر النيسابوري، نا يونس بن عبد الأعلى، نا ابن وهب، أخبرني حيوة، سمعت يزيد بن أبي حبيب يقول: حدثني عبد الله بن الحكم، عن عُلَي بن رباح، أن عقبة بن عامر حدثه: "أنه قدم على عمر ﵁ بفتح دمشق، قال: وعَليّ خفان، فقال لي عمر: كم لك ياعقبة منذ لم تنزع خفيك؟ فتذكرت من الجمعة إلى الجمعة، فقلت: منذ ثمانية أيام. قال: أحسنت، أو أصبت السُّنّة".

стр. 653

قوله: "أُبْرِدْتُ من الشام" على صيغة المجهول من الإبراد وهو إتيان الرسول، والمعنى: أُرسلت من الشام بريدا، والبريد هو الرسول، وهو في الأصل كلمة فارسية يراد بها في [الأصل] (١) البغل، وأصلا بُرَيْدَه دُمْ. أي: محذوف الذَّنَب؛ لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها، فأعربت وخُفِّفت، ثم سُمِّي الرسول الذي يركبه بريدا، والمسافة التي بين السِّكَّتَيْن بريدا. قوله: "وعَليَّ خُفَانِ" جملة وقعت حالًا. وقوله: "لي" جملة صفة للخفين، ومحلها من الإعراب الرفع. و"جرمقانيان" أيضًا صفة أخرى وهي نسبة إلى الجُرْمُقان -بضم الجيم، وسكون الراء، وضم الميم، بعدها قاف، وبعدها ألف، وآخره نون- اسم موضع، قال الجوهري: الجيم والقاف لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب إلاَّ أن يكون معربا أو حكايته صوت. قوله: "قالوا" أي القوم المذكورون. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يمسح المقيم على خفيه يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن. ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وفي أكثر النسخ "وخالفهم في ذلك مخالفون" والأول أصح، وأراد بهم: الثوري، وعبد الله بن المبارك، والأوزاعي، وأبا حنيفة وأصحابه، والشافعي وأحمد وأصحابهما، وداود، وإسحاق ابن راهويه، فإنهم قالوا: يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليها. وقال الترمذي: وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي ﵇ والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء. وفي "المغني": وبهذا قال عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو زيد، وشريح، وعطاء، وأصحاب الرأي.

стр. 654

وقال ابن حزم: وهو قول جملة أصحاب الحديث. ص: وقالوا: أما ما رويتموه عن عمر ﵁ في قوله: "أصبت السُّنة"، فليس في ذلك دليل على أنه عنده عن النبي ﷺ ؛ لأن السُّنة قد تكون منه وقد تكون من خلفائه، قال رسول الله ﷺ : "عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين". حدثنا به أبو أميَّة، قال: ثنا أبو عاصم، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلميّ، عن العرباض بن سارية، عن النبي ﵇. وقد قال سعيد بن المسيب لربيعة في أروش أصابع المرأة: "يا ابن أخي إنها السُّنة"، يريد قول زيد بن ثابت. فقد يجوز أن يكون عمر ﵁ قد رأى ما قال لعقبة وهو من الخلفاء الراشدين المهديين فسمى رأيه ذلك سنة، مع أنه قد جاءت الآثار المتواترة في ذلك بتوقيت المسح للمسافر والمقيم بخلاف ما جاءه حديث أبي بن عمارة ﵁. ش: أي: قال الآخرون في جواب ما احتج به هؤلاء القوم من قول عمر ﵁: "أصبت السُّنة". بيانه أنه ليس من دليل قطعي على أن ذلك عنده من النبي ﵇ لأن السُّنة عند الإطلاق يحتمل أن تكون سُنَّة النبي ﵇ ويحتمل أن تكون سُنَّة أحد من خلفائه، والدليل على ذلك حديث عرباض بن سارية ﵁ فإنه يدل أن السُّنة أعم من أن تكون للنبي ﵇ أو لأحد من خلفائه، وقد تطلق أيضًا على قول أحد من الصحابة، والدليل عليه أن سعيد بن المسيب ﵁ قال لربيعة بن أبي عبد الرحمن، المعروف بربيعة الرأي، شيخ مالك، التابعي الكبير، في أروش أصابع المرأة: "إنها السُّنة" يريد قول زيد بن ثابت الأنصاري الصحابي فقد أطلق السُّنة على قول زيد، فإذا كان كذلك يجوز أن يكون عمر ﵁ قال ذلك لعقبة بن عامر من رأيه وسماه سنة، فلم تقم به حجة لما ذهبوا إليه.

стр. 655

قوله: "مع أنه قد جاءت الآثار المتواترة" أي: المتكاثرة وهذا جواب آخر، بيانه: أن حديث أبي بن عمار غريب، والأحاديث المشهورة قد جاءت بتوقيت المسح للمقيم والمسافر، فلا يعارضها الحديث الغريب، مع أن فيه عللا كثيرة قد (ذكرناه) (١). وقد قيل: إن حديث أبي بن عمارة محمول على أنه يمسح ما شاء إذا نزعهما عند انتهاء مدته ثم لبسهما. وقال شمس الأئمة: وتأويل الحديث أن مراده ﵇ بيان أن المسح مؤبد غير منسوخ، ألَّا ينزع في هذه المدة، والأخبار المشهورة لا تترك بهذا الشاذ. ثم إسناد حديث عرباض بن سارية صحيح ورجاله ثقات. وأبو أميَّة محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي. وأبو عاصم النبيل اسمه الضحاك بن مخلد. وثور بن يزيد بن زياد الكلاعي الحمصي، روى له الجماعة سوى مسلم. وخالد بن معدان بن أبي كرب الكلاعي الحمصي روى له الجماعة. وعبد الرحمن بن عمرو بن عبسة السلمي الشامي، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والترمذي وابن ماجه هذا الحديث. وعرباض بن سارية السُلمي من أهل الصُفَّة، وأحد البكائين الذين نزل فيهم ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ﴾ (٢) الآية، نزل الشام وسكن حمص. وأخرجه أبو داود (٣): مطولا بإسناده إلى عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر ابن حجر، قالا: "أتينا العرباض بن سارية وهو ممن نزل فيه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ (٢) فسلمنا وقلنا: أتيناك

стр. 656

زائرين وعائدين ومقتبسين. فقال العرباض: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبدا حبشيّا؛ فإنه مَنْ يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور. فإن كلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". وأخرجه الترمذي (١): ولم يذكر الصلاة، وفي آخره تقديم وتأخر. قوله: "مقتبسين" من الاقتباس وهو في الأصل: القَبَس من النار، وأراد به: الأخذ من العلم والأدب. قوله: "ذرفت" أي دمعت. قوله: "ووجلت" أي خافت وفزعت، من الوجل وهو الفزع. قوله: "فماذا تعهد إلينا" من عَهِدَ إليه بكذا يَعهد إذا أوصى إليه. قوله: "فعليكم بسنتي" أي: خذوا بها. و"السُنة" في اللغة: الطريقة والعادة، قال الله تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (٢). وفي الاصطلاح: ما صدر عن النبي ﵇ غير القرآن من قول -ويسمى الحديث- أو فعل أو تقرير، وتطلق على سُنة غيره، كما ورد في قوله: "وسُنة الخلفاء الراشدين" من رَشَدَ يَرْشُدُ رُشْدا ورَشَدا، وهو خلاف الغَيّ، وأرشدته أنا إذا هديته، والمهدي الذي هداه الله إلى الحق، هداه يهديه فهو مهديّ، والله هاديه.

стр. 657

فإن قلت: مَنْ الخلفاء الراشدون؟ قلت: لا شك أن المراد منهم ها هنا: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن بن على ﵃ أجمعين؛ لقوله: ﵇ "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير مُلْكًا عضوضًا". رواه سفينة مولى النبي ﵇ وفي رواية: "ثم يؤتي الله ملكه من يشاء". رواه أحمد (١) وأبو داود (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤). وبيان ذلك أن خلافة أبي بكر ﵁ كانت سنتين وأربعة [أشهر] (٥) إلاَّ عشر ليال، وخلافة عمر ﵁ كانت عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام، وخلافة عثمان ﵁ كانت ثنتي عشرة سنة إلاَّ اثني عشر يوما، وخلافة علي ﵁ كانت خمس سنين إلاَّ شهرين، وتكميل الثلاثين بخلافة الحسن بن علي ﵄ نحو من ستة أشهر حتى نَزَلَ عنها لمعاوية عام أربعين من الهجرة. وروى يعقوب بن سفيان بإسناده (٦) إلى عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال سمعت رسول الله ﵇ يقول: "خلافة نبوة ثلاثون عاما، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء. فقال معاوية: رضينا بالملك". وفيه رد صريح على الروافض المنكرين خلافة الثلاثة، وعلى النواصب من بني أمية ومَنْ تبعهم من أهل الشام في إنكار خلافة علي بن أبي طالب ﵁. فإن قلت ما الجمع بين حديث سفينة وبين حديث جابر بن سمرة الذي رواه مسلم في صحيحه (٧): "لا يزال هذا الدين قائما ما كان اثنى عشر خليفة، كلهم من

стр. 658

قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة، ولتفتحن عصابة من المسلمين كنز القصر [الأبيض] (١) قصر كسرى، وأنا فرطكم على الحوض"؟. قلت: حديث جابر فيه بشارة بوجود اثني عشر خليفة عادلا من قريش وإن لم يوجدوا على الولاء، وإنما اتفق وقوع الخلافة المتتابعة بعد النبوة ثلاثين سنة، ثم قد كان بعد ذلك خلفاء راشدون منهم عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي ﵁ وقد نص على خلافته وعدله وكونه من الخلفاء الراشدين غير واحد من الأئمة، حتى قال أحمد بن حنبل: ليس قول أحد من التابعين صحيح إلاَّ قول عمر بن عبد العزيز. ومنهم من ذكر من هؤلاء: المهدي بأمر الله العباسي، والمهدي المبشر بوجوده في آخر الزمان منهم أيضًا بالنص على كونه من أهل البيت واسمه محمَّد بن عبد الله، وليس بالمنتظر في سرداب سامُرَّاء؛ فإن ذلك ليس بموجود بالكلية، وإنما سَطَرَهُ الجهلة من الرافضة (٢). وقال البيهقي: المراد بالخلفاء الاثنى عشر المذكورين في هذا الحديث هم المتتابعون إلى زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق. قلت: فيه نظرة لأنهم حينئذٍ يصيرون خمسة عشر، أو ستة عشر، ويدخل فيهم مثل يزيد بن معاوية، ويخرج منهم مثل عمر بن عبد العزيز الذي [أطبقت] (٣) الأمة واتفق الأئمة على شكره ومدحه، وعدُّوه من الخلفاء الراشدين.

стр. 659

بيانه أن [خلافة] (١) الخلفاء الأربعة وهم: أبو بكر وعمر وعثمان، وعلي ﵃ محققة بنص حديث سفينة، ثم بعدهم الحسن بن علي تكملة الثلاثين على ما بَيَّنَّا، ثم معاوية، ثم ابنه يزيد بن معاوية، ثم ابنه معاوية بن يزيد، ثم مروان بن الحكم، ثم ابنه عبد الملك بن مروان، ثم ابنه الوليد بن عبد الملك، ثم سليمان بن عبد الملك، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن الملك، ثم هشام بن عبد الملك. فهؤلاء خمسة عشر، ثم الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فإن اعتبرنا ولاية ابن الزبير قبل عبد الملك صاروا ستة عشر، فإن قال: أنا لا أعتبر في هذا إلاَّ من اجتمعت عليه الأمة؛ لزمه على هذا ألَّا يَعدَّ علي بن أبي طالب ولا ابنه؛ لأن الناس لم يجتمعوا عليهما؛ وذلك لأن أهل الشام بكمالهم لم يبايعوهما، وعد حينئذٍ معاوية وابنه يزيد وابن ابنه معاوية بن يزيد، ولم يعتد بأيام مروان ولا ابن الزبير؛ لأن الأمة لم تجتمع على واحد منهما، فعلى هذا [يكون] (٢) في مسلكه هذا عادَّا للخلفاء: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم معاوية ثم يزيد بن معاوية ثم معاوية بن يزيد ثم عبد الملك ثم الوليد ثم سليمان ثم عمر بن عبد العزيز ثم يزيد ثم هشام، فهؤلاء اثني عشر، ثم بعدهم: الوليد بن يزيد بن عبد الملك ولكن هذا لا يمكن أن يسلك لأنه يلزم منه إخراج علي وابنه الحسن من هؤلاء الاثني عشر وهو خلاف ما نص عليه أئمة السُنَّه بل والشيعة، والأحسن في ذلك ما بَيَّنَّا أن الخلافة قد انقطعت بعد الثلاثين سنة؛ لا مطلقا بل انقطع تتابعها. ولا ننفي وجود خلفاء راشدين بعد ذلك كما دل عليه حديث جابر بن سمرة. قوله: "وعضوا عليها بالنواجذ": وهي الأضراس التي بعد الناب، وهي جمع ناجذ، وهذا مَثَلٌ في شدة الاستمساك بالأمر؛ لأن العض بالنواجذ عض بعظم الأسنان التي قبلها والتي بعدها.

стр. 660

قوله: "وإياكم" أي: احذروا. "محدثات الأمور" وهي التي لم تكن معروفة في كتاب ولا في سُنَّةٍ ولا إجماع. قوله: "بدعة": وهي إحداث أمر لم يكن في زمن النبي ﵇. ثم الابتداع إذا كان من الله وحده فهو إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، وهو تكوين الأشياء بعد أن لم تكن، وليس ذلك إلاَّ إلى الله تعالى. فأما من المخلوقين فإن كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله فهو في حيز الذم والإنكار، وإن كان واقعا تحت عموم ما نَدب الله إليه وحضَّ عليه أو رسوله فهو في حيز المدح وإن لم يكن مثاله موجودا؛ كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهذا فعل من الأفعال المحمودة لم يكن الفاعل قد سُبِقَ إليه، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد به الشرع؛ لأن رسول الله ﵇ قد جعل له في ذلك ثوابا فقال: "من سنَّ سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها" وقال في ضده: "من سنَّ سُنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها" (١) وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله. ص: فمما روى عنه في ذلك ما حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفِريابيّ، قال: نا سفيان، عن عمرو بن قيس، عن الحكم بن عُتَيْبة، عن القاسم بن مُخَيْمرة، عن شريح بن هانئ، عن علي ﵁ قال: "جعل رسول الله ﵇ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم". يعني المسح على الخفين. ش: أي: فمن الذي روي عنه في توقيت المسح، حديث علي ﵁ والضمير في "عنه" يرجع إلى "ما" وإسناده صحيح. والفِريابيّ: هو محمَّد بن يوسف شيخ البخاري، وسفيان هو الثوري، والحكم ابن عُتَيْبَة بضم العين المهملة وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة.

стр. 661

وأخرجه النسائي (١): نا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: أنا عبد الرزاق، أنا الثوري، عن عمرو بن قيس ... إلى آخره نحوه سواء. وأخرجه مسلم (٢): أيضًا عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق ... إلى آخره. ولفظه: "عن شريح بن هانئ أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب فَسَلْه؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله ﵇ فسألناه فقال: جعل رسول الله ﵇ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم". قال: وكان سفيان إذا ذكر عَمْرًا اثنى عليه. ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: نا يوسف بن عدي، قال: نا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ قال: "رأيت عليّا ﵁ فسألته عن المسح على الخفين، قال: كنا نؤمر إذا كنا سَفْرا أن نمسح ثلاثة أيام ولياليهن، وإذا كنا مقيمين فيوما وليلة". ش: هذا طريق اخر وهو أيضًا صحيح، وأبو الأحوص اسمه سلام بن سُلَيْم الكوفي، وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السَبيعي. قوله: "كنا نؤمر": يدل على أنه أمر لله ورسوله، وهذا قول أكثر أهل العلم، وكذا قول الصحابي: "أمرنا بكذا" ولا فرق بين أن يكون ذلك في زمن النبي ﵇ أو بعده، قاله الخطيب في "الكفاية". قوله: "سَفْرا" بفتح السين وسكون الفاء جمع سافر، كركب جمع راكب. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: نا أسد، قال: نا محمَّد بن طلحة، عن زُبَيْد، عن الحكم بن عُتَيْبة، عن شريح بن هانئ قال: "أتيت عائشة ﵂ فقلت: يا أم المؤمنين ما ترين في المسح على الخفين؟ قالت: إئت عليّا فهو أعلم بذلك مني، كان يسافر مع

стр. 662

رسول الله ﵇. فسألته، فقال: كنا إذا كنا سَفْرا مع رسول الله ﵇ أُمرنا ألَّا ننزع خفافنا ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، وزُبَيْد -بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف- بن الحارث اليامي. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثني الحكم، عن القاسم بن مخيمرة، عن شريح بن هانئ، قال: "سألت عائشة ﵂ عن المسح على الخفين، قالت: سَلْ علي بن أبي طالب؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله ﵇ فسألته، فقال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة". قال يحيى: وكان يرفعه -يعني شعبة- ثم تركه. ص: حدثنا يونس، قال: نا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجَدَليّ، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﵇: "أنه جعل المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة. قال: لو أطنب له السائل في مسألته لزاده". ش: إسناده صحيح، وأبو عبد الله [الجَدَليّ] (٢) اسمه عبد بن عبد، ويقال: عبد الرحمن بن عبد، وثقه ابن معين، وروى له أبو داود والترمذي. وخزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين، قتل بصفين، وكان مع علي ﵁. وأخرجه الترمذي (٣): نا قتيبة، قال: نا أبوعوانة، عن سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجَدَليّ، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﵇: "أنه سُئل عن المسح على الخُفين، فقال: للمسافر ثلاثة

стр. 663

(أيام) (١) وللمقيم يوم (وليلة) " (٢). وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقد ذُكر عن ابن معين أنه صحح حديث خزيمة بن ثابت في المسح. وقال الشيخ تقي الدين في "الإِمام": وحديث خزيمة فيه ثلاث علل: الأولى: الاختلاف في إسناده، وله ثلاث مخارج، رواية إبراهيم النخعي، ورواية إبراهيم التيمي، ورواية الشعبي، ثم ذكر في بعضها الزيادة -أعني: "لو استزدناه لزادنا"- وبعضها ليست فيه. الثانية: الانقطاع، قال البيهقي: قال أبو عيسى الترمذي: سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث، فقال: لا يصح عندي حديث خزيمة بن ثابت في المسح؛ لأنه لا يُعرف لأبي عبد الله الجدلي سماع من خزيمة، وقال شعبة: لم يسمع إبراهيم النخعي حديث المسح على الخفين من أبي عبد الله الجدلي!. الثالثة: ذكر ابن حزم أن أبا عبد الله الجدلي لا يعتمد على روايته. قلت: كله لا يخلو عن نظر. قوله: "لو أطنب له" أي: لو بالغ السائل في سؤاله. قال الجوهري: طنَبَ الفرس أي: طال متنه، وأطنب في الكلام: بالغ فيه. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: نا يحيى بن حسان، قال: نا سفيان وجرير، عن منصور، فذكر بإسناده مثله إلاَّ أنه قال: "ولو استزدناه لزادنا". ش: هذا طريق آخر، وقد أخرجه الطحاوي عن عشر طرق كما تراها، وسفيان هو الثوري، وجرير هو ابن عبد الحميد، ومنصور هو ابن المعتمر. وأخرجه أبو داود (٣): نا حفص بن عمر، قال: نا شعبة، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﵇، قال: "المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم وليلة".

стр. 664

وقال أبو داود: رواه منصور بن المعتمر، عن إبراهيم التيمي بإسناده [وقال فيه] (١) "ولو استزدناه لزادنا". ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا بشر بن عمر، قال: نا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة، عن النبي ﵇، مثله. إلاَّ أنه لم يقل: "ولو استزدناه لزادنا". ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة. وأخرجه الطبراني (٢): عن أبي خليفة، عن الحسن بن علي الواسطي، عن يزيد ابن هارون، عن الحجاج بن أرطاة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله، عن خزيمة، عن النبي ﵇ قال: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة". ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: نا يحيى بن حسان، قال: نا حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، فذكر مثله بإسناده. ش: هذا طريق آخر، عن ربيع بن سليمان الجيزي، عن يحيى بن حسان، عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الله، عن خزيمة. وأخرجه الطبراني (٣): عن علي بن عبد العزيز، عن الحجاج، عن حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله، عن خزيمة، عن النبي ﵇ في المسح على الخفين-: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة".

стр. 665

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود الطيالسي، قال: نا شعبة، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم، فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، عن أبي بكرة بكَّار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي ... إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا عفان، نا شعبة، أخبرني الحكم وحماد، سمعا إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﵇: "أنه رخص ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم". ص: حدثنا أبو بكرة قال: نا أبو داود، وأبو عامر، قالا: نا هشام، عن حماد، عن إبراهيم ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن أبي بكرة بكَّار، عن أبي داود الطيالسي وأبي عامر عبد الملك بن عمرو العَقَدي، كلاهما عن هشام الداستوائي، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي ... إلي آخره. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): نا أبو مسلم الكشي، نا مسلم بن إبراهيم، نا هشام الدستوائي، نا حماد، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﵇ قال: "يمسح المسافر على الخُفين ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة". ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا الخصيب، قال: نا همام (ح). وحدثنا ابن أبي داود، قال: نا هُدْبَة، قال: نا همام، عن قتادة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة: "أنه شهد أن النبي ﵇ قال ذلك".

стр. 666

ش: هذان طريقان آخران صحيحان أيضًا: أحدهما: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح، عن همام ابن يحيى، عن قتادة، عن أبي معشر زياد بن كليب الكوفي، عن إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الله، عن خزيمة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن قتادة، عن أبي معشر، عن النخعي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت الأنصاري، أن رسول الله ﵇ قال: "ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوم وليلة للمقيم". والطريق الآخر: عن إبراهيم بن أبي داود، عن هُدْبَة بن خالد، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الله، عن خزيمة. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ونا موسى بن هارون، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، قالوا: نا هُدْبَة بن خالد، نا همام، عن قتادة، عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة ابن ثابت، أن النبي ﵇ قال في المسح على الخفين: "ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم". ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: نا مسلم، قال: نا هشام، عن حماد عن إبراهيم، عن أبي عبد الله، عن خزيمة، عن النبي ﷺ مثله. ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة. وأخرجة الطبراني في "الكبير" (٣): ثنا أبو مسلم الكشي، نا مسلم بن إبراهيم، نا

стр. 667

هشام الدستوائي، نا حماد، عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﵇ أنه قال: "يمسح المسافر على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة". ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا شعبة، قال: ثنا الحكم وحماد، عن إبراهيم، بإسناده مثله. ش: هذا طريق عاشر، وهو أيضًا صحيح، عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج ابن منهال، عن شعبة، عن الحكم بن عُتَيْبة وحماد بن أبي سليمان، كلاهما عن إبراهيم النخعي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت الأنصاري. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا أبو زرعة، ثنا آدم بن أبي إياس (ح). ونا عمر بن حفص السدوسي، ثنا هشام بن علي. ونا أبو خليفة ثنا أبو الوليد. ونا محمَّد بن عبدوس بن كامل السراج، ثنا علي بن الجعد. ونا علي بن علي [البَرْبَهاري] (٢) نا عفان، قالوا: نا شعبة، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم التيمي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي ﵇ قال: "للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة". ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا عبد الرحمن بن المبارك، قال: ثنا الصَعْق بن حَزَن، قال: ثنا علي بن الحكم، عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حُبَيْش الأسدي، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كنت جالسا عند النبي ﵇ فجاء رجل من مراد يقال له: صفوان بن عسال، فقال: يا رسول الله إني أسافر بين مكة والمدينة، فأفتني عن المسح على الخفين، فقال: ثلاثة أيام للمسافر، ويوما وليلة للمقيم".

стр. 668

ش: إسناده صحيح، وقال الترمذي: سألت محمدا -يعني البخاري- قلت: أيَّ حديث أصح عندك في التوقيت في المسح على الخفين؟ فقال: حديث صفوان بن علي، وحديث أبي بكرة حسن. وعبد الرحمن بن المبارك بن عبد الله العيشي الطفاوي أبو بكر البصري الخُلْقاني، وثقه أبو حاتم وابن حبان، وروى عنه البخاري وأبو داود، وروى له النسائي. والصعق بن حزن بن قيس البكري ثم العيشي، روى له مسلم. وعلي بن الحكم البُناني، روى له الجماعة سوى مسلم. والمنهال بن عمرو الأسدي الكوفي، روى له الجماعة سوى مسلم. وزِرّ بن حبيش الأسدي الكوفي، روى له الجماعة. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١) بأتم منه: نا عبد الله بن أحمد بن حنبل ومحمد بن عبد الله الحضرمي، نا شيبان بن فروخ، ثنا الصعق بن حزن، ثنا علي بن الحكم البناني، عن المنهال بن عمرو، عن زِرّ بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، قال: حدث صفوان بن عسال المرادي، قال: "أتيت رسول الله ﵇ وهو في المسجد متكئ على بُرد له أحمر، فقلت: يا رسول الله، جئت أطلب العلم، فقال: مرحبا بطالب العلم، إن طالب العلم لتحفه الملائكة وتظله بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضا حتى يبلغوا السماء الدنيا من محبتهم لما يطلب، ما جئت تطلب؟ قال: قال صفوان: يا رسول الله، لا نزال نسافر بين مكة والمدينة، فأفتنا عن المسح على الخفين، فقال له رسول الله ﵇: ثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم". ص: حدثنا يونس، قال: نا سفيان، عن عاصم، عن زر، قال: "أتيت صفوان ابن عسال، فقلت: حَكَّ في نفسي -أو في صدري- المسح على الخفين بعد الغائط والبول، فهل سمعت من رسول الله ﵇ في ذلك شيئًا؟ قال: نعم، كنَّا إذا كنَّا سَفْرا

стр. 669

أو مسافرين أمرنا ألَّا نُنزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلاَّ من جنابة ولكن من بول وغائط". ش: هذا طريق آخر من حديث صفوان -أخرجه من خمس طرق- وهو طريق صحيح عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عُيينة، عن عاصم ابن أبي النَجُود، عن زر بن حبيش ... إلى آخره. وأخرجه الترمذي (١): نا هناد، قال: نا أبو الأحوص، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حُبَيْش، عن عاصم، عن صفوان بن عسال، قال: "كان رسول الله ﵇ يأمرنا إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلاَّ من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم". وأخرجه النسائي (٢): أنا أحمد بن سليمان الراوي، قال: نا يحيى بن آدم، قال: نا سفيان الثوري ومالك بن مغول وزهير وأبو بكر بن عياش وسفيان بن عيينة، عن عاصم، عن زر قال: "سألت صفوان بن عسال عن المسح على الخفين، فقال: كان رسول الله ﵇ يأمرنا إذا كنا مسافرين أن نمسح على خفافنا ولا ننزعها ثلاثة أيام من غائط وبول ونوم؛ إلاَّ من جنابة". وأخرجه الطبراني (٣) بأتم منه: ثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عاصم، عن زر بن حبيش، قال: "أتيت صفوان بن عسال، فقال: ما جاء بك؟ قلت: ابتغاء العلم قال: فإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يطلب. قال: قلت: (حاك) (٤) في صدري مسح على الخفين بعد الغائط والبول، وكنت امرءا من أصحاب رسول الله ﵇ فأتيتك أسألك عن ذلك، هل سمعت في ذلك شيئًا؟

стр. 670

قال: نعم، كان يأمرنا إذا كنا سفرا -أو كنا مسافرين- ألَّا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن؛ إلاَّ من جنابة، ولكن من غائط وبول. قلت: (أسمعت) (١) يذكر الهوى؟ قال: نعم، بينا نحن معه في مسير، إذ ناداه أعرابيّ بصوت جهوريّ -أو قال: بصوت جوهري- بين عَيْنَيْه شَك، قال: يا محمَّد، فأجابه بنحو: من كلامه، فقال: مَهْ؟ فقال: أرأيت رجلًا أحبَّ قوما ولم يلحق بهم؟ قال: هو يوم القيامة مع مَنْ أحب. قال: فلم يَزَل يُحدثنا حتى قال: (إن بين قبل المغرب بابا عرضه) (٢) سبعين سَنة، فتحه الله للتوبة يوم خلق السموات والأرض فلا يغلقه حتى تطلع الشمس من نحوه". قوله: "حك في نفسي" قال ابن الأثير: يقال: حك الشيء في نفسي إذا لم يكن منشرح الصَّدْرَ به، وكان في قلبك منه شيء من الشك والرَّيب. وأوهمك أنه ذنب وخطيئة، ومنه الحديث: "الإثم ما حك في صدرك". والحديث الآخر: "إياكم والحكَّاكَات فإنها المآثم". وهو جمع حكاكة، وهي المؤثرة في القلب. وقال الجوهري: ما حاك منه في صدري شيء، أي: ما تخالج، ويقال: ما حاك في صدري كذا، إذا لم ينشرح له صدرك. وأما قوله: في رواية الطبراني: "حاك في صدري" من الحيك. وفي الحديث الآخر: "الإثم ما حال في نفسك" أي: أثر فيا ورسخ، وقال الجوهري: الحيك أخذ القول في القلب، يقال: ما يحيك فيه الملام، إذا لم يؤثر. قوله: "أو في صدري" شك من الراوي. قوله: "سَفْرا" جمع سافر كَرَكْب جمع راكب.
следующие страницы →