الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي.
وهذا إسناد صحيح.
قوله: "عن دعاء الديلم" قال الجوهري: الديلم: جيل من الناس.
قلت: الديلم طائفة من الفرس وهم سكان الجبال في أرض طبرستان، وهي جبال منيفة إلى الغاية والنهاية.
ص: وقد تكلم الناس في المرتد عن الإسلام أيستتاب أم لا؟ فقال قوم: إن استتاب الإِمام المرتد فهو أحسن فإن تاب وإلا قتله، وممن قال ذلك: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
وقال آخرون: لا يستتاب، وجعلوا حكمه حكم الحربيين على ما ذكرنا من بلوغ الدعوة إياهم وفي تقصيرها عنهم، وقالوا: إنما تجب الاستتابة لمن خرج عن الإِسلام لا عن بصيرة منه به، فأما من خرج عنه إلى غيره على بصيرة منه فإنه يقتل ولا يستتاب، وهذا قولٌ قد قال به أبو يوسف في كتاب "الإملاء" فقال: أقتله ولا أستتيبه إلا إنه إن بدرني بالتوبة خليت سبيله ووكلت أمره إلى الله .
وقد حدثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف بذلك أيضًا.
ش: إنما ذكر حكم المرتد واختلاف الناس فيه والآثار الواردة فيه استطرادًا لما ذكره من الخلاف في وجوب الدعوة قبل القتال مع الكفار وعدم وجوبها.
والهمزة في قوله: "أَيُسْتَتَاب" للاستفهام، وهو على صيغة المجهول من الاستتابة، وهي طلب التوبة.
قوله: "فقال قوم" أراد بهم: عمر بن عبد العزيز والشعبي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي في قول، فإنهم قالوا: حكم المرتد أن يقتل، وعرض الإِسلام عليه ليس بواجب؛ لأنه قد بلغته الدعوة، ولكن الإِمام إن استتابه فحسن، فإن تاب قبلت توبته وإلا يقتل.
стр. 6057
قوله: "وقال آخرون" أي جماعة آخرون: "لا يستتاب المرتد بل يقتل"، وأراد بهؤلاء: الحسن البصري والليث بن سعد وسفيان بن محمد بن الجراد. ومذهبهم منقول عن أنس ﵁.
وقال أبو بكر الرازي: وقال الليث: الناس لا يستتيبون مَن وُلد في الإِسلام إذا شُهد عليه بالردة، ولكنه يقتل تاب في ذلك أو لم يتب إذا كانت البينة العادلة.
وقال الشافعي: يستتاب المرتد ظاهرًا، والزنديق إن تاب قُبل وإن لم يتب قُتل، وفي الاستتابة ثلاثًا، قولان.
وقال أيضًا: اختلف في استتابة المرتد والزنديق، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر في الأصل: لا يقتل المرتد حتى يستتاب، ومَن قتل مرتدًّا قبل أن يستتاب فلا ضمان عليه.
وذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف في الزنديق الذي يُظهر الإِسلام: قال أبو حنيفة: أستتيبه كالمرتد، فإن أسلم خَلَّيْت سبيله، وإن أبى قتلته. وقال أبو يوسف بذلك زمانًا فلما رأى ما يصنع الزنادقة ويعودون قال: أرى إذا أُتيت بزنديق أمرت بضرب عنقه ولا أستتيبه، فإن تاب قبل أن أقتله خَلَّيْته.
وذكر سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف قال: إذا زعم الزنديق أنه قد تاب حبسته حتى أعلم توبته.
وذكر محمد في "السير" عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أن المرتد يُعْرَض عليه الإِسلام، فإن أسلم وإلا قتل مكانه، إلا أن يَطْلب أن يؤجل، فإن طلب ذلك أُجِّل ثلاثة أيام؛ ولم يحك خلافًا.
وقال ابن حزم في "المحلى" ما ملخصه: إن الناس اختلفوا في حكم المرتد، فقالت طائفة: لا يستتاب. وهو قول أبي موسى الأشعري وأنس بن مالك وطاوس وعبيد ابن عمير والحسن البصري.
стр. 6058
وقالت طائفة: يستتاب مرة، فإن تاب وإلا قتل؛ وهو قول عمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة وأصحابه، قالوا: إلا أن يطلب أن يؤجل، فإن طلب ذلك أُجِّلَ ثلاثة أيام فقط.
وقالت طائفة: يستتاب ثلاث مرات. وهو قول عثمان بن عفان والزهري.
وقالت طائفة: يستتاب مائة مرة. وهو قول الحسن بن حي.
وقالت طائفة: يستتاب شهرًا. وهو قول علي بن أبي طالب ﵁. وروي أيضًا عن مالك وعن بعض أهل مذهبه.
وقالت طائفة: يستتاب شهرين.
وقالت طائفة: يستتاب أبدًا دون قتل.
وقالت طائفة: يستتاب أربعين يومًا.
وقالت طائفة: يُفرق بين المُسر والمعلن، واستدلوا بما روي عن علي ﵁ "أنه أتى بأناس من الزنادقة ارتدُّوا عن الإِسلام، فسألهم فجحدوا، فقامت عليهم البينة العدول، فقتلهم ولم يستتبهم، وأتي برجل كان نصرانيًّا فأسلم ثم رجع عن الإِسلام، فسأله فأقرَّ بما كان منه فاستتابه فتاب فتركه، فقيل له: كيف استتبت هذا ولم تستتب أولئك؟! قال: إن هذا أقر بما كان منه، وإن أولئك لم يقروا وجحدوا حتى قامت عليهم البينة؛ فلذلك لم أستتبهم".
وعن ابن شهاب أنه قال في الزنديق: "إما هو جاحد وقد قامت عليه البينة فإنه يقتل ولا يستتاب، وإما هو جاء تائبًا معترفًا فإنه يترك".
وبه يقول مالك والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وإسحاق واحد قولي أبا حنيفة وأبي يوسف، وقد روي عن أحمد التوقف فيه.
وقال الشافعي وعبيد الله بن الحسن وأبو حنيفة وأصحابه في أحد قولهم: يستتاب المُسِر كما يستتاب المُعْلن، وتقبل توبتهما معًا.
стр. 6059
وقال ابن حزم: وقال أصحابنا: إن أقرَّ بعد جحوده وصِدْق البينة قبلنا توبته، وإن تمادى على الإنكار قتل ولابد.
وقالت طائفة: يُفرَّق بين من ارتد ثم رجع ثلاث مرات، وبين من ارتدَّ إلى أربعة، فرأوا أن يقتل في الرابعة ولا تقبل توبته. وهو قول إسحاق بن راهويه.
وقالت طائفة: يُفرَّق بين من أسلم وعرف شرائع الإِسلام وبين من أسلم ولم يعرف شرائع الإِسلام. ويروى نحو هذا عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز.
وقالت طائفة: يُفرَّق بين من صلى ومن لم يصلّ. وهو قول عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك؛ فإنه قال: من أسلم من أهل الكفر إلا أنه لم يصل فإنه يترك والرجوع إلى دينه متى شاء ولا يمنع إلا أن يصلي، فإن صلى فحينئذٍ يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل.
وقالت طائفة: يُفرَّق بين الرجل والمرأة، فكما روينا عن ابن عباس قال: "المرتدة تحبس ولا تقتل". وعن الحسن البصري: "المرتدة تباع وتكره". كذلك فعل أبو بكر بنساء أهل الردة وباعهن.
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال في المرتدة: "تستأمى"، أي تجعل أمةً، وعن الزهري أنها تستتاب، فإن تابت إلا قتلت. وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وأبو سليمان وجميع أصحابهم، وهو أحد قولي أبي يوسف، ثم رجع عنه، وهو قول ابن أبي ليلى وعثمان البتي والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وغيرهم.
قلت: مذهب أبي حنيفة وأصحابه في المرتدة أنها لا تقتل، ولكنها تحبس وتجبر على الإِسلام بالضرب في كل يوم مبالغة في الإلجاء إلى الإِسلام؛ لأنه ﵇ نهى عن قتل النساء.
ص: وقد روي في استتابة المرتد وتركها عن جماعة من أصحاب رسول الله ﵇، فمن ذلك ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أنا هشيم،
стр. 6060
عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: حدثني أنس بن مالك قال: "لمَّا فتحنا تُسْتَر بعثني أبو موسى إلى عمر بن الخطاب ﵄، فلمَّا قدمت عليه قال: ما فعل حجينة وأصحابه؟ وكانوا ارتدُّوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين فقتلهم المسلمون، فأخذت معه في حديث آخر، فقال: ما فعل النفر البكريّون؟ قلت: يا أمير المؤمنين إنهم ارتدُّوا ولحقوا بالمشركين فقتلوا، فقال عمر ﵁: لأن يكون أخذتهم سَلمًا أحب إليَّ من كذا وكذا، فقلت: يا أمير المؤمنين ما كان سبيلهم لو أخذتهم سلمًا إلا القتل؟! قومٌ ارتدُّوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين، فقال: لو أخذتهم سَلماً لعرضت عليهم الباب الذي خرجوا منه؛ فإن رجعوا وإلا استودعتهم السجن".
ش: لما ذكر اختلاف العلماء في استتابة المرتد وتركها ذكر ما روي في الخلاف أيضًا من الصحابة والتابعين ﵃.
فمن ذلك: ما أخرجه عن عمر بن الخطاب ﵁ بإسناد صحيح: عن إبراهيم ابن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن عون بن أوس الواسطي البزاز شيخ البخاري في غير الصحيح، عن هشيم بن بشير، عن داود بن أبي هند دينار البصري، عن عامر الشعبي، عن أنس بن مالك.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن داود ابن [أبي] (٢) هند، قال: ثنا عامر، أن أنس بن مالك حدَّثه: "أن نفرًا من بكر بن وائل ارتدُّوا عن الإِسلام ولحقوا بالمشركين فقتلوا في القتال، فلما أتيت عمر بن الخطاب ﵁ بفتح تستر قال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قال: فعرضت في حديث آخرٍ لأشغله عن ذكرهم، قال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قال: قلت: قتُلوا يا أمير المؤمنين، قال: لو كنت أخذتهم سَلمًا كان أحب
стр. 6061
إليَّ مما طلعت عليه الشمس من صفراء وبيضاء، قال: قلت: يا أمير المؤمنين وما كان سبيلهم لو أخذتهم إلا القتل؟! قومٌ ارتدُّوا عن الإِسلام ولحقوا بالشرك؟ قال: كنت أعرض أن يدخلوا في الباب الذي خرجوا منه، فإن فعلوا قبلت ذلك منهم، وإن أبوا استودعتهم السجن".
قوله: "لما فتحنا تُسْتَر" بضم التاء المثناة من فوق وسكون السين المهملة وفتح التاء الثانية وفي آخرها راء مهملة، وتسميها العامة ششتر -بالشينين المعجمتين- وهي مدينة من كور الأهواز وبها قبر البراء بن مالك ﵁، وفتحت تُستر في سنة سبع عشرة من الهجرة - في قول سيف -وقال غيره: في سنة تسع عشرة.
قوله: "ما فعل حجينة" [..........] (١).
قوله: "ما فعل النفر البكريُّون" أراد بهم النفر الذين كانوا من بكر بن وائل.
واحتج به من قال: إن المرتد يستتاب أبدًا ولا يقتل.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عتبة قال: "أخذ بالكوفة رجال يفشون حديث مسيلمة الكذاب لعنه الله، فكتبت فيهم إلى عثمان بن عفان ﵁، فكتب عثمان ﵁ أن اعرض عليهم دين الحق وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فمن قبلها وتبرَّأ من مسيلمة فلا تقتله، ومن لزم دين مسيلمة فاقتله، فقبلها رجال منهم فَتُركوا, ولزم دين مسيلمة رجال فقتلوا".
ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح.
ويونس الأول هو ابن عبد الأعلى، والثاني هو ابن يزيد الأيلي.
وابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري.
وعبيد الله بن عتبة هو عبيد الله بن عبد الله بن عتيبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله المدني الفقيه الأعمى، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة.
стр. 6062
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث يونس، عن الزهري ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، وفي آخره: "فهذا يدل على أن المرتد يعرض عليه الإِسلام قبل القتل، فإن تاب ترك وإلا قتل".
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، عن أبيه، عن جده قال: "لما افتتح سعد وأبو موسى ﵄ تُستَر أرسل أبو موسى رسولاً إلى عمر ﵁ ... فذكر حديثًا طويلًا. قال: "ثم أقبل عمر على الرسول فقال: هل كانت عندكم من مغربة خبر؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أخذنا رجلاً من العرب كَفَرَ بعد إسلامه، قال عمر ﵁: فما صنعتم به؟ قال: قدمناه فضربنا عنقه، قال عمر ﵁: أفلا أدخلتموه بيتًا ثم طينتم عليه ثم رميتم إليه برغيف ثلاثة أيام لعله أن يتوب أو يُراجع أمر الله، اللهم إني لم آمر، ولم أشهد، ولم أرض إذ بلغني".
ش: إسناده صحيح.
ويعقوب بن [عبد الرحمن بن محمد القاري المدني روى له الجماعة سوى ابن ماجه.
وأبوه: عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد، وثقه ابن حبان. وجده: محمد ابن عبد الله القاري، وثقه ابن حبان.
وأخرجه ابن حزم في "المحلى" (٢): من حديث مجزأة بن ثور: "أنه قدم على عمر ﵁ يبشره بفتح تستر، فقال له عمر ﵁: هل كانت مغربة تخبرنا بها؟ قال: لا، إلا أن رجلاً من العرب ارتدّ فضربنا عنقه. قال عمر ﵁: وَيْحَكُمْ، فهلَّا طينتم عليه بابًا وفتحتم له كوة فأطعمتموه منها كل يوم رغيفًا وسقيتموه كوزًا
стр. 6063
من ماء ثلاثة أيام ثم عرضتم عليه الإِسلام في الثلاث فلعله أن يراجع؟ اللهم لم أحضر، ولم آمر، ولم أعلم".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: "لما قدم علي عمر ﵁ فتح تستر -وتستر من أرض البصرة- سألهم: هل من مغربة؟ قالوا: رجل من المسلمين لحق بالمشركين فأخذناه. قال: ما صنعتم به؟ قالوا: قتلناه. قال: أفلا أدخلتموه بيتًا وأغلقتم عليه بابًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا ثم استتبتموه ثلاثًا، فإن تاب وإلا قتلتموه؟! ثم قال: اللهم لم أشهد، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني -أو قال: حين بلغني-".
قوله: "هل كانت عندكم من مُغَرِّبة خبر" أي هل من خبر جديد جاء من بلد بعيد؟ يقال: هل من مُغَرِّبة خَبَر -بكسر الراء وفتحها- مع الإضافة فيهما، وهو من الغَرْب: البعد وشَأْوُ مُغَرِّب ومُغَرَّب أي بعيد.
فهذا يدل على أن المرتد يؤجل له ثلاثة أيام يستتاب فيها، فإن تاب وإلا قتل، وبهذا قال أصحابنا كما ذكرناه.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، عن أبيه، عن جده أنه قال: "قدم على عمر ﵁ رجل من قبل أبي موسى ﵁ ... " ثم ذكر نحوه.
فهذا سعد وأبو موسى ﵄ لم يستتيباه، وأحب عمر ﵁ أن لو استتيب، فقد يحتمل أن يكون ذلك لأنه كان يرجو له التوبة، ولم يوجب عليهم بقتلهم شيئًا؛ لأنهم فعلوا ما لهم أن يروه ففعلوه، وإن خالف رأي إمامهم.
ش: إسناده صحيح.
و"القاريّ": بتشديد الياء نسبة إلى قارة وهي قبيلة وهم عضل والديش أبناء الهون بن خزيمة؛ سموا قارة لاجتماعهم والتفافهم.
стр. 6064
والأثر أخرجه مالك في "موطإه" (١) والبيهقي في "سننه" (٢): من حديث مالك، عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد القاري، عن أبيه قال: "قدم على عمر رجل من قبل أبي موسى، فسأله عن الناس فأخبره، ثم قال: هل كان فيكم من مُغَرِّبة خبر؟ فقال: نعم، رجل كفر بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه، قال: فَهَلَّا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله؟! اللهم إني لم أحضر، ولم آمركم، ولم أرض إذ بلغني".
وقال البيهقي: قال الشافعي: من قال: لا يتأنى به زعم أن الذي روي عن عمر ﵁ في حبسه ثلاثًا ليس بثابت؛ لانقطاعه، وإن كان ثابتًا لم يجعل على من قتله قبل ثلاث شيئًا.
قوله: "فهذا سعد" أراد به سعد بن أبي وقاص ﵁.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان (ح).
وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا علي بن معبد، قالا: ثنا أبو بكر بن عياش، قال: ثنا عاصم بن بهدلة، قال: حدثني أبو وائل، قال: حدثني ابن مُعَيز السعدي، قال: "خرجت أسقد فرسًا لي بالسحر، فمررت على مسجد من مساجد بني حنيفة فسمعتهم يشهدون أن مسيلمة رسول الله، قال: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود ﵁ فذكرت له أمرهم، فبعث الشُّرَط، فأخذوهم، فجيء بهم إليه، فتابوا ورجعوا عما قالوا، وقالوا: لا نعود، فخلى سبيلهم، وقدم رجلاً منهم يقال له: عبد الله بن] (٣) النواحة فضرب عنقه، فقال الناس: أخذت قومًا في أمر واحد فخليت سبيل بعضهم وقتلت بعضهم؟! فقال: كنت عند رسول الله ﵇ جالسًا فجاء ابن النواحة ورجل معه يقال له: حجر بن وثال، وافد من عند
стр. 6065
مسيلمة، فقال لهما رسول الله ﵇: أتشهدان أني رسول الله؟ فقالا: أتشهد أنت أن مسيلمة رسول الله؟ فقال لهما: أمنت بالله وبرسوله، لو كنت قاتلاً وفدًا لقتلتكما. فلذلك قتلت هذا".
فهذا عبد الله بن مسعود قد قتل ابن النواحة ولم يقبل توبته؛ إذ علم أنه هكذا خُلُقه يظهر التوبة إذ ظُفر ثم يعود إلى ما كان عليه إذا خُلى.
ش: هذان طريقان:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن أبي بكر بن عياش -بالياء آخر الحروف والشين المعجمة- بن سالم الحنَّاط الكوفي المقرئ روى له الجماعة، مسلم في مقدمة كتابه.
عن عاصم بن بهدلة الكوفي أبي بكر المقرئ روى له الشيخان مقرونًا بغيره.
عن أبي وائل شقيق بن سلمة روى له الجماعة، عن ابن مُعَيْز -بضم الميم وفتح العين وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره زاي معجمة- أدرك النبي ﵇ ولم يره.
ذكره ابن الأثير في "الصحابة".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): من وجه آخر قال: ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب قال: "خرج رجل يطرق فرسًا له، فمر بمسجد بني حنيفة فصلى فيه، فقرأ إمامهم بكلام مسيلمة الكذاب، فأتى بن مسعود ﵁ فأخبره، فبعث إليهم، فجاء بهم فاستتابهم فتابوا إلا عبد الله بن النواحة فإنه قال له: يا عبد الله لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لولا أنك رسول لضربت عنقك، فأما اليوم فلست برسول؛ يا خرشة قم فاضرب عنقه، فقام فضرب عنقه".
ثنا (٢) وكيع، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس قال: "جاء رجل إلى ابن
стр. 6066
مسعود فقال: إني مررت بمسجد بني حنيفة فسمعت إمامهم يقرأ بقراءةٍ ما أنزلها الله على محمد ﵇ فسمعته يقول: الطاحنات طحنًا فالعاجنات عجنًا فالخابزات خبزًا فالثاردات ثردًا فاللاقمات لقمًا، قال: فأرسل عبد الله فأتي بهم سبعين ومائة رجل على دين مسيلمة، إمامهم عبد الله بن النواحة، فأمر به فقتل، ثم نظر إلى بقيتهم فقال: ما نحن بمحرري الشيطان، هؤلاء سائر القوم رحلوهم إلى الشام، لعل الله أن يفنيهم بالطاعون".
الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن علي بن معبد بن شداد الرقي أحد أصحاب محمد بن الحسن، عن أبي بكر بن عياش ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث أبي عوانة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب قال: "صليت الغداة مع ابن مسعود ﵁، فقام رجل فأخبر أنه انتهى إلى مسجد بني حنيفة مسجد عبد الله بن النواحة فسمع مؤذنهم يشهد أن لا إله إلا الله وأن مسيلمة رسول الله، وأنه سمع أهل المسجد على ذلك، فقال عبد الله: مَن ها هنا؟ فوثب نفر، فقال: عليَّ بابن النواحة وأصحابه، فجيء بهم وأنا جالس، فقال لابن النواحة: أين ما كنت تقرأ من القرآن؟ قال: كنت أتقيكم به، قال: فتب، فأبى، فأمر قرظة بن كعب الأنصاري فأخرجه إلى السوق فضرب رأسه، فسمعت عبد الله يقول: من سرَّه أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلاً فليخرج، فكنت فيمن خرج، فإذا هو قد جُرِّد، ثم إن ابن مسعود قد استشار الناس في أولئك النفر فأشار عليه عديّ بن حاتم بقتلهم، فقام جرير والأشعث فقالا: بل استتبهم وكفلهم عشائرهم، فاستتابهم فتابوا، وكَفَلَهُم عشائرهم".
قوله: "أُسَقِّد فرسًا لي" أي أُضمِّره، يقال: أسقَد فرسه وسقده، قال ابن الأثير: هكذا أخرجه الزمخشري عن ابن السعدي، وأخرجه الهروي عن أبي وائل، ويروى
стр. 6067
بالفاء والراء من التسفير ومعناه: أنه خرج يدمنه على السير ويروضه ليقوى على السفر، وقيل: من سفرت البعير إذا رعيته السفير وهو أسافل الزرع.
قوله: "فبعت الشَّرَط" بفتح الشين والراء، قال ابن الأثير: شَرَط السلطان نخبة أصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده، قال ابن الأعرابي: هم الشَّرَط والنسبة إليهم شَرَطي، والشُّرْطَة والنسبة إليهم شُرْطي.
وقال الجوهري: قال الأصمعي: ومنه سمي الشَّرَط؛ لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها، الواحد شُرْطة وشُرْطي، وقال أبو عبيدة: سمّوا شَرَطًا لأنهم أُعدوا.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، قال: ثنا صالح ابن عمر، قال: ثنا مطرف، عن أبي الجهم، عن البراء: "أن عليًّا ﵁ بعثه إلى أهل النهر فدعاهم ثلاثًا".
ش: سعيد بن سليمان المعروف بسعدويه شيخ البخاري وأبي داود.
وصالح بن عمر الواسطي وثقه أبو زرعة وغيره، وروى له مسلم.
ومطرف بن طريف الحارثي روى له الجماعة.
وأبو الجهم اسمه سليمان بن الجهم الأنصاري الحارثي الجوزجاني مولى البراء بن عازب، وثقه ابن حبان، وقال ابن المديني: لا أعلم أحدًا روى عنه غير مطرف.
قوله: "إلى أهل النهر" أراد بها النهروان وهي عن بغداد على أربعة فراسخ، وكانت مدينة قديمة، ولما ارتدَّ أهلها بعث علي بن أبي طالب البراء بن عازب ﵄ إليهم فدعاهم ثلاثة أيام".
فهذا يصلح حجة لأبي حنيفة وأصحابه في استتابة المرتد والصبر عليه إلى ثلاثة أيام.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا زائدة بن قدامة، عن عمر بن قيس الماصر، عن زيد بن وهب قال: "أقبل علي ﵁ حتى نزل
стр. 6068
بذي قار، فأرسل عبد الله بن عباس ﵄ إلى أهل الكوفة، فأبطئوا عليه، ثم أتاهم عمار ﵁ فخرجوا، قال زيد: فكنت فيمن خرج معه قال: فكف عن طلحة والزبير وأصحابهم ودعاهم، حتى بدءوه فقاتلهم".
ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.
والماصر لقب عمر بن قيس.
وزيد بن وهب الجهني الكوفي رحل إلى النبي ﵇ فقبض وهو في الطريق، وعن يحيى وابن خراش: كوفي ثقة، دخل الشام. روى له الجماعة.
قوله: "بذي قار" بالقاف والراء المهملة: هو موضع به ماء معروف وكان به يوم من أعظم أيام العرب وأشهرها لبني شيبان على الأعاجم. وكان الملك أبراويز غزاهم جيشًا، فظفرت به بنو شيبان وكان سببه قتل النعمان بن المنذر اللخمي عدي بن زيد العبادي، والقصة مشهورة، وهو أول يوم انتصرت فيه العرب على العجم.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا شريك بن عبد الله، عن جابر، عن الشعبي: "أن رجلاً كان نصرانيًّا فأسلم ثم تنصر، فأتي به علي ﵁ فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: وجدت دينهم خيرًا من دينكم. فقال له: ما تقول في عيسى صلوات الله عليه وسلامه؟ قال: هو ربي -أو هو رب علي- فقال: اقتلوه، فقتله الناس، فقال علي بعد ذلك: إن كنت لمستتيبه ثلاثًا، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ (١) ".
ش: رجاله ثقات غير جابر الجعفي؛ فإن فيه كلامًا كثيرًا.
والشعبي هو عامر بن شراحيل.
وأخرجه البيهقي (٢): من حديث الثوري، عن جابر، عن الشعبي، عن
стр. 6069
علي ﵁: "يستتاب المرتد ثلاثاً، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ (١) ".
وأخرج ابن حزم (٢) من طريق عبد الرزاق قال: "أتي علي بن أبي طالب ﵁ بشيخ كان نصرانيًّا ثم أسلم، ثم ارتد عن الإِسلام، فقال له علي ﵁: لعلك إنما ارتددت لأن تصيب ميراثا ثم ترجع إلى الإِسلام؟ قال: لا، قال: فلعلك خطبت امرأة فأبوا أن يزوجوكها فأردت أن تزَّوجها ثم تعود إلى الإِسلام؟ قال: لا، قال: فأرجع إلى الإِسلام، قال: لا، حتى ألقى المسيح، قال: فأمر به فضربت عنقه ودفع ميراثه إلى ولده المسلمين".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا سليمان بن معاذ الضبي، عن عمار بن أبي معاوية الدهني، عن أبي الطفيل: "أن قومًا ارتدُّوا وكانوا نصارى، فبعث إليهم علي بن أبي طالب ﵁ معقل بن قيس التميمي فقال لهم: إذا حككت رأسي فاقتلوا المقاتلة واسبوا الذرية، فأتي علي بطائفة منهم فقال: من أنتم؟ فقالوا: كنا قومًا نصارى فخيرنا بين الإِسلام وبين ديننا فاخترنا الإسلام، ثم رأينا أن لا دين أفضل من ديننا الذي كنا عليه فنحن نصارى، فحكّ رأسه فقتلت المقاتلة وسبيت الذرية، قال عمار: فأخبرني أبو شيبة أن علي بن أبي طالب ﵁ أتي بذراريهم، فقال: مَن يشتريهم مني؟ فقام مسقلة بن هبيرة الشيباني فاشتراهم من علي ﵁ بمائة ألف، فأتاه بخمسين ألفًا فقال علي ﵁: إني لا أقبل المال إلا كَمَلاً، فدفن المال في داره وأعتقهم ولحق معاوية، فنفذ علي ﵁ عتقه".
ش: رجاله ثقات.
وأبو داود الطيالسي سليمان بن داود صاحب "المسند".
وأبو الطفيل عامر بن واثلة الصحابي ﵁.
стр. 6070
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبد الملك ابن سعيد بن حيان، عن عمار الدهني، قال: حدثني أبو الطفيل قال: "كنت في الجيش الذين بعثهم علي بن أبي طالب إلى بني ناجية، فانتهينا إليهم فوجدناهم على ثلاث فرق، قال: فقال أميرنا لفرقة منهم: ما أنتم؟ قالوا: نحن قوم كنا نصارى وأسلمنا فثبتنا على إسلامنا، قال: اعتزلوا، ثم قال للثانية: ما أنتم؟ قالوا: نحن قوم كنا نصارى فأسلمنا، فرجعنا فلم نر دينًا أفضل من ديننا فتنصرنا، قال لهم: أسلموا، فأبوا، فقال لأصحابه: إذا مسحت رأسي ثلاث مرات فشدوا عليهم، ففعلوا، فقتلوا المقاتلة وسبوا الذرية، فجئت بالذراري إلى علي ﵁ وجاء مسقلة ابن هبيرة فاشتراهم بمائتي ألف، فجاء بمائة ألف إلى علي ﵁ فأبى أن يقبل، فانطلق مسقلة بن هبيرة بدراهمه وعمد إليهم مسقلة فأعتقهم ولحق بمعاوية، فقيل لعلي ﵁: ألا تأخذ الذرية، قال: لا، فلم يتعرض لهم".
قوله: "مَعْقِل بن قيس" بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف، وكان من أمراء علي بن أبي طالب ﵁.
و"مَسْقلة" -بفتح الميم وسكون السين المهملة وفتح القاف- بن هبيرة -بضم الهاء وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الراء.
ويستفاد منه: أن أهل ناحية إذا ارتدّوا والعياذ بالله فللإمام أن يقتل رجالهم ويسبي نساءهم وذراريهم كما فعل أبو بكر ﵁ ببني حنيفة حين ارتدُّوا عن الإِسلام، استرقَّ نساءهم وأصاب علي ﵁ من ذلك السبي جارية فولدت له محمد بن الحنفية ﵁.
...
стр. 6071
ص: باب: ما يكون الرجل به مسلمًا
ش: أي هذا باب في بيان ما يصير به غير المسلم مسلمًا إذا باشره.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، عن أبيه، قال: سمعت النعمان يحدث، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، عن المقداد بن عمرو قال: "قلت: يا رسول الله، أرأيت إن اختلفت أنا ورجل من المشركين ضربتين فضربني فأبان يدي ثم قال: لا إله إلا الله، أقتله أم أتركه؟ قال: بل اتركه، قلت: قد أبان يدي! قال: نعم، فإن قتلته فأنت مثله قبل أن يقولها وهو بمنزلتك قبل أن تقتله".
ش: وهب هو ابن جرير البصري، روى له الجماعة.
وأبوه جرير بن حازم بن زيد البصري، روى له الجماعة.
والنعمان هو ابن راشد الجزري ضعفه يحيى، وعنه: ليس بشيء. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا.
والزهري هو محمد بن مسلم.
وعطاء بن يزيد الليثي ثم الجندعي أبو محمد المدني، [روى له الجماعة.
وعبيد الله بن عدي بن الخيار القرشي النوفلي المدني، وُلد في زمن النبي ﵇ وكان من فقهاء قريش. قال العجلي: مدني تابعي ثقة. روى له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
والمقداد بن عمرو هو المقداد بن الأسود الصحابي ﵁.
وأخرجه البخاري في "المغازي" (١): عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عدي، عن المقداد بن الأسود أنه قال
стр. 6072
للنبي ﵇: "أرأيت إن لقيت رجلاً فاقتتلنا فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله، أفأقتله بعد أن قالها؟ قال: لا تقتله. قلت: إنه قطع يدي؟! قال: لا تقتله؛ فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال".
وأخرجه أيضًا في "الديات" (١): عن عبدان، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري ... إلى آخره.
وأخرجه مسلم في "الإيمان" (٢): عن قتيبة وابن رمح، عن الليث.
وعن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس.
وعن إسحاق بن راهويه، عن عبد الرزاق، عن معمر.
وعن إسحاق بن موسى، عن الوليد، عن الأوزاعي.
وعن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، كلهم عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن عبيد الله بن عدي، عن المقداد.
وأخرجه أبو داود في "الجهاد" (٣): عن قتيبة، عن الليث، عن ابن شهاب، عن عطاء ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي في "السير" (٤): عن قتيبة به.
قوله: "فأبان يدي" من الإبانة وهي القطع.
قوله: "أقتله" أي هل أقتله؟.
قوله: "فإن قتلته فأنت مثله قبل أن يقولها" قيل: معناه إنك كنت كذلك قبل أن يقول الكلمة التي قال هو، وذلك حين كنت بمكة بين المشركين فكنت تكتم
стр. 6073
إيمانك فلعل هذا أيضًا كان ممن يكتم إيمانه بين المشركين وخرج معهم كرهًا كما أخرج أهل مكة من كان معهم من المسلمين إلى بدر كرهًا.
فإن قيل: إذا كان المعنى كذلك؛ فكيف ذاك الرجل يقطع اليد والحال أنه ممن يكتم إيمانه؟.
قلت: إنما فعل ذلك دفعًا عن نفسه من يريد قتله، فجاز له كما جاز للمؤمن إذا أراد أن يقتله مؤمن أن يدفع عن نفسه بالقتل ونحوه.
وإنما لم يقد ﵇ قتيل أسامة لما قتله بعد أن قال: لا إله إلا الله وذلك حين بعثه ﵇ مع سرية إلى الحرقات؛ لأنه قتله متأولاً.
وقيل: معنى هذا الكلام: إنك مثله قبل أن يقولها في مخالفة الحق وارتكاب الإثم، وإن اختلفت أنواع المخالفة والإثم.
وقيل: إنك مثله يعني كنت كمثله قبل أن يقولها في إباحة الدم؛ لأن الكافر قبل أن يسلم مباح الدم بحق الدين، فإذا أسلم فقتله قاتل؛ كان مباح الدم بحق القصاص.
قوله: "وهو بمنزلتك قبل أن تقتله" أي وهو مثلك مسلم قبل أن يقتل فكيف تقتله؟
ويستفاد من الحديث: إن تلفظ بكلمة التوحيد يحكم بإسلامه، ولكن هذا في حق المشرك الذي ينفي صانع العالم، أو يعترف بوجود الصانع ولكنه يشرك، وعن قريب يأتي الكلام فيه مستقصى.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عبد الله بن بكر، قال: ثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن النعمان، أن عمرو بن أوس أخبره أن أباه أوسًا قال: "إنا لقعود عند رسول الله ﷺ في الصفة وهو يقص علينا ويذكرنا إذا أتاه رجل فسارَّه، قال: اذهبوا فاقتلوه، فلما ولى الرجل دعاه رسول الله ﷺ فقال: أما تشهد أن لا إله إلا الله؟ قال الرجل: نعم، قال رسول الله ﵇: اذهبوا فخلوا سبيله فإنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ثم تحرم دماؤهم وأموالهم إلا بحقها".
стр. 6074
ش: إسناده صحيح.
وأبو بكرة بكار القاضي. والنعمان هو ابن سالم الطائفي، قال يحيى وأبو حاتم: ثقة، روى له الجماعة سوى البخاري.
وعمرو بن أوس بن عمرو الطائفي، روى له الجماعة.
وأبوه أوس بن أبي أوس، ويقال: أوس بن أوس الثقفي، عداده في الشاميين.
والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الله بن بكر السهمي، نا حاتم بن أبي صغيرة، عن النعمان بن سالم، أن عمرو بن أوس ... إلى آخره نحوه سواء. غير أن في لفظه بعد قوله: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإذا فعلوا ذلك حرمت عليَّ دماؤهم وأموالهم إلا بحقها".
وأخرجه النسائي (٢): من حديث النعمان بن بشير وعن رجل، عن النبي ﵇، وعن أوس، فقال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك، نا الأسود ابن عامر، ثنا إسرائيل، عن سماك، عن النعمان بن بشير قال: "كنا مع النبي ﷺ فجاء رجل فسارَّه، فقال: اقتلوه، ثم قال: أيشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، ولكنما يقولها تعوذًا، فقال رسول الله ﵇: لا تقتلوه؛ فإنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".
قال عبيد الله (٣): ثنا إسرائيل، عن سماك، عن النعمان بن سالم، عن رجل حدثه قال: "دخل علينا رسول الله ﵇ ونحن في قبة في مسجد المدينة -وقال فيه-: إنه أوحي إلي أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" نحوه.
стр. 6075
قال (١): أخبرنا أحمد بن سليمان، ثنا الحسين بن محمد بن أعين، ثنا زهير، ثنا سماك، عن النعمان بن سالم، قال: سمعت أوسًا يقول: "دخل علينا رسول الله ﵇ ونحن في قبة ... " وساق الحديث.
وقال ابن عساكر في "الأطراف": رواه أسود بن عامر، عن إسرائيل، عن سماك، عن النعمان بن بشير وأخطأ فيه.
قوله: "إنا لَقُعُود" بضم القاف: جمع قاعد، كالركوع جمع راكع، وسُجود جمع ساجد. و"اللام" فيه للتأكيد.
قوله: "ويُذَكِّرنا" من التذكير.
قوله: "إلا بحقها" أي إلا بحق الدماء.
وقد بيَّن رسول الله ﵇ أن الحق المبيح لدماء المسلمين بعد تحريمها: الزنا بعد الإحصان، وقتل النفس المحرمة، والإشراك بالله تعالى (٢).
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة ﵁ أخبره أن رسول الله ﵇ قال: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله".
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح.
ويونس الثاني هو ابن يزيد الأيلي.
وأخرجه البخاري في كتاب "الجهاد" (٣): عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة نحوه.
стр. 6076
ومسلم في "الإيمان" (١): عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو وحرملة وأحمد بن عيسى، عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري نحوه.
والنسائي في "الجهاد" (٢): عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي عن يونس.
قوله: "أُمِرْت" على صيغة المجهول، أي أمرني الله تعالى، وبناه هكذا إما للتعظيم وإما للعلم بالفاعل.
قوله: "عصم مني" أي منع مني ماله ونفسه، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (٣)، و ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٤)، و ﴿يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ (٤)، وقد فسَّره في حديث آخر بقوله: "حرم ماله ودمه"، قال عياض: واختصاصه ذلك بمن قال: لا إله إلا الله تعبير عن الإجابة إلى الإيمان, وأن المراد بها مشركي العرب وأهل الأوثان ومن لا يقر بالصانع ولا يوحده، وهم كانوا أول من دعي إلى الإِسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يُقرّ بالتوحيد والصانع فلا يُكتفي في عصمة دمه بقوله ذلك؛ إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده؛ فلذلك جاء في الحديث الآخر: "وأني رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة".
قوله: "وحسابه على الله" يعني حساب سِرِّه إن أظهر ما يحقن دمه ويعصمه وأبطن خلافه كما فعله المنافقين، فذلك إلى المُطَّلِع على السرائر، وأن حكم النبي ﵇ والأئمة من بعده إنما كان على الظاهر.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله.
стр. 6077
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعلى بن عبيد، قال: ثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر. وعن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا يزيد بن سنان، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا ابن عجلان، قال: سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: هذه ثلاث طرق أخرى وهي صحيحة:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة.
وأخرجه مالك في "موطإه".
الثاني: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يعلى بن عبيد الحنفي الطنافسي الكوفي، عن سليمان الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع المكي الإسكاف، عن جابر بن عبد الله.
وعن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة.
وأخرجه الأربعة:
فأبو داود (١): عن مسدد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها؛ منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".
والترمذي أخرجه في "الإيمان" (٢): عن هناد، عن أبي معاوية به.
وقال: حسن صحيح.
стр. 6078
والنسائي في "المحاربة" (١): عن المخرمي وأحمد بن حرب، عن أبي معاوية به.
وعن إسحاق بن إبراهيم، عن يعلى بن عبيد، عن الأعمش نحوه.
وابن ماجه في "الفتن" (٢): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي معاوية وحفص بن غياث عنه به.
الثالث: عن يزيد بن سنان القزاز، عن يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن عجلان المدني، عن أبيه عجلان مولى فاطمة بنت شيبة، عن أبي هريرة.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عمرو، نا يحيى، عن ابن عجلان، قال: سمعت أبي يحدث، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها؛ عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: إسناده صحيح.
وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد.
وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج.
وأبو الزبير هو محمد بن مسلم المكي.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا وكيع، عن سفيان (ح).
وعبد الرحمن، ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﵇: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم
стр. 6079
وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (١) ".
وأخرجه أيضًا (٢): عن أسود، عن شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر نحوه.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى أن من قال: لا إله إلا الله فقد صار بها مسلمًا له ما للمسلمين وعليه وما عليهم، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن المسيب، وطائفة من أهل الحديث، وجماعة من الظاهرية، فإنهم قالوا: من قال: لا إله إلا الله فقد صار مسلمًا، فلا يتعرض إليه، واستدلوا في ذلك بالأحاديث المذكورة.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا حجة لكم في هذا الحديث؛ لأن رسول الله ﵇ إنما كان يقاتل قومًا لا يوحدون الله ، فكان أحدهم إذا وحَّد الله عُلم بذلك تركه لما قوتل عليه وخروجه منه، ولم يُعلم بذلك دخولهم في الإِسلام أو بعض الملل التي توحد الله وتكفر به بجحدها رسله، وغير ذلك من الوجوه التي يكفر بها أهلها مع توحيدهم لله ، فكان حكم هؤلاء أن لا يقاتلوا إذا وقعت هذه الشبهة حتى تقوم الحجة على من يقالتهم بوجوب قتالهم؛ فلهذا كَفَّ رسول الله ﵇ عن قتال من كان يقاتل بقولهم لا إله إلا الله، فأما من سواهم من اليهود فإنا قد رأيناهم يشهدون أن لا إله إلا الله ويجحدون النبي ﵇، فليسوا بإقرارهم بتوحيد الله مسلمين؛ إذ كانوا جاحدين برسول الله ﵇، فإذا أقروا برسول الله ﵇ عُلِمَ بذلك خروجهم من اليهودية ولم يعلم به دخولهم في الإِسلام؛ لأنه قد يجوز أن يكونوا قد انتحلوا قول من يقول: إن محمدًا رسول الله إلى العرب خاصةً، وقد أمر رسول الله ﷺ حين بَعَثَ علي بن أبي طالب ﵁ إلى خيبر وأهلها
стр. 6080
يهود؛ بما حدثنا يونس، ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﵇: "لما دفع الراية إلى علي ﵁ حين وَجَّهه إلى خيبر قال: امض ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك، فسار علي ﵁ شيئًا ثم وقف فصرخ فقال: يا رسول الله على ماذا أقاتل؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله".
ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ قد كان أباح له قتالهم وإن شهدوا أن لا إله إلا الله حتى يشهدوا مع ذلك أن محمدًا رسول الله؛ لأنهم قد كانوا يوحدون الله ولا يقرون برسول الله ﷺ ، فأمر رسول الله ﷺ عليًّا ﵁ بقتالهم حتى يعلم خروجهم مما أمر بقتالهم عليه من اليهودية، كما أمر بقتال عبدة الأوثان حتى يعلم خروجهم مما قوتلوا عليه، وليس في إقرار اليهود أيضًا بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ما يجب أن يكونوا مسلمين، ولكن النبي ﵇ أمر بترك قتالهم إذا قالوا ذلك؛ لأنه قد يجوز أن يكونوا أرادوا به الإِسلام أو غير الإِسلام، فأمر بالكف عن قتالهم حتى يعلم ما أرادوا بذلك، كما ذكرنا فيما تقدم من مشركي العرب، وقد أتى اليهود إلى رسول الله ﵇ فأقروا بنبوته ولم يدخلوا في الإِسلام، فلم يقاتلهم على إبائهم الدخول في الإِسلام إذ لم يكونوا عنده بذلك الإقرار مسلمين.
حدثنا إبراهيم بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود وأبو أمية وأحمد بن داود وعبد العزيز بن معاوية، قالوا: ثنا أبو الوليد (ح).
وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود (ح).
وحدثنا أبو بشر الرقي، ثنا حجاج بن محمد (ح).
وحدثنا ابن أبي داود، ثنا عمرو بن مرزوق؛ قالوا: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن صفوان بن عسال: "أن يهوديًّا قال لصاحبه:
стр. 6081
تعال حتى نسأل هذا النبي، فقال له الآخر: لا تقل له: نبي فإنه إن سمعها صارت له أربعة عين، فأتاه فسأله عن هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ (١). فقال: لا تشركوا بالله شيئًا, ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا, ولا تزنوا, ولا تسحروا ,ولا تأكلوا الربا, ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ليقتله، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة اليهود أن لا تعتدوا في السبت. قال: فقبلوا يده وقالوا: نشهد إنك نبي، قال: فما يمنعكم أن تتبعوني، قالوا: إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخشى إن اتبعناك أن تقتلنا اليهود".
ففي هذا الحديث أن اليهود كانوا أقروا بنبوة رسول الله ﵇ مع توحيدهم لله تعالى فلم يأمر بترك قتالهم رسول الله ﵇ حتى يقروا بجميع مع يقر به المسلمون، فدلّ ذلك أنهم لم يكونوا بذلك القول مسلمين، وثبت أن الإِسلام لا يكون إلا بالمعاني التي يدل على الدخول في الإسلام، وترك سائر الملل.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم جماهير العلماء من الفقهاء والمحدثين، منهم: أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وأحمد في رواية صحيحة.
قوله: "وقالوا: لا حجة لكم" أي قال هؤلاء الآخرون، وهذه إشارة إلى الجواب عما احتجت به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من الأحاديث المذكورة.
وملخصه: أن المشرك وعابد الوثن أو النار أو نحوهما إذا قال: لا إله إلا الله؛ يحكم بإسلامه. والكافر الذي يوحد الله وينكر نبوة محمد ﵇، أو يعترف بنبوته ولكن يدعي أنها مخصوصة بالعرب إذا قال: لا إله إلا الله؛ لا يحكم بإسلامه حتى يقول: محمد رسول الله، ويتبرأ عن كل دين سوى دين الإِسلام.
стр. 6082
وقال صاحب "البدائع": الطرق التي يحكم بها كون الشخص مؤمنًا ثلاثة: نص ودلالة وتبعية:
أما النص: فهو أن يأتي بالشهادة أو بالشهادتين أو يأتي بهما مع التبرؤ مما هو عليه صريحًا، وبيان هذه الجملة أن الكفرة أصناف أربعة: صنف منهم ينكرون الصانع أصلاً وهم الدهرية المعطلة، وصنف منهم يقرون بالصانع وينكرون توحيده وهم الوثنية والمجوس، وصنف منهم يقرون بالصانع وتوحيده وينكرون الرسالة رأسًا وهم قوم من الفلاسفة، وصنف منهم يقرون بالصانع وتوحيده والرسالة في الجملة لكنهم ينكرون رسالة رسولنا محمد ﵇ وهم اليهود والنصارى.
فإن كان من الصنف الأول أو الثاني فقال: لا إله إلا الله يحكم بإسلامه؛ لأن هؤلاء يمتنعون عن الشهادتين أصلاً، فإذا أقروا بها كان ذلك دليل إيمانهم، وكذلك إذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله؛ لأنهم يمتنعون عن كل واحد من كلمتي الشهادتين، فكان الإتيان بواحدة منهما أيتهما؛ كانت دلالة الإيمان.
وإن كان من الصنف الثالث فقال: لا إله إلا الله؛ لا يحكم بإسلامه؛ لأن منكر الرسالة لا يمتنع عن هذه المقالة، ولو قال: أشهد أن محمدًا رسول الله يحكم بإسلامه؛ لأنه يمتنع عن هذه الشهادة، فكان الإقرار بها دليل الإيمان.
وإن كان من الصنف الرابع فأتى بالشهادتين فقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ لا يحكم بإسلامه حتى يتبرأ من الدين الذي هو عليه من اليهودية أو النصرانية؛ لأن من هؤلاء من يقر برسالة محمد ﵇ لكنه يقول: إنه بعث إلى العرب دون غيرهم؛ فلا يكون آتيًا بالشهادتين بدون التبرؤ دليلًا على إتيانه، وكذا لو قال يهودي أو نصراني: أنا مؤمن، أو مسلم، أو قال: آمنت أو أسلمت، لا يحكم بإسلامه؛ لأنهم يدعون أنهم مؤمنون وأن الإيمان والإِسلام هو الذي هم عليه.
وروى الحسن، عن أبي حنيفة: أنه إذا قال اليهودي أو النصراني: أنا مسلم أو قال: أسلمت، يُسأل عن ذلك: أي شيء أردت به؟ إن قال: أردت به ترك اليهودية أو النصرانية والدخول في دين الإِسلام يحكم بإسلامه حتى لو رجع عن
стр. 6083
ذلك كان مرتدًّا، وإن قال: أردت بقولي أسلمت أني على الحق ولم أرد بذلك الرجوع عن ديني، لم يحكم بإسلامه.
ولو قال يهودي أو نصراني: أشهد أن لا إله إلا الله وأتبرأ عن اليهودية أو النصرانية، لا يحكم بإسلامه؛ لأنهم لا يمتنعون عن التوحيد، والتبرؤ عن اليهودية أو النصرانية لا يكون دليل الدخول في دين الإِسلام لاحتمال أنه تبرأ عن ذلك ودخل في دين آخر سوى الإِسلام فلا يصلح التبرؤ دليل الإيمان مع الاحتمال، ولو أقر مع ذلك فقال: دخلت في دين الإِسلام أو في دين محمد ﵇ حكم بإسلامه لزوال الاحتمال بهذه القرينة.
وأما الدلالة: فنحو أن يصلي كتابي أو واحد من أهل الشرك في جماعة فيحكم بإسلامه عندنا خلافًا للشافعي، ولو صلى وحده لا يحكم بإسلامه، وكذا إذا أذن في مسجد جماعة يحكم بإسلامه، ولو قرأ القرآن لا يحكم بإسلامه، ولو حج فلو تهيّأ للإحرام ولبى وشهد المناسك مع المسلمين يحكم بإسلامه، وإن لبى ولم يشهد المناسك أو شهد المناسك ولم يلب؛ لا يحكم بإسلامه.
وأما التبعية: فإن الصبي يحكم بإسلامه تبعًا لأبويه عقل أو لم يعقل، ويحكم بإسلامه تبعًا للدار أيضًا, ولو كان أحدهما كتابيًّا والآخر مجوسيًّا فالولد كتابي؛ لأن المجوسي شر من الكتابي، انتهى.
ثم الكلام في أحاديث الباب:
أما في حديث أبي هريرة فأخرجه بإسناد صحيح: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة ﵁.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا إسحاق بن شاهين، نا خالد، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه، قال عمر ﵁: فما أحببت الإمارة إلا يومئذٍ، فدعا
стр. 6084
عليًّا ﵁ فبعثه فقال: اذهب فقاتل حتى يفتح الله على يديك ولا تلتفت، فمشى ساعةً ثم وقف فلم يلتفت، فقال: يا رسول الله علام أقاتل؟ قال: قاتلهم حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله". انتهى.
فهذا يدل على أن الكافر الذي يوحد الله تعالى إذا قال: لا إله إلا الله؛ لا يحكم بإسلامه حتى يقول مع ذلك: وأشهد أن محمدًا رسول الله.
وقال البغوي: إن كان الكافر وثنيًّا أو ثنويًّا لا يقر بالوحدانية فإذا قال: لا إله إلا الله حكم بإسلامه، ثم يجبر على قبول جميع الأحكام، وإن كان مقرًّا بالوحدانية منكرًا لنبوة نبينا ﷺ لم يحكم بإسلامه حتى يقول مع ذلك: محمد رسول الله، وإن كان يقر بالرسالة إلى العرب خاصةً لم يحكم بإسلامه حتى يقول: محمد رسول الله إلى جميع الخلق، أو يتبرأ من كل دين خالف الإِسلام، وإن كان كفره بجحود فرض أو استباحة محرم لم يصح إسلامه حتى يأتي بالشهادتين ويرجع عما اعتقده.
وأما حديث صفوان بن عسال ﵁ فأخرجه من أربع طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي وأبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي وأحمد بن داود المكي وعبد العزيز ابن معاوية القرشي العتابي خمستهم جميعًا، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن شعبة بن الحجاج، عن عمرو بن مرة بن عبد الله الجملي الكوفي الأعمى، عن عبد الله بن سَلِمَة -بكسر اللام- المرادي الكوفي، عن صفوان بن عسال المرادي الصحابي ﵁.
وأخرجه الترمذي في "التفسير" (١): ثنا محمود بن غيلان، قال: ثنا أبو داود ويزيد بن هارون وأبو الوليد -اللفظ لفظ يزيد، والمعنى واحد- عن شعبة،
стр. 6085
عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سَلِمة، عن صفوان بن عسال: "أن يهوديين قال أحدهما لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي نسأله, قال: لا تقل نبي؛ فإنه إن سمعها تقول: نبي كانت له أربعة أعين، فأتيا النبي ﵇ فسألاه عن قول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ (١). فقال رسول الله ﷺ : لا تشركوا بالله شيئًا, ولا تزنوا, ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تسرقوا, ولا تسحروا, ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف -شك شعبة- وعليكم يا معشر اليهود خاصة أن لا تعتدوا في السبت. فقبَّلا يديه ورجليه وقالا: نشهد إنك نبي، قال: فما يمنعكما أن تُسْلما؟ قالا: إن داود ﵇ دعا الله أن لا يزال في ذريته نبي وإنّا نخاف إن أسلمنا أن يقتلنا اليهود".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة ... إلى آخره.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (٢).
الثالث: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن حجاج بن محمد المصيصي الأعور، عن شعبة ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي في "المحاربة" (٣): عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن شعبة ... إلى آخره.
وفي "السير" (٤): عن أبي كريب وأبي قدامة، عن ابن إدريس بإسناده مثله.
стр. 6086
وأخرجه ابن ماجه في "الأدب" (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن إدريس وغندر وأبي أسامة، عن شعبة؛ ببعضه بقصة التقبيل.
الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن مرزوق البصري شيخ البخاري في التعليق، وأبي داود، عن شعبة ... إلى آخره.
وأخرجه الترمذي في كتاب"الاستئذان" (٢): عن أبي كريب، عن عبد الله بن إدريس وأبي أسامة، عن شعبة ... إلى آخره نحوه.
وقال: حديث حسن صحيح.
قوله: "تعال" أمر من تعالى يتعالى.
قوله: "فإنه إن سمعها"، أي إن سمع هذه اللفظ وهي قوله: "نبي".
قوله: "صارت له أربعة أعين" كناية عن فرحه ونشاطه إذا سمع هذه اللفظة وهي قوله: "نبي" ممن لا يؤمن به.
قوله: "يبرئ" فقيل: من برئ براءة يقال: فلان برئ من هذا الأمر إذا كان خاليًا عنه، ويجمع على بُرَآء نحو فَقِيه وفُقهاء، وبراء أيضًا نحو كريم وكِرَام، وأبراء مثل شريف وأشراف، وأبرياء مثل نصيب وأنصباء، وبريئون.
قوله: "ولا تقذفوا المحصنة" القذف ها هنا هو رمي المرأة بالزنا أو ما كان في معناه، وأصله الرمي، ثم استعمل في هذا المعنى حتى غلب عليه، يقال: قَذَفَ يَقْذِفُ قَذْفًا، فهو قاذف.
قوله: "لا تفروا من الزحف" الزحف: الجيش يزحفون إلى العدو أي يمشون، يقال: زحف إليه زحفًا: إذا مشى نحوه.
قوله: "وعليكم خاصة اليهود أن لا تعتدوا في السبت" معناه الزموا عدم الاعتداء في السبت، والاعتداء: هو الخروج عن الوضع الشرعي والسنة المأثورة.
стр. 6087
وانتصاب "خاصةً" على الحال، ومعناه: عليكم مختصين أيها اليهود أن لا تعتدوا في أمر السبت؛ لأن تعظيم السبت هو مخصوص باليهود.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: أن الشرك هو أعظم هذه الذنوب التسعة، وهي الكبائر وأكبرها وأعظمها الشرك بالله تعالى، ثم إن الكبيرة والصغيرة أمران نسبيان، فكل ذنب بالنسبة إلى ما فوقه صغيرة وبالنسبة إلى ما تحته كبيرة، غير أن الشرك ليس فوقه ذنب أعظم منه، وما سواه كله بالنسبة إليه صغائر، فيكون الشرك أكبر الكبائر وأعظم الذنوب.
الثاني: فيه النهي عن قتل النفس المحرمة: التي حرمها الله إلا بالحق وليس بعد الشرك ذنب أعظم عند الله من قتل النفس المحرمة.
الثالث: فيه النهي عن السرقة، وقد قال ﵇: "لا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" (١).
الرابع: فيه النهي عن الزنا، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (٢)، وقال ﵇: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (١).
الخامس: فيه النهي عن السحر، وقد روى عبد الرازق (٣)، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله ﷺ : "من تعلم شيئًا من السحر - قليلاً أو كثيرًا- كان آخر عهده من الله".
واختلف الناس في الساحر، فقالت طائفة: يقتل الساحر ولا يستتاب، والسحر كفر، وهو قول مالك.
وقال أبو حنيفة: يقتل الساحر.
стр. 6088
وقال الشافعي: إن كان الكلام الذي سحر به كفرا فالساحر مرتد، وإن كان ليس بكفر فلا يقتل؛ لأنه ليس بكافر، وهو مذهب الظاهرية أيضًا.
السادس: فيه النهي عن أكل الربا، وروى ابن مسعود ﵁ عن النبي ﵇: "أنه لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه".
الحديث صحيح.
السابع: فيه النهي عن النمّ على الغافل المتخلي عند الظلمة ليقتلوه أو يؤذوه أو يأخذوا ماله.
الثامن: فيه النهي عن قذف المحصنات، وروى أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله، وما هي؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وقذف المؤمنات ... " الحديث (١).
التاسع: فيه النهي عن الفرار عن الزحف؛ فإنه أيضًا من الكبائر.
ص: وقد روي عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﵇ قال: "أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا، حرمت علينا في دماؤهم وأموالهم إلا بحقها, لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم".
فدلَّ ما ذكر في هذا المعنى الذي يحرم به دماء الكفار ويصيرون به مسلمين؛ لأن ذلك هو ترك ملل الكفر كلها وجحدها، والمعنى الأول من توحيد الله خاصةً هو المعنى الذي يُكَف به عن القتال حتى يعلم ما أراد به قائله؟ الإِسلام أو غيره، حتى تصح هذه الآثار ولا تتضاد، فلا يكون الكافر مسلمًا محكومًا له وعليه بحكم الإِسلام حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويجحد كل دين سوى
стр. 6089
الإسلام ويتخلى عنه، كما قال رسول الله ﷺ فيما حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: ثنا أبو مالك سعد بن طارق بن أشيم، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ويتركوا ما يعبدون من دون الله، فإذا فعلوا ذلك حرمت عليّ دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الله بن بكر، قال: ثنا بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: "قلت: يا رسول الله، ما آية الإِسلام؟ قال: أن تقول: أسلمتُ وجهي لله وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتفارق المشركين إلى المسلمين".
فلما كان جواب رسول الله ﵇ لمعاوية بن حيدة لما سأله عن آية الإِسلام أن يقول: "أسلمت وجهي لله وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتفارق المشركين إلى المسلمين"، وكان التخلي هو ترك كل الأديان إلى الله ، ثبت بذلك أن من لم يتخل مما سوى الإِسلام لم يُعلم بذلك دخوله في الإِسلام.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي قد روي عن أنس بن مالك ما يدل على ما ذكرنا من أن الإِسلام لا يكون إلا بالمعاني التي يدل على الدخول في الإِسلام وترك سائر الملل؛ لأنه صرَّح في حديثه أن القتال لا يُكَف إلا عمن يأتي بالشهادتين، ويصلي صلاة المسلمين، ويسقبل قبلتهم، ويأكل ذبيحتهم، فهذا لا يكون إلا إذا تبرأ من سائر الملل سوى ملة الإِسلام.
ودلّ هذا أيضًا على أن المراد من الحديث الأول الذي فيه الكف عن قتال من قال: لا إله إلا الله لا غير من المشركين: هو أن يتُرك قتاله إلى أن يعلم ما أراد به هذا القائل من قوله هذا، أراد به الإِسلام أو غيره؟ فبهذا يحصل التوفيق بين أحاديث هذا الباب ولا تتضاد معانيها، فإذا كان الأمر كذلك فلا يحكم بإسلام الكافر حتى يتلفظ بالشهادتين ويجحد كل دين سوى دين الإِسلام على ما صرَّح به في حديث طارق بن أشيم ومعاوية بن حيدة ﵄.
стр. 6090
ثم إنه أخرج حديث أنس بإسناد صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن حميد، عن أنس، قال: قال رسول الله ﵇: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا؛ حُرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها, لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين".
وأخرجه الترمذي في كتاب "الإيمان" (٢): عن سعيد بن يعقوب بإسناده.
وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وأخرجه النسائي في "المحاربة" (٣): عن هارون بن محمد بن بكار بن بلال، عن محمد بن عيسى بن سميع، عن حميد نحوه.
وأخرجه البخاري تعليقًا (٤).
فهذا يدل على أن الكافر لا يصح إسلامه إلا أن يتلفظ بالشهادتين ويتبرأ عن كل دين سوى دين الإِسلام؛ لأن صلاته مع المسلمين واستقباله القبلة وأكله ذبيحة المسلمين يدل على أنه قد ترك كل الملل وجحدها سوى ملة الإِسلام، فعن هذا قال أصحابنا: إن الكافر إذا صلى مع الجماعة يحكم بإسلامه، وقد ذكرناه فيما مضى.
وأخرج حديث طارق بن أشيم: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن نعيم ابن حماد بن معاوية المروزي الفارض الأعور، فيه مقال، فعن النسائي: ليس بثقة. ولكن الجمهور وثقوه، وروى له الجماعة غير النسائي، وروى له مسلم في مقدمة كتابه.
عن مروان بن معاوية بن الحارث الفزاري الكوفي روى له الجماعة، عن أبي مالك
стр. 6091
سعد بن طارق الأشجعي الكوفي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن أبيه طارق بن أشيم بن مسعود الأشجعي الكوفي الصحابي ﵁.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، نا محمد بن أبي بكر المقدمي، نا فضيل بن سليمان، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه، أنه سمع رسول الله ﵇ يقول: "من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله؛ حرم الله ماله ودمه، وحسابه على الله".
وفيه دلالة صريحة على أن الكافر إذا قال: لا إله إلا الله، لا يحكم بإسلامه ولا يصح إسلامه حتى يكفر بما يعبد من دون الله، وهذا هو المراد من التبرؤ عن سائر الأديان سوى دين الإِسلام.
وأخرج حديث معاوية بن حيدة بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي البصري، عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري أبي عبد الملك البصري، عن أبيه حكيم بن معاوية القشيري البصري، عن جده معاوية بن حيدة بن معاوية القشيري الصحابي.
وأخرجه الطبراني مطولاً (٢): نا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: "أتيت رسول الله ﷺ فقلت: والله ما جئتك حتى حلفت بعدد أصابعي هذه أن لا أتبعك ولا أتبع دينك، وإني أتيت امرءًا لا أعقل شيئًا إلا ما علمني الله ورسوله، وإني أسألك بالله بما بعثك إلينا ربك؟ قال: اجلس، ثم قال: بالإِسلام، فقلت: وما آية الإِسلام؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتفارق الشرك، وأن كل مسلم على مسلم محرم أخوان نصيران، لا يقبل الله من مشرك أشرك من بعد إسلامه عملاً وإن ربي داعي وسائلي: هل بلغت عباده؟ فليبلغ
стр. 6092
شاهدكم غائبكم وإنكم تدعون مفدم على أفواهكم بالفدام، فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه وكفه. قلت: يا رسول الله وهذا ديننا؟ قال: نعم، فإنما تحشرون على وجوهكم وعلى أقدامكم وركبانًا".
وأخرجه ابن ماجه مختصرًا (١): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو أسامة، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله من مشرك أشرك بعدما أسلم عملاً حتى يفارق المشركين إلي المسلمين".
[قوله: "ما آية الإِسلام؟ " أي ما علامته.
قوله: "وتخليت" من التخلي وهو التفرغ، من الخلو، والمراد: التبرؤ من الشرك وترك كل الأديان سوى دين الإِسلام، وعقد القلب على الإيمان.
...
стр. 6093
ص: باب: بلوغ الصبي بما سوى الاحتلام فيكون بذلك في معنى البالغين في سهمان الرجال، وفي حلِّ قتله في دار الحرب إن كان حربيًّا
ش: أي هذا باب في بيان حكم الصبي الذي يحكم ببلوغه بما سوى الاحتلام، فيدخل بذلك في حكم البالغين في شيئين:
الأول: يكون له سهم كسهم الرجال.
الثاني: يحل قتله في دار الحرب إن كان من أهل الحرب.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا محمد بن صالح التمار، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه: "أن سعد بن معاذ ﵁ حكم على بني قريظة أن يقتل منهم من جرت عليه المواسي، وأن يقسم أموالهم وذراريهم، فذكر ذلك للنبي ﵇، فقال: لقد حكم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سموات".
ش: إسناده صحيح.
وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي.
وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ﵃.
وأخرجه النسائي في "المناقب" (١): عن محمد بن عبد الله المخرمي وهارون بن عبد الله، عن أبي عامر، عن محمد بن صالح، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد: "أن سعد بن معاذ حكم على بني قريظة أن يقتل منهم كل من جرت عليه المواسي ... " إلى آخره نحوه.
وقريظة والنضير: قبيلتان من يهود خيبر، وقد دخلوا في العرب على نسبهم إلى هارون أخي موسى ﵉.
стр. 6094
قوله: "من جرت عليه المواسي" أي من نبتت عانته؛ لأن المواسي إنما تجري على من أنبت، والمواسي جمع موسى وهو ما يحلق به، والميم فيه زائدة يقال: أوسى رأسه أي حلق.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: الاستدلال بإنبات العانة على البلوغ كما ذهبت إليه طائفة من أهل العلم، على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى.
الثاني: فيه جواز قسمة أموال الحرب وذراريهم.
الثالث: فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين ومهماتهم في الحرب وغيره، وهو ردٌّ على الخوارج إذ أنكروا التحكيم على علي ﵁.
الرابع: فيه النزول على حكم الإمام، وغيره جائز، ولهم الرجوع عنه ما لم يحكم فإذا حكم لم يكن للعدو الرجوع، ولهم أن ينتقلوا من حكم رجل إلى غيره.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عطية -رجل من بني قريظة- أخبره "أن أصحاب رسول الله ﵇ جردوه يوم قريظة فلم يروا المواسي جرت على شعره -يريد عانته- فتركوه من القتل".
حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي، قال: "كنت غلامًا يوم حكم سعد بن معاذ في بني قريظة أن يقتل مقاتلهم وتسبي ذراريهم، فشكُّوا فيَّ فلم يجدوني أنبت الشعر، فها أنا بين أظهركم".
حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، قال: حدثني عطية القرظي ... فدكر نحوه.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عطية ... نحوه.
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: أنا عبد الملك بن عمير، قال: حدثني عطية ... فذكر نحوه.
стр. 6095
ش: هذه خمس طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي نجيح المكي، عن مجاهد، عن عطية القرظي، له صحبة ولا يعرف له غير هذا الحديث.
وأخرجه الأربعة على ما نذكره.
وأخرجه الطبراني بهذا الإِسناد (١): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: "سمعت رجلاً في مسجد الكوفة يقول: كنت يوم حكم سعد بن معاذ في بني قريظة غلامًا فَشَكُّوا فيّ فلم يجدوا الموسى جرت عليّ؛ فاستبقيت".
الثاني: عن يونس أيضًا، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي، عن عطية.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا محمد بن كثير، قال: أنا سفيان، قال: ثنا عبد الملك ابن عمير، قال: حدثني عطية القرظي] (٣) قال: "كنت من سبي قريظة فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت".
وأخرجه الترمذي (٤): ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي قال: "عُرِضْنَا على النبي ﵇ يوم قريظة، فكان من أنبت قتل ومن لم ينبت خلى سبيله، فكنت ممن لم ينبت فخلى سبيلي".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.