← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

سعد بن طارق الأشجعي الكوفي روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن أبيه طارق بن أشيم بن مسعود الأشجعي الكوفي الصحابي ﵁. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، نا محمد بن أبي بكر المقدمي، نا فضيل بن سليمان، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه، أنه سمع رسول الله ﵇ يقول: "من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله؛ حرم الله ماله ودمه، وحسابه على الله". وفيه دلالة صريحة على أن الكافر إذا قال: لا إله إلا الله، لا يحكم بإسلامه ولا يصح إسلامه حتى يكفر بما يعبد من دون الله، وهذا هو المراد من التبرؤ عن سائر الأديان سوى دين الإِسلام. وأخرج حديث معاوية بن حيدة بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي البصري، عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري أبي عبد الملك البصري، عن أبيه حكيم بن معاوية القشيري البصري، عن جده معاوية بن حيدة بن معاوية القشيري الصحابي. وأخرجه الطبراني مطولاً (٢): نا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: "أتيت رسول الله ﷺ فقلت: والله ما جئتك حتى حلفت بعدد أصابعي هذه أن لا أتبعك ولا أتبع دينك، وإني أتيت امرءًا لا أعقل شيئًا إلا ما علمني الله ورسوله، وإني أسألك بالله بما بعثك إلينا ربك؟ قال: اجلس، ثم قال: بالإِسلام، فقلت: وما آية الإِسلام؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتفارق الشرك، وأن كل مسلم على مسلم محرم أخوان نصيران، لا يقبل الله من مشرك أشرك من بعد إسلامه عملاً وإن ربي داعي وسائلي: هل بلغت عباده؟ فليبلغ

стр. 6092

شاهدكم غائبكم وإنكم تدعون مفدم على أفواهكم بالفدام، فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه وكفه. قلت: يا رسول الله وهذا ديننا؟ قال: نعم، فإنما تحشرون على وجوهكم وعلى أقدامكم وركبانًا". وأخرجه ابن ماجه مختصرًا (١): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو أسامة، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقبل الله من مشرك أشرك بعدما أسلم عملاً حتى يفارق المشركين إلي المسلمين". [قوله: "ما آية الإِسلام؟ " أي ما علامته. قوله: "وتخليت" من التخلي وهو التفرغ، من الخلو، والمراد: التبرؤ من الشرك وترك كل الأديان سوى دين الإِسلام، وعقد القلب على الإيمان. ...

стр. 6093

ص: باب: بلوغ الصبي بما سوى الاحتلام فيكون بذلك في معنى البالغين في سهمان الرجال، وفي حلِّ قتله في دار الحرب إن كان حربيًّا ش: أي هذا باب في بيان حكم الصبي الذي يحكم ببلوغه بما سوى الاحتلام، فيدخل بذلك في حكم البالغين في شيئين: الأول: يكون له سهم كسهم الرجال. الثاني: يحل قتله في دار الحرب إن كان من أهل الحرب. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا محمد بن صالح التمار، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن أبيه: "أن سعد بن معاذ ﵁ حكم على بني قريظة أن يقتل منهم من جرت عليه المواسي، وأن يقسم أموالهم وذراريهم، فذكر ذلك للنبي ﵇، فقال: لقد حكم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سموات". ش: إسناده صحيح. وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي. وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ﵃. وأخرجه النسائي في "المناقب" (١): عن محمد بن عبد الله المخرمي وهارون بن عبد الله، عن أبي عامر، عن محمد بن صالح، عن سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد: "أن سعد بن معاذ حكم على بني قريظة أن يقتل منهم كل من جرت عليه المواسي ... " إلى آخره نحوه. وقريظة والنضير: قبيلتان من يهود خيبر، وقد دخلوا في العرب على نسبهم إلى هارون أخي موسى ﵉.

стр. 6094

قوله: "من جرت عليه المواسي" أي من نبتت عانته؛ لأن المواسي إنما تجري على من أنبت، والمواسي جمع موسى وهو ما يحلق به، والميم فيه زائدة يقال: أوسى رأسه أي حلق. ويستفاد منه أحكام: الأول: الاستدلال بإنبات العانة على البلوغ كما ذهبت إليه طائفة من أهل العلم، على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى. الثاني: فيه جواز قسمة أموال الحرب وذراريهم. الثالث: فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين ومهماتهم في الحرب وغيره، وهو ردٌّ على الخوارج إذ أنكروا التحكيم على علي ﵁. الرابع: فيه النزول على حكم الإمام، وغيره جائز، ولهم الرجوع عنه ما لم يحكم فإذا حكم لم يكن للعدو الرجوع، ولهم أن ينتقلوا من حكم رجل إلى غيره. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عطية -رجل من بني قريظة- أخبره "أن أصحاب رسول الله ﵇ جردوه يوم قريظة فلم يروا المواسي جرت على شعره -يريد عانته- فتركوه من القتل". حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي، قال: "كنت غلامًا يوم حكم سعد بن معاذ في بني قريظة أن يقتل مقاتلهم وتسبي ذراريهم، فشكُّوا فيَّ فلم يجدوني أنبت الشعر، فها أنا بين أظهركم". حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، قال: حدثني عطية القرظي ... فدكر نحوه. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عطية ... نحوه. حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: أنا عبد الملك بن عمير، قال: حدثني عطية ... فذكر نحوه.

стр. 6095

ش: هذه خمس طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي نجيح المكي، عن مجاهد، عن عطية القرظي، له صحبة ولا يعرف له غير هذا الحديث. وأخرجه الأربعة على ما نذكره. وأخرجه الطبراني بهذا الإِسناد (١): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: "سمعت رجلاً في مسجد الكوفة يقول: كنت يوم حكم سعد بن معاذ في بني قريظة غلامًا فَشَكُّوا فيّ فلم يجدوا الموسى جرت عليّ؛ فاستبقيت". الثاني: عن يونس أيضًا، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي، عن عطية. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا محمد بن كثير، قال: أنا سفيان، قال: ثنا عبد الملك ابن عمير، قال: حدثني عطية القرظي] (٣) قال: "كنت من سبي قريظة فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت". وأخرجه الترمذي (٤): ثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي قال: "عُرِضْنَا على النبي ﵇ يوم قريظة، فكان من أنبت قتل ومن لم ينبت خلى سبيله، فكنت ممن لم ينبت فخلى سبيلي". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 6096

الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن علي بن معبد بن شداد الرقي، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الملك بن عمير، عن عطية. وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (١): الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الملك بن جريج، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عطية. وأخرجه النسائي (٢): عن يونس بن عبد الأعلى ... إلى آخره نحوه. الخامس: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال الأنماطي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير، عن عطية. وأخرجه الطبراني (٣): ثنا زكرياء بن يحيى الساجي، ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير، حدثني عطية القرظي قال: "عُرضت على رسول الله ﷺ زمن قريظة فمن كان منا محتلمًا أنبت عانته قتل، فنظروا إليّ فلم أكن تنبت عانتي فتركت". ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد (ح). وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج (ح). وحدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قالوا: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي، عن عمارة بن خزيمة، عن كثير بن السائب، قال: حدثني أبناء قريظة: "أنهم عُرِضُوا على رسول الله ﷺ يوم قريظة، فمن كان محتلمًا أو نبتت عانته قتل، ومن لم يكن محتلمًا أو لم تنبت عانته لم يقتل".

стр. 6097

ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخطمي عمير بن يزيد المدني، عن عمارة بن خزيمة ابن ثابت الأنصاري الأوسي، عن كثير بن السائب. وأخرجه ابن الأثير في ترجمة كثير بن السائب وذكره في الصحابة، وذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين. وفي "التكميل": كثير بن السائب حجازي، عن أبناء قريظة "أنهم عرضوا على رسول الله ﵇ يوم قريظة" وعنه عمارة بن خزيمة بن ثابت. وقال ابن أبي حاتم: كثير بن السائب، عن محمود بن لبيد، وعنه محمد بن إسحاق وهشام بن عروة. كثير بن السائب، عن ابني قريظة، وعنه عمارة بن خزيمة. وقال ابن حبان في الثقات: كثير بن السائب، عن أنس، وعنه محمد بن عمرو بن علقمة. قال شيخنا: والله أعلم، أهم واحد أم اثنان أم ثلاثة؟. الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن المنهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة ... إلى آخره نحوه. وأخرجه أبو مسلم الكجي في "سننه": عن حجاج، عن حماد ... إلى آخره نحوه. الثالث: عن أحمد بن داود المكي، عن سليمان بن حرب الواشحي شيخ البخاري، عن حماد ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (١) وأحمد (٢).

стр. 6098

ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذه الآثار، فقالوا: لا يحكم لأحد بحكم البلوغ إلا بالاحتلام أو بإنبات العانة. ش: أراد بالقوم هؤلاء: أحمد بن حنبل وإسحاق ومالكًا في رواية وطائفة من الظاهرية، فإنهم قالوا: البلوغ يكون بالاحتلام وبإنبات العانة. وفي "المغني" لابن قدامة: والبلوغ يحصل بأحد أسباب ثلاثة: أحدها: الاحتلام، وهو خروج المني من ذكر الذكر أو قبل الأنثى في يقظة أو منام، وهذا لا خلاف فيه. الثاني: إنبات الشعر الخشن حول القبل، وهو علامة على البلوغ بدليل ما روى عطية القُرَظي الحديث الذي ذكرناه. الثالث: بلوغ خمس عشرة سنة. وهذه العلامات الثلاث في حق الذكر والأنثى، وتزيد الأنثى بعلامتين: الحيض والحمل. فمن لم توجد فيه علامة منهن فهو صبي يحرم قتله. ص: وذكروا في ذلك أيضًا عمن بعد رسول الله ﵇ من أصحابه ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: ثنا عمر بن محمد، عن نافع، عن أسلم مولى عمر، قال: "كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أمراء الأجناد أن لا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: أنا أيوب وعبيد الله، عن نافع، عن أسلم، عن عمر مثله. حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي حصين، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه: "أن عثمان ﵁ أتي بغلام قد سرق فقال: انظروا أخضر مئزره؟ فإن اخضر فاقطعوه، وإن لم يكن اخضر فلا تقطعوه".

стр. 6099

[حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني حرملة بن عمران التجيبي، أن تميم بن فرع المهري حدثه: "أنه كان في الجيش الذين فتحوا الإسكندرية في المرة الآخرة، فلم يقسم لي عمرو بن العاص من الفيء شيئًا، وقال: غلام لم يحتلم، حتى كاد يكون بين قومي وبين ناس من قريش في ذلك ثائرة، فقال القوم: فيكم ناس من أصحاب رسول الله ﷺ فسلوهم، فسألوا أبا بصرة الغفاري وعقبة بن عامر الجهني ﵄ صاحبي النبي ﵇، فقال: انظروا فإن كان أنبت الشعر فاقسموا له، فنظر إلى بعض القوم فإذا أنا قد أنبتت فقسم لي". ش: أي ذكر هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه آثارًا من الصحابة ﵃. فمن ذلك: ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب المصري، عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب المدني نزيل عسقلان، عن نافع مولى عبد الله بن عمر، عن أسلم أبي زيد المدني مولى عمر بن الخطاب ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبيد الله، عن نافع، عن أسلم مولى عمر: "أن عمر ﵁ كتب إلى عماله: لا تضربوا الجزية على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه الموسى، ويختم في أعناقهم ... " إلى آخره. وأخرج بهذا الإسناد أيضًا (٢): "أن عمر ﵁ كتب إلى عماله ينهاهم عن قتل النساء والصبيان، وأمرهم بقتل من جرت عليه الموسي". الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني وعبيد الله بن عمر، كلاهما عن نافع، عن أسلم ... إلى آخره.

стр. 6100

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن أسلم: "أن عمر ﵁ كتب إلى عماله أن لا تضربوا الجزية على النساء والصبيان ولا تضربوها إلا على كل من جرت عليه المواسي". ومنها ما روي عن عثمان ﵁، وأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي حَصِين -بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين- عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي. عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد، ويقال: إن عبيد بن عمير رأى النبي ﵇. والأثر أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع عن سفيان ومسروق، عن أبي حَصِين، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: "أتي عثمان ﵁ بغلام قد سرق فقال: انظروا إلى مؤتزره هل أنبت". قوله: "انظروا اخضر مئزره" أي موضع إزاره أي عانته، والمئزر بكسر الميم هو الإزار. ومنها ما روي عن أبي بصرة الغفاري وعقبة بن عامر الجهني ﵄. أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن حرملة بن عمران بن قراد التجيبي المصري ونسبته إلى تُجِيب -بضم التاء المثناة من فوق وكسر الميم- بطن من كِندة بن ثور. وهو يروي عن تميم بن الفرع المهري المصري، وثقه ابن حبان، وذكره ابن يونس في العلماء المصريين وروى له الأثر المذكور، وقال: تميم بن الفرع المهري: حضر فتح الإسكندرية الثاني سنة خمس وعشرين، روى عن عمرو بن العاص وعقبة بن عامر وأبي بصرة، حدث عنه حرملة بن عمران التجيبي: حدثنا علي بن الحسن بن قديد،

стр. 6101

ثنا أحمد بن عمرو، أبنا ابن وهب، حدثني حرملة بن عمران التجيبي، أن تميم بن فرع المهري حدثه: "أنه كان في الجيش الذين فتحوا الإسكندرية في المرة الآخرة، قال: فلم يقسم لي عمرو بن العاص من الفيء شيئًا وقال: غلام لم يحتلم. حتى كاد يكون بين قومي وبين ناس من قريش ثائرة في ذلك، فقال بعض القوم: فيكم ناس من أصحاب رسول الله ﵇ فسلوهم، فسألوا أبا بصرة الغفاري وعقبة بن عامر الجهني صاحبي النبي ﵇] (١) فقالا: انظروا فإن كان أنبت الشعر فاقسموا له، فنظر إلى بعض القوم، فإذا أنا قد أنبتّ، فقسم لي". قال أبو سعيد: لم نجد لتميم بن فرع غير هذا الحديث، وما علمت حدث عنه غير حرملة بن عمران. قوله: "ثائرة" أي فتنة حادثة وعداوة، وثأر الحرب وثائرتها: شرها وهيجها. قوله: "فسألوا أبا بَصْرة" بفتح الباء الموحدة وسكون الصاد المهملة، اسمه حُميل -بضم الحاء المهملة وفتح الميم وهو الصواب- وقيل: جميل بالجيم -الغفاري الصحابي، نزل مصر وبها مات. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: قد يكون البلوغ بهذين المعنيين، ويكون بمعنى ثالث، وهو أن يمر على الصبي خمسة عشر سنة لا يحتلم ولا ينبت، فهو بذلك أيضًا في حكم البالغين، واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بشر الرقي: ثنا أبو معاوية الضرير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: "عُرضت على النبي ﷺ في يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني في المقاتلة، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني في المقاتلة. قال نافع: فحدثت عمر بن عبد العزيز بهذا الحديث فقال: هذا أثر نتخذه بين الذراري والمقاتل، فأمر أمراء الأجناد أن يفرض لمن كان في أقل من خمسة عشر في الذرية، ومن كان في خمسة عشر في المقاتلة".

стр. 6102

حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا أبي، عن يعقوب بن إبراهيم أبي يوسف، عن عبيد الله ... فذكر بإسناده مثله. حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن عبيد الله ... فذكر بإسناده مثله، ولم يذكر ما فيه من قول نافع: "فحدثت بذلك عمر بن عبد العزيز ﵁ ... " إلى آخر الحديث. قالوا: فلما أجاز رسول الله ﷺ ابن عمر ﵄ لخمس عشرة، ورده لما دونها، ثبت بذلك أن حكم ابن خمس عشرة حكم البالغين في أحكامه كلها إلا من ظهر بلوغه قبل ذلك لمعنى من المعنيين. قالوا: وقد شدّ هذا المعنى أخذ عمر بن عبد العزيز وتأوله ذلك الحديث عليه، وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن وجميع أصحابنا، غير أن محمد بن الحسن كان يرى الإنبات دليلاً على البلوغ، وغير أبي حنيفة فإنه كان لا يجعل من مرت عليه خمس عشرة سنة ولم يحتلم ولم ينبت في معنى المحتلمين حتى يأتي عليه سبع عشرة سنة، فيما حدثني سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن محمد بن الحسن. وقد روي عنه أيضًا خلاف ذلك. حدثني أحمد بن أبي عمران، قال: ثنا محمد بن سماعة، قال: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: إذا أتت عليه ثمان عشرة سنة فقد صار بذلك في أحكام الرجال ولم يختلفوا عنه جميعًا، وهاتين الروايتين في الجارية أنها إذا مرت عليها سبع عشرة سنة أنها تكون بذلك كالتي حاضت، وكان أبو يوسف يجعل الغلام والجارية سواء في مرور الخمس عشرة سنة عليهما، ويجعلهما في ذلك في حكم البالغين، وكان محمد بن الحسن يذهب في الغلام إلى قول أبي يوسف، وفي الجارية إلى قول أبي حنيفة ﵁. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة وأراد بهم: الثوري ومالكًا في رواية والشافعي وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: يكون البلوغ بثلاثة أشياء: بالاحتلام،

стр. 6103

وبإنبات العانة، وبأن يمر على الصبي خمس عشرة سنة لا يحتلم ولا ينبت، فهو بذلك أيضًا يكون في أحكام البالغين في سهمان الرجال في الغنيمة وفي حِلّ قتله إذا كان من أهل الحرب. قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمر ﵄. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵃. الثاني: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني، عن أبيه شعيب، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم صاحب أبي حنيفة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر. الثالث: عن محمد بن خزيمة، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄. والحديث أخرجه الجماعة: فالبخاري في غزوة الخندق (١): عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇ عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه، وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه". ومسلم في كتاب "الإمارة والجماعة" (٢): عن محمد بن عبد الله بن نمير [، قال: نا أبي، قال: ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال:

стр. 6104

"عرضني رسول الله ﵇ يوم أحد في القتال وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضني يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني. قال نافع: فقدمت على عمر بن عبد العزيز ﵁ وهو يومئذٍ خليفة، فحدثته هذا الحديث، فقال: إن هذا الحد بين الصغير والكبير، فكتب إلى عماله أن يفرضوا لمن كان ابن خمس عشرة سنة، فما كان دون ذلك فاجعلوه في العيال". وأبو داود في "الخراج" (١) و"الحدود" (٢): عن أحمد بن حنبل، عن يحيى، عن عبيد الله به. وعن (٣) عثمان بن أبي شيبة، عن ابن إدريس، عن عبيد الله، قال: قال نافع: حدثت عمر بن عبد العزيز بهذا الحديث. والترمذي في "الأحكام" (٤): عن محمد بن وزير الواسطي، عن إسحاق بن يوسف الأزرق، عن سفيان، عن عبيد الله، بمعناه ولم يسم أُحُدًا ولا الخندق. وعن (٤) محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن عبيد الله نحوه. وقال: حسن صحيح. والنسائي في "الطلاق" (٥): عن أبي قدامة، عن يحيى، عن عبيد الله مثل الأول. وابن ماجه في "الحدود" (٦): عن علي بن محمد، عن عبد الله بن نمير وأبي معاوية وأبي أسامة، عن عبيد الله به. فهذا يدل على أن حكم ابن خمس عشرة كحكم البالغين في الأحكام كلها.

стр. 6105

قال الخطابي: قال الشافعي: إذا احتلم الغلام أو بلغ خمس عشرة؛ كان حكمه حكم البالغين في إقامة الحدود عليه، وكذلك الجارية. وأما الإنبات فلا يكون حد للبلوغ، وإنما يفصل به بين أهل الشرك فتقتل مقاتلتهم بالإنبات، وجعله أحمد وإسحاق بلوغًا، وحكي مثله عن مالك. فأما في السنن فإنه قال: إذا احتلم الغلام أو بلغ من السنن ما لا يبلغه غيره فحكمه حكم الرجال، ولم يجعل الخمس عشرة سنة حدًّا في ذلك. وقال أبو حنيفة في حد البلوغ: استكمال ثماني عشرة إلا أن يحتلم قبل ذلك، وفي الجارية سبع عشرة إلا أن تحيض قبل ذلك. وقال الخطابي أيضًا: يشبه أن يكون المعنى عند من فرق بين أهل الإِسلام وبين أهل الكفر حيث جعل الإنبات في الكفار ولم يعتبره في المسلمين؛ هو أن أهل الكفر لا يوقف على بلوغهم من جهة السن ولا يمكن الرجوع إلى قولهم؛ لأنهم متهمون في ذلك لدفع القتل عن أنفسهم. فأما المسلمون وأولادهم فقد يمكن الوقوف على مقادير أسنانهم؛ لأنها محفوظة وأوقات المواليد فيهم مؤرخة معلومة. قوله: "وقالوا" أي الآخرون: "وقد شدً هذا المعنى" وهو كون حكم ابن خمس عشرة سنة كحكم البالغين في أحكامهم كلها. ص: وكان من الحجة لأبي حنيفة على أبي يوسف ومحمد في حديث ابن عمر أنه قد يجوز أن يكون النبي ﵇ رده وهو ابن أربع عشرة سنة لا أنه غير بالغ، ولكن لما رأى من ضعفه، وأجازه وهو ابن خمس عشرة سنة لبس؛ لأنه بالغ، ولكن لما رأى من جَلَدِه وقوته، وقد يجوز أن يكون رسول الله ﵇ ما علم كم سنه في الحالين جميعًا، وقد فعل رسول الله ﵇ في سمرة بن جندب ما يدل على هذا أيضًا. حدثنا أحمد بن مسعود الخياط، قال: حدثنا محمد بن عيسى الطباع، قال: ثنا هشيم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن سمرة بن جندب، أن أمه -وكانت

стр. 6106

امرأة من فزارة فذهبت به إلى المدينة وهو صبي، وكثر خطابها وكانت امرأة جميلة، فجعلت تقول: لا أتزوج إلا من تكفل لي بابني هذا فتزوجها رجل على ذلك، فلما فرض النبي ﵇ لغلمان الأنصار لم يفرض له كأنه استصغره، فقال: يا رسول الله لقد فرضت لصبي أنا أصرعه ولم تفرض لي، قال: صارعه، فصرعه، ففرض له النبي ﵇ فلما أجاز رسول الله ﵇ سمرة بن جندب لما صارع الأنصاري، لا لأنه قد بلغ، احتمل أن يكون كذلك أيضًا ما فعل في ابن عمر أجازه حين أجازه لقوته لا لبلوغه، ورده حين رده لضعفه لا لعدم بلوغه، فانتفى بما ذكرنا أن يكون في ذلك حجة لأبي يوسف لاحتماله ما ذهب إليه أبو حنيفة؛ لأن أبا حنيفة لا ينكر أن يفرض للصبيان إذا كانوا يحتملون القتال ويشهدون الحرب وإن كانوا غير بالغين. ش: هذه إشارة إلى الجواب عما احتج به أبو يوسف ومحمد في بلوغ الصبي بالسن خمسة عشر سنة من حديث ابن عمر ﵄] (١) نصرة لأبي حنيفة. بيانه: أن حديث ابن عمر لا يتم به الاستدلال على ذلك من وجهين: الأول: أنه يحتمل أن يكون رد النبي ﵇ إياه وهو ابن أربع عشرة سنة لا لأجل أنه غير بالغ، بل لكونه ضعيفًا لا يقدر على القتال، وإجازته له وهو ابن خمس عشرة سنة لا لأجل أنه بالغ؛ بل لكونه جَلدًا قويًا على القتال. الثاني: يحتمل أن النبي ﵇ ما علم سن عبد الله في الحالين جميعًا، لا في وقت كون عمره ابن أربع عشرة سنة، ولا في وقت كونه ابن خمس عشرة سنة، والدليل على هذا: قصة سمرة بن جندب، وهي ظاهرة، فإذا كان الأمر كذلك لا يكون لأبي يوسف ومحمد حجة على أبي حنيفة في الاستدلال بحديث ابن عمر ﵄. وأخرج حديث سمرة بإسناد صحيح: عن أحمد بن مسعود الخياط ببيت المقدس شيخ الطبراني أيضًا، عن محمد بن عيسى بن نجيح البغدادي أبي جعفر الطباع شيخ أبي داود والبخاري في التعليقات، وثقه النسائي وابن حبان.

стр. 6107

عن هشيم بن بشير، عن عبد الحميد بن جعفر أبي حفص المدني، وثقه يحيى والنسائي وروى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن أبيه جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاري الأوسي المدني، روى له الجماعة غير البخاري. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا محمد بن عبدوس بن كامل السراج، ثنا إبراهيم بن عبد الله الهروي، ثنا هشيم، أنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه: "أن أم سمرة بن جندب مات عنها زوجها وترك ابنه سمرة، وكانت امرأة جميلة فقدمت المدينة فخطبت، فجعلت تقول: لا أتزوج رجلاً إلا رجلاً يتكفل لها بنفقة ابنها سمرة حتى يبلغ، فتزوجها رجل من الأنصار على ذلك وكانت معه في الأنصار، وكان النبي ﵇ يعرض غلمان الأنصار في كل عام فمن بلغ منهم بعثه، فعرضهم ذات عام فمرَّ به غلام فبعثه في البعث، وعرض عليه سمرة من بعده فردَّه، فقال سمرة: يا رسول الله أجزت غلامًا ورددتني ولو صارعني لصرعته؟! قال: فدونك فصارعه، قال: فصرعته، فأجازني في البعث". قوله: "إن أمه" ذكرها ابن الأثير في الصحابيات ولم يسمها. قوله: "فتزوجها رجل" قال ابن الأثير: كان من الأنصار، واسمه مُري بن شيبان بن ثعلبة، وكان سمرة في حجره إلى أن صار غلامًا. قوله: "فلما فرض النبى ﵇" أي فلما قدر لغلمان الأنصار أنصباء من الغنيمة ليخرجوا ويقاتلوا معه الكفار. ودلَّ ذلك على أن الإِمام له أن يفرض للصبيان إذا قدروا على القتال ولا يشترط البلوغ في ذلك، فكم من صبي جلد قوي يقدر على ما لا يقدر عليه البالغ، والله أعلم. ص: وقد روي عن البراء بن عازب فيما كان من رسول الله ﵇ في أمر ابن عمر خلاف ما روي عن ابن عمر.

стр. 6108

حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: "عرضني رسول الله ﵇ أنا وابن عمر يوم بدر، فاستصغرنا رسول الله ﵇، ثم أجازنا يوم أحد". ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ أجاز ابن عمر يوم أحد وهو يومئذ ابن أربع عشرة، فخالف ذلك ما في حديث ابن عمر، ولما انتفى أن يكون في ذلك الحديث حجة لأحد الفريقين على الآخر، التمسنا حكم ذلك من طريق النظر؛ لنستخرج من القولين اللذين ذهب أبو حنيفة إلى أحدهما وأبو يوسف إلى الآخر قولاً صحيحًا، فاعتبرنا ذلك فرأينا الله قد جعل عدة المرأة إذا كانت ممن تحيض ثلاثة قروء، وجعل عدتها إذا كانت ممن لا تحيض من صغر أو كبر ثلاثة أشهر فجعل بدلاً من كل حيضة شهرًا، وقد تكون المرأة تحيض في أول الشهر وفي آخره، فيجتمع لها من شهر واحد حيضتان، وقد يكون بين حيضتيها الشهران والأكثر، فجعلت الخلف من الحيضة على أغلب أمور النساء؛ لأن أكثرهن تحيض في كل شهر حيضة واحدة، فلما كان ذلك كذلك ورأينا الاحتلام يجب به للصبي حكم البالغين، فإذا عدم الاحتلام وأجمع أن هناك خلف منه، فقال قوم: هو بلوغ خمس عشرة، وقال آخرون: بل هو أكثر من ذلك من السنين، جعل ذلك الخلف على أكثر ما يكون فيه الاحتلام وهو خمس عشرة سنة؛ لأن أكثر احتلام الصبيان وحيض النساء في هذا المقدار يكون ولا يجعل على أقل من ذلك ولا على أكثر؛ لأن ذلك إنما يكون في الخاص، فلا يعتبر حكم الخاص في ذلك، ولكن يعتبر أمر العام كما يعتبر أمر الخاص فيما جعل خلفا من الحيض واعتبر أمر العام. فثبت بالنظر الصحيح في هذا الباب كله ما ذهب إليه أبو يوسف ﵀: بالنظر لا بالأثر، وانتفى ما ذهب إليه أبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله-. وقد روي عن سعيد بن جبير ﵁ في هذا نحو من قول أبي حنيفة الذي رواه عنه أبو يوسف.

стр. 6109

حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا ابن لهيعة عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير ﵁: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (١)، قال: ثماني عشرة سنة، ومثلها في سورة بني إسرائيل" (٢). ش: أشار بهذا الكلام إلى معنيين: الأول: أن حديث ابن عمر ﵄ الذي احتج به أبو يوسف ومحمد على أن الصبي إذا لم يحتلم وبلغ سِنه خمس عشرة سنة يكون حكمه حكم البالغين، واحتجَّا به على أبي حنيفة؛ معارض بحديث البراء بن عازب، الذي أخرجه بإسناد صحيح: عن محمد بن خزيمة، عن يوسف بن عدي شيخ البخاري، عن عبد الله بن إدريس، عن مطرف بن طريف الحارثي، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي. وأخرجه الطبرانى في "الكبير" (٣): ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثني عمي أبو بكر بن أبي شيبة، حدثني عبد الله بن إدريس، عن مطرف، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: "عُرضت أنا وابن عمر يوم بدر على النبي ﵇ فاستصغرنا، وشهدنا أحدًا". وأخرج البخاري في "الغازي" (٤): عن مسلم، عن شعبة. وعن محمود بن غيلان، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، أنه قال: "استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر، وكان المهاجرون نيفًا على الستين، والأنصار نيفًا على المائتين وأربعين". وجه المعارضة: أن في هذا الحديث: "ثم أجازنا يوم أحد"، وكان ابن عمر يوم

стр. 6110

أحد ابن أربع عشر سنة، وفي ذاك الحديث: "عرضت على رسول الله ﵇ في يوم أحد وأنا ابن أربع عشر سنة فلم يجزني في المقاتلة". فهذا تعارض ظاهر جليّ، فإذا كان كذلك لم يكن فيه حجة لأحد الفريقين على الآخر، فحينئذٍ يُحتاج في ذلك أن يُلتمس حكم هذا الباب من طريق النظر والقياس الصحيح ليُستخرج به من القولين قول صحيح يُعتمد عليه، وبيَّن الطحاوي ذلك بقوله: فرأينا الله قد جعل عدة المرأة ... إلى آخره. وهو ظاهر. قوله: "وأجمع أن هناك خلف" أي أجمع العلماء أن في عدم الاحتلام خلفًا وهو البلوغ بالسن، فقال قوم، وهم: أبو يوسف ومحمد والشافعي: هو بلوغ خمس عشرة، وقال قوم آخرون وهم: أبو حنيفة ومن تبعه فيما ذهب إليه من بلوغه في ثمان عشرة سنة. المعنى الثاني: أنه أشار إلى أن الصحيح الذي يقتضيه وجه النظر والقياس: هو قول أبي يوسف ومن تبعه في ذلك، وأنه هو اختياره أيضًا، وهو معنى قوله: "فثبت بالنظر الصحيح ... " إلى آخره، وإنما قال: بالنظر -يعني بالقياس- لا بالأثر؛ لأن الأثر الذي احتج به أبو يوسف فيما ذهب إليه ليس احتجاجه به تامًّا كما ذكرنا. قوله: "وابنَ عمر يوم بدر" بنصب الابن؛ لأنه عطف على الضمير المنصوب في قوله: "عرضني رسول الله ﵇"، وإنما ذكر قوله: "أنا" ليحسن العطف على الضمير؛ لئلا يتوهم عطف الاسم على الفعل. قوله: "وقد روي عن سعيد بن جبير في هذا" أي من أن البلوغ عند عدم الاحتلام بثماني عشرة سنة مثل قول أبي حنيفة. أخرجه عن روح بن الفرج القطان المصري شيخ الطبراني، عن يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المصري شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة المصري -فيه مقال- عن عطاء بن دينار الهذلي أبي طلحة المصري -ثقة- عن سعيد بن جبير ﵁.

стр. 6111

ص: باب: ما نهي عنه قتله من النساء والولدان في دار الحرب ش: أي هذا باب في بيان النهي الوارد عن قتل النساء والولدان في دار الحرب. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، قال: "كتب نجدة إلى ابن عباس ﵄ يسأله عن قتل الولدان فكتب إليه: إن رسول الله ﵇ كان لا يقتلهم". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا أبي، قال: سمعت قيسًا يحدث عن يزيد بن هرمز، قال: "كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله: هل كان النبي ﵇ يقتل من صبيان المشركين، فكتب إليه ابن عباس- وأنا حاضر-: إن رسول الله ﷺ كان لا يقتل منهم أحدًا". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر الزهراني، قال: ثنا إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ كان إذا بعث جيوشه قال: لا تقتلوا الولدان". ش: هذه ثلاث طرق: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن همام بن يحيى، عن قتادة بن دعامة، عن عكرمة مولى ابن عباس. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه الطيالسي في "مسنده". قوله: "كتب نجدة" بالنون والجيم وهو نجدة بن عامر الحروري صاحب يمامة. والحروري نسبة إلى حروراء قرية بأرض العراق قريبة من الكوفة. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن قيس بن سعد المكي، عن يزيد بن هرمز المدني، وهذا أيضًا إسناد صحيح.

стр. 6112

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري ومحمد بن علي، عن يزيد بن هرمز قال: "كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن قتل الولدان ويقول في كتابه: إن العالم صاحب موسى قد قتل الوليد، قال: فقال يزيد: أنا كتبت كتاب ابن عباس بيدي إلى نجدة: إنك كتبت تسأل عن قتل الولدان وتقول في كتابك: إن العالم صاحب موسى قد قتل الوليد، ولو كنت تعلم من الولدان ما علم ذلك العالم من ذلك الوليد قتلته، ولكنك لا تعلم، قد نهى رسول الله ﵇ عن قتلهم، فاعتزلهم". وأخرجه مسلم (٢): عن عبد الله بن مسلمة، عن سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه، عن يزيد بن هرمز: "أن نجدة كتب إلى ابن عباس ... " الحديث بطوله. وأخرجه أيضًا (٢): عن محمد بن حاتم، عن بهز، عن جرير بن حازم، عن قيس ابن سعد، عن يزيد بن هرمز، قال: "كتب نجدة إلى ابن عباس ... " الحديث. الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأنصاري الأشهلي المدني، وثقه أحمد، وضعفه النسائي. عن داود بن حصين القرشي الأموي أبي سليمان المدني، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا عبيد الله، قال: ثنا نافع، عن ابن عمر قال: "وجدت امرأة مقتولة في بعض المغازي، فنهاهم رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.

стр. 6113

حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇: "أنه نهى عن قتل النساء والصبيان". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا مالك، عن نافع، عن رسول الله ﵇ مثله، ولم يذكر ابن عمر ﵄. ش: هذه أربع طرق رجالهم ثقات. الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر بن الفرافصة العبدي -وثقه يحيى وغيره- عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄. والحديث أخرجه الجماعة غير ابن ماجه. فقال البخاري (١): ثنا أحمد بن يونس، نا الليث، عن نافع، أن عبد الله أخبره: "أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله ﵇ مقتولة؛ فأنكر رسول الله ﵇ قتل النساء والصبيان". وقال مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن بشر ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي. وقال أبو داود (٣): نا يزيد بن خالد بن موهب وقتيبة، قالا: ثنا الليث، عن نافع ... إلى آخره نحوه. وقال الترمذي (٤): ثنا قتيبة، قال: ثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر ... إلى آخره بنحوه.

стр. 6114

وقال النسائي (١): أنا قتيبة ... إلي آخره نحوه. الثاني: عن فهد بن سليمان أيضًا، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن جويرية بن أسماء البصري، عن نافع، عن عبد الله بن عمر. وأخرجه أحمد نحوه (٢). الثالث: عن محمد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني السكري شيخ أبي داود والنسائي، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر. وأخرجه محمد بن الحسن في "موطئه" (٣): عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ نحوه. وكذا رواه محمد بن المبارك الصوري وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك ويحيى بن صالح الوحاظي وعثمان بن عمر، كلهم عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇. الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن مالك، عن نامع، عن النبي ﵇. وهذا مقطوع. وأخرجه يحيى بن يحيى عن مالك هكذا مرسلًا. وكذا أخرجه أكثر رواة "الموطأ" (٤) عن مالك. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، قال: أخبرني ابن كعب بن مالك، عن عمه: "أن النبي ﵇ نهى عن قتل النساء والولدان حين بعث إلى ابن أبي الحقيق".

стр. 6115

حدثنا محمد بن عبد الله، قال: ثنا الوليد، قال: ثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك: "أن رسول الله ﵇ نهى الذين قتلوا ابن أبي الحقيق حين خرجوا إليه عن قتل النساء والولدان". ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن ابن كعب، هو عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري السلمي أبي الخطاب المدني، عن عمه [........] (١) عن النبي ﵇. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا ابن عيينة، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن عمه: "أن رسول الله ﵇ لما بعثه إلى ابن أبي الحقيق نهاه عن قتل النساء والولدان". وابن أبي الحقيق اسمه سلام بن أبي الحقيق، وهو أبو رافع، وكان ابن أخيه كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق زوج صفية بنت حيي بن أخطب. وقال ابن إسحاق: وكان أبو رافع فيمن حزَّب الأحزاب على رسول الله ﵇، واستأذنت الصحابةُ في قتله رسولَ الله ﵇ وكان في قصر له في أرض خيبر، فأذن لهم، فخرجوا إليه فخرج من الخزرج من بني سلمة خمسة نفر: عبد الله بن عتيك ومسعود بن سنان وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة الحارث بن ربعي وخزاعي بن أسود حليف لهم من أسلم، فخرجوا وأمَّر عليهم رسول الله ﵇ عبد الله بن عتيك ونهاهم أن يقتلوا وليدًا أو امرأة فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبي الحقيق ليلاً فدخلوا داره وهو نائم فقتلوه وذلك بعد قضية الخندق سنة خمس من الهجرة. قال أبو عمر: احتج مالك بقضية ابن أبي الحقيق على جواز قتل الذمي إذا سبَّ رسول الله ﵇.

стр. 6116

قلنا: الاستدلال بهذا لا يتم؛ لأن ابن أبي الحقيق كان حربيًّا ولم تكن له ذمة. الثاني: عن محمد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن مالك بن أنس، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه كعب بن مالك المدني الشاعر الصحابي، أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم وأنزل فيه: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ (١)، وأحد السبعين الذين شهدوا العقبة. قال أبو عمر: اتفق جماعة الرواة للموطأ على رواية هذا الحديث مرسلاً، وهم: يحيى بن يحيى وابن القاسم وبشر بن عمر وابن بكير وأبو المصعب وغيرهم. رووا عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن لكعب بن مالك الأنصاري -قال: حسبت أنه قال: عبد الرحمن بن كعب- أنه قال: "نهى رسول الله ﵇ الذين قتلوا ابن أبي الحقيق عن قتل النساء والولدان، قال: وكان رجل منهم يقول: برحت بنا امرأة ابن أبي الحقيق بالصياح فأرفع عليها السيف ثم أذكر نهي رسول الله ﵇ فأكفّ، ولولا ذلك لاسترحنا منها". وقال القعنبي: حسبت أنه قال: عبد الله بن كعب أو عبد الرحمن بن كعب. ورواه ابن وهب: عن مالك، عن الزهري، عن ابن لكعب بن مالك. لم يقل: عبد الله ولا عبد الرحمن. ورواه الوليد بن مسلم، عن مالك، وقال فيه: عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك: "أن رسول الله ﵇ نهى الذين قتلوا ... " إلى آخره. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أصبغ بن الفرج، قال: ثنا علي بن عابس، عن أبان بن ثعلب، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا بعث سرية قال لهم: لا تقتلوا وليدًا ولا امرأةً".

стр. 6117

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة (ح). وحدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا الفريابي، قالا: ثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ كان إذا بعث جيشًا كان مما يوصيهم أن لا يقتلوا وليدًا -قال أبو بشر في حديثه: قال علقمة: فجئت مقاتل بن حيان، فقال: حدثني مسلم بن هيصم، عن النعمان بن مقرن، عن النبي ﵇ مثله". حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح (ح). وحدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قالا: ثنا الليث، قال: حدثني جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن علقمة بن مرثد الحضرمي، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ كان إذا بعث أميرًا على جيش كان مما يوصيه به: أن لا يقتلوا وليدًا". ش: هذه خمس طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أصبغ بن الفرج بن سعيد الأموي المصري شيخ البخاري، عن علي بن عابس الأسدي الكوفي الملائي -بياع الملاء- الأزرق روى له الترمذي. عن أبان بن تغلب الكوفي القاري، روى له الجماعة إلا البخاري، عن علقمة بن مرثد الحضرمي أبي الحارث الكوفي، روى له الجماعة، عن ابن بريدة -وهو سليمان ابن بريدة الأسلمي- روى له الجماعة إلا البخاري، عن أبيه بريدة بن الحصيب الأسلمي الصحابي ﵁. وأخرجه أبو داود (١): نا أبو صالح الأنطاكي محبوب بن موسى، قال: ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن

стр. 6118

أبيه: أن النبي ﵇ قال: "اغزوا بسم الله وفي سبيل الله وقاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا ولا تغلُّوا ولا تمثلوا, ولا تقتلوا وليدًا". وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ إذا بعث سرية أو جيشًا قال: لا تقتلوا وليدًا". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه بريدة بن الحصيب. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عبد الرحمن، نا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵇ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغزوا بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلُّوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا ... " الحديث مطولاً. الثالث: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن [محمد] (٣) بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان ... إلى آخره. وأخرجه عبد الرزاق (٤): عن سفيان، عن علقمة ... إلى آخره نحوه. الرابع: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن جرير بن حازم، عن شعبة، عن علقمة ... إلى آخره.

стр. 6119

وأخرجه أبو حنيفة ﵁ في "مسنده" (١): عن علقمة نحوه. وروى عنه أبو يوسف في "إملائه". وروى أبو يعلى في "مسنده" (٢): من طريق أبي يوسف. الخامس: عن روح بن الفرج القطان، عن يحيى بن عبد الله بن بكير شيخ البخاري، عن الليث ... إلى آخره. وأخرجه العدني في "مسنده". قوله: "وليدًا" قال الجوهري: الوليد: الصبي والعبد، والجمع وُلدان وَوُلدة. والوليدة: الصبية، والجمع ولائد. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا قيس بن الربيع، قال: حدثني عمير بن عبد الله، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "نهى رسول الله ﵇ عن قتل النساء والولدان، وقال: هما لمن غلب". ش: أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري. وقيس بن الربيع الأسدي الكوفي، وثقه عفان، وضعفه يحيى والنسائي، وعن النسائي: متروك الحديث. روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه. وعمير بن عبد الله بن بشر الخثعمي الكوفي، وثقه ابن حبان. وعطية العوفي هو عطية بن سعد بن جنادة فيه مقال، فعن أحمد: ضعيف الحديث. وعن النسائي: ضعيف الحديث. وعن يحيى: صالح. وعن أبي زرعة: ليِّن. روى له أبو داود والترمذي والنسائي. وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك ﵁. وأخرجه صاحب "الخلعيات": أنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الحاج الإشبيلي، قال: ثنا أبو الفضل محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث سنة ثلاث وخمسين

стр. 6120

وثلاثمائة، قال: ثنا أبو الفضل عباس بن الفضل بن يونس الأسفاطي بمكة، قال: ثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، قال: ثنا قيس بن الربيع ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا محمد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا المغيرة بن عبد الرحمن القرشي، عن أبي الزناد، قال: حدثني المرقع بن صيفي، عن جده رباح بن أبي حنظلة الكاتب: "أنه خرج مع رسول الله ﵇ في غزاة غزاها وخالد بن الوليد ﵁ على مقدمته، حتى لحقهم رسول الله ﵇ على ناقته، فأفرجوا عن امرأة ينظرون إليها مقتولة، فبعث إلى خالد بن الوليد ﵁ ينهاه عن قتل النساء والولدان". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا المغيرة، عن أبي الزناد، قال: أخبرني المرقع بن صيفي، عن جده بلال بن ربيع: "أنه خرج مع رسول الله ﵇ ... " فذكر مثله، غير أنه قال: "لا تقتلن ذرية ولا عسيفًا". حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا المغيرة ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن محمد بن عبد الله بن ميمون، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث القرشي المخزومي المدني أحد فقهاء المدينة، وثقه يعقوب بن شيبة، وروى له أبو داود وابن ماجه. عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، روى له الجماعة. عن المرقع بن عبد الله بن صيفي بن رباح التميمي الحنظلي الأسيدي الكوفي، وثقه ابن حبان، ورى له هؤلاء الثلاثة. عن جده رباح -بالباء الموحدة، وقيل: بالياء آخر الحروف- بن أبي حنظلة التميمي الأسيدي أخي حنظلة الكاتب، قال عبد الغني: له حديث واحد.

стр. 6121

وأخرجه النسائي (١): عن قتيبة، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن المرقع بن صيفي بن رباح، عن جده رباح نحوه. قوله: "فأفرجوا عن امرأة" أي انكشفوا عنها، يقال: أفرج الناس عن طريقه أي انكشفوا. قوله: "مقتولة" نُصِبَ على الحال. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، عن المرقع بن صيفي، عن جده رباح بن الربيع -وهو رباح بن أبي حنظلة. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: ثنا عمر بن المرقع بن صيفي بن رباح، قال: حدثني أبي، عن جده رباح بن الربيع قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلاً فقال: انظر عَلَامَ اجتمع هؤلاء؟ فجاء فقال: على امرأة قتيل، فقال: ما كانت هذه لتقاتل، قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد ﵁ فبعث رجلاً فقال: قل لخالد: لا تقتلن امرأة ولا عسيفًا". الثالث: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن المغيرة بن عبد الرحمن ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني (٣): ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا سعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، نا المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن مرقع بن صيفي، عن جده رباح بن الربيع، قال: "كنا مع رسول الله ﵇ في غزوة وعلى مقدمة الناس خالد بن الوليد ﵁ فإذا بامرأة مقتولة على الطريق [يتعجبون من خلقها قد

стр. 6122

أصابتها المقدمة] (١) فأتى رسول الله فوقف عليها ثم قال لرجل: أدرك خالد بن الوليد فقل: لا تقتلن ذرية ولا عسيفًا". والعسف -بفتح العين وكسر السين المهملتين-: الأجير، ويجمع على عُسفاء. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن عبد الله بن ذكوان -وهو أبو الزناد- عن المرقع بن صيفي، عن حنظلة الكاتب، قال: "كنت مع رسول الله ﵇ فمر بامرأة لها خلق وقد اجتمعوا عليها، فلما جاء أفرجوا، فقال رسول الله ﵇: ما كانت هذه تقاتل. ثم أتبع رسول الله ﵇ خالدًا: أن لا تقتل امرأة ولا عسيفًا". حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا الفريابي، قال: ثنا سفيان ... فذكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن محمد بن خزيمة، عن يوسف بن عدي شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري ... إلى آخره. وأخرجه النسائي (٢): عن عمرو بن علي ومحمد بن مثنى، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن المرقع بن صيفي، عن حنظلة الكاتب قال: "كنا مع النبي ﵇ في غزوة فمررنا بامرأة مقتولة ... " إلى آخره نحوه. قوله: "أفرجوا" أي انكشفوا. الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن [محمد] (٣) بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن ذكوان، عن المرقع بن صيفي، عن حنظلة الكاتب.

стр. 6123

وأخرجه ابن ماجه (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان ... إلى آخره نحوه. واعلم أن الطحاوي ﵀: قد أخرج أحاديث النهي عن قتل الولدان والنسوان عن تسعة أنفس من الصحابة ﵃ وهم: عبد الله بن العباس، وعبد الله بن عمر، وابن كعب بن مالك عن عمه، وكعب بن مالك، وبريدة بن الحصيب، والنعمان بن مقرن، وأبو سعيد الخدري، ورباح بن أبي حنظلة، وحنظلة الكاتب. ولما أخرج الترمذي حديث بريدة قال: وفي الباب عن رباح ويقال: رباح بن الربيع والأسود بن سريع وابن عباس والصعب بن جثامة. قلت: وفي الباب أيضًا عن سمرة بن جندب وصفوان بن عسال وأنس بن مالك ﵃. أما حديث الأسود بن سريع: فأخرجه الطبراني في "معجمه" (٢): ثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، ثنا يزيد بن زريع، ثنا يونس، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، قال: "غزوت مع رسول الله ﵇، ففتح لهم فتناول بعض الناس قتل الولدان، فبلغ ذلك النبي ﵇ فقال: ما بال أقوام جاوز بهم القتل حتى قتلوا الذرية، فقال رجل: يا رسول الله إنما هم أبناء المشركين! فقال: خياركم أبناء المشركين، ألا لا تقتل الذرية؛ كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها ويُنَصِّرانها". وأما حديث الصعب بن جثامة: فأخرجه الطحاوي على ما يجيء إن شاء الله تعالى. وأما حديث سمرة بن جندب: فأخرجه أبو داود (٣): ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﵇: "اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم".

стр. 6124

وأما حديث صفوان بن عسال: فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) قال: [ثنا عفان، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد] (٢) قال: ثنا أبو روق عطية بن الحارث، قال: ثنا أبو الغريف عبيد الله بن خليفة، عن صفوان بن عسال: "أن النبي ﷺ كان إذا بعث سرية قال: لا تقتلوا وليدًا". وأما حديث أنس بن مالك ﵁: فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" أيضًا (٣): ثنا يحيى بن آدم، قال: ثنا حسن بن صالح، عن خالد بن الفرز، قال: حدثني أنس بن مالك قال: " [كنت] (٤) سفرة أصحابي وكنا إذا استنفرنا نزلنا بظهر المدينة حتى يخرج إلينا رسول الله ﵇ فيقول: انطلقوا باسم الله وفي سبيل الله، تقاتلون أعداء الله في سبيل الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا طفلًا صغيرًا ولا امرأةً، ولا تغلُّوا". ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى أنه لا يجوز قتل النساء والولدان في دار الحرب على حال، وأنه لا يحل أن يقصد إلى قتل غيرهم إذ كان لا يؤمن في ذلك تلفهم؛ من ذلك أن أهل الحرب إذا تترسوا بصبيانهم وكان المسلمون لا يستطيعون رميهم إلا بإصابة صبيانهم فحرام عليهم رميهم في قول هؤلاء، وكذلك إن تحصن أهل العرب بحصن وجعلوا فيه الولدان فحرام عليهم رمي ذلك الحصين عليهم إذا كنا نخاف في ذلك تلف نسائهم وولدانهم، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار التي رويناها في صدر هذا الباب. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي ومالكًا والشافعي في قول وأحمد في رواية, فإنهم قالوا: لا يجوز قتل النساء والولدان في دار الحرب بكل حال وأنه لا يحل أن يقصد إلى قتل غيرهم إذ كان لا يؤمن في ذلك -أي في قصد غيرهم- تلفهم -أي تلف الولدان والنساء- إلى آخر ما ذكره.

стр. 6125

وقال أبو عمر: اختلفوا في رمي الحصون بالمنجنيق إذا كان فيها أطفال المشركين أو أسارى المسلمين، فقال مالك: لا يرمى الحصن ولا تحرق سفينة الكفار إذا كان فيهم أسارى المسلمين. وقال الأوزاعي: إذا تترس الكفار بأطفال المسلمين لم يُرْمَوا, ولا تحرق المركب فيه أُسارى المسلمين. ص: ووافقهم آخرون على صحة هذه الآثار وعلى تواترها وقالوا: إنما وقع النهي في ذلك على القصد إلى قتل النساء والولدان، فأما على طلب قتل غيرهم ممن لا يوصل إلى ذلك منه إلا بتلف صبيانهم ونسائهم فلا بأس بذلك. ش: أي وافق القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: سفيان الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي -في الصحيح- وأحمد وإسحاق، وقالوا: نحن نوافقكم على صحة الأحاديث المذكورة، وأنها وردت بطرق صحيحة، ولكن المراد من النهي الوارد فيها هو أن تكون على القصد إلى قتل النساء والولدان، فأما إذا كان على طلب قتل غيرهم ممن لا يوصل إلى قتله إلا بتلف الصبيان أو النساء فلا بأس به. وقال أبو عمر: قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: لا بأس برمي حصون المشركين وإن كان فيها أسارى من المسلمين وأطفال من المسلمين أو المشركين ولا بأس أن تحرق السفن ويقصد به المشركون فإن أصابوا واحدًا من المسلمين بذلك؛ فلا دية ولا كفارة. وقال الثوري: إن أصابوه ففيه الكفارة ولا دية. وقال الأوزاعي: إذا تترسوا بأطفال المسلمين لم يرموا. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة ﵃ قال: "سئل رسول الله ﷺ عن أهل الديار من المشركين يبيتون ليلاً فيصاب من نسائهم وذراريهم، فقال: هم منهم".

стр. 6126

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عمرو ابن دينار، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة، قال: "قيل: يا رسول الله، أوطأت خيلنا أولادًا من أولاد المشركين، فقال رسول الله ﵇: هم من آبائهم". حدثنا أبو أمية، قال: ثنا سريج بن النعمان، قال: ثنا ابن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة قال: "قلنا: يا رسول الله، الدار من دور المشركين نصبحها في الغارة فنصيب الولدان تحت بطون الخيل ولا نشعر؟ فقال رسول الله ﷺ : إنهم منهم". فلما لم ينههم رسول الله ﵇ عن الغارة وقد كانوا يصيبون فيها الولدان والنساء الذين يحرم القصد إلى قتلهم؛ دلّ ذلك أن ما أباح في هذه الآثار لمعنى غير المعنى الذي من أجله حظر ما حظر في الآثار الأُوَل، وأن ما حظر في الآثار الأُوَل هو القصد إلى قتل النساء والولدان، والذي أباح هو القصد إلى المشركين وان كان في ذلك تلف غيرهم ممن لا يحصل القصد إلى تلفه؛ حتى تصح هذه الآثار المروية عن رسول الله ﷺ ولا تتضاد، وقد أمر رسول الله ﷺ بالاغارة على العدو، وأغار على آخرين في آثار عدد قد ذكرناها في باب "الدعاء قبل القتال" ولم يمنعه من ذلك ما يحيط علمنا أنه قد كان يعلم أنه لا يؤمن تلف الولدان والنساء في ذلك، ولكنه أباح ذلك لهم؛ لأن قصدهم كان إلى غير تلفهم فهذا يوافق معنى الذي ذكرت مما في حديث الصعب. والنظر يدل على ذلك أيضًا. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث الصعب بن جثامة فإنه يخبر أنه ﵇ لم ينههم عن الإغارة، والحال أنهم قد كانوا يصيبون في غاراتهم الولدان والنساء الذين حرم ﵇ القصد إلى قتلهم، فدلّ هذا أن الذي منع في الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى هو القصد إلى قتلهم، والذي في حديث الصعب هو القصد إلى قتل المشركين وإن كان في ضمن ذلك تلف الولدان والنساء، فبهذا المعنى حصل التوافق بين أحاديث هذا الباب وارتفع التضاد الظاهر.

стр. 6127

وأخرج حديث الصعب من ثلاث طرق: الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله -بتصغير الابن وتكبير الأب- ابن عتبة بن مسعود المدني الفقيه الأعمى، عن عبد الله بن عباس، عن الصعب بن جثامة الليثي الحجازي ﵁. وأخرجه الجماعة، فقال البخاري (١): ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، ثنا الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة قال: "مرَّ بي النبي ﵇ بالأبواء -أو بودان- وسُئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال: هم منهم". وقال مسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور وعمرو الناقد جميعًا، عن ابن عيينة -قال يحيى: أنا سفيان بن عيينة- عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة قال: "سئل رسول الله ﵇ عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: هم منهم". وقال أبو داود (٣): ثنا أحمد بن عمرو بن السرح، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة: "أنه سأل النبي ﷺ عن الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم، قال النبي ﵇: هم منهم، وكان عمرو: يعني ابن دينار يقول: هم من آبائهم. قال الزهري: ثم نهى رسول الله ﵇ بعد ذلك عن قتل النساء والولدان". وقال الترمذي (٤): ثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن

стр. 6128

الزهري، عن عبيد الله، عن عباس، قال: أخبرني الصعب بن جثامة قال: "قلت: يا رسول الله إن خيلنا أوطأت من نساء المشركين وأولادهم. قال: هم من آبائهم". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال النسائي (١): أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن والحارث بن مسكين -قراءةً عليه وأنا أسمع- أنا سفيان ... إلى آخره نحوه. وقال ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني (٣): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال وعارم أبو النعمان، قالا: ثنا حماد بن زيد، أنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: "قالوا: يا رسول الله إن خيلنا أوطأت أوادًا من أولاد المشركين، فقال رسول الله ﵇: هم من آبائهم" ولم يذكر الزهري ولا عبيد الله ولا الصعب. وأخرجه عبد الرزاق (٤): عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، أن ابن شهاب أخبره، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة: "أن النبي ﵇ قيل له: لو أن خيلاً أغارت من الليل فأصابت من أبناء المشركين؟ قال: هم من آبائهم". وأحْرجه مسلم (٥): عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق نحوه.

стр. 6129

الثالث: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن سريج -بضم السين المهملة وفي آخره جيم- ابن النعمان بن مروان الجوهري اللؤلؤي شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة -واسمه عمرو بن المغيرة- بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي المدني. عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله ... إلى آخره. وكل هؤلاء ثقات، غير أن عبد الرحمن بن أبي الزناد فيه مقال. وأبو الزناد اسمه عبد الله بن ذكوان. وأخرجه عبد الله بن أحمد في "مسنده" (١): حدثني داود بن عمرو الضبي، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، [عن الزهري] (٢)، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أن: "الصعب بن جثامة قال: يا رسول الله الدار من دور المشركين نصيبها بالغارة فنصيب الولدان تحت بطون الخيل ولا نشعر، فقال: إنهم منهم". وأخرجه الطبراني (٣): عن عبد الله بن أحمد نحوه. قوله: "عن أهل الديار" الديار جمع دار، وأراد بها ها هنا: القبائل، وكل قبيلة اجتمعت في محلة سميت تلك المحلة دارًا. قوله: "يُبيَّتُون" أي يصابون ليلاً، يقال: بَيَّتُّ العدو إذا قصدته في الليل بغتة، وهو البَيَاتُ أيضًا. وفي "شرح البخاري": البَيَات: أن يغار عليهم بالليل بحيث لا يعرف رجل من امرأة.

стр. 6130

قوله: "وذراريَّهم" بتشديد الياء وهو الفصيح، وقد تخفف وهو جمع ذُريَّة. قوله: "هم منهم" أي أحكام النساء والولدان من أحكام رجالهم وآبائهم؛ لأن أحكامهم جارية عليهم في أحوالهم. وقال الخطابي: "هم منهم" يريد في حكم الدين، فإن ولد الكافر محكوم له بالكفر، ولم يُرِد بهذا القول إباحة دمائهم تعمدًا لها وقصدًا إليها، وإنما هو إذا لم يمكن الوصولَ إلى الآباء إلا بهم فإذا أصيبوا لاختلاطهم بالآباء؛ لم يكن عليهم في قتلهم شيء، وقد نهى النبي ﵇ عن قتل النساء والصبيان، فكان ذلك على القصد لا قتال منهن، فإذا قاتلن فقد ارتفع الحظر، وأحل دماء الكفار إلا بشرائط الحقن. قلت: هذا الذي ذكره الخطابي خلاصة ما ذكره الطحاوي، وقد أخذه من كلامه. وقال الحازمي: رأى بعضهم حديث الصعب منسوخًا -منهم: ابن عيينة والزهري- بحديث الأسود بن سريع: "ألا لا تُقتلن ذرية"، وبحديث كعب بن مالك: "نهى عن قتل النساء والولدان إذ بعث إلى ابن أبي الحقيق". قال الشافعي: وحديث الصعب كان في عمرة النبي ﵇ فإن كان في الأولى فقتل ابن أبي الحقيق قبلها أو في سنتها، وإن كان في عمرته الآخرة فهو بعد ابن أبي الحقيق بلا شك. قال: ولم نعلمه رخص في قتل النساء والصبيان ثم نهى عنه. قلت: حديث الصعب كان في عمرة القضية؛ جاء ذلك في غير ما حديث صحيح، والوجه في أحاديث هذا الباب ما ذكره الطحاوي الذي قد قررناه عن قريب، والله أعلم. ص: وقد روي عن رسول الله ﷺ في الذي عضَّ ذراع رجل فانتزع ذراعه فسقط ثنيتا العاضّ أنه أبطل ذلك، وتواترت عنه الآثار في ذلك فمنها: ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبيّ، قال: ثنا ابن إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، عن عميه سلمة بن أمية ويعلى بن
следующие страницы →