← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عمرو ابن دينار، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة، قال: "قيل: يا رسول الله، أوطأت خيلنا أولادًا من أولاد المشركين، فقال رسول الله ﵇: هم من آبائهم". حدثنا أبو أمية، قال: ثنا سريج بن النعمان، قال: ثنا ابن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة قال: "قلنا: يا رسول الله، الدار من دور المشركين نصبحها في الغارة فنصيب الولدان تحت بطون الخيل ولا نشعر؟ فقال رسول الله ﷺ : إنهم منهم". فلما لم ينههم رسول الله ﵇ عن الغارة وقد كانوا يصيبون فيها الولدان والنساء الذين يحرم القصد إلى قتلهم؛ دلّ ذلك أن ما أباح في هذه الآثار لمعنى غير المعنى الذي من أجله حظر ما حظر في الآثار الأُوَل، وأن ما حظر في الآثار الأُوَل هو القصد إلى قتل النساء والولدان، والذي أباح هو القصد إلى المشركين وان كان في ذلك تلف غيرهم ممن لا يحصل القصد إلى تلفه؛ حتى تصح هذه الآثار المروية عن رسول الله ﷺ ولا تتضاد، وقد أمر رسول الله ﷺ بالاغارة على العدو، وأغار على آخرين في آثار عدد قد ذكرناها في باب "الدعاء قبل القتال" ولم يمنعه من ذلك ما يحيط علمنا أنه قد كان يعلم أنه لا يؤمن تلف الولدان والنساء في ذلك، ولكنه أباح ذلك لهم؛ لأن قصدهم كان إلى غير تلفهم فهذا يوافق معنى الذي ذكرت مما في حديث الصعب. والنظر يدل على ذلك أيضًا. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث الصعب بن جثامة فإنه يخبر أنه ﵇ لم ينههم عن الإغارة، والحال أنهم قد كانوا يصيبون في غاراتهم الولدان والنساء الذين حرم ﵇ القصد إلى قتلهم، فدلّ هذا أن الذي منع في الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى هو القصد إلى قتلهم، والذي في حديث الصعب هو القصد إلى قتل المشركين وإن كان في ضمن ذلك تلف الولدان والنساء، فبهذا المعنى حصل التوافق بين أحاديث هذا الباب وارتفع التضاد الظاهر.

стр. 6127

وأخرج حديث الصعب من ثلاث طرق: الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله -بتصغير الابن وتكبير الأب- ابن عتبة بن مسعود المدني الفقيه الأعمى، عن عبد الله بن عباس، عن الصعب بن جثامة الليثي الحجازي ﵁. وأخرجه الجماعة، فقال البخاري (١): ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، ثنا الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة قال: "مرَّ بي النبي ﵇ بالأبواء -أو بودان- وسُئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال: هم منهم". وقال مسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور وعمرو الناقد جميعًا، عن ابن عيينة -قال يحيى: أنا سفيان بن عيينة- عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة قال: "سئل رسول الله ﵇ عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: هم منهم". وقال أبو داود (٣): ثنا أحمد بن عمرو بن السرح، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة: "أنه سأل النبي ﷺ عن الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم، قال النبي ﵇: هم منهم، وكان عمرو: يعني ابن دينار يقول: هم من آبائهم. قال الزهري: ثم نهى رسول الله ﵇ بعد ذلك عن قتل النساء والولدان". وقال الترمذي (٤): ثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن

стр. 6128

الزهري، عن عبيد الله، عن عباس، قال: أخبرني الصعب بن جثامة قال: "قلت: يا رسول الله إن خيلنا أوطأت من نساء المشركين وأولادهم. قال: هم من آبائهم". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وقال النسائي (١): أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن والحارث بن مسكين -قراءةً عليه وأنا أسمع- أنا سفيان ... إلى آخره نحوه. وقال ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري ... إلى آخره نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار ... إلى آخره. وأخرجه الطبراني (٣): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن المنهال وعارم أبو النعمان، قالا: ثنا حماد بن زيد، أنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: "قالوا: يا رسول الله إن خيلنا أوطأت أوادًا من أولاد المشركين، فقال رسول الله ﵇: هم من آبائهم" ولم يذكر الزهري ولا عبيد الله ولا الصعب. وأخرجه عبد الرزاق (٤): عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، أن ابن شهاب أخبره، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة: "أن النبي ﵇ قيل له: لو أن خيلاً أغارت من الليل فأصابت من أبناء المشركين؟ قال: هم من آبائهم". وأحْرجه مسلم (٥): عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق نحوه.

стр. 6129

الثالث: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن سريج -بضم السين المهملة وفي آخره جيم- ابن النعمان بن مروان الجوهري اللؤلؤي شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة -واسمه عمرو بن المغيرة- بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي المدني. عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله ... إلى آخره. وكل هؤلاء ثقات، غير أن عبد الرحمن بن أبي الزناد فيه مقال. وأبو الزناد اسمه عبد الله بن ذكوان. وأخرجه عبد الله بن أحمد في "مسنده" (١): حدثني داود بن عمرو الضبي، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، [عن الزهري] (٢)، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أن: "الصعب بن جثامة قال: يا رسول الله الدار من دور المشركين نصيبها بالغارة فنصيب الولدان تحت بطون الخيل ولا نشعر، فقال: إنهم منهم". وأخرجه الطبراني (٣): عن عبد الله بن أحمد نحوه. قوله: "عن أهل الديار" الديار جمع دار، وأراد بها ها هنا: القبائل، وكل قبيلة اجتمعت في محلة سميت تلك المحلة دارًا. قوله: "يُبيَّتُون" أي يصابون ليلاً، يقال: بَيَّتُّ العدو إذا قصدته في الليل بغتة، وهو البَيَاتُ أيضًا. وفي "شرح البخاري": البَيَات: أن يغار عليهم بالليل بحيث لا يعرف رجل من امرأة.

стр. 6130

قوله: "وذراريَّهم" بتشديد الياء وهو الفصيح، وقد تخفف وهو جمع ذُريَّة. قوله: "هم منهم" أي أحكام النساء والولدان من أحكام رجالهم وآبائهم؛ لأن أحكامهم جارية عليهم في أحوالهم. وقال الخطابي: "هم منهم" يريد في حكم الدين، فإن ولد الكافر محكوم له بالكفر، ولم يُرِد بهذا القول إباحة دمائهم تعمدًا لها وقصدًا إليها، وإنما هو إذا لم يمكن الوصولَ إلى الآباء إلا بهم فإذا أصيبوا لاختلاطهم بالآباء؛ لم يكن عليهم في قتلهم شيء، وقد نهى النبي ﵇ عن قتل النساء والصبيان، فكان ذلك على القصد لا قتال منهن، فإذا قاتلن فقد ارتفع الحظر، وأحل دماء الكفار إلا بشرائط الحقن. قلت: هذا الذي ذكره الخطابي خلاصة ما ذكره الطحاوي، وقد أخذه من كلامه. وقال الحازمي: رأى بعضهم حديث الصعب منسوخًا -منهم: ابن عيينة والزهري- بحديث الأسود بن سريع: "ألا لا تُقتلن ذرية"، وبحديث كعب بن مالك: "نهى عن قتل النساء والولدان إذ بعث إلى ابن أبي الحقيق". قال الشافعي: وحديث الصعب كان في عمرة النبي ﵇ فإن كان في الأولى فقتل ابن أبي الحقيق قبلها أو في سنتها، وإن كان في عمرته الآخرة فهو بعد ابن أبي الحقيق بلا شك. قال: ولم نعلمه رخص في قتل النساء والصبيان ثم نهى عنه. قلت: حديث الصعب كان في عمرة القضية؛ جاء ذلك في غير ما حديث صحيح، والوجه في أحاديث هذا الباب ما ذكره الطحاوي الذي قد قررناه عن قريب، والله أعلم. ص: وقد روي عن رسول الله ﷺ في الذي عضَّ ذراع رجل فانتزع ذراعه فسقط ثنيتا العاضّ أنه أبطل ذلك، وتواترت عنه الآثار في ذلك فمنها: ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبيّ، قال: ثنا ابن إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، عن عميه سلمة بن أمية ويعلى بن

стр. 6131

أمية، قالا: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك ومعنا صاحب لنا فقاتل رجلاً من المسلمين، فعضَّ الرجل ذراعه فجبذها من فيه، فنزع ثنيته، فأتى الرجل النبي ﵇ يلتمس العقل، فقال: ينطلق أحدكم إلى أخيه فيعضه عضيض الفحل ثم يأتي يطلب العقل؟! لا عقل لها فأبطلها رسول الله ﵇". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، أن صفوان بن يعلى بن أمية حدثه، عن يعلى بن أمية قال: "كان لي أجير، فقاتل إنسانًا فعض أحدهما صاحبه فانتزع إصبعه فسقطت ثنيتاه، فجاء إلى رسول الله ﵇ فأهدر ثنيته -قال عطاء: حسبت أن صفوان قال: قال رسول الله ﷺ -: أيدع يده في فمك فتقضمها كقضم الجمل؟! ". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن يعلى بن أمية ... فذكر نحوه، إلا أنه قال: "كقضم البَكْر". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبان، قال: ثنا أبان، قال: ثنا قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين ﵁: "أن رجلاً عضَّ ذراع رجل، فانتزع ذراعه فسقطت ثنيتا الذي عضه، فقال رسول الله ﵇: أردت أن تقضم يد أخيك كما يقضم الفحل؟! فأبطلها". حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أنا شعبة، عن قتادة ... فذكر بإسناده مثله. فلما كان للمعضوض نزع يده وإن كان في ذلك تلف ثنايا غيره، وكان حرامًا عليه القصد إلى نزع ثنايا غيره بغير إخراج يده من فيه، ولم يكن القصد في ذلك إلى غير التلف كالقصد إلى التلف في الإثم ولا في وجوب العقل؛ كان كذلك كل من له أخذ شيء وفي أخذه إياه تلف غيره مما يحرم عليه القصد إلى تلفه، كان له القصد إلى أخذ مَا لَهُ أخذه من ذلك وإن كان فيه تلف ما يحرم عليه القصد إلى تلفه، فكذلك العدو قد حلَّ لنا قتالهم، وحُرِّم علينا قتال نسائهم وولدانهم، فحرام علينا القصد إلى

стр. 6132

ما نُهينا عنه من ذلك، وحلال لنا القصد إلى ما أبيح لنا وإن كان فيه تلف ما قد حُرِّم علينا من غيرهم، ولا ضمان علينا في ذلك. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: ذكر حكم العاضّ ها هنا شاهدًا لما ذكره من قوله في معرض الاحتجاج لأهل المقالة الثانية إنما وقع النهي في ذلك على القصد إلى قتل النساء والولدان، فإما على طلب قتل غيرهم ممن لا يوصل إلى ذلك منه إلا بتلف صبيانهم ونسائهم فلا بأس بذلك. تقرير الكلام: أن المعضوض لما كان له نزع يده من فم العاض وإن كان في ذلك تلف ثنايا العاض؛ لأن ذلك التلف يحصل ضمنًا لا قصدًا، والضمنيات لا تعلل، فكذلك حكم قتل نساء الكفار وأولادهم إذا كان في ضمن قتل الكفار من غير قصد إليهم، وهذه قاعدة مطردة في كل من فعل شيئًا لا يقدر على فعل ذلك الشيء إلا يتلف غيره الذي يحرم عليه القصد إلى تلفه ابتداء؛ فله فعل ذلك الشيء وإن كان فيه تلف ما يحرم عليه القصد إلى تلفه؛ لأنا قد ذكرنا أن تلف ذلك يحصل ضمنًا لا قصدًا فلا شيء لذلك، والله أعلم. قوله: "وكان حرامًا عليه القصد" "الواو" للحال وانتصاب "حرامًا" على أنه خبر "كان" مقدمًا على اسمه، وهو قوله "القصد". قوله: "ولا في وجوب العقل" بالعين والقاف: وهو الدية. قوله: "وفي أخذه إياه تلف غيره" الواو للحال، و"تلف غيره" مرفوع بالابتداء، وفي أخذه مقدمًا خبره، والضمير في "أخذه" يرجع إلى "من" وفي "إياه" إلى قوله: "شيء". قوله: "فحرام" مرفوع على أنه خبر عن قوله: "القصد" مقدمًا، وكذلك قوله: "وحلال لنا القصد".

стр. 6133

ثم إنه أخرج أحاديث هذا الباب عن ثلاثة من الصحابة ﵃، وهم: سلمة ابن أمية ويعلى بن أمية بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث التميميين المكيين، وعمران ابن الحصين ﵃. أما حديث سلمة ويعلى فأخرجه من ثلاث طرق: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الكندي الوهبي الحمصي شيخ البخاري في غير "الصحيح"، عن محمد بن إسحاق المدني، عن عطاء بن أبي رباح المكي، عن صفوان بن عبد الله، عن عميه سلمة ويعلى ابني أمية. وفي "التكميل": صفوان بن عبد الله التميمي، عن عميه سلمة ويعلى حديث الثنية، هكذا رواه محمد بن إسحاق، عن عطاء، عنه. وقد روى غير واحد، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه. وهو المحفوظ. قلت: وهكذا أخرجه النسائي (١): أنا عمران بن بكار، أنا أحمد بن خالد، نا محمد، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفوان بن عبد الله، عن عميه سلمة ويعلى ابني أمية قالا: "خرجنا مع رسول الله ﵇ في غزوة تبوك ومعنا صاحب لنا ... " إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غير أن في لفظه: "فطرح ثنيته". الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه يعلى بن أمية ... إلى آخره. وهؤلاء كلهم رجال الصحيح.

стр. 6134

وأخرجه أبو داود في "الديات" (١): عن مسدد، عن يحيى، عن ابن جريج، عن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه يعلى بن أمية ... إلى آخره نحوه. الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن شعبة بن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد، عن يعلى بن أمية ... إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه النسائي (٢): أنا مالك بن الخليل، نا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن يعلى بن مُنْيه: "أنه قاتل رجلاً، فعضّ أحدهما صاحبه، فانتزع يده من فيه، فقلع ثنيته، فرفع ذلك إلى النبي ﵇: [فقال] (٣) يعض أحدكم أخاه كما يعض البكر؟! فأبطلها" وله في رواية أخرى (٤): "فأطلها" أي أبطلها. قوله: "في غزوة تبوك" كانت غزوة تبوك في رجب سنة تسع من الهجرة. قوله: "فنزع ثنيته" وهي واحدة الثنايا من السن. قوله: "يلتمس العقل" أي يطلب العقل، أي الدية. قوله: "عضيض الفحل" قال ابن الأثير: أصل العضيض: اللزوم، يقال: عض عليه يعض عضيضًا إذا لزمه، والمراد به ها هنا: العضّ نفسه؛ لأنه بِعضِّه له؛ يلزمه. قوله: "فأهدر" من الإهدار وهو الإبطال. قوله: "أيدع يده" الهمزة فيه للاستفهام، أي أيترك. قوله: "فيقضمها" من القضم -بالضاد المعجمة- وهو الأكل بأطراف الأسنان.

стр. 6135

قوله: "كقضم البَكر" بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف، وهو الفتي من الإبل. وأما حديث عمران بن حصين ﵁ فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن حَبَّان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- ابن هلال الباهلي البصري، عن أبان بن يزيد العطار، عن قتادة بن دعامة، عن زرارة بن أوفى العامري، عن عمران بن حصين ﵁. وأخرجه النسائي (١): أنا محمد بن عبد الله بن المبارك، نا أبو هشام، نا أبان، نا قتادة، نا زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين: "أن رجلاً عضّ ذراع رجل فانتزع ثنيته، فانطلق إلى النبي ﵇ فذكر ذلك له، فقال: أردت أن تقضم ذراع أخيك كما يقضم الفحل؟! فأبطلها". وأخرجه الترمذي (٢): عن علي بن خشرم، عن عيسى بن يونس، عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت زرارة بن أوفى، به. وقال: حسن صحيح. الثاني: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة، عن عمران بن حصين. وأخرجه النسائي (٣): عن محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة ... إلى آخره نحوه. وأخرجه ابن ماجه (٤): عن علي بن محمد، عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن سعيد، عن قتادة، عن زرارة، به.

стр. 6136

ومما يستفاد منه: أن من عضَّ يد رجل فجذب المعضوض يده من فم العاضّ فسقطت ثنية العاضّ؛ لا يجب على المعضوض شيء. وفي "فتاوى الخشني": ولو عضّ ذراع رجل فجذبه من فيه فقضّ أسنان العاضّ وذهب بعض لحم ذراع هذا، فدية الأسنان هدر، وضمن العاضّ أرش ذراع هذا، وكذا ذكره في "خلاصة الفتاوى". ***

стр. 6137

ص: باب: الشيخ الكبير هل يقتل في دار الحرب أم لا ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم الشيخ الفاني الذي هو من أهل الحرب هل يجوز قتله أم لا؟ ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو أسامة، عن بُرَيد بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ قال: "لما فرغ رسول الله ﷺ من حنين؛ بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصُمَّة فقتل دريد، وهزم الله أصحابه". ش: إسناده صحيح. وأبو كريب محمد بن العلاء الهمداني شيخ الجماعة. وأبو أسامة حماد بن أسامة القرش الكوفي روى له الجماعة. وبُريد -بضم الباء الموحدة وفتح الراء- بن أبي بردة الكوفي، روى له الجماعة. وأبو بردة -بضم الباء الموحدة وسكون الراء- اسمه عامر، وقيل الحارث الكوفي روى له الجماعة. وأبوه أبو موسى الأشعري ﵁ واسمه عبد الله بن قيس. وأخرجه مسلم (١) مطولاً: ثنا عبد الله بن [براد] (٢) وأبو كريب -واللفظ لابن [براد] (٢) - قال: ثنا أبو أسامة، عن بريد بن أبي بردة، عن أبيه قال: "لما فرغ رسول الله ﵇ من حنين؛ بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد وهزم الله أصحابه، فرمي أبو عامر في ركبته رماه رجل من بني جشم بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار أن ذاك

стр. 6138

قاتلي. قال أبو موسى: فقصدت له فلحقته فاختلفنا ضربتين فقتلته، ثم رجعت إلى أبي عامر فنزعت السهم، فقال: يا ابن أخي انطلق إلى رسول الله ﵇، فأقرأه مني السلام وقيل له: يقول لك استغفر لي، ومكث يسيرا فمات، فلما رجعت إلى رسول الله ﵇ فأخبرته بخبر أبي عامر، وقلت له: قال: استغفر لي، فرفع يديه وقال: اللهم اغفر لعبدك أبي عامر، ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك". قوله: "من حنين" أي من غزوة حنين، وكانت في سنة ثمان من الهجرة. قوله: "بعث أبا عامر" وهو أبو عامر الأشعري عم أبي موسى الأشعري واسمه عبيد بن سليم، قتل يوم حنين، وقال ابن إسحاق: لما انهزمت هوازن ذهبت منهم فرقة فيهم الرئيس مالك بن عوف النضري، فلجئوا إلى الطائف فتحصنوا بها، وسارت فرقة فعسكروا بمكان يقال له: أوطاس، فبعث إليهم رسول الله ﵇ سرية من أصحابه عليهم أبو عامر الأشعري، فقاتلوهم فغلوبهم، فرمي أبو عامر بسهم فقُتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري، وهو ابن عمه فقاتلهم، ففتح الله عليه وهزمهم الله، ويزعمون أن سلمة بن دريد هو الذي رمى أبا عامر الأشعري بسهم فأصاب ركبته فقتله، وقال: إن تسألوا عني فإني سلمه ... ابن سمادير لمن توسمه أضرب بالسيف رءوس المسلمه وقيل: إن دريدًا هو الذي قتل أبا عامر وقتله أبو موسى، وذلك غلط؛ فإن دريدًا إنما حضر الحرب شيخًا كبيرًا ولم يباشر الحرب لكبره، قاله ابن الأثير في ترجمة أبي عامر. قوله: "إلى أوطاس" وهو موضع بين ذات عرق وبين غمرة. قوله: "فقتل دريد" أي دريد بن الصمة، قتله ربيع بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة السلمي الصحابي على ما يأتي، والصِّمَّة -بكسر الصاد وتشديد الميم-

стр. 6139

قال الجوهري: الصِّمَّة: الرجل الشجاع، والذكر من الحيات، وجمعه صمم، ومنه سمي دريد بن الصمة. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: لا بأس بقتل الشيخ الكبير في دار الحرب. واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وبأن دريدًا قد كان حينئذٍ في حال من لا يقاتل. ورووا في ذلك ما حدثنا فهد، قال: ثنا يوسف بن بهلول، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: "وجّه رسول الله ﵇ قِبل أوطاس فأدرك دريدَ بن الصمة ربيعٌ بن رفيع فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة فإذا هو شيخ كبير، قال: ماذا تريد مني؟ قال: أقتلك، ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئًا، قال: بئس ما سلحتك أمك، خذ سيفي هذا من مؤخر رحلي ثم اضرب وارفع عن العظام وارفع عن الدماغ فإني كذلك كنت أقتل الرجال". قالوا: فلما قتل دريد وهو شيخ كبير فان لا يدفع عن نفسه، فلم يعب ذلك رسول الله - صلى الله عميه وسلم -؛ دلَّ ذلك أن الشيخ الفاني يُقتل في دار الحرب، وأن حكمه في ذلك حكم الشبان لا حكم النساء. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري والشافعي -في أصح قوله- ومحمد بن جرير الطبري؛ فإنهم قالوا: لا بأس بقتل الشيخ الكبير في دار الحرب، وبه قال ابن المنذر. قال أبو عمر: قال الطبري: يقتل الأعمى وذو الزمانة والمقعد والشيخ الفاني والراعي والحراث والسائح والراهب وكل مشرك؛ حاشا ما استثناه الله تعالى على لسان نبيه ﵇ من النساء والولدان وأصحاب الصوامع. قال: والمغلوب على عقله في حكم الطفل. قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه بهذا الحديث، أي بحديث أبي موسى الأشعري المذكور.

стр. 6140

قوله: "وبأن دريدًا" أي احتجوا أيضًا بأن دريد بن الصِّمة قد كان حينئذ -أي حين قتلوه- في حال من لا يقاتل مثل النساء والصبيان، ورووا في ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق: "أن رسول الله ﵇ ... " إلى آخره. أخرجه بإسناد رجاله ثقات، ولكنه منقطع معضل. قوله "ربيع بن رفيع" هو في رواية الكلبي وابن حبيب هكذا هو ربيع، ولكنهما قالا: ربيع بن ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن ضبيعة الذي قتل دريد بن الصِّمة. وقال غيرهما: ربيعة بن رفيع بن أهبان السلمي كان يقال له: ابن الدغنة، وهي أمه فغلبت عليه. قوله: "بئس ما سلحتك أمك" من سَلَح يَسْلَحَ -بفتح عين الفعل فيهما- سلخًا إذا خزي، والسلاح -بالضم-: النجو. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا ينبغي قتل الشيوخ في دار الحرب، وهم في ذلك كالنساء والذرية. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: راشد بن سعد ومجاهد بن جبر والضحاك والزهري والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكاً وأحمد والشافعي في قول، فإنهم قالوا: لا ينبغي قتل الشيخ الفاني في دار الحرب إلا أن يقاتل أو يكون ذا رأي. وروي ذلك عن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس ﵃. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أصبغ بن الفرج، قال: ثنا علي بن عباس، عن أبان بن تغلب، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: "كان رسول الله ﵇ إذا بعث سرية قال: "لا تقتلوا شيخًا كبيرًا". قال أبو جعفر ﵀: ففي هذا الحديث المنع من قتل الشيوخ، وقد قال رسول الله ﵇ في حديث مرقع بن صيفي في المرأة المقتولة: "ما كانت هذه تقاتل",

стр. 6141

فدلَّ ذلك أن من أبيح قتله هو الذي يقاتل، ولكن لما روي حديث دريد هذا وهذه الأحاديث الآخر وجب أن تصحح ولا يدفع بعضها بعضًا، والنهي من رسول الله ﵇ في قتل الشيوخ في دار الحرب ثابت في الشيوخ الذين لا معونة لهم على شيء من أمر الحرب من قتال ولا رأي. وحديث دريد على الشيوخ الذين لهم معونة في الحرب كما كان لدريد فلا بأس بقتلهم وإن لم يكونوا يقاتلون؛ لأن تلك المعونة التي تكون منهم أشد من كثير القتال، ولعل القتال لا يلتئم لمن يقاتل إلا بها، فإذا كان ذلك كذلك قتلوا، والدليل على ذلك قول رسول الله ﵇ في حديث رباح أخي حنظلة في المرأة المقتولة: "ما كانت هذه تقاتل" أي فلا تقتل؛ لأنها لا تقاتل، فإذا قاتلت قُتلت وارتفعت العلة التي لها منع من قتلها، وفي قتلهم دريد بن الصمة للعلة التي ذكرنا دليل أنه لا بأس بقتل المرأة إذا كانت أيضًا في تدبيرها لأمور الحرب كالشيخ الكبير في تدبيره لأمور الحرب، فهذا الذي ذكرنا هو الذي يوجبه تصحيح معاني هذه الآثار. وقد نهى رسول الله ﵇ عن قتل أصحاب الصوامع: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ كان إذا بعث جيوشه قال: لا تقتلوا أصحاب الصوامع". فلما جرت سنة رسول الله ﵇ على ترك قتل أصحاب الصوامع الذين قد حسبوا أنفسهم عن الناس وانقطعوا عنهم، وأمن المسلمون من ناحيتهم؛ دلّ ذلك على أن كل من أمن المسلمون من ناحيته من شيخ فانٍ أو امرأة أو صبي؛ كذلك أيضًا لا يقتلون، فهذا وجه هذا الباب. وهو قول محمد بن الحسن، وهو قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف -رحمهما الله-. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث بريدة بن الحصيب؛ فإن فيه النهي صريحًا عن قتل الشيخ الكبير.

стр. 6142

وأخرجه بعين هذا الإسناد في الباب الذي قبله، ولكن متن الحديث هناك "كان رسول الله ﵇ إذا بعث سرية قال لهم: لا تقتلوا وليدًا ولا امرأة"، ومتنه ها هنا: "إذا بعث سرية قال: لا تقتلوا شيخًا كبيرًا"، والظاهر أن هذا من تتمة ذاك. ثم وجه التوفيق بينه وبين حديث دريد بن الصمة: أن ما وقع في حديث دريد محمول على قتل الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا تدبير في أمور الحرب، فبهذا المعنى يرتفع التضاد بين هذه الأحاديث. فإذا كان الأمر كذلك يقتل الشيخ الذي له رأي في أمور الحرب، وتقتل المرأة التي لها رأي أو كانت ممن يقاتل، والذي لا رأي له ولا يقاتل لا يقتل كالصبي والمجنون وأصحاب الصوامع، فإنهم أيضًا لا يقاتلون، والناس من جهتهم آمنون، وعن هذا قال الثوري: لا يقتل الشيخ ولا المرأة ولا المقعد ولا الطفل. وقال الأوزاعي: لا يقتل الحراث ولا الزراع ولا الشيخ الكبير ولا المجنون ولا الراهب ولا المرأة. ثم إن من قاتل من هؤلاء قتُل لا محالة، وعليه جمهور الفقهاء. وممن رأى ذلك: الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور. واختلفوا في قتل النساء والصبيان إذا قاتلوا، فالجمهور على أنهم إذا قاتلوا قتُلوا. فإن قيل: أخرج أبو داود (١) والترمذي (٢): من حديث سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم"، فإنه عام يتناول الشيخ الكبير الذي له رأي والذي لا رأي له. قلت: هو أيضًا محمول على الشيوخ الذين لهم رأي وتدبير في أمور الحرب؛ فإن الرأي الذي يحصل من الشيخ الكبير أشدُّ في الحرب من القتال، ويقال: أراد بالشيوخ البالغين؛ بدليل ذكر الشرح في مقابلتهم، فإن المراد من الشرح الصغار الذين لم يدركوا، فصار تأويل الخبر: اقتلوا البالغين واستبقوا الصبيان.

стр. 6143

قلت: الشَّرْخ -بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وفي آخره خاء معجمه- جمع شارخ كَرَكْب جمع رَاكِب وصَحْب جمع صَاحِب، ويقال: هو مصدر يقع على الواحد والمثنى والجمع. وشرخ الشباب: أوله، وقيل: نضارته وقوته. قوله: "وقد نهى رسول الله ﵇ عن قتل أصحاب الصوامع ... " إلى آخره، ذكر هذا شاهدًا لقوله، فدلَّ ذلك أن من أبيح قتله هو الذي يقاتل، وأصحاب الصوامع لا يقاتلون؛ لأن الناس آمنون من جهتهم؛ لأنهم قد حبسوا أنفسهم عن الناس وانقطعوا للعبادة في زعمهم حتى إذا كانوا ذوي رأي وتدبير في الحرب يُقتلون، وهذا لا خلاف فيه. وقوله: "حدثنا ابن مرزوق ... " إلى آخره، بيان لقوله: "وقد نهى رسول الله ﵇ عن قتل أصحاب الصوامع". وإسناده صحيح ورجاله ثقات. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن شيخ من أهل المدينة مولى لبني عبد الأشهل، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ كان إذا بعث جيوشه، قال: لا تقتلوا أصحاب الصوامع" انتهى. وأراد بهم: الرهابين والمنقطعين فيها. والصوامع: جمع صومعة، وهي متعبد النصارى. وذكرها الجوهري في باب "صمع"، فقال: أتانا بثريدة مصمعة: إذا دققت وحدد رأسها، وصومعة النصارى فوعلة من هذا؛ لأنها دقيقة الرأس. ...

стр. 6144

ص: باب: الرجل يقتل قتيلاً في دار الحرب هل يكون له سلبه أم لا ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يقتل محاربًا من أهل الحرب هل يكون له سلبه أم لا؟ والسَّلَب: بفتحتين على وزن فَعَل بمعنى مفعول أي مسلوب، وهو ما يأخذه أحد القرنين في الحرب من قرنه، مما يكون عليه ومعه من سلاح وثياب ودابة وغيرها. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، قال: ثنا ابن الماجشون, قال: ثنا صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﷺ جعل السلب للقاتل". ش: إسناده صحيح. وسعيد بن سليمان الواسطي المعروف بسعدويه شيخ البخاري وأبي داود. وابن الماجشون هو يوسف بن يعقوب بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، روى له الجماعة. وصالح بن إبراهيم روى له الشيخان. وأبوه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني، يقال: إنه ولد في حياة النبي ﵇، وشهد الدار مع عثمان ﵁، قال العجلي: تابعي ثقة مدني. روى له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه. وجده عبد الرحمن بن عوف ﵁. وأخرجه البخاري (١): ثنا مسدد، قال: ثنا يوسف بن يعقوب الماجشون، عن صالح بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف قال: "بينا أنا واقف يوم بدر في الصف؛ نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين حديثة

стр. 6145

أسنانهما من الأنصار، فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عمّ، هل تعرف أبا جهل؟ قال: قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أُخبرت أنه يسب رسول الله ﵇، والذي نفسي بيده لو رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. قال: فتعجبت من ذلك، فغمزني الآخر فقال لي مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبى جهل نزل في الناس، فقلت لهما: ألا تريان؟! هذا صاحبكما الذي تسألان، فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله ﵇ فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال: هل مسحتما سيفكما؟ قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: كلاهما قتله. فقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، واسم الآخر معاذ بن عفراء". وأخرجه مسلم أيضًا (١): ثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: أنا يوسف بن الماجشون ... إلى آخره نحوه. ص: حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور، قال: ثنا الهيثم بن الجميل، عن شريك، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: "أنفذت رجل من المشركين، فأمر النبي ﵇ الزبير فخرج إليه فقتله، فجعل له النبي ﵇ سلبه". ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وشريك هو ابن عبد الله النخعي. وعبد الكريم بن مالك الجزري، روى له الجماعة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) مرسلاً: ثنا وكيع، قال: نا سفيان، عن عبد الكريم، عن عكرمة: "أن الزبير بارز رجلاً فقتله. قال: فنفله النبي ﵇ سَلَبَهُ".

стр. 6146

وأخرج البيهقي (١): من حديث سفيان الثوري، عن عبد الكريم، عن عكرمة، قال: "قال يهودي يوم قريظة: من يبارز؟ فقال رسول الله ﵇: قم يا زبير، فقالت صفية: يا رسول الله، واحدي، فقال رسول الله ﵇: أيهما علا صاحبه قتله، فعلاه الزبير فقتله، فنفله رسول الله ﵇ سلبه". قال البيهقي: ويروى بذكر ابن عباس فيه. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو السكسكي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن خالد بن الوليد وعوف بن مالك: "أن رسول الله ﵇ قضى بالسلب للقاتل". ش: أبو بكرة بكار القاضي. وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي. وإسماعيل بن عياش بن سليم الشامي الحمصي العنسي -قال دحيم: هو في الشاميين غاية، وخلط عن المدنيين، روى له الأربعة. وصفوان بن عمرو بن هرم السكسكي الحمصي، روى له الجماعة، البخاري في غير الصحيح. وعبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي الحمصي، روى له الجماعة البخاري في غير الصحيح. وأبوه جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي. وعوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الصحابي ﵁. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا سعيد بن منصور، قال: نا إسماعيل بن عياش ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، غير أن لفظه: "قضي في السلب للقاتل ولم يخمس السلب".

стр. 6147

ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا صفوان بن عمرو، قال: حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف ابن مالك الأشجعي. قال: وثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك قال: "قلت لخالد بن الوليد يوم مؤتة: ألم تعلم أن رسول الله ﷺ يخمس السَّلَب؟ قال: نعم". ش: إسناد صحيح ورجاله ثقات. وأخرجه أبو داود مطولاً (١): ثنا أحمد بن محمد بن حنبل، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثني صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من أهل اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزورًا فسأله المددي طائفة من جلده، فأعطاه إياها فاتخذه كهيئة الدرق، ومضينا فلقينا جموع الروم وفيهم رجل على فرس له أشقر وعليه سرج مذهب وسلاح مذهب، فجعل الرومي يغري بالمسلمين، وقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي فعرقب فرسه فخر، وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد ﵁ فأخذ السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل، قال: بلى، ولكني استكثرته، قلت: لتردنه أو لأعرفنكها عند رسول الله ﵇، فأبى أن يرد، قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﵇ فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد ﵁، فقال رسول الله ﵇: ياخالد، ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله، استكثرته، فقال رسول الله ﵇: يا خالد رد عليه ما أخذت منه، قال عوف: فقلت: دونك يا خالد، ألم أفِ لك؟ فقال رسول الله ﵇: وما ذلك؟ قال:

стр. 6148

فأخبرته، قال: فغضب رسول الله ﵇، فقال: يا خالد، لا ترد عليه، هل أنتم تاركون لي أمرائي، لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره". قال أبو داود (١): ثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا الوليد، قال: سألت ثورًا عن هذا الحديث فحدثني عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن عوف بن مالك الأشجعي نحوه. وأخرجه مسلم (٢): عن زهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي ... إلى آخره نحوه. قوله: "يوم مؤتة" بضم الميم وسكون الواو وفتح التاء المثناة من فوق، قال الجوهري: مؤتة بالهمز اسم أرض قتل بها جعفر بن أبي طالب ﵁. وقال ابن الأثير: هو موضع ببلاد الشام. قلت: هي قرية في قبلي الكرك على بعض مرحلة منها، وبها قبر جعفر الطيار وأصحابه ﵃. ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد، عن أبي قتادة: "أن النبي ﷺ نفل أبا قتادة سَلَب قتيل قتله". ش: إسناده صحيح ورجاله كلهم رجال الصحيح. وسفيان هو ابن عيينة. ويحيى بن سعيد الأنصاري. وأبو محمد اسمه نافع مولى أبي قتادة. وأبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁.

стр. 6149

وأخرجه الترمذي (١): عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ... إلى آخره نحوه. وأخرجه البخاري ومسلم مطولاً على ما يأتي. قوله: "نَفَّل" من التنفيل، وهو أن يعطي الإِمام لقاتل القتيل سلبه زيادة على ما يخصه من الغنيمة. والنَّفَلُ -بالتحريك-: الغنيمة، ويجمع على أنفال، والنَّفْلُ -بالسكون وقد يحرك-: الزيادة، فافهم. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة، عن أبي قتادة ابن ربعي ﵁ أنه قال: "خرجنا مع رسول الله ﵇ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، قال: فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته بالسيف على حبل عاتقه ضربة حتى قطعت الدرع؛ فأقبل عليَّ فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلقيت عمر بن الخطاب ﵁ فقلت: ما بال الناس؟ قال: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، فقال رسول الله ﵇: من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سَلَبه، قال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال ذلك الثانية، ثم قال ذلك الثالثة، فقمت، فقال رسول الله ﵇: ما لك يا أبا قتادة؟! فاقتصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله، وسلب ذلك القتيل عندي فارضه مني يا رسول الله، فقال أبو بكر الصديق ﵁: لا هاء الله إذًا، لا يعمد إلى أَسَد من أُسْد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه، فقال رسول الله ﵇: صدق، فأعطه إياه، فقال أبو قتادة: فأعطانيه، فبعت الدرع فابتعت به مخرفًا في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإِسلام".

стр. 6150

ش: الحديث أخرجه مالك في "موطئه" (١). وأخرجه البخاري (٢): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك نحوه. ومسلم (٣): عن أبي الطاهر، عن عبد الله بن وهب، عن مالك. والترمذي (٤): عن الأنصاري، عن معن، عن مالك مختصرًا. قوله: "عام حنين" كان عام حنين سنة ثمان من الهجرة. قوله: "جولة" من جَالَ يَجُولُ جَوْلةً: إذا دار. قوله: "على حبل عاتقه" هو موضع الرداء من العنق، وقيل: ما بين العنق والمنكب، وقيل: هو عرق أو عصب هناك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٥). الوريد: عرق في العنق، وهو الحبل أيضًا فأضافه إلى نفسه لاختلاف اللفظين. قوله: "لا هاء الله إذًا لا يعمد" هكذا جاء الحديث "لا هاء الله إذا" والصواب "لا هاء الله ذا" بحذف الهمزة، ومعناه: لا والله لا يكون ذا، أو: لا والله الأمر ذا، فحذف تخفيفًا, ولكن في ألف "ها" مذهبان: أحدهما: تثبت ألفها؛ لأن الذي بعدها مدغم مثل دابة. والثاني: أن يحذفها لالتقاء الساكنين. قوله: "إلى أَسَد من أُسْد الله" الأول: بفتح الهمزة والسين مفرد، والثاني: بضم الهمزة وسكون السين، جمع أسد. قوله: "فابتعت به مِخرفًا" أي اشتريت به مِخرفًا، والمخرف -بكسر الميم-:

стр. 6151

الجنينة الصغيرة، قاله ابن وهب. وقال غيره: هو ما يخرف أي يحفظ ويجتنى، وهو الحائط الذي فيه تمر قد طاب وبدا صلاحه، قالوا: والحائط يقال له بالحجاز: الخارف، والخارف بلغة اليمن: الذي يجنى لهم الرطب، وقال الأخفش: المِخْرف -بكسر الميم-: القطعة من النخل التي يخترف منها التمر، والمخرف بفتح الميم المحل أيضًا. والمَخْرف -بفتح الميم-: النخل أيضًا. قوله: "تأثلته" أراد به أول مال اقتناه وجمعه، ومن اكتسب ما يبقى فقد تأثل، قال امرؤ القيس: وَلَكِنَّمَا أسعى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ ... وَقَد يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أَمْثَالي يقال: مال مؤثل ومجد مؤثل، أي مجموع ذو أصل، وأثلة الشيء: أصله. ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا المبارك، عن ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن الأعرج، عن أبي قتادة: "أنه قتل رجلاً من المشركين، فنفله رسول الله ﵇ سَلَبَهُ ودرعه، فباعه بخمسه أواق". ش: هذا طريق آخر: عن ابن خزيمة، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن المبارك بن فضالة البصري، عن عبد الله بن لهيعة المصري -فيه مقال- عن عبيد الله بن أبي جعفر المصري الفقيه، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي قتادة الحارث بن ربعي. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا إسحاق بن عيسى، ثنا ابن لهيعة ... إلى آخره نحوه سواء. ص: حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا أبو داود، عن حماد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ يوم حنين: من قتل قتيلاً فله سلبه، فَقَتَلَ أبو طلحة يومئذ عشرين رجلاً فأخذ أسلابهم".

стр. 6152

ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي. وأخرجه أبو داود (١): ثنا موسى بن إسماعيل: قال: ثنا حماد، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: "قال رسول الله ﵇ يومئذ -يعني يوم حنين-: من قتل كافرًا فله سلبه، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم". ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا عمر بن يونس، قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة، قال: حدثني سلمة بن الأكوع قال: "غزونا مع رسول الله ﵇ هوازن فقتلت رجلاً، ثم جئت بجمله أقوده، عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله ﵇ والناس معه، فقال: من قتل الرجل؟ قالوا: ابن الأكوع، قال: له سلبه أجمع". ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وأخرجه مسلم مطولاً (٢): ثنا زهير بن حرب، قال: ثنا عمر بن يونس الحنفي، قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة، قال: ثنا -أبي سلمة بن الأكوع- قال: "غزونا مع رسول الله ﵇ هوازن، فبينا نحن نتضحى مع رسول الله ﵇، إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقًا من حقبه فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقة في الظهر وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل فأتبعه رجل على ناقة ورقاء، قال سلمة: وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر، ثم جئت

стр. 6153

بالجمل أقوده، عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله ﵇ والناس معه، فقال: من قتل الرجل؟ قالوا: ابن الأكوع. قال: له سلبه أجمع". ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: حدثنا أبو عميس، عن ابن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: "أتى رسول الله ﷺ عين من المشركين وهو في سفر، فجلس فتحدث عند أصحابه ثم انسل، فقال النبي ﵇: اطلبوه فاقتلوه، فسبقتهم فقتلته وأخذت سلبه، فنفلني إياه". ش: إسناده صحيح. وأبو نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري. وأبو عميس عتبة بن عبد الله المسعودي الكوفي، روى له الجماعة. وأخرجه البخاري في "الجهاد" (١): عن أبي نعيم، عن أبي عميس ... إلى آخره نحوه. وأخرجه مسلم في "المغازي" (٢): عن زهير بن حرب ... إلى آخره نحو معناه. قوله: "عين" أي جاسوس، يقال: اعتان له: إذا أتاه بالخبر. قوله: "ثم انسل" من الانسلال وهو أن يغافل الناس ويذهب. وفي الحديث: جواز قتل جاسوس أهل الحرب، وجواز تنفيل الإِمام سَلَبَ المقتول لقاتله. واعلم أن الطحاوي قد أخرج أحاديث تنفيل السَّلَب عن سبعة أنفس من الصحابة ﵃، وهم: عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عباس وخالد بن الوليد وعوف بن مالك الأشجعي وأبو قتادة الأنصاري وأنس بن مالك وسلمة بن الأكوع ﵃.

стр. 6154

ولما أخرج الترمذي حديث أبي قتادة قال: وفي الباب عن عوف بن مالك وخالد بن الوليد وأنس وسمرة بن جندب. قلت: وفي الباب عن عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله الأنصاري ومحمد بن سهل بن أبي حثمة وخزيمة بن ثابت ﵃. أما حديث سمرة بن جندب: فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو معاوية، عن أبي مالك الأشجعي، عن نعيم بن أبي هند، عن ابن سمرة بن جندب، عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇: "من قتل فله السلب". وأما حديث عبد الله بن عمر ﵄: فأخرجه البيهقي (٢): من حديث أبي خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن سالم، عن أبيه قال: "لقينا العدو مع رسول الله ﵇ فطعنت رجلاً فقتلته، فنفلني رسول الله ﵇ سلبه". قال البيهقي: هذا حديث غريب. وأما حديث جابر بن عبد الله: فأخرجه البيهقي أيضًا (٣): من حديث الواقدي، حدثني سليمان بن بلال، حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: "أصيبت بغزوة مؤتة ناس من المسلمين، وغَنِمَ المسلمون بعض أمتعة المشركين، فكان مما غنموا خاتمًا جاء به رجل إلى رسول الله ﵇، قال: قتلت صاحبه يومئذٍ، فنفله رسول الله ﵇ إياه". وأما حديث محمد بن سهل بن أبي حثمة: فأخرجه الواقدي: من حديث موسى بن عمر الحارثي، عن أبي عفير محمد بن سهل بن أبي حثمة، قال: "لما حول رسول الله ﵇ إلى الشق -يعني من خيبر- خرج رجل من اليهود فصاح: من يبارز؟ فبرز له أبو دجانة قد عصب رأسه بعصابة حمراء فوق المغفر يختال في مشيته، فضربه

стр. 6155

فقطع رجليه ثم دفف عليه وأخذ سلبه درعه وسيفه، فجاء به إلى رسول الله ﵇، فنفله". وأخرجه البيهقي (١) من طريق الواقدي. وقال الذهبي: هذا منقطع، والواقدي واهٍ. قلت: محمد بن سهل بن أبي حثمة ذكره بعض الحفاظ في الصحابة. قاله ابن الأثير. وأما حديث خزيمة بن ثابت: فأخرجه الواقدي أيضًا: حدثني بكير بن مسمار، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه، قال: "حضرت مؤتة، فبارزني رجل منهم يومئذٍ فأصبته وعليه بيضة فيها ياقوتة، فلم تكن همتي إلا الياقوتة فأخذتها، فلما رجعت إلى المدينة أتيت رسول الله ﷺ فنفلنيها فبعتها زمن عثمان ﵁ بمائة دينار، فاشتريت بها حديقة". ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى أن كل من قتل قتيلاً في دار الحرب فله سلبه، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وأبا عبيد فإنهم قالوا: السلب للقاتل على كل حال، قال ذلك الإِمام أو لم يقله، إلا أن الشافعي قال: إنما يكون السلب للقاتل إذا قتل قتيله مقبلاً عليه، وأما إذا قتله مدبرًا عنه فلا سلب له. وقال ابن قدامة: السلب للقاتل إذا قتل في كل حال إلا أن ينهزم العدو، وبه قال الشافعي وأبو ثور وداود وابن المنذر. وقال مسروق: إذا التقى الرجعان فلا سلب له إنما النفل قبله وبعده، ونحوه قول نافع، وكذلك قال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأبو بكر بن أبي مريم: السلب للقاتل ما لم تمتد الصفوف بعضها إلى بعض، فإذا كان كذلك فلا سلب لأحد.

стр. 6156

وقال ابن قدامة أيضًا: القاتل يستحق السلب، قال ذلك الإِمام أو لم يقل. وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا يكون السلب للقاتل إلا أن يكون الإِمام قال: من قتل قتيلاً فله سلبه؛ فإن كان قال ذلك ليحرض الناس على القتال في وقت يحتاج فيه إلى تحريضهم على ذلك فهو كما قال، وإن لم يقل من ذلك شيئًا فمن قتل قتيلاً فسلبه غنيمة وحكمه حكم الغنائم. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم الثوري وأبا حنيفة ومالكًا وأبا يوسف ومحمدًا، فإنهم قالوا: السلب من غنيمة الجيش حكمه حكم سائر الغنيمة إلا أن يقول الإِمام: من قتل قتيلاً فله سلبه. فحينئذٍ يكون له. وقال ابن قدامة: قال أبو حنيفة والثوري: لا يستحق القاتل السلب إلا أن يشترطه الإِمام له. وقال مالك: لا يستحقه إلا أن يقول الإِمام ذلك، ولم ير أن يقول الإِمام ذلك إلا بعد انقضاء الحرب، وجعلوا السلب من جملة الأنفال. وقد روي عن أحمد مثل قولهم، وهو اختيار أبي بكر. وقال أيضًا: قال أحمد: لا يعجبني أن يأخذ السلب إلا بإذن الإِمام، وهو قول الأوزاعي، وقال ابن المنذر والشافعي: له أخذه بغير إذنه. ص: وكان من الحجة لهم فيما احتج به عليهم أهل المقالة الأول من الآثار التي رويناها: أن قول خالد بن الوليد وعوف بن مالك ﵄: "قضى رسول الله ﷺ بالسلب للقاتل" فقد يجوز أن يكون ذلك لقول كان قد تقدم منه قبل ذلك جعل به سلب كل مقتول لمن قتله، وكذلك ما ذكر فيه من هذه الآثار التي جعل النبي ﵇ السلب للقاتل، فقد يجوز أن يكون لهذا المعنى أيضًا. ومما يدل أن السلب لا يجب للقاتل: ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري، قال: ثنا يوسف بن

стр. 6157

الماجشون، قال: حدثني صالح بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف: "إني لقائم يوم بدر بين غلامين حديثة أسنانهما، تمنين لو أني بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما فقال: يا عمّ أتعرف أبا جهل؟ فقلت: وما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﵇، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فعجبت لذلك، وغمزني الآخر فقال مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس، فقلت: ألا تريان! هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، فابتدراه فضرباه بسيفهما حتى قتلاه، ثم أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟ قال كل واحد منهما: أنا قتلته، قال: أمسحتما بسيفيكما؟ قالا: لا، قال: في النظر في السيفين فقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح" والرجلان: معاذ بن عمرو بن الجموح. والآخر: معاذ بن عفراء. أفلا ترى أن رسول الله ﵇ قال في هذا الحديث: "إنكما قتلتماه" ثم قضى بالسلب لأحدهما دون الآخر؟! ففي هذا دليل على أن السلب لو كان واجبًا للقاتل بقتله إياه لكان قد وجب سلبه لهما، ولم يكن النبي ﵇ ينتزعه من أحدهما فيدفعه إلى الآخر، ألا ترى أن الإِمام لو قال: من قتل قتيلاً فله سلبه فقتل رجلان قتيلاً أن سلبه لهما نصفان؟ وأنه ليس للإِمام أن يحرمه أحدهما ويدفعه إلى الآخر؛ لأن كل واحد منهما له فيه من الحق مثل ما لصاحبه وهما أولى به من الإِمام، فلما كان للنبي ﵇ في سلب أبي جهل أن يجعله لأحد قاتليه دون الآخر؛ دلَّ ذلك أنه كان أولى به منهما؛ لأنه لم يكن قال يومئذ: من قتل قتيلاً فله سلبه. ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية في الذي احتج به عليهم أهل المقالة الأولى من الأحاديث المذكورة، وأراد بذلك: الجواب عنها.

стр. 6158

تقريره: أن الاستدلال بالأحاديث المذكورة في كون السلب للقاتل على كل حال لا يتم؛ لأنه قد يجوز أن يكون كون السلب للقاتل في الأحاديث المذكورة؛ لأجل قول قد كان تقدم من النبي ﵇ بأن كان قد جعل سلب كل قتيل لمن قتله فحينئذٍ لا يكون السلب للقاتل إلا بقول الإِمام: "من قتل قتيلاً فله سلبه" ولم يكن السلب واجبًا للقاتل بقتله إياه، والدليل على ذلك: حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁، فإن رسول الله ﵇ قد قال فيه للذين قتلا أبا جهل لعنه الله: "إنكما قتلتماه" ثم حكم بالسلب لأحدهما دون الآخر فدلَّ ذلك أن السلب لم يجب للقاتل بسبب قتله؛ إذ لو كان كذلك لكان رسول الله ﵇ حكم بسلب أبي جهل بينهما، فلما جعله لأحدهما دون الآخر دلّ ذلك أنه ﵇ لم يكن قال يومئذٍ: من قتل قتيلاً فله سلبه. وإسناد هذا الحديث صحيح. وقد ذكره الطحاوي بعينه في أول الباب، غير أن هناك: عن إبراهيم بن أبي داود، عن سعيد بن سليمان الواسطي. وها هنا عن إبراهيم بن أبي داود، عن إبراهيم بن حمزة الزبيري. وإبراهيم بن حمزة هذا روى عنه البخاري في "صحيحه" وأبو داود في "سننه". والحديث أخرجه البخاري ومسلم، وقد ذكرناه في أول الباب (١). قوله: "إني لقائم" "اللام" فيه للتأكيد؛ فلهذا جاءت مفتوحة. قوله: "تمنيت لو أني بين أضلع منهما" أي بين أشد وأقوى من الرجلين اللذين كنت بينهما، وأضلع: أفعل التفصيل من الضلاعة وهي القوة، يقال: اضطلع بحمله: أي قوي عليه ونهض به. قوله: "لا يفارق سوادي سواده" أي شخصي شخصي، وإنما سمي الشخص سوادًا؛ لأنه يرى من بعيد أسود.

стр. 6159

قوله: "فلم أنشب" أي فلم ألبث، يقال: نشب بعضهم في بعض أي دخل وتعلق، ونشب في الشيء إذا وقع فيما لا مخلص له منه، ولم ينشب أن فعل كذا: أي لم يلبث، وحقيقته: لم يتعلق بشيء غيره ولا بسواه. ص: وقد حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، قال: حدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت ﵄ قال: "خرج رسول الله ﵇ إلى بدر، فلقي العدو، فلما هزمهم الله؛ اتبعتهم طائفة من المسلمين يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ ، واستولت طائفة بالعسكر والنهب، فلما نفى الله العدو ورجع الذين طلبوهم؛ قالوا: لنا النفل؛ نحن طلبنا العدو وبنا نفاهم الله وهزمهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﵇: ما أنتم بأحق به منا، بل هو لنا؛ نحن أحدقنا برسول الله ﵇؛ لا ينال منه العدو غرة، وقال الدين استولوا على العسكر والنهب: والله ما أنتم بأحق به منا؛ نحن حويناه واستوليناه. فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ...﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) فقسمه رسول الله ﷺ بينهم عن بواءٍ، أفلا ترى أن رسول الله ﵇ لم يفضل في ذلك الدين تولوا القتل على الآخرين؟ فثبت بذلك أن سلب المقتول لا يجب للقاتل بقتله صاحبه ما بجعل الإِمام إياه له على ما فيه صلاح المسلمين من التحريض على قتال عدوهم. وقد حدثنا فهد، قال: ثنا الحجاج بن منهال، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن بديل بن ميسرة العقيلي، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين، قال: "أتيت النبي ﵇ وهو بوادي القرى، فقلت: يا رسول الله لمن المغنم؟ قال: لله سهم، ولهؤلاء أربعة أسهم. قلت: فهل أحد أحق بشيء من المغنم من أحد؟ قال: لا، حتى السهم يأخذه أحدكم من جنبه فليس بأحق به من أخيه".

стр. 6160

حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين، عن رسول ﵇ مثله. أفلا ترى أن رسول الله ﵇ جعل الغنيمة خمسًا منها لله تعالى وأربعة أخماسه لأصحابه، وبين في ذلك فقال: حتى لو أن أحدكم رمي بسهم في جنبه فنزعه لم يكن أحق به؟ فدلّ ذلك أن كل ما تولاه الرجل في القتال وكل ما تولاه غيره ممن هو حاضر القتال أنهما فيه سواء. ش: ذكر هذا أيضًا شاهدًا لصحة ما قاله أهل المقالة الثانية من أن القاتل لا يستحق سلب المقتول إلا بقول الإِمام: من قتل قتيلاً فله سلبه. وهذا كله كلام ظاهر. ثم إنه أخرج حديث عبادة بن الصامت بإسنادٍ لا بأس به: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان -فيه مقال- عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي المدني، وثقه ابن حبان وابن سعد، وقال النسائي: ليس بالقوي. روى له الأربعة. عن سليمان بن موسى أبي أيوب الدمشقي الأشدق، قال أبو حاتم: محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحدًا من أصحاب مكحول أفقه منه ولا أثبت منه. وروى له مسلم في مقدمة كتابه، والأربعة. وهو يروي عن مكحول الشامي، روى له الأربعة البخاري في غير "الصحيح". عن أبي سلام الأسود، واسمه ممطور الحبشي، روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح". عن أبي أمامة الباهلي الصحابي، واسمه صدي بن عجلان. عن عبادة بن الصامت ﵁.

стр. 6161

وأخرجه الطبراني: ثنا أبو يزيد القراطيسي، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد، حدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام الباهلي، عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت أنه قال: "خرج رسول الله ﵇ إلى بدر فلقي العدو، فلما هزمهم الله تعالى اتبعتهم طائفة من المسلمين يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله ﵇، واستولت طائفة بالعسكر والنهب، فلما نفى الله العدو ورجع الذين طلبوهم قالوا: لنا النفل؛ نحن طلبنا العدو وبنا نفاهم الله وهزمهم، وقال الذين استولوا على العسكر والنهب: والله ما أنتم بأحق منا؛ نحن حويناه واستولينا عليه، فأنزل الله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) فقسمه رسول الله ﵇ بينهم، وكان رسول الله ﷺ ينفلهم إذا خرجوا بادين الربع، وينفلهم إذا قفلوا الثلث، وقال: أخذ [يوم] (٢) حنين وبرة من جنب بعير، فقال: يا أيها الناس، لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم فأدوا الخياط والمخيط، وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة، وعليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة يُذْهِب الله به الهم والغم، قال: فكان رسول الله ﵇ يكره الأنفال، وقال: ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم". قوله: "خرج رسول الله ﵇ إلى بدر" وكان خروجه ﵇ إلى بدر في ليالي مضت من شهر رمضان سنة ثنتين من الهجرة، وكانت الوقعة يوم الجمعة السابع عشر من رمضان، وكانت مدة غيبته ﵇ تسعة عشر يومًا. قوله: "غرة" أي غفلة من اغتررت الرجل: إذا طلبت غرته: أي غفلته. قوله: "نحن حويناه" أي جمعناه. قوله: "عن بواء" بالباء الموحدة المفتوحة، أي عن سواء.

стр. 6162

وأخرج حديث رجل من بلقين من طريقين صحيحين: الأول: عن فهد بن سليمان، عن الحجاج بن منهال الأنماطي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن بديل بن ميسرة العقيلي البصري روى له الجماعة غير البخاري، عن عبد الله بن شقيق العقيلي البصري روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن رجل من بَلْقِين -بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون- يقال لبني القين من بني أسد: بلقين، كما يقال: بلحارث وبلهجيم، وهو من شواز التخفيف، والنسبة إليه قيني، ولا يقال: بلقيني، والقين في اللغة: الحداد. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١): ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين قال: "أتيت رسول الله ﵇ وهو بوادي القرى، فقلت: يا رسول الله بم أمرت؟ قال: أمرت أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة. قلت: يا رسول الله من هؤلاء؟ قال: المغضوب عليهم يعني اليهود. قلت: من هؤلاء؟ قال: الضالين. قال: النصارى. قلت: فلمن المغنم يا رسول الله؟ قال: لله سهم ولهؤلاء أربعة أسهم. قلت: فهل أحد أحق من أحد؟ قال: لا، حتى السهم يأخذه أحدكم من جنبه فليس بأحق به من أحد". والثاني: عن محمد بن خزيمة، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري ... إلى آخره. وأخرجه ابن حزم (٢): من حديث عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين ... إلى آخره نحوه.

стр. 6163

قوله: "بوادي القرى [. . . . . . .] (١). قوله: "لمن المَغْنَم" المغنم بفتح الميم، والغُنْم بضم الغين، والغنيمة كلها سواء، وهو المال الذي يؤخذ من أهل الحرب وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب، يقال: غَنِمْتُ أَغْنَمُ غَنْمًا وغَنِيمة، وتجمع على مغانم، والغنيمة على غنائم، والغُنْم -بالضم-: الاسم، وبالفتح: المصدر، والغانم آخذ الغنيمة، والجمع الغانمون. ومما يستفاد من الحديث المذكور: أنه يدل على أن أحدًا من الغزاة لا يختص بشيء من الغنيمة إلا بتعيين الإِمام له من سلب المقتول، وأن الذي يتولى القتال والذي يحضره ولا يتولاه سواء. وقد شنع ابن حزم ها هنا وقال: هذا الحديث عن رجل مجهول لا يدرى أصدق في ادعائه الصحبة أم لا؟ ولئن سلمنا صحبته ليس لكم فيه حجة؛ لأن الخمس من جملة الغنيمة يستحقه دون أهل الغنيمة من لم يشهد الغنيمة بلا خلاف، وأيضًا فهذا الحديث حجة عليكم؛ لأنكم تقولون: إن القاتل أحق بالسلب من غيره إذا قال الإِمام: من قتل قتيلاً فله سلبه. قلت: جهالة الصحابي لا تضر صحة الحديث، وطعنه بهذا ساقط. وقد أخرج الله الخمس من جملة الغنيمة وجعل له مصرفًا معينًا. وأما كون القاتل أحق بالسلب من غيره فبتخصيص الشارع له إياه، فيكون هذا أيضًا خارجًا عن جملة الغنيمة؛ إذ لو كانت من الغنيمة لتساوى فيها أهل الغنيمة كلهم، فافهم. ص: فإن قال قائل: إن الذي ذكرتموه من سَلَب أبي جهل، وما ذكرتموه في عبادة إنما كان ذلك في يوم بدر قبل أن تجعل الأسلاب للقاتلين، ثم جعل رسول الله ﵇ يوم حنين الأسلاب للقاتلين، فقال: من قتل قتيلاً فله سلبه، فنسخ ذلك ما تقدمه.

стр. 6164

قيل له: ما دل ما ذكرت على نسخ شيء مما تقدمه؛ لأن ذلك القول الذي كان من رسول الله ﵇ يوم حنين قد يجوز أن يكون أراد به من قتل قتيلاً في [تلك] (١) الحرب لا غير ذلك؛ كما قال يوم فتح مكة شرفها الله تعالى: "منن ألقى سلاحه فهو آمن" فلم يكن ذلك على كل من ألقى سلاحه في غير تلك الحرب، ولما ثبت أن الحكم كان قبل يوم حنين أن الأسلاب لا تجب للقاتلين، ثم حدث في يوم حنين هذا القول من رسول الله ﵇؛ فاحتمل أن يكون ناسخًا لما تقدم، واحتمل أن لا يكون ناسخًا له؛ لم نجعله ناسخًا له حتى نعلم ذلك يقينًا، ومما قد دل أيضًا على أن ذلك القول ليس بناسخ لما كان قبله من الحكم: أن يونس حدثنا، قال: ثنا سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك، أن البراء بن مالك أخا أنس بن مالك بارز مرزبان الزارة فطعنه طعنة فكسر القربوس وخلص إليه فقتله فقوم سلبه ثلاثين ألفًا، فلما صلينا الصبح غدا علينا عمر ﵁ فقال لأبي طلحة: إنا كنا لا نخمس الأسلاب وإن سلَبَ البراء قد بلغ مالاً، ولا أرانا إلا خامسيه. فقومنا ثلاثين ألفًا فدفعنا إلى عمر ﵁ ستة آلاف". فهذا عمر ﵁ يقول: "إنا كنا لا نخمس الأسلاب" ثم خمس سلب البراء، فدل ذلك أنهم كانوا لا يخمسون ولهم أن يخمسوا، وأن الأسلاب لا تجب للقاتلين دون أهل العسكر، وقد حضر عمر ﵁ ما كان من قول رسول الله ﵇ يوم حنين: "من قتل قتيلاً فله سلبه" فلم يكن ذلك عنده على كل من قتل قتيلاً في [تلك] (١) الحرب خاصةً. وقد كان أبو طلحة ﵁ حضر ذلك أيضًا بحنين وقضى له رسول الله ﵇ بأسلاب القتلى الذين قتلهم فلم يكن ذلك عنده موجبًا لخلاف ما أراد عمر ﵁ في سلب المرزبان، وقد كان أنس بن مالك ﵁ حاضرًا ذلك أيضًا من رسول الله ﵇ بحنين، ومن عمر ﵁ في يوم البراء، فكان ذلك عنده على ما رأى عمر ﵁ لا على خلاف ذلك.

стр. 6165

فهؤلاء أصحاب رسول الله ﵇ لم يجعلوا قول رسول ﵇ يوم حنين: "من قتل قتيلاً فله سلبه" على النسخ للحكم المتقدم لذلك في يوم بدر. ش: تقرير السؤال أن يقال لأهل المقالة الثانية: إن استدلالكم -بحديث عبد الرحمن بن عوف الذي جعل فيه رسول الله ﵇ سَلَب أبي جهل لأحد قاتليه دون الآخر، وبحديث عبادة بن الصامت الذي لم يفضل فيه رسول الله ﵇ الطائفة الذين تولوا القتل على الآخرين- لا يتم ولا يصح ولا تقوم به دعواكم في أن السلب لا يجب للقاتل بقتله ولا يكون له إلا بقول الإِمام: من قتل قتيلاً فله سلبه تحريضًا للناس على القتال لما يرى فيه من مصلحة المسلمين؛ وذلك لأن هذا كان يوم بدر قبل أن تجعل الأسلاب للقاتلين، ثم جعل رسول الله ﵇ يوم حنين الأسلاب للقاتلين، فقال: "من قتل قتيلاً فله سلبه" فنسخ هذا الحكم ما تقدمه من الحكم الذي كان يوم بدر، وكان بين بدر وحنين أعوام؛ لأن غزوة بدر كانت في سنة ثنتين من الهجرة، وغزوة حنين كانت في سنة ثمان من الهجرة، فثبت بذلك أن السَلَبَ للقاتل على كل حال سواء قال الإِمام: "من قتل قتيلاً فله سلبه" أو لم يقل. وقال ابن حزم (١): وكل من قتل قتيلاً من المشركين فله سلبه، قال ذلك الإِمام أو لم يقله، كيف ما قتله صبرًا أو في القتال، ثم استدل على ذلك بحديث أبي قتادة: "أن رسول الله ﵇ قال بعد انقضاء القتال يوم حنين: من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه". والجواب عن ذلك ظاهر، قد أمعن فيه الطحاوي ﵀، وأيده بحديث أنس بن مالك ﵁. أخرجه بإسناد صحيح رجاله كلهم رجال الصحيح: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أنس.
следующие страницы →