← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

وأخرجه الطبراني: ثنا أبو يزيد القراطيسي، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد، حدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام الباهلي، عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت أنه قال: "خرج رسول الله ﵇ إلى بدر فلقي العدو، فلما هزمهم الله تعالى اتبعتهم طائفة من المسلمين يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله ﵇، واستولت طائفة بالعسكر والنهب، فلما نفى الله العدو ورجع الذين طلبوهم قالوا: لنا النفل؛ نحن طلبنا العدو وبنا نفاهم الله وهزمهم، وقال الذين استولوا على العسكر والنهب: والله ما أنتم بأحق منا؛ نحن حويناه واستولينا عليه، فأنزل الله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) فقسمه رسول الله ﵇ بينهم، وكان رسول الله ﷺ ينفلهم إذا خرجوا بادين الربع، وينفلهم إذا قفلوا الثلث، وقال: أخذ [يوم] (٢) حنين وبرة من جنب بعير، فقال: يا أيها الناس، لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم فأدوا الخياط والمخيط، وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة، وعليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه باب من أبواب الجنة يُذْهِب الله به الهم والغم، قال: فكان رسول الله ﵇ يكره الأنفال، وقال: ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم". قوله: "خرج رسول الله ﵇ إلى بدر" وكان خروجه ﵇ إلى بدر في ليالي مضت من شهر رمضان سنة ثنتين من الهجرة، وكانت الوقعة يوم الجمعة السابع عشر من رمضان، وكانت مدة غيبته ﵇ تسعة عشر يومًا. قوله: "غرة" أي غفلة من اغتررت الرجل: إذا طلبت غرته: أي غفلته. قوله: "نحن حويناه" أي جمعناه. قوله: "عن بواء" بالباء الموحدة المفتوحة، أي عن سواء.

стр. 6162

وأخرج حديث رجل من بلقين من طريقين صحيحين: الأول: عن فهد بن سليمان، عن الحجاج بن منهال الأنماطي شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن بديل بن ميسرة العقيلي البصري روى له الجماعة غير البخاري، عن عبد الله بن شقيق العقيلي البصري روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن رجل من بَلْقِين -بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون- يقال لبني القين من بني أسد: بلقين، كما يقال: بلحارث وبلهجيم، وهو من شواز التخفيف، والنسبة إليه قيني، ولا يقال: بلقيني، والقين في اللغة: الحداد. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١): ثنا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين قال: "أتيت رسول الله ﵇ وهو بوادي القرى، فقلت: يا رسول الله بم أمرت؟ قال: أمرت أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة. قلت: يا رسول الله من هؤلاء؟ قال: المغضوب عليهم يعني اليهود. قلت: من هؤلاء؟ قال: الضالين. قال: النصارى. قلت: فلمن المغنم يا رسول الله؟ قال: لله سهم ولهؤلاء أربعة أسهم. قلت: فهل أحد أحق من أحد؟ قال: لا، حتى السهم يأخذه أحدكم من جنبه فليس بأحق به من أحد". والثاني: عن محمد بن خزيمة، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري ... إلى آخره. وأخرجه ابن حزم (٢): من حديث عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين ... إلى آخره نحوه.

стр. 6163

قوله: "بوادي القرى [. . . . . . .] (١). قوله: "لمن المَغْنَم" المغنم بفتح الميم، والغُنْم بضم الغين، والغنيمة كلها سواء، وهو المال الذي يؤخذ من أهل الحرب وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب، يقال: غَنِمْتُ أَغْنَمُ غَنْمًا وغَنِيمة، وتجمع على مغانم، والغنيمة على غنائم، والغُنْم -بالضم-: الاسم، وبالفتح: المصدر، والغانم آخذ الغنيمة، والجمع الغانمون. ومما يستفاد من الحديث المذكور: أنه يدل على أن أحدًا من الغزاة لا يختص بشيء من الغنيمة إلا بتعيين الإِمام له من سلب المقتول، وأن الذي يتولى القتال والذي يحضره ولا يتولاه سواء. وقد شنع ابن حزم ها هنا وقال: هذا الحديث عن رجل مجهول لا يدرى أصدق في ادعائه الصحبة أم لا؟ ولئن سلمنا صحبته ليس لكم فيه حجة؛ لأن الخمس من جملة الغنيمة يستحقه دون أهل الغنيمة من لم يشهد الغنيمة بلا خلاف، وأيضًا فهذا الحديث حجة عليكم؛ لأنكم تقولون: إن القاتل أحق بالسلب من غيره إذا قال الإِمام: من قتل قتيلاً فله سلبه. قلت: جهالة الصحابي لا تضر صحة الحديث، وطعنه بهذا ساقط. وقد أخرج الله الخمس من جملة الغنيمة وجعل له مصرفًا معينًا. وأما كون القاتل أحق بالسلب من غيره فبتخصيص الشارع له إياه، فيكون هذا أيضًا خارجًا عن جملة الغنيمة؛ إذ لو كانت من الغنيمة لتساوى فيها أهل الغنيمة كلهم، فافهم. ص: فإن قال قائل: إن الذي ذكرتموه من سَلَب أبي جهل، وما ذكرتموه في عبادة إنما كان ذلك في يوم بدر قبل أن تجعل الأسلاب للقاتلين، ثم جعل رسول الله ﵇ يوم حنين الأسلاب للقاتلين، فقال: من قتل قتيلاً فله سلبه، فنسخ ذلك ما تقدمه.

стр. 6164

قيل له: ما دل ما ذكرت على نسخ شيء مما تقدمه؛ لأن ذلك القول الذي كان من رسول الله ﵇ يوم حنين قد يجوز أن يكون أراد به من قتل قتيلاً في [تلك] (١) الحرب لا غير ذلك؛ كما قال يوم فتح مكة شرفها الله تعالى: "منن ألقى سلاحه فهو آمن" فلم يكن ذلك على كل من ألقى سلاحه في غير تلك الحرب، ولما ثبت أن الحكم كان قبل يوم حنين أن الأسلاب لا تجب للقاتلين، ثم حدث في يوم حنين هذا القول من رسول الله ﵇؛ فاحتمل أن يكون ناسخًا لما تقدم، واحتمل أن لا يكون ناسخًا له؛ لم نجعله ناسخًا له حتى نعلم ذلك يقينًا، ومما قد دل أيضًا على أن ذلك القول ليس بناسخ لما كان قبله من الحكم: أن يونس حدثنا، قال: ثنا سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك، أن البراء بن مالك أخا أنس بن مالك بارز مرزبان الزارة فطعنه طعنة فكسر القربوس وخلص إليه فقتله فقوم سلبه ثلاثين ألفًا، فلما صلينا الصبح غدا علينا عمر ﵁ فقال لأبي طلحة: إنا كنا لا نخمس الأسلاب وإن سلَبَ البراء قد بلغ مالاً، ولا أرانا إلا خامسيه. فقومنا ثلاثين ألفًا فدفعنا إلى عمر ﵁ ستة آلاف". فهذا عمر ﵁ يقول: "إنا كنا لا نخمس الأسلاب" ثم خمس سلب البراء، فدل ذلك أنهم كانوا لا يخمسون ولهم أن يخمسوا، وأن الأسلاب لا تجب للقاتلين دون أهل العسكر، وقد حضر عمر ﵁ ما كان من قول رسول الله ﵇ يوم حنين: "من قتل قتيلاً فله سلبه" فلم يكن ذلك عنده على كل من قتل قتيلاً في [تلك] (١) الحرب خاصةً. وقد كان أبو طلحة ﵁ حضر ذلك أيضًا بحنين وقضى له رسول الله ﵇ بأسلاب القتلى الذين قتلهم فلم يكن ذلك عنده موجبًا لخلاف ما أراد عمر ﵁ في سلب المرزبان، وقد كان أنس بن مالك ﵁ حاضرًا ذلك أيضًا من رسول الله ﵇ بحنين، ومن عمر ﵁ في يوم البراء، فكان ذلك عنده على ما رأى عمر ﵁ لا على خلاف ذلك.

стр. 6165

فهؤلاء أصحاب رسول الله ﵇ لم يجعلوا قول رسول ﵇ يوم حنين: "من قتل قتيلاً فله سلبه" على النسخ للحكم المتقدم لذلك في يوم بدر. ش: تقرير السؤال أن يقال لأهل المقالة الثانية: إن استدلالكم -بحديث عبد الرحمن بن عوف الذي جعل فيه رسول الله ﵇ سَلَب أبي جهل لأحد قاتليه دون الآخر، وبحديث عبادة بن الصامت الذي لم يفضل فيه رسول الله ﵇ الطائفة الذين تولوا القتل على الآخرين- لا يتم ولا يصح ولا تقوم به دعواكم في أن السلب لا يجب للقاتل بقتله ولا يكون له إلا بقول الإِمام: من قتل قتيلاً فله سلبه تحريضًا للناس على القتال لما يرى فيه من مصلحة المسلمين؛ وذلك لأن هذا كان يوم بدر قبل أن تجعل الأسلاب للقاتلين، ثم جعل رسول الله ﵇ يوم حنين الأسلاب للقاتلين، فقال: "من قتل قتيلاً فله سلبه" فنسخ هذا الحكم ما تقدمه من الحكم الذي كان يوم بدر، وكان بين بدر وحنين أعوام؛ لأن غزوة بدر كانت في سنة ثنتين من الهجرة، وغزوة حنين كانت في سنة ثمان من الهجرة، فثبت بذلك أن السَلَبَ للقاتل على كل حال سواء قال الإِمام: "من قتل قتيلاً فله سلبه" أو لم يقل. وقال ابن حزم (١): وكل من قتل قتيلاً من المشركين فله سلبه، قال ذلك الإِمام أو لم يقله، كيف ما قتله صبرًا أو في القتال، ثم استدل على ذلك بحديث أبي قتادة: "أن رسول الله ﵇ قال بعد انقضاء القتال يوم حنين: من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه". والجواب عن ذلك ظاهر، قد أمعن فيه الطحاوي ﵀، وأيده بحديث أنس بن مالك ﵁. أخرجه بإسناد صحيح رجاله كلهم رجال الصحيح: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أنس.

стр. 6166

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان السلب لا يخمس، وكان أول سلب خمس في الإِسلام سلب البراء بن مالك وكان قتل مرزبان الزارة وقطع منقطته وسواريه، فلما قدمنا المدينة صلى عمر ﵁ الصبح، ثم أتانا وقال: السلام عليكم، أثمَّ أبو طلحة؟ فقالوا: نعم، فخرج إليه، فقال عمر ﵁: إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء مالٌ، وإني خامسه، فدعا المقومين فقوموا ثلاثين ألفًا، فأخذ منها ستة آلاف". قوله: "بارز مرزبان الزارة" من المبارزة في الحرب، وهو أن يظهر بين الصفوف ويطلب المحاربة مع شجاع مثله من الطائفة المخالفين. و"المَرْزُبان" بفتح الميم وسكون الراء وضم الزاي وبالباء الموحدة وفي آخره نون، هو الفارس الشجاع المقدم على القوم دون الملك وهو معرب ويجمع على مرازبة، و"الزَّارَة" بالزاي وفتح الراء المخففة لقب للمرزبان المبارز كما يلقب بالأسد. قوله: "فكسر القربوس" بفتح القاف والراء مثل طرسوس، وقال الجوهري: لا يخفف إلا في الشعر؛ لأن فعلولاً ليس من أبنيتهم. قوله: "إنا كنا لا نخمس الأسلاب" من خَمَسَ يَخْمُس -بتخفيف الميم- من باب نَصَرَ يَنْصُر، يقال: خَمَسْت القوم أَخْمُسُهم -بالضم- إذا أخذت منهم خمس أموالهم. قوله: "ولا أرانا" بضم الهمزة "إلا خامسيه" أصله إلا خامسين إباه فسقطت النون للإضافة. ومما دل هذا الحديث: على أن الأسلاب لا تجب للقاتلين ولا تختص بهم دون أهل العسكر.

стр. 6167

وقال أبو عمر: هذا يدل على أن أمر السلب إلى الأمير ولو كان للقاتل قضاء من النبي ﵇ ما احتاج هؤلاء -يعني عمر بن الخطاب وأبا طلحة وأنس بن مالك ﵃ أن يضيفوا ذلك إلى أنفسهم بإجتهادهم، ولأخذه القاتل بدون أمرهم. فإن قيل: قال البيهقي (١): قال الشافعي: هذه الرواية عن عمر ﵁ ليست من روايتنا وله رواية عن سعد بن أبي وقاص في زمان عمر تخالفها، ثم قال الشافعي: أنا ابن عيينة، عن الأسود بن يزيد، عن رجل من قومه يقال له شبر بن علقمة قال: "بارزت رجلاً يوم القادسية فقتلته، فبلغ سلبه اثنى عشر ألفا فنفلنيه سعد ﵁". قلت: الرواية بالتخميس عن عمر ﵁ صحيحة وإن لم تكن من رواية الشافعي؛ فإن الطحاوي: أخرجها عنه بإسناد صحيح. وكذلك أخرجها أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) بإسناد وصحيح. والرواية عن سعد ليست بمخالفة لذلك في المعنى، بل موافقة، فدلتا الروايتان على أن الأمر في ذلك مفوض إلى رأي الإِمام، فرأى عمر ﵁ المصلحة في التخميس، ورأى سعد المصلحة في تنفيل ذلك لشبر، وقد ذكر أبو عمر قضية شبر ثم قال: وهذا يدل على أن أمر السلب إلى الأمير دون القاتل. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا يحيى بن حمزة، قال: حدثني عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، أن أباه أخبره: "أنه سأل مكحولاً: أيخمس السَّلب؟ فقال: حدثني أنس بن مالك ﵁ أن البراء بن مالك بارز رجلاً من عظماء فارس فقتله، فأخذ البراء سلبه، فكُتِبَ فيه إلي عمر ﵁، فكتب عمر ﵁ إلى الأمير: أن اقبض إليك خمسه وادفع إليه ما بقي، فقبض الأمير خمسه. فهذا مكحول قد ذهب أيضًا في الأسلاب إلى ما ذكرنا.

стр. 6168

وقد حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد، قال: "سمعت رجلاً يسأل ابن عباس عن الأنفال؟ فقال ابن عباس ﵄: الفرس من النفل، ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس ﵄ ذلك أيضًا، ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا مالك، عن الزهرى، عن القاسم بن محمد: "أن رجلاً سأل ابن عباس عن الأنفال، فقال: الفرس والسلب من الأنفال". حدثنا يونس وربيع المؤذن، قالا: ثنا بشر بن بكر، قال: حدثني الأوزاعي، قال: أخبرني الزهري، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس قال: "كنت جالسًا عنده فأقبل رجل من أهل العراق فسأله عن السلب، فقال: السلب من النفل، وفي النفل الخمس". فهذا ابن عباس ﵄ جعل في السَلَب الخُمس، وجعله من الأنفال، وقد كان عَلِمَ من رسول الله ﵇ ما قد ذكرناه في أول الباب من تسليمه إلى الزبير سلب القتيل الذي كان قتله. فدل ذلك أن ما تقدم من رسول الله ﵇ يوم بدر لم يكن عند ابن عباس منسوخًا، وأن ما قضى به من سلب القتيل الذي قتله الزبير ﵁ إنما لقول كان تقدم منه أو لمعنى غير ذلك. فهذا حكم هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار. ش: ذكر هذا أيضًا شاهدًا لصحة ما قاله أهل المقالة الثانية من أن السلب لا يجب للقاتل إلا بقول الإِمام: من قتل قتيلاً فله سلبه؛ وذلك لأن مكحولاً روى عن أنس ما يدل على ذلك، وأنه ذهب في الأسلاب إلى ما ذكر هؤلاء، وكذلك ذكر القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃ عن ابن عباس ﵄ ما يدل على ما ذكروه؛ لأنه جعل في السَّلَب الخُمْس وجعله من جملة الأنفال، والحال أنه قد كان

стр. 6169

علم من النبي ﵇ من تسليمه إلى الزبير بن العوام سلب القتيل الذي كان قتله على ما مرّ ذكره في أول الباب، فدلّ ذلك أن ما تقدم من النبي ﵇ يوم بدر لم يكن عند ابن عباس منسوخًا، وأن ما حكم به النبي ﵇ من سلب القتيل الذي قتله الزبير إنما كان لأجل قوله ﵇: "من قتل قتيلا فله سلبه"، أو لتخصيصه الزبير في ابتداء الأمر بسلب من يقتله، أو معنى غير ذلك. ثم اختلف العلماء في تخميس السلب. فقال ابن قدامة: لا يخمس السلب. روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وبه قال الشافعي وابن المنذر وابن جرير الطبري. وقال ابن عباس: يخمس. وبه قال الأوزاعي ومكحول؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١). وقال إسحاق: إن استكثر الإِمام السلب خمسه وذلك إليه، ثم قال: إذا ثبت هذا فإن السَّلَب من أصل الغنيمة. وقال مالك: يحتسب من خُمْس الخمس. ثم إسناد حديث أنس صحيح ورجاله ثقات. ويحيى بن حمزة بن واقد الحضرمي أبو عبد الرحمن الدمشقي روى له الجماعة. وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان الدمشقي الزاهد، وثقه دحيم وأبو حاتم وابن حبان، وضعفه العجلي، وروى له الأربعة. وأبوه ثابت بن ثوبان الشامي العنسي الدمشقي، وثقة يحيى. وقال العجلي: لا بأس به. وأما حديث ابن عباس فأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن مالك بن أنس، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.

стр. 6170

وأخرجه مالك في "موطإه" (١): عن ابن شهاب، عن القاسم بن محمد، أنه قال: "سمعت رجلاً يسأل عبد الله بن عباس عن الأنفال فقال: الفرس من النفل، والسَّلَب من النفل، قال: ثم عاد لمسألته فقال ابن عباس ذلك أيضًا، ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد أن يحرجه. ثم قال ابن عباس: أتدرون ما مثَلُ هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب ﵁". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن مالك، عن محمد بن مسلم الزهري، عن القاسم بن محمد، عن أبي بكر الصديق. الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى وربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي كلاهما، عن بشر بن بكر التنيسي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن محمد بن مسلم الزهري، عن القاسم بن محمد. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا الضحاك بن مخلد، عن الأوزاعي، عن ابن شهاب، عن القاسم قال: "سئل ابن عباس عن السَّلَب؟ فقال: لا سلب إلا من النفل، وفي النفل الخمس". وأخرجه البيهقي (٣): من حديث قبيصة، عن سفيان، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس قال: "السلب من النفل، والنفل من الخمس". قوله: "الفرس من النفل" أي من الغنيمة. وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال ابن قدامة: الدابة وما عليها من السلب إذا قتل وهو عليها، وكذلك ما عليه من الثياب والسلاح وإن كثر، فإن كان معه مال لم يكن من السلب.

стр. 6171

وقد روي عن أبي عبد الله رواية أخرى: أن الدابة ليست من السلب. وقال أيضًا: الدابة وما عليها من سرجها ولجامها وجميع آلتها من السلب إذا كان راكبًا عليها، فإن كانت في منزله أو مع غيره لم تكن من السلب كالسلاح الذي ليس معه، فإن كان راكبًا عليها فصرعه عنها أو أسعره عليها ثم قتله بعد نزوله عنها فهي من السلب. وهكذا قول الأوزاعي. وإن كان ممسكاً بعنانها غير راكب عليها، فعن أحمد فيها روايتان: إحداهما: هي من السلب، وهو قول الشافعي. والثانية: ليست من السلب، وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار الخلال. قوله: "حتى كاد يحرجه" أي يضيق عليه ويوقعه في الحرج. قوله: "مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب ﵁" وهو صبيغ بن عِسْل التميمي، وكان قدم المدينة وسأل عمر بن الخطاب ﵁ عن متشابه القرآن، وكانت عنده كتب؛ فضربه عمر ﵁ حتى أدماه. وذكر حماد بن زيد بإسناده: "لقد رأيت صبيغًا بالبصرة كأنه بعير أجرب يجيء إلى الحلق فكلما جلس إلى حلقة قاموا وتركوه". وروى سعيد بن المسيب قال: "جاء صبيغ إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ (١)، قال: الرياح، قال: فأخبرني عن ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ (٢) فقال: هي السحاب، قال: فأخبرني عن ﴿فَالْجَارِيَاتِ﴾ (٣)، قال: هي السفن، ثم أمر به فضرب مائة، وجعله في بيت، فلما برئ، ضَرَبه مائة أخرى، وحمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى: امنع الناس من مجالسته، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان، فكتب

стр. 6172

بذلك أبو موسى إلى عمر، فكتب إليه عمر ﵁: ما إخاله صدق، حُل بينه وبين مجالسة الناس". ص: وأما وجه النظر في ذلك: فإنا قد رأينا الإِمام لو بعث سرية وهو في دار الحرب وتخلف هو وسائر أهل عسكره عن المضي معها فغنمت تلك السرية غنيمة، كانت تلك الغنيمة بينهم وبين سائر العسكر وإن لم يكونوا تولوا معهم قتالاً, ولا تكون هذه السرية أولى بما غنمت من سائر العسكر، وإن كانت قاتلت حتى كان عن قتالها ما غنمت، ولو كان الإِمام نفل تلك السرية لما بعثها الخمس مما غنمت كان ذلك لها على ما نفلها إياه الإِمام وكان ما بقي مما غنمت بينها وبين سائر أهل العسكر، فكانت السرية المبعوثة لا تستحق مما غنمت دون سائر أهل العسكر إلا ما خصها به الإِمام دونهم. فالنظر على ذلك أن يكون كذلك كل من كان من أهل العسكر في دار الحرب لا يستحق أخد شيء منه دون سائر أهل العسكر إلا أن يكون الإِمام نفله من ذلك شيئًا؛ فيكون ذلك له بتنفيل الإِمام لا لغير ذلك. فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي: وأما وجه القياس في هذا الباب. . . إلى آخره، وهو وجه صحيح ظاهر لا يحتاج إلى زيادة بيان. قوله: "وهو في دار الحرب" أي والحال أن الإِمام كان في دار الحرب. قوله: "وتخلف هو" أي الإِمام "وبقية العسكر عن المضي معها" أي مع تلك السرية المبعوثة. قوله: "فكانت السرية المبعوثة. . . " إلى آخره وهو المقيس عليه. ص: وقد حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي، قال: ثنا دحيم، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عوف. قال الوليد: وحدثني ثور، عن خالد بن معدان، عن جبير، عن عوف -وهو ابن مالك-: أن مدديًّا وافقهم في غزوة مؤتة، وأن روميًّا كان يشد على المسلمين

стр. 6173

ويفري بهم، فتلطف له ذلك المددي فقعد له تحت صخرة، فلما مرّ به عرقب فرسه وخر الرومي لقفاه فعلاه بالسيف فقلته، فأقبل بفرسه بسرجه ولجامه وسيفه ومنطقته وسلاحه مذهب بالذهب والجوهر إلى خالد بن الوليد ﵁، فأخد منه خالد طائفة ونفله بقيته، فقلت: يا خالد ما هذا؟ أما تعلم أن رسول الله ﵇ نفل القاتل السلب كله؟ قال بلى، ولكني استكثرته، فقلت: أيم الله لأعرفنكها عند رسول الله ﵇، قال عوف: فلما قدمنا على رسول الله ﵇ أخبرته خبره، فدعاه وأمره أن يدفع إلى المددي بقية سلبه، فولى خالد ﵁ ليفعل، فقلت: كيف رأيت يا خالد أو لم أفِ لك بما وعدتك؟ فغضب رسول الله ﵇ وقال: يا خالد لا تعطه، وأقبل علي فقال: هل أنتم تاركوا أمرائي لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره". أفلا ترى أن رسول الله ﵇ قد كان أمر خالدًا بدفع بقية السلب عليه إلى المددي فلما تكلم عوف بما تكلم به أمر رسول الله ﵇ خالدًا أن لا يدفعه إليه؟ فدل ذلك أن السلب لم يكن واجبًا للمددي بقتله الذي كان ذلك السلب عليه؛ لأنه لو كان واجبًا له بذلك إذًا لما منعه رسول الله ﵇ منه لكلام كان من غيره، ولكن رسول ﵇ أمر خالدًا بدفعه إليه، وله دفعه إليه وأمره بعد ذلك بمنعه منه، وله منعه منه كقول عمر بن الخطاب ﵁ لأبي طلحة في حديث البراء: "قد بلغ مالاً عظيمًا ولا أُرَانا إلا خامسيه. قال: فخمسه" فأخبر عمر ﵁ أنهم كانوا لا يخمسون الأسلاب ولهم أن يخمسوها، وأن تركهم خمسها إنما كان بتركهم ذلك لا لأن الأسلاب قد وجبت للقاتلين كما تجب لهم سهمانهم من الغنيمة، فكذلك ما فعله رسول الله ﵇ في حديث عوف بن مالك من أمره خالدًا بما أمره به، ومن نهيه إياه بعد ذلك عما نهاه عنه إنما أمره بما له أن يأمر به، ثم نهاه عما له أن ينهاه عنه. وفيما ذكرنا دليل صحيح أن السلب لا يجب للقاتل من هذه الجهة. ش: ذكر هذا أيضًا شاهدًا لصحة ما قاله أهل المقالة الثانية من أن السلب لا يجب للقاتل بقتله، ولا يجب إلا بقول الإِمام: "من قتل قتيلاً فله سلبه"، وهو ظاهر من حديث عوف بن مالك ﵁.

стр. 6174

أخرجه بإسناد صحيح عن محمد بن عبد الرحيم الهروي -قال ابن أبي حاتم: هو صدوق. عن دحيم: وهو عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي شيخ البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه. عن الوليد بن مسلم الدمشقي روى له الجماعة. عن صفوان بن عمرو السكسكي أبي عمرو الحمصي روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح". عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي الحمصي، روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح". عن أبيه جبير بن نفير بن مالك الحضرمي الشامي الحمصي، روى له الجماعة؛ البخاري في "الأدب". عن عوف بن مالك الأشجعي الصحابي. وأخرجه أبو داود (١): عن أحمد بن حنبل، نا الوليد بن مسلم، قال: حدثني صفوان بن عمرو. . . إلى آخره. قد ذكرنا تمامه في أوائل الباب؛ لأن الطحاوي أخرج هناك طرفاً من هذا الحديث عن ربيع المؤذن، عن أسد، عن الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عوف بن مالك. وأخرجه مسلم أيضًا (٢): عن زهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم. وقد ذكرناه هناك. قوله: "إن مدديًّا وافقهم" أي إن رجلاً مدديًّا، وهو نسبة إلى المدد، و"مُؤتة" بضم الميم: موضع بالشام، وقد ذكرناها عن قريب.

стр. 6175

قوله: "ويفري بهم" أي بالمسلمين، ومعناه يبالغ في النكاية والقتل، ومادته: فاء وراء. وقال الخطابي في "شرح سنن أبي داود": معناه شدة النكاية فيهم، يقال: فلان يفري الفري إذا كان يبالغ في الأمر، وأصل الفري: القطع. قوله: "فتلطف له" أي ترفق له. قوله: "عرقب فرسه" أي قطع عرقوبه، وهو العصب الغليظ الموتر فوق عقب الإنسان، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها. قوله: "طائفة" أي شيئًا منه، والطائفة من الشيء: قطعة منه، وذكره الجوهري في باب الطوف ليعلم أنه أجوف واوي. قوله: "لأعرفنكها عند رسول الله ﵇" يريد: لأجازينك بها حتى تعرف صنيعك، قال الفراء: تقول العرب للرجل إذا أفاء إليه رجل: لأعرفن لك، أي لأجازينك عليه، يقول هذا لمن يتوعده: قد علمت ما علمت وعرفت ما صنعت، ومعناه: لأجازينك عليه لا أنك تقصد إلى أن تعرفه أنك قد علمت فقط، ومنه قوله تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ (١) قرأ الكسائي بالتخفيف، وعاصم في إحدى الروايتين، ومعنى عَرَفَ: جازى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (٢) فيجازي عليه. قوله: "لكم صفوة أمره" صفو الشيء خَالِصه -بفتح الصاد لا غير- فإذا ألحقوه الهاء قالوا: صَفوة وصِفوة -بالفتح والكسر- يريد أن مقاساة جمع المال وحفظ البلاد ومداراة الناس على الأمراء، وللناس أعطياتهم صافية، ثم ما كان من خطأ في ذلك أو غفلة أو عيب أو سوء فعلى الأمراء والناس منه أبرياء.

стр. 6176

ويستفاد منه أحكام: الأول: أن ما ذكره الطحاوي وهو أنه يدل على أن السلب لم يكن واجبًا للقاتل بقتله؛ إذ لو كان واجبًا به لما منعه رسول الله ﵇ عن ذلك المددي. الثاني: فيه أن نسخ الشيء قبل الفعل جائز؛ ألا ترى أنه ﵇ أمر برد السلب ثم أمر بإمساكه قبل أن يرده؟ فصار في ذلك نسخ لحكمه الأول. الثالث: فيه دليل أن الفرس من السلب، وأن السلب لا يخمس، ألا ترى أنه أمر خالدًا برده إليه مع استكثاره إياه! قال الخطابي: وإنما كان رده إلى خالد بعد الأمر الأول بإعطائه القاتل؛ نوعًا من النكير على عوف، وردها له لئلا يتجرأ الناس على الأئمة ولا يسرعون إلى الوقيعة فيهم، وكان خالد ﵁ مجتهدًا في صنعه ذلك؛ إذ كان قد استكثر السلب، فأمضى رسول الله ﵇ اجتهاده لما رأى في ذلك من المصلحة العامة بعد أن كان خَطَّأه في رأيه الأول، والأمر الخاص بالعام واليسير من الضرر يحتمل الكثير من النفع والصلاح، فيشبه أن يكون النبي ﵇ قد عوض المددي من الخمس الذي هو له، وترضى خالد بالرضح منه وتسليم الحكم له في السلب. ص: حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يحيى بن زكرياء، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: "لما كان يوم بدر قال رسول الله ﵇: من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا، فذهب شبان الرجال وجلست الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت القسمة جاءت الشبان يطلبون نفلهم، فقالت الشيوخ: لا تستأثروا علينا؛ فإنا كنا تحت الرايات ولو انهزمتم كنا ردءًا لكم، فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ. . .﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (١)، يقول: أطيعوني في هذا الأمر كما رأيتم عاقبة أمري حيث خرجتم وأنتم كارهون، فقسم بينهم بالسواء".

стр. 6177

ففي هذا الحديث منع رسول الله ﵇ الشبان ما كان جعله لهم. ففي هذا دليل على أن الأسلاب لا تجب للقاتلين، ولولا ذلك لما منعهم منها، ولأعطاهم أسلاب من استأثروا نفله دون من سواهم ممن تخلف منهم. ش: ذكر هذا أيضًا شاهدًا لما قاله أهل المقالة الثانية من أن السلب لا يجب للقاتل لقتله؛ وذلك لأن حديث ابن عباس يدل على ذلك صريحًا، وقد أوضحه الطحاوي فلا يحتاج إلى زيادة كشف. وأخرجه بإسناد صحيح: عن عبد الله بن محمد بن سعيد. . . إلى آخره. وأخرجه أبو داود (١): ثنا وهب بن بقية، قال: أنا خالد، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "قال رسول الله ﷺ يوم بدر: من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا قال: فتقدم الفتيان، ولزم المشيخة الرايات فلم يبرحوها، فلما فتح الله عليهم قالت المشيخة: كنا ردءًا لكم لو انهزمتم فئتم إلينا، فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى، فأتى الفتيان وقالوا: جعله رسول الله ﵇ لنا، فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ. . .﴾ إلى قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ (١) يقول: فكان ذلك خيرًا لهم فكذلك أيضًا، "فأطيعوني فإني أعلم بعاقبة هذا منكم". قال (٢): ثنا زياد بن أيوب، ثنا هشيم، قال: أنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن النبي ﵇ قال يوم بدر: من قتل قتيلاً فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرًا فله كذا وكذا. . ." ثم ساق نحوه. وحديث خالد أتمّ. قال: ثنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال، قال: ثنا يزيد بن خالد بن موهب الهمداني، قال: ثنا يحيى بن أبي زائدة، قال: أخبرني داود بهذا الحديث بإسناده.

стр. 6178

قال: "فقسمها رسول الله ﵇ بالسواء" وحديث خالد أتم. وأخرجه النسائي في "التفسير" (١): عن الهيثم من أيوب الطالقاني، عن المعتمر بن سليمان، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة نحوه. قوله: "من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا" قد فسره في رواية أبي داود بقوله: "من قتل قتيلاً فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرًا فله كذا وكذا". قوله: "لا تستأثروا علينا" أي لا تختصوا أنفسكم بالنفل. قوله: "كنا رِدْءًا" أي عونًا لكم، والرِّدْء -بكسر الراء وسكون الدال وفي آخره همزة-: العون والناصر. و"المشيخة" في رواية أبي داود -بفتح الميم-: جمع شيخ. قال الجوهري: جمع الشيخ شُيوخ وأَشْياخ وشِيَخَة وشِيخَان ومَشْيَخة ومَشَايخ ومَشْيُوخاء والمرأة: شيخة. قوله: "فِئْتم إلينا" أي رجعتم إلينا، من الفيء وهو: الرجوع. ويستفاد منه أحكام: الأول: فيه دليل واضح على أن الأسلاب لا تجب للقاتلين؛ إذ لو كان كذلك لأعطى رسول الله ﵇ الشبان إياها يوم بدر؛ فحيث قسم بين الشبان الذين قاتلوا وبين الشيوخ الذين لزموا الرايات بالسواء؛ دلَّ على أن الأسلاب لا تجب للقاتلين. الثاني: أن قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ. . .﴾ (٢) الآيات نزل يوم بدر لما اختصموا في الأنفال، وقد اختلف في سبب نزول الآية، فروي عن سعد قال: "أصبت يوم بدر سيفًا، فأتيت به النبي ﵇، فقلت: نفلنيه، فقال: ضعه من أين

стр. 6179

أخذت، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٢) فدعاني رسول الله ﵇ وقال: اذهب فخذ سيفك". وروى معاوية بن صالح، عن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ﴾ (١) قال: الأنفال الغنائم التي كانت لرسول ﷺ خاصة ليس لأحد فيها شيء، ثم أنزل الله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ. . .﴾ (١) الآية". وقال ابن جريح: أخبرني بذلك سليمان، عن مجاهد. وروى عبادة بن الصامت وابن عباس وغيرهما: "أن النبي ﵇ نفل يوم بدر أنفالًا مختلفة، وقال: من أخذ شيئًا فهو له، فاختلفت أصحابه، فقال بعضهم: نحن قاتلنا، وقال بعضهم: نحن حمينا رسول الله ﵇ وكنا ردءًا لكم، قال: فلما اختلفنا وساءت أخلاقنا انتزعه الله من بين أيدينا وجعله إلى رسول الله ﵇ فقسمه عن الخمس، وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله ﵇ وصلاح ذات البين، لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١). قال عبادة: قال رسول الله ﵇: ليرد قوي المسلمين على ضعيفهم". ويقال: إن الذي ذكر في حديث ابن عباس وعبادة أن النبي ﵇ قال يوم بدر قبل القتال: من أخذ شيئًا فهو له، ومن قتل قتيلاً فله كذا؛ غلط، وإنما قال النبي ﵇ يوم حنين: "من قتل قتيلاً فله سلبه"؛ وذلك لأنه قد روي: "لم تحل الغنائم لقوم سود الرءوس غيركم"، وأن قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (٢)، يقال: نزلت بعد حيازة غنائم بدر، فعلمنا أن رواية من روى أن النبي ﵇ نفلهم ما أصابوا قبل القتال غلط إذ كانت إباحتها إنما كانت بعد القتال. قال أبو بكر الجصاص ﵀: ومما يدل على غلطه: أنه قال: من أخذ شيئًا فهو

стр. 6180

له، ومن قتل قتيلاً فله كذا، ثم قسمها بينهم بالسواء؛ وذلك لأنه غير جائز على النبي ﵇ خلف الوعد ولا استرجاع ما جعله لإنسان وأخذه منه وإعطاؤه غيره، والصحيح أنه لم يتقدم من النبي ﵇ قول في الغنائم قبل القتال، فلما فرغوا من القتال وتنازعوا في الغنائم؛ أنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (١) فجعل أمرها إلى النبي ﵇ في أن يجعلها لمن يشاء، فقسمها بينهم بالسواء، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٢) على ما روي عن ابن عباس ومجاهد؛ فجعل الخمس لأهله وللمسليمن في الكتاب والأربعة الأخماس للغانمين، وبين النبي ﵇ سهم الفارس والراجل وبقي حكم النفل قبل إحراز الغنيمة بقوله: "من قتل قتيلاً فله سلبه، ومن أصاب سبياً فهو له". قلت: القول المذكور بأن ما في حديث عبادة وابن عباس: "أن النبي ﵇ قال يوم بدر. . ." إلى آخره غلط غير صحيح؛ لأن الحديث المذكور أخرجه أبو داود بطرق صحيحة، وأخرجه الطحاوي كذلك، وتعليلهم بقولهم لأنه غير جائز على النبي ﵇ خلف الوعد. . . إلى آخره، غير صحيح؛ لأن الطحاوي قد تعرض إلى ذلك بقوله: فإن قال قائل: فما وجه منعه ﵇ إياهم. . . إلى آخره. ثم أجاب عن ذلك بجواب يقطع شغب هؤلاء، ويرد ما ذكروه على ما يأتي الآن إن شاء الله تعالى. الثالث: فيه جواز التحريض للإِمام بعض الغزاة المقاتلين الشجعان وحثهم على القتال بقوله: "من فعل كذا فله كذا". ص: فإن قال قائل: فما وجه منعه ﵇ إياهم مما كان جعله لهم؟ قيل له: لأن ما كان جعله لهم فإنما كان لأن يفعلوا ما هو صلاح لسائر المسلمين

стр. 6181

وليس من صلاح المسلمين تركهم الرايات والخروج عنها وإضاعة الحافظين لها، فلما خرجوا عن ذلك كانوا قد خرجوا عن المعنى الذي به يستحقون ما جعل لهم، فمنعهم رسول الله ﵇ منه لذلك. ش: تقرير السؤال أن يقال: إنه ﵇ قد وعد لهم كلهم بقوله: "من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا" ثم منع الشبان ما كان جعله لهم، وهذا يشبه خلف الوعد، وذلك غير جائز في حقه ﵇؟ والجواب ظاهر يعرف بأدنى تأمل. ***

стр. 6182

ص: باب: سهم ذوي القربى ش: أي هذا باب في بيان سهم ذوي القربى، والسهم: النصيب. وذوو القربى: أقرباء النبي ﵇. واختلف العلماء في ذلك، فقال أصحابنا: قرابة النبي ﵇ الذين تحرم عليهم الصدقة ذوو أقربائه وآله، وهم آل علي وآل العباس وآل جعفر وآل عقيل وولد الحارث بن عبد المطلب. وروي نحو ذلك عن زيد بن أرقم. وقال آخرون: بنو المطلب داخلون فيهم؛ لأن النبي ﵇ أعطاهم من الخمس، وقال بعضهم: قريش كلها من أقرباء النبي ﵇ الذين لهم سهم من الخمس، إلا أن للنبي ﵇ أن يعطيه من رأى منهم. وبه قال الأصبغ به فرج، وسيجيء مزيد الكلام فيه إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، يحدث عن علي بن أبي طالب ﵁: "أن فاطمة أتت رسول الله ﷺ تشكو إليه أثر الرحا في يدها، وبلغها أن النبي ﵇ أتاه شيء، فأتته تسأله خادمًا، فلم تلقه، ولقيتها عائشة ﵂، فاخبرتها الحديث، فلما جاء النبي ﵇ أخبرته بذلك، قال: فأتانا رسول الله ﵇ وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا لنقوم، فقال: مكانكما، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ تكبرا الله أربعًا وثلاثين، وتسبحا ثلاثًا وثلاثين، وتحمدًا ثلاثًا وثلاثين إذا أخذتما مضاجعكما؛ فإنه خير لكما من خادم". ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وعبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي.

стр. 6183

والحكم هو ابن عتيبة. وأخرجه البخاري (١): ثنا سليمان بن حرب، نا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن علي ﵁: "أن فاطمة ﵂ شكت ما تلقى في يدها من الرحى، فأتت النبي ﵇ تسأله خادمًا فلم تجده، فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته، قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت أقوم، فقال: مكانك، فجلس بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما أو أخذتما مضاجعكما فكبرا ثلاثاً وثلاثين، وسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، فهذا خير لكما من خادم". وعن شعبة، عن خالد، عن ابن سيرين قال: التسبيح أربع وثلاثون. وأخرجه مسلم (٢): ثنا ابن مثنى وابن بشار واللفظ لابن مثنى، قالا: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم، قال: سمعت ابن أبي ليلى، قال: أنا علي ﵁: "أن فاطمة ﵂ اشتكت ما تلقى من الرحى في يدها، وأتي النبي ﵇ بسبي فانطلقت فلم تجده، ولقيت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي ﵇ أخبرته عائشة بمجيء فاطمة إليها، فجاء النبي ﵇ إلينا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال النبي ﵇: على مكانكما، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدمه على صدري، وقال: ألا أخبركما خيرًا مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما أن تكبرا الله أربعًا وثلاثين، وتسبحاه ثلاثاً وثلاثين، وتحمداه ثلاثًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم". وأخرجه أبو داود (٣): ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا شعبة، وثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن شعبة -المعنى- عن الحكم، عن ابن أبي ليلى -قال مسدد-: ثنا علي ﵁ قال: "شكت فاطمة ﵂ إلى النبي ﵇ ما تلقى في يدها من الرحى فأتي بسبي،

стр. 6184

فأتته تسأله فلم تره، فأخبرت بذاك عائشة، فلما جاء النبي ﵇ أخبرته، فأتانا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا لنقوم، فقال: على مكانكم، فجاء فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ إذا أخذتما مضاجعكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين؛ فهو خير لكما من خادم". وأخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (١): عن قتيبة، عن سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن علي ﵁. وعن (٢) أحمد بن سليمان، عن يزيد، ثنا العوام، عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى في معناه. قوله: "تسأله خادمًا" الخادم: واحد الخدم غلامًا كان أو جارية؛ لأنه خرج عن عدا الاشتقاق، ودخل في حكم الأسماء كالحائض والعاتق. قوله: "وقد أخذنا مضاجعنا" أي دخلنا في فراشنا للنوم. قوله: "تكبرا الله أربعًا وثلاثين" أي تقولان: الله أكبر -أربعًا وثلاثين مرة- وتقولان: سبحان الله -ثلاثًا وثلاثين مرة- وتقولان: الحمد لله -ثلاثاً وثلاثين مرة- فتصير الجملة مائة مرة. وفي رواية البخاري: كل واحدة من هذه تقال ثلاثًا وثلاثين مرة، فتصير الجملة تسعة وتسعين. وفي رواية ابن سيرين: التسبيح يقال أربعًا وثلاثين والتكبير ثلاثًا وثلاثين، والتحميد ثلاثًا وثلاثين. قوله: "فإنه خير لكما من خادم" أي قال: هذا القول خير لكما من خادم، معناه أنكما تتقويان بالذكر وتستغنيان عن الخادم.

стр. 6185

ويستفاد من أحكام: الأول: احتجت به طائفة على أن ذوي قرابة رسول الله ﷺ لا سهم لهم في الخمس معلوم، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. الثاني: فيه بيان فضيلة هذا الذكر. الثالث: استدلت به طائفة على وجوب الخدمة على الزوجة مثل الطبخ والخبز وغسل الثياب ونحو ذلك، وإن كانت الزوجة من بنات الأشراف، وعندنا ليس عليها ذلك، وإنما كانت خدمة فاطمة ﵂ على وجه البر والإحسان لا على وجه الإلزام، فإذا قامت الزوجة بذلك على وجه المروءة والفضل فلها ذلك، ولا إجبار عليها بذلك. وأفتى بعض مشايخنا بالعرف. ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن علي ﵁: "أنه قال لفاطمة ﵂ ذات يوم: قد جاء الله أباك بسعة ورقيق فأتيه فاستخدميه، فأتته فدكرت ذلك له، فقال: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصُفَّة تطوى بطونهم ولا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيعها وأنفق عليهم، ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ علمنيه جبريل ﵇: كبرا في دبر كل صلاة عشرًا وسبحا عشرًا واحمدا عشرًا، وإذا أويتما إلى فراشكما. . ." ثم ذكر مثل ما في حديث سليمان. ش: هذا وجه آخر، وطريقه صحيح، ورجاله ثقات قد تكرر ذكرهم. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عفان، ثنا حماد، أنا عطاء بن السائب، عن أبيه، عن علي ﵁: "أن رسول الله ﷺ لما زوجه فاطمة بعث معه بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف ورحائين وسقاء وجرتين، فقال علي ﵁ لفاطمة ﵂ ذات يوم: والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، قال: وقد جاء الله أباك بسبي، فاذهبي فاستخدميه، فقالت: والله قد طحنت حتى مجلت يداي، فأتت النبي ﵇ فقال:

стр. 6186

ما جاء بك أي بنية؟ فقالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله ورجعت، فقال: ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله, فأتيناه جميعًا، فقال علي ﵁: يا رسول الله، والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة ﵂: قد طحنت حتى مجلت يداي، وقد جاءك الله بسبي وسعة، فأخدمنا، فقال: والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم، فرجعا، فأتاهما النبي ﵇ وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رءوسها تكشفت أقدامهما، وإذا غطيا أقدامها تكشفت رؤوسهما، فثارا، فقال: مكانكما، ثم قال: ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ قالا: بلى، فقال: كلمات علمنيهن جبريل ﵇، فقال: تسبحان في دبر كل صلاة عشرًا وتحمدان عشرًا وتكبران عشرًا، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبرا أربعًا وثلاثين، قال: فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله ﵇، قال: فقال له ابن الكواك: ولا ليلة صفين؟ فقال: قاتلكم الله يا أهل العراق، نعم ولا ليلة صفين". قوله: "بسَعَة" السعة بفتحتين الجدة والطاقة، وأراد بها المال. قوله: "تطوى بطونهم" يقال: طَوِيَ من الجوع يَطْوَى طوى، فهو طاوٍ: أي خالي البطن جائع لم يأكل، وطَوَى يَطْوِي إذا تعمد ذلك. قال الجوهري: الطَّوَى الجوع، يقال: طَويَ -بالكسر- يَطْوِي طوًى فهو طاوٍ ووطيًّان، وطَوَى -بالفتح- يَطْوِي طيًّا إذا تعمد لذلك. قوله: "لقد سنوت" أي استقيت، ومنه السانية، وهي الناقة التي يستقى عليها. قوله: "حتى مجلت يداي" يقال: مَجَلت يده تَمْجُل مَجْلاً ومَجِلَت تَمْجَلُ مَجَلاً إذا ثَخنُ جلدها وتَعَجَّر وظهر منها ما يشبه البثر من العمل في الأشياء الصلبة الخشنة. و"القطيفة" كساء له خمل.

стр. 6187

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا زيد ابن الحباب، قال: حدثني عياش بن عقبة، قال: حدثنى الفضل بن حسن بن عمرو، عن ابن أم الحكم، أن أمه حدثته: "أنها ذهبت هي وأختها حتى دخلتا على فاطمة ﵂، فخرجن جميعًا فأتين رسول الله ﵇ وقد أقبل من بعض مغازيه ومعه رقيق، فسألته أن يخدمهن، فقال رسول الله ﵇: سبقكن يتامى أهل بدر". ش: ابن أبي داود هو إبراهيم البرلسي. ومحمد بن عبد الله بن نمير الهمداني الخارفي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه. وزيد بن الحباب بن زياد العكلي الكوفي روى له الجماعة سوى البخاري. وعياش -بالياء آخر الحروف والشين المعجمة- بن عقبة بن كليب الحضرمي المصري أمير مصر لأبي جعفر، قال الدارقطني: ليس به بأس، روى له أبو داود والنسائي. والفضل بن حسن بن عمرو بن أمية الضمري المدني نزيل مصر، وثقه ابن حبان. وابن أم الحكم، أم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب، على ما نذكره. وهذا كما رأيت الفضل بن حسن يروي عن ابن أم الحكم، ووقع في بعض النسخ: عن أم الحكم، بدون الابن. وكذا وقع بالوجهين في "سنن أبي داود"، ولكن الصواب: عن ابن أم الحكم، وكذا ذكر ابن عساكر في "الأطراف"، وقال: أخرج أبو داود، عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن عياش بن عقبة الحضرمي، عن الفضل بن الحسن الضمري، أنا ابن أم الحكم أو ضباعة ابنتي الزبير حدثه عن إحداهما.

стр. 6188

وكذا أخرج الطبراني في "معجمه" (١): من طريق ابن أبي شيبة، وقال: الفضل بن حسن بن عمرو بن أمية، عن ابن أم الحكم على ما نذكره. وكذا وقع في رواية أبي يعلى الموصلي، ووقع في رواية أبي سعيد بن يونس في ترجمة الفضل بن حسن: عن أم الحكم -بدون ذكر الابن- على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وأم الحكم هي بنت الزبير بن عبد المطلب بن هاشم القرشية بنت عم النبي ﵇، ويقال لها أم الحكيم أيضًا، قيل: اسمها عاتكة، وقيل: صفية، وقيل ضباعة. قال خليفة بن خياط: حدثني غير واحد من بني هاشم أنهم لا يعرفون للزبير ابنة غير ضباعة، وقال: ضباعة هي أم حكيم، قال الحافظ أبو قاسم: هذا وهم؛ فقد ذكر الزبير بن بكار للزبير ابنتين: ضباعة وأم حكيم، وذكر أن أم حكيم كانت تحت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وولده منها، وضباعة كانت تحت المقداد. قوله: "ذهبت هي وأختها" أختها هي ضباعة بنت الزبير ﵃. والحديث أخرجه أبو داود (٢): ثنا أحمد بن صالح، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: ثنا عياش بن عقبة الحضرمي، عن الفضل بن حسن الضمري، أن ابن أم الحكم أو ضباعة ابنتي الزبير، حدثه عن إحداهما أنها قالت: "أصاب رسول الله ﵇ سبيًا، فذهبت أنا وأختي وفاطمة بنت رسول الله ﵇ إلى النبي ﵇ فشكونا إليه ما نحن فيه، وسألناه أن يأمر لنا بشيء من النبي، فقال رسول الله ﵇: سبقكن يتامى بدر. . ." ثم ذكر قصة التسبيح. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا زيد بن الحباب،

стр. 6189

حدثني عياش بن عقبة، حدثني الفضل بن حسن بن عمرو بن أمية الضمري، حدثني ابن أم الحكم، قال: حدثتني أمي أم الحكم: "أن رسول الله ﵇ قدم من بعض غزواته وقد أصاب رقيقًا، فذهبت هي وأختها حتى دخلتا على فاطمة ﵂، فذهبن إلى النبي ﵇ يسألنه أن يخدمهن وشكين إليه الحاجة، فقال: لا، لقد سبقكن يتامى أهل بدر". وأخرجه ابن يونس في "تاريخه": ثنا أحمد بن أبي عمر المعافري، ثنا محمد بن سلمة المرادي، ثنا ابن وهب، عن عياش بن عقبة، أن الفضل بن حسن بن عمرو بن أمية الضمري، ثنا أن أم الحكم أو ضباعة ابنتي الزبير بن عبد المطلب حدثته إحداهما أنها قالت: "أصاب رسول الله ﵇ سبايا، فذهبت أنا وفاطمة ابنة النبي ﵇ نشكو إليه، وسألناه أن يأمر لنا بشيء من ذلك السبي، فقال رسول الله ﵇: سبقكن بها يتامى أهل بدر، ولكن أدلكن على ما هو خير لَكُنَّ من ذلك: تكبرن الله على أثر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين تكبيرة وثلاثًا وثلاثون تسبيحة وثلاثًا وثلاثون تحميدة، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن ذوي قرابة رسول الله ﵇ لا سهم لهم في الخمس معلوم، ولا حظّ لهم منه خلاف حظ غيرهم. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن بن محمد بن الحنفية والحسن البصري ومحمد بن إسحاق وآخرين، فإنهم قالوا: لا حظ لقرابة رسول الله ﵇ من الخمس معلومًا، ولا نصيب لهم خلاف نصيب غيرهم. ص: قالوا: إنما جعل الله لهم ما جعل من ذلك بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١)، وبقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ

стр. 6190

وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١) لحال فقرهم وحاجتهم، فأدخلهم مع الفقراء والمساكين، فكما يخرج الفقير واليتيم والمسكين من ذلك لخروجهم من المعنى الذي به استحقوا ما استحقوا من ذلك، فكذلك ذووا قرابة رسول الله ﵇ المضمومون معهم إنما كانوا ضُمُّوا معهم لفقرهم، فإذا استغنوا خرجوا من ذلك. وقالوا: لو كان لقرابة رسول الله ﵇ في ذلك حظ لكانت فاطمة بنت رسول الله ﵇ منهم، إذ كانت أقربهم إليه نسبًا وأمسهم به رحمًا، فلم يجعل لها حظًّا في السَّبْي الذي ذكرنا فيخدمها خادمًا ولكنه وكلها إلى ذكر الله ؛ لأن ما تأخذه من ذلك إنما حكمها فيه حكم المسكين فيما يأخد من الصدقة، فرأى أن تركها ذلك والإقبال على ذكر الله وتسبيحه وتهليله خيرًا لها من ذلك وأفضل. وقد قسم أبو بكر وعمر ﵁ بعد وفاة رسول الله ﵇ جميع الخمس فلم يريا لقرابة رسول الله ﵇ في ذلك حقًّا خلاف حق سائر المسلمين، فثبت بذلك أن هذا هو الحكم عندهما، وثبت [إذ] (٢) لم ينكره عليهما أحد من أصحاب رسول الله ﵇، ولم يخالفهما فيه؛ أن ذلك كان رأيهم فيه أيضًا. وإذا ثبت الإجماع في ذلك من أبي بكر وعمرو من جميع أصحاب رسول الله ﵇؛ ثبت القول به، ووجب العمل به وترك خلافه. ش: أي قال هؤلاء القوم، وأشار به إلى بيان حجة هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه، وهو ظاهر. قوله: "لحال فقرهم" متعلق بقوله: "إنما جعل الله لهم ما جعل". قوله: "إنما كانوا ضُمُّوا" على بناء المجهول. قوله: "إذ كانت" تعليل لما قبله.

стр. 6191

قوله: "ولكنه وَكَلَها" بتخفيف الكاف، يقال: وَكَلْتُ أمري إلى فلان: أي ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه، وأما وكّلته -بالتشديد- فمعناه استكفيته أمره ثقة بكفايته أو عجزًا عن القيام بأمر نفسي. قوله: "وقد قسم أبو بكر. . ." إلى آخره، إشارة إلى بيان أن ما ذهبوا إليه هو ما وقع عليه الإجماع من الصحابة؛ وذلك لأن أبا بكر وعمر ﵄ لما قسما الخمس بعد وفاة النبي ﵇ ولم يريا لذوي قرابة النبي ﵇ في ذلك حقًّا خلاف حق سائر المسلمين، ولم ينكر عليهما أحد من الصحابة ﵃، فصار ذلك إجماعًا لا يخالف فيه ولا يعدل إلى غيره. ص: ثم هذا عليّ ﵁ لما صار الأمر إليه؛ حمل الناس على ذلك أيضًا، وذكروا في ذلك ما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن محمد بن إسحاق، قال: "سألت أبا جعفر فقلت: أرأيت علي بن أبي طالب ﵁ حيث ولي العراق وما ولي من أمر الناس كيف صنع في سهم ذوى القربى؟ قال: سلك به والله سبيل أبي بكر وعمر ﵄، فقلت: وكيف وأنتم تقولون ما تقولون؟ قال: أَمَ والله ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه، قلت: فما منعه؟ قال: كره والله أن يدعى عليه خلاف أبي بكر وعمر ﵄". فهذا علي بن أبي طالب ﵁ قد أجراه على ما كان أبو بكر وعمر ﵄ أجرياه عليه؛ لأنه رأى ذلك عدلاً, ولو كان رأيه بخلاف ذلك مع علمه وفضله ودينه إذًا لرده إلى ما رأى. ش: أوضح ما ذكره من بيان ما ذهب إليه هؤلاء القوم: هو ما وقع عليه إجماع الصحابة بما روي عن علي بن أبي طالب ﵁. أخرجه بإسناد صحيح: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن يوسف بن عدي ابن زريق شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن محمد بن إسحاق المدني، عن

стр. 6192

أبي جعفر هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ المعروف بالباقر؛ لُقِّبَ به لأنه تبقر في العلوم أي توسع، والتبقر: التوسع، روى له الجماعة. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث حماد بن زيد وغيره، عن ابن إسحاق، قال: "سألت أبا جعفر -يعني الباقر- كيف صنع علي ﵁ في سهم ذوي القربى؟ قال: سلك به طريق أبي بكر وعمر. قلت: وكيف وأنتم تقولون ما تقولون؟ قال: أما والله ما كانوا يصدرون إلا عن رأيه، ولكنه كره أن يتعلق عليه خلاف أبي بكر وعمر" وفي لفظ قال: "أما والله ما كان أهل بيته يصدرون إلا عن رأيه، ولكن كان يكره أن يُدَّعى عليه خلاف أبي بكر وعمر ﵄". وكذلك رواه السفيانان عن أبي إسحاق. وقال البيهقي: ضعف الشافعي هذه الرواية بأن عليًّا ﵁ قد رأى غير رأيهما في أن يجعل للعبد في القسمة شيئًا، ورأى غير رأي عمر في التسوية بين الناس وفي بيع أمهات الأولاد، وخالف أبا بكر في الجَدِّ. قوله: "أَمَ والله" أصله: أما والله، وهي حرف استفتاح بمنزلة "ألا". قوله: "يصدرون" أي يرجعون. قوله: "أن يُدَّعى عليه" أي يتعلق عليه خلاف الشيخين. ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، قال: "سألت الحسن بن محمد بن علي ﵃ عن قول الله : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٢)؟ قال: أما قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ فهو مفتاح كلام: لله الدنيا والآخرة وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين، فاختلف الناس بعد وفاة رسول الله ﵇، فقال قائل منهم: سهم ذوي القربى لقرابة الخليفة، وقال قائل:

стр. 6193

سهم النبي ﵇ للخليفة من بعده، ثم اجتمع رأيهم أن جعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكان ذلك في إمارة أبي بكر وعمر ﵄". قال: أفلا ترى أن ذلك مما قد اجتمع أصحاب رسول الله ﵇ أنه راجع إلى الكيل والسلاح الذي يكون عدة للمسلمين لقتال عدوهم؟ ولو كان ذلك لذوي قرابة رسول الله ﵇ لما مُنِعُوا منه ولا صرف إلى غيرهم، ولا خفي ذلك على الحسن بن محمد مع علمه في أهله وتقدمه فيهم، وقد قال ذلك عبد الله بن العباس ﵄ في جوابه لنجدة لما كتب إليه يسأله عن سهم ذوي القربى. وذكروا في ذلك ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: حدثني عمي جويرية بن أسماء، عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب، أن يزيد بن هرمز حدثه: "أن نجدة صاحب اليمامة كتب إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذوي القربى، فكتب إليه ابن عباس: إنه لنا، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ دعانا نُنْكِحَ منه أَيِّمنا ونقضي منه عن غارِمنا، فأبينا إلا أن يسلمه لنا كله ورأينا أنه لنا". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت قيسًا يحدث، عن يزيد بن هرمز، قال: "كتب نجدة بن عامر إلى ابن عباس ﵄ يسأله عن سهم ذوي القربى الذي ذكر الله وفرض لهم. فكتب إليه -وأنا شاهد-: كنا نُرَى أنهم قرابة رسول الله ﵇؛ فأبى ذلك علينا قومنا". فهذا ابن عباس يخبر أن قومهم أبوا عليهم أن يكون لهم، ولم يظلم من أبي ذلك عليه، فدلَّ أن ما أريد من ذلك بقرابة رسول الله ﵇ هو ما ذكرنا من الفقر والحاجة. فهذه حجج من ذهب إلى أن ذوي القربى لا سهم لهم، في الخمس، وأن ذلك لم يكن لهم في عهد رسول الله ﵇ ولا من بعده. ش: أي احتج هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث قيس بن مسلم. أخرجه بإسناد صحيح.

стр. 6194

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمد بن الحنفية، قال: "اختلف الناس بعد وفاة رسول الله ﵇ في هذين السهمين: سهم لرسول الله ﵇، وسهم ذي القربى، فقالت طائفة: سهم الرسول ﵇ للخليفة من بعده. وقالت طائفة: سهم ذوي القربى لقرابة الخليفة. فأجمعوا على أن جعلوا هذين السهمين في الكراع وفي العدة في سبيل الله". وأخرجه البيهقي (٢): من حديث الثوري، عن قيس بن مسلم، قال: "سألت الحسن بن محمد عن قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٣)، فقال: هذا مفتاح كلام: لله ما في الدنيا والآخرة". قوله: "وقد قال ذلك" أشار به إلى ما قاله الحسن بن محمد بن الحنفية. قوله: "وذكروا في ذلك" أي ذكر هؤلاء القوم فيه ما قال عبد الله بن عباس. وأخرجه بإسناد صحيح من طريقين: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي. . . إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطإه". وأخرجه البيهقي في "سننه" (٤): من حديث يزيد بن هارون، أنا ابن إسحاق، عن أبي جعفر محمد بن علي -أحسبه قال: والزهري- عن يزيد بن هرمز قال: "كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذوي القربى، [لمن هو؟ قال: كتبت إليّ

стр. 6195

تسألني عن سهم ذوي القربى لمن هو؟] (١) قال: فهو لنا وكان عمر ﵁ دعانا إلى أن ننكح منه أيمنا ونخدم منه عائلنا ونقضي منه غارمنا، فأبينا إلا أن يسلمه إلينا، وأبى أن يفعل، فتركناه". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن قيس بن سعد، عن يزيد بن هرمز. . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): ثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا وهب بن جرير بن حازم، قال: حدثني أبي، قال: سمعت قيسًا يحدث، عن يزيد بن هرمز. وحدثني محمد بن حاتم -واللفظ له- قال: ثنا بهز، قال: ثنا جرير بن حازم، قال: حدثني قيس بن سعد، عن يزيد بن هرمز قال: "كتب نجدة بن عامر إلى ابن عباس ﵄، قال: فشهدت ابن عباس حين قرأ كتابه وحين كتب جوابه، وقال ابن عباس: والله لولا أن أرده عن نَتْن يقع فيه ما كتبت إليه ولا نعمة عين، قال: فكتب إليه: إنك سألت عن سهم ذي القربى الذي ذكر الله، من هم؟ وإنا كنا نُرَى أن قرابة رسول الله ﵇ هم [نحن] (٣)، فأبى ذلك علينا قومنا. . . " الحديث. قوله: "أَيِّمنا" الأَيِّم واحد الأيامى الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، يقال: رجل أيّم سواء تزوج من قبل أو لم يتزوج، وامرأة أيّم أيضًا بكرًا كانت أو ثيِّبًا. قوله: "غارمنا" الغارم: الذي يلتزم ما ضمنه وتكفل به ويؤديه، والغريم الذي عليه الدَّين. ص: وقد خالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: قد كان لهم سهم على عهد رسول الله ﵇ وهو خُمس الخُمس، وكان لرسول الله ﵇ أن يضعه فيمن شاء منهم.

стр. 6196

وذكروا في ذلك ما حدثنا محمد بن بحر بن مطر وعلي بن شيبة البغداديان، قالا: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جبير بن مطعم، قال: لما قسم رسول الله ﵇ سهم ذوي القربى أعطى بني هاشم وبني المطلب ولم يعط بني أمية شيئًا، فأتيت أنا وعثمان ﵁ رسول الله ﵇ فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم فضَّلهم الله بك فما بالنا وينو المطلب وإنما نحن وهم في النسب شيء واحد؟! فقال: إن بني المطلب لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام". قالوا: فلما أعطى رسول الله ﵇ ذلك السهم بعض القرابة وحَرَم مَنْ قرابته منهم كقرابتهم؛ ثبت بذلك أن الله لم يُرِد بما جعل لذوي القربى كل قرابة رسول الله ﷺ ، وإنما أراد خاصًّا منهم، وجعل الرأي في ذلك إلى رسول الله ﵇ يضعه فيمن شاء منهم، فإذا مات فانقطع رأيه انقطع ما جعل لهم من ذلك، كما جعل لرسول الله ﵇ أن يصطفي من المغنم لنفسه سهم الصفي فكان ذلك له ما كان حيًّا يختار لنفسه من المغنم ما شاء، فلما مات انقطع ذلك. وممن ذهب إلى القول: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن المسيب وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر وأحمد في رواية وبعض المالكية، فإنهم قالوا: كان لذوي القربى سهم في زمن النبي ﵇ وهو خُمس الخُمس، وكان أمره مفوضًا إلى رسول الله ﵇ يضعه فيمن شاء منهم. قال أبو بكر الجصاص: اختلف في سهم ذوي القربى، فقال أبو حنيفة في "الجامع الصغير": يقسم الخُمس على ثلاثة أسهم: للفقراء والمساكين وأبناء السبيل. وروى بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة قال: خمس الله والرسول واحد، وخمس ذي القربى لكل صنف سماه الله في الآية: خُمس الخُمس. وقال الثوري: سهم النبي ﵇ هو خُمس الخُمس، وما بقي فللطائفة التي سمى الله تعالى.

стр. 6197

وقال مالك: يعطى من الخُمس أقرباء رسول الله ﵇ على ما يرى ويجتهد. وقال الأوزاعي: خُمس الغنيمة لمن سمي في الآية. وقال الشافعي: يقسم سهم ذي القربى بين غنيهم وفقيرهم. قوله: "وذكروا في ذلك" أي ذكر هؤلاء القوم الآخرون فيما ذهبوا إليه حديث جبير بن مطعم ﵁. وأخرجه بإسناد صحيح. وأخرجه البخاري في كتاب "الجهاد" (١): ثنا عبد الله بن يوسف، نا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن جبير بن مطعم قال: "مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله ﵇ فقلنا: يا رسول الله أعطيتَ بني المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله ﵇: إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد". قال الليث: حدثني يونس وزاد: "قال جبير: ولم يقسم النبي ﵇ لبني عبد شمس ولا لبني نوفل". وقال ابن إسحاق: عبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم، وأمهم عاتكة بنت مرة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم. وأخرجه البخاري أيضًا في "مناقب قريش" (٢) وفي "المغازي" (٣): عن يحيى بن بكير نحوه. وأخرجه أبو داود (٤): ثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، قال: أخبرني جبير بن مطعم. . . إلى آخره نحوه.

стр. 6198

وأخرجه النسائي في "قسم الفيء" (١): عن ابن مثنى، عن يزيد بن هارون، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسبب. . . نحوه. وعن (٢) عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن يحيى، عن نافع بن يزيد، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن ابن المسبب نحوه. قوله: "أعطى بني هاشم" وهم آل عبد المطلب؛ وذلك لأن هاشمًا لم يُعْلم له ولدٌ غير عبد الطلب، وولد لعبد المطلب عبد الله أب النبي ﵇ على عمود النسب، وولد له خارجًا عنه جميع أعمام رسول الله ﵇. وبنو المطلب هم المطلبيون ومنهم الشافعي ﵁؛ وذلك لأن عبد مناف وُلِد له هاشم على عمود النسب، وولد له خارجًا عنه عبد شمس والمطلب ونوفل، فَمِنْ عبد شمس: أمية، ومنه بنو أمية، ومنهم عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، ومعاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أميه، وسعيد بن العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية، وعتبة بن أبي ربيعة بن عبد شمس. ومن المطلب المطلبيون، ومن نوفل النوفليون. قوله: "وإنما نحن وهم في النسب شيء واحد" وكان يحيى بن معين يرويه: "إنما بنو هاشم وبنو المطلب سيْء واحد" بالسين المهملة أي مثل سواء، يقال هذا سيْء هذا: أي مثله. وأراد بهذا الكلام الحِلْف الذي كان بين بني هاشم وبني المطلب في الجاهلية. وجاء في رواية أخرى: "إنا لم نفترق في جاهلية ولا إسلام". وقال الجصاص: هذا الحديث يدل من وجهين على أن ذا القربى غير مستحق للقرابة فحسب: أحدهما: أن بني عبد المطلب وبني عبد شمس في القرب من النبي ﵇ سواء،

стр. 6199

فأعطى بني المطلب ولم يعط بني عبد شمس، ولو كان مستحقًّا بالقرابة لساوى بينهم. والثاني: أن فعل النبي ﵇ خرج مخرج البيان لِمَا أُجمل في الكتاب من ذكر ذي القربى، وفعل النبي ﵇ إذا ورد على وجه البيان هو على الوجوب، فلما ذكر النبي ﵇ النصرة مع القرابة دلَّ على أنه مراد الله تعالى، فمن لم يكن له منهم نصرة فإنما يستحقه بالفقر. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل ذوو القربى الذي جعل لهم من ذلك ما جعل: هم بنو هاشم وبنو المطلب، فأعطاهم رسول الله ﵇ ما أعطاهم من ذلك، فجعل الله ذلك لهم، ولم يكن له حينئذٍ أن يعطي غيرهم من بني أمية وبني نوفل؛ لأنهم لم يدخلوا في الآية، وإنما دخل فيها من قرابة رسول الله ﵇ بنو هاشم وبنو المطلب خاصة. ش: أي خالف الفرقَيْن الأوليْن جماعة آخرون، وأراد بهم: طائفة من أهل الحديث، منهم: أحمد بن حنبل -في رواية- وإسحاق وأبو عبيد، فإنهم قالوا: ذووا القربى هم بنو هاشم وبنو المطلب خاصّةً، وهم الداخلون في الآية. ص: فلما اختلفوا في هذا الاختلاف، فذهب كل فريق إلى ما ذكرنا، واحتج لقوله بما وصفنا، وجب أن يكشف كل فريق منها، وما ذكرنا من حجة قائلة لنستخرج من هذه الأقاويل قولاً صحيحًا، فنظرنا في ذلك، فابتدأنا بقول الذي نفى أن يكون لهم في الآية شيء بحق القرابة، وإنما جعل لهم منها ما جعل لحاجتهم وفقرهم كما جعل للمساكين واليتيم فيها ما جعل لحاجتهما وفقرهما، فإذا ارتفع الفقر عنهم جميعًا ارتفعت حقوقهم من ذلك. فوجدنا رسول الله ﵇ قد قسم سهم ذوي القربى حين قسمه فأعطى بني هاشم وبني المطلب وعمهم جميعًا، وقد كان فيهم الغني والفقير.

стр. 6200

فثبت بذلك أنه لو كان ما جعل لهم في ذلك هو لعلة الفقر لا لعلة القرابة إذًا لما أدخل أغنياءهم مع فقرائهم فيما جعل لهم من ذلك، وَلَقَصَدَ إلى الفقراء منهم دون الأغنياء، فأعطاهم كما فعل في اليتامى، فلما أدخل أغنياءهم وفقراءهم ثبت بذلك أنه قصد بذلك إلى أعيان القرابة بعلة قرابتهم لا لعلة فقرهم. ش: أي فلما اختلف هؤلاء الفرق الثلاث في حكم سهام ذوي القربى هذا الاختلاف المذكور فذهب كل فريق إلى مذهب واحتج لما ذهب إليه بما ذكر من الحجج؛ وجب الكشف عن ذلك كله ليعلم القول الصحيح من هذه الأقوال الثلاثة ويعتمد عليه. قوله: "فابتدأنا بقول الذي نفى. . . " إلى آخره، هو قول أهل المقالة الأولى الذين ذهبوا إلى أن ذوي قرابة رسول الله ﵇ لا سهم لهم في الخُمس معلومٌ، وإنما أعطى لهم من ذلك ما أعطى؛ لأجل حاجتهم وفقرهم كما أعطى منه للمساكين واليتامى، فإذا كان كذلك تكون العلة في ذلك هي الفقر والاحتياج، فإذا ارتفعت هذه العلة ارتفع الحكم المذكور، وأشار إلى هذا المعنى بقوله: "فوجدنا رسول الله ﵇ قد قسم. . ." إلى آخره. قوله: "وعمهم جميعًا" من التعميم وهو الشمول. ص: وأما ما ذكروا من حديث فاطمة ﵂ حيث سألت رسول الله ﷺ أن يُخدمها خادمًا من السبي الذي كان قدم عليه، فلم يفعل ووكلها إلى ذكر الله والتسبيح، فهذا ليس فيه عندنا دليل لهم على ما ذكروا؛ لأن رسول الله ﷺ لم يقل لها عندما سألته: لا حق لك فيه، ولو كان ذلك كذلك لبيَّن ذلك لها كما بينه للفضل بن العباس وربيعة بن الحارث حين سألا أن يستعملهما على الصدقة ليصيبا منها، فقال لهما: إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لأحد من أهل بيته وقد يجوز أن يكون لم يعطها الخادم حينئذٍ لأنه لم يكن قسم، فلما قسم أعطاها حقها من ذلك وأعطى غيرها أيضًا حقه، فيكون تركه إعطائها إنما كان لأنه لم يقسم، ودلَّها على
следующие страницы →