وذكروا في ذلك ما حدثنا محمد بن بحر بن مطر وعلي بن شيبة البغداديان، قالا: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جبير بن مطعم، قال: لما قسم رسول الله ﵇ سهم ذوي القربى أعطى بني هاشم وبني المطلب ولم يعط بني أمية شيئًا، فأتيت أنا وعثمان ﵁ رسول الله ﵇ فقلنا: يا رسول الله، هؤلاء بنو هاشم فضَّلهم الله بك فما بالنا وينو المطلب وإنما نحن وهم في النسب شيء واحد؟! فقال: إن بني المطلب لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام".
قالوا: فلما أعطى رسول الله ﵇ ذلك السهم بعض القرابة وحَرَم مَنْ قرابته منهم كقرابتهم؛ ثبت بذلك أن الله لم يُرِد بما جعل لذوي القربى كل قرابة رسول الله ﷺ ، وإنما أراد خاصًّا منهم، وجعل الرأي في ذلك إلى رسول الله ﵇ يضعه فيمن شاء منهم، فإذا مات فانقطع رأيه انقطع ما جعل لهم من ذلك، كما جعل لرسول الله ﵇ أن يصطفي من المغنم لنفسه سهم الصفي فكان ذلك له ما كان حيًّا يختار لنفسه من المغنم ما شاء، فلما مات انقطع ذلك.
وممن ذهب إلى القول: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن المسيب وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر وأحمد في رواية وبعض المالكية، فإنهم قالوا: كان لذوي القربى سهم في زمن النبي ﵇ وهو خُمس الخُمس، وكان أمره مفوضًا إلى رسول الله ﵇ يضعه فيمن شاء منهم.
قال أبو بكر الجصاص: اختلف في سهم ذوي القربى، فقال أبو حنيفة في "الجامع الصغير": يقسم الخُمس على ثلاثة أسهم: للفقراء والمساكين وأبناء السبيل. وروى بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة قال: خمس الله والرسول واحد، وخمس ذي القربى لكل صنف سماه الله في الآية: خُمس الخُمس.
وقال الثوري: سهم النبي ﵇ هو خُمس الخُمس، وما بقي فللطائفة التي سمى الله تعالى.
стр. 6197
وقال مالك: يعطى من الخُمس أقرباء رسول الله ﵇ على ما يرى ويجتهد.
وقال الأوزاعي: خُمس الغنيمة لمن سمي في الآية.
وقال الشافعي: يقسم سهم ذي القربى بين غنيهم وفقيرهم.
قوله: "وذكروا في ذلك" أي ذكر هؤلاء القوم الآخرون فيما ذهبوا إليه حديث جبير بن مطعم ﵁.
وأخرجه بإسناد صحيح.
وأخرجه البخاري في كتاب "الجهاد" (١): ثنا عبد الله بن يوسف، نا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن جبير بن مطعم قال: "مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله ﵇ فقلنا: يا رسول الله أعطيتَ بني المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟ فقال رسول الله ﵇: إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد". قال الليث: حدثني يونس وزاد: "قال جبير: ولم يقسم النبي ﵇ لبني عبد شمس ولا لبني نوفل".
وقال ابن إسحاق: عبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم، وأمهم عاتكة بنت مرة، وكان نوفل أخاهم لأبيهم.
وأخرجه البخاري أيضًا في "مناقب قريش" (٢) وفي "المغازي" (٣): عن يحيى بن بكير نحوه.
وأخرجه أبو داود (٤): ثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، قال: أخبرني جبير بن مطعم. . . إلى آخره نحوه.
стр. 6198
وأخرجه النسائي في "قسم الفيء" (١): عن ابن مثنى، عن يزيد بن هارون، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسبب. . . نحوه.
وعن (٢) عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن يحيى، عن نافع بن يزيد، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن ابن المسبب نحوه.
قوله: "أعطى بني هاشم" وهم آل عبد المطلب؛ وذلك لأن هاشمًا لم يُعْلم له ولدٌ غير عبد الطلب، وولد لعبد المطلب عبد الله أب النبي ﵇ على عمود النسب، وولد له خارجًا عنه جميع أعمام رسول الله ﵇.
وبنو المطلب هم المطلبيون ومنهم الشافعي ﵁؛ وذلك لأن عبد مناف وُلِد له هاشم على عمود النسب، وولد له خارجًا عنه عبد شمس والمطلب ونوفل، فَمِنْ عبد شمس: أمية، ومنه بنو أمية، ومنهم عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، ومعاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أميه، وسعيد بن العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية، وعتبة بن أبي ربيعة بن عبد شمس.
ومن المطلب المطلبيون، ومن نوفل النوفليون.
قوله: "وإنما نحن وهم في النسب شيء واحد" وكان يحيى بن معين يرويه: "إنما بنو هاشم وبنو المطلب سيْء واحد" بالسين المهملة أي مثل سواء، يقال هذا سيْء هذا: أي مثله.
وأراد بهذا الكلام الحِلْف الذي كان بين بني هاشم وبني المطلب في الجاهلية.
وجاء في رواية أخرى: "إنا لم نفترق في جاهلية ولا إسلام".
وقال الجصاص: هذا الحديث يدل من وجهين على أن ذا القربى غير مستحق للقرابة فحسب:
أحدهما: أن بني عبد المطلب وبني عبد شمس في القرب من النبي ﵇ سواء،
стр. 6199
فأعطى بني المطلب ولم يعط بني عبد شمس، ولو كان مستحقًّا بالقرابة لساوى بينهم.
والثاني: أن فعل النبي ﵇ خرج مخرج البيان لِمَا أُجمل في الكتاب من ذكر ذي القربى، وفعل النبي ﵇ إذا ورد على وجه البيان هو على الوجوب، فلما ذكر النبي ﵇ النصرة مع القرابة دلَّ على أنه مراد الله تعالى، فمن لم يكن له منهم نصرة فإنما يستحقه بالفقر.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل ذوو القربى الذي جعل لهم من ذلك ما جعل: هم بنو هاشم وبنو المطلب، فأعطاهم رسول الله ﵇ ما أعطاهم من ذلك، فجعل الله ذلك لهم، ولم يكن له حينئذٍ أن يعطي غيرهم من بني أمية وبني نوفل؛ لأنهم لم يدخلوا في الآية، وإنما دخل فيها من قرابة رسول الله ﵇ بنو هاشم وبنو المطلب خاصة.
ش: أي خالف الفرقَيْن الأوليْن جماعة آخرون، وأراد بهم: طائفة من أهل الحديث، منهم: أحمد بن حنبل -في رواية- وإسحاق وأبو عبيد، فإنهم قالوا: ذووا القربى هم بنو هاشم وبنو المطلب خاصّةً، وهم الداخلون في الآية.
ص: فلما اختلفوا في هذا الاختلاف، فذهب كل فريق إلى ما ذكرنا، واحتج لقوله بما وصفنا، وجب أن يكشف كل فريق منها، وما ذكرنا من حجة قائلة لنستخرج من هذه الأقاويل قولاً صحيحًا، فنظرنا في ذلك، فابتدأنا بقول الذي نفى أن يكون لهم في الآية شيء بحق القرابة، وإنما جعل لهم منها ما جعل لحاجتهم وفقرهم كما جعل للمساكين واليتيم فيها ما جعل لحاجتهما وفقرهما، فإذا ارتفع الفقر عنهم جميعًا ارتفعت حقوقهم من ذلك.
فوجدنا رسول الله ﵇ قد قسم سهم ذوي القربى حين قسمه فأعطى بني هاشم وبني المطلب وعمهم جميعًا، وقد كان فيهم الغني والفقير.
стр. 6200
فثبت بذلك أنه لو كان ما جعل لهم في ذلك هو لعلة الفقر لا لعلة القرابة إذًا لما أدخل أغنياءهم مع فقرائهم فيما جعل لهم من ذلك، وَلَقَصَدَ إلى الفقراء منهم دون الأغنياء، فأعطاهم كما فعل في اليتامى، فلما أدخل أغنياءهم وفقراءهم ثبت بذلك أنه قصد بذلك إلى أعيان القرابة بعلة قرابتهم لا لعلة فقرهم.
ش: أي فلما اختلف هؤلاء الفرق الثلاث في حكم سهام ذوي القربى هذا الاختلاف المذكور فذهب كل فريق إلى مذهب واحتج لما ذهب إليه بما ذكر من الحجج؛ وجب الكشف عن ذلك كله ليعلم القول الصحيح من هذه الأقوال الثلاثة ويعتمد عليه.
قوله: "فابتدأنا بقول الذي نفى. . . " إلى آخره، هو قول أهل المقالة الأولى الذين ذهبوا إلى أن ذوي قرابة رسول الله ﵇ لا سهم لهم في الخُمس معلومٌ، وإنما أعطى لهم من ذلك ما أعطى؛ لأجل حاجتهم وفقرهم كما أعطى منه للمساكين واليتامى، فإذا كان كذلك تكون العلة في ذلك هي الفقر والاحتياج، فإذا ارتفعت هذه العلة ارتفع الحكم المذكور، وأشار إلى هذا المعنى بقوله: "فوجدنا رسول الله ﵇ قد قسم. . ." إلى آخره.
قوله: "وعمهم جميعًا" من التعميم وهو الشمول.
ص: وأما ما ذكروا من حديث فاطمة ﵂ حيث سألت رسول الله ﷺ أن يُخدمها خادمًا من السبي الذي كان قدم عليه، فلم يفعل ووكلها إلى ذكر الله والتسبيح، فهذا ليس فيه عندنا دليل لهم على ما ذكروا؛ لأن رسول الله ﷺ لم يقل لها عندما سألته: لا حق لك فيه، ولو كان ذلك كذلك لبيَّن ذلك لها كما بينه للفضل بن العباس وربيعة بن الحارث حين سألا أن يستعملهما على الصدقة ليصيبا منها، فقال لهما: إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لأحد من أهل بيته وقد يجوز أن يكون لم يعطها الخادم حينئذٍ لأنه لم يكن قسم، فلما قسم أعطاها حقها من ذلك وأعطى غيرها أيضًا حقه، فيكون تركه إعطائها إنما كان لأنه لم يقسم، ودلَّها على
стр. 6201
تسبيح الله وتحميده وتهليله الذي يرجو لها به الفوز من الله والزلفى عنده، وقد يجوز أن يكون أخدمها من ذلك بعد ما قسم، ولا نعلم في الآثار ما يدفع شيئًا من ذلك، وقد يجوز أن يكون منعها منه لأنها ليست قرابة، ولكنها أقرب من القرابة؛ لأن الولد لا يقال: هو من قرابة أبيه، إنما يقال ذلك لمن غيره أقرب إليه منه، ألا ترى إلى قول الله : ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (١)، فجعل الوالدين غير الأقربين؛ لأنهم أقرب من الأقربين؟ فكما كان الوالد يخرج من قرابة ولده، فكذلك الولد يخرج من قرابة والده، وقد قال محمد بن الحسن: نحوًا مما ذكرنا، في رجل قال: قد أوصيت بثلث مالي لقرابة فلان: أن والديه وولده لا يدخلون في ذلك؛ لأنهم أقرب من القرابة وليسوا بقرابة، واعتلَّ في ذلك بهذه الآية التي ذكرنا.
فهذا وجهٌ آخر، فارتفع بما ذكرنا أن يكون لهم أيضًا بحديث فاطمة ﵂ هذا حجة في نفي سهم ذوي القربى.
ش: هذا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه، وكانوا قد احتجوا على ذلك بحجج، منها حديث فاطمة ﵂ على ما مرَّ؛ فأجاب عن ذلك بقوله: "وأما ما ذكروا من حديث فاطمة ﵂. . ." إلى آخره، وبنى الجواب عن ذلك على ثلاثة أوجه:
الأول: هو قوله: "فهذا ليس فيه عندنا دليل. . ." إلى آخره.
تقريره أن يقال: لا نُسلِّم أنَّ حديث فاطمة يدل على ما ذكرتم؛ لأنه لم يقل لها عند سؤالها: ليس لك فيه حق؛ إذ لو كان منعه إياها عنه لعدم استحقاقها بذلك لكان ﵇ قد بيَّنه لها؛ لأنه موضع الحاجة إلى البيان، كما بين للفضل بين العباس وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف حين سألاه أن يستعملهما على الصدقة ليصيبا منها، فقال لهما: "إنما هي" -أي الصدقة- "أوساخ الناس" أي
стр. 6202
أوساخ أموالهم، "وإنها لا تحل لمحمد ولا لأحد من أهل بيته"، وقد مرَّ حكم هذا الحديث في باب: "الصدقة على بني هاشم" مستوفى.
الوجه الثاني: هو قوله: "وقد يجوز أن يكون منعها منه. . ." إلى آخره.
تقريره أن يقال: يجوز أن يكون منعه ﵇ إياها عن ذلك، لا لكونها غير مستحقة لذلك، بل إنما كان ذلك لكونه ﵇ لم يقسم ذلك السبْي حينئذٍ ولم يكن له أن يعطي منه أحدًا شيئًا قبل القسمة، فلما قسمه جاز أن يكون أعطاها من ذلك شيئًا، وأعطى غيرها أيضًا حقَّه، فيكون الترك لعلة عدم القسمة؛ فصبَّرها حينئذٍ ودلَّها على ما هو خير من ذلك مما يقربها إلى الله تعالى والزلفى عنده، وهو تسبيح الله تعالى وتحميده وتهليله.
الوجه الثالث: هو قوله: "وقد يجوز أن يكون منعها منه لأنها ليست قرابة. . ." إلى آخره.
تقريره أن يقال: يجوز أن يكون منعه إياها عنه لكونها ليست بقرابة؛ لأنها أقرب من القرابة، ألا ترى أن الولد لا يقال: هو من قرابة أبيه؛ لأنه أقرب من ذلك؟ والدليل على ذلك عطف الأقربين علي الوالدين في الآية المذكورة والمعطوف غير المعطوف عليه، فيكون الوالدان غير الأقربين؛ لأنهما أقرب من الأقربين، فإذا خرج الوالد من قرابة ولده فكذلك الولد يخرج من قرابة والده، وعلى هذا بنى محمد بن الحسن في "المبسوط" في كتاب الوصايا المسألة المذكورة وهي ظاهرة.
ص: وأما ما احتجوا به من فعل أبي بكر وعمر ﵄، وأن أصحاب رسول الله ﷺ لم ينكروا ذلك عليهما، فإن هذا مما يَسَع فيه اجتهاد الرأي، فرأيا هما ذلك واجتهدا، فكان ما أداهما إليه اجتهادهما ما رأيا من ذلك، فحكما به، وهو الذي كان عليهما وهما في ذلك مثابان مأجوران.
وأما قولهم: "ولم ينكر ذلك عليهما أحد من أصحاب رسول الله ﷺ " فكيف يجوز أن ينكر ذلك عليهما أحد وهما إماما عدلٍ رَأَيَا رأيًا فحكما به، وفعلا في ذلك الذي
стр. 6203
كُلِّفا؟! ولكن قد رأى في ذلك غيرها من أصحاب رسول الله ﵇ خلاف ما رأيا فلم يعنفوهما فيما حكما به من ذلك؛ إذْ كان الرأي في ذلك واسعًا والاجتهاد للناس جميعًا، فادعى أبا بكر وعمر ﵄ رأيهما في ذلك إلى ما رأيا وحكما، وأدى غيرهما ممن خالفهما اجتهاده في ذلك إلى ما رآه، وكلٌ مأجور في اجتهاده في ذلك مُثاب مؤدٍّ للفرض الذي عليه، ولم ينكر بعضهم على بعض قوله؛ لأن ما خالفه إليه هو الرأي، والذي قاله مخالفه هو رأي أيضًا, ولا توقيف مع أحد منهما لقوله من كتاب ولا سنة ولا إجماع.
والدليل على أن أبا بكر وعمر ﵄ قد كانا خولفا فيما رأيا من ذلك قول ابن عباس: "قد كنا نُرَى أنا نحن هم قرابة رسول الله ﵇ فأبى ذلك علينا قومنا" فأخبر أنهم رأوا في ذلك رأيًا أباه عليهم قومهم، وأن عمر ﵁ دعاهم إلى أن يزوج منهم أيمهم ويكسو منه عاريهم، قال: "فأبينا عليه إلا أن يُسَلِّمه لنا كله"؛ فدلَّ ذلك أنهم قد كانوا على هذا القول في خلافة عمر بعد أبي بكر ﵄، وأنهم لم يكونوا نزعوا عما كانوا رأوا من ذلك لرأي أبي بكر ولا لرأي عمر، فدلَّ ما ذكرنا أن حكم ذلك كان عند أبي بكر وعمر ﵄ وعند سائر أصحاب رسول الله ﵇ كحكم الأشياء التي يختلف فيها التي يسع فيها اجتهاد الرأي.
ش: قد ذكرنا أن أهل المقالة الأولى قد احتجوا لما ذهبوا إليه بحجج، منها: ما احتجُّوا به من فعل أبي بكر وعمر ﵄.
وأجاب عن ذلك بقوله: "وأما ما احتجُّوا به من فِعل أبي بكر وعمر ﵄" خلاصة ذلك: أن ما صدر من أبي بكر وعمر ﵄ من قسمة جميع الخُمس بعد وفاة رسول الله ﵇، وعدم رؤيتهما لقرابة رسول الله ﵇ في ذلك حقًّا؛ إنما كان ذلك بطريق الاجتهاد والرأي، وهو بابٌ واسعٌ، ولكل مجتهد أن يجتهد بما يرى، وإن كان يخالف رأي غيره، وهو مثاب في اجتهاد، وإن كان في نفس الأمر مخطئًا؛ ولهذا لم ينكر عليهما أحد من الصحابة ﵃، ومع هذا فكيف كان يجوز
стр. 6204
لهم الإنكار عليهما وهما إمامان عادلان وخليفتان راشدان مهديان، على أن أحدًا منهم لم يستند في اجتهاده في هذا الحكم على توقيف من كتاب أو سنة أو إجماع، والباقي ظاهر.
قوله: "فرأيا هما ذلك" أي فرأى أبو بكر وعمر ﵄.
وقوله: "هما" ضمير مرفوع؛ ذكره تأكيدًا لما في "رأيا" من الضمير المرفوع أيضًا.
ص: وأما قولهم: "ثم أفضى الأمر إلى علي بن أبي طالب ﵁ فلم يُغيِّر من ذلك شيئًا عما كان وضعه عليه أبو بكر وعمر ﵄، قالوا: فذلك دليلٌ على أنه رأى في ذلك أيضًا مِثل الذي رأيا" فليس ذلك كما ذكروا؛ لأنه لم يكن بقي في يد على ﵁ ما كان وقع في يد أبي بكر وعمر من ذلك؛ لأنهما لما وقع في أيديهما أنفذاه في وجوهه التي رأياها في ذلك الذي كان عليهما، ثم أفضى الأمر إلى علي ﵁، فلم نعلم أنه سبى أحدًا, ولا ظهر على أحد من العدو، ولا غنم غنيمة يجب فيها خُمس لله ؛ لأنه إنما كان شغله في خلافته كلها بقتال من خالفه ممن لا يُسبى ولا يُغنم، وإنما يحتج بقول علي ﵁ في ذلك لو سبى وغنم ففعل في خُمس ذلك مثل ما كان أبو بكر وعمر فعلا في الأخماس، فأما إذا لم يكن سبى ولا غنم؛ فلا حجة. لأحد في تركه تغيير ما كان فُعِلَ قبله من ذلك، ولو كان بقي في يده من ذلك شيء مما كان غنمه مَن كان قبله فحرمه ذوي قرابة رسول الله ﵇ لما كان في ذلك أيضًا حجة تدل على مذهبه في ذلك كيف كان؟ لأن ذلك إنما صار إليه بعد ما نفذ فيه الحكم من الإِمام الذي كان قبله، فلم يكن له إبطال ذلك الحكم وإن كان يرى هو خلافه؛ لأن ذلك الحكم مما يختلف فيه العلماء، ولو كان علي ﵁ رأى في ذلك ما كان أبو بكر وعمر ﵄ رأياه؛ لكان في قرابة رسول الله ﵇ من قد خالفه، لقول ابن عباس ﵄: "كنا نُرَى أنا نحن هم، فأبى ذلك علينا قومنا".
وهذه جوابات الحجج التي احتج بها الذين نفوا سهم ذوي القرابة أن يكون واجبًا لهم بعد رسول الله ﵇ ولا في حياته، وأنهم كانوا في ذلك كسائر الفقراء،
стр. 6205
فبطل هذا المذهب وثبت أحد المذاهب الأخر.
ش: هذا أيضًا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى لما ذهبوا إليه بحجج متعددة، منها كان قولهم: "ثم هذا علي ﵁ لمَّا صار الأمر إليه حمل الناس على ذلك أيضاً. . ." إلى آخره، فأجاب عن هذا بقوله: "وأما قولهم" أي قول أهل المقالة الأولى.
بيان وجه احتجاجهم بذلك: أن عليًّا ﵁ لما أفضى إليه الأمر -يعني لما انتهت إليه الخلافة من بعد عثمان ﵁- لم يُغيِّر ما كان فعله أبو بكر وعمر ﵄ من قسمته جميع الخُمس وعدم إعطائه لقرابة رسول الله ﵇ من ذلك شيئًا، وهذا دليل على أن عليًّا ﵁ رأى في ذلك مثل ما رأى أبو بكر وعمر ﵄.
وأجاب عن ذلك بقوله: "فليس ذلك كما ذكروا. . ." إلى آخره. وتقريره من وجهين:
أحدهما: بطريق المنع؛ وهو أن يقال: لا نُسلِّم أن يكون الأمر كما ذكرتم؛ لأن عليًّا ﵁ لم يبق في يده مما كان وقع في يد أبي بكر وعمر ﵄؛ لأنهما قد كانا أنفذا ذلك في وجوهه التي رأياها ولم يبق من ذلك شيء.
ولا نعلم أيضًا أن عليًّا ﵁ سبى أحدًا, ولا ظهر على أحدٍ من العدو، ولا غنم غنيمة يجب فيها خُمس لله ؛ لأن اشتغاله في خلافته كلها إنما كان بالمخالفين له من الشاميين وغيرهم، وإنما يتوجه احتجاجهم بذلك أن لو سبى علي أو غنم شيئًا ثم فعل مثل ما فعل الشيخان.
والآخر: بطريق التسليم، وهو أن يقال: سلَّمنا أنه قد بقي في يد علي ﵁ من ذلك شيء، ومنع ذوي قرابة رسول الله ﵇ وليس فيه حجة لهم أيضًا؛ لأن ذلك إنما كان بعدما نفذ فيه الحكم من الإمامين اللذين قبله، فإذا نفذ إمامٌ أمرًا ووقع الحكم به فليس للإمام الذي يأتي بعده أن يبطله، وإن كان ذاك خلاف ما يراه في
стр. 6206
اجتهاده؛ لأنا قلنا: إن باب الإجتهاد واسع واختلاف العلماء فيه واقع.
قوله: "فَحَرَمَه" من قولهم: حرمه الشيء يَحْرِمُه حَرمًا -مثال سَرَقَه يَسْرِقُه سَرِقًا بكسر الراء- وحرمه وحريمه وحرمانًا، وأحرمه أيضًا إذا منعه إياه.
ص: فأردنا أن ننظر في قول من جعله لقرابة الخليفة من بعد رسول الله ﵇، وجعل سهم رسول الله ﵇ للخليفة من بعده، هل لذلك وجه؟
فرأينا رسول الله ﵇ قد كان فُضِّل بسهم الصَّفِيّ، وبخُمس الخُمس، وجعل له مع ذلك في الغنيمة سهم كسهم رجل من المسلمين، ثم رأيناهم قد أجمعوا أن سهم الصَّفِي ليس لأحد بعد رسول الله ﵇، وأن حكم رسول الله ﵇ في ذلك خلاف حكم الإِمام من بعده؛ فثبت بذلك أيضًا أن حكمه في خُمس الخُمس خلاف حكم الإِمام من بعده، وإذا ثبت أن حكمه فيما وصفنا خلاف حكم الإِمام من بعده، ثبت أن حكم قرابته خلاف حكم قرابة الإِمام من بعده.
فثبتت أحد القولين من الآخرين، فنظرنا في ذلك فإذا الله قد قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١)، فكان سهم الرسول ﵇ جاريًا له ما كان حيًّا إلى أن مات، فانقطع بموته، وكان سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل بعد وفاة النبي ﵇ كما كان قبل ذلك.
ثم اختلفوا في سهم ذوي القربى، فقال قوم: هو لهم بعد وفاة النبي ﵇ كما كان لهم في حياته.
وقال قوم: قد انقطع عنهم بموته، وكان الله قد جمع كل قرابة رسول الله ﵇ في قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (١) فلم يخص أحدًا منهم دون أحد، ثم قسم ذلك النبي ﵇ فأعطى منهم بني هاشم وبني المطلب خاصّةً، وحرم بني أمية
стр. 6207
وبني نوفل وقد كانوا محصين معدودين، وفيمن أعطى الغني والفقير، وفيمن حرم كذلك، فثبت أن ذلك السهم كان للنبي ﵇ يجعله في أي قرابته شاء، فصار بذلك حكمه حكم سهمه الذي كان يصطفيه لنفسه، فلما كان ذلك لنفسه مرتفعًا بوفاته غير واجب لأحد بعده كان هذا أيضًا مرتفعًا بوفاته، فإنه غير واجب لأحدٍ من بعده. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: لما أجاب عما احتج به أهل المقالة الأولى وبيَّن سقوط ما ذهبوا إليه، أشار ها هنا أيضًا إلى سقوط ما ذهب إليه أهل المقالة الثالثة، وإثبات ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية، وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه، وهو ظاهر البيان.
قوله: "بسهم الصفي" الصفي على وزن فعيل، وهو ما كان يأخذه ﵇ ويختاره لنفسه من الغنيمة، قبل القسمة ويقال له: الصفية أيضًا، ويجمع على صفايا.
قوله: "وكان الله جمع كل قرابة رسول الله ﵇ في قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى. . .﴾ (١) " إلى آخره، تقرير ذلك: أن لفظ ذوي القربى لفظ شامل لجميع قرابة رسول الله ﵇، وليس فيه تخصيص لبعضهم دون الآخرين، ومع ذلك خصص النبي ﵇ بني هاشم وبني المطلب في الإعطاء، ومنع بني أمية وبني نوفل، فدلَّ ذلك أن السهم المذكور كان مفوضًا إليه ﵇ يجعله في أي قرابته شاء، وصار حكمه حكم الصفي الذي كان يختاره لنفسه، فلما ارتفع الصفي بوفاته ولم يجب لأحد من بعده كان هذا أيضًا مرتفعًا بوفاته فلا يجب لأحد من بعده.
وقال الجصاص: قوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ (١) لفظ مجمل مفتقر إلى البيان، وليس بعموم؛ وذلك لأن ذا القربى لا يختص بقرابة النبي ﵇ دون غيره من الناس، ومعلوم أنه لم يُرِد بها أقرباء الناس، فصار اللفظ مجملاً مفتقرًا إلى البيان، وقد اتفق السلف على أنه قد أُريدَ به أقرباء النبي ﵇، منهم من قال: المستحقون
стр. 6208
لسهم الخُمس من الأقرباء هم الذين كان لهم نصرة، وأن السهم كان مستحقًّا بالأمرين من القرابة والنصرة، وأن من ليس له نصرة ممن حدث بعد فإنما يستحقه بالفقر كما يستحقه سائر الفقراء، ويستدلون على ذلك بحديث الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن جبير بن مطعم، وقد مر ذكره مستوفىً.
فدلَّ ذلك أنهم كسائر الفقراء يستحقون منه مقدار الحاجة وسد الخلة، ويدل عليه قوله ﵇: "يذهب كسرى ولا كسرى بعده أبدًا، ويذهب قيصر ولا قيصر بعده أبدًا، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله" (١)، فأخبر أنه ينفق في سبيل الله ولم يختص به قومًا من قوم.
ويدل على أنه كان موكولاً إلى النبي ﵇: أنه أعطى المؤلفة قلوبهم وليس لهم ذكر في آية الخُمس، ويدل على ما ذكرنا: أن كل من سمي في آية الخمس لا يستحق إلا بالفقر، وهم: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وكذلك ذوي القربى؛ لأنه سهم من الخُمس، ويدل عليه: أنه لمَّا حرم عليهم الصدقة أقام ذلك مقام ما حرم عليهم منها، فوجب أن لا يستحقه منهم إلا الفقراء، كما أن الأصل الذي أقيم هذا مقامه لا يستحقه إلا فقير.
فإن قيل: إن موالي نبي هاشم لا تحل لهم الصدقة ولا يدخلون في استحقاق السهم من الخمس.
قيل له: هذا غلط؛ لأن موالي بني هاشم لهم سهم من الخُمس إذا كانوا فقراء على حسب ما هو لبني هاشم.
فإن قيل: إذا كانت قرابة رسول الله ﵇ يستحقون سهمهم بالفقر والحاجة فما وجه تخصيصهم بالذكر وقد دخلوا في جملة المساكين؟
стр. 6209
قيل له: كما خصّ اليتامى وابن السبيل بالذكر فلا يستحقونه إلا بالفقر، وأيضًا لَمَّا سمى الله الخُمس لليتامى والمساكين وابن السبيل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١) الآية، ثم قال النبي رسول الله ﵇: "الصدقة لا تحل لآل محمد" (٢)، فلو لم يسهمهم من الخُمس لجاز أن يظن ظانّ أنه لا يجوز إعطاؤهم منه، ولا يجوز أن يعطوا من الصدقات فسماهم؛ إعلامًا منه لنا أنه غير سبيلهم في الصدقات.
فإن قيل: قد أعطى النبي ﵇ العباس من الخُمس وكان ذا يسار.
قيل: الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أنه أخبر أنه أعطاهم بالنصرة والقرابة؛ لقوله ﵇: "إنهم لم يفارقون في جاهلية ولا إسلام" فاستوى فيه الغني والفقير لتساويهم بالنصرة والقرابة.
والثاني: أنه جائز أن يكون النبي ﵇ إنما أعطى العباس ﵁ ليفرقه في فقراء بني هاشم ولم يعطه لنفسه، والله أعلم.
...
стр. 6210
ص: باب: النفل بعد الفراغ من قتال العدو وإحراز الغنيمة
ش: أي هذا باب في بيان النفل بعد فراغ الإِمام من قتال العدو، وبعد إحراز الغنيمة.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ثور بن يزيد، عن سليمان ابن موسى، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة ﵁: "أن النبي ﷺ نفل في بدأته الربع، وفي رجعته الثلث".
ش: أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري. وثور بن يزيد بن زياد الكلاعي الشامي الحمصي، روى له الجماعة سوى مسلم.
وسليمان بن موسى القرشي الأموي أبو الربيع الدمشقي الأشدق، قال أبو حاتم: محله الصدق، وفي بعض حديثه بعض الاضطراب. وقال البخاري: عنده مناكير.
وقال النسائي: أحد الفقهاء وليس بالقوي في الحديث. روى له مسلم في مقدمة كتابه والأربعة.
وزياد بن جارية -بالجيم والياء آخر الحروف بعد الراء- التميمي الدمشقي ويقال: يزيد وزيد أيضًا، وكذا وقع عند ابن ماجه، والصواب زياد، وثقه النسائي. وقال أبو حاتم: شيخ مجهول. روى له أبو داود وابن ماجه.
وحبيب بن مسلمة بن مالك القرشي الفهري الصحابي ﵁.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا أبو المغيرة، ثنا سعيد بن عبد العزيز، ثنا سليمان بن موسى، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة قال: "شهدت رسول الله ﵇ نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة".
وأخرجه أبو داود (٢) وابن ماجه (٣) أيضًا.
стр. 6211
وأراد بالبدأة ابتداء الغزو، وبالرجعة القفول منه، والمعنى: كان إذا نهضت سرية من جملة العسكر المقبل على العدو فأوقعت بهم نفلها الربع مما غنمت، وإذا فعلت ذلك عند عود العسكر نفلها الثلث؛ لأن الكرة الثانية أشق عليهم والخطة فيها أعظم وذلك لقوة الظهر عند دخولهم وضعفه عند خروجهم، وهم في الأول أنشط وأشهى للسير والإمعان في بلاد العدو، وهم عند القفول أضعف وأفتر وأشهى للرجوع إلى أوطانهم؛ فزادهم لذلك.
ولمَّا أخرج الترمذي (١) حديث عبادة بن الصامت ﵁: "أن النبي ﵇ كان ينفل في البدأة الربع وفي القفول الثلث"، قال: وفي الباب عن سعد وابن عباس وحبيب بن مسلمة ومعن بن يزيد وابن عمر وسلمة بن الأكوع.
وقد أخرج الطحاوي ﵀: حديث معن بن يزيد وابن عمر وسلمة بن الأكوع على ما يجيء.
وأما حديث سعد: فأخرجه البزار في "مسنده" (٢): ثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو معاوية، قال: ثنا الشيباني، عن محمد بن عبيد الله الثقفي، عن سعد ﵁ قال: "لمَّا كان يوم أحد قتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه؛ وكان سيفًا له ثمن، قال: فجئت به إلى النبي ﵇ وقد قتل أخي عمير قبل ذلك، فقال لي ﵇: اذهب فاطرحه -يعني في المغانم- قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، قال: فما جاوزت يسيرًا حتى نزلت سورة الأنفال، فدعاني النبي ﵇، فقال: اذهب فخذ سيفك".
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه الطحاوي في الباب السابق من حديث داود، عن عكرمة، عنه.
стр. 6212
ص: فذهب قومٌ إلى أن للإمام أن ينفل من الغنيمة ما أحب بعد إحرازه إياها قبل أن يقسمها كما كان له قبل ذلك، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن المسيب والحسن البصري والأوزاعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: يجوز للإمام أن ينفل من الغنيمة ما شاء بعد إحرازه إياها قبل أن يقسمها كما كان له قبل ذلك، واستدلوا في ذلك بالحديث المذكور.
وقال ابن قدامة: ينفل الإِمام ومن استخلفه الإِمام كما فعل النبي ﵇ في بدأته الربع بعد الخمس، وفي رجعته الثلث بعد الخمس النفل بزيادة تزاد على سهم الغازي، ومنه نفل الصلاة وهو ما زيد على الفرض، والنفل في الغزو ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: هذا الذي ذكره الخرقي، وهو أن الإِمام أو نائبه إذا دخل دار الحرب غازيًا بعث بين يديه سرية تغير على العدو ويجعل لهم الربع بعد الخمس، فما قدمت به السرية من شيء، أخرج خمسه، ثم أعطى السرية ما جعل لهم وهو ربع الباقي وذلك خمسٌ آخر، ثم قسم ما بقي في الجيش والسرية معه، فإذا قفل بعث سرية تغير وجعل لهم الثلث بعد الخمس فما قدمت به السرية أخرج خمسه ثم أعطى السرية ثلث ما بقي، ثم قسم سائره في الجيش والسرية معه، وبهذا قال حبيب بن مسلمة والأوزاعي والحسن وجماعة، ويروى عن عمرو بن شعيب أنه قال: "لا نفل بعد رسول الله ﵇، ولا يجوز أن ينفل أكثر من الثلث". نصَّ عليه أحمد، وهذا قول مكحول والأوزاعي والجمهور من العلماء.
وقال الشافعي: لا حدّ للنفل، بل هو موكول إلى اجتهاد الإِمام.
القسم الثاني: أن ينفل بعض الجيش لعنائه وبأسه وبلائه، أو لمكروه تحمله دون سائر الجيش.
القسم الثالث: أن يقول الأمير: من طلع هذا الحصن أو هدم هذا السور أو نقب هذا النقب أو فعل كذا فله كذا، فهذا جائز في قول أكثر أهل العلم منهم الثوري.
стр. 6213
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ليس للإمام أن ينفل بعد إحراز الغنيمة إلا من الخمس، فأما من غير الخمس فلا؛ لأن ذلك قد ملكته المقاتلة، فلا سبيل للإمام عليه، وقالوا: قد يحتمل أن يكون ما كان للنبي ﵇ ينفله في الرجعة هو ثلث الخمس بعد الربع الذي كان نفله في البدأة فلا يخرج مما قلنا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: النخعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ﵏، فإنهم قالوا: لا يجوز التنفيل بعد إحراز الغنيمة إلا من الخمس.
وقال الجصاص: قال أصحابنا والثوري: لا نفل بعد إحراز الغنيمة، إنما النفل أن يقول: من قتل قتيلاً فله سلبه، ومن أصاب شيئًا فهو له.
وقال الأوزاعي: في رسول الله ﵇ أسوةٌ حسنة؛ كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث.
وقال مالك والشافعي في جواز النفل بعد إحراز الغنيمة نحو أن يقول: من أخذ شيئًا فهو له، ومن قتل قتيلاً فله سلبه.
قوله: "وقالوا: قد يحتمل. . ." إلى آخره، جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى من حديث حبيب بن سلمة.
بيانه أن يقال: استدلالكم بالحديث المذكور غير تام.
لأنه يحتمل أن يكون تنفيل النبي ﵇ في الرجعة هو ثلث الخمس بعد الربع الذي كان نفله في ابتداء الغزو، فحينذٍ يكون الحديث حجة لنا حيث يكون التنفيل بالثلث من الخمس لا من غير الخمس.
وقال الجصاص في تأويل الحديث المذكور: ومعلوم أن ذلك ليس بلفظ عموم في سائر الغنائم وإنما هي حكاية فعل النبي في شيء بعينه، ولم يبين كيفيته، وجائز أن يكون معناه ما ذكره من قوله للسرية في الرجعة: "وجعل لهم في الرجعة أكثر مما جعله لها في البدأة". لأن في الرجعة يحتاج إلى حفظ الغنيمة وإحرازها، ويكون من
стр. 6214
يواليهم من الكفار متأهبين مستعدين للقتال؛ لانتشار الخبر بوصول الجيش إلى أرضهم.
والوجه الآخر: أنه جائز أن يكون بعد إحراز الغنيمة، وكان ذلك في الوقت الذي كانت الغنيمة كلها للنبي ﵇ فجعلها لمن شاء منهم، وذلك منسوخ بما ذكرنا.
فإن قيل: ذكر في حديث حبيب بن مسلمة: "الثلث بعد الخمس"، فهذا يدل على أن ذلك كان بعد قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١).
قيل له: لا دلالة فيه على ما ذكرت؛ لأنه لم يذكر أن الخمس المستحق لأهله من جملة الغنيمة بقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (١)، وجائز أن يكون ذلك على خمس من الغنيمة لا فرق بينه وبين الثلث والنصف، ولما احتمل حديث حبيب بن مسلمة ما وصفنا؛ لم يجز الاعتراض به على ظاهر قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾؛ (١) إذ كان قوله ذلك يقتضي إيجاب الأربعة الأخماس للغانمين، فاقتضى به إيجاب الخمس لأهله كاقتضائه إيجاب الخمس لأهله المذكورين، فمتى أحرزت الغنيمة فقد ثبت حق الجميع فيها بظاهر الآية، فغير جائز أن يجعل شيء منها لغيره على غير مقتضى الآية إلا بما يجوز بمثله تخصيص الآية، والله أعلم.
ص: فقال لهم الآخرون: إن الحديث إنما جاء في أن رسول الله ﵇ كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث، فكما كان الربع الذي كان ينفله في البدأة إنما هو الربع قبل الخمس، فكذلك الثلث الذي كان ينفله في الرجعة هو الثلث أيضًا قبل الخمس وإلا لم يكن لذكر الثلث معنى.
قيل لهم: بل له معنى صحيح؛ وذلك أن المذكور من نفله في البدأة هو الربع مما يجوز له النفل منه، فكذلك نفله في الرجعة هو الثلث مما يجوز له النفل منه وهو الخمس.
стр. 6215
ش: أي قال لأهل المقالة الثانية الآخرون، وهم أهل المقالة الأولى. تقريره: أن هذا منع لما ذكروه من قولهم: قد يحتمل. . . إلى آخره. وهو ظاهر، وكذلك جوابه وهو قوله: "قيل لهم: بل له معنى صحيح. . ." إلى آخره.
ص: قال أهل المقالة الأولى: فقد روي حديث حبيب هذا بلفظ يدل على ما قلنا.
فذكروا ما حدثنا أبو أمية، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: أنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة ﵁: "أن رسول الله ﵇ كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث بعد الخمس".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن مكحول، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة ﵁: "أن رسول الله ﵇ كان ينفل في الغزو الربيع بعد الخمس، وينفل إذا قفل الثلث بعد الخمس".
حدثنا فهد وعلي بن عبد الرحمن، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية ابن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة: "أن رسول الله ﵇ كان ينفل في الغزو الربع بعد الخمس".
قالوا: فقد دلَّ ما ذكرنا أن ذلك الثلث الذي كان رسول الله ﵇ ينفله في الرجعة هو الثلث بعد الخمس.
قيل لهم: قد يحتمل هذا أيضًا ما ذكرنا.
ش: لما أول أهل المقالة الثانية حديث حبيب بن مسلمة الذي روي من طريق سليمان بن موسى، عن زياد بن جاري، عنه، بالتأويل المذكور، وهو أنه يحتمل أن يكون تنفيله ﵇ هو ثلث الخمس على ما مرَّ ذكره مستقصىً، عارضهم أهل المقالة الأولى في ذلك، وقالوا: قد روي حديث حبيب بن مسلمة هذا بلفظ آخر يدل على ما قلنا ويرد تأويلكم، وهو ما رواه مكحول الشامي، عن زياد بن جارية، عن حبيب: "أن رسول الله ﵇ كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث بعد الخمس". وقد صرَّح ها هنا أن تنفيله ﵇ الثلث إنما كان بعد الخمس، فأجاب
стр. 6216
الطحاوي عن ذلك بقوله: "قيل لهم: قد يحتمل هذا أيضًا ما ذكرنا" يعني يحتمل أن يكون معناه كان ينفل في الرجعة ثلث الخمس بعد إخراج الخمس، والاحتمال المذكور هناك موجود ها هنا، فلا يتم به الاستدلال، بل يكون الحديث على كل حال حجة لنا عليهم، فافهم.
ثم إنه أخرج هذا الحديث ها هنا من ثلاث طرق:
الأول: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان -تكلم فيه بعضهم، ووثقه ابن حبان- عن أبيه ثابت بن ثوبان، عن مكحول، عن زياد بن جارية -بالجيم- عن حبيب.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا عبد الله بن محمد بن عزيز الموصلي، ثنا غسان بن الربيع، ثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن زياد بن جارية، عن حبيب بن مسلمة قال: "نفل رسول الله ﵇ الثلث".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن يزيد بن يزيد بن جابر. . . إلى آخره.
والكل ثقات.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا محمد بن كثير، قال: أنا سفيان، عن يزيد بن يزيد بن جابر الشامي، عن مكحول، عن زياد بن جارية التميمي، عن حبيب بن مسلمة الفهري أنه قال: "كان رسول الله ﵇ ينفل الثلث بعد الخمس".
وله في رواية أخرى (٣): "كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعد الخمس إذا قفل".
стр. 6217
الثالث: عن فهد بن سليمان وعلي بن عبد الرحمن، كلاهما عن عبد الله بن صالح ورَّاق الليث، عن معاوية بن صالح بن حدير الحمصي قاضي الأندلس، عن العلاء بن الحارث بن عبد الوارث الحضرمي الدمشقي، عن مكحول. . . إلى آخره.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه أبو داود أيضًا (١): عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول. . . إلى آخره نحوه.
قوله: "إذا قفل" أي رجع، والقفول: الرجوع.
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ ينفلهم إذا خرجوا بادين الربع، وينفلهم إذا قفلوا الثلث".
قيل لهم: وهذا الحديث أيضًا فقد يحتمل ما احتمله حديث حبيب بن مسلمة الذي أرسله أكثر الناس عن مكحول: "أنه كان ينفل في البدأة الربع وفي الرجعة الثلث".
وقد يجوز أيضًا أن يكون عبادة عنى بقوله: "وينفلهم إذا قفلوا الثلث" فيكون ذلك على قفول من قتال إلى قتال. فإذا كان ذلك كذلك وكان الثلث المُنْفل هو الثلث قبل الخمس، فذلك جائز عندنا أيضًا؛ لأنه يرجى بذلك صلاح القوم وتحريضهم على قتال عدوهم، فأما إذا كان القتال قد ارتفع فلا يجوز النفل؛ لأنه لا منفعة للمسلمين في ذلك.
ش: أي احتج أهل المقالة الأولى، أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث عبادة بن الصامت، وقد أخرجه الطحاوي في باب: "الرجل يقتل قتيلاً في دار الحرب" بعين هذا الإسناد، ولكن متن الحديث هناك غير المتن الذي ها هنا.
стр. 6218
وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت: "أن النبي ﵇ كان ينفل في البدأة الربع وفي القفول الثلث".
قال أبو عيسى: حديث عبادة حديث حسن [صحيح] (٢).
وقد روي هذا الحديث عن أبي سلام، عن رجل من أصحاب النبي ﵇.
قال البخاري: لا يصح حديث سليمان بن موسى، إنما رواه داود بن عمرو عن أبي سلام عن النبي ﵇، وسليمان بن موسى منكر الحديث، أنا لا أروي عنه شيئًا.
قوله: "بادين" نصب على الحال من الضمير المرفوع في قوله: "إذا خرجوا".
قوله: "إذا قفلوا" أي إذا رجعوا.
قوله: "قيل لهم. . ." إلى آخره، جواب عن الحديث المذكور.
قوله: "الذي أرسله أكثر الناس" أي أكثر الحُفَّاظ أرسلوا حديث حبيب بن مسلمة، منهم أبو أحمد الزبيري.
أخرجه البيهقي من طريقه (٣): عن سعيد، عن سليمان، عن مكحول: "أن رسول الله ﵇ نفل في مبدئه الربع، فلما قفل نفل الثلث".
قوله: "وقد يجوز أيضًا. . ." إلى آخره، جواب آخر عن حديث عبادة ﵁، وهو ظاهر.
ص: واحتج أهل المقالة الأولى لقولهم أيضًا بما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عُمر وعبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، قالا: ثنا عكرمة بن عمار، عن إياس
стр. 6219
ابن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: "لما قربنا من المشركين أمرنا أبو بكر ﵁ فشننا الغارة عليهم، فنفلني أبو بكر ﵁ امرأةً من فزارة أتيت بها من الغارة، فقدمت بها المدينة، فاستوهبها مني رسول الله ﵇ فوهبتها له، فبعث بها رسول الله ﵇ ففادى بها أناسًا من المسلمين".
فكان من الحجة للآخرين عليهم: أنه لم يذكر في ذلك الحديث أن أبا بكر ﵁ كان نفل سلمة قبل انقطاع الحرب أو بعد انقطاعها، فلا حجة في ذلك.
ش: أي احتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث سلمة بن الأكوع؛ فإنه ذكر فيه أن أبا بكر ﵁ نفله امرأةً من السبي، فهذا يدل على جواز التنفيل بعد الفراغ من قتال العدو وبعد إحراز الغنيمة.
وأخرجه الطحاوي في الباب الأول من كتاب السير بعين هذا الإسناد مقتصرًا على حكم شنِّ الغارة، وأخرج ها هنا طرفًا منه.
وأخرجه مسلم بتمامه (١)، وقد ذكرناه هناك.
قوله: "فشننا الغارة"، أي فرقنا عليهم من جميع جهاتهم، والغارة اسم من الإغارة.
قوله: "ففادى بها أناسًا" من المفاداة، قال الجوهري: يقال: فداه وفاداه: إذا أعطى فداءه وأنقذه.
وقال ابن الأثير: الفِدَاء -بالكسر والمد والفتح مع القصر-: فكاك الأسير، يقال: فداه يفديه، فداء وفدى، وفاداه يفاديه مفاداة: إذا أعطى فداءه وأنقذه وفداه بنفسه.
قلت: يقال: فداه: إذا أعطى المال وخلص الأسير، وأفداه: إذا دفع الأسير وأخذ المال، وفاداه: إذا أعطى الأسير وأخذ عوضه الأسير.
стр. 6220
قوله: "فكان من الحجة للآخرين عليهم" أي فكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى، وأراد بها جواب عما قالوا.
تقريره: أن الاستدلال بحديث سلمة بن الأكوع لما ذهبوا إليه غير صحيح؛ لأنه لم يبيِّن فيه أن أبا بكر ﵁ كان نفل سلمة بعد انقطاع الحرب وبعد إحراز الغنيمة، ولا بيَّن فيه أيضًا أن كان قبل ذلك، فبطل الاستدلال به.
ص: واحتجوا لقولهم أيضًا بما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا المبارك، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﵇ بعث سرية فيها ابن عمر ﵄ فغنموا غنائم كثيرة، فكانت غنائمهم لكل إنسان اثني عشر بعيرًا، ونفل كل إنسان منهم بعيرًا بعيرًا سوى ذلك".
قالوا: فهذا ابن عمر يخبر أنهم قد نفلوا بعد سهامهم بعيرًا بعيرًا، فلم ينكر ذلك النبي ﵇.
قيل لهم: ما لكم في هذا الحديث من حجة، وهو إلى الحجة عليكم أقرب منه إلى الحجة لكم؛ لأن فيه: "فبلغت سهامهم اثني عشر بعيرًا ونفلوا بعيرًا بعيرًا"، ففي ذلك دليل أن ما نفلوا منه ما نفلوا من ذلك كان من غير ما كانت فيه سهمانهم وهو الخُمس، فلا حجة لكم بهذا الحديث في النفل من غير الخمس.
ش: أي احتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمر ﵄.
أخرجه بإسناد صحيح.
والمبارك هو ابن فضالة.
стр. 6221
وأخرجه البخاري (١): نا عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ بعث سريةً فيها عبد الله قبل نجد، فغنموا إبلاً كثيرة، فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرًا -أو أحد عشر بعيرًا- ونفلوا بعيرًا بعيرًا".
وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: "بعث النبي ﵇ سرية وأنا فيهم قِبَل نجد، فغنموا إبلاً كثيرةً، فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرًا -أو أحد عشر بعيرًا- ونفلوا بعيرًا بعيرًا".
وأخرجه أبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك.
وعن القعنبي وابن موهب كلاهما، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ بعث سريةً فيها عبد الله بن عمر قِبَل نجد. . ." الحديث.
قوله: "قالوا" أي قال أهل المقالة الأولى، وأشار إلى بيان وجه استدلالهم بالحديث المذكور، وأجاب عنه بقوله: "قيل لهم. . ." إلى آخره، وهو ظاهر.
وقال أبو عمر: في الحديث من الفقه: إرسال السرايا إلى أرض العدو، وذلك عند العلماء مردود إلى إذن الإِمام واجتهاده على قدر ما يعلم من قوة العدو وضعفه.
وفيه: أن ما يحصل عليه المسلمون ويعيدونه من أموال العدو يسمى غنيمة.
وفيه: أن للإمام والأمير على الجيش أن ينفل من الغنائم ما شاء على قدر اجتهاده.
وفيه: أن ما غنمه المسلمون من أموال المشركين يقسم بينهم بعد إخراج خمسه.
ص: فلما لم يكن في شيء مما احتج به أهل المقالة الأولى لقولهم من الآثار ما يجب به ما قالوا، أردنا أن ننظر فيما احتج به أهل المقالة الأخرى لقولهم من الآثار أيضًا، فنظرنا في ذلك.
стр. 6222
فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أنا ابن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت ﵄: "أن رسول الله ﵇ أخذ يوم حنين وبرةً من جنب بعير، ثم قال: يا أيها الناس، إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخُمس، والخُمس مردودٌ فيكم، فأدوا الخيط والمخيط، وكان رسول الله ﵇ يكره الأنفال، وقال: ليَرُدَّ قوي المؤمنين على ضعفيهم".
أفلا ترى أن رسول الله ﵇ قال: "لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخُمس"؟ فدلَّ ذلك أن ما سوى الخُمس من الغنائم للمقاتلة لا حكم للإمام في ذلك، ثم كره رسول الله ﵇ الأنفال، وقال: "ليَرُدَّ قوي المؤمنين على ضعيفهم"، أي لا يفضل أحد من أقوياء المؤمنين مما أفاء الله عليهم لقوته على ضعيفهم لضعفه، ويستوون في ذلك، واستحال أيضًا أن يكون رسول الله ﵇ نفل من الأنفال ما كان يكره، فكان النفل الذي ليس بمكروه هو النفل من الخُمس.
فثبت بذلك أن ما كان رسول الله ﵇ نفله ما رواه عبادة عنه في هذا الحديث هو من الخُمس.
ش: لما انتفت صحة استدلال أهل المقالة الأولى بالأحاديث المذكورة لما ذهبوا إليه، ولم يكن لهم دليل فيها على الوجه المذكور.
أشار إلى بيان ما احتجت به أهل المقالة الثانية من الأحاديث على وجه الصحة، فمنها حديث عبادة بن الصامت، أخرجه في هذا الباب عن قريب بعين هؤلاء الرواة عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن أبي مريم شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان -فيه مقال- عن سليمان بن موسى، عن مكحول الشامي، عن أبي سلام ممطور الحبشي، عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي الصحابي ﵁.
стр. 6223
وأخرجه النسائي (١): أخبرني عمرو بن يحيى بن الحارث، نا محبوب -يعني ابن موسى-[قال: أنبأنا أبو إسحاق -وهو الفزاري، عن عبد الرحمن بن عياش، عن سليمان بن موسى] (٢) عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة الباهلي، عن عبادة بن الصامت ﵄ قال: "أخذ رسول الله ﵇ يوم حنين وبرةً من جنب بعير، فقال: يا أيها الناس، إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخُمس، والخُمس مردود عليكم".
وأخرجه أحمد بوجوه كثيرة، منها (٣): ما رواه عن معاوية بن عمرو، ثنا أبو إسحاق -يعني الفزاري- عن عبد الرحمن بن الحارث، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﵇ قال: "أدوا الخيط والمخيط، وإياكم والغلول، وإنه عار على أهله يوم القيامة".
قوله: "وَبَرَة" بالفتحات، قال الجوهري: الَوبَر للبعير -بالتحريك- الواحدة وبرة.
قوله: "مما أفاء الله عليكم من الفيء" وهو الغنيمة.
قال الجوهري: الفيء: الخراج والغنيمة، تقول منه: أَفَاءَ الله على المسلمين مال الكفار يُفيء إفاءة.
قوله: "والمخيط" بكسر الميم: الإبرة، وفي رواية "أدوا الخياط والمخيط" الخياط هو الخيط.
وهذا الحديث يدل على أن ما سوى الخمس من الغنائم للمقاتلة، ولا حكم للإمام فيه، فإذا كان كذلك فلا يجوز التنفيل منه، فافهم.
стр. 6224
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ أيضًا ما يدل على صحة هذا المذهب:
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سهل بن بكار، قال: ثنا أبو عوانة، عن عاصم بن كليب، عن أبي الجويرية، عن معن بن يزيد السلمي، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لا نَفْل إلا بعد الخمس"، ومعنى قوله: "إلا بعد الخمس" عندنا -والله أعلم- أي حتى يقسم الخمس، فإذا قسم الخمس انفرد حق المقاتلة وهو أربعة أخماس، فكان ذلك النفل الذي ينفله الإِمام من بعد أن أثر أن يفعل ذلك من الخُمس لا من أربعة الأخماس التي هي حق المقاتلة.
ش: أي قد روي أيضًا عن النبي ﵇ ما يدل على صحة مذهب أهل المقالة الثانية، وهو حديث معن بن يزيد بن الأخنس السلمي، له ولأبيه ولجده صحبة.
أخرجه بإسناد صحيح: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني، عن سهل بن بكار بن بشر الدارمي شيخ البخاري وأبي داود، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري روى له الجماعة عن عاصم بن كليب بن شهاب الجرمي الكوفي روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا، عن أبي الجويرية الجرمي -واسمه حطان بن خفاف- وثقه أحمد ويحيى وأبو زرعة، وروى له البخاري وأبو داود والنسائي.
عن معن بن يزيد ﵁.
وأخرجه البيهقي (١) بأتم منه: من حديث أبي عوانة، عن عاصم بن كليب، حدثني أبو الجويرية قال: "وجدت جرة خضراء في إمارة معاوية ﵁ في أرض العدو وعلينا رجل من أصحاب النبي ﵇ من بني سليم يقال له: معن بن يزيد، فأتيته بها، فقسمها بين الناس وأعطاني مثل ما أعطى رجلاً منهم، ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله ﵇ يقول ورأيته يفعل، سمعت رسول الله ﵇ يقول: لا نفل إلا بعد الخُمس لأعطينك، وأخذ يعرض عليَّ من نصيبه، فأبيت وقلت: ما أنا بأحق به منك".
стр. 6225
ص: وقد دل على ذلك أيضًا ما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: "أن أنس بن مالك ﵁ كان مع عبيد الله بن أبي بكرة في غزاة غزاها فأصابوا سبيًا، فأراد عبيد الله أن يعطي أنسًا من السبي قبل أن يقسم، فقال أنس: لا, ولكن اقسم ثم أعطني من الخُمس، قال: فقال عبيد الله: لا، إلا من جميع الغنائم، فأبى أنس أن يقبل منه، وأبى عبيد الله أن يعطيه من الخُمس شيئًا".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن كهمس بن الحسن، عن محمد بن سيرين، عن أنس نحوه.
فهذا أنس لم يقبل النفل إلا من الخمس.
ش: أي: وقد دلَّ على ما ذكرنا من أن النفل لا يكون إلاَّ من الخُمس حديث أنس ﵁.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر بن راشد، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين. . . إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) مختصرًا: ثنا أبو أسامة، عن ابن عون، عن محمد قال: "بعث إلي أنس ﵁ بشيء قبل أن تقسم الغنائم، فقال: لا، وأبى حتى تقسم".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن كهمس بن الحسن التميمي البصري، عن محمد بن سيرين، عن أنس.
стр. 6226
وأخرجه ابن أبي شيبة (١)، ولكن في روايته عبيد الله بن زياد موضع عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي، كان عبيد الله بن أبي بكرة والي زياد بن أبي سفيان، ذكره ابن حبان في "الثقات" من التابعين، وقال: يروي عن أبيه، عداده في أهل البصرة، روى عن أهلها.
قلت: أبو بكرة اسمه نفيع الصحابي ﵁.
وقال ابن أبي شيبة (١): أنا ابن إدريس، عن كهمس، عن ابن سيرين قال: "غزا أنس بن مالك مع عبيد الله بن زياد، قال: فأعطاه ثلاثين رأسًا من سبي الجاهلية، قال: فسأله أنس أن يجعلها من الخُمس فأبى أن يقبلها".
ص: وقد روى مثل ذلك أيضًا عن جبلة بن عمرو:
حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار: "أنهم كانوا مع معاوية بعد حديج في غزوة المغرب، فنفل الناس، ومعنا أصحاب النبي ﵇ فلم يردوا ذلك غير جبلة بن عمرو".
حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا يوسف، قال: ثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، قال: "سألت سليمان بن يسار عن النفل في الغزو، فقال: لم أر أحدًا صنعه غير ابن حديج؛ نفلنا بأفريقية النصف بعد الخُمس ومعنا من أصحاب النبي ﵇ من المهاجرين الأولين أناس كثير، فأبى جبلة بن عمرو أن ياخد منها شيئًا".
ش: أي وقد روي مثل ما ذكرنا أن النفل لا يكون إلا من الخُمس عن جبلة بن عمرو الأنصاري الصحابي أخو أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري ﵄، أخرجه من طريقين فيهما عبد الله بن لهيعة المصري، فيه مقال.
стр. 6227
وسليمان بن يسار الهلالي أبو أيوب المدني مولى ميمونة زوج النبي ﵇، أخو عطاء بن يسار، روى له الجماعة.
ومعاوية بن حُديج -بضم الحاء المهملة وفي آخره جيم- التجيبي أبو نعيم الكندي الخولاني المصري له صحبة، وقيل: لا صحبة له. والأول أصح، ولي الإمرة على غزو المغرب سنة أربع وثلاثين وسنة أربعين وسنة خمسين.
وخالد بن أبي عمران التجيبي أبو عمر التونسي قاضي إفريقية، واسم أبي عمران زيد، قال ابن يونس: كان فقيه أهل المغرب ومفتي أهل مصر والمغرب، وكان يقال: إنه مستجاب الدعوة. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى. وقال أبو حاتم: لا بأس به. روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
والأثر أخرجه ابن يونس في ترجمة جبلة بن عمرو معلقًا، وقال: وحديثه رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن بكر بن الأشج، قال: "سألت سليمان بن يسار عن النفل في الغزو، فقال: نفلنا معاوية بن حُديج بإفريقية، فأبى جبلة بن عمرو الساعدي صاحب النبي ﵇ أن يأخذ من ذلك شيئًا".
قلت: غزوة معاوية بن حُديج إفريقية سنة أربع وثلاثين، والله أعلم.
ص: فإن قال قائل: ففي هذا الحديث أن أصحاب رسول الله ﵇ سوى جبلة بن عمرو قد قبلوا.
قيل له: صدقت، ونحن فلم ننكر أن الناس قد اختلفوا في ذلك، فمنهم من أجاز للإمام النفل قبل الخُمس، ومنهم من لم يجزه، وأن أصحاب رسول الله ﵇ قد كانوا في ذلك مختلفين، وإنما أردنا بما روينا عن أنس وجبلة أن نخبر أن قولنا هذا قد تَقَدَمَنَا فيه من ذكرنا من أصحاب رسول الله ﵇.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قلتم: إن التنفيل بعد الفراغ من القتال وبعد إحراز الغنيمة لا يجوز، وقد جاء في حديث جبلة بن عمرو: أن أصحاب
стр. 6228
رسول الله ﵇ غير جبلة قد قبلوا نفل معاوية بن حُديج، فدلَّ أن التنفيل بعد فراغ القتال وإحراز الغنيمة جائز، وهذا يرد ما قلتم.
والجواب عنه ظاهر.
ص: فإن قال قائل: فقد روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ في هذا.
فذكر ما حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن الأسود بن قيس، عن رجل من قومه يقال له: شبر بن علقمة، قال: "بارزت رجلاً يوم القادسية فقتلته، فبلغ سلبه اثني عشر ألفًا، فنفلنيه سعد بن أبي وقاص ﵁".
قيل له: قد يجوز أن يكون سعد نفله ذلك والقتال لم يرتفع، فإذا كان كذلك فهذا قولنا أيضًا، وان كان إنما نفله بعد ارتفاع القتال فقد يجوز أن يكون جعل ذلك من الخُمس، فإن كان جعله من غير الخُمس فهذا فيه الذي ذكرنا من الاختلاف، فلم يكن في هذا الحديث لأحد الفريقين حجة؛ إذ كان قد يحتمل ما قد صرفه إليه مخالفه.
ش: تقرير السؤال أن يقال: قد ورد عن سعد بن أبي وقاص ﵁ في هذا الباب ما ينافي ما ذكرتم مما ذهبتم إليه.
أخرجه بإسناد صحيح: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن الأسود بن قيس العبدي روى له الجماعة، عن شِبر -بكسر الشين المعجمة وسكون الباء الموحدة، وفي آخره راء- بن علقمة العبدي الكوفي -وثقه ابن حبان.
قوله: "يوم القادسية" -بالقاف- وكان في سنة أربع عشرة من الهجرة، وكان أمير القوم يومئذٍ سعد بن أبي وقاص ﵁.
و"القادسية": بلدة ذات نخيل ومياه في أرض العراق، بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخًا.
قوله: "إذ كان" كلمة "إذْ" للتعليل.
стр. 6229
ص: ووجب بعد ذلك أن نكشف وجه هذا الباب لنعلم كيف حكمه من طريق النظر، فكان الأصل في ذلك أن الإِمام إذا قال في حال القتال: "من قتل قتيلاً فله سلبه" أن ذلك جائز، ولو قال: "من قتل قتيلاً فله كذا وكذا درهمًا" كان ذلك جائز أيضًا, ولو قال: "من قتل قتيلاً فله عُشْر ما أصبنا" لم يجز ذلك؛ لأن هذا لو جاز جاز أن تكون الغنيمة كلها للمقاتلين فيبطل حق الله فيها من الخُمس، فكان النفل لا يكون قبل القتال إلا فيما أصابه المُنَفَّل بسيفه، ولا يجوز فيما أصاب غيره إلا أن يكون حكمه حكم الإجارة فيجوز ذلك كما تجوز الإجارة، كقوله: من قتل قتيلاً فله عشرة دراهم، فذلك جائز.
فلما كان ما ذكرنا كذلك ولم يجز النفل إلا فيما أصاب المُنَفَّل بسيفه أو فيما جُعل له بعمله، ولم يجز أن يُنَفَّل مما أصاب غيره؛ كان النظر على ذلك أيضًا أن يكون بعد إحراز الغنيمة أحرى أن لا يجوز أن ينفل مما أصاب غيره.
ففسد بذلك قول من أجاز النفل بعد إحراز الغنيمة، ورجعنا إلى حكم ما أصابه هو، فكان ذلك قبل أن يُنَفِّله الإِمام إياه قد وجب حق الله في خُمسه، وحق المقاتلة في أربعة أخماسه، فلو أجزنا النفل إذًا لكان حقهم قد بطل بعد وجوبه، وإنما يجوز النفل فيما يدخل في ملك المُنَفَّل من ملك العدو، فأما ما قد زال عن ملك العدو وصار في ملك المسلمين، فلا نفل في ذلك؛ لأنه من مال المسلمين، فثبت بذلك أن لا نفل بعد إحراز الغنيمة على ما قد فصَّلنا في هذا الباب وبيَّنا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي وجب بعد بيان المذاهب بالأحاديث والآثار؛ أن نكشف وجه هذا الباب، أي باب النفل لنعلم حكمه من طريق النظر والقياس، وشرَع يُبيِّن ذلك بقوله: "فكان الأصل في ذلك. . . " إلى آخره، وهذا ظاهرٌ لا يحتاج إلى زيادة بيان.
قوله: "إلا فيما أصابه المنفَّل" بفتح الفاء المشددة، وهو الرجل الذي عين له النفل.
قوله: "فثبت بذلك" نتيجة القياس.
стр. 6230
ص: باب: المدد يَقْدُمون بعد الفراغ من القتال في دار الحرب بعدما ارتفع القتال قبل قفول العسكر، هل يُسْهم لهم أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم المدد؟، وهم الأعوان والأنصار الذين كانوا يمدون المسلمين في الجهاد، إذا قدموا بعد فراغ الإِمام من قتال الكفار في دار الحرب قبل قفول العسكر، أي رجوعهم إلى دار الإِسلام، هل لهم سهم من الغنيمة أم لا؟
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن ابن شهاب الزهري، أن عنبسة أخبره، أنه سمع أبا هريرة يحدث سعيد بن العاص، قال أبو هريرة: "بعث النبي ﵇ أبان بن سعيد على سرية من المدينة قِبَل نجد، فقدم أبان وأصحابه على النبي ﵇ بخيبر بعدما فتحها وإن حُزُمَ خيلهم الليف، فقال أبان: اقسم لنا يا رسول الله، قال أبو هريرة: فقلت: لا تقسم لهم شيئًا يا نبي الله، قال أبان: أنت بها يا وَبرْ تحدّر علينا من رأس ضال، فقال النبي ﵇: اجلس يا أبان، فلم يقسم لهم شيئًا".
ش: إسناده صحيح.
وإسماعيل بن عياش بن سليم الشامي الحمصي، احتج به الأربعة.
ومحمد بن الوليد الزبيدي -بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف- الحمصي القاضي، روى له الجماعة سوى الترمذي.
وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري.
وعنبسة بن سعيد بن العاص الأموي القرشي أبو خالد المدني، وثقه يحيى وأبو داود والدارقطني، وروى له البخاري ومسلم وأبو داود.
والحديث أخرجه أبو داود (١): ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا إسماعيل بن
стр. 6231
عياش، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، أن عنبسة بن سعيد أخبره، أنه سمع أبا هريرة يحدث. . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه البخاري تعليقًا (١).
قوله: "يحدث سعيد بن العاص" هو سعيد بن العاص بن أبي أحيحة القرشي الأموي المدني الصحابي.
وأبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصي بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الأموي الصحابي.
قوله: "وإن حُزُمَ خيلهم" الحُرُم -بضمتين-: جمع حزام الدابة، وهو معروف.
قوله: "أنت بها" فيه إضمار وحذف، تقديره: "أنت المتكلم بهذه الكلمة"، وكان ابن عمر ﵄ يرمي فإذا اصاب قال: أنا بها أنا بها، أي أنا الفائز بالإِصابة.
قوله: "يا وَبْر" الوَبْر -بفتح الواو وسكون الباء الموحدة وبعدها راء مهملة- وهي دويبة غبراء، ويقال: بيضاء على قدر السنور حسنة العينين لا ذنب لها، وهي من دواب الجبال، يريد بهذه الكلمة تصغير شأنه وتوهين أمره، وقيده بعضهم بفتح الباء، وتأوله أنه جمع وبرة وهي شعر الإِبل.
والأول هو المشهور في الرواية والأوجه في المعنى.
قوله: "تحدّر علينا" جملة وقعت صفة للوبر، أي نزل علينا من رأس ضال أي جبل الضال -باللام المخففة- اسم جبل أو اسم موضع بعينه، وأراد بهذا الكلام تشبيهه بدويبة صغيرة نزلت من رأس جبل؛ تحقيرًا له، ويروى: ضان وضال بالنون واللام، حاصل الكلام: مادة هذه الكلمة: (ضاد معجمة وألف ساكنة ولام مخففة أو نون) وقال ابن الأثير: وقيل: أراد به الضأن من الغنم فتكون "ألفه" همزة.
ص: قال أبو جعفر-﵀: فذهب قومٌ إلى أنه لا يسهم من الغنيمة إلا لمن حضر الوقعة.
стр. 6232
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الليث والشافعي ومالكًا وأحمد؛ فإنهم قالوا: لا يُسهم من الغنيمة إلا لمن حضر الوقعة، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور.
وقال الخطابي: قال الشافعي: الغنيمة لمن شهد الوقعة وكان ردءًا لهم، وأما من لم يحضرها فلا شيء له منها، وهو قول مالك، وكان الشافعي يقول: إن مات قبل الغنيمة فلا شيء له، وإن مات بعد القتال وقبل القسمة فسهمه لورثته.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: يقسم لكل من حضر الوقعة ولمن كان غائبًا عنها من شيء من أشيائها، فمِن ذلك من خرج يريدها فلم يلحق بالإِمام حتى ذهب القتال غير أنه لحق به في دار الحرب قبل خروجه منها، قسم له.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الشعبي والنخعي والثوري والحكم بن عتيبة والأوزاعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: يقسم لكل من حضر الوقعة. . . إلى آخره.
قال الخطابي: قال الأوزاعي: إذا أدرب -يعني دخل الدرب- قاصدًا في سبيل الله أُسهم له شهد القتال أو لم يشهد، وقال أبو حنيفة: من لحق قبل القسمة فهو شريك الغانمين.
وقال ابن قدامة: قال أبو حنيفة ﵁ في المدد: إن لحقهم قبل القسمة وإحرازها بدار الإِسلام شاركهم؛ لأن تمام ملكها بتمام الاستيلاء وهو الإحراز إلى دار الإِسلام أو قسمتها، فمن جاء قبل ذلك فقد أدركها قبل ملكها؛ فاستحق منها كما لو جاء في أثناء الحرب.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عيسى بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا كليب بن وائل، قال: حدثني هانئ بن قيس، عن حبيب بن أبي مليكة قال: "كنت قاعداً إلى جنب ابن عمر ﵄، فأتاه رجل فقال: هل شهد عثمان بدرًا؟ فقال: لا, ولكن رسول الله ﵇ قال: إن عثمان
стр. 6233
انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله، فضرب له بسهم ولم يضرب لأحد غاب يوم بدر غيره".
أفلا ترى أن رسول الله ﵇ قد ضرب لعثمان ﵁ في غنائم بدر بسهم ولم يحضرها؛ لأنه كان غائبًا في حاجة الله وحاجة رسوله؟ فجعله رسول الله ﵇ كمن حضرها، فكذلك كل من غاب عن وقعة المسلمين بأهل الحرب لشغل شغله به الإِمام من أمور المسلمين، مثل أن يبعثه إلى شق آخر من دار الحرب لقتال قوم آخرين، فيصيب الإِمام غنيمةً بعد مفارقة ذلك الرجل إياه، أو يبعث برجل ممن معه من دار الحرب إلى دار الإِسلام ليمده بالسلاح والرجال، فلا يعود ذلك الرجل إلى الإِمام حتى يغنم غنيمة، فهو شريك فيها، وهو كمن حضرها، وكذلك من أرادها فرده الإِمام عنها وشغله بشيء من أمور المسلمين فهو كمن حضرها.
وعلى هذا الوجه عندنا -والله أعلم- أسهم النبي ﵇ لعثمان بن عفان ﵁ في غنائم بدر، ولولا ذلك لما أسهم له كما لم يسهم لغيره ممن غاب عنها؛ لإن غنائم بدر لو كانت وجبت لمن حضرها دون من غاب عنها إذًا لما ضرب النبي ﵇ لغيرهم فيها بسهم، ولكنها وجبت لمن حضر الوقعة، ولكن من بذل نفسه لها فصرفه الإِمام عنها وشغله بغيرها من أمور المسلمين كمن حضرها.
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عمر ﵄.
أخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عيسى بن إبراهيم بن سيار الشعيري البصري شيخ أبي داود والبخاري في غير "الصحيح"، عن عبد الواحد بن زياد العبدي البصري، روى له الجماعة، عن كليب بن وائل التيمي البكري الكوفي روى له البخاري والترمذي، ووثقه يحيى وابن حبان، عن هانئ بن قيس الكوفي وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود، عن حبيب بن أبي مليكة النهدي أبي ثور الكوفي وثقه أبو زرعة.
стр. 6234
وروى له أبو داود (١) الحديث المذكور: ثنا محبوب بن موسى أبو صالح، ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن كليب بن وائل، عن هانئ بن قيس، عن حبيب بن أبي مليكة، عن ابن عمر قال: "إن رسول الله ﵇ قام -يعني يوم بدر- فقال: إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله، وإني أبايع له، فضرب [له] (٢) رسول الله ﵇ بسهم ولم يضرب لأحد غاب غيره".
وجه الاستدلال به ظاهر؛ قد بينه الطحاوي مبسوطًا.
فإن قيل: استدلالكم بهذا الحديث لا يصح؛ لأنه خاص بعثمان ﵁؛ لأنه كان يُمرض ابنة رسول الله ﵇، وهو معنى قوله: "حاجة الله وحاجة رسوله"، يريد بذلك حاجة عثمان في حق الله وحق رسوله.
قال الخطابي: ومن احتج بهذا لمن لحق الجيش قبل القسم فهو غير مصيب؛ وذلك أن عثمان ﵁ كان بالمدينة وهو القائل: "لا يقسم لمن كان في المصر" فلا موضع لاستدلاله.
قلت: لا نُسلِّم دعوى الخصوصية؛ لأنه ﵇ ضرب بسهم لغير عثمان أيضًا ممن كان في معنى غيبة عثمان وهم: طلحة بن عبيد الله وكان بالشام فضرب له النبي ﵇ بسهمه، والحارث بن حاطب رجعه النبي ﵇ إلى المدينة وضرب له بسهمه، وعاصم بن عدي كذلك، وخوات بن جبير ضرب له رسول الله ﵇، بسهمه والحارث بن الصُّمة كُسِر بالروجاء فضرب له النبي ﵇ وسعيد بن زيد قدم من الشام بعدما رجع النبي ﵇ إلى المدينة فضرب له النبي ﵇ بسهمه.
فإذا تأملت كلام الطحاوي في قوله: "أفلا ترى. . ." إلى آخره، يظهر لك منه تمام الجواب عن هذا السؤال.
ص: وأما حديث أبي هريرة ﵁ فإنما ذلك عندنا -والله أعلم- على أن النبي ﵇ وجَّه أبان إلى نجد قبل أن يتهيأ خروجه إلى خيبر فتوجه أبان في ذلك،
стр. 6235
ثم حدث من خروج النبي ﵇ إلى خيبر ما حدث، فكان ما غاب فيه أبان من ذلك عن حضور خيبر، ليس هو شغل شغله النبي ﵇ عن حضورها بعد إرادته إياه، فيكون كمن حضرها.
فهذان الحديثان أصلان في فكل من أراد الخروج مع الإِمام إلى قتال العدو، فرده الإمام بأمر آخر من أمور المسلمين فتشاغل به حتى غنم الإِمام غنيمةً، فهو كمن حضر مع الإِمام، يُسهم له في الغنيمة كما يُسهم لمن حضرها، وكل شيء تشاغل به رجل من شغل نفسه أو شغل المسلمين مما كان دخوله فيه متقدمًا ثم حدث للإِمام قتال عدو، فتوجه له فغنم، فلا حق لذلك الرجل في الغنيمة، وهي بين من حضرها وبين من حكمه حكم الحاضر لها.
ش: هذا جواب عن حديث أبي هريرة الذي احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه، وهو ظاهر.
وبهذا يحصل الجواب عما قاله الخطابي الذي ذكرناه آنفًا.
وقد أجاب الجصاص عن حديث أبي هريرة، وقال: وهذا لا حجة فيه؛ لأن خيبر صارت دار الإِسلام بظهور النبي ﵇ عليها، وهذا لا خلاف فيه.
وقد قيل فيه وجه آخر، وهو ما روى حماد بن سلمة، عن علي بن يزيد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة قال: "ما شهدت لرسول الله ﵇ مغنمًا إلا قسم لي إلا خيبر؛ فإنها كانت لأهل الحديبية خاصة".
فأخبر في هذا الحديث أن خيبر كانت لأهل الحديبية خاصة شَهِدُوها أو لم يشهدوها دون مَنْ سواهم؛ لأن الله تعالى كان وعدهم إياها بقوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ (١) بعد قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ (٢)، والله أعلم.