← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

عياش، عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري، أن عنبسة بن سعيد أخبره، أنه سمع أبا هريرة يحدث. . . إلى آخره نحوه. وأخرجه البخاري تعليقًا (١). قوله: "يحدث سعيد بن العاص" هو سعيد بن العاص بن أبي أحيحة القرشي الأموي المدني الصحابي. وأبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصي بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الأموي الصحابي. قوله: "وإن حُزُمَ خيلهم" الحُرُم -بضمتين-: جمع حزام الدابة، وهو معروف. قوله: "أنت بها" فيه إضمار وحذف، تقديره: "أنت المتكلم بهذه الكلمة"، وكان ابن عمر ﵄ يرمي فإذا اصاب قال: أنا بها أنا بها، أي أنا الفائز بالإِصابة. قوله: "يا وَبْر" الوَبْر -بفتح الواو وسكون الباء الموحدة وبعدها راء مهملة- وهي دويبة غبراء، ويقال: بيضاء على قدر السنور حسنة العينين لا ذنب لها، وهي من دواب الجبال، يريد بهذه الكلمة تصغير شأنه وتوهين أمره، وقيده بعضهم بفتح الباء، وتأوله أنه جمع وبرة وهي شعر الإِبل. والأول هو المشهور في الرواية والأوجه في المعنى. قوله: "تحدّر علينا" جملة وقعت صفة للوبر، أي نزل علينا من رأس ضال أي جبل الضال -باللام المخففة- اسم جبل أو اسم موضع بعينه، وأراد بهذا الكلام تشبيهه بدويبة صغيرة نزلت من رأس جبل؛ تحقيرًا له، ويروى: ضان وضال بالنون واللام، حاصل الكلام: مادة هذه الكلمة: (ضاد معجمة وألف ساكنة ولام مخففة أو نون) وقال ابن الأثير: وقيل: أراد به الضأن من الغنم فتكون "ألفه" همزة. ص: قال أبو جعفر-﵀: فذهب قومٌ إلى أنه لا يسهم من الغنيمة إلا لمن حضر الوقعة.

стр. 6232

ش: أراد بالقوم هؤلاء: الليث والشافعي ومالكًا وأحمد؛ فإنهم قالوا: لا يُسهم من الغنيمة إلا لمن حضر الوقعة، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور. وقال الخطابي: قال الشافعي: الغنيمة لمن شهد الوقعة وكان ردءًا لهم، وأما من لم يحضرها فلا شيء له منها، وهو قول مالك، وكان الشافعي يقول: إن مات قبل الغنيمة فلا شيء له، وإن مات بعد القتال وقبل القسمة فسهمه لورثته. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: يقسم لكل من حضر الوقعة ولمن كان غائبًا عنها من شيء من أشيائها، فمِن ذلك من خرج يريدها فلم يلحق بالإِمام حتى ذهب القتال غير أنه لحق به في دار الحرب قبل خروجه منها، قسم له. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الشعبي والنخعي والثوري والحكم بن عتيبة والأوزاعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: يقسم لكل من حضر الوقعة. . . إلى آخره. قال الخطابي: قال الأوزاعي: إذا أدرب -يعني دخل الدرب- قاصدًا في سبيل الله أُسهم له شهد القتال أو لم يشهد، وقال أبو حنيفة: من لحق قبل القسمة فهو شريك الغانمين. وقال ابن قدامة: قال أبو حنيفة ﵁ في المدد: إن لحقهم قبل القسمة وإحرازها بدار الإِسلام شاركهم؛ لأن تمام ملكها بتمام الاستيلاء وهو الإحراز إلى دار الإِسلام أو قسمتها، فمن جاء قبل ذلك فقد أدركها قبل ملكها؛ فاستحق منها كما لو جاء في أثناء الحرب. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عيسى بن إبراهيم، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا كليب بن وائل، قال: حدثني هانئ بن قيس، عن حبيب بن أبي مليكة قال: "كنت قاعداً إلى جنب ابن عمر ﵄، فأتاه رجل فقال: هل شهد عثمان بدرًا؟ فقال: لا, ولكن رسول الله ﵇ قال: إن عثمان

стр. 6233

انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله، فضرب له بسهم ولم يضرب لأحد غاب يوم بدر غيره". أفلا ترى أن رسول الله ﵇ قد ضرب لعثمان ﵁ في غنائم بدر بسهم ولم يحضرها؛ لأنه كان غائبًا في حاجة الله وحاجة رسوله؟ فجعله رسول الله ﵇ كمن حضرها، فكذلك كل من غاب عن وقعة المسلمين بأهل الحرب لشغل شغله به الإِمام من أمور المسلمين، مثل أن يبعثه إلى شق آخر من دار الحرب لقتال قوم آخرين، فيصيب الإِمام غنيمةً بعد مفارقة ذلك الرجل إياه، أو يبعث برجل ممن معه من دار الحرب إلى دار الإِسلام ليمده بالسلاح والرجال، فلا يعود ذلك الرجل إلى الإِمام حتى يغنم غنيمة، فهو شريك فيها، وهو كمن حضرها، وكذلك من أرادها فرده الإِمام عنها وشغله بشيء من أمور المسلمين فهو كمن حضرها. وعلى هذا الوجه عندنا -والله أعلم- أسهم النبي ﵇ لعثمان بن عفان ﵁ في غنائم بدر، ولولا ذلك لما أسهم له كما لم يسهم لغيره ممن غاب عنها؛ لإن غنائم بدر لو كانت وجبت لمن حضرها دون من غاب عنها إذًا لما ضرب النبي ﵇ لغيرهم فيها بسهم، ولكنها وجبت لمن حضر الوقعة، ولكن من بذل نفسه لها فصرفه الإِمام عنها وشغله بغيرها من أمور المسلمين كمن حضرها. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عمر ﵄. أخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عيسى بن إبراهيم بن سيار الشعيري البصري شيخ أبي داود والبخاري في غير "الصحيح"، عن عبد الواحد بن زياد العبدي البصري، روى له الجماعة، عن كليب بن وائل التيمي البكري الكوفي روى له البخاري والترمذي، ووثقه يحيى وابن حبان، عن هانئ بن قيس الكوفي وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود، عن حبيب بن أبي مليكة النهدي أبي ثور الكوفي وثقه أبو زرعة.

стр. 6234

وروى له أبو داود (١) الحديث المذكور: ثنا محبوب بن موسى أبو صالح، ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن كليب بن وائل، عن هانئ بن قيس، عن حبيب بن أبي مليكة، عن ابن عمر قال: "إن رسول الله ﵇ قام -يعني يوم بدر- فقال: إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله، وإني أبايع له، فضرب [له] (٢) رسول الله ﵇ بسهم ولم يضرب لأحد غاب غيره". وجه الاستدلال به ظاهر؛ قد بينه الطحاوي مبسوطًا. فإن قيل: استدلالكم بهذا الحديث لا يصح؛ لأنه خاص بعثمان ﵁؛ لأنه كان يُمرض ابنة رسول الله ﵇، وهو معنى قوله: "حاجة الله وحاجة رسوله"، يريد بذلك حاجة عثمان في حق الله وحق رسوله. قال الخطابي: ومن احتج بهذا لمن لحق الجيش قبل القسم فهو غير مصيب؛ وذلك أن عثمان ﵁ كان بالمدينة وهو القائل: "لا يقسم لمن كان في المصر" فلا موضع لاستدلاله. قلت: لا نُسلِّم دعوى الخصوصية؛ لأنه ﵇ ضرب بسهم لغير عثمان أيضًا ممن كان في معنى غيبة عثمان وهم: طلحة بن عبيد الله وكان بالشام فضرب له النبي ﵇ بسهمه، والحارث بن حاطب رجعه النبي ﵇ إلى المدينة وضرب له بسهمه، وعاصم بن عدي كذلك، وخوات بن جبير ضرب له رسول الله ﵇، بسهمه والحارث بن الصُّمة كُسِر بالروجاء فضرب له النبي ﵇ وسعيد بن زيد قدم من الشام بعدما رجع النبي ﵇ إلى المدينة فضرب له النبي ﵇ بسهمه. فإذا تأملت كلام الطحاوي في قوله: "أفلا ترى. . ." إلى آخره، يظهر لك منه تمام الجواب عن هذا السؤال. ص: وأما حديث أبي هريرة ﵁ فإنما ذلك عندنا -والله أعلم- على أن النبي ﵇ وجَّه أبان إلى نجد قبل أن يتهيأ خروجه إلى خيبر فتوجه أبان في ذلك،

стр. 6235

ثم حدث من خروج النبي ﵇ إلى خيبر ما حدث، فكان ما غاب فيه أبان من ذلك عن حضور خيبر، ليس هو شغل شغله النبي ﵇ عن حضورها بعد إرادته إياه، فيكون كمن حضرها. فهذان الحديثان أصلان في فكل من أراد الخروج مع الإِمام إلى قتال العدو، فرده الإمام بأمر آخر من أمور المسلمين فتشاغل به حتى غنم الإِمام غنيمةً، فهو كمن حضر مع الإِمام، يُسهم له في الغنيمة كما يُسهم لمن حضرها، وكل شيء تشاغل به رجل من شغل نفسه أو شغل المسلمين مما كان دخوله فيه متقدمًا ثم حدث للإِمام قتال عدو، فتوجه له فغنم، فلا حق لذلك الرجل في الغنيمة، وهي بين من حضرها وبين من حكمه حكم الحاضر لها. ش: هذا جواب عن حديث أبي هريرة الذي احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه، وهو ظاهر. وبهذا يحصل الجواب عما قاله الخطابي الذي ذكرناه آنفًا. وقد أجاب الجصاص عن حديث أبي هريرة، وقال: وهذا لا حجة فيه؛ لأن خيبر صارت دار الإِسلام بظهور النبي ﵇ عليها، وهذا لا خلاف فيه. وقد قيل فيه وجه آخر، وهو ما روى حماد بن سلمة، عن علي بن يزيد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة قال: "ما شهدت لرسول الله ﵇ مغنمًا إلا قسم لي إلا خيبر؛ فإنها كانت لأهل الحديبية خاصة". فأخبر في هذا الحديث أن خيبر كانت لأهل الحديبية خاصة شَهِدُوها أو لم يشهدوها دون مَنْ سواهم؛ لأن الله تعالى كان وعدهم إياها بقوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ (١) بعد قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ (٢)، والله أعلم.

стр. 6236

ص: واحتج أهل المقالة الأولى لقولهم أيضًا بما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن قيس بن مسلم، قال: سمعت طارق بن شهاب يقول: "إن أهل البصرة غزوا نهاوند، وأمدهم أهل الكوفة فظفروا، فأراد أهل البصرة أن لا يقسموا لأهل الكوفة، وكان عمار ﵁ على أهل الكوفة، فقال رجل من بني عطارد: أيها الأجدع، تريد أن تشاركنا في غنائمنا؟! قال: فكتب في ذلك إلى عمر ﵁، فكتب عمر ﵁: إن الغنيمة لمن شهد الوقعة". قالوا: فهذا عمر ﵁ قد ذهب إلى أن الغنيمة لمن شهد الوقعة، فقد وافق هذا قولنا. قيل لهم: قد يجوز أن تكون نهاوند فتحت وصارت دار إسلام، وأحرزت الغنائم وقسمت قبل ورود أهل الكوفة، فإن كان ذلك كذلك فإنا نحن نقول أيضًا: إنما الغنيمة في ذلك لمن شهد الوقعة، فإن كان جواب عمر ﵁ الذي في هذا الحديث -لما كتب به إليه- إنما هو لهذا السؤال، فإن ذلك مما لا اختلاف فيه. وإن كان على أن أهل الكوفة لحقوا بهم قبل خروجهم من دار الشرك بعد ارتفاع القتال فكتب عمر ﵁ أن الغنيمة لمن شهد الوقعة، فإن في ذلك الحديث ما يدل على أن أهل الكوفة قد كانوا طلبوا أن يقسم لهم وفيهم عمار بن ياسر ومن كان فيهم غيره من أصحاب النبي ﵇، فهم ممن تكافأ قولهم بقول عمر ﵁، فلا يكون واحد من القولين أولى من الآخر إلا بدليل عليه إما من كتاب وإما من سنة وإما من نظر صحيح. فنظرنا في ذلك، فرأينا السرايا المبعوثة من دار الحرب إلى بعض أهل الحرب أنهم إذا غنموا فهو بينهم وبين سائر أصحابهم، وسواء في ذلك مَنْ كان خرج في تلك السرية ومن لم يخرج؛ لأنهم قد كانوا بذلوا من أنفسهم ما بذل الذين سَرَوْا، فلم

стр. 6237

يفضل في ذلك بعضهم على بعض، وإن كان ما لقوا من القتال مختلفًا، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك من بذل نفسه بمثل ما بذل به نفسه من حضر الوقعة، فهو في ذلك كمن حضر الوقعة إذا كان على الشرائط التي ذكرنا في هذا الباب. ش: أي احتج أهل المقالة الأولى أيضًا لما ذهبوا إليه بظاهر قول عمر بن الخطاب ﵁: "إن الغنيمة لمن شهد الوقعة". أخرجه عن سليمان بن شعيب الكيساني صاحب محمد بن الحسن الشيباني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي وثقه أبو حاتم، عن شعبة بن الحجاج، عن قيس بن مسلم الجدلي الكوفي روى له الجماعة، عن طارق بن شهاب البجلي الكوفي، أدرك الجاهلية ورأى النبي ﵇. وأخرجه البيهقي (١): من حديث شعبة، ثنا قيس بن مسلم، سمعت طارقاً يقول: "إن أهل البصرة غزوا أهل نهاوند فأمدوهم بأهل الكوفة وعليهم عمار، فقدموا عليهم بعدما ظهروا على العدو، فطلب أهل الكوفة الغنيمة، وأراد أهل البصرة أن لا يقسموا لأهل الكوفة من الغنيمة، فقال رجل من بني تميم لعمار: أيها الأجدع، تريد أن تشاركنا في غنائمنا؟! وكانت أذن عمار قد جدعت مع رسول الله ﵇، فكتبوا إلى عمر ﵁، فكتب إليهم: إن الغنيمة لمن شهد الوقعة". قوله: "قيل لهم. . ." إلى آخره، جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى، وهو ظاهر. فإذا قيل: قد قال الشافعي: قد روي في معنى كتاب عمر وأبي بكر ﵄ لا يحضرني حفظه.

стр. 6238

وروى البيهقي أيضًا (١): من حديث حصين بن مخارق، عن سفيان، عن بختري العبدي، عن عبد الرحمن بن مسعود، عن علي ﵁: "الغنيمة لمن شهد الوقعة". قلت: الذي قاله الشافعي لا يجدي شيئًا؛ لأنه عن مجهول، والذي رواه البيهقي لا شيء؛ لأن في إسناده ابن مخارق، وهو يضع الحديث؛ قاله الدارقطني. قوله: "غزوا نُهَاوند" وهي بضم النون وفتح الهاء، وفي آخره دال مهملة، مدينة جنوبي همدان على جبل، وكانت بها وقعة عظيمة للمسلمين في زمن عمر ابن الخطاب ﵁، وكان فتحها في سنة إحدى وعشرين من الهجرة على يد سعد بن أبي وقاص. قوله: "أيها الأجدع" الأجدع: مقطوع الآذان، وقد فسره البيهقي في روايته. قوله: "فهم" أي أصحاب النبي ﵇ "ممن تكافئ" أي تساوى قولهم بقول عمر بن الخطاب، فإذا تساوى القولان فلا ترجيح لأحدهما على الآخر إلا بدليل من كتاب أو سنة أو قياس صحيح. والنظر الصحيح إذا تؤمل فيه يشهد ترجيح قول هؤلاء الصحابة على قول عمر بن الخطاب ﵁، وهو ما ذكره الطحاوي بقوله: "فنظرنا في ذلك. . ." إلى آخره. قوله: "من حضر الوقعة" في محل الرفع؛ لأنه فاعل لقوله: "ما بذل به نفسه"، فافهم. ...

стр. 6239

ص: باب: الأرض تفتتح، كيف ينبغي للإِمام أن يفعل فيها ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم الأرض التي يفتتحها الإِمام كيف ينبغي أن يفعل فيها؟ ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر ﵁ قال: "لولا أن يكون الناس ببانًا ليس لهم شيء؛ ما فتح الله عليّ قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﵇ خيبر". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول:. . . فذكر نحوه. ش: هذان إسنادان صحيحان، ورجالهما كلهم رجال الصحيح ما خلا ابن خزيمة -وهو أيضًا ثقة كبير. وأسلم أبو زيد -وقيل: أبو خالد- المدني مولى عمر بن الخطاب ﵁. وأخرجه البيهقي (١): من حديث هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "لولا أني أترك الناس ببانًا لا شيء لهم؛ ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله ﵇ خيبر". وأخرجه البخاري (٢): من حديث مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر قال: "لولا آخر المسلمين ما افتتحت قرية إلا قسمتها [بين أهلها] (٣) كما قسم رسول الله ﵇ خيبر".

стр. 6240

قوله: "ببانًا" بباءين موحدتين، قال أبو عبيد: لا أحسبه عربيًا. وقال أبو سعيد الضرير: ليس في كلام العرب ببان، والصحيح عندنا: بيانًا واحدًا، والعرب إذا ذكرت من لا يعرف قالوا: هذا هيان بن بيان. المعنى: لأسوين بينهم في العطاء حتى يكونوا شيئًا واحدًا لا فضل لأحد على غيره. وقال الأزهري: ليس كما ظن، وهذا حديث مشهور رواه أهل الإتقان، وكأنها لغة يمانية، ولم تقس في كلام معدّ. وقال ابن الأثير: معنى كلام عمر بن الخطاب ﵁: لولا أن أترك آجر الناس ببانًا واحدًا أي أتركهم شيئًا واحدًا؛ لأنه إذا قسم البلاد المفتوحة على الغانمين بقي من لم يحضر الغنيمة ومن لم يجىء بعد من المسلمين بغير شيء منها، فلذلك تركها لتكون بينهم جميعهم. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن للإمام إذا فتح أرضًا عنوةً وجب عليه أن يقسمها كما تقسم الغنائم، وليس له احتباسها كما ليس له احتباس سائر الغنائم، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من أهل الحديث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا عبيد؛ فإنهم قالوا: إذا فتح الإِمام أرضًا عنوة يجب عليه أن يقسمها كما تقسم الغنائم. وقال ابن حزم في "المحلى": وتقسم الأرض وتخمس كسائر الغنائم؛ فإن طابت نفوس جميع أهل العسكر على تركها أوقفها الإِمام حينئذ للمسلمين وإلا فلا، وهو قول الشافعي وأبي سليمان. وقال مالك: تُوقف الأرض ولا تقسم ولا تكون ملكًا لأحد. ص: وخالفهم في ذلك أخرون، فقالوا: الإمام بالخيار إن شاء خمسها وقسم أربعة أخماسها، وإن شاء تركها أرض خراج ولم يقسمها.

стр. 6241

حدثنا بذلك محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن أبي حنيفة وسفيان بذلك. وهو قول أبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سفيان الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر وأحمد في رواية, فإنهم قالوا: الإِمام إذا فتح أرضًا فله الخيار، إن شاء خمسها وقسم أربعة أخماسها بين الغانمين، وإن شاء تركها أرض خراج. وفي "المحلى": قال أبو حنيفة: الإِمام مخير، إن شاء قسمها وإن شاء أوقفها، فإن أوقفها فهي ملك للكفار الذين كانت لهم. قوله: "حدثنا بذلك" أي بما قال هؤلاء الجماعة الآخرون: محمد بن خزيمة بن راشد، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن أبي حنيفة وسفيان الثوري. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك ما قد روي عن رسول الله ﷺ ، فمن ذلك: ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا يحيى بن زكرياء، عن الحجاج، عن الحكم، عن مِقسم، عن ابن عباس ﵄ قال: "أعطى رسول الله ﷺ خيبر بالشطر، ثم أرسل ابن رواحة فقاسمهم". حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله - صلى الله عميه وسلم - عامل أهل خيبر بشطر ما خرج من الزرع". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عون الزيادي، قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: "أفاء الله خيبر فأقرهم رسول الله ﷺ كما كانوا وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم".

стр. 6242

فثبت بذلك أن رسول الله ﵇ لم يكن قسم خيبر بكمالها, ولكنه قسم طائفة منها على ما احتج به عمر ﵁ في الحديث الأول، وترك طائفة منها فلم يقسمها على ما روي عن ابن عباس وابن عمر وجابر ﵃ في هذه الآثار الأُخَر، والذي كان قسم منها هو الشق والنطاة، وترك سائرها، فعلمنا بذلك أنه قسم وله أن يقسم، وترك وله أن يترك. فثبت بذلك أن هكذا حكم الأرضين المفتتحة؛ للإِمام قسمها إن رأى ذلك صلاحًا للمسلمين كما قسم رسول الله ﵇ ما قسم من خيبر، وله تركها إن رأى في ذلك صلاحًا للمسلمين أيضًا كما ترك رسول الله ﵇ ما ترك من خيبر، يفعل ذلك ما رأى على التحري منه لصلاح المسلمين، وقد فعل عمر بن الخطاب ﵁ في أرض السواد مثل ذلك أيضًا فتركها للمسلمين أرض خراج لينتفع بها من يجيء من بعده منهم كما ينتفع بها من كان في عصره من المسلمين. ش: أي وكان من الدليل والبرهان لهؤلاء الجماعة الآخرين فيما ذهبوا إليه: ما قد روي عنه ﵇ من الأحاديث، وأخرج في ذلك عن ثلاثة من الصحابة وهم: ابن عباس وابن عمر وجابر ﵃. أما حديث ابن عباس: فأخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن الحجاج بن أرطاة النخعي -فيه مقال- عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم بن بجرة مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا سريج بن النعمان، ثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ دفع خيبر أرضها ونخلها مقاسمة على النصف". قوله: "بالشطر" أي بالنصف، ورواية أحمد فسرت رواية الطحاوي.

стр. 6243

وأما حديث ابن عمر فأخرجه بإسناد صحيح: عن محمد بن عمرو بن يونس، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: "أن رسول الله ﵇ عامل. . ." إلى آخره. وأخرجه البخاري (١)، ومسلم مطولاً (٢): من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ عامل أهل خيبر بشطر ما خرج من زرع أو تمر. . ." الحديث. وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عون محمد بن عون الزيادي، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا محمد بن أبي خلف، قال: ثنا محمد بن سابق، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال: "أفاء الله على رسوله خيبر، فأقرهم رسول الله ﵇ كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحه فخرصها عليهم". قوله: "أفاء الله خيبر" أي جعلها غنيمة لرسوله وللمؤمنين. قوله: "فخرصها عليهم" أي حزر ما عليها من الزرع والتمر، وهو من الخرص وهو الظن؛ لأن الحزر إنما هو تقدير بظن، والاسم الخِرْص -بالكسر- يقال: كم خِرْص أرضك؟. قوله: "هو الشَّق" بفتح الشين المعجمة وهو الأعرف عند أهل اللغة، وكذلك قيَّده البكري. و"النطاة" بالنون، وهما موضعان من أرض خيبر.

стр. 6244

ص: فإن قال قائل: قد يجوز أن يكون عمر ﵁ لم يفعل في السواد ما فعل من ذلك من جهة ما قلتم، ولكن لأن المسلمين جميعًا رضوا بذلك، والدليل على أنهم قد رضوا بذلك أنه جعل الجزية على رقابهم، فلم يخلُ ذلك من أحد وجهين: إما أن يكون جعلها ضريبة للمسلمين لأنهم عبيد لهم. أو أن يكون جعل ذلك عليهم كما يجعل الجزية على الأحرار؛ لتحقن بذلك دماؤهم. فرأيناه قد أهمل نساءهم ومشايخهم وأهل الزمانة منهم وصبيانهم، وإن كانوا قادرين على الأكتساب أكثر مما يقدر عليه بعض البالغين، فلم يجعل على أحد مما ذكرنا شيئًا من ذلك، فدلّ ما بقي من ذلك أن ما أوجب ليس لعلة الملك، ولكنه لعلة الذمة، وقبل ذلك جميعُ من افتتح تلك الأرض، فكان أخذهم ذلك منه دليلاً على إجازتهم لما كان عمر ﵁ فعل من ذلك. ثم رأيناه وضع على الأرض شيئًا مختلفًا، فوضع على جريب الكرم شيئًا معلومًا، ووضع على جريب الحنطة شيئًا معلومًا، وأهمل النخل فلم ياخد منها شيئًا. فلم يخل ذلك من أحد وجهين: إما أن يكون يملك به القوم الذين قد ثبتت جزيتهم ثمار أراضيهم والأرض ملك المسلمين، أو يكون جعل ذلك عليهم كما جعل الخراج على رقابهم، ولا يجوز أن يكون الخراج يجب إلا فيما ملكه بغير أخد الخراج. فإن حملنا ذلك على التمليك من عمر ﵁ إياهم ثمر النخل والكرم بما جعل عليهم مما ذكرنا، جُعِلَ فعله ذلك قد دخل فيما قد نهى عنه رسول الله ﵇ من بيع السنين ومن بيع ما ليس عندك، فاستحال أن يكون الأمر على ذلك. ولكن الأمر عندنا على أن تمليكه لهم الأرض التي أوجب هذا عليهم فيما تقدم على أن يكون ملكهم لذلك ملكًا خراجيًا هذا حكمه فيما يجب عليهم فيه، وقَبِلَ

стр. 6245

الناسُ منه جميعًا ذلك، وأخذوا منه ما أعطاهم مما أخذ منهم، فكان قبولهم لذلك إجازة منهم لفعله. قالوا: فلهذا جعلنا أهل السواد مالكين لأرضيهم وجعلناهم أحرارًا للعلة المتقدمة، وكل هذا فإنما كان بإجازة القوم الذين غنموا تلك الأرضين، ولولا ذلك لما جاز وكانوا على ملكهم. قالوا: فكذلك نقول: كل أرض مفتتحة عنوة فحكمها أن تقسم كما تقسم الأموال: خُمسها لله ، وأربعة أخماسها للذين افتتحوها, ليس للإِمام منعهم من ذلك إلا أن تطيب أنفس القوم بتركها كما طابت أنفس الذين افتتحوا السواد لعمر ﵁ بما ذكرنا. ش: تقرير السؤال أن يقال: استدلالكم بفعل عمر ﵁ غير تام؛ لأنه قد يحتمل أن يكون ما فعله في السواد إنما كان برضى المسلمين كلهم، والدليل على ذلك أنه قد وضع الجزية على رقابهم. . . إلى آخره، وهو ظاهر. وأراد بأرض السواد أرض الكوفة والبصرة؛ سميت بذلك لشدة خضرتها بالزروع والأشجار. قوله: "ضريبة" على وزن فعيلة بمعنى مفعولة، وهو ما يؤديه الذمي إلى الإِمام من الخراج المقرر عليه، أو العبد إلى سيده من المال المضروب عليه، ويجمع على ضرائب. قوله: "على جريب الكرم" قال الجوهري: الجريب من الأرض: مقدار معلوم. وفي "المعرب": الجريب أرض طولها ستون ذراعًا وعرضها ستون ذراعًا بذراع الملك كسرى، يزيد على ذراع العامة بقبضة، وهي ست قبضات، وذراع الملك سبع قبضات. قوله: "عنوة" أي قهرًا وغلبة.

стр. 6246

ص: وكان من الحجة للآخرين عليهم: أنَّا نعلم أن أرض السواد لو كانت كما ذكر أهل المقالة الأولى لكان قد وجب فيها خُمس الله بين أهله الذين جعله الله لهم، وقد علمنا أنه لا يجوز لإِمام المسلمين أن يجعل ذلك الخُمس ولا شيئًا منه لأهل الذمة، وقد كان أهل السواد الذين أقرهم عمر ﵁ قد صاروا أهل ذمة وكان السواد بأسره في أيديهم، فثبت بذلك أن ما فعله عمر ﵁ من ذلك كان من جهة غير الجهة التي ذكروا، وهو على أنه لم يكن وجب لله في ذلك خُمس، فكذلك ما فعل في رقابهم فمَنَّ عليهم بأن أقرهم في أرضهم ونفى الرقَّ عنهم، وأوجب الخراج عليهم في رقابهم وأرضيهم فملكوا بذلك أرضهم وانتفى الرق عن رقابهم. فثبت بذلك أن للإِمام أن يفعل هذا بما افتتح عنوة فينفي عن أهلها رقّ المسلمين، وعن أرضيهم ملك المسلمين منه، ويوجب ذلك لأهلها، ويضع عليها ما يجب عليهم وضعه من الخراج كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ بحضرة أصحاب رسول الله ﵇. واحتج عمر ﵁ لذلك بقول الله : ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١) , ثم قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ (٢) فأدخلهم معهم، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٣)، يريد بذلك الأنصار، فأدخلهم معهم. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٤) فأدخل فيها جميع من يجيء من بعدهم، فللإمام أن يفعل ذلك ويضعه حيث رأى وضعه مما سمَّى الله في هذه السورة. فثبت بما ذكرنا ما ذهب إليه أبو حنيفة وسفيان، وهو قول أبي يوسف ومحمد ﵏.

стр. 6247

ش: هذا جواب عن السؤال المذكور، وهو ظاهر. قوله: "واحتج عمر ﵁ لذلك. . ." إلى آخره، لما فتح عمر ﵁ العراق سأله قومٌ من الصحابة قسمته بين الغانمين، منهم: الزبير وبلال وغيرهما، فقال: إن قسمتها بينهم -يعني الناس- بلا شيء لهم، واحتج عليهم بهذه الآية -أعني قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٢)، وشاور عليًّا وجماعة من الصحابة ﵃ في ذلك، فأشاروا عليه بترك القسمة وأن يقر أهلها عليها ويضع عليها الخراج؛ ففعل ذلك. ووافقته الجماعة عند احتجاجه بالآية، وهذا يدل على أن هذه الآية مُحكمة غير منسوخة، وأنها مضمومة إلى آية الغنيمة في الأرضين المفتتحة، وهذا يرد على من يدعي انتساخ هذه الآية، فافهم. فإذا كان كذلك فيكون تقدير الآيتين بمجموعهما: واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خُمسه في الأموال سوى الأرضين، وفي الأرضين إذا اختار الإِمام ذلك، وما أفاء الله على رسوله من الأرضين فلله وللرسول إن اختار تركها على ملك أهلها، ويكون ذكر الرسول ها هنا لتفويض الأمر إلى الله في صرفه إلى من رأى، فاستدل عمر ﵁ من الآية بقوله: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٢)، وقال: لو قسمتها بينهم لصارت دولة بين الأغنياء منكم، ولم يكن لمن جاء من بعدهم من المسلمين شيء، وقد جعل فيها لهم الحق بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٢)، فلما استقر عنده حكم دلالة الآية وموافقة جلّ الصحابة على إقرار أهلها ووضع الخراج؛ بعث عثمان بن حنيف وحذيفة بن اليمان فمسحا الأرضين ووضعا الخراج على الأوضاع المعلومة، ووضعا الجزية على الرقاب، وجعلاهم ثلاث طبقات: اثنى عشر،

стр. 6248

وأربعة وعشرين، وثمانية وأربعين، ثم لم يتَعقب فعله هذا أحدٌ ممن جاء بعده من الأئمة بالفسخ، فصار ذلك اتفاقًا. ص: فإن احتج في ذلك مُحتج بما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا ابن المبارك، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: "لما وفد جرير بن عبد الله وعمار بن ياسر وأناس من المسلمين إلى عمر ﵁ قال عمر لجرير: يا جرير، والله لولا أني قاسم مسئول لكنتم على ما قسمت لكم، ولكني أرى أن أرده على المسلمين، فرده، وكان ربع السواد لبجيلة، فأخذه منهم وأعطاهم ثمانين دينارًا". حدثنا فهد، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: ثنا أبو أسامة، قال: وحدثني إسماعيل، عن قيس، عن جرير، قال: "كان عمر ﵁ قد أعطى بجيلة ربع السواد، فأخذناه ثلاث سنين، فوفد بعد ذلك جرير إلى عمر ﵁ ومعه عمار بن ياسر، فقال عمر ﵁: والله لولا أني قاسم مسئول لتركتكم على ما كنت أعطيتكم، فأرى أن تردوه على المسلمين، ففعل، قال: فأجازني عمر ﵁ بثمانين دينارًا". قالوا: فهذا يدل أن عمر ﵁ قد كان قسم السواد بين الناس ثم أرضاهم بعد بما أعطاهم على أن يعود للمسلمين. قيل له: ما يدل هذا الحديث على ما ذكرت، ولكن يجوز أن يكون عمر ﵁ فعل من ذلك في طائفة من السواد فجعلها لبجيلة، ثم أخد ذلك منهم للمسلمين بما عوض عمر أهلها ما عوضهم منها من ذلك، وما بقي بعد ذلك من السواد فعلى الحكم الذي بيَّناه، ولما قد تقدم في هذا الباب، ولولا ذلك لكانت أرض السواد أرض عُشر، ولم تكن أرض خراج. ش: أي فإن احتج أحد من أهل المقالة الأولى وجوب قسمة الأرض إذا افتتحت عنوة على الإِمام بين الغانمين بما روي عن عمر ﵁؛ وذلك لأنه يدل

стр. 6249

على أن عمر بن الخطاب ﵁ قد كان قسم السواد بين الناس، ثم بعد ذلك أرضاهم بالذي أعطاهم على أن يعود للمسلمين. وأجاب عن ذلك بقوله: "قيل له" أي للمحتج المذكور. حاصله أن يقال: لا نسلم أنه يدل على ما ذكرتم؛ لأنه يجوز أن يكون عمر ﵁ فعل ما فعل من ذلك في طائفة من السواد فجعلها لبجيلة. . . إلى آخر ما ذكره الطحاوي. وأخرج الأثر المذكور من طريقين صحيحين: الأول: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن إسماعيل بن أي خالد البجلي الكوفي، عن قيس بن أبي حازم الأحمسي الكوفي، وكان هاجر إلى النبي ﵇ ليبايعه فقبض وهو في الطريق، وقيل: إنه رآه يخطب ولم يثبت ذلك، وأبوه له صحبة، واسمه حصين بن عوف يكنى بأبي حازم. وأخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" (١): من حديث عبد السلام بن حرب، عن إسماعيل، عن قيس قال: "أعطى عمر ﵁ جريرًا وقومه ربع السواد فأخذه سنتين أو ثلاثًا، ثم إن جريرًا وفد إلى عمر مع عمار، فقال له عمر ﵁: لولا أني قاسم مسئول لكنتم على ما كنتم عليه، ولكن أرى أن تردوه على المسلمين، فرده عليهم وأعطاه عمر ثمانين دينارًا". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن أبي أسامة حماد بن أسامة أحد مشايخ الشافعي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي الصحابي ﵁. وأخرجه البيهقي أيضًا نحوه (٢) وقال: الشافعي: أنا الثقة، عن إسماعيل، عن

стр. 6250

قيس بن أبي حازم، عن جرير قال: "كانت بجيلة ربع الناس، فقسم لهم ربع السواد فاستغلوه ثلاث سنين، ثم قدمت على عمر ومعي فلانة بنت فلان -امرأة منهم- فقال عمر ﵁: لولا أني قاسم مسئول لتُركتكم على ما قُسم لكم، ولكن أرى أن تردوا على الناس". ثم إن أصحاب الشافعي ﵀: استدلوا بهذا على أن عمر ﵁ قسم أرض السواد وملكهم زقاب الأرضين. قلت: لا نسلِّم ذلك؛ لأنه يجوز أن يكون أعطاهم ربع الخراج ثم رأى بعد ذلك أن يقتصر على إعطائه دون الخراج؛ ليكونوا أسوة كسائر الناس. فإذا قلت: إنما دفع عمر ﵁ السواد إلى أهله بطيبة من نفوس الغانمين على وجه الإِجارة، والأجرة قد تسمى خراجًا، قال النبي ﵇: "الخراج بالضمان"، ومراده أجرة العبد للمشتري إذا رد بالعيب. قلت: هذا غلط من وجوه: الأول: أن عمر ﵁ لم يستطب نفوس القوم الغانمين في وضع الخراج وترك القسمة، وإنما تشاور، وحاجَّ من طلب القسمة بما أوضح به قوله ولو كان قد استطاب نفوسهم لنقل كما نقل ما كان بينه وبينهم من المراجعة والمحاجة. الثاني: أنه كيف يكون ذلك باستطابة منه لنفوسهم وقد أخبر عمر ﵁ أنه رأى ردَّه على المسلمين، وأظهر أنه لا يسعه غيره؛ لما كان عنده أنه الأصلح للمسلمين. الثالث: أنه يجوز أن يكون أعطاهم ربع الخراج ثم رأى بعد ذلك الاقتصار على إعطائه دون الخراج كما ذكرناه آنفًا. وأما قولهم: "الأجرة قد تسمى خراجًا" ففاسد أيضًا؛ لأنه لا خلاف أن الإِجارات لا تجوز إلا على مدد معلومة إذا وقعت على المدة، وأيضًا فإن أهلها لا يخلو إما أن يكونوا عبيدًا أو أحرارًا، فإن كانوا عبيدًا فإن إجارة المولى من عبده لا

стр. 6251

تجوز، وإن كانوا أحرارًا فكيف جاز أن يترك رقابهم على أصل الجزية ولا يترك أرضهم على أملاكهم، وأيضًا لو كانوا عبيدًا لم يجز أخذ الجزية من رقابهم؛ لأنه لا خلاف أن العبيد لا جزية عليهم، وأيضًا لا خلاف أن إجارة الشجر غير جائزة، وقد أخذ عمر ﵁ الخراج من النخل والشجر، فدلَّ على أنه ليس بأجرة. ص: فإن احتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي جازم قال: "جاءت امرأة من بجيلة إلى عمر ﵁، فقالت: إن قومي رضوا منك من السواد بما لم أرض، ولست أرضى حتى تملأ كفي ذهبًا وجملي طعامًا -أو كلامًا هذا معناه- ففعل ذلك بها عمر ﵁". قيل لهم أيضًا: هذا عندنا -والله أعلم- على الجزء الدي كان سلَّمه عمر ﵁ لبجيلة فملكوه، ثم أراد انتزاعه منهم بطيب أنفسهم ولم يخرج حق تلك المرأة منه إلا بما طابت نفسها، فأعطاها عمر ﵁ ما طلبت حتى رضيت، فسلَّمت ما كان لها من ذلك كما سلَّم سائر قومها حقوقهم. فهذا عندنا وجه هذا الباب كله من طريق النظر على ما بيَّنا، وهو قول أبي حنيفة وسفيان وأبي يوسف ومحمدًا ﵏. ش: أي: فإن احتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بقضية المرأة البجلية وهي أم كرز البجلية. أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن عون الواسطي البزاز شيخ البخاري في غير "الصحيح"، عن هشيم بن بشير، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم. وأخرجه البيهقي (١) وقال: رواه هشيم، عن إسماعيل. . . إلى آخره، ولفظه أنها قالت: "لست أسلِّم حتى تحملني على ناقة ذلول وعليها قطيفة حمراء، وتملأ كفي

стр. 6252

ذهبًا، ففعل ذلك، وكانت الدنانير نحوا من ثمانين دينارًا". انتهى. وقال الجصاص: وإنما أعطى عمر ﵁ المرأة المذكورة من بيت المال لأنه قد كان جائزًا له أن يفعله من غير أخذ ما كان في أيديهم من السواد. ص: وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ في أرض مصر أيضًا: ما حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا محمد بن حمير، عن عمرو بن قيس السكوني، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄[قال: "لما فتح عمرو بن العاص] (١) أرض مصر جمع من كان معه من أصحاب رسول الله ﵇ واستشارهم في قسمة أرضها بين من شهدها كما قسم بينهم غنائمهم وكما قسم رسول الله ﵇ خيبر بين من شهدها، أو يوقفها حتى يراجع في ذلك رأي أمير المؤمنين. فقال نفر منهم، فيهم الزبير بن العوام ﵁ وابنه: ما ذاك إليك ولا إلى عمر، إنما هي أرض فتحها الله علينا وأَجَفْنَا عليها خيلنا ورجالنا، وحوينا ما فيها، فما قسمتها بأحق من قسمة أموالها. وقال نفر منهم: لا تقسمها حتى تراجع أمير المؤمنين فيها، فاتفق رأيهم على أن يكتبوا إلى عمر ﵁ في ذلك ويخبروه في كتابهم إليه مقالتهم، فكتب إليهم عمر ﵁: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فقد وصل إليَّ ما كان من إجماعكم على أن تغتصبوا عطايا المسلمين ومؤن من يغزو أهل العدو من أهل الكفر، وإني إن قسمتها بينكم لم يكن لمن بعدكم من المسلمين مادة يقوون بها على عدوهم، ولولا ما أحمل عليه في سبيل الله وأرفع عن المسلمين من مؤنهم وأجري على ضعفائهم وأهل الديوان منهم لقسمتها بينكم، فأوقفوها فيئًا على من بقي من المسلمين حتى تنقرض آخر عصابة تغزو من المؤمنين، والسلام عليكم". ففي هذا الحديث ما قد دلَّ في حكم الأرضين المفتتحة على ما ذكرنا، وأن حكمها خلاف ما سواه من سائر الأموال المغنومة من العدو.

стр. 6253

ش: ذكر هذا الأثر شاهدًا لصحة ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية من أن حكم الأرضين المفتتحة خلاف حكم الأموال المغنومة. أخرجه بإسناد صحيح: عن عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، عن نعيم بن حماد المروزي الفارض الأعور شيخ البخاري في المقرنات، وثقه أحمد ويحيى، عن محمد بن حمير بن أنيس القضاعي وثقه ابن حبان، وروى له البخاري وأبو داود (١). عن عمرو بن قيس السكوني أبي ثور الشامي الحمصي، وثقه يحيى والعجلي والنسائي، عن أبيه قيس بن ثور، وثقه ابن حبان، عن عبد الله بن عمرو بن العاص. ص: فإن قال قائل: ففي هذا الحديث ذكر أصحاب رسول الله ﵇ أنه قسم خيبر بين من كان شهدها، فذلك ينفي أن يكون فيما فعل رسول الله ﵇ في خيبر حجة لمن ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة وسفيان ومن تابعهما في إيقاف الأرضين المفتتحة لنوائب المسلمين. قيل له: هذا حديث لم يفسر لنا فيه كل الذي كان من رسول الله ﵇ في خيبر، وقد جاء غيره فإن لنا ما كان من رسول الله ﵇. فيما حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، قال: حدثني سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن بُشَير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، قال: "قسم رسول الله ﵇ خيبر نصفين: نصفًا لنوائبه وحاجته، ونصفًا بين المسلمين قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا".

стр. 6254

ففي هذا الحديث بيان ما كان من رسول الله ﵇ في خيبر، وأنه كان أوقف نصفها لنوائبه وحاجته، وقسم بقيتها بين من شهدها من المسلمين، فالذي كان أوقفه منها هو الذي دفعه إلى اليهود مزارعة على ما في حديث ابن عمر وجابر ﵃ اللذين ذكرناهما، وهو الذي تولى عمر ﵁ قسمته في خلافته بين المسلمين لما أجلى اليهود عن خيبر، وفيما بينا من ذلك تقوية لما ذهب إليه أبو حنيفة وسفيان في إيقاف الأرضين وترك قسمتها إذا رأى الإِمام ذلك. ش: السؤال مع جوابه ظاهر. وإسناد الحديث المذكور صحيح. وسفيان هو الثوري، ويحيى بن سعيد الأنصاري. وبشُير -بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة- بن يسار -بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة- الحارثي الأنصاري المدني روى له الجماعة. وسهل بن أبي حثمة عبد الله الأنصاري المدني الصحابي ﵁، قال الواقدي: مات النبي ﵇ وهو ابن ثمان سنين. والحديث أخرجه أبو داود (١): عن الربيع بن سليمان، واشترك فيه مع الطحاوي عن شيخ واحد بإسناد واحد. قوله: "نصفًا لنوائبه" النوائب جمع نائبة، وهي ما تنوب الإنسان أي تنزل به من المهمات والحوادث، وقد نابه ينوبه نوبًا، وانتابه إذا قصده مرة بعد مرة والله أعلم. ...

стр. 6255

ص: باب: الرجل يحتاج إلى القتال على في دابة من المغنم ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يحتاج إلى القتال على دابة من دواب الغنيمة، هل له أن يأخذها من الغنيمة ويقاتل عليها أم لا؟ ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن أبي مرزوق التجيبي، عن حنش بن عبد الله، عن رويفع بن ثابت، عن النبي ﵇: "أنه قال عام خيبر: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذ دابة من المغانم فيركبها حتى إذا أنقضها ردَّها في المغانم، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبسن ثوبًا من المغانم حتى إذا أخلقه ردَّه في المغانم". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن ربيعة بن سليم التجيبي، عن حنش، عن رويفع بن ثابت، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: هذان طريقان مصريان: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة الكندي المصري، روى له الجماعة. عن أبي مرزوق التجيبي المصري واسمه حبيب بن الشهيد، وقيل: ربيعة بن سليم، وقيل: إنهما اثنان، والظاهر أنهما اثنان، ألا ترى أنه وقع في الطريق الأول: أبو مرزوق التجيبي وفي الطريق الثاني: ربيعة بن سليم التجيبي؟! قال العجلي: مصري تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات التابعين، وروى له أبو داود وابن ماجه. وهو يروي عن حنش بن عبد الله السبائي، روى له الجماعة غير البخاري. عن رويفع بن ثابت بن سكن الأنصاري الصحابي، سكن مصر واختط بها دارًا وأمَّره معاوية على طرابلس سنة ست وأربعين، مات ببرقة وهو أمير عليها.

стр. 6256

وأخرجه ابن يونس في "تاريخه": حدثني أبي، عن جدي، أبنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن ربيعة بن سليم التجيبي، عن حنش الصنعاني، عن رويفع بن ثابت، عن رسول الله ﵇: "أنه قال عام خيبر: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يَسق ماءه ولد غيره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذ دابة من المعانم فيركبها حتى إذا أنقضها ردَّها في المغانم". الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري روى له الجماعة، عن ربيعة بن سليم مولى عبد الرحمن بن حسان بن عتاهية أبي عبد الرحمن التجيبي المصري، وثقه ابن حبان، عن حنش بن عبد الله، عن رويفع بن ثابت ﵁. وأخرجه أبو داود (١): ثنا النفيلي، قال: ثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق، عن حنش الصنعاني، عن رويفع بن ثابت الأنصاري قال: "قام فينا خطيبًا فقال: أما إني لا أقول لكم إلا ما سمعت من رسول الله ﵇ يقول لكم يوم حنين: لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر يسقي ماءه زرع غيره -يعني إتيان الحبالى- ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنمًا حتى يقسم". وأخرجه الترمذي (٢) مقتصرًا على الفصل الأول: عن عمر بن حفص الشيباني، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن ربيعة بن سليم، عن حنش، عن رويفع. وقال: حسنٌ. قوله: "عام خيبر" وقع في رواية أبي داود: "عام حنين" وقال بعضهم: ووقع في رواية ابن الأعرابي "خيبر"، والصحيح: حنين.

стр. 6257

قوله: "حتى إذا أنقضها" قال الجوهري: أنقض الحِمل ظهره أي أثقله، وأصله الصوت، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ والإنْقَاض صُويت مثل النقر، وإنقاض العِلك تصويته، وهو مكروه. قوله: "حتى إذا أخلقه" بالقاف أي: أبلاه، قال الجوهري: خَلُقَ الثوب -بالضم- خَلُوقة: أي بلي، وأَخْلَقَ الثوب مثله، وأخْلَقْتُه أنا، يتعدى ولا يتعدى. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ -منهم الأوزاعي- إلى أنه لا يأخذ الرجل السلاح من الغنيمة فيقاتل به إلا في معمعة القتال ما كان إلى ذلك محتاجًا, ولا ينتظر برده الفراغ من الحرب فيعرضه للهلاك وانكساد الثمن في طول مكثه في دار الحرب، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم: القاسم وسالمًا والأوزاعي، فإنهم قالوا: لا يجوز للرجل أن يأخذ السلاح من الغنيمة فيقاتل به إلا في معمعة القتال. أي في شدته واشتباكه. وقال ابن الأثير: المعمعة: شدة الحرب والجد في القتال، والمعمعة في الأصل صوت الحريق، والمعمعان: شدة الحرب. ص: وخالفه في ذلك آخرون منهم: أبو حنيفة. فيما حدثني سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف، فقالوا: لا بأس أن يأخد ذلك الرجل السلاح من الغنيمة إذا احتاج إليه بغير إذن الإِمام، فيقاتل به حتى يفرغ من الحرب ثم يرده في المغنم. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الحسن والثوري والشعبي والزهري وآخرين، فإنهم قالوا: يجوز للرجل أخذ السلاح من الغنيمة عند الاحتياج للقتال إلى فراغه من الحرب ثم يرده في المغنم، وممن قال بذلك: أبو حنيفة، بيَّن ذلك بقوله: فيما حدثني سليمان بن شعيب، وهو سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني أحد أصحاب أبي يوسف ومحمد بن الحسن.

стр. 6258

ص: قال أبو يوسف: قد بلغنا عن رسول الله ﷺ ما احتج به الأوزاعي، ولحديث رسول الله ﵇ معان ووجوه وتفسير لا يفهمه ولا يبصره إلا من أعانه الله عليه، فهذا الحديث عندنا على من يفعل ذلك وهو عنه غني يبقي بذلك على دابته وعلى ثوبه، أو يأخذ ذلك يريد الخيانة، فأما رجل مسلم في دار الحرب ليس معه دابة وليس مع المسلمين فضل يحملونه إلا دواب الغنيمة ولا يستطيع أن يمشي فإن هذا لا يحل للمسلمين تركه، ولا بأس أن يركب هذا شاءوا أو كرهوا، وكللك هذه الحال في الثياب، وكذلك هذه الحال في السلاح، وبحال السلاح أبين وأوضح. ش: أشار بهذا الكلام إلى رد ما قاله الأوزاعي ومن معه، وإلى بيان مجمل الحديث الذي احتجوا به وهو حديث رويفع بن ثابت على وجه يقع التوفيق بينه وبين حديث عبد الله بن أبي أوفى الآتي ذكره عن قريب إن شاء الله تعالى. بيانه: أن حديث رويفع بن ثابت ليس على إطلاقه؛ حتى لا يعارضه حديث ابن أبي أوفى، وإنما هو محمول على من يستعمل السلاح وهو غني، أو يستعمله على وجه الخيانة، والباقي ظاهر. قوله: "وكذلك هذه الحال" أراد به حال من يستعمل الدابة، يعني يجري حكم هذا في الثياب والسلاح أيضًا، "وبحال السلاح أبين" أي أظهر لشدة الاحتياج إليه. وفي "البدائع": لا بأس بالانتفاع بالمأكول والمشروب والعلف والحطب من الغنيمة قبل الإحراز بدار الإِسلام فقيرًا كان المنتفع أو غنيًّا؛ لعموم الحاجة إلى الانتفاع بذلك في حق الكل. وأما ما سوى المأكول والمشروب والعلف والحطب فلا ينبغي أن ينتفعوا به؛ لأن حق الغانمين متعلق به، وفي الانتفاع إبطال حقهم، إلا أنه إذا احتاج إلى استعمال شيء من السلاح أو الدواب أو الثياب فلا بأس باستعماله، فإن انقطع سيفه فلا بأس أن يأخذ سيفًا من الغنيمة فيقاتل به، لكنه إذا ستغنى عنه ردَّه إلى الغنيمة، وكذا إذا احتاج إلى ركوب فرس أو لبس ثوب إذا دفع حاجته رده إلى المغنم. ص: ألا ترى أن قومًا من المسلمين لو تكسرت سيوفهم أو ذهبت، ولهم غنى

стр. 6259

عن غنائم المسلمين أنه لا بأس أن يأخذوا سيوفًا من الغنيمة فيقاتلوا بها ما داموا في دار الحرب؟ أرأيت إن لم يحتاجوا إليها في معمعة القتال واحتاجوا إليها بعد ذلك بيومين أغار عليهم العدو أيقوموا هكذا في وجوه العدو بغير سلاح؟ كيف يصنعون؟ أيستأسرون هذا الذي فيه توهين لمكيدة المسلمين، وكيف يحل هذا في المعمعة ويحرم بعد ذلك؟! ش: هذا توجيه لما ذكره من قبل، والواو في قوله: "ولهم غني" للحال. قوله: "أرأيت" أي أخبرني، والباقي ظاهر. "والمَكِيدة" بفتح الميم وكسر الكاف بمعنى الكيد وهو المكر. ص: وحدثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن أبي يوسف، قال: حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن أبي المجالد، عن عبد الله بن أبي أوفى صاحب رسول الله - صلى الله عميه وسلم - قال: "كنا مع رسول الله ﷺ بخيبر يأتي أحدنا إلى الطعام من الغنيمة فيأخذ منه حاجته". فإذا كان الطعام لا بأس بأخذه وأكله واستهلاكه لحاجة المسلمين إلى ذلك، كان كذلك أيضًا لا بأس بأخذ الثياب والدواب واستعمالها للحاجة إلى ذلك حتى لا يكون الذي أريد من حديث ابن أبي أوفي هذا غير ما أريد من حديث رويفع؛ حتى لا يتضادان، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: ذكر هذا الحديث شاهدًا لما ذكره قبله من الأحكام. وأخرجه بإسناد صحيح: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن أبيه شعيب بن سليمان بن سليم الكوفي، عن الإِمام أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، عن أبي إسحاق سليمان بن أبي سليمان فيروز الشيباني روى له الجماعة. عن محمد بن أبي المجالد الكوفي مولى عبد الله بن أبي أوفى، روى له البخاري وأبو داود والنسائي، وسماه عبد الله بن أبي المجالد.

стр. 6260

عن عبد الله بن أبي أوفى -واسم أبي أوفي علقمة- بن خالد الأسلمي، له ولأبيه صحبة. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث هشيم، ثنا الشيباني وأشعث بن سوار، عن محمد بن أبي المجالد قال: "بعثني أهل المسجد إلى ابن أبي أوفي أسأله ما صنع النبي ﵇ في طعام خيبر؟ فأتيته فسألته: هل خمسه؟ قال: لا، كان أقل من ذلك، وكان أحدنا إذا أراد منه شيئًا أخذ منه حاجته" انتهى. وهذا يدل أن الانتفاع بالأكل والشرب والعلف والحطب يجوز عند الحاجة إليه. وقال ابن قدامة (٢): أجمع أهل العلم -إلا من شذّ منهم- على أن للغزاة إذا دخلوا دار الحرب أن يأكلوا مما وجدوا من الطعام ويعلفوا دوابهم من أعلافهم منهم: سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والشعبي والقاسم وسالم والثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي. وقال الزهري: لا يؤخذ إلا بإذن الإِمام. وقال سليمان بن موسى: لا يترك إلا أن ينهى عنه الإِمام. وقال أيضًا: إن وجد دهنًا فهو كسائر الطعام، وإن كان غير مأكول فاحتاج أن يدهن به أو يدهن به دابته، فظاهر كلام أحمد جوازه إذا كان من حاجة، وقال في زيت الروم: إذا كان من ضرورة أو صداع فلا بأس، فأما التزين فلا يعجبني. وقال الشافعي (٣): ليس له دهنَ دابته من جرب ولا يوقحها إلا بالقيمة، وله أكل ما يتداوى به، وشرب الشراب من السكنجبين والجلاب وغيرهما عند الحاجة إليه؛ لأنه من الطعام. وقال أصحاب الشافعي: ليس له تناوله؛ لأنه من القوت ولا يصلح به القوت.

стр. 6261

قال أحمد: ولا يغسل ثوبه بالصابون، ولا يجوز الانتفاع بجلودهم واتخاذ النعل والجرب منها ولا الخيوط ولا الحبال، وبهذا قال ابن محيريز ويحيى بن أبي كثير وإسماعيل بن عياش والشافعي. ورخص في اتخاذ الجرب من جلود المغنم سليمان بن موسى، ورخص مالك في الإبرة والحبل يتخذ من الشعر والنعل والخف يتخذ من جلود البقر، فأما كتبهم فإن كانت مما ينتفع بيع ككتب الطب واللغة والشعر فهي غنيمة، وإن كانت مما لا ينتفع به ككتاب التوراة والإنجيل فأمكن الانتفاع بجلودها أو ورقها بعد غسله فهو غنيمة وإلا فلا, ولا يجوز بيعها، انتهى. وقال الكاساني في "البدائع": لا بأس بالانتفاع بكل ما كان مأكولاً مثل السمن والزيت والخل، وله أن يدهن به نفسه ودابته، وما كان من الأدهان لا يؤكل من البنفسج والخيرى فلا ينبغي أن ينتفع به، والله أعلم. ***

стр. 6262

ص: باب: الرجل يسلم في دار الحرب وعنده أكثر من أربع نسوة ش: أي هذا باب في بيان حكم الكافر الذي يسلم في دار الحرب والحالة أن تحته أكثر من أربع نسوة كيف يكون حكمه؟ ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا بكر بن خلف، قال: ثنا عبد الأعلى الشامي، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر ﵁: "أن غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي ﵇: خذ منهن أربعًا". ش: إسناده فيه مقال على ما يأتي، ولكن رجاله ثقات. وبكر بن خلف البصري شيخ أبي داود وابن ماجه والبخاري في التعليقات، قال أبو حاتم: ثقة. وقال يحيى: صدوق. وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي -بالسين المهملة- نسبة إلى بني سامة بن لؤي البصري روى له الجماعة. ومعمر هو ابن راشد روى له الجماعة. والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب. والحديث أخرجه الترمذي (١): ثنا هناد، قال: ثنا عبدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر: "أن غيلان ابن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه، فأمره النبي ﵇ أن يتخير أربعًا منهن". وأخرجه ابن ماجه أيضًا (٢)، وفيه كلام كثير يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى.

стр. 6263

ص: فذهب قومٌ إلى أن الرجل إذا أسلم وعنده أكثر من أربع نسوة وقد كان تزوجهن في دار الحرب وهو مشرك أنه يختار منهن أربعًا ويمسكهن ويفارق سائرهن، وسواء عندهم كان تزويجه إياهن في عقدة واحدة أو في عقد متفرقة. وممن قال بهذا القول محمد بن الحسن ﵀. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي والليث بن سعد والشافعي ومالكًا وأحمد، فإنهم قالوا: إذا أسلم الكافر كتابيًّا كان أو غير كتابي وعنده عشر نسوة أو خمس نسوة أو ما زاد على أربع، اختار منهن أربعًا, ولا يبالي كن الأوائل أو الأواخر. وكذلك إذا أسلم وتحته أختان اختار أيتهما شاء، إلا أن الأوزاعي روي عنه في الأختين أن الأولى امرأته. واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور. وممن ذهب إلى قولهم: محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: إن كان تزوجهن في عقدة واحدة فنكاحهن كلهن باطل، ويفرق بينه وبين سائرهن. وممن ذهب إلى هذا القول: أبو حنيفة وأبو يوسف -رحمهما الله-. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري والشعبي وعطاء وأبا حنيفة وأبا يوسف، فإنهم قالوا: إذا أسلم وتحته عشر نسوة مثلاً يختار الأربع الأوائل، فإن تزوجهن في عقدة واحدة؛ فُرِق بينه وبينهن. وقال الحسن بن حي: يختار الأربع الأوائل، وإن لم يدر أيتهن أول طلق كل واحدة منهن تطليقة حتى تنقضي عدتهن ثم يتزوج منهن أربعًا إن شاء. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن هذا الحديث حديث منقطع ليس كما رواه عبد الأعلى وأصحابه البصريون عن معمر، إنما أصله: ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن ابن شهاب أنه قال: "بلغنا أن رسول الله ﵇ قال لرجل من ثقيف -أسلم وعنده أكثر من أربع نسوة-: أَمْسِك منهن أربعًا وفارق سائرهن".

стр. 6264

وحدثنا أحمد بن داود المكي، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا مالك، عن ابن شهاب (ح). وحدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا ابن عيينة، عن معمر، عن ابن شهاب، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا أحمد، قال: ثنا يعقوب، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن النبي ﵇ مثله. فهذا هو أصل هذا الحديث كما رواه مالك عن الزهري، وكما رواه عبد الرزاق وابن عيينة عن معمر عن الزهري، وقد رواه أيضًا عُقَيل عن الزهري بما يدل على الموضع الذي أخذه الزهري منه. حدثنا نصر بن مرزوق وابن أبي داود، قالا: ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد: "أن رسول الله ﵇ قال لغيلان بن سلمة الثقفي حين أسلم وتحته عشر نسوة: خد منهن أربعًا وفارق سائرهن". فبيَّن عُقَيل في هذا عن الزهري مخرج هذا الحديث، وأنه إنما أخذه عما بلغه عن عثمان بن محمد عن النبي ﵇، فاستحال أن يكون الزهري عنده في هذا شيء عن سالم عن أبيه فيدع الحجة به ويحتج بما بلغه عن عثمان بن محمد بن أبي سويد عن النبى ﵇, ولكن إنما أُتِي معمر في هذا أنه كان عنده عن الزهري في قصة غيلان حديثان هذا أحدهما. والآخر: عن سالم عن أبيه: "أن غيلان بن سلمة طلَّق نساءه وقسم ماله، فبلغ ذلك عمر ﵁ فأمره أن يَرتجع نساءه وماله، وقال: لو متَّ على ذلك لرجمتُ قبرك كما رجم قبر أبي رغال في الجاهلية". فأخطأ معمر فجعل إسناد هذا الحديث الذي فيه كلام عمر ﵁ للحديث الذي فيه كلام رسول الله ﵇، ففسد هذا الحديث من جهة الإسناد.

стр. 6265

ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه أن هذا الحديث -يعني حديث غيلان- حديثٌ منقطع، ليس كما رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن معمر عن الزهري، وإنما أصله مثل ما رواه مالك عن الزهري أنه قال: "بلغنا أن رسول الله ﵇ قال لرجل. . ." الحديث. وكذلك رواه منقطعًا عبد الرزاق وسفيان بن عيينة كلاهما، عن معمر، عن الزهري. وقد بيَّن أصل هذا الحديث في الانقطاع ومخرجه عُقَيل بن خالد الأيلي في روايته عن الزهري أنه قال: "بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد أن رسول الله ﷺ قال لغيلان بن سلمة. . ." الحديث. فبيَّن عُقَيل مخرج هذا الحديث، وأن الزهري إنما أخذه عن عثمان بن محمد. فإذا كان كذلك؛ يكون من المحال أن يكون عند الزهري في هذا شيء عن سالم ابن عبد الله عن أبيه فيترك الاحتجاج به ويحتج بما بلغه عن عثمان بن محمد، عن النبي ﵇، فبان من هذا انقطاع الحديث المذكور وفساد سنده، والآفة فيه عن معمر؛ لأنه كان عنده عن الزهري في قصة غيلان حديثان، أحدهما الحديث المذكور، والثاني عن سالم عن أبيه: "أن غيلان بن سلمة طلق نساءه وقسم ماله. . ." الحديث، فأخطأ معمر، فأخلط إسناد الحديثين بعضهما ببعض، فجعل إسناد الحديث الذي فيه كلام عمر بن الخطاب ﵁ للحديث الذي فيه كلام رسول الله ﵇؛ ففسد الحديث المذكور حينئذٍ من جهة الإسناد؛ فلم يبق حجة لما ذهب إليه أهل المقالة الأولى، وعن هذا قال أبو عمر بن عبد البر: الأحاديث في هذا الباب كلها معلولة وليست أسانيدها بالقوية، وقال الترمذي عقيب روايته الحديث المذكور: هكذا رواه معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما رواه شعيب بن أبي حمزة وغيره عن الزهري قال: حُدِّثت عن محمد بن أبي سويد الثقفي: "أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة".

стр. 6266

قال محمد: وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه: "أن رجلاً من ثقيف طلَّق نساءه، فقال له عمر ﵁: لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال" انتهى. وقال مسلم بن الحجاج: أهل اليمن أعرف بحديث معمر، فإن حدث به ثقة من غير أهل البصرة صار الحديث حديثًا وإلا فالإرسال أولى. يعني أن أهل البصرة تفردوا بإسناده. وقد أخرجه الدارقطني (١) من حديث ابن عباس، وإسناده ضعيف. وذكر صاحب التمهيد الحديث المذكور من طريق عمر متصلاً، ثم قال: يقولون: إنه من خطأ معمر، ومما حدث به بالعراق من حفظه وصحيح حديثه ما حدث باليمن من كتبه. ثم إنه أخرج حديث الزهري من خمس طرق: الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله ابن وهب، عن مالك، عن ابن شهاب. . . إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطئه" (٢). الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن يحيى بن عبد الله بن بكير، عن مالك. الثالث: عن أحمد بن داود أيضًا، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني، عن سفيان بن عيينة، عن معمر بن راشد، عن ابن شهاب. الرابع: عن أحمد بن داود أيضًا، عن يعقوب بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. الخامس: عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي كلاهما، عن

стр. 6267

أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن عُقَيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن ابن شهاب الزهري، عن عثمان بن محمد بن أبي سويد. . . إلى آخره. وعثمان هذا ذكره ابن حبان في التابعين الثقات، وقال: يروي المراسيل، روى عنه الزهري. وقال أبو عمر بن عبد البر: رواه جماعة من رواة "الموطأ": عن مالك، عن ابن شهاب، أنه قال: "بلغني أن رسول الله ﵇ قال لرجل من ثقيف. . ." الحديث. وكذا رواه أكثر رواة ابن شهاب. ورواه ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عثمان بن محمد بن أبي سويد: "أن رسول الله ﵇ قال لغيلان بن سلمة الثقفي حين أسلم وتحته عشر نسوة: خذ منهن أربعًا وفارق سائرهن". قوله: "قبر أبي رِغَال" بكسر الراء وبالغين المعجمة، وكان أبو رغال هذا دليلاً للحبشة حين توجهوا إلى مكة -حرسها الله- فمات في الطريق بالمغمس ويرجم قبره، قال جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه ... كما ترمون قبر أبي رغال وقال ابن الأعرابي: رغال مثل قطام الأمة. وقال أبو دريد: أبو رغال مشتق من راغل يراغل مراغلة ورغالا, ولم يفسره. وقال الصغاني: التركيب يدل على اعتقاد شيء وأخذه. ص: ثم لو ثبت على ما رواه عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، لما كانت فيه أيضًا حجة على من ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف في ذلك؛ لأن تزويج غيلان ذلك إنما كان في الجاهلية، قد بيّن ذلك سعيد بن أبي عروبة عن معمر في هذا الحديث. حدثناه خلاد بن محمد، قال: ثنا محمد بن شجاع، عن يزيد بن هارون، قال:

стр. 6268

أنا سعيد بن أبي عروبة، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثل حديث أحمد بن داود، وزاد: "أنه كان تزوجهن في الجاهلية". فكان تزويج غيلان للنسوة اللائي كن عنده حين أسلم في وقت كان تزويج ذلك العدد جائزًا والنكاح عليه ثابت، ولم يكن للواحدة حينئذٍ من ثبوت النكاح إلا ما للعاشرة مثله، ثم أحدث الله حكمًا آخر وهو تحريم ما فوق الأربع، فكان ذلك حكمًا طارئًا طرأت به حرمة حادثة على نكاح غيلان، فأمره النبي ﵇ لذلك أن يمسك من النساء العدد الذي أباحه الله ويفارق ما سوى ذلك، وجُعل كرجل له أربعة نسوة فطلَّق منهن واحدة، فحكمه أن يختار واحدة منهن فيجعل ذلك الطلاق عليها ويمسك الآخر، وكذلك كان أبو حنيفة وأبو يوسف يقولان في هذا. فأما من تزوج عشر نسوة بعد تحريم الله ما جاوز الأربع في عقدة واحدة فإنما عقد النكاح عليهن عقدًا فاسدًا، فلا يثبت له بذلك نكاح، ألا ترى أنه لو تزوج ذات رحم محرم منه في دار الحرب وهو مشرك ثم أسلم؛ أنهما لا تقر عنده، وإن كان عقده لذلك كان في دار الحرب وهو مشرك؟ فلما كان هذا يرد حكمه فيه إلى حكم نكاحات المسلمين فيما يعتقدون في دار الإِسلام، كان كذلك أيضًا حكمه في العشر نسوة اللاتي تزوجهن وهو مشرك في دار الحرب، رد حكمه فيه إلى حكم المسلمين في نكاحاتهم؛ فإن كان تزوجهن في عقدة واحدة فنكاحهن باطل، وان كان تزوجهن في عُقد متفرقة جاز نكاح الأربع الأُول منهن؛ وبطل النكاح لسائرهن. ش: هذا جواب عن الحديث المذكور الذي احتج به أهل المقالة الأولى، بطريق التسليم، بيانه أن يقال: ولئن سلمنا أن هذا الحديث متصل الإسناد وصحيحه؛ على ما رواه عبد الأعلى السامي، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇، ولكن لا نسلِّم أن يكون فيه حجة على أهل المقالة الثانية؛ لأن تزويج غيلان ذلك إنما كان في الجاهلية. . . إلى آخر ما ذكره الطحاوي، وهو ظاهر.

стр. 6269

وأخرج الحديث المذكور عن خلاد بن محمد الواسطي، عن محمد بن شجاع الثلجي -بالثاء المثلثة- أحد أصحاب أبي حنيفة، قد تكلموا فيه بما لا ينبغي، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد، عن سعيد بن أبي عروبة روى له الجماعة، عن معمر بن راشد الأزدي البصري روى له الجماعة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يزيد، أنا سعيد بن أبي عروبة، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: "أسلم غيلان بن سلمة الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية، وأسلمن معه، فأمره النبي ﵇ أن يختار منهن أربعًا". وباقي الكلام ظاهر. ص: فإن قال قائل: فقد ترك أبو حنيفة وأبو يوسف قولهما في شيء قالاه في هذا المعنى؛ وذلك أنهما قالا في الرجل من أهل الحرب سبي وله أربع نسوة وسبين معه: إن نكاحهن كلهن فاسد، ويفرق بينه وبينهن. قال: فقد كان ينبغي على ما حملا عليه حديث غيلان أن يجعلا له أن يختار منهن اثنتين فيمسكهما ويفارق الاثنتين الباقيتين؛ لأن نكاح الأربع قد كان كله ثابتًا صحيحًا، وإنما طرأ الرق عليه؛ فحرم عليه ما فوق الاثنتين، كما أنه لما طرأ حكم الله في تحريم ما فوق الأربع أمر رسول الله ﵇ غيلان باختيار أربع من نسائه وفراق سائرهن. قيل له: ما خرج أبو حنيفة وأبو يوسف بما ذكرت عن أصلهما, ولكنهما ذهبا إلى ما قد خفي عليك؛ وذلك أن هذا كان تزوج الأربع في وقت ما تزوجهن بعدما حرم على العبد تزوج ما فوق الاثنتين، فإذا تزوجهن وهو حربي في دار الحرب ما فوق الاثنتين ثم سبي وسبين معه، رُدّ حكمه في ذلك إلى حكم تحريمٍ قد كان قبل نكاحه، فصار كأنه تزوجهن في عقدة بعدما صار رقيقًا، وهو في ذلك كرجل تزوج صبيتين

стр. 6270

صغيرتين فجاءت امرأة فارضعتهما معًا؛ فإنهما تبينان منه جميعًا, ولا يؤمر أن يختار إحداهما فيمسكها ويفارق الأخرى؛ لأن حرمة الرضاع طرأت عليه بعد نكاحه إياهما، فكذلك الرق الطارئ على النكاح الذي وصفنا، حكمه حكم الرضاع الذي ذكرنا، وهما جميعًا مفارقان؛ لما كان من رسول الله ﵇ في غيلان بن سلمة؛ لأن غيلان لم تكن حرمة الله لما فوق الأربع تقدمت نكاحه، فيرد حكم نكاحه إليها، وإنما طرأت الحرمة على نكاحه بعد ثبوته كله، فردت حرمة ما حرم عليه من ذلك إلى حكم حادث بعد النكاح، فوجب له بذلك الخيار كما يجب في الطلاق الذي ذكرنا. ش: هذا السؤال مع جوابه ظاهران. ص: فإن احتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا ابن أبي ليلى، عن حميضة بن الشمردل، عن الحارث بن قيس قال: "أسلمت وعندي ثمان نسوة، فأمرني رسول الله ﵇ أن أختار منهن أربعًا". حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا مغيرة، عن بعض ولد الحارث بن قيس، عن الحارث بن قيس، عن النبي ﵇ نحوه. قيل لهم: قد يحتمل ما ذكرناه في حديث غيلان، وقد يجوز أيضًا أن يكون رسول الله ﵇ أراد بقوله: "أختر منهن أربعًا" أي أختر منهن أربعًا فتزوجهن، ولا دلالة في هذا الحديث على واحد من هذين المعنيين. ش: أي فإن احتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث الحارث بن قيس بن عميرة الأسدي الصحابي ﵁، أخرجه من طريقين: الأول: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن حميضة بن الشمردل، عن الحارث بن قيس.
следующие страницы →