← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

قال محمد: وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه: "أن رجلاً من ثقيف طلَّق نساءه، فقال له عمر ﵁: لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال" انتهى. وقال مسلم بن الحجاج: أهل اليمن أعرف بحديث معمر، فإن حدث به ثقة من غير أهل البصرة صار الحديث حديثًا وإلا فالإرسال أولى. يعني أن أهل البصرة تفردوا بإسناده. وقد أخرجه الدارقطني (١) من حديث ابن عباس، وإسناده ضعيف. وذكر صاحب التمهيد الحديث المذكور من طريق عمر متصلاً، ثم قال: يقولون: إنه من خطأ معمر، ومما حدث به بالعراق من حفظه وصحيح حديثه ما حدث باليمن من كتبه. ثم إنه أخرج حديث الزهري من خمس طرق: الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله ابن وهب، عن مالك، عن ابن شهاب. . . إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطئه" (٢). الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن يحيى بن عبد الله بن بكير، عن مالك. الثالث: عن أحمد بن داود أيضًا، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني، عن سفيان بن عيينة، عن معمر بن راشد، عن ابن شهاب. الرابع: عن أحمد بن داود أيضًا، عن يعقوب بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. الخامس: عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي كلاهما، عن

стр. 6267

أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث بن سعد، عن عُقَيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن ابن شهاب الزهري، عن عثمان بن محمد بن أبي سويد. . . إلى آخره. وعثمان هذا ذكره ابن حبان في التابعين الثقات، وقال: يروي المراسيل، روى عنه الزهري. وقال أبو عمر بن عبد البر: رواه جماعة من رواة "الموطأ": عن مالك، عن ابن شهاب، أنه قال: "بلغني أن رسول الله ﵇ قال لرجل من ثقيف. . ." الحديث. وكذا رواه أكثر رواة ابن شهاب. ورواه ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عثمان بن محمد بن أبي سويد: "أن رسول الله ﵇ قال لغيلان بن سلمة الثقفي حين أسلم وتحته عشر نسوة: خذ منهن أربعًا وفارق سائرهن". قوله: "قبر أبي رِغَال" بكسر الراء وبالغين المعجمة، وكان أبو رغال هذا دليلاً للحبشة حين توجهوا إلى مكة -حرسها الله- فمات في الطريق بالمغمس ويرجم قبره، قال جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه ... كما ترمون قبر أبي رغال وقال ابن الأعرابي: رغال مثل قطام الأمة. وقال أبو دريد: أبو رغال مشتق من راغل يراغل مراغلة ورغالا, ولم يفسره. وقال الصغاني: التركيب يدل على اعتقاد شيء وأخذه. ص: ثم لو ثبت على ما رواه عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، لما كانت فيه أيضًا حجة على من ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف في ذلك؛ لأن تزويج غيلان ذلك إنما كان في الجاهلية، قد بيّن ذلك سعيد بن أبي عروبة عن معمر في هذا الحديث. حدثناه خلاد بن محمد، قال: ثنا محمد بن شجاع، عن يزيد بن هارون، قال:

стр. 6268

أنا سعيد بن أبي عروبة، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثل حديث أحمد بن داود، وزاد: "أنه كان تزوجهن في الجاهلية". فكان تزويج غيلان للنسوة اللائي كن عنده حين أسلم في وقت كان تزويج ذلك العدد جائزًا والنكاح عليه ثابت، ولم يكن للواحدة حينئذٍ من ثبوت النكاح إلا ما للعاشرة مثله، ثم أحدث الله حكمًا آخر وهو تحريم ما فوق الأربع، فكان ذلك حكمًا طارئًا طرأت به حرمة حادثة على نكاح غيلان، فأمره النبي ﵇ لذلك أن يمسك من النساء العدد الذي أباحه الله ويفارق ما سوى ذلك، وجُعل كرجل له أربعة نسوة فطلَّق منهن واحدة، فحكمه أن يختار واحدة منهن فيجعل ذلك الطلاق عليها ويمسك الآخر، وكذلك كان أبو حنيفة وأبو يوسف يقولان في هذا. فأما من تزوج عشر نسوة بعد تحريم الله ما جاوز الأربع في عقدة واحدة فإنما عقد النكاح عليهن عقدًا فاسدًا، فلا يثبت له بذلك نكاح، ألا ترى أنه لو تزوج ذات رحم محرم منه في دار الحرب وهو مشرك ثم أسلم؛ أنهما لا تقر عنده، وإن كان عقده لذلك كان في دار الحرب وهو مشرك؟ فلما كان هذا يرد حكمه فيه إلى حكم نكاحات المسلمين فيما يعتقدون في دار الإِسلام، كان كذلك أيضًا حكمه في العشر نسوة اللاتي تزوجهن وهو مشرك في دار الحرب، رد حكمه فيه إلى حكم المسلمين في نكاحاتهم؛ فإن كان تزوجهن في عقدة واحدة فنكاحهن باطل، وان كان تزوجهن في عُقد متفرقة جاز نكاح الأربع الأُول منهن؛ وبطل النكاح لسائرهن. ش: هذا جواب عن الحديث المذكور الذي احتج به أهل المقالة الأولى، بطريق التسليم، بيانه أن يقال: ولئن سلمنا أن هذا الحديث متصل الإسناد وصحيحه؛ على ما رواه عبد الأعلى السامي، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇، ولكن لا نسلِّم أن يكون فيه حجة على أهل المقالة الثانية؛ لأن تزويج غيلان ذلك إنما كان في الجاهلية. . . إلى آخر ما ذكره الطحاوي، وهو ظاهر.

стр. 6269

وأخرج الحديث المذكور عن خلاد بن محمد الواسطي، عن محمد بن شجاع الثلجي -بالثاء المثلثة- أحد أصحاب أبي حنيفة، قد تكلموا فيه بما لا ينبغي، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد، عن سعيد بن أبي عروبة روى له الجماعة، عن معمر بن راشد الأزدي البصري روى له الجماعة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يزيد، أنا سعيد بن أبي عروبة، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: "أسلم غيلان بن سلمة الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية، وأسلمن معه، فأمره النبي ﵇ أن يختار منهن أربعًا". وباقي الكلام ظاهر. ص: فإن قال قائل: فقد ترك أبو حنيفة وأبو يوسف قولهما في شيء قالاه في هذا المعنى؛ وذلك أنهما قالا في الرجل من أهل الحرب سبي وله أربع نسوة وسبين معه: إن نكاحهن كلهن فاسد، ويفرق بينه وبينهن. قال: فقد كان ينبغي على ما حملا عليه حديث غيلان أن يجعلا له أن يختار منهن اثنتين فيمسكهما ويفارق الاثنتين الباقيتين؛ لأن نكاح الأربع قد كان كله ثابتًا صحيحًا، وإنما طرأ الرق عليه؛ فحرم عليه ما فوق الاثنتين، كما أنه لما طرأ حكم الله في تحريم ما فوق الأربع أمر رسول الله ﵇ غيلان باختيار أربع من نسائه وفراق سائرهن. قيل له: ما خرج أبو حنيفة وأبو يوسف بما ذكرت عن أصلهما, ولكنهما ذهبا إلى ما قد خفي عليك؛ وذلك أن هذا كان تزوج الأربع في وقت ما تزوجهن بعدما حرم على العبد تزوج ما فوق الاثنتين، فإذا تزوجهن وهو حربي في دار الحرب ما فوق الاثنتين ثم سبي وسبين معه، رُدّ حكمه في ذلك إلى حكم تحريمٍ قد كان قبل نكاحه، فصار كأنه تزوجهن في عقدة بعدما صار رقيقًا، وهو في ذلك كرجل تزوج صبيتين

стр. 6270

صغيرتين فجاءت امرأة فارضعتهما معًا؛ فإنهما تبينان منه جميعًا, ولا يؤمر أن يختار إحداهما فيمسكها ويفارق الأخرى؛ لأن حرمة الرضاع طرأت عليه بعد نكاحه إياهما، فكذلك الرق الطارئ على النكاح الذي وصفنا، حكمه حكم الرضاع الذي ذكرنا، وهما جميعًا مفارقان؛ لما كان من رسول الله ﵇ في غيلان بن سلمة؛ لأن غيلان لم تكن حرمة الله لما فوق الأربع تقدمت نكاحه، فيرد حكم نكاحه إليها، وإنما طرأت الحرمة على نكاحه بعد ثبوته كله، فردت حرمة ما حرم عليه من ذلك إلى حكم حادث بعد النكاح، فوجب له بذلك الخيار كما يجب في الطلاق الذي ذكرنا. ش: هذا السؤال مع جوابه ظاهران. ص: فإن احتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا ابن أبي ليلى، عن حميضة بن الشمردل، عن الحارث بن قيس قال: "أسلمت وعندي ثمان نسوة، فأمرني رسول الله ﵇ أن أختار منهن أربعًا". حدثنا صالح، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا هشيم، قال: أنا مغيرة، عن بعض ولد الحارث بن قيس، عن الحارث بن قيس، عن النبي ﵇ نحوه. قيل لهم: قد يحتمل ما ذكرناه في حديث غيلان، وقد يجوز أيضًا أن يكون رسول الله ﵇ أراد بقوله: "أختر منهن أربعًا" أي أختر منهن أربعًا فتزوجهن، ولا دلالة في هذا الحديث على واحد من هذين المعنيين. ش: أي فإن احتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث الحارث بن قيس بن عميرة الأسدي الصحابي ﵁، أخرجه من طريقين: الأول: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن حميضة بن الشمردل، عن الحارث بن قيس.

стр. 6271

وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، قال: ثنا هشيم. ونا وهب بن بقية، قال: أنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن حميضة بن الشمردل، عن الحارث بن قيس -قال: مسدد بن عميرة وقال وهب: الأسدي- قال: "أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبي ﵇، فقال: اختر منهن أربعًا". قال أبو داود: وحدثنا به أحمد بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم بهذا الحديث فقال: قيس بن الحارث مكان الحارث بن قيس. وأخرجه ابن ماجه أيضًا (٢). الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن أيضًا، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن مغيرة بن مقسم الضبي، عن بعض ولد الحارث بن قيس، عن الحارث بن قيس. . . إلى آخره. وأخرجه ابن عساكر في "الأطراف" معلقًا، وقال: ورواه هشيم، عن مغيرة، عن بعض ولد الحارث بن قيس بن عميرة: "أن الحارث بن قيس أسلم. . ." فذكره. قوله: "قيل لهم. . ." إلى آخره، جواب عن ذلك بوجهين: الأول: أنه يحتمل ما ذكره من المعنى في حديث غيلان المذكور فيما مضى. والثاني: أنه يحتمل أن يكون المراد بقوله: "اختر منهن أربعًا" أي اختر منهن أربعًا فتزوجهن، فإذا كان كذلك فلا تبقى فيه حجة لمن يحتج به. وجواب آخر: أن هذا الحديث لا يصح؛ فإن فيه اضطرابًا وضعفًا في سنده. أما الاضطراب: فإن بعضهم روى هذا الحديث، وقال فيه: عن قيس بن الحارث. منهم البيهقي وغيره، وكذا قال صاحب "التمهيد" وصاحب "الكمال" وذكره في حرف القاف في ترجمة قيس، وكذا فعل ابن أبي خيثمة في "تاريخه" والمزي في "أطرافه".

стр. 6272

وذكره بعضهم عن الحارث بن قيس. منهم الطحاوي كما تراه، ورجح البيهقي أنه الحارث بن قيس، وقال بعضهم: الصواب أنه قيس بن الحارث كما حكاه أبو داود عن أحمد بن إبراهيم. ثم مع الاضطراب فيه اضطراب أيضًا في حميضة، فقيل: ابن الشمردل، وقيل: بنت الشمردل، وكذا في "سنن ابن ماجه": حميضة بنت الشمردل. وأما الضعف في سنده، فإن الذهبي قال في "الضعفاء": حميضة لا يصح حديثه. وقال البخاري: فيه نظر. وقال المنذري في "مختصر سنن أبي داود": وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد ضعفه غير واحد من الأئمة. والطريق الثاني فيه مجهول. ص: وإن احتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا الربيع الجيزي، قال: ثنا أبو الأسود وحسان بن غالب، قالا: ثنا ابن لهيعة، عن أبي وهب الجيشاني، عن الضحاك بن فيروز الديلمي، عن أبيه قال: "أسلمت وعندي أختان، فأتيت النبي ﵇، فقال: طلق إحداهما". حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي وهب الجيشاني، عن الضحاك بن فيروز الديلمي، عن أبيه قال: "أسلمت وعندي أختان، فأتيت النبي ﵇ فسألته، فقال: طلق أيتهما شئت". قيل لهم: هذا يوجب الاختيار كما ذكرتم، وهو أوضح من حديث الحارث بن قيس، ولكنه قد يجوز أن يكون رسول الله ﵇ إنما خيره لأن نكاحه كان في الجاهلية قبل تحريم الله ما فوق الأربع، فيكون معنى هذا الحديث مثل معنى حديث غيلان بن سلمة. فقد ثبت بما بيَّنا في هذا الباب ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف، وفسد ما ذهب إليه محمد بن الحسن.

стр. 6273

ش: أي: وإن احتج أهل المقالة الأولى أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث فيروز الديلمي، يقال لهم: هذا يوجب الاختيار. . . إلى آخره، وهو ظاهر. وأخرجه من طريقين: الأول: عن الربيع بن سليمان الجيزي الأعرج، عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار المرادي المصري، وعن حسان بن غالب بن نجيح الرعيني المصري، كلاهما عن عبد الله بن لهيعة المصري، عن أبي وهب الجيشاني الديلم بن الهوشع -أو الهوشع بن الديلم- عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه فيروز الديلمي الصحابي ﵁. وأخرجه الترمذي (١): ثنا قتيبة، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي وهب الجيشاني، أنه سمع ابن فيروز الديلمي يحدث عن أبيه قال: "أتيت النبي ﵇ فقلت: يا رسول الله، إني أسلمت وتحتي أختان، فقال رسول الله ﵇: أختر أيتهما شئت". وقال (٢): ثنا محمد بن بشار، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي وهب الجيشاني، عن الضحاك بن فيروز الديلمي، عن أبيه قال: "قلت: يا رسول الله، إني أسلمت وتحتي أختان، قال أختر أيتهما شئت". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. وقال البخاري: في إسناده نظر. الثاني: عن علي بن عبد الرحمن، عن يحيى بن معين، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن يحيى بن أبي حبيب سويد المصري، عن أبي وهب الجيشاني، عن الضحاك بن فيروز الديلمي، عن أبيه.

стр. 6274

وهذا إسناد حسن. وأخرجه أبو داود (١): عن يحيى بن معين. . . إلى آخره نحوه. وابن ماجه أيضًا (٢). وقال البخاري: أحاديث هذا الباب كلها معلولة، وليست أسانيدها قوية. وقال أبو عمر: وعلى تقدير ثبوتها تحمل على أن ذلك كان قبل تحريم الجمع بين الخمس وبين الأختين، فعلى هذا يكون العقد حين وقع صحيحًا ثم طرأ التحريم بَعْد، فيكون له الخيار، كما تقول في رجل طلَّق إحدى امرأتيه بغير عينها: لا يفسد عقدهما وله الخيار في تعيين الطلاق في إحداهما؛ إذ لا عموم في لفظه ﵇؛ فيحمل على ما ذكرنا. فإن قيل: تَرْكُه ﵇ الاستفسار يدل على شمول الحكم للحاليين. قلنا: يجوز أن يترك ﵇ السؤال لعلمه بحال وقوع العقد، وقوله ﵇: "طلِّق أيتهما شئت" يدل على أن العقد كان وقع في حال الإِباحة، فافهم. والله أعلم. ص: وقد ذهب إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف بعض المتقدمين: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا بكر بن خلف، قال: ثنا غندر وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة قال: "يأخذ الأولى والثانية والثالثة والرابعة". ش: ذكر هذا حسمًا لشغب من يشنع على أبي حنيفة وأبي يوسف بأنه ليس لهما سلف فيما ذهبا إليه من الحكم المذكور في هذا الباب، حيث أخرج في ذلك عن قتادة بن دعامة السدوسي، فإن مذهبه في هذا الباب كمذهبهما حيث يقول: يأخذ بالأولى -أي المرأة الأولى- والثانية والثالثة والرابعة. أراد أنه يأخذ النساء الأربع الأولى منهن ويترك باقيتهن.

стр. 6275

وقد ذكرنا هذا إذا كان تزوجهن في عقد متفرقة، وأما إذا تزوجهن في عقدة واحدة فنكاحهن كلهن باطل ويفرق بينه وبينهن كما ذكرناه فيما مضى، وكذا هو مذهب سفيان الثوري. وإسناد ما رواه عن قتادة صحيح، ورجاله ثقات. وبكر بن خلف البصري شيخ أبي داود وابن ماجه، وغندر هو محمد بن جعفر البصري روى له الجماعة، وعبد الأعلى هو ابن عبد الأعلى البصري روى له الجماعة، وسعيد هو ابن أبي عروبة، والله أعلم. ***

стр. 6276

ص: باب: الحربية تُسلم في دار الحرب فتخرج إلى دار الإِسلام ثم يخرج زوجها بعد ذلك مسلمًا ش: أي هذا باب في بيان المرأة الحربية إذا أسلمت في دار الحرب وخرجت إلى دار الإِسلام، كيف يكون حكمها بعد خروج زوجها أيضًا مسلمًا؟ ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "رد النبي ﵇ زينب ابنته على أبي العاص ابن الربيع على النكاح الأول بعد ثلاث سنين". ش: الوهبي هو أحمد بن خالد الكندي الوهبي شيخ البخاري في غير "الصحيح"، وثقه ابن معين، وروى له الأربعة. وأخرجه أبو داود (١): نا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: ثنا محمد بن سلمة. وثنا محمد بن عمرو الرازي، قال: نا سلمة يعني ابن الفضل. ونا الحسن بن علي، ثنا يزيد المعنى كلهم، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "ردَّ رسول الله ﵇ ابنته زينب على أبي العاص بالنكاح الأول، لم يحدث شيئًا". قال محمد بن عمرو في حديثه: "بعد ستّ سنين"، وقال الحسن بن علي: "بعد سنتين". وأخرجه الترمذي (٢): ثنا هناد، قال: ثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "ردَّ النبي ﵇ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول، ولم يحدث نكاحًا".

стр. 6277

وأخرجه ابن ماجه (١) نحوه، وفي روايته: "بعد سنتين". وقال الترمذي: هذا حديث ليس بإسناده بأس، ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث، ولعله قد جاء هذا من قِبل داود بن الحصين من قِبل حفظه. وقال البخاري: حديث ابن عباس هذا أصح من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وسيجيء حديثه إن شاء الله تعالى. وقال عبد الحق في "الأحكام": في إسناده محمد بن إسحاق، ولم يروه معه -فيما أعلم- إلا من هو دونه، وداود بن الحصين لَيِّن، كذا قال أبو زرعة. وقال ابن عيينة: كنا نتقي حديثه. وقال ابن المديني: ما رواه عن عكرمة فمنكر. وقال أبو داود: أحاديثه عن عكرمة مناكير. ذكر ذلك الذهبي في "الميزان". وقال الخطابي: حديث ابن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس نسخة قد ضعف أمرها علي بن المديني وغيره من علماء الحديث. قوله: "رد النبي ﵇ ابنته ﵂" اعلم أن النبي ﵇ له من الأولاد تسعة: خمسة ذكور، وهم: القاسم -وبه يكنى- والطاهر، والطيب، وعبد الله، وإبراهيم، وقيل: عبد الله هو الطيب، وقيل: عبد الله هو الطاهر، وقيل: عبد الله هو الطاهر هو الطيب. وأربعة إناث، وهن: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة ﵅، وجميع أولاده من خديجة ﵂، إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية. وأما زينب فهي أكبر بنات رسول الله ﵇ ولدت وله ﵇ ثلاثون سنة، وماتت سنة ثمان في حياة رسول الله ﵇، وهاجرت بعد بدر، وكان رسول الله ﵇ زوَّجها من أبي العاص ابن الربيع، وولدت منه غلامًا اسمه علي فتوفي وقد ناهز الاحتلام، وكان رديف

стр. 6278

رسول الله ﵇ يوم الفتح، وولدت له أيضًا بنتًا اسمها أُمامة، وكان ﵇ يحبها ويحملها في الصلاة، وكان إذا ركع وسجد تركها وإذا قام حملها. وأما أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصي، فاسمه لقيط، وقيل: هشيم، وقيل: مهشم، والأكثر لقيط. وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة لأبيها وأمها، وهو ابن خالة أولاد رسول الله ﵇ من خديجة ﵂، وكان أبو العاص مصاحبًا لرسول الله ﵇ مصافيًا، وكان قد أبى أن يُطلِّق زينب بنت رسول الله ﵇ لما أمره المشركون أن يطلقها، فشكر له رسول الله ﵇ ذلك، وكان أبو العاص أُسر في غزوة بدر، ولما أطلقه رسول الله ﷺ شرط عليه أن يرسل زينب إلى المدينة، فعاد إلى مكة وأرسلها إلى النبي ﵇ بالمدينة؟ فلهذا قال ﵇: "حدثني فصدقني، ووعدني فوفَّى لي". وأقام أبو العاص بمكة على شِرْكِه حتى كان قبل الفتح فخرج بتجارة إلى الشام ومعه أموال قريش ومعه جماعة منهم، فلما عاد لقيته سرية رسول الله ﵇ أميرهم زيد بن حارثة، فأخذ المسلمون ما في تلك العير من الأموال وأسروا أناسًا، وهرب أبو العاص بن الربيع، ثم أتى المدينة ليلاً فدخل على زينب فاستجار بها فأجارته، فلما صلى النبي ﵇ صلاة الصبح صاحت زينب: أيها الناس، إني قد أجرت أبا العاص ابن الربيع، فلما سلَّم رسول الله ﵇ أقبل على الناس وقال: هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم، قال: أما والذي نفسي بيده ما علمت بذلك حتى سمعته كما سمعتم، وقال: يجير على المسلمين أدناهم، ثم دخل رسول الله ﵇ على ابنته فقال: أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك فإنك لا تحلين له، قالت: إنه قد جاء في طلب ماله، فجمع رسول الله ﵇ تلك السرية وقال: إن هذا الرجل منا حيث علمتم، وقد أصبتم له مالاً وهو فيء أفاء الله عليكم. وأنا أحب أن تحسنوا وتردوا عليه الذي له، فإن أبيتم فأنتم أحق به.

стр. 6279

فقالوا: بل نرده عليه، فردوا عليه ماله أجمع، فعاد إلى مكة وأدى إلى الناس أموالهم، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، والله ما منعني عن الإِسلام إلا خوفًا أن تظنوا أني آخذ أموالكم. ثم قدم على رسول الله ﵇ مسلمًا، وحسن إسلامه، وردَّ عليه رسول الله ﵇ ابنته زينب ﵂ بنكاح جديد. وقيل: بل بالنكاح الأول، وسيجيء الكلام فيه مستقصى. وتوفي أبو العاص سنة اثنتي عشرة. قوله: "بعد ثلاث سنين" وفي رواية ابن ماجه: "بعد سنتين" وكذا قال ابن منده، والكل فيه نظر، بل غير صحيح , وذلك لأن أبا العاص أرسلها بعد بدر في السنة الثانية، وأسلم هو قبل الفتح أول السنة الثامنة، فتكون نحو ست سنين كما وقع كذلك في رواية الترمذي وفي إحدى طرق أبي داود على ما ذكرنا، وهو الصحيح. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا ابن إسحاق، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: "ردَّ النبي ﵇ على عكرمة بن أبي جهل أم الحكيم بنت الحارث بن هشام بعد أشهر؛ أو قريب من سنة". ش: الوهبي هو أحمد بن خالد، وقد مرَّ في الحديث السابق مع محمد بن إسحاق. والزهري هو محمد بن مسلم. وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي أحد الفقهاء السبعة، روى له الجماعة. وهذا سند مرسل.

стр. 6280

وأخرجه الشافعي في "مسنده" (١) نحوه، والبيهقي في "سننه" (٢) من طريقه. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى أن المرأة إذا أسلمت في دار الحرب وجاءتنا مسلمة، ثم جاء زوجها بعد ذلك فأدركها وهي في العدة فهي امرأته على حالها، وإن لم يدركها حتى تخرج من العدة فلا سبيل له عليها. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الزهري والأوزاعي والليث بن سعد والحسن بن حي ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق، فإنهم قالوا: الحربية إذا أسلمت في دار الحرب ثم خرجت إلى دار الإِسلام ثم جاء زوجها بعد ذلك فأدركها وهي في العدة فهي امرأته على عقدها الأول، وإن أدركها وهي قد خرجت من العدة فلا سبيل له عليها. وقال ابن حزم: وأيما امرأة أسلمت ولها زوج كافر أو ذمي أو حربي فحين إسلامها انفسخ نكاحها، سواء أسلم بعدها بطرفة عين فأكثر أو لم يسلم، لا سبيل له عليها إلا بابتداء نكاح برضاها وإلا فلا، فلو أسلما معًا بقيا على نكاحهما، فإن أسلم هو قبلها فإن كانت كتابية بقيا على نكاحهما أسلمت هي أو لم تسلم، وإن كانت غير كتابية فساعة إسلامه قد انفسخ نكاحها منه أسلمت بعده بطرفة عين فأكثر، لا سبيل له عليها إلا بابتداء نكاح برضاها إن أسلمت، وإلا فلا، سواء حربيين أو ذميين كانا. وهو قول عمر بن الخطاب وجابر بن عبد الله وابن عباس ﵄. وبه يقول حماد بن زيد والحكم بن عتيبة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز وعدي بن عدي الكندي والحسن البصري وقتادة والشعبي وغيرهم. وقال أبو حنيفة: أيهما أسلم قبل الآخر في دار الإِسلام فإنه يعرض الإِسلام على الذي لم يسلم منهما، فإن أسلم بقيا على نكاحهما، وإن أبى فحينئذ تقع الفرقة، ولا معنى لمراعاة العدة في ذلك.

стр. 6281

قال: فإن أسلمت في دار الحرب فخرجت مسلمة أو ذمية فساعة حصولها في دار الإِسلام يقع الفسخ بينهما لا قبل ذلك. فإن لم تخرج من دار الحرب فإن حاضت ثلاث حيض قبل أن يسلم هو وقعت الفرقة حينئذٍ، وعليها أن تبتدئ ثلاث حيض، وإن لم يسلم حتى انقضت عدتها فقد بانت منه، قال: فلو أسلم هو -وهي غير كتابية- يعرض الإِسلام عليها، فإن أسلمت بقيا على نكاحهما، وإن أسلم هو قبل ذلك فهو على نكاحه معها. قال: فلو ارتد أحدهما انفسخ النكاح من وقته. وقال مالك: إن أسلمت المرأة ولم يسلم زوجها، فإن أسلم في عدتها فهما على نكاحهما، وإن لم يسلم حتى انقضت العدة فقد بانت منه. وقال ابن شبرمة عكس قول مالك: إن أسلم هو وهي وثنية فإن أسلم قبل تمام العدة فهي امرأته، وإلا فبتمامها تقع الفرقة، وإن أسلمت هي وقعت الفرقة في الحين. وقال الأوزاعي والشافعي والليث: كل ذلك سواء، وتراعى العدة، فإن أسلم الكافر منهما قبل انقضاء العدة فهما على نكاحهما، وإن لم يسلم حتى تمت العدة وقعت الفرقة. وهو قول الزهري وأحمد وإسحاق. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا سبيل له عليها في الوجهين جميعًا، وخروجها عندهم من دار الحرب يقطع العصمة التي كانت بينها وبين زوجها، ويبينها منه. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سفيان الثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا، فإنهم قالوا: الحربية إذا أسلمت في في دار الحرب ثم خرجت إلي دار الإِسلام، ثم خرج زوجها بعد ذلك، لا سبيل له عليها، سواء أدركها وهي في العدة أو أدركها وقد خرجت من العدة، فبمجرد خروجها تنقطع العصمة التي كانت بينهما.

стр. 6282

وقال أبو عمر: قال أبو حنيفة في الحربية تخرج إلينا مسلمة ولها زوج كافر في دار الحرب: فقد وقعت الفرقة بينهما, ولا سبيل له إليها إلا بنكاح جديد، ولكن العدة عليها. وهو قول الثوري. ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى الحماني، قال: ثنا حفص -يعني ابن غياث- عن الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﵇ ردَّ زينب على أبي العاص". حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا حفص، عن داود، عن الشعبي مثله. قالوا: ففي حديث عبد الله بن عمرو هذا خلاف ما في حديث ابن عباس، وقد وافق عبد الله بن عمرو على ذلك عامر الشعبي مع علمه بمغازي رسول الله ﷺ . قالوا: فهذا أولى مما قد خالفه لمعاني سنبينها في هذا الباب إن شاء الله تعالى. ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه يصرح أن المهاجرة المسلمة لا تحل لزوجها إذا خرج إلى دار الإِسلام مسلمًا إلا بعقد جديد، فظهر من هذا أن اختلاف الدارين يوجب الفرقة. فإن قيل: لا نسلِّم أن اختلاف الدارين يوجب الفرقة، ألا ترى أن المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان لم يبطل نكاح امرأته، وكذلك لو دخل حربي إلينا بأمان لم تقع الفرقة بينه وبين امرأته، وكذلك لو أسلم الزوجان في دار الحرب ثم خرج أحدهما إلى دار الإِسلام لم تقع الفرقة؟! فعلمنا أنه لا تأثير لاختلاف الدارين في إيجاب الفرقة. قلت: ليس معنى اختلاف الدارين ما ذهبت إليه، وإنما معناه أن يكون أحدهما من أهل الإِسلام إما بالإِسلام أو بالذمة، والآخر من أهل الحرب، فيكون حربيًّا كافرًا، فأما إذا كانا مسلمَيْن فهما من أهل دار واحدة وإن كان أحدهما مقيمًا في دار الحرب والآخر في دار الإِسلام.

стр. 6283

ثم إنه أخرج الحديث المذكور عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن حفص بن غياث، عن الحجاج بن أرطاة، عن عامر بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وأخرجه الترمذي (١): ثنا أحمد بن منيع، وهناد، قالا: ثنا أبو معاوية، عن الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن رسول الله ﷺ ردَّ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد". وقال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال. وقال البخاري: حديث ابن عباس أصح في هذا الباب من حديث عمرو بن شعيب. وقال الدارقطني: حديث عمرو بن شعيب لا يثبت والصواب حديث ابن عباس. قلت: ومع هذا فالعمل على حديث عمرو بن شعيب، وقال الترمذي عقيب إخراجه هذا الحديث: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، والآن يجيء وجه ترجيح حديث عمرو بن شعيب على حديث ابن عباس. قوله: "قالوا: ففي حديث عبد الله بن عمرو هذا خلاف ما في حديث ابن عباس" أي قال الآخرون: في حديث عبد الله بن عمرو من الحكم ما يخالف حديث عبد الله بن عباس الذي احتج به أهل المقالة الأولى , وذلك لأن حديث عبد الله بن عمرو يخبر أنه ردها عليه بمهر جديد ونكاح جديد، فهذا يناقض -ظاهرًا- ما في حديث ابن عباس، ولكن أجمعوا أن العمل على حديث عبد الله بن عمرو وتركوا حديث ابن عباس لمعاني في ذلك، منها: أن في حديث عبد الله بن عمرو زيادة ليست في حديث ابن عباس، والعمل بها أولى.

стр. 6284

وقال البيهقي: عارضت رواية عبد الله بن عمرو رواية ابن عباس، وفيها زيادة ليست في رواية ابن عباس، والمثُبت أولى من النافي. وقال أيضًا: ومعلوم أن زينب لم تزل مسلمة وكان أبو العاص كافرًا، ووجه ذلك أنه ﷺ إنما زوجها منه قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (١)، ثم أسلم أبو العاص فردها عليه رسول الله ﷺ فاجتمعا في الإِسلام والنكاح معًا. ومنها: أن حديث عبد الله بن عباس منسوخ؛ قال صاحب "التمهيد": حديث ابن عباس -وإن صح- فهو متروك منسوخ عند الجميع؛ لأنهم لا يجيزون رجوعه إليها بعد العدة، وإسلام زينب كان قبل أن ينزل كثير من الفرائض، وعن قتادة: كان قبل سورة براءة بقطع العهود بينهم وبين المشركين. وقال الزهري: كان قبل أن تنزل الفرائض. وقال آخرون: قصة ابن العباس منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (٢)، ويدل على أنها منسوخة: إجماع العلماء على أن أبا العاص كان كافرًا، وأن المسلمة لا يحل أن تكون زوجة لكافر؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٣)، فلا يخلو إذا ردها عليه أن يكون كافرًا أو مسلمًا، فإن كان كافرًا فهذا ما لا شك فيه أنه كان قبل نزول الفرائض والأحكام؛ إذ القرآن والسنة والإجماع على تحريم فروج المسلمات على الكفار، وإن كان مسلمًا فلا يخلو أن تكون حاملًا فتمادى حملها ولم تضعه حتى أسلم؛ فردها ﵇ في عدتها، وهذا لم ينقل في خبر، أو تكون خرجت من العدة، فيكون أيضًا منسوخًا بالإجماع أنه لا سبيل له عليها بعد العدة، إلا ما ذكر النخعي وبعض أهل الظاهر، وكيف ما كان فخبر ابن عباس متروك لا

стр. 6285

يُعمل به عند الجميع، وحديث عبد الله بن عمرو في ردها بنكاح جديد تعضده الأصول. ومنها: أن حديث ابن عباس إن صح فإنما هو إخبار عن كونها زوجة له بعدما أسلم، ولم يعلم حدوث عقد ثان، وفي حديث عبد الله بن عمرو الإخبار عن حدوث عقد ثان بعد إسلامه، فهو أولى, لأن الأول: إخبار عن ظاهر الحال، والثاني: إخبار عن معنى حادث قد علمه، وهذا مثل ما يقال في رواية ابن عباس: "أنه ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم" (١)، وحديث يزيد بن الأصم "أنه تزوجها وهو حلال" (٢)، فقلنا: حديث ابن عباس أولى؛ لأنه أخبر عن حال حادثة وأخبر الآخر عن ظاهر الأمر الأول، فافهم. قوله: "وقد وافق عبد الله بن عمرو عامر الشعبي. . ." إلى آخره، أي: وافق عبد الله الشعبي في أنه ﵇ ردَّها بنكاح جديد. أخرجه عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن حفص بن غياث، عن داود بن أبي هند، عن عامر الشعبي. وهلما مرسل رجاله ثقات (٣). وقال في "الاستذكار": ردَّها بنكاح جديد، ثم قال: وكذا قال الشعبي مع علمه بالمغازي أنه لم يردها إليه إلا بنكاح جديد. قال: ولا خلاف بين العلماء في الكافرة تسلم فيأبى زوجها الإِسلام حتى تنقضي عدتها أنه لا سبيل له عليها إلا بنكاح جديد، وتبين بهذا أن قول ابن عباس: "ردها ﵇ إليه على النكاح الأول" إن صح أراد على مثل الصداق الأول.

стр. 6286

ص: وكان من الحجة لهم في ذلك على من ذهب إلى القول الأول: أن ابن عباس ﵄ إنما في حديثه أن رسول الله ﵇ ردها على أبي العاص على النكاح الأول، فليس في ذلك دليل على أنه ردها إليه لأنها في العدة، ولا نعلم كيف كان الحكم يومئذٍ في المشركة تسلم وزوجها مشرك، أيبينها ذلك منه، أو تكون زوجته على حالها؟ وإنما يكون حديث ابن عباس حجة لأهل المقالة الأولى لو كان فيه أن رسول الله ﵇ ردَّها على أبي العاص؛ لأنه أدركها وهي في العدة، فأما إذا لم تتبين لنا العلة التي لها ردها عليه؛ فقد يجوز أن تكون هي العدة، وقد يجوز أن تكون غيرها؛ لأن الإِسلام لم يكن حينئذ يبينها منه ولا يزيلها عن حكمها المتقدم. ولقد حدثني أبو بكر بن عبدة، قال: حدثني أبو توبة الربيع بن نافع، قال: قلت لمحمد بن الحسن: من أين جاء اختلافهم في زينب؟ فقال بعضهم: ردَّها رسول الله ﵇ على أبي العاص على النكاح الأول، وقال بعضهم: ردَّها بنكاح جديد؟ أترى كل واحد منهم سمع من النبي ﵇ ما قال؟ فقال محمد بن الحسن: لم يجئ اختلافهم من هذا الوجه، وإنما جاء اختلافهم أن الله إنما حرم أن ترجع المؤمنات إلى الكفار في سورة الممتحنة بعدما كان ذلك حلالاً جائزًا، فعلم ذلك عبد الله بن عمرو، ثم رأى رسول الله ﵇ قد ردَّ زينب على أبي العاص بعدما كان علم حرمتها عليه بتحريم الله المؤمنات على الكفار؛ فلم يكن ذلك عنده إلا بنكاح جديد، فقال: ردَّها عليه رسول الله ﵇ بنكاح جديد، ولم يعلم عبد الله بن عباس بتحريم الله المؤمنات على الكفار حتى علم برد النبي ﵇ زينب على أبي العاص، فقال: ردَّها عليه بالنكاح الأول؛ لأنه لم يكن عنده بين إسلامه وإسلامها فسخ للنكاح الذي كان بينهما. قال محمد ﵀: فمن هنا جاء اختلافهم لا من اختلاف سمعوه من النبي ﵇ في ذكره ما ردَّ زينب به على أبي العاص: أنه النكاح الأول، أو نكاح جديد.

стр. 6287

ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه، وأشار بذلك إلى الجواب عن حديث ابن عباس الذي احتج به أهل المقالة الأولى، وهو ظاهر. قوله: "على أنه ردها إليه , لأنها في العدة"، أي لكونها في العدة. وقال ابن حزم: أسلمت زينب أول ما بعث ﷺ بلا خلاف، ثم هاجرت, وبين إسلامها وإسلام زوجها أزيد من ثماني عشرة سنة، وَوَلَدت في خلال ذلك ابنها عليًّا، فأين العدة؟ قوله: "أيبينها؟ " الهمزة فيه للاستفهام، وتبينها من الإبانة. قوله: "ولقد حدثني أبو بكر بن عبدة [. . . . . . .] (١). عن أبي توبة الربيع بن نافع الحلبي نزيل طرسوس وشيخ أبي داود وأحمد بن حنبل، كان يقال: إنه من الأبدال. ص: قال أبو جعفر ﵀: وقد أحسن محمد: في هذا، وتصحيح الآثار في هذا الباب على هذا المعنى الصحيح يوجب صحة ما قال عبد الله بن عمرو، والدليل على ذلك: أن ابن عباس قد كان يقول في النصرانية إذا أسلمت في دار الإِسلام وزوجها كافر: ما حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: "في اليهودية والنصرانية تكون تحت النصراني أو اليهودي فتسلم هي، قال: يفرق بينهما، الإِسلام يعلو ولا يعلى".

стр. 6288

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله. غير أنه لم يقل: "الإِسلام يعلو ولا يعلى". أفيجوز أن تكون النصرانية عنده إذا أسلمت في دار الإِسلام وزوجها نصراني أنها تبين منه ولا ينتظر بها إسلامه إلى أن تخرج من العدة، وتكون الحربية التي ليست بكتابية إذا أسلمت في دار الحرب ثم جاءتنا مسلمة يُنتظر بها لحاق زوجها بها مسلمًا فيما بينه وبين خروجها من العدة؟! وهذا محال؛ لأن إسلامها في دار الإِسلام إذا كان يُبينها من زوجها النصراني الذمي فلإِسلامها في دار الحرب وخروجها إلى دار الإِسلام وتركها زوجها المشرك أحرى أن يُبينها، فثبت بهذا من قول ابن عباس أنه كان العصمة منقطعة بإسلام المرأة لا بخروجها من العدة. فإذا ثبت ذلك من قوله استحال أن يكون ترك ما قد كان ثبت عنده من حكم رسول الله ﵇ في ردِّه زينب على أبي العاص على النكاح الأول، وصار إلى خلافه إلا بعد ثبوت نسخ ذلك. فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار. ش: وجه تحسين الطحاوي ما قال محمد بن الحسن: ظاهر. قوله: "والدليل على ذلك" أي: الدليل على اقتضاء تصحيح الآثار صحة ما قاله عبد الله بن عمرو: أن عبد الله بن عباس ﵄. وحاصل ذلك: أن ابن عباس قد ذهب في النصرانية تسلم قبل زوجها أنها أملك لنفسها، فكان من مذهبه أن الفرقة قد وقعت بإسلامها، وغير جائز أن يخالف النبي ﵇ فيما رواه عنه، فإذا ثبت ذلك من قول ابن عباس استحال أن يكون ترك ما قد ثبت عنده من ردِّ رسول الله ﵇ زينب على أبي العاص بالنكاح الأول، وصار إلى خلاف ذلك إلا بعد ثبوت نسخ هذا الحكم عنده، فافهم.

стр. 6289

وأخرج ما روي عن ابن عباس من طريقين. الأول: إسناده صحيح، عن روح بن الفرج القطان، عن يحيى بن عبد الله بن بكير شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس. والثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن قيس بن الربيع الأسدي الكوفي -ضعفه يحيى وأحمد، قال يحيى: ضعيف الحديث لا يساوي شيئًا. عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس. قوله: "في اليهودية" يعني أجاب ابن عباس في المرأة اليهودية أو النصرانية التي تحت اليهودي أو النصراني تسلم هي بقوله: "يفرق بينهما". وقوله: "يفرق" على صيغة المجهول. وقوله: "الإِسلام يعلو" ابتداء كلام من المبتدأ والخبر، فكأنه تعليل لقوله: "يفرق بينهما"، فهذا يدل على أن الفرقة تقع بينهما بإسلام المرأة. وفي "صحيح البخاري" (١) عن ابن عباس قال: "إذا أسلمت النصرانية قبل زوجها بساعة حرمت عليه". وقال الجصاص: قال بعضهم: هي امرأته ما دامت في العدة، فإذا انقضت العدة وقعت الفرقة. وقال ابن عباس: "تقع الفرقة بإسلامها". واتفق علماء الأمصار على أنها تَبِين منه بإسلامها إذا كانا في دار واحدة. واختلفوا في وقوع الفرقة إذا أسلمت ولم يسلم الزوج، فقال أصحابنا: إن كانا ذميين لم تقع الفرقة حتى تعرض عليه الإِسلام، فإن أسلم وإلا فرق بينهما،

стр. 6290

وهو ما روي عن علي وعمر ﵄، وقالوا: إن كانا حربيين في دار الحرب فأسلمت فهي امرأته ما لم تحض ثلاث حيضات، فإن حاضت ثلاث حيض قبل أن يسلم فرق بينهما. قوله: "أفيجوز" الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار. قوله: "فَلَإِسلامها" مبتدأ، و"اللام" فيه للتأكيد؛ ولهذا جاءت مفتوحة وخبره قوله: "أحرى أن يبينها". ص: وأما لنظر في ذلك، فإنا رأينا المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر فقد صارت إلى حال لا يجوز أن يستأنف نكاحها عليها؛ لأنها مسلمة وهو كافر، فأردنا أن ننظر إلى ما يطرأ على النكاح مما لا يجوز معه استقبال النكاح كيف حكمه؟ فرأينا الله حرَّم الأخوات من الرضاعة، وكان من تزوج امرأة صغيرة لا رضاع بينه وبينها فأرضعتها أمه حرمت عليه بذلك وانفسخ النكاح، فكان الرضاع الطارئ على النكاح في حكم الرضاع المتقدم للنكاح في أشباه لذلك يطول الكتاب بذكرها، وكانت ثمة أشياء يختلف فيها الحكم إذا كانت متقدمة للنكاح وطرأت على النكاح، من ذلك: أن الله حرَّم نكاح المرأة في عدتها من زوجها، وأجمع المسلمون أن العدة من الجماع في النكاح الفاسد تمنع من النكاح كما تمنع إذا كانت بسبب نكاح صحيح، وكانت المرأة لو وطئت بشبهة ولها زوج فوجبت عليها بذلك عدة لم تبن بذلك من زوجها, ولم تجعل هذه العدة كالعدة المتقدمة للنكاح. ففرق في هذا بين حكم المستقبل والمستدبر. فأردنا أن ننظر في المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر، هل تبين منه بذلك؟ ويكون حكم مستقبل ذلك ومستدبره سواء كما كان ذلك في الرضاع الذي ذكرنا أولاً وإلا تبين منه بإسلامها، فلا يكون حكم إسلامها الحادث كهو إذا كان قبل النكاح، فالعدة قبل النكاح كالعدة التي ذكرنا التي فرق بين حكم المستقبل فيها وحكم المستدبر.

стр. 6291

فنظرنا في ذلك فوجدنا العدة الطارئة على النكاح لا تجب بها فرقة في حال وجوبها ولا بعد ذلك، وكان الرضاع الذي ذكرنا تجب به الفرقة في حال كونه، ولا ينتظر بها شيء بعده، وكان الإِسلام الطارئ على النكاح كلٌ قد أجمع أن الفرقة تجب به، فقال قومٌ: تجب في وقت إسلام المرأة. وهو قول ابن عباس. وقال آخرون: لا تجب الفرقة حتى تعرض على الزوج الإِسلام فيأباه فيفرق بينه وبين المرأة، أو يختاره فتكون امرأته على حالها. وقال آخرون: هي امرأته ما لم يخرجها من أرض الهجرة. وهو قول علي بن أبي طالب ﵁، وسنأتي بأسانيد هذه الروايات في آخرها إن شاء الله تعالى. فلما ثبت أن إسلام الزوجة الطارئ للفُرقة بين المرأة وزوجها في حال ما ثبت أن حكم ذلك كحكم الرضاع أشبه منه بحكم العدة، فلما كان الرضاع تجب به الفُرقة ساعة يكون، ولا ينتظر به خروج المرأة عن عِدَّتِها؛ كان كذلك الإِسلام. فهذا وجه النظر في هذا الباب: أن المرأة تَبين من زوجها بإسلامها في دار الإِسلام كانت أو في دار الحرب، وقد كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد يخالفون هذا ويقولون في الحربية إذا أسلمت في دار الحرب وزوجها كافر: إنها امرأته ما لم تحض ثلاث حيض أو تخرج إلى دار الإِسلام، فأي ذلك ما كانت بانت به من زوجها. وقالوا: كان النظر في هذا أن تَبين من زوجها بإسلامها ساعة أسلمت. وقالوا: إذا أسلمت وزوجها في دار الإِسلام فهي امرأته على حالها حتى يعرض القاضي على زوجها الإِسلام فيُسلم فتبقى تحته، أو يأبى فيفرق بينهما. قالوا: فكان النظر في ذلك أن تَبين منه بإسلامها ساعة أسلمت، ولكنا قلدنا ما روي عن عمر ﵁، فذكروا ما حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا أبو معاوية الضرير، عن أبي إسحاق الشيباني، عن السفاح، عن داود بن كردوس، قال: "كان رجل منَّا من بني تغلب نصراني تحته امرأة نصرانية فأسلمت، فرفعت إلى عمر ﵁، فقال له عمر: أسلم وإلا فرقت بينكما. فقال: لو لم أدع هذا إلا

стр. 6292

استحياء من العرب أن يقولوا: إنه أسلم على بضع امرأة لفعلت، قال: ففرَّق عمر ﵁ بينهما". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا هلال بن يحيى، قال: ثنا أبو يوسف، قال: ثنا أبو إسحاق الشيباني، عن السفاح الشيباني، عن كردوس بن داود التغلبي، عن عمر نحوه. فقلدوا ما روي عن عمر ﵁ في هذا الذي أسلمت امرأته في دار الإِسلام، وجعلوا للذي أسلمت أمرأته في دار الحرب أجلاً إن أسلم فيه؛ وإلا وقعت الفرقة بينه وبين امرأته بدلاً من العرض الدي كانوا يعرضونه عليه لو كان في دار الإِسلام وهو العدة إلا أن تخرج المرأة قبل ذلك إلى دار الإِسلام فينقطع بذلك الأجل وتجب به البينونة، ونحن في هذا على ما روينا عن ابن عباس من وجوب البينونة بالإِسلام ساعة يكون من المرأة. ش: أي: وأما وجه النظر والقياس، تقريره: أن المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر تصير إلى حالة لا يجوز أن يستأنف عليها نكاحها؛ وذلك لأنها مسلمة وهو كافر، فإذا تمهد هذا ننظر إلى ما يطرأ على النكاح من الذي لا يجوز فيه استئناف النكاح كيف حكمه؟ فوجدنا ذلك على نوعين: الأول: يستوي فيه حكم المستقبل والمستدبر، وذلك كمن تزوج صغيرة فأرضعتها أمه فإنها تحرم عليه بذلك، فيكون الرضاع الطارئ على هذا النكاح في حكم الرضاع المتقدم. النوع الثاني: يفرق فيه بين المستقبل والمستدبر، وذلك كالمرأة التي لها زوج إذا وُطئت بشبهة فوجبت عليها عدة لم تبن بذلك من زوجها, ولم تجعل هذه العدة كالعدة المتقدمة للنكاح، فإذا كان كذلك ننظر في المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر هل تبين منه بذلك، ويكون حكمها حكم النوع الأول أم النوع الثاني؟

стр. 6293

فنظرنا في ذلك فوجدنا العدة الطارئة على النكاح لا تجب بها فرقة في حال وجوبها ولا بعد ذلك، ووجدنا الرضاع تجب به الفرقة في حال وقوعه وكونه، ولا ينتظر به شيء بعده. ثم الإِسلام الطارئ على النكاح كلٌّ قد أجمع أن الفرقة تجب به، غير أنهم اختلفوا في وقتها: فقالت طائفة: تجب في وقت إسلام المرأة. وقال آخرون: لا تجب حتى يعرض على الزوج الإِسلام فيأبى، فيفرق بينهما. وقال آخرون: هي امرأته ما لم يخرجها من أرض الهجرة. فثبت أن حكم إسلامها الطارئ للفرقة كحكم الرضاع أشبه منه بحكم العدة، فإذا كان كذلك تجب به الفرقة ساعة يكون، ولا ينتظر به خروج المرأة من عدتها. فهذا وجه النظر والقياس: أن المرأة تَبين من زوجها بإسلامها سواء كانت في دار الإِسلام أو في دار الحرب، ولكن أصحابنا خالفوا هذا، حيث قالوا في الحربية إذا أسلمت في دار الحرب وزوجها كافر: إنها امرأته ما لم تحض ثلاث حيض أو تخرج إلى دار الإِسلام، والذمية إذا أسلمت في دار الإِسلام فهي امرأته حتى يعرض القاضي على زوجها الإِسلام، فإن أسلم بقيا على نكاحهما ولا يفرق بينهما. وكان النظر في الفصلين جميعًا أن تَبين من زوجها ساعة أسلمت لما ذكرنا، غير أنهم تركوا هذا، وقلدوا في ذلك عمر بن الخطاب ﵁ الذي أخرجه الطحاوي من طريقين: الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم، عن أبي إسحاق الشيباني سليمان بن فيروز، عن السفاح بن مطر الشيباني، عن داود بن كردوس التغلبي الكوفي، عن عمر بن الخطاب.

стр. 6294

وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق الشيباني، عن السفاح بن مطر التغلبي، عن داود بن كردوس: "أن عبادة بن النعمان بن زرعة أسلمت امرأته التميمية وأبى أن يُسلم، ففرق عمر ﵁ بينهما". الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن هلال بن يحيى بن مسلم الرأي البصري، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي، عن أبي إسحاق الشيباني. . . إلى آخره نحوه. فإن قيل: قال ابن حزم: السفاح وداود بن كردوس مجهولان. وقال الأزدي: داود بن كردوس مجهول. وقاله الذهبي أيضًا. قلت: رجال الإِسنادين كلهم ثقات. أما أبو بشر فإنه وثقه ابن يونس. وأما أبو معاوية فإنه من رجال السنة. وأما أبو إسحاق الشيباني فكذلك من رجال السنة. وأما السفاح بن مطر فإن ابن حبان ذكره في "الثقات"، وروى له أبو داود في "المراسيل". وأما داود بن كردوس فإن ابن حبان ذكره في التابعين "الثقات"، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" ولم يتعرض إليه بشيء. وأما أبو بكرة فإنه لا يشك في ثقته ودينه وأمانته وزهده المشهور بين الأنام. وأما هلال بن يحيى الرأي فقد أثنى عليه جماعة بخير. وأما أبو يوسف فأبو يوسف، وهو أجلّ من أن يذكر بشيء. ص: وأما ما روي عن علي ﵁ في ذلك: فما حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا

стр. 6295

الخَصِيب بن ناصح، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: "أن عليًّا ﵁ قال: هو أحق بنكاحها ما كانت في دار الهجرة". ش: لما نقل قول علي ﵁ فيما مضى بقوله: "وقال آخرون: هي امرأته ما لم يخرجها من أرض الهجرة، وهو قول علي ﵁، أراد بيان ذلك مسندًا. وأخرجه بإسناد رجاله كلهم ثقات: عن نصر بن مرزوق، عن الخَصِيب -بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة- بن ناصح الحارثي، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: "أن عليًّا ﵁. . ." إلى آخره. وأخرجه ابن حزم (١): من حديث حماد بن سلمة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: "أن علي بن أبي طالب قال في الزوجين الكافرين يسلم أحدهما: هو أملك ببضعها ما دامت في دار هجرتها". وروى أيضًا (٢): من طريق سفيان بن عيينة، عن مطرف بن طريف، عن الشعبي، عن علي ﵁: "هو أحق بها ما لم تخرج من مصرها". ص: وقد روى عن الزهري وقتادة في رد رسول الله ﷺ زينب على أبي العاص أن ذلك منسوخ، واختلفا فيما نسخه. حدثنا عبيد الله بن محمد المؤدب، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري: "أن أبا العاص بن ربيع وأُخذ أسيرًا يوم بدر، فأتي به النبي ﷺ فرد عليه ابنته". قال الزهري: وكان هذا قبل أن تنزل الفرائض -يعني-: ابنة النبي ﷺ وردها على زوجها. حدثنا عبيد الله، قال: ثنا علي، قال: ثنا عباد بن العوام، عن سعيد، عن قتادة:

стр. 6296

"أن رسول الله ﵇ ردّ على أبي العاص ابنته. قال قتادة: وكان هذا قبل أن تنزل سورة براءة". ش: هذا من جملة المعاني التي رجحت خبر عبد الله بن عمرو بن العاص على خبر ابن عباس، وكان قد وعد فيما مضى ببيانها، وقد بيَّن بعضها فيما مضى، وبيَّن ها هنا أيضًا بعضها، وهو أن حديث عبد الله بن عباس منسوخ على ما روي عن محمد بن مسلم الزهري وقتادة بن دعامة السدوسي، ولكنهما اختلفا في الناسخ، فقال الزهري: الناسخ هو نزول الفرائض، وقال قتادة: سورة براءة. وأخرج ذلك عنهما بإسناده جيد واحد. فإذا كان كذلك فثبت من قولهما انتساخ حديث ابن عباس. وقال أبو عمر (١): حديث ابن عباس منسوخ عند الجميع بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ. . .﴾ (٢) إلى قوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ. . .﴾ (٢) الآية، فلا يجوز رجوعه إليها بعد خروجها من عدتها، وإسلام زينب كان قبل أن ينزل كثير من الفرائض، قاله ابن شهاب. وروي عن قتادة أن ذلك كان قبل أن تنزل سورة براءة بقطع العهود بينهم وبين المشركين، وفي قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٢) ما يكفي ويغني، والحمد لله. وقال أبو عمر أيضًا: لم يختلف أهل السير أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ (٢) أنها نزلت في الحديبية حين صالح رسول الله ﷺ قريشًا على أن يرد عليهم من جاءهم بغير إذن وَلِيِّه، فلما هاجرن أبى الله أن يُردَدْن إلى المشركين إذا امتحن بمحنة الإِسلام وعرف أنهن جئن رغبةً في الإِسلام، والله أعلم. ...

стр. 6297

ص: باب: الفداء ش: أي: هذا باب في بيان حكم الفداء -بكسر الفاء وبالمد والقصر- وفتح الفاء لا يجيء إلا مقصورًا، يقال، فداه وفاداه إذا أعطى فداءه وأنقده بنفسه. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر الزهراني، قال: ثنا عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: "نفلني أبو بكر ﵁ امرأة من فزارة أتينا بها من الغارة، فقدمت بها المدينة، فاستوهبها مني رسول الله ﵇ ففادى بها أناسًا من المسلمين". ش: أخرجه بعينه سندًا ومتنًا في باب النفل بعد الفرغ من قتاد العدو وإحراز الغنيمة، وقد مرَّ الكلام فيه هناك مستوفى. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عمر بن يونس، قال: ثنا عكرمة. . . فذكر بإسناده مثله، وزاد: "كانوا أسارى بمكة". ش: هذا طريق آخر: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن عمر بن يونس بن قاسم الحنفي اليمامي الثقة، عن عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه سلمة بن الأكوع. وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) مطولًا ومختصرًا، وقال: ثنا قران بن تمام، عن عكرمة اليمامي، عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: "خرجت مع أبي بكر ﵁ في غزاة هوازن، فنفلني جارية، فاستوهبها رسول الله ﵇، فبعث بها إلى مكة ففادى بها أناسًا من المسلمين". ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمه، عن عمران بن حصين: "أن رسول الله ﵇ فادى برجل من العدو رجلين من المسلمين".

стр. 6298

حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن الحصين: "أن رسول الله ﵇ فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين من بني عقيل". ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن عمه أبي المهلب الجرمي، قال النسائي: أبو المهلب عمرو بن معاوية، وقيل: عبد الرحمن بن معاوية، وقيل: معاوية بن عمرو، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: النضر بن عمرو. روى له البخاري في "الأدب"، والباقون. وأخرجه الترمذي (١): ثنا ابن أبي عمر، عن سفيان، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمه، عن عمران بن حصين: "أن رسول الله ﵇ فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين". وقال: حديث حسن صحيح. الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري وأبي داود، عن إسماعيل بن إبراهيم البصري -هو ابن علية- عن أيوب السختياني. . . إلى آخره. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا إسماعيل، أنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران ابن حصين: "أن النبي ﵇ فدى رجلين من المسلمين برجل من المشركين من بني عقيل". ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا مجالد، قال: أنا أبو الوداك جَبْر بن نوف، عن أبي سعيد

стр. 6299

الخدري ﵁ قال: "أصبنا سبيًا فأردنا أن نفادي بهن، فسألنا النبي ﵇ فقلنا: يا رسول الله، الرجل تكون له الأمة فيصيب منها ويعزل عنها مخافة أن تعلق منه، فقال: افعلوا ما بدا لكم، فما يقضى من أمرٍ يكن وإن كرهتم". ش: قد مرَّ في باب: "العزل" في كتاب النكاح عن أبي سعيد الخدري نحو هذا الحديث بما يشابه هذا الإِسناد. وهشيم هو ابن بشير، ومجالد -بالجيم- هو ابن سعيد الهمداني، فيه مقال، فعن يحيى: لا يحتج بحديثه. وعنه: ضعيف واهي الحديث. وقال النسائي: ثقة. وعنه: ليس بالقوي. روى له مسلم مقرونًا بغيره، واحتج به الأربعة. وأبو الوداك جبر بن نوف الهمداني البكالي، روي له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه. والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا وكيع، ثنا يونس بن عمرو، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد الخدري قال: "أصبنا سبايا يوم حنين فكنا نلتمس فداءهن، فسألنا رسول الله ﷺ عن العزل، فقال: اصنعوا ما بدا لكم، فما قضى الله فهو كائن، فليس من كل الماء يكون الولد". ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى أنه لا بأس أن يفدى ما في أيدي المشركين من الأسرى المسلمين بمن قد ملكه المسلمون من أهل الحرب من الرجال والنساء، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار, وممن ذهب إلى هذا القول أبو يوسف. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عمر بن عبد العزيز والأوزاعي والثوري ومالكًا وأبا يوسف وأحمد وإسحاق، فإنهم قالوا: لا بأس أن يفدى ما في أيدي المشركين من الأسرى المسلمين بمن قد ملكه المسلمون من أهل الحرب من الرجال والنساء.

стр. 6300

وقال الجصاص ﵀: اتفق فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير وعلى استبقائه، واختلفوا في فدائه؛ فقال أصحابنا جميعًا: لا يفادى الأسير بالمال ولا يباع السبي من أهل الحرب. وقال أبو حنيفة: لا يفادى بأسرى المسلمين ولا يردون حربًا أبدًا. وقال أبو يوسف ومحمد: لا بأس أن يفادى أسرى المسلمين بأسرى المشركين -وهو قول الثوري والأوزاعي- ولا بأس ببيع السبي من أهل الحرب، ولا يباع الرجال إلا أن يفادى بهم المسلمون. وقال المزني عن الشافعي: للإِمام أن يَمُنّ على الرجال الذين ظهر عليهم أو يفادى بهم المسلمون. ص: وكره آخرون أن يفادى بمن وقع ملك المسلمين عليه؛ لأنه قد صارت له ذمة بملك المسلمين إياه، فمكروه أن يرد حربيًّا بعد أن كان ذمةً، وقالوا: إنما كان هذا الفداء المذكور في هذه الآثار في وقت كان لا بأس أن يفادى فيه بمن أسلم من أهل الحرب فَيُرَدُّوا إلى المشركين على أن يَرُدُّوا إلى المسلمين من أسروا منهم كما صالح رسول الله ﵇ أهل مكة شرَّفها الله على أن يرد إليهم مَنْ جاء إليه منهم وإن كان مسلمًا. ش: أي: كره قوم آخرون، وهم: الليث بن سعد والحكم بن عتيبة ومجاهد وأبو حنيفة ﵏ أن يفادى بمن وقع عليه ملك المسلمين؛ لأنهم صاروا ذوي ذمة بملك المسلمين إياهم، فيكره بعد ذلك أن يعادوا حربيين بعد أن كانوا ذوي ذمة. قوله: "وقالوا" أي هؤلاء الآخرون. . . إلى آخره، وهو جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى عن الأحاديث المذكورة. وحاصله: أن الفداء المذكور في حديث سلمة بن الأكوع وعمران بن الحصين وأبي سعيد ﵄ إنما كان في وقت كان يجوز رد من جاء مسلمًا من المشركين إليهم، كما جاء ذلك مفسرًا في حديث عمران بن الحصين.

стр. 6301

وقد أجمعوا أن ذلك قد انتسخ بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (١) فإنه نسخ أن يرد أحد من أهل الإِسلام إلى الكفار، فإذا كان كذلك سقط الاحتجاج بالأحاديث المذكورة على جواز الفداء المذكور. ثم إذا ثبت النسخ وثبت أن لا يرد إلى الكفار من جاءنا منهم، وثبت أن الذمة تحرم ما يحرم الإِسلام من دماء أهلها وأموالهم، وثبت أنه يجب علينا منع أهل الذمة من النقض والرجوع إلى دار الحرب، وثبت أن من أصابه المسلمون منهم يملكونه فيصير بملكهم إياه ذمة لهم، يجب بالنظر على ذلك أن تحرم المفاداة بالحربي الذي أسروه وصار ذمةً لهم ووقع ملكهم علية؛ لأن فيه نقضًا للذمة وردًّا إلى أيدي المشركين، والله أعلم. ص: فمما بيَّن أن ذلك كذلك: أن محمد بن خزيمة حدثنا، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵁ قال: "أَسَرَت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأسر أصحاب رسول الله ﵇ رجلاً من بني عامر بن صعصعة، فَمُرَّ به على النبي ﵇ وهو موثق، فأقبل إليه رسول الله ﵇ فقال: عَلَام أحبس؟ قال: بجريرة حلفائك، ثم مضى رسول الله ﵇ فناداه، فأقبل إليه، فقال له الأسير: إني مسلم، فقال رسول الله ﵇: لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح، ثم مضى رسول الله ﵇ فناداه أيضًا، فأقبل، فقال: إني جائع فأطعمني، فقال النبي ﵇: هذه حاجتك، ثم إن النبي ﵇ فداه بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أي المهلب، عن عمران بن الحصين قال: "كانت العضباء لرجل من عقيل أُسر فأُخذت العضباء منه، فأتى عليه رسول الله ﵇، فقال: يا محمد، عَلامَ تأخذوني

стр. 6302

وتأخذون سابقة الحاج وقد أسلمت؟! فقال رسول الله ﵇: لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح، فقال رسول الله ﵇: أُخذت بجريرة حلفائك -وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب النبي ﵇- ورسول الله ﵇ على حمارٍ، عليه قطيفة، فقال: يا محمد إني جائع فأطعمني وظمآن فاسقني، فقال رسول الله ﵇: هذه حاجتك، ثم إن الرجل فدي برجلين، وحبس رسول الله ﵇ العضباء لرحله". فهذا حديث مفسر قد أخبر فيه عمران بن حصين أن النبي ﵇ فادى بذلك المأسور بعد أن أقر بالإِسلام، وقد أجمعوا أن ذلك منسوخ، وأنه ليس للإِمام أن يفدي من أسر من المسلمين بمن في يده من أسراء أهل الحرب الذين قد أسلموا، وأن قول الله : ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (١) قد نسخ أن يرد أحد أي العبيد من أهل الإِسلام، فلما ثبت ذلك وثبت أن لا يرد إلى الكفار من جاءنا منهم، وثبت أن الذمة تحرم ما يحرم الإِسلام من دماء أهلها وأموالهم، وأنه يجيب علينا منع أهلها من نقضها والرجوع إلى دار الحرب كما نمنع المسلمين من نقض إسلامهم والخروج إلى دار الحرب على ذلك، وكان مَنْ أصبنا من أهل الحرب فملكناه صار بملكنا إياه ذمةً لنا, ولو أعتقناه لم يعد حربيًّا بعد ذلك، وكان لنا أخذه بأداء الجزية إلينا كما نأخذ سائر ذمتنا، وعلينا حفظه مما نحفظهم منه، وكان حرامًا علينا أن نفادي بعبيدنا الكفار الذين قد ولدوا في دارنا لما قد صار لهم من الذمة. فالنظر على ذلك: أن يكون كذلك الحربي إذا أسرناه فصار ذمةً لنا ووقع ملكنا عليه أن تحرم علينا المفاداة به ورده إلى أيدي المشركين، وهذا قول أبي حنيفة ﵁. ش: أي: فمن الذي بيَّن أن ذلك أي الفداء المذكور في الآثار المذكورة التي احتجت بها أهل المقالة الأولى كذلك، أي كما قلنا: إنه كان في وقت كان لا بأس أن يفادى فيه بمن أسلم من أهل الحرب. . . إلى آخر ما ذكره.

стр. 6303

قوله: "أن محمد بن خزيمة" في محل الرفع على الابتداء. وقوله: "فمما بَيَّن" مقدمًا خبره. وأخرج حديث عمران هذا من طريقين صحيحين: الأول: عن محمد بن خريمة بن راشد، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر بن راشد، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي -أحد الأئمة الأعلام- عن عمه أبي المهلب الجرمي، عن عمران بن حصين ﵁. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): نا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: "كانت بنو عامر أسروا رجلين من أصحاب النبي ﵇، فأسر أصحاب النبي ﵇ رجلاً من ثقيف وأخذوا ناقةً كان يسبق عليها الحاج، فمرَّ به النبي ﵇ وهو موثق، فقال: يا محمد، يا محمد. فعطف عليه، فقال: عَلامَ ما أُحَبس وتؤخذ سابقة الحاج؟ قال: بجريرة حلفائك -وكانت بنو عامر حلفاء لثقيف- ثم أجاز النبي ﵇ فدعاه أيضًا: يا محمد، فأجابه، فقال: إني مسلم، قال: لو قلت ذاك وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح، ثم أجاز النبي ﵇، فناداه أيضًا، فرجع إليه فقال: أطعمني فإني جائع، فقال النبي ﵇: هذه حاجتك. فأمر له بطعام، ثم إن النبي ﵇ فادى الرجل بالرجلين اللذين أسرا من أصحابه. . ." الحديث بطوله. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دُكين شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة. . . إلى آخره.

стр. 6304

وأخرجه أبو داود (١) في "الإِيمان" في باب: "ما جاء في النذر فيما لا يملكه": ثنا سليمان بن حرب ومحمد بن عيسى، قالا: ثنا حماد، قال ابن عيسى: ثنا حماد بن زيد وابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن الحصين قال: "كانت العضباء لرجل من بني عقيل وكانت من سوابق الحاج، قال: فأُسر فأتى النبي ﵇ وهو في وثاق والنبي ﵇ على حمار عليه قطيفة، فقال: يا محمد، عَلَامَ تأخذني وتأخذ سابقة الحاج؟ -زاد ابن عيسى: فقال رسول الله ﵇: إعظامًا لذلك، ثم اتفقا- فقال: نأخذك بجريرة حلفائك ثقيف -وكانت ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب رسول الله ﵇ وقد قال فيما قال: وأنا مسلم، أو قال: قد أسلمت، فلما مضى النبي ﵇ قال ابن عيسى: ثم ناداه: يا محمد يا محمد، قال: وكان النبي ﵇ رحيمًا رقيقًا، قال: فرجع إليه فقال: ما شأنك؟ قال: إني مسلم، قال: لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح -ثم رجعت إلى حديث سليمان- قال: يا محمد إني جائع فأطعني، إني ظمآن فاسقني، قال: فقال النبي ﵇: هذه حاجتك -أو قال: هذه حاجته- ففودي الرجل بعد بالرجلين، قال: وحبس رسول الله ﵇ العضباء [لرحله، قال: فأغار المشركون على سرح المدينة، فذهبوا بالعضباء] (٢)، قال: فلما ذهبوا بها وأسروا امرأة من المسلمين -قال أبو داود: هي امرأة أبي ذر- قال: فكانوا إذا كان من الليل يريحون إبلهم في أفنيتهم، قال: فنوموا ليلة فقامت المرأة فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا رغى حتى أتت على العضباء، قال: فأتت على ناقة ذلول مجرسة -قال ابن عيس: فلم ترغ، قال-: فركبتها ثم جعلت لله عليها إن نجَّاها الله لتنحرنها، قال: فلما قدمت المدينة عرفت الناقة ناقة النبي ﵇، فأخبر النبي ﵇ بذلك فأرسل إليها، فجيء بها، وأُخبر بنذرها، فقال: بئس ما جزتها -أو جزيتيها- إن اللهُ أنجاها عليها لتنحرنها , لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم".

стр. 6305

قوله: "علام أُحْبس؟ " أصله على ما أحبس أي: لأي شيء أحبس؟ قوله: "بجريرة حلفائك". الجريرة: الخيانة والذنب؛ وذلك أنه كان بين رسول الله ﵇ وبين ثقيف موادعة، فلما نقضوها ولم ينكر عليهم بنو عقيل -وكانوا معهم في العهد- صاروا مثلهم في نقض العهد فأخذه بجريرتهم، وقيل: معناه: أخذت لتدفع بك جريرة حلفائك من ثقيف، ويدل عليه: أنه فدى بعد بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف من المسلمين. و"الحُلفاء" بضم الحاء المهملة جمع حليف من الحلف وهي المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات؛ فذلك الذي ورد النهي عنه في الإِسلام بقوله ﵇: "لا حلف في الإِسلام" (١)، وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه ﵇: "وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإِسلام إلا شدة" (٢) يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق، وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإِسلام، والممنوع منه ما خالف حكم الإِسلام. وقيل: المحالفة كانت قبل الفتح، وقوله: "لا حلف في الإِسلام" قاله زمن الفتح فكان ناسخًا، وكان رسول الله ﵇ وأبو بكر ﵁ من المطيِّبين، وكان عمر ﵁ من الأحلاف. والأحلاف ست قبائل: عبد الدار وجمح ومخزوم وعدي وكعب وسهم؛ سموا بذلك لأنهم أرادت بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار من الحجابة والرفادة واللواء والسقاية، وأبت عبد الدار، عقد كل قوم على أمرهم حلفًا مؤكدًا على أن لا يتخاذلوا، فأخرجت بنو عبد مناف جنبة مملوءة طيبًا فوضعتها لأحلافهم وهم: أسد وزهرة وتيم في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها وتعاقدوا، وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤها حلفًا آخر مؤكدًا؛ فسموا الأحلاف لذلك.
следующие страницы →