← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

وقد أجمعوا أن ذلك قد انتسخ بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (١) فإنه نسخ أن يرد أحد من أهل الإِسلام إلى الكفار، فإذا كان كذلك سقط الاحتجاج بالأحاديث المذكورة على جواز الفداء المذكور. ثم إذا ثبت النسخ وثبت أن لا يرد إلى الكفار من جاءنا منهم، وثبت أن الذمة تحرم ما يحرم الإِسلام من دماء أهلها وأموالهم، وثبت أنه يجب علينا منع أهل الذمة من النقض والرجوع إلى دار الحرب، وثبت أن من أصابه المسلمون منهم يملكونه فيصير بملكهم إياه ذمة لهم، يجب بالنظر على ذلك أن تحرم المفاداة بالحربي الذي أسروه وصار ذمةً لهم ووقع ملكهم علية؛ لأن فيه نقضًا للذمة وردًّا إلى أيدي المشركين، والله أعلم. ص: فمما بيَّن أن ذلك كذلك: أن محمد بن خزيمة حدثنا، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵁ قال: "أَسَرَت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأسر أصحاب رسول الله ﵇ رجلاً من بني عامر بن صعصعة، فَمُرَّ به على النبي ﵇ وهو موثق، فأقبل إليه رسول الله ﵇ فقال: عَلَام أحبس؟ قال: بجريرة حلفائك، ثم مضى رسول الله ﵇ فناداه، فأقبل إليه، فقال له الأسير: إني مسلم، فقال رسول الله ﵇: لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح، ثم مضى رسول الله ﵇ فناداه أيضًا، فأقبل، فقال: إني جائع فأطعمني، فقال النبي ﵇: هذه حاجتك، ثم إن النبي ﵇ فداه بالرجلين اللذين كانت ثقيف أسرتهما". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أي المهلب، عن عمران بن الحصين قال: "كانت العضباء لرجل من عقيل أُسر فأُخذت العضباء منه، فأتى عليه رسول الله ﵇، فقال: يا محمد، عَلامَ تأخذوني

стр. 6302

وتأخذون سابقة الحاج وقد أسلمت؟! فقال رسول الله ﵇: لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح، فقال رسول الله ﵇: أُخذت بجريرة حلفائك -وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب النبي ﵇- ورسول الله ﵇ على حمارٍ، عليه قطيفة، فقال: يا محمد إني جائع فأطعمني وظمآن فاسقني، فقال رسول الله ﵇: هذه حاجتك، ثم إن الرجل فدي برجلين، وحبس رسول الله ﵇ العضباء لرحله". فهذا حديث مفسر قد أخبر فيه عمران بن حصين أن النبي ﵇ فادى بذلك المأسور بعد أن أقر بالإِسلام، وقد أجمعوا أن ذلك منسوخ، وأنه ليس للإِمام أن يفدي من أسر من المسلمين بمن في يده من أسراء أهل الحرب الذين قد أسلموا، وأن قول الله : ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (١) قد نسخ أن يرد أحد أي العبيد من أهل الإِسلام، فلما ثبت ذلك وثبت أن لا يرد إلى الكفار من جاءنا منهم، وثبت أن الذمة تحرم ما يحرم الإِسلام من دماء أهلها وأموالهم، وأنه يجيب علينا منع أهلها من نقضها والرجوع إلى دار الحرب كما نمنع المسلمين من نقض إسلامهم والخروج إلى دار الحرب على ذلك، وكان مَنْ أصبنا من أهل الحرب فملكناه صار بملكنا إياه ذمةً لنا, ولو أعتقناه لم يعد حربيًّا بعد ذلك، وكان لنا أخذه بأداء الجزية إلينا كما نأخذ سائر ذمتنا، وعلينا حفظه مما نحفظهم منه، وكان حرامًا علينا أن نفادي بعبيدنا الكفار الذين قد ولدوا في دارنا لما قد صار لهم من الذمة. فالنظر على ذلك: أن يكون كذلك الحربي إذا أسرناه فصار ذمةً لنا ووقع ملكنا عليه أن تحرم علينا المفاداة به ورده إلى أيدي المشركين، وهذا قول أبي حنيفة ﵁. ش: أي: فمن الذي بيَّن أن ذلك أي الفداء المذكور في الآثار المذكورة التي احتجت بها أهل المقالة الأولى كذلك، أي كما قلنا: إنه كان في وقت كان لا بأس أن يفادى فيه بمن أسلم من أهل الحرب. . . إلى آخر ما ذكره.

стр. 6303

قوله: "أن محمد بن خزيمة" في محل الرفع على الابتداء. وقوله: "فمما بَيَّن" مقدمًا خبره. وأخرج حديث عمران هذا من طريقين صحيحين: الأول: عن محمد بن خريمة بن راشد، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر بن راشد، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي -أحد الأئمة الأعلام- عن عمه أبي المهلب الجرمي، عن عمران بن حصين ﵁. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): نا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: "كانت بنو عامر أسروا رجلين من أصحاب النبي ﵇، فأسر أصحاب النبي ﵇ رجلاً من ثقيف وأخذوا ناقةً كان يسبق عليها الحاج، فمرَّ به النبي ﵇ وهو موثق، فقال: يا محمد، يا محمد. فعطف عليه، فقال: عَلامَ ما أُحَبس وتؤخذ سابقة الحاج؟ قال: بجريرة حلفائك -وكانت بنو عامر حلفاء لثقيف- ثم أجاز النبي ﵇ فدعاه أيضًا: يا محمد، فأجابه، فقال: إني مسلم، قال: لو قلت ذاك وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح، ثم أجاز النبي ﵇، فناداه أيضًا، فرجع إليه فقال: أطعمني فإني جائع، فقال النبي ﵇: هذه حاجتك. فأمر له بطعام، ثم إن النبي ﵇ فادى الرجل بالرجلين اللذين أسرا من أصحابه. . ." الحديث بطوله. الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دُكين شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة. . . إلى آخره.

стр. 6304

وأخرجه أبو داود (١) في "الإِيمان" في باب: "ما جاء في النذر فيما لا يملكه": ثنا سليمان بن حرب ومحمد بن عيسى، قالا: ثنا حماد، قال ابن عيسى: ثنا حماد بن زيد وابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن الحصين قال: "كانت العضباء لرجل من بني عقيل وكانت من سوابق الحاج، قال: فأُسر فأتى النبي ﵇ وهو في وثاق والنبي ﵇ على حمار عليه قطيفة، فقال: يا محمد، عَلَامَ تأخذني وتأخذ سابقة الحاج؟ -زاد ابن عيسى: فقال رسول الله ﵇: إعظامًا لذلك، ثم اتفقا- فقال: نأخذك بجريرة حلفائك ثقيف -وكانت ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب رسول الله ﵇ وقد قال فيما قال: وأنا مسلم، أو قال: قد أسلمت، فلما مضى النبي ﵇ قال ابن عيسى: ثم ناداه: يا محمد يا محمد، قال: وكان النبي ﵇ رحيمًا رقيقًا، قال: فرجع إليه فقال: ما شأنك؟ قال: إني مسلم، قال: لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح -ثم رجعت إلى حديث سليمان- قال: يا محمد إني جائع فأطعني، إني ظمآن فاسقني، قال: فقال النبي ﵇: هذه حاجتك -أو قال: هذه حاجته- ففودي الرجل بعد بالرجلين، قال: وحبس رسول الله ﵇ العضباء [لرحله، قال: فأغار المشركون على سرح المدينة، فذهبوا بالعضباء] (٢)، قال: فلما ذهبوا بها وأسروا امرأة من المسلمين -قال أبو داود: هي امرأة أبي ذر- قال: فكانوا إذا كان من الليل يريحون إبلهم في أفنيتهم، قال: فنوموا ليلة فقامت المرأة فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا رغى حتى أتت على العضباء، قال: فأتت على ناقة ذلول مجرسة -قال ابن عيس: فلم ترغ، قال-: فركبتها ثم جعلت لله عليها إن نجَّاها الله لتنحرنها، قال: فلما قدمت المدينة عرفت الناقة ناقة النبي ﵇، فأخبر النبي ﵇ بذلك فأرسل إليها، فجيء بها، وأُخبر بنذرها، فقال: بئس ما جزتها -أو جزيتيها- إن اللهُ أنجاها عليها لتنحرنها , لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم".

стр. 6305

قوله: "علام أُحْبس؟ " أصله على ما أحبس أي: لأي شيء أحبس؟ قوله: "بجريرة حلفائك". الجريرة: الخيانة والذنب؛ وذلك أنه كان بين رسول الله ﵇ وبين ثقيف موادعة، فلما نقضوها ولم ينكر عليهم بنو عقيل -وكانوا معهم في العهد- صاروا مثلهم في نقض العهد فأخذه بجريرتهم، وقيل: معناه: أخذت لتدفع بك جريرة حلفائك من ثقيف، ويدل عليه: أنه فدى بعد بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف من المسلمين. و"الحُلفاء" بضم الحاء المهملة جمع حليف من الحلف وهي المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق، فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات؛ فذلك الذي ورد النهي عنه في الإِسلام بقوله ﵇: "لا حلف في الإِسلام" (١)، وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه، فذلك الذي قال فيه ﵇: "وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإِسلام إلا شدة" (٢) يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق، وبذلك يجتمع الحديثان، وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإِسلام، والممنوع منه ما خالف حكم الإِسلام. وقيل: المحالفة كانت قبل الفتح، وقوله: "لا حلف في الإِسلام" قاله زمن الفتح فكان ناسخًا، وكان رسول الله ﵇ وأبو بكر ﵁ من المطيِّبين، وكان عمر ﵁ من الأحلاف. والأحلاف ست قبائل: عبد الدار وجمح ومخزوم وعدي وكعب وسهم؛ سموا بذلك لأنهم أرادت بنو عبد مناف أخذ ما في أيدي عبد الدار من الحجابة والرفادة واللواء والسقاية، وأبت عبد الدار، عقد كل قوم على أمرهم حلفًا مؤكدًا على أن لا يتخاذلوا، فأخرجت بنو عبد مناف جنبة مملوءة طيبًا فوضعتها لأحلافهم وهم: أسد وزهرة وتيم في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها وتعاقدوا، وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤها حلفًا آخر مؤكدًا؛ فسموا الأحلاف لذلك.

стр. 6306

قوله: "وأنت تملك أمرك" جملة حالية في موضع النصب. قوله: "كانت العضياء لرجل من عُقَيل" بضم العين وفتح القاف، والعضباء علم لناقة النبي ﵇ منقول من قولهم: ناقة عضباء أي مشقوقة الأذن، ولم تكن مشقوقة الأذن، وقال بعضهم: إنها كانت مشقوقة الأذن، والأول أكثر. وقال الزمخشري: هو منقول من قولهم: ناقة عضباء، هي القصيرة اليد. قوله: "تأخذون سابقة الحاج" أراد بها الناقة العضباء؛ لأنها كانت تسبق الحاج في المشي. قوله: "عليه قطيفة" وهي كساء له خمل، والله أعلم. وباقي الكلام قد مرّ تفسيره عن قريب. ***

стр. 6307

ص: باب: ما أحرز المشركون من أموال المسلمين هل يملكونه ؟ ش: أي: هذا باب في بيان حكم ما أحرزه أهل الشرك من أموال المسلمين، هل يملكونه بإحرازهم أم لا؟ ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: "كانت العضباء من سوابق الحاج، فأغار المشركون على سرح المدينة فذهبوا به وفيه العضباء، وأسروا امرأة من المسلمين، وكانوا إذا نزلوا يريحون إبلهم في أفنيتهم، فلما كانت ذات ليلة قامت المرأة وقد نوموا فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا رغى، حتى أتت على العضباء فأتت على ناقة ذلول فركبتها، ثم توجهت قِبَل المدينة ونذرت لئن الله نجَّاها عليها لتنحرنها، فلما قدمت عرفت الناقة، فأتوا بها النبي ﵇ فأخبرته بنذرها، فقال: بئس ما جزيتها -أو وفيتها- لا وفاء لنذر في معصية الله وفيما لا يملك ابن آدم". ش: قد مر هذا الحديث بعين هذا الإِسناد في الباب السابق، ولكن في المتن بعض الاختلاف، وقد ذكرنا هناك أن أبا داود أخرجه أيضًا، وذكرنا أيضًا أكثر معاني ألفاظه. قوله:"من سوابق الحاج" جمع سابقة، وكانت العضباء تسبق إبل الحاج في المشي والجري. قوله: "وأسروا امرأة" قال أبو داود في روايته: "إنها كانت امرأة أبي ذر". قوله: "يريحون إبلهم" أي يردونها إلى مراحها، يقال: راحت الإبل وأرحتها: إذا رددتها إلى المراح. وقوله: "في أفنيتهم" الأفنية جمع فناء الدار. قوله: "وقد نُوِّموا" مبالغة في ناموا. قوله: "إلا رغى" من رَغَى البعير يَرْغُو رُغاءً: إذا ضجّ.

стр. 6308

ويستفاد من الحديث: أن من نذر في معصية الله لا يجوز له الوفاء به، كمن نذر أن يقتل فلانًا. وأن النذر فيما لا يملكه باطل كمن نذر أن يذبح شاة فلان. ص: فذهب قوم إلى أن ما غنمه أهل الحرب من أموال المسلمين مردود على المسلمين قبل القسمة وبعدها؛ لأن أهل الحرب -في قولهم- لا يملكون أموال المسلمين بأخذهم إياها من المسلمين، وقالوا: قول النبي ﵇ للمرأة التي أخذت العضباء: "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك" دليل على أنها لم تكن ملكتها بأخذها إياها من أهل الحرب، وأن أهل الحرب لم يكونوا ملكوها من النبي ﵇. ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشافعي والظاهرية؛ فإنهم قالوا: ما غنمه أهل الحرب من أموال المسلمين مردود على المسلمين قبل القسمة وبعدها. . . إلى آخره، وبه قال ابن المنذر. واعلم أن ها هنا خمس مذاهب: الأول: هذا. والثاني: أنه لا يرد شيء من ذلك إلى صاحبه لا قبل القسمة ولا بعدها, لا بثمن ولا بغير ثمن، وهو لمن صار في سهمه. وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وإليه ذهب الحسن البصري وقتادة. والثالث: أنه إن أُدرك قبل القسمة رُدّ إلى صاحبه، فإن لم يدرك حتى قسم فهو للذي وقع في سهمه لا يُرد إلى صاحبه لا بثمن ولا بغيره، روي ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁، وهو قول القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبي بكر بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وأحمد بن حنبل. والرابع: أنه إن أدرك قبل القسمة رُدّ إلى صاحبه بغير ثمن وإن لم يدرك إلا بعد

стр. 6309

القسمة فصاحبه أحق به بقيمته. وروي ذلك أيضًا عن عمر بن الخطاب، وهو قول إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين وشريح ومجاهد والأوزاعي ومالك. والخامس: قول أبي حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري، وهو: أن ما أبق إلى المشركين من عبدٍ لمسلم فإنه مردود إلى صاحبه قبل القسمة وبعدها بلا ثمن، وكذلك ما غنموه من مدبر ومكاتب وأم ولد، وأما ما غنموا من الإِماء والعبيد والمتاع والحيوان فإن أُدرك قبل أن يدخلوا به دار الحرب ثم غنمه المسلمون رُدّ إلى صاحبه قبل القسمة وبعدها بلا ثمن، وإن دخلوا به دار الحرب ثم غنمه المسلمون رُدّ إلى صاحبه قبل القسمة، وأما بعد القسمة فصاحبه أحق به بالقيمة إن شاء، وإلا فلا يرد إليه. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ما أخذه أهل الحرب من أموال المسلمين فأحرزوه في دارهم فقد ملكوه وزال عنه ملك المسلمين، فإذا أُوجف عليه المسلمون فأخذوه منهم، فإن جاء صاحبه قبل أن يقسم أخذه بغير شيء، وان جاء بعدما قسم أخذه بالقيمة. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: النخعي وابن سيرين وشريحًا ومجاهدًا والأوزاعي وأبا حنيفة وسفيان الثوري وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا وأحمد في رواية. وقد بسطنا مذاهب العلماء في ذلك أنفًا. وقال ابن قدامة: إذا أخذ الكفار أموال المسلمين ثم قهرهم المسلمون فأخذوها منهم، فإن علم صاحبها قبل قسمتها رُدّت إليه بغير شيء في قول عامة أهل العلم، منهم: عمر ﵁ وعطاء والنخعي وسليمان بن ربيعة والليث ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي. وقال الزهري: لا يرد إليه وهو للجيش. ونحوه عن عمرو بن دينار. فأما ما أدركه بعد أن قسم ففيه روايتان:

стр. 6310

إحداهما: أن صاحبه أحق به بالثمن الذي حسب عليه على من أخذه، وكذلك إن بيع ثم قسم ثمنه فهو أحق به بالثمن، وهذا قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي ومالك، إلا أن المحكي عن مالك وأبي حنيفة أن يأخذه بالقيمة، ويروى عن مجاهد مثله. والرواية الثانية: عن أحمد أنه إذا قسم فلا حق له بحال، نصّ عليه في رواية أبي داود وغيره، وهو قول عمر وعلي وسليمان بن ربيعة وعطاء والنخعي والليث. قال أحمد: أما قول من قال: أحق به بالقيمة، فهو قول ضعيف عن مجاهد. وقال الشافعي: يأخذه صاحبه قبل القسمة وبعدها، ويُعْطَى مشتريه ثمنه من خمس المصالح، وهذا قول ابن المنذر. ص: وكان من الحجة لهم في الحديث الأول: أن قول النبي ﵇: "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك" إنما كان قبل أن تملك المرأة الناقة؛ لأنها قالت ذلك وهي في دار الحرب، وكل الناس يقول: إن من أخذ شيئًا من أهل الحرب فلم ينجو به إلى دار الإِسلام أنه غير محرز له وغير مالك، وأن ملكه لا يقطع عليه حتى يخرج به إلى دار الإِسلام، فإذا فعل ذلك فقد غنمه وملكه؛ فلهذا قال النبي ﵇ في شأن المرأة ما قال؛ لأنها نذرت قبل أن تملكها لئن الله نجَّاها عليها لتنحرنها، فقال لها رسول الله ﵇: "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك؛ لأن نذرها ذلك كان منها قبل أن تملكها. فهذا وجه هذا الحديث، وليس فيه دليل على أن المشركين قد كانوا ملكوها على النبي ﵇ بأخذهم إياها منه أم لا؟ ولا على أن أهل الحرب يملكون بما أوجفوا من أموال المسلمين أيضًا أم لا؟ والذي فيه الدليل على ذلك ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبيد الله بن محمد التيمي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة الطائي: "أن رجلاً أصاب له العدو بعيرًا، فاشتراه رجل منهم فجاء به فعرفه صاحبه فخاصمه إلى رسول الله ﵇، فقال: إن شئت أعطيت عنه الذي اشترى به فهو لك، وإلا فهو له".

стр. 6311

حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا حسين بن حفص الأصفهاني، قال: ثنا سفيان الثوري، عن سماك, عن تميم بن طرفة، عن النبي ﵇ نحوه. فهذا هو الذي فيه وجه هذا الحكم في هذا الباب كيف هو. ش: أي، وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية، أشار بهذا إلى الجواب عن حديث عمران بن حصين الذي احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه، وحاصله أنه لا يدل لهم فيما ذهبوا إليه ولا يتم استدلالهم به؛ لأنه ليس فيه دلالة على ما ذكروه، والذي فيه الدليل هو حديث تميم بن طرفة الطائي؛ فإنه صرح فيه بما ذهب إليه أهل المقالة الثانية. وأخرج حديثه من طريقين صحيحين مرسلين: الأول: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني أيضًا، عن عبيد الله بن محمد التيمي المعروف بابن عائشة، شيخ أبي داود، عن حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة الطائي المسلي الكوفي التابعي. وأخرجه ابن حزم (١): من طريق حماد بن سلمة، عن سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة: "أن عثمان ﵁ اشترى بعيرًا من العدو، فعرفه صاحبه فخاصمه إلى النبي ﵇، فقال له النبي ﵇: إن شئت أعطيته الثمن الذي اشتراه به وهو لك، وإلا فهو له". الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن حسين بن حفص بن الفضل الأصهباني، عن سفيان الثوري، عن سماك بن حرب، عن تميم بن طرفة الطائي. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن سماك، عن تميم بن طرفة قال: "أصاب المسلمون ناقة لرجل من المسلمين فاشتراها رجل

стр. 6312

من العدو، فخاصمه صاحبها إلى النبي ﵇ فأقام البينة، فقضى النبي ﵇ أن يدفع إليه الثمن الذي اشتراها به من العدو وإلا خلى بينه وبينها". فإن قيل: قد قال ابن حزم: هذا لا يصلح للحجة؛ لأنه منقطع، وسماك ضعيف يقبل التلقين، شهد به عليه شعبة وغيره. وقال البيهقي أيضًا: هذا مرسل. وقال الشافعي: لا تثبت به حجة. قلت: ترك هؤلاء العمل بالمراسيل ليس بحجة على غيرهم ولا نسلم أن سماكًا ضعيف؛ لأن مسلمًا احتج به في "صحيحه" ووثقه يحيى وأبو حاتم، وإنما قالوا: روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، على أن ياسين الزيات قد روى هذا الحديث عن سماك، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة مسندًا مرفوعًا. ورواه أيضًا إبراهيم بن محمد الهمداني أو الأنباري، عن زياد بن علاقة، عن جابر بن سمرة مسندًا. ص: وقد روي هذا عن جماعة من المتقدمين، فمما روي عنهم في ذلك: ما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا بن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب: "أن عمر بن الخطاب ﵁ قال فيما أحرز المشركون وأصابه المسلمون فعرفه صاحبه، قال: إن أدركه قبل أن يقسم فهو له، وإن جرت فيه السهام فلا شيء له". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أزهر بن سعد السمان، عن ابن عون، عن رجاء بن حيوة: "أن عمر بن الخطاب وأبا عبيدة ﵄ قالا ذلك". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: أنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن زيد بن ثابت ﵁ مثله.

стр. 6313

حدثنا محمد، قال: ثنا يوسف، قال: ثنا ابن المبارك، عن زائدة بن قدامة، عن ليث، عن مجاهد قال: "إذا أصاب المشركون السبي للمسلمين، فأصابه المسلمون، فقدر عليه صاحبه قبل أن يقسم فهو له، وإن قدر عليه بعد القسمة فهو أحق به بالثمن الذي أخذ به". حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، حدثنا محمد بن سليمان الأسدي، حدثنا ابن أبي زائدة، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أن غلامًا لابن عمر أَبِقَ إلى العدو، فظهر المسلمون عليه، فرده النبي ﵇ ولم يكن قسم". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبيد الله بن محمد، قال: أنا حماد، عن أيوب وحبيب وهشام، عن محمد: "أن رجلاً ابتاع جارية من العدو فوطئها فولدت منه، فجاء [صاحبها] (١) فخاصمه إلى شريح، قال: فقال: المسلم أحق من رد على أخيه بالثمن، قال: فإنها قد ولدت منه، فقال: أعتقها؛ قضاء الأمير عمر بن الخطاب ﵁". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبيد الله بن محمد، قال: ثنا حماد، عن الحجاج، عن إبراهيم وعامر. قال: وقال قتادة: عن عمر بن الخطاب ﵁: "أنهم قالوا فيما أصاب المشركون من المسلمين ثم أصاب المسلمون بعد، قالوا: إن جاء صاحبه قبل أن يقسم فهو أحق به". حدثنا أحمد، قال: ثنا عبيد الله، قال: ثنا حماد، عن أيوب، عن نافع: "أن المشركين أصابوا فرسًا لعبد الله بن عمر ﵄، فأصابه المسلمون بعد، فأخذه عبد الله بن عمر قبل أن تقسم المغانم". ولم يذكر نافع ها هنا قبل أن تقسم المغانم، إلا أن الحكم بعدما تقع المقاسم بخلاف ذلك عنده، وكذلك حديث إسحاق بن إبراهيم الذي ذكرناه قبل هذا

стр. 6314

الذي ذكروا فيه: "ولم يكن قسم"، فدل ذلك على أنه لو كان قسم كان الحكم فيه خلاف ذلك عنده. حدثنا أحمد، قال: ثنا عبيد الله، قال: أنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خلاس، أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "من اشترى ما أحرز العدو فهو جائز". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري والحسن قالا: "ما أحرز المشركون فهو فيء المسلمين لا يرد منه شيء". ش: أي قد روي ما ذكرنا -أن أهل الحرب يملكون ما أحرزوه في دارهم من أموال المسلمين، وأن صاحبه إن جاء قبل أن يقسمه المسلمون بعدما ظهروا عليهم لا يأخذه إلا بالقيمة -عن جماعة من الصحابة والتابعين: أما من الصحابة: فعن عمر بن الخطاب وأبي عبيدة وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب ﵄. وأما من التابعين: فعن مجاهد وشريح والشعبي والنخعي والزهري والحسن البصري ﵏. أما ما روي عن عمر ﵁ فأخرجه من طريقين منقطعين، ولكن رجالهما ثقات: الأول: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة بن دعامة، عن رجاء بن حيوة بن جرول الفلسطيني الأردني، عن قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي، عن عمر بن الخطاب ﵁. وقبيصة لم يدرك عمر بن الخطاب. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبدة بن سليمان، عن سعيد، عن قتادة، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب، قال: قال عمر: "ما أحرز

стр. 6315

المشركون من أموال المسلمين فغزوهم بعد وظهروا عليهم، فوجد رجل ماله بعينه قبل أن تقسم السهام فهو أحق به، وإن كان قُسم فلا شيء له". الثاني: فيه عن أبي عبيدة عامر بن الجراح أيضًا: أخرجه عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي، عن أزهر بن سعد السمان الباهلي البصري، عن عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري، عن رجاء بن حيوة. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن عيسى بن يونس، عن ثور، عن ابن عون، عن زهرة بن يزيد المرادي: "أن أمة لرجل من المسلمين أَبِقَت ولحقت بالعدو، فغنمها المسلمون، فعرفها أهلها، فكتب فيها أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب ﵄، فكتب عمر: إن كانت الأمة لم تخمس ولم تقسم فهي ردٌّ على أهلها، وإن كانت قد خمست وقسمت فأمضها لسبيلها". وأما ما روي عن زيد بن ثابت ﵁: فأخرجه عن محمد بن خزيمة، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن عبد الله بن لهيعة -فيه مقال- عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن زيد بن ثابت ﵁. وأخرجه البيهقي (٢): من حديث ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار وعن زيد بن ثابت: "ما أحرز العدو من مال المسلمين فاستنقذ فعرفه أهله قبل أن يقسم رُدّ إليهم، فإن لم يعرفوه حتى يقسم لم يرد إليهم. ثم قال: ابن لهيعة غير حجة، وقد قيل: عن سليمان، عن زيد بن ثابت ﵁. وأما ما روي عن عبد الله بن عمر فأخرجه من وجهين: الأول: عن إسحاق بن إبراهيم بن يونس بن موسى الوراق المنجنيقي

стр. 6316

البغدادي، عن محمد بن سليمان بن حبيب الأسدي المصيصي العلاف -المعروف بلوين- شيخ أبي داود والنسائي، عن يحيى بن أبي زائدة، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁، عن نافع، عن ابن عمر ﵄. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه أبو داود (١): ثنا صالح بن سهيل، قال: ثنا يحيى -يعني ابن أبي زائدة- عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أن غلامًا لابن عمر أبق إلى العدو، فظهر عليه المسلمون، فرده رسول الله ﵇ إلى ابن عمر ولم يقسم". الوجه الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن عبيد الله بن محمد التيمي، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن نافع. . . إلى آخره. وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرج أبو داود (٢): ثنا محمد بن سليمان الأنباري والحسن بن علي -المعنى- قالا: ثنا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: "ذهب فرس له فأخذها العدو، فظهر عليه المسلمون، فرَدَّ عليه في زمن النبي ﵇، وأبق عبد له فلحق بأرض الروم، فظهر عليهم المسلمون فرَدَّه عليه خالد بن الوليد ﵁-يعني بعد النبي ﵇". وأما ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁: فأخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن عبيد الله بن محمد التيمي، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن خِلَاس -بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام- بن عمرو الهجري البصري، عن علي ﵁. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة،

стр. 6317

عن قتادة، عن خلاس، عن علي ﵁ قال: "ما أحرز العدو فهو جائز". وأما ما روي عن مجاهد فأخرجه بإسناد جيد حسن: عن محمد بن خزيمة، عن يوسف بن عدي، عن عبد الله بن المبارك، عن زائدة بن قدامة، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد قال: "ما أصاب المسلمون مما أصابه العدو قبل ذلك، فإن أصابه صاحبه قبل أن يقسم فهو أحق به، وإن قسم فهو أحق به بالثمن". وأما ما روي عن شريح فأخرجه بإسناد صحيح: عن أحمد بن داود المكي، عن عبيد الله بن محمد التيمي العيشي شيخ أبي داود، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني وحبيب المعلم وهشام بن حسان الأزدي، ثلاثتهم عن محمد بن سيرين. . . إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين: "أن أمة أحرزها العدو فاشتراها رجل، فخاصمه سيدها إلى شريح فقال: المسلم أحق من رَدَّ على أخيه بالثمن، فقال: إنها ولدت من سيدها؟ قال: أعتقها؛ قضاء الأمير". وأما ما روي عن عامر الشعبي وإبراهيم النخعي: فأخرجه عن أحد بن داود المكي، عن عبيد الله بن محمد التيمي، عن حماد بن سلمة، عن الحجاج بن أرطاة، عن إبراهيم النخعي وعامر بن شراحيل الشعبي. . . إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة (٣): ثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن الحكم، عن

стр. 6318

إبراهيم قال: "ما ظهر عليه المشركون من متاع المسلمين ثم ظهر عليه المسلمون، إن قسم فهو أحق به بالثمن، وإن كان لم يقسم رُدَّ عليه". قوله: "قال: وقال قتادة: عن عمر ﵁" أي قال الحجاج: وقال أيضًا قتادة: عن عمر بن الخطاب ﵁. وأما ما روي عن محمد بن مسلم الزهري والحسن البصري فأخرجه بإسناد صحيح: عن محمد بن خزيمة، عن يوسف بن عدي شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر بن راشد، عن محمد بن مسلم الزهري والحسن البصري. وأخرجه ابن حزم (١): من طريق معمر، عن الزهري: "ما أحرزه المشركون ثم أصابه المسلمون فهو لهم ما لم يكن حرًّا أو معاهدًا". وعن معمر، عن رجل، عن الحسن، مثل هذا، والله أعلم. ص: فكل هؤلاء الذين روينا عنهم هذه الآثار قد أثبتوا ملك المشركين لما أحرزوا من أموال المسلمين، وإنما اختلافهم فيما بعد ذلك، فقال الحسن والزهري: إن أحرز المشركون من أموال المسلمين، ثم قدر المسلمون عليه بعد ذلك، فلا سبيل لصاحبه عليه. وقد خالفهما في ذلك شريح ومجاهد وإبراهيم وعامر ومن تقدمهم من أصحاب النبي ﵇: عمر وعلي وأبو عبيدة وابن عمر وزيد بن ثابت، وشدَّ ما قالوا من ذلك: ما قد روينا عن النبي ﵇ في حديث تميم بن طرفة فذلك أولى ما ذهبنا إليه، وإن كان النظر مخالفًا لما ذهب إليه الفريقان جميعًا؛ وذلك أنا رأينا المسلمين يسبون أهل الحرب وأموالهم فيملكون أموالهم كما يملكون رقابهم، وكان المشركون إذا أسروا المسلمين لم يملكوا رقابهم، فالنظر على ذلك أن لا يملكوا أموالهم، فيكون حكم

стр. 6319

أموال المسلمين كحكم رقابهم، كما كان حكم أموال المشركين حكم رقابهم، ولكنا منعنا من ذلك لما حكم به رسول الله ﵇، ولما حكم به المسلمون من بعده، فلما ثبت ما حكموا به من ذلك، فنظرنا إلى ما اختلفوا فيه من حكم ما قدر عليه المسلمون من ذلك وأخذوا من أيدي المشركين فجاء صاحبه بعدما قسم هل له أن يأخذه بالقيمة كما قال بعض من روينا عنه في هذا الباب أيضًا؟ فنظرنا في ذلك فرأينا النبي ﵇ قد حكم في مشتري البعير من أهل الحرب أن لصاحبه أن يأخد منه بالثمن، وكان ذلك البعير قد ملكه المشتري من الحربيين كما يملك الذي يقع في سهمه من الغنيمة ما يقع في سهمه منها. فالنظر على ذلك أن يكون الإِمام إذا قسم الغنيمة فوقع شيء منها في يد رجل وكان أسر ذلك من يد آخر، أن يكون المأسور من يده كذلك، وأن يكون له أخذ ما كان أسر من يد الذي وقع في سهمه بقيمته كما يأخذه من يد مشتريه الذي ذكرنا بثمنه. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: ملخص هذا: أن في كل ما روي عن الصحابة والتابعين من الآثار المذكور إشارة إلى أن المشركين إذا استولوا على أموال المسلمين وأحرزوها بدارهم أنهم يملكونها، وهذا ما لا خلاف فيه بينهم، ولكن اختلافهم فيما بعد ذلك، فذهب الحسن البصري ومحمد بن مسلم الزهري: أن المسلمين إذا قدروا على أموالهم بعد ذلك فلا سبيل لهم فيها، وخالفهما في ذلك بقية من ذكر من التابعين كشريح القاضي ومجاهد والنخعي والشعبي؛ فإنهم قالوا: أصحابها أحق بها قبل القسمة مجانًا وبعدها بأثمانها، وهو الذي ذهب إليه عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبو عبيدة بن الجراح وعبد الله بن عمر ﵄ كما قد ذكرناه مستقصى. فيكون الذهاب إلى ما قال هؤلاء أول مما ذهب إليه الحسن والزهري، ولا سيما وقد تأكد وتشيَّد ما قال هؤلاء بما رواه تميم بن طرفة الطائي عن النبي ﵇, ومع

стр. 6320

ذلك هذا كله وجه النظر والقياس يخالف ما ذهب إليه هاذان الفريقان -يعني أهل المقالة الأولى وأهل المقالة الثانية- وهو معنى قوله: وإن كان وجه النظر مخالفًا لما ذهب إليه الفريقان. وقد بيَّن ذلك الطحاوي بقوله: "وذلك أنا رأينا. . ." إلى آخره، وهو ظاهر. قوله: "ولكنا منعنا من ذلك. . ." إلى آخره. إشارة إلى بيان وجه ترك العمل بوجه النظر في هذا الباب، وبيان اتباع الأثر المروي عن النبي ﵇ ومن بعده من الصحابة والتابعين في ذلك، والله أعلم بالصواب. ***

стр. 6321

ص: باب: ميراث المرتد لمن هو ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم ميراث المرتد كيف يورث عنه؟ ومن يرثه؟ ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﵇ قال: "لا يرث الكافر المسلم ولا يرث المسلم الكافر". حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب. . . فذكر بإسناده مثله. حدثنا يونس، قال: أخبرني ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، عن النبي ﵇ قال: "لا يرث المسلم الكافر". ش: هذه ثلاث طرق صحاح، ورجالها كلهم رجال الصحيح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن عمرو بن عثمان بن عفان، عن أسامة بن زيد. وأخرجه مسلم في "الفرائض" (١): ثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق ابن إبراهيم -واللفظ ليحيى، قال يحيى: أنا، وقال الآخران: ثنا- ابن عيينة، عن الزهري. . . إلى آخره نحوه. وأخرجه بقية الجماعة (٢).

стр. 6322

الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب المصري، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب الزهري. . . إلى آخره. وأخرجه البخاري في "الحج" (١): عن أصبغ، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري. . . إلى آخره بأتم منه. الثالث: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن الزهري. . . إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطئه" (٢)، والنسائي (٣): عن أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال، عن ابن المبارك، عن مالك، عن الزهري. وعن (٤) أحمد بن سليمان، عن معاوية بن هشام، عن مالك، عن الزهري. وعن (٥) محمد بن سلمة، عن ابن القاسم، عن مالك. وعن (٦) أحمد بن سليمان، عن زيد بن الحباب، عن مالك. ثم اعلم أن لفظ مالك في "الموطأ" (٧): عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين، عن عمر بن عثمان، عن أسامة بن زيد، أن رسول الله ﵇ قال: "لا يرث المسلم الكافر". قال أبو عمر: هكذا قال مالك: عمر بن عثمان. وسائر أصحاب ابن شهاب يقولون: عمرو بن عثمان. وروى ابن بكير هذا الحديث عن مالك على الشك في عمرو بن عثمان أو عمر بن عثمان، والثابت عن مالك: عمر بن عثمان، وأما أهل

стр. 6323

النسب فلا يختلفون أن لعثمان ابنًا يسمى عُمر وابنًا يسمى عَمرًا , وله أيضًا أبان والوليد وسعيد، كلهم بنو عثمان بن عفان، وقد روي الحديث عن عمر وعمرو وأبان، وقال النسائي: والصواب في حديث مالك: عمر، ولا نعلم أحدًا تابع مالكًا على قوله: عمر. وقال أبو عمر: أما زيادة من زاد في هذا الحديث: "ولا الكافر المسلم" فلا مدخل للقول في ذلك؛ لأنه إجماع المسلمين كافة عن كافة أن الكافر لا يرث المسلم، وهي الحجة القاطعة الدافعة للشبهة، وأما اقتصار مالك على قوله: "لا يرث المسلم الكافر" فهذا موضع اختلف فيه السلف، فكأن مالكًا قصد النكتة التي للقول فيها مدخل. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى أن المرتد إذا قتل على رِدَّته أو مات عليها كان ماله لبيت مال المسلمين، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: ابن أبي ليلى وربيعة والشافعي ومالكًا وأحمد؛ فإنهم قالوا: المرتد إذا قتُل على رِدَّته أو مات عليها؛ فماله لبيت مال المسلمين. واعلم أن ها هنا مذاهب: الأول: أنا ماله لورثته من المسلمين، وسيجيء بيان هذا مستقصى. الثاني: إن كان له وارث على دينه فهو أحق به، وإلا فلورثته من المسلمين، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز ﵁. الثالث: ماله ساعة يرتد لجميع المسلمين؛ قتل أو مات أو لحق بأرض الحرب أو راجع الإِسلام كل ذلك سواء، وإليه ذهب بعض أصحاب مالك، ذكر ذلك عنه ابن شعبان وأشهب. الرابع: إن راجع الإِسلام فماله له، وإن قتل فماله لورثته من الكفار، وإليه ذهب أبو سليمان والظاهرية. الخامس: مذهب الشافعي ومن تبعه، وقد ذكرناه.

стр. 6324

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ميراثه لورثته من المسلمين. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سفيان الثوري والليث بن سعد وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وإسحاق، فإنهم قالوا: ميراث المرتد لورثته من المسلمين، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود. وقال الأوزاعي: إن قتل في أرض الإِسلام فماله لورثته من المسلمين. وقال أبو عمر: إجماع المسلمين كافة: أن الكافر لا يرث المسلم. واختلفوا في المسلم هل يرث الكافر؟ فذهب جماعة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار وكل من تكلم في الفقه من أهل الحديث: أن المسلم لا يرث الكافر، واحتجوا على ذلك بالحديث المذكور، إلا أنهم اختلفوا في معنى هذا الحديث في ميراث المرتد على ما ذكرنا، واختلفوا أيضًا في توريث اليهودي من النصراني ومن المجوسي على قولين: فقالت طائفة: الكفر كله ملة واحدة وجائز أن يرث الكافر الكافر كان على شريعته أو لم يكن، وممن قال بهذا القول: الثوري وأبو حنيفة والشافعي وابن شبرمة وأكثر الكوفيين، وهو قول إبراهيم. وقال مالك وأصحابه: الإِسلام ملة واحدة واليهودية والنصرانية ملة، لا يجوز أن يرث اليهودي النصراني ولا النصراني اليهودي، ولا المجوسي منهما؛ لقوله ﵇: "لا يتوارث أهل ملتين" (١)، وبه قال فقهاء البصرة وطائفة من أهل الحديث، وهو قول ابن شهاب وربيعة والحسن وشريك ورواية عن الثوري، قالوا: الكفر ملل مفترقة، لا يرث أهل ملة أهل ملة أخرى وتأول أهل القول الأول قوله ﵇: "لا يتوارث أهل ملتين" فقالوا: الكفر كله ملة، والإِسلام ملة.

стр. 6325

وقال شريح وابن أبي ليلى: الكفر ثلاث ملل: فاليهودية ملة، والنصرانية ملة، وسائر ملل الكفر من المجوس وغيرهم ملة واحدة؛ لأنهم لا كتاب لهم. وقال أبو عمر: إن توفي النصراني الذمي وترك اثنين أحدهما حربي والآخر ذمي، فإن الشافعي قال: المال بينهما نصفان، وكذلك لو كان الميت حربيًّا. وقال أبو حنيفة وأصحابه وبعض أصحاب مالك: إن كان ذميًّا ورثه الذمي دون الحربي، وإن كان حربيًّا ورثه الحربي دون الذمي. ص: وكان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى أن ذلك الكافر الذي عناه النبي ﵇ في هذا الحديث لم يبيَّن لنا فيه أي كافر هو؟ فقد يجوز أن يكون هو الكافر الذي له ملة، ويجوز أن يكون هو الكافر كل كفر ما كان ملة أو غير ملة، فلما احتمل ذلك لم يجز أن يصرف إلى أحد المعنيين دون الآخر إلا بدليل يدل على ذلك. فنظرنا في ذلك فإذا ربيع المؤذن قد حدثنا، قال: ثنا أسد بن موسى، ثنا هشيم، عن الزهري، قال: ثنا علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد، قال: قال النبي ﵇: "لا يتوارث أهل الملتين، لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم". فلمَّا جاء هذا عن رسول الله ﵇ بما ذكرنا علمنا أنه أراد الكافر ذا الملة، فلما رأينا الرِّدَّة ليست بملة، ورأيناهم مجمعين أن المرتدين لا يرث بعضهم بعضًا؛ لأن الرِّدَّة ليست بملة؛ ثبت أن حكم ميراثهم حكم ميراث المسلمين. ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية على أهل المقالة الأولى: أن ذلك الكافر الذي عناه -أي قصده- النبي ﵇ في الحديث المذكور. . . إلى آخره. أراد أن لفظ "الكافر" في قوله: "لا يرث المسلم الكافر" لفظ مُجمل لم يبيّن منه المراد أي كافر هو؟ فقد يجوز أن يكون المراد منه أي كافر كان ممن كانت لهم ملة أو لم تكن، ويجوز أن يكون الكافر الذي له ملة.

стр. 6326

فإذا كان محتملًا للمعنيين لم يجز أن يصرف إلى أحد المعنيين إلا بدليل يدل عليه، فنظرنا في ذلك فوجدنا رواية أخرى عن أسامة بن زيد تدل على أن المراد من الكافر هو الذي له ملة، فإذا كان كذلك، والردة ليست بملة؛ كان حكم ميراث المرتدين كحكم ميراث المسلمين. ثم إسناد الحديث المذكور صحيح، وهشيم هو ابن بشير. وأخرجه النسائي (١): عن علي بن حجر، عن هشيم، عن الزهري، عن علي، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد نحوه. ص: فإن قال قائل: فأنت لا تورثهم من المسلمين، فكذلك لا تورث المسلمين منهم. قيل له: ما في هذا دليل على ما ذكرت؛ لأنَّا قد رأينا من يمنع الميراث بفعل كان منه ولا يمنع ذلك الفعل أن يورث، من ذلك: أنا رأينا القاتل لا يرث من قتله، ورأيناه لو جرح جراحةً ثم مات الجارح ثم مات المجروح من الجراحة والجارح أبو المجروح أنه يرثه، فقد صار المقتول يرث من قتله ولا يرث القاتل ممن قتل؛ لأن القاتل عوقب بقتله بمنع الميراث ممن قتل، ولم يمنع المقتول من الميراث ممن جرحه الجراحة التي قتلته إذا كان لم يفعل شيئًا، فكذلك المرتد منع من ميراث غيره عقوبة لما أتى، ولم يمنع غيره من الميراث منه إذا لم يكن منه ما يعاقب عليه، فثبت بذلك قول من يورث من المرتد ورثته من المسلمين. ش: تقرير السؤال أن يقال: إن المرتدون لا يرثون من المسلمين بلا نزاع؛ لأجل الارتداد المانع من الإرث، فكان ينبغي أن لا يرث المسلمون المرتدين أيضًا لوجود العلة المانعة من الإرث. وتقرير الجواب: منع صحة القياس -أعني قياس عدم توريث المسلمين من

стр. 6327

المرتدين على عدم توريث المرتدين من المسلمين- والدليل على ذلك قوله: من ذلك أنا رأينا القاتل. . . إلى آخره. وهو ظاهر يُعلم بالتأمل. ص: وقد روي ذلك عن جماعة من المتقدمين أيضًا: حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، قال: أنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي عمرو السيباني، عن علي ﵁: "أنه جعل ميراث المستورد لورثته من المسلمين". حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا شريك، عن سماك، عن ابن عبيد بن الأبرص: "أن عليًّا ﵁ قال للمستورد: على دين من أنت؟ قال: على دين عيسى. قال علي ﵁: وأنا على دين عيسى، فمن ربك؟ فزعم القوم أنه قال: إنه ربه، فقال: اقتلوه، ولم يعرض لماله". حدثنا فهد، قال: ثنا محمد -يعني ابن سعيد- قال: ثنا محمد بن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "إذا مات المرتد ورثه ولده". حدثنا علي بن زيد الفرائضي، قال: ثنا عبدة بن سليمان، قال: أنا ابن المبارك، قال: ثنا شعبة، عن الحكم بن عتيبة، أن ابن مسعود قال: "ميراثه لورثته من المسلمين". حدثنا فهد، ثنا محمد بن سعيد، أنا شريك، عن موسى بن أبي كثير قال: "سألت سعيد بن المسيب عن ميراث المرتد فقال: هو لأهله". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن أبي كثير قال: "سألت سعيد بن المسيب قال: نرثهم ولا يرثونا". حدثنا علي بن زيد، قال: ثنا عبدة، قال: أنا ابن المبارك، قال: أنا شعبة وسفيان، عن موسى بن أبي كثير، عن سعيد بن المسيب، مثله.

стр. 6328

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن موسى بن الصباح -وقال مرة: عن أبي الصباح- عن سعيد بن المسيب، مثله. حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا معاذ بن معاذ، عن أشعث، عن الحسن "في المرتد يلحق بدار الحرب، قال: ماله بين ولده من المسلمين على كتاب الله". حدثنا علي بن زيد، قال: ثنا عبدة، قال: أنا ابن المبارك، قال: أنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، أن الحسن قال: "ميراثه لوارثه من المسلمين إذا ارتدَّ عن الإِسلام". فهؤلاء الذين ذكرنا قد جعلوا ميراث المرتد لورثته من المسلمين وشدَّ ذلك من قولهم ما قد وصفته في هذا الباب مما يوجبه النظر. ش: أي: قد روي توريث المسلمين من المرتدين عن جماعة من الصحابة والتابعين، فمن الصحابة: عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود. ومن التابعين: عن سعيد بن المسيب والحسن البصري. أما ما روي عن علي ﵁ فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم، عن سليمان الأعمش، عن أبي عمرو زرعة السيباني -بفتح السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف، بعدها باء موحدة- نسبة إلى سيبان بن الغوث بن سعد بن عوف، وثقه ابن حبان وقال: هو من أهل الرملة. وقال غيره: هو شامي حمصي. وهو عمّ عبد الرحمن الأوزاعي. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث ابن عيينة، ثنا سليمان، عن أبي عمرو السيباني: "أن عليًّا ﵁ أتي بالمستورد العجلي فقتله، وجعل ميراثه لأهله من المسلمين، فأعطاه النصارى بجيفته ثلاثين ألفًا، فأبى أن يبيعهم إياه وأحرقه".

стр. 6329

وأخرجه أيضًا (١): من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن السيباني، عن علي: "أنه أتي بمستورد وقد ارتدَّ، فعرض عليه الإِسلام فأبى، فقتله وجعل ميراثه بين ورثته من المسلمين". وقال البيهقي: قال الشافعي: ويزعم بعض أهل الحديث أنه غلط، يعني آخر الخبر. وروي عن أحمد بن حنبل أنه ضعف الحديث الذي روي عن علي ﵁ "أن ميراث المرتدّ لورثته من المسلمين". وقال البيهقي: وقد رويت القصة عن علي وليس فيها هذه اللفظة. قلت: قد صحح ابن حزم ذلك عن علي ﵁، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢) وعبد الرزاق (٣) في "مصنفيهما". وأبو عمر السيباني أدرك زمان النبي ﷺ ، فروايته عن علي ﵁ محمولة على الاتصال. الثاني: عن فهد بن سليمان أيضًا، عن محمد بن سعيد الأصبهاني، عن شريك بن عبد الله، عن سماك بن حرب، عن ابن عبيد بن الأبرص وهو دثار -بالثاء المثلثة- ابن عبيد بن الأبرص الأسدي، وثقه ابن حبان. عن علي ﵁. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٤): من حديث شريك، عن سماك، عن ابن عبيد بن الأبرص قال: "كنت عند علي ﵁ جالسًا حين أتي برجل من بني عجل يقال له: المستورد، كان مسلمًا فتنصر، فقال له علي: ما ذاك؟ قال: وجدت دينهم

стр. 6330

خيرًا من دينكم، قال: وما دينك؟ قال: دين عيسى، قال: علي ﵁: وأنا على دين عيسى، ولكن ما تقول في عيسى؟ فقال كلمة خفيت علي لم أفهمها، فزعم القوم أنه قال: إنه ربه، فقال علي ﵁: أقتلوه, فتوطأه القوم حتى مات، قال: فجاء أهل الحيرة فأعطوا -يعني بجيفته- اثني عشر ألفًا فأبى عليهم علي ﵁، وأمر بها فأحرقت بالنار، ولم يعرض لماله". ورواه أيضًا الشعبي وعبد الملك بن عمير، عن علي ﵁ دون ذكر المال. وأما ما روى عن عبد الله بن مسعود: فأخرجه أيضًا من طريقين: الأول: عن فهد، عن محمد بن سعيد الأصبهاني، عن محمد بن فضيل بن غزوان الضبي الكوفي، عن الوليد بن عبد الله بن جميع الزهري الكوفي، عن القاسم بن عبد الرحمن الشامي الدمشقي، عن عبد الله بن مسعود. وهؤلاء كلهم ثقات. وقال أبو حاتم: رواية القاسم بن عبد الرحمن عن ابن مسعود وعلي وعائشة مرسلة، ويقال: لم يسمع من أحد من الصحابة سوى أبي إمامة. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله أنه قال: "إذا ارتدَّ المرتد ورثه ولده". الثاني: عن علي بن زيد الفرائضي، عن عبدة بن سليمان الكلابي، عن عبد الله بن المبارك، عن شعبة بن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة، عن ابن مسعود. وهذا منقطع. وأما ما روي عن سعيد بن المسيب: فأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: عن فهد، عن محمد بن سعيد الأصبهاني، عن شريك بن عبد الله، عن موسى بن أبي كثير الأنصاري أبي الصباح الكوفي، عن سعيد بن المسيب.

стр. 6331

وأخرجه ابن أبي شيبة (١): نا وكيع، نا مسعر، عن أبي الصباح موسى بن أبي كثير قال: "سمعت سعيد بن المسيب يقول: المرتدون نرثهم ولا يرثوننا". الثاني: عن فهد أيضًا، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن موسى بن أبي كثير. وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا (٢): ثنا وكيع، عن سفيان، عن موسى بن أبي كثير قال: "سألت سعيد بن المسيب عن ميراث المرتد هل يوصل؟ قال: وما يوصل؟ قلت: يرثه بنوه، قال: نرثهم ولا يرثونا". الثالث: عن علي بن زيد الفرائضي، عن عبدة بن سليمان، عن عبد الله بن المبارك، عن شعبة وسفيان كلاهما، عن موسى بن أبي كثير. الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن موسى بن الصباح -وقال مرةً: عن أبي الصباح. وأما ما روي عن الحسن البصري: فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن معاذ بن معاذ بن نصر العنبري قاضي البصرة، عن أشعث بن عبد الملك، عن الحسن. الثاني: عن علي بن زيد الفرائضي، عن عبدة بن سليمان الكلابي، عن عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا علي بن مسهر، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن قال: "يُقتل، وميراثه لورثته من المسلمين". ص: وفي ذلك حجة أخرى من طريق النظر أيضًا، وهي أنَّا قد رأيناهم قد أجمعوا أن المرتد قبل رِدَّته محظورٌ دمه وماله، ثم إذا ارتدَّ فكلٌّ قد أجمع أن الحظر المتقدم قد

стр. 6332

ارتفع عن دمه وصار دمه مباحًا، وماله محظور في حال الردة بالحظر المتقدم، وقد رأينا الحربيين حكم دمائهم وأموالهم سواء قتلوا أو لم يقتلوا، فلم يكن الذي يحل به أموالهم هو القتل، بل كان الكفر، وكان المرتد لا يحل ماله بكفره، فلما ثبت أن ماله لا يحل بكفره؛ ثبت أنه لا يحل بقتله. وقد رأينا أموال الحربيين تحل بالغنائم فتملك بها، ورأينا ما هو من أموالهم في دارنا ملكناه عليهم وغنمناه بالدار وإن لم نقتلهم، فلمَّا كان مال المرتد غير مغنوم بِرِدته؛ كان في النظر أيضًا غير مغنوم بسفك دمه. فلما ثبت أن ماله لا يدخل في حكم الغنائم لم يخل من أحد وجهين: إما أن يرثه ورثته الذين يرثونه لو مات على الإِسلام، أو يصير للمسلمين، فإن صار لورثته من المسلمين فهو ما قلنا، وإن صار لجميع المسلمين فقد ورث المسلمون مرتدًّا. فلما كان المرتد في حال ما يرثه المسلمون ولم يخرج بِرِدَّته من ذلك، كان الذين يرثونه هم ورثته الذين كانوا يرثونه لو مات على الإِسلام لا غيرهم. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي: وفي توريث المسلمين عن المرتد برهان آخر من طريق النظر والقياس، بيانه: أن المرتد قبل الرِّدة محظور الدم والمال بالإجماع، فإذا ارتد ارتفع الحظر عن دمه بالإجماع، ولكن ماله على ذلك الحظر المتقدم، فإذا لم يحل ماله بكفره لا يحل بقتله، بخلاف الحربي فإن حكم دمه وماله سواء؛ قتل أو لم يقتل، فإذا لم يحل ماله بقتله لا يدخل في حكم الغنائم، فإذا لم يدخل في ذلك لا يخلو إما أن يرثه ورثته المسلمون، أو يصير فيئًا للمسلمين: فإن كان الأول فقد ثبت ما قلنا من أن مال المرتد لورثته المسلمين. وإن كان الثاني فقد ورث المسلمون مرتدًّا، فلما كان المرتد في حال ما يرثه المسلمون ولم يخرج بِرِدَّته من ذلك؛ كان الذين يرثونه هم ورثته الذين كانوا يرثونه لو مات هو على الإِسلام لا غيرهم.

стр. 6333

وهذا هو وجه النظر والقياس، وهو قول أصحابنا ﵏. ص: وإنما زال ملك المرتد باللحوق بدار الحرب لخروجه من دارنا إلى دار الحرب على طريق الاستخفاف مع كونه مقاتلًا لنا مباح الدم في دارنا، بدليل الحربي يدخل إلينا بغير أمان ثم يعود إلى دار الحرب؛ أن أملاكه ها هنا تزول لهذا المعنى. ش: هذا جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: إنكم قلتم: إن بالارتداد لا يزول الحظر المتقدم عن مال المرتد بخلاف دمه، حتى لا يزول ملكه عن ماله بناءً على ذلك، فكيف تقولون: إنه إذا لحق بدار الحرب يزول ملكه؟ وأجاب عن ذلك بقوله: وإنما زال ملك المرتد. . . إلى آخره، وهو ظاهر. ص: فإن قيل: المستأمن إلينا إذا عاد إلى داره وخلف مالاً ها هنا لم يزل عنه ملكه مع وجود هذا المعنى. قيل له: لم يخرج مستخفًّا؛ لأنه في أماننا إلا أن يدخل في دار الحرب، والله أعلم. ش: هذا السؤال وارد على الجواب المذكور، تقريره أن يقال: إنكم قلتم: إن ملك المرتد يزول بلحاقه بدار الحرب؛ لخروجه من دارنا إلى دارهم على طريق الاستخفاف، ولم تقولوا كذلك في المستأمن إذا عاد إلى دار الحرب وخلف مالاً في دار الإِسلام، بل تقولون: إن ملكه لا يزول. قوله: "مع وجود هذا المعنى" وهو اللحاق بدار الحرب. وتقرير الجواب أن يقال: إن الحربي لم يخرج إلى دار الحرب على طريق الاستخفاف؛ لأنها داره، وهو في أمان المسلمين إلى أن يدخل داره، بخلاف المرتد؛ فإن دار الحرب ليست داره وإنما خرج إليها على طريق الاستخفاف بدين الإِسلام والمسلمين، فحكمنا عند ذلك بزوال ملكه؛ لارتفاع عصمته وعقوبة عليه، فافهم، والله أعلم. ***

стр. 6334

ص: باب: إحياء الأرض الميتة ش: أي هذا باب في بيان حكم إحياء الأرض الميتة، وهي الأرض الموات، وهي الأرض التي لم تزرع ولم تعمر ولا جرى عليها ملك أحد، وإحياؤها: مباشرة عمارتها وتأثير شيء فيها. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا محمد بن بشر، قال: ثنا سعيد، قال: ثنا قتادة، عن سليمان اليشكري، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحاط حائطًا على أرض فهي له". ش: إسناده صحيح. وأبو بكر اسمه عبد الله بن محمد بن أبي شيبة صاحب "المسند" و"المصنف"، وشيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه. ومحمد بن بشر بن بشير الأسلمي، وثقه ابن حبان. وسعيد هو ابن أبي عروبة، أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له الجماعة. وسليمان هو ابن قيس اليشكري البصري، وثقه أبو زرعة والنسائي، وروى له الترمذي وابن ماجه. والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا محمد بن بشر، ثنا سعيد بن أبي عروبة، ثنا قتادة، عن سليمان بن قيس اليشكري، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "من أحاط حائطًا على أرض فهي له". وقال البخاري: يقال: إن سليمان بن قيس مات في حياة جابر ﵁ ولم يسمع منه قتادة ولا أبو بشر، ولا يعرف لأحد منهم سماعًا إلا أن يكون عمرو بن دينار سمع منه في حياة جابر بن عبد الله.

стр. 6335

وقال أبو حاتم: جالس سليمان بن قيس جابرًا وسمع منه وكتب عنه صحيفة، وتوفي وبقيت الصحيفة عند امرأته. وروى أبو الزبير وأبو سفيان والشعبي عن جابر، وهم قد سمعوا من جابر وأكثره من الصحيفة، وكذلك قتادة. قوله: "من أحاط" أي من جعل حائطًا أي جدارًا على أرض، وأصل حائط من قولهم: حاطَهُ يَحُوطهُ حَوْطًا وحيطة وحياطة: أي كلأه ورعاه، والحائط: الجدار، ويسمى البستان أيضًا من النخيل إذا كان عليه حائط. ويستفاد منه: أن من بني حائطًا على أرض موات، أو حَجَّر عليها فإنه يملكه بالاتفاق، ولكن هل يشترط فيه إذن الإِمام أم لا؟ فيه خلاف سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، قال: ثنا كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحيى أرضًا مواتًا فهي له، وليس لعرق ظالم حق". ش: عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ البخاري وأبي داود. وكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني المدني، قال أحمد: منكر الحديث ليس بشيء. وقال عبد الله بن أحمد: ضرب أبي على حديث كثير بن عبد الله في "المسند" ولم يحدث عنه شيئًا. وقال يحيى بن معين: لجده صحبة، وكثير ضعيف الحديث. وعنه: ليس بشيء. وعن أبي داود: كان أحد الكذابين. وقال النسائي والدارقطني: متروك، روى له أبو داود والترمذي والنسائي. وأبوه عبد الله بن عمرو: وثقه ابن حبان، وروى له هؤلاء. وجده عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة المزني المدني الصحابي ﵁.

стр. 6336

وأخرجه الطبراني (١): ثنا محمد بن علي الصائغ، ثنا القعنبي، ثنا كثير بن عبد الله. وثنا علي بن المبارك الصنعاني، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇ قال: "من أحيى مواتًا من الأرض في غير حق مسلم فهو له، وليس لعرق ظالم حق". قوله: "أرضًا مواتًا" بفتح الميم، قد مرَّ تفسيره. قوله: "وليس لعرق ظالم حق" هو أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها رجل قبله فيغرس فيها غرسًا غصبًا؛ ليستوجب به الأرض. والرواية: "لعرقٍ" بالتنوين، وهو على حذف المضاف، أي لذي عرق ظالم فجعل العرق نفسه ظالمًا والحق لصاحبه، أو يكون الظالم من صفة صاحب العرق، وإن روي "عرقِ" بالإِضافة فيكون الظالم صاحب العرق، والحق العرق، وهو أحد عروق الشجرة. ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله ﵇: "من أحاط على شيء فهو له". ش: إسناده صحيح، ولكن قيل: إن سماع الحسن عن سمرة لم يصح إلا في حديث العقيقة، وقد ذكرنا في الكتاب غير مرة أنه سمع من سمرة أحاديث كثيرة. قاله البخاري وغيره. وأخرجه أبو داود (٢): حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، ثنا محمد بن بشر العبدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁، قال: قال رسول الله ﵇: "من أحاط حائطًا على أرض فهي له".

стр. 6337

ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب ذاهبون إلى أن من أحيى أرضًا ميتةً فهي له؛ أذن له الإِمام في ذلك أو لم يأذن، أو جعلها له الإِمام أو لم يجعلها له، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. وممن ذهب إلى ذلك: أبو يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهما الله-، وقالوا: لما قال رسول الله ﷺ : "من أحيى أرضًا ميتةً فهي له" فقد جعل حكم إحياء ذلك إلى من أحب بلا أمر، وقالوا: قد دلَّت على هذه أيضًا شواهد النظر، ألا ترى أن الماء الذي في البحار والأنهار من أخذ منه مَلَكَهُ بأخذه إياه وإن لم يأمر، الإِمام بأخذه ويجعله له، وكذلك الصيد من صاده فهو له، ولا يحتاج في ذلك إلى إباحة من الإِمام ولا إلى تمليك، والإِمام في ذلك وسائر الناس سواء. قالوا: فكذلك الأرض الميتة التي لا ملك لأحد عليها فهي كالطير الذي ليس بمملوك وكالماء الذي ليس بمملوك، فمن أخذ من ذلك شيئًا فهو له بأخذه إياه، ولا يحتاج في ذلك إلى أمر الإِمام ولا إلى تمليكه كما لا يحتاج إلى ذلك منه في الماء والصيد اللذين ذكرنا. ش: أراد بهؤلاء الذاهبين: عبيد الله بن الحسن والشافعي وأحمد وأبا ثور والظاهرية؛ فإنهم قالوا: من أحيى أرض ميتة فهي له، ولا يشترط فيه إذن الإِمام. وبه قال: أبو يوسف ومحمد. وقال ابن حزم (١): كل أرض لا مالك لها ولا يعرف أنها عُمرت في الإِسلام فهي لمن سبق إليها، سواء بإذن الإِمام فعل ذلك أو بغير إذنه، لا إذن في ذلك للإِمام ولا للأمير، ولو أنه بين الدورفي الأمصار، ولا لأحد أن يحمي شيئًا من الأرض عمن سبق إليها بعد رسول الله ﵇، فلو أن الإِمام أقطع إنسانًا شيئًا لم يصر له ذلك ولم يكن له أن يحميه ممن سبق إليه، فإن كان إحياؤه لذلك مضرًّا لأهل القرية ضررًا ظاهرًا لم يكن لأحد أن ينفرد لا بإقطاع الإِمام ولا بغيره، كالملح الظاهر والماء الظاهر والمراح ورحبة السوق والطريق والمصلى ونحو ذلك.

стр. 6338

قوله: "وقالوا. . ." إلى آخره. أي قال هؤلاء الذاهبون، وأراد به بيان وجه جواز إحياء الأرض الميتة بلا إذن الإِمام، وهو ظاهر. وقال الخطابي: إحياء الموات إنما يكون بحفره وتحجيره وبإجراء الماء إليها ونحوها من وجوه العمارة، فمن فعل ذلك فقد ملك به الأرض، سواء كان بإذن الإِمام أو يغير إذنه؛ وذلك لأن قوله: "من أحيى أرضًا" كلمة شرط وجزاء فهو غير مقصور على عين دون عين ولا على زمان دون آخر، وإلى هذا ذهب الأكثر. ص: وخالفهم في ذلك آخرون؛ منهم أبو حنيفة، فقالوا: لا تكون الأرض للذي يحييها إلا بأمر الإِمام له في ذلك وجعلها له، وقالوا: ليس ما روي عن رسول الله ﷺ مما ذكرنا في هذا الباب يدافع ما قلنا؛ لأن ذلك الإحياء الذي جعل به رسول الله ﵇ الأرض التى أحياها في هذا الحديث لم يفسر لنا ما هو، فقد يجوز أن يكون هو ما فعل من ذلك بأمر الإِمام، فيكون قوله: "من أحيى أرضًا ميتة فهي له" أي من أحياها على شرائط الإحياء فهي له، ومن شرائطه تحظيرها وإذن الإمام له فيها وتمليكه إياها، فقد يجوز أن يكون هذا هو معنى هذا الحديث، ويجوز أن يكون على ما تأوَّله أبو يوسف ومحمد إلا أنه لا يجوز أن يقطع على رسول الله ﵇ بالقول أنه أراد معنى إلا بالتوقيف منه أو بإجماعٍ ممن بعده أنه أراد ذلك المعنى. فنظرنا إذْ لم نجد في هذا الحديث حجة لأحد الفريقين في غيره من الأحاديث، هل فيها ما يدل على شيء من ذلك؟ فإذا يونس قد حدثنا، قال: أنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن الصعب ابن جثامة، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لا حمى إلا لله ولرسوله". حدثنا يزيد وابن أبي داود، قالا: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة: "أن رسول الله ﵇ حرم النقيع، وقال: لا حمى إلا لله ورسوله".

стр. 6339

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن عياش، قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "لا حمى إلا لله ولرسوله". فلما قال رسول الله ﵇: "لا حمى إلا لله ولرسوله" -والحمى: ما حمي من الأرض- دلَّ ذلك أن حكم الأرضين إلى الأئمة لا إلى غيرهم، وأن حكم ذلك غير حكم الصيد، وقد بيَّنا ما يحتمل الخبر الأول، فكان أولى الأشياء بنا أن نحمل وجهه على ما لا يخالف هذا الأثر الثاني. ش: أي خالف أولئك الذاهبين المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: مكحولًا الشامي ومحمد بن سيرين وابن المسيب والنخعي؛ فإنهم قالوا: من أحيى مواتًا لا يكون له إلا بإذن الإِمام له فيه. وبه قال أبو حنيفة. ومذهب مالك على التفصيل، فقال: أما ما يتشاحّ الناس فيه مما يقرب من العمران فإنه لا يكون لأحد إلا بقطيعة الإِمام، وأما ما كان في الصحاري وغير العمران فهو لمن أحياه، فإن تركه، عاد كما كان فقد صار أيضًا لمن أحياه وسقط ملكه عنه. وهكذا قال في الصيد يتملك ثم يتوحش فإنه لمن أخذه، فإن كان في أذنه شنف (١) أو نحو ذلك فالشنف للذي كان له والصيد لمن أخذه. وقال الحسن بن حي: ليس الموات إلا في أرض العرب فقط. قوله: "وقالوا: ليس فيما روي. . ." إلى آخره، جواب عن الأحاديث المذكورة التي احتجت بها أهل المقالة الأولى، فيما ذهبوا إليه، بيانه: أن الاستدلال لا يتم بها؛ لأن معناها يحتمل ما قال هؤلاء، ويحتمل أن يكون معناها بأمر الإِمام، فإذا كان كذلك لا يكون فيها حجة لأحد الفريقين؛ لأن القطع على رسول الله ﷺ بالقول:

стр. 6340

إنه أراد معنى مخصوصًا من ذلك لا يجوز إلا بدليل يدل عليه، فلما كان كذلك نظرنا في ذلك فوجدنا حديثي الصعب بن جثامة وأبي هريرة ﵁ يدلان على أن الحكم الأرضين إلى الأئمة لا إلى غيرهم؛ فبيَّنا حينئذ ما تحتمل الأحاديث الأُوَل وترجح بهذا أحد الاحتمالين المذكورين وهو: أن معناها بأمر الإِمام، فبهذا حصل التوافق بين هذه الآثار كلها, ولم يبق فيها ما يخالف بعضها بعضًا. ثم إنه أخرج حديث الصعب بن جثامة من طريقين: الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، عن الصعب. وأخرجه مسلم (١): عن يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور وعمرو الناقد، عن سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله. . . إلى آخره نحوه. وأخرجه أبو داود (٢): عن ابن السرح، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد بن عبد الله. . . إلى آخره نحوه. الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي، وعن إبراهيم بن أبي داود البرلسي كلاهما، عن سعيد بن منصور الخراساني، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- فيه مقال، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن الزهري. . . إلى آخره. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن
следующие страницы →