وأخرجه الطبراني (١): ثنا محمد بن علي الصائغ، ثنا القعنبي، ثنا كثير بن عبد الله.
وثنا علي بن المبارك الصنعاني، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵇ قال: "من أحيى مواتًا من الأرض في غير حق مسلم فهو له، وليس لعرق ظالم حق".
قوله: "أرضًا مواتًا" بفتح الميم، قد مرَّ تفسيره.
قوله: "وليس لعرق ظالم حق" هو أن يجيء الرجل إلى أرض قد أحياها رجل قبله فيغرس فيها غرسًا غصبًا؛ ليستوجب به الأرض. والرواية: "لعرقٍ" بالتنوين، وهو على حذف المضاف، أي لذي عرق ظالم فجعل العرق نفسه ظالمًا والحق لصاحبه، أو يكون الظالم من صفة صاحب العرق، وإن روي "عرقِ" بالإِضافة فيكون الظالم صاحب العرق، والحق العرق، وهو أحد عروق الشجرة.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال: قال رسول الله ﵇: "من أحاط على شيء فهو له".
ش: إسناده صحيح، ولكن قيل: إن سماع الحسن عن سمرة لم يصح إلا في حديث العقيقة، وقد ذكرنا في الكتاب غير مرة أنه سمع من سمرة أحاديث كثيرة.
قاله البخاري وغيره.
وأخرجه أبو داود (٢): حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، ثنا محمد بن بشر العبدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة ﵁، قال: قال رسول الله ﵇: "من أحاط حائطًا على أرض فهي له".
стр. 6337
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب ذاهبون إلى أن من أحيى أرضًا ميتةً فهي له؛ أذن له الإِمام في ذلك أو لم يأذن، أو جعلها له الإِمام أو لم يجعلها له، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
وممن ذهب إلى ذلك: أبو يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهما الله-، وقالوا: لما قال رسول الله ﷺ : "من أحيى أرضًا ميتةً فهي له" فقد جعل حكم إحياء ذلك إلى من أحب بلا أمر، وقالوا: قد دلَّت على هذه أيضًا شواهد النظر، ألا ترى أن الماء الذي في البحار والأنهار من أخذ منه مَلَكَهُ بأخذه إياه وإن لم يأمر، الإِمام بأخذه ويجعله له، وكذلك الصيد من صاده فهو له، ولا يحتاج في ذلك إلى إباحة من الإِمام ولا إلى تمليك، والإِمام في ذلك وسائر الناس سواء.
قالوا: فكذلك الأرض الميتة التي لا ملك لأحد عليها فهي كالطير الذي ليس بمملوك وكالماء الذي ليس بمملوك، فمن أخذ من ذلك شيئًا فهو له بأخذه إياه، ولا يحتاج في ذلك إلى أمر الإِمام ولا إلى تمليكه كما لا يحتاج إلى ذلك منه في الماء والصيد اللذين ذكرنا.
ش: أراد بهؤلاء الذاهبين: عبيد الله بن الحسن والشافعي وأحمد وأبا ثور والظاهرية؛ فإنهم قالوا: من أحيى أرض ميتة فهي له، ولا يشترط فيه إذن الإِمام. وبه قال: أبو يوسف ومحمد.
وقال ابن حزم (١): كل أرض لا مالك لها ولا يعرف أنها عُمرت في الإِسلام فهي لمن سبق إليها، سواء بإذن الإِمام فعل ذلك أو بغير إذنه، لا إذن في ذلك للإِمام ولا للأمير، ولو أنه بين الدورفي الأمصار، ولا لأحد أن يحمي شيئًا من الأرض عمن سبق إليها بعد رسول الله ﵇، فلو أن الإِمام أقطع إنسانًا شيئًا لم يصر له ذلك ولم يكن له أن يحميه ممن سبق إليه، فإن كان إحياؤه لذلك مضرًّا لأهل القرية ضررًا ظاهرًا لم يكن لأحد أن ينفرد لا بإقطاع الإِمام ولا بغيره، كالملح الظاهر والماء الظاهر والمراح ورحبة السوق والطريق والمصلى ونحو ذلك.
стр. 6338
قوله: "وقالوا. . ." إلى آخره. أي قال هؤلاء الذاهبون، وأراد به بيان وجه جواز إحياء الأرض الميتة بلا إذن الإِمام، وهو ظاهر.
وقال الخطابي: إحياء الموات إنما يكون بحفره وتحجيره وبإجراء الماء إليها ونحوها من وجوه العمارة، فمن فعل ذلك فقد ملك به الأرض، سواء كان بإذن الإِمام أو يغير إذنه؛ وذلك لأن قوله: "من أحيى أرضًا" كلمة شرط وجزاء فهو غير مقصور على عين دون عين ولا على زمان دون آخر، وإلى هذا ذهب الأكثر.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون؛ منهم أبو حنيفة، فقالوا: لا تكون الأرض للذي يحييها إلا بأمر الإِمام له في ذلك وجعلها له، وقالوا: ليس ما روي عن رسول الله ﷺ مما ذكرنا في هذا الباب يدافع ما قلنا؛ لأن ذلك الإحياء الذي جعل به رسول الله ﵇ الأرض التى أحياها في هذا الحديث لم يفسر لنا ما هو، فقد يجوز أن يكون هو ما فعل من ذلك بأمر الإِمام، فيكون قوله: "من أحيى أرضًا ميتة فهي له" أي من أحياها على شرائط الإحياء فهي له، ومن شرائطه تحظيرها وإذن الإمام له فيها وتمليكه إياها، فقد يجوز أن يكون هذا هو معنى هذا الحديث، ويجوز أن يكون على ما تأوَّله أبو يوسف ومحمد إلا أنه لا يجوز أن يقطع على رسول الله ﵇ بالقول أنه أراد معنى إلا بالتوقيف منه أو بإجماعٍ ممن بعده أنه أراد ذلك المعنى.
فنظرنا إذْ لم نجد في هذا الحديث حجة لأحد الفريقين في غيره من الأحاديث، هل فيها ما يدل على شيء من ذلك؟ فإذا يونس قد حدثنا، قال: أنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن الصعب ابن جثامة، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لا حمى إلا لله ولرسوله".
حدثنا يزيد وابن أبي داود، قالا: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة: "أن رسول الله ﵇ حرم النقيع، وقال: لا حمى إلا لله ورسوله".
стр. 6339
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن عياش، قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "لا حمى إلا لله ولرسوله".
فلما قال رسول الله ﵇: "لا حمى إلا لله ولرسوله" -والحمى: ما حمي من الأرض- دلَّ ذلك أن حكم الأرضين إلى الأئمة لا إلى غيرهم، وأن حكم ذلك غير حكم الصيد، وقد بيَّنا ما يحتمل الخبر الأول، فكان أولى الأشياء بنا أن نحمل وجهه على ما لا يخالف هذا الأثر الثاني.
ش: أي خالف أولئك الذاهبين المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: مكحولًا الشامي ومحمد بن سيرين وابن المسيب والنخعي؛ فإنهم قالوا: من أحيى مواتًا لا يكون له إلا بإذن الإِمام له فيه. وبه قال أبو حنيفة.
ومذهب مالك على التفصيل، فقال: أما ما يتشاحّ الناس فيه مما يقرب من العمران فإنه لا يكون لأحد إلا بقطيعة الإِمام، وأما ما كان في الصحاري وغير العمران فهو لمن أحياه، فإن تركه، عاد كما كان فقد صار أيضًا لمن أحياه وسقط ملكه عنه.
وهكذا قال في الصيد يتملك ثم يتوحش فإنه لمن أخذه، فإن كان في أذنه شنف (١) أو نحو ذلك فالشنف للذي كان له والصيد لمن أخذه. وقال الحسن بن حي: ليس الموات إلا في أرض العرب فقط.
قوله: "وقالوا: ليس فيما روي. . ." إلى آخره، جواب عن الأحاديث المذكورة التي احتجت بها أهل المقالة الأولى، فيما ذهبوا إليه، بيانه: أن الاستدلال لا يتم بها؛ لأن معناها يحتمل ما قال هؤلاء، ويحتمل أن يكون معناها بأمر الإِمام، فإذا كان كذلك لا يكون فيها حجة لأحد الفريقين؛ لأن القطع على رسول الله ﷺ بالقول:
стр. 6340
إنه أراد معنى مخصوصًا من ذلك لا يجوز إلا بدليل يدل عليه، فلما كان كذلك نظرنا في ذلك فوجدنا حديثي الصعب بن جثامة وأبي هريرة ﵁ يدلان على أن الحكم الأرضين إلى الأئمة لا إلى غيرهم؛ فبيَّنا حينئذ ما تحتمل الأحاديث الأُوَل وترجح بهذا أحد الاحتمالين المذكورين وهو: أن معناها بأمر الإِمام، فبهذا حصل التوافق بين هذه الآثار كلها, ولم يبق فيها ما يخالف بعضها بعضًا.
ثم إنه أخرج حديث الصعب بن جثامة من طريقين:
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس، عن الصعب.
وأخرجه مسلم (١): عن يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور وعمرو الناقد، عن سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله. . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه أبو داود (٢): عن ابن السرح، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد بن عبد الله. . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي، وعن إبراهيم بن أبي داود البرلسي كلاهما، عن سعيد بن منصور الخراساني، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد -بالنون- فيه مقال، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن الزهري. . . إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن
стр. 6341
عبد الرحمن بن الحارث، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة: "أن رسول الله ﵇ حمى النقيع، وقال: لا حمى إلا لله ".
قوله: "لا حمى" حمى على وزن فِعَل -بكسر الفاء وفتح العين- بمعنى محمي أي محظور لا يقرب، وأحميت المكان: جعلته حمىً، وقال الكسائي: سمعت في تثنيته: حموان، والوجه: حميان، وأصل الكلمة من حميته حماية أي دفعت عنه، وهذا شيء حمىً.
قال ابن الأثير: كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضًا في حيه استعوى كلبًا فحمى مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره، وهو يشارك القوم في سائر ما يرعون فيه، فنهى النبي ﵇ عن ذلك وأضاف الحمى إلى الله ورسوله؛ أي إلا ما يحمى للخيل التي تنصب للجهاد، والإبل التي يحمل عليها في سبيل الله، وإبل الزكاة وغيرها، كما حمى عمر بن الخطاب ﵁ النقيع لنعم الصدقة والخيل المعدة في سبيل الله تعالى.
وقال الخطابي: "لا حمى إلا لله ولرسوله" يريد لا حمى على معنى ما أباحه رسول الله ﵇ على الوجه الذي حماه.
قوله: "حرم النَّقِيع" -بفتح النون وكسر القاف- وهو موضع قريب من المدينة كان يستنقع فيه الماء -أي يجتمع- ويقال: بينه وبين المدينة عشرون ميلًا، وقيل عشرون فرسخًا، ومساحته بريد في بريد، وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد حماه لنعم الفيء وخيل المجاهدين فلا يرعاه غيرها، وقال الخطابي: النقيع مكان معروف مستنقع للمياه ينبت فيه الكلأ، حماه رسول الله ﵇ لمهازيل إبل الصدقة ولضعف الخيل.
وأخرج حديث أبي هريرة ﵁ بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن علي بن عياش -بالياء آخر الحروف والشين المعجمة- بن مسلم الألهاني الحمصي شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة دينار القرشي الحمصي روى
стр. 6342
له الجماعة، عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان روي له الجماعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج روى له الجماعة، عن أبي هريرة ﵁.
وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا عبد الله بن أحمد بن شبوية المروزي، نا علي بن عياش، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "لا حمى إلا لله ولرسوله".
وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإِسناد.
ص: وأما ما يدخل لأبي حنيفة في ذلك من جهة النظر مما يفرق بين الأرض الموات وبين الأنهار والصيد: أنَّا رأينا الصيد وماء الأنهار لا يجوز للإِمام تمليك ذلك أحدًا، ورأيناه لو ملك رجلًا أرضًا ميتة تم ملكه إياها بذلك، وكذلك لو احتاج الإِمام إلى بيعها في نائبة للمسلمين جاز بيعه لها, ولا يجوز ذلك في ماء نهر ولا في صيد بَر ولا بحر، فلما كان ذلك إلى الإِمام في الأرضين؛ دلَّ أن حكمها إليه وأنها في يده كسائر الأموال التي في يده للمسلمين لا رب لها بعينه، فلا يملكها أحد بأخذه إياها حتى يكون الإِمام يُمَلِّكها إياه على حسن النظر منه للمسلمين.
ولما كان الصيد والماء ليس إلى الإِمام بيعها ولا تمليكها أحدًا؛ كان الإِمام فيها كسائر الناس، وكان ملكهما يجب بأخذهما دون الإِمام، فثبت بذلك ما ذهب إليه أبو حنيفة لما وصفنا من الآثار والدلائل التي ذكرنا.
ش: هذا جواب عن قوله: "وقالوا: قد دلت على هذه أيضًا شواهد النظر. . ." إلى آخره. وكانوا قد قاسوا حكم إحياء الأرض الموات على حكم أخذ الصيد والماء من الأنهار، حيث قالوا: من أخذ من صيد أو من ماء نهر ملكه بأخذه إياه وإن لم يأمر الإِمام؛ لأنه لا ملك لأحد عليه، فالإِمام وسائر الناس فيه سواء، فكذلك الأرض الموات ليس لأحد ملك عليها، فمن أحياها فقد ملكها وإن لم يأمره الإِمام. لم يفقروا
стр. 6343
بين الحكمين المذكورين. فأجاب عن ذلك بإثبات الفرق بينهما الذي ينفي هذا الخلاف؛ نصرة لأبي حنيفة ومن تبعه في ذلك، وهو ظاهر.
ص: فإن احتج محتجٌّ في ذلك بما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا ويونس بن يزيد قد حدثاه، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "من أحيى أرضًا ميتة فهي له. وذلك أن رجالًا كانوا يتحجرون من الأرض".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن أبي الوزير، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر ﵁ مثله.
قيل له: لا حجة لك في هذا، ومعنى هذا عندنا على ما ذكرنا من معنى قول رسول الله ﵇: "من أحيى أرضًا ميتة فهي له".
ش: أي إن احتج أحد من أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه بقول عمر بن الخطاب ﵁.
الذي أخرجه بإسناد صحيح: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس ويونس بن يزيد الأيلي، كلاهما عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. . . إلى آخره.
وأخرجه أيضًا عن أبي بكرة بكار القاضي، عن إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي المكي، عن سفيان الثوري، عن محمد بن مسلم الزهري. . . إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطئه" (١)، والبيهقي في "سننه" (٢) من طريق مالك.
قوله: "قيل له" أي لهذا المحتج، وهو ظاهر.
ص: وقد روي عن عمر ﵁ في غير هذا الحديث ما يدل أن مراده في هذا الحديث هو ما ذكرنا.
стр. 6344
حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا أبو معاوية، عن أبي إسحاق الشيباني، عن محمد بن عبيد الله قال: "خرج رجل من أهل البصرة يقال له: أبو عبد الله إلى عمر ﵁ فقال: إن بأرض البصرة أرضًا لا تضر بأحد من المسلمين وليست أرض خراج، فإن شئت أن تقطعنيها أتخذها قضبًا وزيتونًا ونخلًا فافعل. فكان أولا من افتلى الفلايا بأرض البصرة، قال: فكتب عمر ﵁ إلى أبي موسى ﵁: إن كانت حمى فأقطعها إياه".
أفلا ترى أن عمر ﵁ لم يجعل له أخذها ولا جعل له ملكها إلا بإقطاع خليفته ذلك الرجل إياها؟! ولولا ذلك لكان يقول له: وما حاجتك إلى إقطاعي إياك؛ لأن لك أن تحييها دوني وتعمرها فتملكها؛ فدل ذلك أن الإِحياء عند عمر ﵁ هو ما أذن الإِمام فيه للذي يتولاه وملكه إياه.
وقد دلَّ على ذلك أيضًا: ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أزهر السمان، عن ابن عون، عن محمد، قال: قال عمر ﵁: "لنا رقاب الأرض".
فدلَّ ذلك على أن رقاب الأرضين كلها إلى أئمة المسلمين، وأنها لا تخرج من أيديهم إلا بإخراجهم إياها إلى من رأوا؛ على حسن النظر منهم للمسلمين في عمارة بلادهم وصلاحها.
وهذا قول أبي حنيفة ﵁ وبه نأخذ.
ش: ذكر هذا عمر ﵁ شاهدًا لما ذكره من المعنى في الأثر السابق المروي عن عمر أيضًا، وتأيبدًا لصحة التأويل الذي أوَّله أبي حنيفة ومن تبعه فيه وفيما يشابهه من الأحاديث المرفوعة.
وأخرج ذلك بإسناد صحيح: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، عن أبي إسحاق سليمان بن فيروز الشيباني -بالشين المعجمة- الكوفي، عن محمد بن عبيد الله بن سعيد الثقفي الأعور الكوفي. . . إلى آخره.
стр. 6345
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث أبي معاوية، عن أبي إسحاق الشيباني، عن محمد بن عبيد الله الثقفي قال: "كان بالبصرة رجل يقال له: نافع أبو عبد الله، فأتى عمر ﵁ فقال: إن بالبصرة أرضًا ليست من أرض الخراج ولا تضر بأحد من المسلمين، وكتب إليه أبو موسى يعلمه بذلك، فكتب عمر إلى أبي موسى: إن كانت ليست تضرّ بأحد من المسلمين وليست من أرض الخراج فأقطعها إياه".
قوله: "يقال له أبو عبد الله" قد صرَّح في رواية البيهقي أن اسمه نافع.
قوله: "أن تقطعنيها" من الإقطاع بكسر الهمزة من قولهم: أقطع السلطان فلانًا أرضًا الفلانية: إذا جعلها له ليتصرف فيها إجارةً وزراعةً، والإقطاع يكون تمليكًا وغير تمليك، ومنه الحديث: "أقطع النبي ﵇ الناس الدور" (٢) يعني أنزلهم في دور الأنصار.
قوله: "قضبًا" بفتح القاف وسكون الضاد المعجمة وفي آخره باء موحدة وهو الرطبة، وأهل مكة -حرسها الله- يسمون القت قضبًا، قاله الصغاني، والقضب أيضًا شجر يتخذ منه القسي.
قوله: "فافعل" جواب الشرط أعني قوله: "فإن شئت أن تقطعنيها".
قوله: "فكان أول من افتلى الفلايا [. . . . . . . . . . . . . . . . . .] (٣).
قوله: "فكتب عمر ﵁ إلى أبي موسى" وهو عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ وكان نائبه بالبصرة، ولاه عمر ﵁ في سنة سبع عشرة من الهجرة بعد أن عزل المغيرة بن شعبة ﵄ لأمرٍ اقتضى ذلك.
стр. 6346
قوله: "وقد دلَّ على ذلك أيضًا" أي على ما ذكرنا من أن مراد عمر بن الخطاب ﵁ من قوله: "من أحيى أرضًا ميتة فهي له" هو ما ذكرنا من التأويل.
قوله: "ما حدثنا" في محل الرفع؛ لأنه فاعل لقوله: "وقد دل".
وأخرجه بإسناد صحيح، ورجاله ثقات.
وابن عون هو عبد الله بن عون بن أرطبان المزني البصري.
ومحمد هو ابن سيرين.
قوله: "لنا رقاب الأرض" أي نفس الأرض، أراد أن نفس الأرض لأئمة المسلمين، وأنها لا تخرج من أيديهم إلا إذا أخرجوها إلى من رأوا من المسلمين، والله أعلم.
***
стр. 6347
ص: باب: إنزاء الحمير على الخيل
ش: أي هذا باب في بيان حكم إنزاء الحمير على الخيل.
والإنزاء: من أنزى الحمار على الفرس إذا حملها عليها للنسل وثلاثيه: نَزَا يَنْزُو، يقال: نزوت على الشيء أنزو نزوًا إذا وثبت عليه، وقد يكون في الأجسام والمعاني.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن ابن زرير، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "أهديت لرسول الله ﵇ بغلة فركبها، فقال علي ﵁: لو حملنا الحمير على الخيل لكان لنا مثل هذه، فقال رسول الله ﵇: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون".
حدثنا فهد قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا شريك، عن عثمان، عن سالم، عن علي بن علقمة، عن علي ﵁، عن النبي ﵇ نحوه.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن شعيب بن الليث أبي عبد الملك المصري من رجال مسلم، عن أبيه الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، من رجال الجماعة، عن أبى الخير مرثد بن عبد الله اليزني المصري، من رجال الجماعة، عن عبد الله بن زرير الغافقي المصري، قال العجلي: مصري تابعي ثقة.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا الليث. . . إلى آخره نحوه سواء.
стр. 6348
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من طريق الليث، ثم قال: رواه جماعة عنه.
وقال ابن المديني عن أبي الوليد عنه كذلك.
وكذا رواه ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب.
وشذَّ شعيب الصريفيني فقال: ثنا أبو الوليد، ثنا الليث، عن يزيد، عن عبد العزيز بن أبي الصعبة، عن أبي أفلح الهمداني، عن عبد الله بن زرير، عن علي ﵁ قال: "أهديت لرسول الله ﵇ بغلة فأعجبتنا، فقلت: يا رسول الله، ألا ننزي الحمر على خيلنا حتى تأتي بمثل هذه؟ فقال: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون".
وكذا رواه ابن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب بهذا، وقال فيه: "أهدى صاحب أيلة -أو فروة- إلى رسول الله ﵇ بغلته البيضاء".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله، عن عثمان بن المغيرة، وهو عثمان بن أبي زرعة، وهو عثمان الأعشى الكوفي الثقة.
عن سالم بن أبي الجعد رافع الأشجعي الكوفي الثقة، عن علي بن علقمة الأنماطي الكوفي الثقة، عن علي بن أبي طالب ﵁.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث شريك، عن عثمان بن المغيرة -وهو عثمان بن أبي زرعة- عن سالم بن أبي الجعد، عن علي بن علقمة، عن علي ﵁ قال: "قيل للنبي ﵇: أننزي الحمار على الفرس؟ قال: إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون".
قوله: "أهديت لرسول الله ﵇ بغلة" قد بيَّن ابن إسحاق في روايته أن الذي أهداها له ﵇ هو صاحب أيلة أو فروة، وكان للنبي ﵇ ستّ بغال: بغلة شهباء
стр. 6349
يقال لها الدلدل أهداها له المقوقس صاحب إسكندرية، وكان ﵇ يركبها في المدينة وفي الأسفار، وهي أول بغلة رُكبت في الإِسلام.
وبغلة يقال لها فضة أهداها له فروة بن عمرو الجذامي مع حمار يقال له يعفور، فوهب البغلة لأبي بكر.
وبغلة بعثها صاحب دومة الجندل ومعها جبة من سُنْدُس.
وبغلة أهداها له كسرى؛ ولا يثبت هذا.
وبغلة أهداها له النجاشي وكان رسول الله ﵇ يركبها قاله ابن عباس.
وبغلة يقال لها: أيلية، أهداها له ملك أيلة وهو ابن العلماء.
قوله: "لو حملنا الحمير على الخيل" أراد به إنزاء الحمير على الخيل؛ لأجل النسل.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: فيه كراهة إنزاء الحمير على الخيل كما ذهبت إليه طائفة على ما سيجيء بيانه إن شاء الله تعالى.
الثاني: فيه جواز المهاداة سواء كانت من الملوك إلى الملوك أو من غيرهم.
الثالث: فيه جواز ركوب هدية الكفار.
الرابع: فيه جواز ركوب البغال.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد (ح).
وحدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن أبي الجهضم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن ابن عباس قال: "ما اختصَّنا رسول الله ﵇ بشيء دون الناس إلا بثلاث: إسباغ الوضوء, وأن لا نأكل الصدقة، ولا ننزي الحمر على الخيل".
ش: هذان طريقان حسنان جيدان:
стр. 6350
وأبو الجهضم اسمه موسى بن سالم مولى آل العباس بن المطلب.
وقد أخرج الطحاوي هذا الحديث في كتاب الزكاة في باب الصدقة على بني هاشم من ثلاث طرق:
الأول: عن ربيع بن سليمان، عن أسد بن موسى، عن سعيد وحماد ابني زيد، كلاهما عن أبي جهضم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: "دخلنا على عبد الله بن عباس فقال: ما اختصَّنا رسول الله ﵇. . ." الحديث.
الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن سليمان بن حرب الواشحي شيخ البخاري وأبي داود، عن حماد بن زيد، عن أبي جهضم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر الحوضي شيخ البخاري، عن مرجَّا بن رجاء اليشكري، عن أبي جهضم. . . إلى آخره.
وذكرنا هناك أنه أخرجه النسائي وأبو داود وأحمد بن حنبل ﵏، وتكلمنا فيه هناك بما فيه الكفاية (١).
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قومٌ إلى هذا؛ فكرهوا إنزاء الحمير على الخيل، وحرموا ذلك ومنعوا منه، واحتجوا بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عمر بن عبد العزيز وعامر الشعبي ويزيد بن أبي حبيب المصري؛ فإنهم قالوا: إنزء الحمير على الخيل مكروه كراهة تحريم، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب قال: "كتب إلينا عمر بن عبد العزيز فقريء علينا كتابه: أيما رجل حمل حمارًا على عَرِبَة من الخيل فامحوا من عطائه عشرة دنانير".
стр. 6351
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فلم يروا بذلك بأسًا، وكان من الحجة لهم في ذلك: أن ذلك لو كان مكروهًا لكان ركوب البغال مكروهًا؛ لأنه لولا رغبة الناس في البغال وركوبهم إياها إذًا لما أنزيت الحمير على الخيل، ألا ترى أنه لما نهى عن إخصاء بني آدم كره بذلك اتخاذ الخصيان؛ لأن في اتخاذهم ما يحضهم على إخصائهم؛ ولأن الناس إذا تحاموا كسبهم لم يرغب أهل الفسق في اخصائهم.
وقد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا القواريري، قال: ثنا عفيف بن سالم، قال: ثنا العلاء بن عيسى الذهلي قال: "أتي عمر بن عبد العزيز بخصي، فكره أن يبتاعه، وقال: ما كنت لأعين على الأخصاء".
فكل شيء في ترك كسبه ترك لأهل بعض المعاصي لمعصيتهم فلا ينبغي كسبه، فلما أجمع على إباحة اتخاذ البغال وركوبها؛ دلَّ ذلك على أن النهي الذي في الآثار الأُول لم يُرَد به التحريم، ولكنه أريد به معنى آخر.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جمهور العلماء وفقهاء الأمصار منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، فإنهم قالوا: لا بأس بإنزاء الحمير على الخيل.
قوله: "وكان من الحجة لهم" أي من البرهان والدليل لهؤلاء الآخرين. وباقي الكلام ظاهر.
وقال الخطابي في هذا الموضع: يشبه أن يكون المعنى في ذلك -والله أعلم- أن الحمر إذا حملت على الخيل تعطلت منافع الخيل وقلَّ عددها وانقطع نماؤها، والخيل يحتاج إليها للركوب والجهاد، ولحمها مأكول ويسهم للفرس، وليس للبغل شيء من هذه الفضائل، فأحب ﵇ أن ينمو عدد الخيل فيكثر نسلها لما فيه من النفع والصلاح، ولكن قد يحتمل أن يكون حمل الخيل على الحمير جائز؛ لأن الكراهية في هذا الحديث إنما جاءت في حمل الحمير على الخيل لئلا تشتغل أرحامها بنسل الحمر فيقطعها ذلك عن نسل الخيل، فإذا كانت الفحولة خيلًا والأمهات حمرًا فقد يحتمل
стр. 6352
أن لا يكون داخلًا في النهي، إلا أن يتأول متأول أن المراد بالحديث صيانة الخيل من مزاوجة الحمر وكراهية اختلاط مائها بمائها لئلا يضيع طرفها, ولئلا يكون منه الحيوان المركب من النوعين المختلفين؛ فإن أكثر المركبات المتولدة من جنسين من الحيوان أخبث طبعًا من أصولها التي تتولد منها وأشد شرًّا، كالسباع والعقبان، وكذلك البغل لما يعتريه من الشماس والحران ونحوهما من الآفات والعيوب، ثم هو حيوان عقيم ليس له نسل ولا نماء ولا يزكى.
قلت: هذا ليس بسديد؛ فإن الله تعالى قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ (١) فذكر البغال وامتنَّ علينا بها كامتنانه بالخيل، وأفرد ذكرها بالاسم الخاص الموضوع لها، ونبَّه على ما فيها من الأرب والمنفعة، والمكروه من الأشياء مذموم لا يستحق المدح ولا يقع بها امتنان، وقد استعمل ﵇ البغل وركبه حضرًا وسفرًا، وكان يوم حنين على بغلته كما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى، ولو كان مكروهًا لم يقتنه.
قوله: "وقد حدثنا. . ." إلي آخره. بيان لما ذكره من قوله: "ولأن الناس إذا تحاموا كسبهم".
أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن القواريري، هو عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي أبو سعيد البصري، شيخ الشيخين وأبي داود.
وهو يروي عن عفيف بن سالم الموصلي وثقه يحيى وأبو داود والنسائي وابن حبان، عن العلاء بن عيسى الذهلي [. . . . .] (٢).
ص: فمما روي عن رسول ﵇ في ركوب البغال: ما قد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا القواريري، قال: ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن أبي إسحاق قال: "قال رجل للبراء: يا أبا عمارة ولَّيْتم يوم حنين؟ قال: لا والله، ما ولَّى رسول الله ﵇، وكان ولَّى سرعان الناس تلقيهم هوازن بالنبل،
стр. 6353
ولقد رأيت رسول الله ﵇ وهو على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، قال: أنا أبو إسحاق. . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن الجعد، قال: ثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء، مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن كثير بن عباس، أن أباه عباس بن عبد المطلب قال: "شهدت مع رسول ﷺ يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث رسول الله ﵇ فلم نفارقه، ورسول الله ﵇ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، قال: سمعت الزهري يحدث، عن كثير بن العباس، عن أبيه نحوه.
حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عفان، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا الحارث بن حصيرة، قال: ثنا القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: قال عبد الله بن مسعود: "كنت مع رسول الله ﵇ يوم حنين ورسول الله ﵇ على بغلته".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا علي بن مسهر، عن يزيد ابن أبي زياد، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أمه قالت: "رأيت رسول الله ﵇ يوم النحر عند جمرة العقبة وهو على بغلته".
حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن ابن عبد الله بن بسر، عن أبيه أنه قال: "إن رسول الله ﵇ أتاهم وهو راكب بغلة".
стр. 6354
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا ثابت البُناني وحميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﵇ على بغلة شهباء، فمرَّ على حائط لبني النجار فإذا قبر يعذب صاحبه فحاصت البغلة، فقال رسول الله ﵇: لولا (أن تَدَافنوا) (١) لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إبراهيم بن محمد الشافعي، قال: ثنا معن بن عيسى، قال: حدثني فائد، عن عبيد الله بن علي بن أبي رافع، عن أبيه: "أنه رأى بغلة النبي ﵇ شهباء فكانت عند علي بن الحسين ﵄".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عمر بن يونس، عن عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة، قال: حدثني أبي قال: "غزونا مع رسول الله ﵇ حنين. . ." فذكر حديثًا طويلًا فيه: "فمررت على رسول الله ﵇ منهزمًا وهو على بغلته الشهباء".
حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد ابن أبي هلال، عن أسلم أبي عمران، عن عقبة بن عامر قال: "ركب رسول الله ﵇ بغلة فاتبعته. . ." ثم ذكر الحديث.
فقد تواترت الآثار عن رسول الله ﵇ بإباحة ركوب البغال.
ش: أي: فمن الذي روي عن النبي ﵇ في ركوب البغال: ما قد حدثنا. . . إلى آخره. وأخرج في ذلك عن جماعة من الصحابة ﵄:
الأول: عن البراء بن عازب ﵁.
أخرجه من ثلاثة طرق:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري، عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن البراء بن عازب ﵁.
стр. 6355
وأخرجه البخاري (١): نا محمد بن كثير، نا سفيان، عن أبي إسحاق قال: "سمعت البراء ﵁ وجاءه رجل فقال: يا أبا عمارة أتولَّيْت يوم حنين؟ فقال: أما أنا فأشهد على النبي ﵇ أنه لم يولِّ، ولكن عجل سرعان القوم فرشقتهم هوازن، وأبو سفيان بن حرب آخذ برأس بغلته البيضاء يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب".
وأخرجه مسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى، قال: أنا أبو خيثمة، عن أبي إسحاق قال: "قال رجل للبراء: يا أبا عمارة، فررتم يوم حنين؟ قال: لا والله، ما ولَّى رسول الله ﵇ ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حُسَّرًا ليس عليهم سلاح -أو كثير سلاح- فلقوا قومًا رماة لا يكاد يسقط لهم سهم جمع هوازن وبني النضير فرشقوهم رشقًا ما يكادون يخطئون، فأقبلوا هنالك إلى رسول الله ﵇، ورسول الله ﵇ على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل فاستنصر قال: أنا النبي لا كذب، أنا بن عبد المطلب. ثم صفهم".
وأخرجه الترمذي (٣): عن ابن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن أبي إسحاق. . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٤): عن ابن بشار، عن غُندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق نحوه.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن شعبة، عن أبي إسحاق.
وأخرجه البخاري (٥): نا أبو الوليد، نا شعبة، عن أبي إسحاق: "قيل للبراء -
стр. 6356
وأنا أسمع-: أولَّيتم مع النبي ﵇ يوم حنين؟ فقال: أما النبي ﵇ فلا، كانوا رماةً، فقال: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب".
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن علي بن الجعد بن عبيد الجوهري شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن البراء.
وأخرجه مسلم (١): عن يحيى بن يحيى، عن زهير بن معاوية. . . إلى آخره نحوه.
قوله: "سَرَعان الناس" بفتح السين والراء، وهم أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة، ويجوز تسكين الراء.
قوله: "وأبو سفيان" ابن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ابن عم النبي ﵇، وكان أخا النبي ﵇ من الرضاعة أرضعتهما حليمة بنت أبي ذئب السعدية، وحضر مع رسول الله ﵇ الفتح وشهد معه حنينًا فأبلى فيها بلاءً حسنًا، وكان رسول الله ﵇ أحبه وشهد له بالجنة، وتوفي أبو سفيان سنة عشرين بالمدينة، وصلى عليه عمر بن الخطاب ﵁.
قوله: "أنا النبي لا كذب" فيه إثبات لنبوته ﵇؛ كأنه قال: أنا ليس بكاذب فيما أقول فيجوز على الانهزام.
و"الكَذِبْ" -بفتح الكاف وكسر الذال- مصدر، يقال: كَذَبَ يَكْذِبُ كِذبًا وكَذِبًا, ولكنه بمعنى الفاعل، وفيه حذف كما ذكرنا، وتقديره: لا أنا كاذب، وزعم بعضهم أنه بفتح الباء ليخرجه عن أن يكون موزونًا، وإنما انتسب إلى جده بقوله: "أنا ابن عبد المطلب لرؤيا كان عبد المطلب رآها دالة على نبوته مشهورة عند العرب وعبّرها له سيف بن ذي يزن.
وقيل؛ لأن شهرة جدِّه كانت أكثر من شهرة أبيه؛ لأنه توفي شابًّا في حياة أبيه، أو لأنه ﵇ كان ينتسب كثيرًا إلى عبد المطلب؛ لأن العادة إذا كان في نسب الإنسان جدٌّ
стр. 6357
أو جد أب له شهرة أو أسمه فيه غرابة ينسب إليه ويطرح من بينهما من الآباء، ولهذا إن ضمَّام بن ثعلبة لما وقد عليه قال: أيكم ابن عبد المطلب؟
وفيه جواز الانتماء في دار الحرب، وإنما كره من ذلك ما كان على وجه الافتخار في غير الحرب.
والثاني: عن عباس بن عبد المطلب ﵁.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح -كاتب الليث، وشيخ البخاري- عن الليث بن سعد، عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي -أمير مصر لهشام بن عبد الملك بن مروان، ومولى الليث بن سعد من فوق- عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن كثير بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﵇، التابعي الكبير، عن أبيه عباس بن عبد المطلب.
وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني كثير بن عباس بن عبد المطلب، قال: قال عباس: "شهدت مع رسول الله ﵇ يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله ﵇ فلم نفارقه، ورسول الله ﵇ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي. . ." الحديث بطوله.
الطريق الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن كثير بن عباس. . . إلى آخره.
قوله: "فروة بن نفاثة الجذامي" كان عاملًا لقيصر على معان من أرض الكرك. و"فروة": بالفاء، و"نفاثه": بضم النون وبالفاء والثاء المثلثة.
والثالث: عن عبد الله بن مسعود ﵁.
стр. 6358
أخرجه من طريق حسن جيد:
عن علي بن عبد الرحمن، عن عفان بن مسلم الصفَّار، عن عبد الواحد بن زياد العبدي، عن الحارث بن حصيرة الكوفي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا محمد بن عبد الرحيم، ثنا عفان بن مسلم، ثنا عبد الواحد بن زياد، عن الحارث بن حصيرة، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: "كنت مع رسول الله ﵇-يعني يوم حنين- فتفرق الناس وبقيت معه في ثمانين رجلاً من المهاجرين والأنصار -وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة- ورسول الله ﵇ على بغلته، فقال النبي ﵇: ناولني كفًّا من تراب، فرمى به وجوههم، فامتلأت أعينهم ترابًا، وأقبل المهاجرون والأنصار وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، فولى المشركون مدبرين".
والرابع: عن أم جندب الصحابية ﵂.
أخرجه عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة شيخ مسلم، عن علي بن مسهر الكوفي قاضي الموصل، عن يزيد بن أبي زياد القرشي فيه مقال، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص الجشمي الكوفي، عن أمه أم جندب الأزدية الصحابية ﵂.
وأخرج ابن الأثير (٢) هذا الحديث في ترجمة أم جندب: من حديث ابنها سليمان بن عمرو بن الأحوص: "أنها رأت النبي ﵇ غداة الجمرة وهو يرمي الجمرة وهو يقول: يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضًا، ارموا بمثل حصى الخذف".
стр. 6359
وأخرجه ابن ماجه (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة نحو رواية الطحاوي.
وأخرجه أيضًا (٢): عن أبي بكر، عن عبد الرحيم بن سليمان، عن يزيد بن أبي زياد، عن سليمان، عن أمه أم جندب.
وأخرجه أبو داود (٣): عن إبراهيم بن مهدي، عن علي بن مسهر، عن يزيد بن أبي زياد، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أمه قالت: "رأيت النبي ﵇ يرمي الجمرة من بطن الوادي وهو راكب. . ." الحديث، وليس فيه ذكر البغلة.
والخامس: عن عبد الله بن بُسر -بضم الباء الموحدة وسكون السين المهملة- المازني الصحابي.
أخرجه عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن معاوية ابن صالح بن حدير الحمصي قاضي الأندلس، عن يحيى بن عبد الله بن بُسر، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ أتاهم وهو راكب بغلة".
وأخرج أحمد في "مسنده" (٤): ثنا يحيى بن حماد، أنا شعبة، عن يزيد بن خمير، عن عبد الله بن بُسر، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇، نزل فذكروا رطبةً طعامًا وشرابًا، فكان يأكل التمر ويضع النوى على ظهر أصبعيه ثم يرمي به، ثم قام فركب بغلة له بيضاء، فأخذت بلجامها، فقلت: يا نبي الله، ادع الله لنا، فقال: اللهم بارك لهم فيما رزقتهم واغفر لهم وارحمهم".
وقد اعترض بعضهم على هذا، فقال: هكذا في الأصل: عن عبد الله بن بُسر، عن أبيه. ولكن الصواب: عن ابن عبد الله بن بُسر، عن أبيه.
стр. 6360
قلت: بُسر والد عبد الله له صحبة أيضًا، وعبد الله روى عنه أيضًا، فعلى هذا الصواب ما ذُكر في الأصل بدون ذكر الابن.
وأخرج النسائي في "الوليمة" (١): عن كثير بن عبيد، عن بقية، عن محمد بن زياد، عن عبد الله بن بُسر قال: "كنت أنا وأبي قاعدين إذْ أقبل رسول الله ﵇ على بغلة له، فقال له أبي: ألا تنزل. . ." الحديث.
والسادس: عن أنس بن مالك ﵁.
أخرجه بإسناد صحيح: عن نصر بن مرزوق، عن آدم بن أبي إياس شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني وحميد الطويل، كلاهما عن أنس بن مالك.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا حسن، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت وحميد، عن أنس: "أن رسول الله ﵇ كان علي بغلة شهباء، فمرَّ على حائط لبني النجار فإذا هو بقبر يُعذَّب صاحبه، فحاصت البغلة، فقال: لولا (أن تدافنوا) (٣) لدعوت الله أن يسمعكم عذاب القبر".
قوله: "على حائط" وهو البستان من النخيل إذا كان عليها جدار.
قوله: "فحاصت البغله" أي نفرت وفرت، يقال: حَاصَ يَحِيصُ حَيْصةً إذا جال يطلب الفرار، والمَحِيص: المهرب، ويروى: "جاضت" بالجيم والضاد المعجمة، يقال: جاض عن القتال أي فرَّ، وجاض عن الحق: عدل، وأصل الجيض: الميل عن الشيء.
стр. 6361
قوله: "لولا أن تدافنوا" من التدافن وهو التكاتم، وفي الحديث: "لو تكاشفتم لما تدافنتم" أي لو تكشَّف عيب بعضكم لبعض (١).
وفيه: جواز ركوب البغلة، وجواز اقتنائها، وإثبات عذاب القبر.
والسابع: عن سلمة بن الأكوع ﵁.
أخرجه بأسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن عمر بن يونس بن القاسم الحنفي اليمامي، عن عكرمة بن عمار اليمامي، عن إياس بن سلمة، عن أبي سلمة بن الأكوع.
وأخرجه مسلم بأتم منه (٢): ثنا زهير بن حرب، قال: ثنا عمر بن يونس الحنفي، قال: ثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثني إياس بن سلمة، قال: حدثني أبي قال: "غزونا مع رسول الله ﵇ حنينًا، فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلوا ثنية فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم فتوارى عني، فما دريت ما صنع، ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة
стр. 6362
النبي ﵇، فولى صحابة النبي ﵇ وأرجع منهزمًا وعليَّ بردتان متِّزرًا بإحداهما مرتديًا بالأخرى، فاستطلق إزاري، فجمعتهما جميعًا ومررت على رسول الله ﵇-منهزمًا- وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله ﵇: لقد رأى ابن الأكوع فزعًا، فلما غَشَوْا رسول الله ﵇ نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم استقبل به وجوههم وقال: شاهت الوجوه. فما خلف الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينه ترابًا من تلك القبضة، فولَّوْا مدبرين، فهزمهم الله تعالى، وقسم رسول الله ﵇ غنائمهم بين المسلمين".
والثامن: عن عقبة بن عامر الجهني ﵁.
أخرجه بإسناد صحيح: عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث البصري، عن سعيد بن أبي هلال أبي العلاء المصري، عن أسلم بن عمران أبي عمران التجيبي المصري، عن عقبة بن عامر.
وأخرجه النسائي (١): عن قتيبة، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عمران أسلم، عن عقبة بن عامر قال: "اتبعت النبي ﵇ وهو راكب، فوضعت يدي على قدمه فقلت: أقرئني سورة هود. . ." الحديث.
وأما حديث عبيد الله بن علي بن أبي رافع، عن أبيه. . . إلى آخره:
فأخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن إبراهيم بن محمد بن العباس بن عثمان بن شافع الشافعي شيخ مسلم في غير "الصحيح"، وابن ماجه.
عن معن بن عيسى بن يحيى بن دينار الأشجعي المدني الثقة، عن فائد بالفاء، المدني الثقة، عن مولاه عبيد الله بن أبي رافع المدني مولى النبي ﵇، الثقة.
عن أبيه علي بن أبي رافع.
وفي "التكميل": علي بن أبي رافع، عن أبيه. وعنه: ابنه الحسن؛ فيه جهالة.
стр. 6363
وأبو رافع اسمه إبراهيم -وقيل: أسلم- مولى النبي ﵇.
قوله: "فكانت عند علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁" وهذه البغلة هي التي كانت تسمى الدلدل، أهداها له ﵇ المقوقس، وقد كانت عُمِّرت حتى كانت عند علي ﵁، وتأخرت أيامها حتى كانت بعد علي عند علي بن الحسين بن علي، وقيل: كانت عند عبد الله بن جعفر، وكان يحش لها الشعير لتأكله من ضعفها.
ص: وقد روي في ذلك ما حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عائذ -يعني ابن حبيب- عن الحجاج، عن سعيد بن أشوع، عن حنش بن المعتمر قال: "رأيت عليًّا ﵁ أتي ببغلته يوم الأضحى فركبها، فلم يزل تكبى حتى أتى الجبَّانة".
حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا حجاج بن محمد، عن شعبة، عن الحكم، قال:
سمعت يحيى بن الجزار، عن علي بن أبي طالب ﵁: "أنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الصلاة، فجاء رجل فأخذ بخطام بغلته، فسأله عن يوم الحجّ الأكبر، فقال: هو يومك هذا، خلِّ سبيلها".
ش: أي قد روي في ركوب البغال أيضًا عن علي ﵁ الذي يدلّ على إباحة إنزاء الحمير على الخيل.
وأخرجه من وجهين
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن عائذ بن حبيب بن ملاج العبسي أبي هشام الكوفي، وثقه يحيى، وعنه: صويلح.
قال الجوزجاني: غالٍ زائغ. روى له النسائي وابن ماجه.
عن الحجاج بن أرطاة فيه مقال، عن سعيد بن أشوع بن عمرو القاضي وثقة ابن حبان، عن حنش بن المعتمر الكناني -قال أبو داود: ثقة. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: لا يحتج به.
стр. 6364
الثاني: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن حجاج بن محمد المصيصي الأعور روى له الجماعة، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار العرني الكوفي روى له الجماعة إلا البخاري.
وأخرجهما ابن أبي شيبة نحوه (١).
قوله: "حتى أتى الجبَّانه" بتشديد الباء وبعد الألف نون: الصحراء، وكذلك الجبَّان.
ويستفاد منهما أحكام:
جواز اقتناء البغال، والإِشارة إلى إباحة إنزاء الحمير على الخيل، وجواز الذهاب إلى المصلى يوم العيد راكبًا، وجواز الجهر بالتكبير يوم الأضحى، وأن المراد من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ (٢) هو يوم عيد الأضحى.
ص: فإن قال قائل: فما معنى قوله ﵇: "إنما يفعل ذلك الدين لا يعلمون"؟
قيل له: قال أهل العلم في ذلك: معناه أن الخيل قد جاء في ارتباطها وعلفها الأجر، وليس ذلك في البغال، فقال النبي ﵇: "إنما يترك حمل فرس على فرس حتى يكون عنهما ما فيه الأجر، ويحمل حمارًا على فرس فيكون عنهما بغل لا أجر فيه الذين لا يعلمون؛ لأنهم يتركون بذلك إنتاج فيما ارتباطه الأجر، وينتحبون ما لا أجر في ارتباطه.
ش: تقرير السؤال أن يقال: استدللتم بالأحاديث المذكورة التي فيها ركوب النبي ﵇ البغل على إباحة اقتناء البغال وإنزاء الحمير على الخيل، فالحديث الذي فيه: "إنما يفعل ذلك" يعني الإنزاء المذكور "الذين لا يعلمون" ما يكون معناه على ما قلتم وذهبتم إليه.
فأجاب بقوله: "قيل له. . ." إلى آخره، وهو ظاهر.
стр. 6365
قوله: "إنما يترك حمل فرس. . ." إلى آخره. تفسير لقوله ﵇: "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون"، وفاعل قوله: "إنما يترك" هو قوله: "الذين لا يعلمون"، وقوله: "حمل فرس" مفعوله.
قوله: "ويحمل حمارًا" عطف على قوله: "إنما يترك".
ص: فمما روي عن النبي ﵇ في الثواب في ارتباط الخيل: ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: "سئل رسول الله ﵇ عن الخيل، فقال: هي لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر، فأما من ربطها عدةً في سبيل الله فإنه لو طول لها في مرج خصيب أو روضة؛ كتاب الله له عدد ما أكلت حسنات وعدد أرواثها حسنات، ولو انقطع طَولها ذلك فاستنت شرفًا أو شرفين كتب الله له عدد آثارها حسنات، ولو مرت بنهر عجاج لم يرد السقي فيه فشربت منه كتب الله له عدد ما شربت حسنات. ومن ارتبطها تغنيَّا أو تعففًا ثم لم ينس حق الله في رقابها وظهورها كانت له سترًا من النار.
ومن ارتبطها فخرًا ورياءً ونواءٍ على المسلمين كانت له وزرًا يوم القيامة.
قالوا: فالحمر؟ يا رسول الله قال: لم ينزل الله عليّ في الحمر شيئًا إلا هذه الآية الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (١).
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: حدثني عمرو بن الحارث، عن بكير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ بنحو ذلك أيضًا.
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
стр. 6366
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، قال: ثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني طلحة بن أبي سعيد، أن سعيد المقبري حدثه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ قال: "من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعد الله؛ كان شبعه وريّه وبوله وروثه حسنات في ميزانه يوم القيامه".
حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا الفريابي، عن سفيان، عن يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة، عن جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبيد الله بن محمد التيمي، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن يونس. . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: سمعمت معاوية بن صالح يحدث، قال: حدثني زياد بن نعيم، أنه سمع أبا كبشة صاحب النبي ﵇ يقول: عن النبي ﵇: "الخيل في نواصيها الخير، وأهلها معانون عليها، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا ابن إدريس وابن فضيل، عن الحصين، عن الشعبي، عن عروة البارقي، قال رسول الله ﵇: "الخير معقودٌ في نواصي الخيل، فقيل: يا رسول الله مم ذاك؟ قال: الأجر والغنيمة إلى يوم القيامة". زاد فيه بن إدريس: "والإبل عزٌّ لأهلها، والغنم بركة".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا فطر بن خليفة، عن أبي إسحاق قال: "وقف علينا عروة البارقي ونحن في مجلسنا فحدثنا فقال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: الخير معقودٌ في نواصي الخيل أبدًا إلى يوم القيامة".
стр. 6367
حدثنا ابن مرزق، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن عروة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوُحَاظي، قال: ثنا زهير، عن جابر، عن عامر، عن عروة البارقي، عن النبي ﵇ مثله. وزاد: "الأجر والغنيمة".
حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا عبد الله بن سالم، قال: ثنا إبراهيم بن سليمان الأفطس، قال: حدثني الوليد بن عبد الرحمن الحرشي، عن جبير بن نفير، قال: حدثني سلمة بن نفيل السكوني، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "الخيل معصوبٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها".
ش: أخرج في ثواب مرتبط الخيل عن سبعة من الصحابة، وهم: أبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وجرير بن عبد الله، وأبو كبشة، وعروة البارقي، وسلمة بن نفيل.
أما حديث أبي هريرة، فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة.
وأخرجه مسلم (١): عن يونس بن عبد الأعلى. . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه البخاري في كتاب "الشرب" (٢): عن عبد الله بن يوسف.
وفي "الجهاد" (٣)، وفي "علامات النبوة" (٤): عن القعبني.
стр. 6368
وفي كتاب "الاعتصام" (١)، وفي "التفسير" (٢): عن يحيى بن سليمان، عن ابن وهب كلهم، عن مالك، عن زيد بن أسلم.
وأخرجه الطحاوي أيضًا في كتاب الزكاة في باب: "الخيل السائمة هل فيها صدقة أم لا"؟
الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، عن أبي صالح ذكوان، عن أبي هريرة.
قوله: "هي لثلاثه" أي الخيل لثلاثة أنفس، والمعنى أنها على ثلاثة أنواع: النوع منها: أجر لصاحبها، والنوع منها: ستر لصاحبها، والنوع منها: فيها وزر لصاحبها.
قوله: "فأما من ربطها عدة في سبيل الله" أي أعدها للجهاد، وأصله من الربط، ومنه الرباط وهو حبس الرجل نفسه في الثغور وإعداده الأهبة لذلك، وقيل: من ربط صاحبه عن المعاصي وعقله عنها فهو كمن ربط وعقل.
قوله: "لو طَوَّل لها" أراد: لو ربط قائمتها وأمسك بطرقه وأرسلها ترعى.
والطّيَل والطِّوَال والطَّويلة والتِّطْوَل كله حبل طويل تشد به قائمة الدابة، وقيل: هو الحبل تشدّ به ويمسك به صاحبها بطرقه ويرسلها ترعى. وفي "الجامع": ومنهم من شدد فيقول: الطُّوَّل. وقال الجوهري: لم يسمع في الطول الذي هو الحبل إلا بكسر الأول وفتح الثاني، وشدده الراجز في قوله:
تَعرَّضَت لي في مَكَانٍ جَلي ... تَعَرُّضَ المهرَةِ في الطَّوَّلِ
ضرورة، وقد يفصلون مثل ذا للتكثير، أو يزيدون في الحرف من بعض حروفه.
وقال عياض: قال ابن وهب: هو الرسن.
قوله: "في مرج" وهي الأرض الواسعة، وتجمع على مروج.
стр. 6369
قوله: "خصيب" من قولهم: مكان خصيب ومخصب من الخصب وهو ضد الجدب، يقال: أخصبت الأرض، وأخصب القوم.
قوله: "أو روضة" وهي الموضع الذي يستنقع فيه الماء، ويكون به نبات مجتمع، قال أبو عبيد: ولا يكون إلا في ارتفاع.
قوله: "فاستنت" أي أفلتت فمرحت، والاستنان افتعال من السنن وهو القصد، وقيل: معنى استنت لجت في عدوِّها إقبالًا وإدبارًا، وقيل: الاستنان مختص بالجري إلى فوق، وقيل: هو النشاط والمرح، وفي "البارع": هو كالرقص، وقيل: استنت: رعت، وقيل: الجري بغير فارس.
قوله: "شرفًا" بفتح الشين المعجمة والراء هو ما أشرف من الأرض وارتفع.
قوله: "بنَهْرٍ عجاج" النَّهْر بفتح النون وسكون الهاء وفتحها أيضًا لغتان فصحتان ذكرهما ثعلب، وقال الهروي: الفتح أفصح، وقال ابن خالويه: الأصل فيه التسكين، وإنما جاز فتحه لأن فيه حرفًا من حروف الحلق. قال: وحروف الحلق إذا وقعت آخر الكلام فتُح وسطها، وإذا وقعت وسطًا فتحت نفسها.
وقال بعضهم: لأنه حرف استعلاء، يفتح لاستعلائه.
وفي "الموعب": نَهْر ونُهُور مثل جَمْع وجموع.
وقال أبو حاتم: نَهَر وأنهار مثل حَبَل وأَجْبَال.
و"العِجَاج": على وزن فعال -بالتشديد- أي كثير الماء، كأنه يعجّ من كثرته وصوت تدفقه.
قوله: "لم يرد السقي فيه" من باب التنبيه؛ لأنه إذا كان تحصل له هذه الحسنات من غير أن يقصد سقيها فإذا قصد فأولى بأضعاف الحسنات.
قوله: "تغنيًّا" يعني لأجل التغني، أراد: يستغني به عما في أيدي الناس ويتعفف عن سؤالهم بما يعمله عليها ويكتسب على ظهورها.
стр. 6370
قوله: "ونوِاء" بكسر النون والمد، وهو المعاداة، وهو أن ينوي إليك وتنوي إليه أي تنهض. قال الداودي: بفتح النون والقصر، قال: وكذا روي، والمشهور الأول.
وقال ابن قرقول: والقصر وفتح النون وهم. وقال الإِسماعيلي: قال ابن أبي الحجاج عن أبي المصعب: "بواء" بالباء.
قوله: "كانت له وزرًا" الوزر -بكسر الواو-: الإثم يريد باعتقاده وأن يقاتلهم عليها.
قوله: "بالحُمُر" بضم الميم: جمع حمار.
قوله: "إلا هذه الآية الفاذة" بالذال المعجمة أي المنفردة القليلة النظير في معناها، وجَمَعَت -على انفرادها- حكم الحسنات والسيئات المتناولة لكل خير ومعروف، ومعناه: أن من أحسن إليها أو أساء رآه في الآخرة.
ويستنبط منه أحكام:
فيه دلالة على فضيلة الخيل على سائر الحيوان.
وفيه: أن اقتناء الخيل لنية الاعتداد في سبيل الله فيه ثواب جزيل وأجر جميل.
وفيه: حجة لأبي حنيفة بقوله: "لم ينس حق الله في رقابها" على وجوب الزكاة في الخيل السائمة، وقد مرّ الكلام فيه مستقصى في كتاب الزكاة.
وفيه: احتج بعضهم بقوله: "لم ينزل الله علي في الحمر شيئًا" أن النبي ﵇ لم يكن مجتهدًا، وإنما كان يحكم بالوحي.
وأجيب بأنه ﵇ لم يظهر له أو لم يفسر الله من أحكام الحمير وأحوالها ما قاله في الخيل وغيرها، وإنما لم يسألوه عن البغال لقلقها عندهم، أو لأنها بمنزلة الحمير.
وفيه: الإشارة إلى التمسك بالعموم.
وفيه: الإشارة على صحة القياس والاستنباط وكيف يفهم معنى التنزيل؛ لأنه نبَّه ﵇ ما لم يذكر الله في كتاب وهي الحمر بما ذكر ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
стр. 6371
خَيْرًا يَرَهُ﴾ معناهما واحدًا، وهو نفس القياس الذي ينكره من لا تحصيل له.
وأما حديث عبد الله بن عمر ﵄ فأخرجه من أربع طرق صحاح:
الأول: عن محمد بن عمرو بن يونس، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن عبد الله بن عمر. . . إلى آخره.
وأخرجه الجماعة (١).
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر. . . إلى آخره.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعبني، عن مالك. . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٢): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك. . . إلى آخره نحوه.
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب. . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٣): ثنا علي بن حفص، أنا ابن المبارك، حدثنا طلحة بن أبي سعيد، قال: سمعت سعيد المقبري يحدث، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال النبي ﵇: "من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده فإن شبعه وريَّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة".
قوله: "الخيل" مبتدأ وخبره الجملة -أعني قوله: "معقود في نواصيها الخير".
стр. 6372
و"الخير" مرفوع بقوله: "معقود"؛ لأن اسم المفعول يعمل عمل فعله.
و"النواصي": جمع ناصية، وإنما خص النواصي بالذكر؛ لأن العرب تقول غالبًا: فلان مبارك الناصية، فيكنى به عن الإنسان.
وقوله: "الخيل في نواصيها الخير" لفظة عامة، والمراد بها الخصوص؛ لأنه لم يُرد به إلا بعض الخيل، بدليل قوله: "الخيل لثلاثة" فبيَّن أنه أراد الخيل الغازية في سبيل الله لا أنها على كل وجوهها. ذكره ابن المنذر.
ويقال: الخير هنا المال؛ قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (١) أي مالاً، وقال المفسرون في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ (٢) أنه أراد به الخيل.
وقال أبو عمر بن عبد البر: وفي قوله ﵇: "الخيل معقود في نواصيها الخير" وقوله: "البركة في نواصي الخيل" ما يعارض رواية من روى "الشؤم في المرأة والدار الفرس" (٣) ويعضد رواية من روى: "لا شؤم وقد يكون اليُمن في الفرس والدار والمرأة" (٤).
وقال أيضًا: وفي هذا الحديث النص على اكتساب الخيل وتفضيلها على سائر الدواب؛ لأنه ﵇ لم يأت عنه في غيرها من الدواب مثل هذا القول، وذلك تعظيم منه لشأنها، وحضٌّ على اكتسابها، وندب إلى ارتباطها في سبيل الله للقاء العدو، وهي أقوى الآلات في جهاده، فهذه الخيل المعدة للجهاد وهي التي في نواصيها الخير.
وأما إذا كانت معدة للفتن وقتال المسلمين وسلبهم وتفريق جمعهم وتشريدهم عن أوطانهم فتلك خيل الشيطان وأربابها حزبه، وفي مثلها -والله أعلم- ورد أن
стр. 6373
اكتسابها وزر على صاحبها، وقد استدل جماعة من العلماء أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة تحت راية كل بَرٍّ وفاجر من الأئمة بهذا الحديث؛ لأنه قال فيه: "إلى يوم القيامة" ولا وجه لذلك إلا الجهاد في سبيل الله؛ لأنه قد ورد الذم فيمن ارتبطها واحتبسها رياء وفخرًا ونواء لأهل الإِسلام، والله أعلم.
ومن نكات هذا الحديث: أنه يشتمل على الجناس المضارع، والجناس بين اللفظين هو تشابههما في اللفظ، وينقسم إلى: جناس تام: وهو أن يتَّفِقَا في أنواع الحروف وأعدادها وهيئاتها وترتيبها.
وناقص: وهو أن يختلفا في أعداد الحروف فقط.
ثم الحديث فيه جناس مضارع ناقص، وكونه ناقصًا ظاهر، وأما كونه مضارعًا فلكون الحرفين المختلفين فيه متقاربين؛ وذلك لأن اللام والراء من مخرج واحد، ثم الحرفان المتقاربان لا يخلو إما في الأول كقول الحريري: بيني وبين كِنِّي ليل دامس، وطريق طامس.
وإما في الوسط، كقوله تعالى،: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ (١).
وإما في الآخِر كما في الحديث المذكور.
قوله: "احتبس فرسًا" أي أرصده وأعدَّه في سبيل الله.
قوله: "إيماناً بالله" أي مؤمنًا ومصدقًا بوعده.
قوله: "شِبَعه" بكسر الشين المعجمة وفتح الباء، أراد ما يشبعه من العلف.
قوله: "ورِيَّه" بكسر الراء من رَوِيت من الماء -بالكسر- أروي رَيًّا ورِيًّا، ورِوًى أيضًا مثل رضًى، والمراد به ها هنا ما يرويه من الماء.
ثم اعلم أن ما وصفه النبي ﵇ من الشبع والري والبول والروث إنما يريد به
стр. 6374
ثوابه، لا أن هذه الأشياء موزونة؛ ولا نقول أن زنة الأجر زنة الروث أو البول بل أضعاف ذلك إلى ما شاء الله تعالى.
ومن لطائف هذا الحديث أن الأمثال تُضرب لصحة المعاني، وأن النية يترتب عليها الأجر، وأن الأحباس جائزة في الخيل والكراع، وفيه بحث موضعه الفروع.
وأما حديث جابر بن عبد الله ﵄: فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة -فيه مقال- عن عتبة بن أبي حكيم الهمداني الأردني الطبراني؛ فعن يحيى: ثقة. وعنه: ضعيف. وعن النسائي: ضعيف. وعنه: ليس بالقوى. روى له الأربعة.
عن الحصين بن حرملة المهري وثقه ابن حبان، عن أبي المصبح المقرائي الأوزاعي الحمصي -وقيل: الدمشقي، والصحيح أنه حمصي- قال أبو زرعة: ثقة لا أعرف اسمه. ووثقه ابن حبان أيضًا، وروى له أبو داود.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا إبراهيم بن إسحاق وعلي بن إسحاق، قالا: ثنا ابن المبارك، عن عتبة -وقال علي: أنا عتبة- بن أبي حكيم، حدثني حصين بن حرملة، عن أبي مصبح، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير والنَّيْل إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، فامسحوا بنواصيها وادعوا لها بالبركة، وقلدوها ولا تقلدوها بالأوتار".
قوله: "والنيل" مِن نال ينال نيلًا إذا أصاب فهو نائل.
قوله: "وقلدوها" أي قلدوها طلب أعداء الدين والدفاع عن المسلمين، ولا تقلدوها طلب أوتار الجاهلية ودخولها التي كانت بينكم.
و"الأوتار" جمع وتر -بالكسر- وهو الدم وطلب الثأر، يريد: اجعلوا ذلك لازمًا لها في أعناقها لزوم القلائد في الأعناق.
стр. 6375
وقيل: أراد بالأوتار جمع وتر: القوس، أي: لا تجعلوا في أعناقها الأوتار فتختنق؛ لأن الخيل ربما رعت الأشجار فنشبت الأوتار ببعض شعبها فخنقتها.
وقيل: إنما نهاهم عنها؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن تقليد الخيل بالأوتار يدفع عنها العين والأذى؛ فيكون كالعوذة لها، فنهاهم وأعلمهم أنها لا تدفع ضرًّا ولا تصرف حذرًا.
وأما حديث جرير بن عبد الله: فأخرجه بإسناد صحيح من طريقين:
الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقى، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن يونس بن عبيد بن دينار البصري، عن عمرو بن سعيد القرشي الثقفي البصري، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، قيل: اسمه هرم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عمرو، وقيل: جرير.
وهو يروي عن جده جرير بن عبد الله البجلي، روى له الجماعة.
والحديث أخرجه مسلم (١): عن جرير، ولفظه عن جرير: "رأيت رسول الله ﵇ يلوي ناصية فرسه بأصبعه وهو يقول: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة".
الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن عبيد الله بن محمد التيمي العيشي شيخ أبي داود، عن يزيد بن زريع، عن يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة، عن جرير بن عبد الله.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا هشيم، أنا يونس، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة، عن جرير بن عبد الله قال: "رأيت رسول الله ﵇ يفتل عرف فرسه بأصبعيه وهو يقول: الخيل معقودٌ بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم".