خَيْرًا يَرَهُ﴾ معناهما واحدًا، وهو نفس القياس الذي ينكره من لا تحصيل له.
وأما حديث عبد الله بن عمر ﵄ فأخرجه من أربع طرق صحاح:
الأول: عن محمد بن عمرو بن يونس، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن عبد الله بن عمر. . . إلى آخره.
وأخرجه الجماعة (١).
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عمر. . . إلى آخره.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعبني، عن مالك. . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٢): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك. . . إلى آخره نحوه.
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب. . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٣): ثنا علي بن حفص، أنا ابن المبارك، حدثنا طلحة بن أبي سعيد، قال: سمعت سعيد المقبري يحدث، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال النبي ﵇: "من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده فإن شبعه وريَّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة".
قوله: "الخيل" مبتدأ وخبره الجملة -أعني قوله: "معقود في نواصيها الخير".
стр. 6372
و"الخير" مرفوع بقوله: "معقود"؛ لأن اسم المفعول يعمل عمل فعله.
و"النواصي": جمع ناصية، وإنما خص النواصي بالذكر؛ لأن العرب تقول غالبًا: فلان مبارك الناصية، فيكنى به عن الإنسان.
وقوله: "الخيل في نواصيها الخير" لفظة عامة، والمراد بها الخصوص؛ لأنه لم يُرد به إلا بعض الخيل، بدليل قوله: "الخيل لثلاثة" فبيَّن أنه أراد الخيل الغازية في سبيل الله لا أنها على كل وجوهها. ذكره ابن المنذر.
ويقال: الخير هنا المال؛ قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (١) أي مالاً، وقال المفسرون في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ (٢) أنه أراد به الخيل.
وقال أبو عمر بن عبد البر: وفي قوله ﵇: "الخيل معقود في نواصيها الخير" وقوله: "البركة في نواصي الخيل" ما يعارض رواية من روى "الشؤم في المرأة والدار الفرس" (٣) ويعضد رواية من روى: "لا شؤم وقد يكون اليُمن في الفرس والدار والمرأة" (٤).
وقال أيضًا: وفي هذا الحديث النص على اكتساب الخيل وتفضيلها على سائر الدواب؛ لأنه ﵇ لم يأت عنه في غيرها من الدواب مثل هذا القول، وذلك تعظيم منه لشأنها، وحضٌّ على اكتسابها، وندب إلى ارتباطها في سبيل الله للقاء العدو، وهي أقوى الآلات في جهاده، فهذه الخيل المعدة للجهاد وهي التي في نواصيها الخير.
وأما إذا كانت معدة للفتن وقتال المسلمين وسلبهم وتفريق جمعهم وتشريدهم عن أوطانهم فتلك خيل الشيطان وأربابها حزبه، وفي مثلها -والله أعلم- ورد أن
стр. 6373
اكتسابها وزر على صاحبها، وقد استدل جماعة من العلماء أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة تحت راية كل بَرٍّ وفاجر من الأئمة بهذا الحديث؛ لأنه قال فيه: "إلى يوم القيامة" ولا وجه لذلك إلا الجهاد في سبيل الله؛ لأنه قد ورد الذم فيمن ارتبطها واحتبسها رياء وفخرًا ونواء لأهل الإِسلام، والله أعلم.
ومن نكات هذا الحديث: أنه يشتمل على الجناس المضارع، والجناس بين اللفظين هو تشابههما في اللفظ، وينقسم إلى: جناس تام: وهو أن يتَّفِقَا في أنواع الحروف وأعدادها وهيئاتها وترتيبها.
وناقص: وهو أن يختلفا في أعداد الحروف فقط.
ثم الحديث فيه جناس مضارع ناقص، وكونه ناقصًا ظاهر، وأما كونه مضارعًا فلكون الحرفين المختلفين فيه متقاربين؛ وذلك لأن اللام والراء من مخرج واحد، ثم الحرفان المتقاربان لا يخلو إما في الأول كقول الحريري: بيني وبين كِنِّي ليل دامس، وطريق طامس.
وإما في الوسط، كقوله تعالى،: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ (١).
وإما في الآخِر كما في الحديث المذكور.
قوله: "احتبس فرسًا" أي أرصده وأعدَّه في سبيل الله.
قوله: "إيماناً بالله" أي مؤمنًا ومصدقًا بوعده.
قوله: "شِبَعه" بكسر الشين المعجمة وفتح الباء، أراد ما يشبعه من العلف.
قوله: "ورِيَّه" بكسر الراء من رَوِيت من الماء -بالكسر- أروي رَيًّا ورِيًّا، ورِوًى أيضًا مثل رضًى، والمراد به ها هنا ما يرويه من الماء.
ثم اعلم أن ما وصفه النبي ﵇ من الشبع والري والبول والروث إنما يريد به
стр. 6374
ثوابه، لا أن هذه الأشياء موزونة؛ ولا نقول أن زنة الأجر زنة الروث أو البول بل أضعاف ذلك إلى ما شاء الله تعالى.
ومن لطائف هذا الحديث أن الأمثال تُضرب لصحة المعاني، وأن النية يترتب عليها الأجر، وأن الأحباس جائزة في الخيل والكراع، وفيه بحث موضعه الفروع.
وأما حديث جابر بن عبد الله ﵄: فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة -فيه مقال- عن عتبة بن أبي حكيم الهمداني الأردني الطبراني؛ فعن يحيى: ثقة. وعنه: ضعيف. وعن النسائي: ضعيف. وعنه: ليس بالقوى. روى له الأربعة.
عن الحصين بن حرملة المهري وثقه ابن حبان، عن أبي المصبح المقرائي الأوزاعي الحمصي -وقيل: الدمشقي، والصحيح أنه حمصي- قال أبو زرعة: ثقة لا أعرف اسمه. ووثقه ابن حبان أيضًا، وروى له أبو داود.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا إبراهيم بن إسحاق وعلي بن إسحاق، قالا: ثنا ابن المبارك، عن عتبة -وقال علي: أنا عتبة- بن أبي حكيم، حدثني حصين بن حرملة، عن أبي مصبح، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﵇: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير والنَّيْل إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، فامسحوا بنواصيها وادعوا لها بالبركة، وقلدوها ولا تقلدوها بالأوتار".
قوله: "والنيل" مِن نال ينال نيلًا إذا أصاب فهو نائل.
قوله: "وقلدوها" أي قلدوها طلب أعداء الدين والدفاع عن المسلمين، ولا تقلدوها طلب أوتار الجاهلية ودخولها التي كانت بينكم.
و"الأوتار" جمع وتر -بالكسر- وهو الدم وطلب الثأر، يريد: اجعلوا ذلك لازمًا لها في أعناقها لزوم القلائد في الأعناق.
стр. 6375
وقيل: أراد بالأوتار جمع وتر: القوس، أي: لا تجعلوا في أعناقها الأوتار فتختنق؛ لأن الخيل ربما رعت الأشجار فنشبت الأوتار ببعض شعبها فخنقتها.
وقيل: إنما نهاهم عنها؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن تقليد الخيل بالأوتار يدفع عنها العين والأذى؛ فيكون كالعوذة لها، فنهاهم وأعلمهم أنها لا تدفع ضرًّا ولا تصرف حذرًا.
وأما حديث جرير بن عبد الله: فأخرجه بإسناد صحيح من طريقين:
الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقى، عن محمد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن يونس بن عبيد بن دينار البصري، عن عمرو بن سعيد القرشي الثقفي البصري، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، قيل: اسمه هرم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عمرو، وقيل: جرير.
وهو يروي عن جده جرير بن عبد الله البجلي، روى له الجماعة.
والحديث أخرجه مسلم (١): عن جرير، ولفظه عن جرير: "رأيت رسول الله ﵇ يلوي ناصية فرسه بأصبعه وهو يقول: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة".
الثاني: عن محمد بن خزيمة، عن عبيد الله بن محمد التيمي العيشي شيخ أبي داود، عن يزيد بن زريع، عن يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة، عن جرير بن عبد الله.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا هشيم، أنا يونس، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة، عن جرير بن عبد الله قال: "رأيت رسول الله ﵇ يفتل عرف فرسه بأصبعيه وهو يقول: الخيل معقودٌ بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم".
стр. 6376
وأما حديث أبي كبشة: فأخرجه بإسناد صحيح: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، عن زياد بن ربيعة بن نعيم بن ربيعة بن عمرو الحضرمي البصري وقد ينسب إلى جده، وثقه العجلي.
عن أبي كبشة الأنماري الصحابي -اسمه عمر بن سعيد، وقيل: سعد بن عمرو، وقيل: عمرو بن سعيد وهو الأشهر.
والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا يحيى بن عثمان بن صالح، نا أصبغ بن الفرج، نا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، حدثني نعيم بن زياد، أنه سمع أبا كبشة صاحب رسول الله ﵇ يحدث، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير، وأهلها معانون عليها، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة".
وأما حديث عروة البارقي: فأخرجه من أربع طرق؛ الثلاثة الأُول صحاح:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن ادريس ابن يزيد الزعافري الكوفي، وعن محمد بن فضيل بن غزوان الضبي الكوفي، كلاهما عن حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، عن عامر الشعبي، عن عروة ابن أبي الجعد الأزدي، ويقال: الأسدي، ويقال: ابن الجعد، ونسبته إلى "بارق" جبل نزل به سعد بن عدي بن حارثة بن عمرو بن مزيقاء بن ماء السماء بن حارثة الغطريف.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن حصين وابن أبي السفر، عن الشعبي، عن عروة بن الجعد، عن النبي ﵇ قال: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامه" قال سليمان: عن شعبة، عن عروة بن أبي الجعد، تابعه مسدد.
стр. 6377
وأخرجه البرقاني نحو رواية الطحاوي: من طريق ابن إدريس، عن حصين يرفعه: "الإبل عزٌّ لأهلها والغنم بركة".
وأخرجه الطيالسي (١) بسند البخاري، وفيه: "قيل: يا رسول الله ما الخير؟ قال: الأجر والمغنم".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن فطر بن خليفة القرشي، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي. . . إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يحيى بن آدم، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عروة بن أبي الجعد البارقي، قال: قال رسول الله ﵇: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة؛ الأجر والمغنم".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن مسلم بن إبراهيم القصاب شيخ البخاري وأبي داود، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن العيزار بن حريث العبدي الكوفي، عن عروة البارقي.
وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (٣): ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن العيزار، عن عروة بن جعد، عن النبي ﵇ قال: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير".
الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن صالح الوُحَاظي الشامي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن عروة البارقي.
وهذا السند فيه مقال من جهة جابر.
стр. 6378
وأخرجه الترمذي (١): عن هناد، عن عبثر بن القاسم، عن حصين، عن الشعبي، عن عروة البارقي، قال: قال رسول الله ﵇: "الخير معقودٌ في نواصي الخيل إلى يوم القيامة؛ الأجر والمغنم".
وأخرجه النسائي (٢): عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن حصين، عن الشعبي نحوه.
وأخرجه ابن ماجه (٣): عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن ابن إدريس، عن حصين به.
وعن أبي بكر بن أبي شيبة (٤): عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي، عن شبيب بن غرقدة، عن عروة نحوه.
وأما حديث سلمة بن نفيل ﵁: فأخرجه بإسناد صحيح:
عن محمد بن حميد بن هشام الرعيني، عن عبد الله بن يوسف التنيسي شيخ البخاري، عن عبد الله بن سالم الأشعري الحمصي روى له البخاري وأبو داود والنسائي، عن إبراهيم بن سليمان الأفطس الدمشقي، قال دحيم: ثقة ثبت. روى له الترمذي وابن ماجه.
عن الوليد بن عبد الرحمن الحرشي -بفتح الحاء والراء المهملتين وبالشين المعجمة- نسبة إلى بني الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة الحمصي، روى له الجماعة إلا البخاري.
عن جبير بن نفير -كلاهما بالتصغير- بن مالك الحضرمي الشامي الحمصي -روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح".
стр. 6379
عن سلمة بن نفيل السكوني -ويقال: التراغمي- الصحابي، نزل حمص.
والحديث أخرجه الطبراني بأتم منه (١): ثنا بكر بن سهل، نا عبد الله بن يوسف. . . إلى آخره.
ولفظه: "قال: دنوت من رسول الله ﵇ حتى كادت ركبتاي تمسان فخذه، فقلت: يا رسول الله، تركت الخيل وألقي السلاح وزعم أقوامٌ أن لا قتال، فقال: كذبوا، الآن جاء القتال، لا تزال من أمتي أمهٌ قائمةٌ على الحق ظاهرةٌ على الناس يزيغ الله قلوب قوم قاتلوهم لينالوا منهم، وقال: وهو مُوَلِّي ظهره إلى اليمن: إني أجد نفس الرحمن من ها هنا, ولقد أوحي إليَّ أني مكتوب غير ملبث وتتبعوني أفنادًا، والخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها".
وهذا كما رأيت قد أخرج الطحاوي عن سبعة من الصحابة.
وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي سعيد الخدري وأسماء ابنة يزيد والمغيرة بن شعبة.
قلت: وفي الباب أيضًا: عن عتبة بن عبد السلمي، وسوادة بن الربيع، وعبد الله بن مسعود، والبراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وسهل بن الحنظلية، وأبي أمامة الباهلي، وأبي ذر الغفاري، وتميم الداري، وعريب المليكي، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبي وهب الجشمي.
أما حديث أبي سعيد الخدري: فأخرجه البزار في "مسنده" (٢): نا بشر بن خالد العسكري، نا معاوية بن هشام، ثنا شيبان، ثنا فراس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﵇: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
стр. 6380
وأما حديث أسماء بنت يزيد: فأخرجه أحمد في "مسنده" (١): من حديث شهر عنها مرفوعًا: "من ارتبط فرسًا في سبيل الله فأنفق عليها احتسابًا؛ كان شبعه وجوعه وريَّه وظمأه وبوله وروثه في ميزانه يوم القيامة، ومن ارتبط فرسًا رياء وسمعة كان ذلك خسرانًا في ميزانه يوم القيامة".
وأما حديث المغيرة بن شعبة: فأخرجه أبو يعلى في "مسنده": ثنا محمد بن مرزوق البصري، ثنا إسماعيل بن سعيد الجبيري، قال: سمعت سعيد بن عبيد الجبيري يحدث، عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله ﵇: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها".
وأما حديث عتبة بن عبد السلمي: فأخرجه أبو داود (٢): من حديث شيخ من بني سليم، عن عتبة بن عبد السلمي، سمع النبي ﵇ يقول: "لا تقصوا نواصي الخيل ولا معارفها ولا أذنابها؛ فإن أذنابها مذابها ومعارفها دفاؤها ونواصيها معقود فيها الخير".
وأخرجه أبو يعلى، وسمى الشيخ: نصر بن علقمة.
وأما حديث سوادة بن الربيع: فأخرجه الطبراني في "الكبير" (٣): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا معلى بن أسد العمي، ثنا محمد بن حمران، نا سليمان الجرمي، عن سوادة بن الربيع الجرمي قال: "أتيت رسول الله ﵇ فأمر لي بذود، قال لي: عليك بالخيل؛ فإن الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلي يوم القيامة".
وأما حديث عبد الله بن مسعود: فأخرجه أبو القاسم البغوي: من حديث بقية، عن علي بن علي، حدثني يونس، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵇: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
стр. 6381
وأما حديث البراء بن عازب: فأخرجه البغوي أيضًا نحوه: من حديث صالح بن دينار، عن يزيد بن يسار، عن فطر، عن أبي إسحاق، عن البراء به.
وأما حديث حذيفة بن اليمان: فأخرجه ابن عساكر: من حديث النعمان بن عبد السلام، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي عمار، عن حذيفة نحوه.
وأما حديث سهل بن الحنظلية: فأخرجه الطبراني (١): ثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا هشام بن عمار، ثنا يحيى بن حمزة، ثنا المطعم بن مقدام الصنعاني، عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال لابن الحنظلية: حدثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﵇ قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها، ومن ربط فرسًا في سبيل الله كانت النفقة عليه كالمادّ يده بالصدقة لا يقبضها".
وأما حديث أبي أمامة: فأخرجه أبو طاهر الذهلي: من حديث يحيى بن راشد، عن الجريري، عن لقيط، عن أبي أمامة، عن النبي ﵇: "الخيل معقودٌ بنواصيها الخير إلى يوم القيامة".
وأما حديث أبي ذر الغفاري: فأخرجه عن عبد الله بن وهب في "مسنده": ثنا عمرو بن الحارث، عن الحارث بن يعقوب، عن أبي الأسود الغفاري، عن أبي ذر الغفاري، قال: قال رسول الله ﵇: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
وأما حديث تميم الداري: فأخرجه محمد بن عقبة القاضي، عن أبيه، عن جده، عن تميم الداري: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "من ارتبط فرسًا في سبيل الله فعالج علفه؛ كان له بكل حبة حسنة".
وأما حديث عريب المليكي: فأخرجه ابن أبي عاصم (٢): من حديث يزيد بن
стр. 6382
عبد الله بن عريب المليكي، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
وأما حديث علي بن أبي طالب: فأخرجه ابن منده: من حديث سعيد بن عنبسة، ثنا منصور بن زاذان العطار، ثنا يونس، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: قال النبي ﵇: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
وأما حديث زيد بن ثابت ﵁: فأخرجه عبد بن حميد في "مسنده" (١) بسند فيه ضعف: عن زيد مرفوعًا: "من حبس فرسًا في سبيل الله كان ستره من النار".
وأما حديث أبي وهب: الجشمي فأخرجه أبو داود (٢): ثنا هارون بن عبد الله، قال: ثنا هشام بن سعد الطالقاني، قال: أنا محمد بن مهاجر، قال: نا عقيل بن شبيب، عن أبي وهب الجشمي -وكانت له صحبة- قال: قال رسول الله ﵇: "ارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأفخاذها -أو قال: على أكفالها- وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار".
وأخرجه النسائي (٣).
ص: فإن قال قائل: فما معنى اختصاص النبي ﵇ بني هاشم بالنهي عن إنزاء الحمر على الخيل؟
قيل له: لما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا مرجى بن رجاء، قال: ثنا أبو جهضم، قال: حدثني عبد الله بن عبيد الله، عن ابن عباس ﵄ قال: "ما اختصنا رسول الله ﵇ إلا بثلاث: أن لا نأكل الصدقة، وأن نسبغ الوضوء، وأن لا ننزي حمارًا على فرس. قال: فلقيت عبد الله بن الحسن وهو
стр. 6383
يطوف بالبيت فحدثته فقال: صدق، كانت الخيل قليلة في بني هاشم فأحب أن تكثر فيهم".
فبيَّن عبد الله بن الحسن بتفسيره هذا المعنى الذي اختص له رسول الله ﵇ بني هاشم أن لا ينزوا حمارًا على فرس، وأنه لم يكن للتحريم وإنما كان لعلة قلة الخيل فيهم، فإذا ارتفعت تلك العلة وكثرت الخيل في أيديهم صاروا في ذلك كغيرهم، وفي اختصاص النبي ﵇ إياهم بالنهي عن ذلك دليل على إباحته إياه لغيرهم، ولما كان النبي ﵇ قد جعل في ارتباط الخيل ما ذكرنا من الثواب والأجر، وسئل عن ارتباط الحمير فلم يجعل في ارتباطها شيئًا، فالبغال التي هي خلاف الخيل مثلها؛ كان من ترك أن ينتج ما في ارتباطه وكسبه الثواب وكنتج ما لا ثواب في ارتباطه وكسبه من الذين لا يعلمون.
فقد ثبت بما ذكرنا إباحة نتج البغال لبني هاشم ولغيرهم، وإن كان نتج الخيل أفضل من ذلك.
وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ﵏.
ش: السؤال والجواب ظاهران.
والحديث أخرجه بهذا الإِسناد في كتاب الزكاة في باب: "الصدقة على بني هاشم".
وأبو عمر الحوضي حفص بن عمر شيخ البخاري.
ومرجى بن رجاء اليشكري خال أبي عمر الحوضي.
وأبو جهضم اسمه موسى بن سالم.
وعبد الله بن عبيد الله -بالتكبير في الابن والتصغير في الأب- ابن عباس بن عبد المطلب -وثقه النسائي وابن حبان، وروى له الأربعة.
стр. 6384
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا إسماعيل، نا موسى بن سالم أبو جهضم، عن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، سمع ابن عباس قال: "كان رسول الله ﵇ عبدًا مأمورًا، بلغ والله ما أرسل به، وما اختصنا دون الناس بشيء ليس ثلاثًا: أمرنا أن نسبغ الوضوء، وأن لا نأكل الصدقة، وأن لا ننزي حمارًا على فرس. قال موسى: فلقيت عبد الله بن الحسن وقلت: إن عبد الله بن عبيد الله حدثني بكذا وكذا، فقال: إن الخيل كانت في بني هاشم قليلة فأحب أن تكثر منهم".
قوله: "كان من ترك أن ينتج" من الإنتاج، وقوله: "من الذين لا يعلمون" خبر "كان " في قوله: "كان من ترك".
قوله: "وهذا" أي الذي ذكرنا هو قول الإِمام أبي حنيفة وصاحبيه ﵏ (٢).
...
стр. 6385
ص: كتاب الصيد والذبائح
ش: أي هذا الكتاب في بيان أحكام الصيد والذبائح.
"والصيد" مصدر من صاد يصيد صيدًا فهو صائد وذاك مصيد، وقد يقع الصيد على المصيد نفسه تسمية بالمصدر كقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١) قيل: لا يقال للشيء صيد حتى يكون متمتعًا حلالًا لا مالك له.
و"الذبائح" جمع ذبيحة بمعنى مذبوحة.
...
ص: باب: العيوب التي لا تجزئ الهدايا والضحايا إذا كانت بها
ش: أي هذا باب في بيان العيوب التي تمنع جواز الهدايا والضحايا.
و"الهدايا" جمع هدية، و"الهدية" واحد الهدي بتخفيف الياء وتشديدها، فأهل الحجاز وبنو أسد يخففون وتميم وسُفْلَى قيس يثقلون، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢) و"الضحايا" جمع ضحية، وفي الأضحية أربع لغات: أُضحية وإِضحية -بضم الهمزة وكسرها- والجمع أضاحي، وضحية والجمع ضحايا، وأضحاة والجمع أضحى.
ص: حدثنا أبو موسى يونس بن عبد الأعلى قال: ثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث وبن لهيعة والليث بن سعد: أن سليمان بن عبد الرحمن حدثهم عن عبيد بن فيروز مولى بني شيبان عن البراء بن عازب: "أنه سأله عمَّا كرهه رسول الله ﷺ من الأضاحي أو ما نهى عنه؟ فقال: قام فينا رسول الله ﵇
стр. 6386
ويدي أقصر من يده- فقال: أربع لا تجزئ في الضحايا: العوارء البين عورها والعرجاء البين عرجها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقي.
قال البراء: فلقد رأيتني وإني لأرى الشاة وقد تركت فأشير إليها فإذا أطرقت أخذتها فضحيت بها، فقلت له: فإني أكره أن يكون في السِّنِّ نقص أو في الأذن نقص أو في القرن نقص، فقال: ما كرهته فدعه ولا تحرمه على أحد".
حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب أن مالكًا حدثه عن عمرو بن الحارث، عن عبيد بن فيروز، عن البراء بن عازب: "أن رسول الله ﷺ سئل: ماذا يتقى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال: أربع -وكان البراء يشير بيده ويقول: يدي أقصر من يد رسول الله ﵇: العرجاء البيِّن عرجها والعوراء البيِّن عورها والمريضة البَيِّنّ مرضها والعجفاء التي لا تنقي".
حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو الوليد وحبان بن هلال (ح).
وحدثنا علي بن شيبة قال: ثنا يزيد بن هارون قالوا: أنا شعبة عن سليمان بن عبد الرحمن قال: سمعت عبيد بن فيروز قال: سألت البراء. . فذكر مثله.
حدثنا يونس قال: ثنا أيوب بن سويد، عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عبد الرحمن، عن البراء بن عازب، عن رسول الله ﵇. . . مثله، غير أنه قال: "والعجفاء التي لا تنقي" ولم يقل: "الكسيرة".
ش: هذه خمس طرق:
الأول: إسناده صحيح: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث المصري وعبد الله بن لهيعة فيه مقال والليث بن سعد، ثلاثتهم عن سليمان بن عبد الرحمن -ويقال: سليمان بن سفيان بن عبد الرحمن- الأسدي عداده في المصريين، وثقه أحمد وأبو حاتم وروى له الأربعة.
стр. 6387
عن عبيد بن فيروز الشيباني الكوفي، وثقة أبو حاتم والنسائي وروى له الأربعة.
عن البراء بن عازب ﵁.
وأخرجه الأربعة:
فأبو داود (١): عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن عبيد بن فيروز قال: "سألت البراء بن عازب: ما لا يجوز في الأضاحي؟ فقال: قام فينا رسول الله ﵇-وأصابعي أقصر من أصابعه وأناملي أقصر من أنامله- فقال: أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء بيِّن عورها والمريضة بين مرضها والعرجاء بيِّن ظلعها، والكسير الذي لا تنقي، قال: قلت: فإني أكره أن يكون في السِّنِّ نقص، قال: ما كرهت فدعه ولا تحرمه على أحد".
والترمذي (٢): عن علي بن حجر، عن جرير، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سليمان، عن عبيد بنحوه، وقال: "رفعه".
وعن هناد عن ابن أبي زائدة عن شعبة عن سليمان، عن عبيد. . . نحوه، وقال: حسن صحيح.
والنسائي (٣): عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد عن شعبة، عن سليمان بن عبد الرحمن مولى بني أسد، عن أبي الضحاك عبيد بن فيروز مولى بني شيبان. . . نحوه.
وابن ماجه (٤): عن ابن بشار، عن يحيى وغندر وابن مهدي وابن أبي عدي وأبي الوليد به.
стр. 6388
الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس. . . إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطئه" (١).
وقال أبو عمر: لم تختلف الرواة عن مالك في هذا الحديث، ورواه عمرو بن الحارث عن سليمان بن عبد الرحمن، عن عبيد بن فيروز عن البراء بن عازب فسقط لمالك ذكر سليمان بن عبد الرحمن، ولا يعرف الحديث إلا لسليمان بن عبد الرحمن هذا، ولم يروه غيره عن عبيد بن فيروز، ولا يعرف عبيد بن فيروز إلا بهذا الحديث، وبرواية سليمان هذا عنه، ورواه عن سليمان جماعة من الأئمة منهم شعبة والليث وعمرو بن الحارث ويزيد بن أبي حبيب وغيرهم.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري وعن حبان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- بن هلال الباهلي البصري كلاهما عن شعبة بن الحجاج، عن سليمان بن عبد الرحمن. . . إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا وكيع وابن جعفر قالا: ثنا شعبة، عن سليمان ابن عبد الرحمن، عن عبيد بن فيروز مولى بني شيبان قال: "سألت البراء بن عازب، ما كره رسول الله ﵇ من الأضاحي، أو ما نهى عنه من الأضاحي؟ قال: فقام فينا رسول ﵇-قال: ويده أطول من يدي، أو قال: يدي أقصر من يده- قال: أربع لا تجوز في الضحايا: العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين عرجها والكسير التي لا تنقي. فقلت للبراء: فإنه يكره أن يكون في الأذن نقص أو في العين نقص أو في السن نقص. قال: ما كرهته فدعه ولا تحرمه على أحد".
الرابع: عن علي بن شيبة بن الصلت عن يزيد بن هارون الواسطي عن شعبة عن سفيان. . . إلى آخره.
стр. 6389
قوله: "قالوا: أخبرنا" أي قال أبو الوليد وحبان بن هلال ويزيد بن هارون.
الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن أيوب بن سويد الحميري أحد مشايخ الشافعي قال يحيى: ضعيف يسرق الأحاديث. وقال النسائي: ليس بثقة. وهو يروي عن عبد الرحمن بن عمرو والأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير اليمامي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف عن البراء. . . إلى آخره.
وإنما أخرج الطحاوي هذا الطريق أيضًا تنبيهًا على فائدة وهي أن في الطرق المذكورة غير طريق مالك يروي سليمان عن عبيد، قال ابن المديني: لم يذكر سماع سليمان عن عبيد فيما حدثناه يحيى بن سعيد ثنا شعبة حدثني سليمان عن عبيد. . . إلى آخره.
ولم يذكر سماع سليمان عن عبيد، قال ابن المديني: ثم نظرنا فإذا سليمان بن عبد الرحمن لم يسمعه من عبيد، ثنا عثمان بن عمر قال: ثنا الليث ثنا سليمان بن عبد الرحمن عن القاسم مولى خالد بن يزيد بن معاوية عن عبيد بن فيروز: "سألت البراء عما كره رسول الله ﵇ من الضحايا؟ قال: أربع. . ." الحديث، قال عثمان: فقلت لليث: إن شعبة يرويه عن سليمان بن عبد الرحمن سمع عبيد بن فيروز فقال: لا، إنما حدثناه سليمان عن القاسم عن عبيد. وأما رواية مالك فإنها عن عمرو بن الحارث عن عبيد، قال ابن المديني: عبيد لم يدر أفيه عمرو أم لا؟ فنظرنا فإذا هو لم يسمعه من عبيد، ثنا روح بن عبادة ثنا أسامة بن زيد عن عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب عن عبيد بن فيروز قال: ثم نظرنا فإذا يزيد لم يسمعه من عبيد، حدثنا عبد الأعلى عن ابن إسحاق أنه حدثهم عن يزيد بن أبي حبيب عن سليمان بن عبد الرحمن عن عبيد.
قلت: قد صرح في رواية ابن مرزوق وعلي بن شيبة بسماع سليمان بن عبد الرحمن من عبيد بن فيروز ولكن لما وقع هذا الاختلاف، وسلمت رواية الأوزاعي عن العلة التي ذكرها ابن المديني أخرج رواية الأوزاعي تنبيهًا على هذا. فافهم.
стр. 6390
قوله: "البين عورها" أي: الظاهر.
قوله: "لا تنقي" من الإنقاء والمعنى لا تسمن، يقال: أنقت الإبل تنقي: إذا سمنت وأصله من النقي بكسر القاف وهو المخ، وقال الجوهري: والنِّقْوُ -بالكسر- في قول الفراء: كل عظم ذي مخ. والجمع: أنقاء، والنقي مخ العظم وشحم العين من السمن.
وفي "النهاية" يقال: نقيت العظم ونقوته وانتقيت.
والحاصل أنه أراد بقوله: "والعجفاء التي لا تنقي": المهزولة التي لا مخ لها لضعفها وهزالها.
قوله: "فلقد رَأَيْتُني" بضم التاء أي: فلقد رأيت نفسي.
قوله: "البين ظلعها" الظلع بالظاء المعجمة وسكون اللام: العرج، وقد ظلع يظلع ظلعًا، فهو ظالع.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: أن الأضحية لا تجوز بالعوراء والعرجاء القويمة والمريضة والعجفاء التي لا تنقي.
الثاني: استدلت به طائفة على وجوب الأضحية؛ لقوله: "أربع لا تجزئ" لأن قوله: "لا تجزئ" دليل على وجوبها؛ لأن التطوع لا يقال فيه: "لا يجزي" قالوا: والسلامة عن العيوب إنما تراعى في الرقاب الواجبة وأما التطوع فجائز أن يتقرب به إلى الله تعالى بالأعور وغيره.
قلت: لا حجة فيه؛ لأن الضحايا قربان سَنَّه رسول الله ﵇ يتقرب به إلى الله على حسب ما ورد به الشرع وهو حكم ورد به التوقيف فلا يتعدى به لأنه محال أن يتقرب إليه بما قد نهي عنه على لسان رسول الله ﵇.
الثالث: فيه إشارة إلى أن المرض الخفيف لا يمنع التضحية وكذلك العرج الخفيف الذي تلحق به الشاة الغنم، وكذلك النقطة اليسيرة في العين لا تمنع، وكذلك المهزولة التي ليست بغاية في الهزال.
стр. 6391
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا الحديث فقالوا: لا تجزئ شاة ولا بدنة ولا بقرة إذا كان بها واحد من هذه العيوب الأربع في هدي ولا أضحية، فقالوا: وما كان سوى هذه الأربع مثل قطع الإلية والأذن وغير ذلك، فإن ذلك لا يمنع الشاة ولا البقرة ولا البدنة أن تهدى ولا أن يضحى بها.
واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا إبراهيم بن محمد الصيرفي قال: ثنا أبو الوليد قال: ثنا أبو عوانة وشريك عن جابر عن محمد بن قرظة عن أبي سعيد الخدري قال: "اشتريت كبشًا لأضحي به فعدا الذئب عليه؛ فقطع إليته، فسألت عن ذلك النبي ﵇ فقال: ضح به".
ش: أراد بالقوم هؤلاء: سعيد بن المسييب وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي والحكم بن عتيبة فإنهم قالوا: لا تجزئ شاة ولا بدنة. . . إلى آخره وهو مذهب أهل الظاهر أيضًا.
وقال ابن حزم في "المحلى" (١): ولا تجزئ في الأضحية العرجاء البين عرجها بلغت المنسك أو لم تبلغ مشت أو لم تمشي ولا المريضة البن مرضها، والجرب مرض وإن كان كل ما ذكرنا لا يَبين أجزأ ولا تجزئ العجفاء التي لا تنقي، ولا تجزئ التي في أذنها شيء من النقص أو القطع أو الثقب النافذ ولا التي في عينها شيء من العيب ولا البتراء في ذنبها، ثم كل عيب سوى ما ذكرنا فإنها تجزي به الأضحية كالخصي وكسر القرن دمي أو لم يدم، والهتماء والمقطوعة الإلية، وغير ذلك لا يحاش شيئًا غير ما ذكرنا.
قوله: "واحتجوا في ذلك أيضًا" أي احتج هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بحديث أبي سعيد الخدري.
أخرجه عن إبراهيم بن محمد الصيرفي عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي عن أبي عوانة الوضاح اليشكري وشريك بن عبد الله كلاهما عن جابر
стр. 6392
الجعفي عن محمد بن قرظة بن كعب الأنصاري عن أبي سعيد سعد بن مالك الخدري.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) ثنا حجاج بن محمد، عن شعبة، عن جابر قال: سمعت محمد بن قرظة يحدث عن أبي سعيد الخدري: "أنه اشترى كبشًا ليضحي به فأكل الذئب من ذنبه -أو ذَنَبِه- فأتيت النبي ﵇ فقال: ضح به".
وأخرجه أحمد (٢) أيضًا من طريق آخر: ثنا سريج وعفان قالا: ثنا حماد -قال عفان: أنا الحجاج- عن عطية بن سعد عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "فسألت النبي ﵇-أو سأله رجل- فقال: يا رسول الله إن الذئب قطع ذنب شاه لي فأضحي بها؟ قال: نعم. قال عفان: عن ذنب شاة له، فقطعها الذئب فقال: أضحي بها؟ قال: نعم".
قال ابن حزم: هذان أثران رديئان؛ لأن في الأول جابرًا وهو كذاب وفي الآخر حجاج بن أرطاة وهو ساقط.
ص: وخالفهم في ذلك أخرون فقالوا: لا يجوز أن يضحي بالشاة ولا بالبقرة ولا بالبدنة وبها عيب من هذه العيوب الأربع ولا يجوز مع ذلك أن يضحي بمقطوعة الأذن ولا أن يهدي.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح ومحمد بن سيرين والثوري وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم كلهم اتفقوا على أنه لا يجوز أن يضحي بما فيه عيب من العيوب الأربع المذكورة ولا بما قطعت أذنه.
وقال أبو عمر (٣): العيب في الأذن مراعى عند جماعة العلماء واختلفوا في السكاء وهي التي خلقت بلا أذن فذهب مالك والشافعي أنها إذا لم تكن لها أذن خلقة لم تجز
стр. 6393
وإن كانت صغيرة الأذن أجزأت، وروي عن أبي حنيفة مثل ذلك وروي عنه وعن أصحابه أنها إذا لم تكن لها أذن خلقة أجزأت في الأضحية.
وقال مالك والليث: المقطوعة الأذن -أو جل الأذن- لا تجزئ والشق للميسم تجزئ. وهو قول الشافعي وجماعة الفقهاء.
وفي "المحلى": وعن الحسن: أنه حد القطع في الأذن بالنصف فأكثر.
ولأبي حنيفة قولان:
أحدهما: إن ذهب من العين أو الأذن أو الذنب أو الإلية أقل من الثلث أجزأت في الأضحية، فإن ذهب الثلث فصاعدًا لم تجزأ.
والآخر: أنه حد ذلك بالنصف مكان الثلث، قال: فإن خلقت بلا أذن أجزأت، وروي عنه: لا تجزئ، وقال مالك: إن كان القرن ذاهبا لا يدمي أجزأت، فإن كان يدمي لم يجزأ. وقال أبو حنيفة ومالك في العرجاء: إذا بلغت المنسك أجزأت وروي عن عمر ﵁ المنع في العرجاء جملة.
ص: واحتجوا في ذلك بما روي عن رسول الله ﵇ في غير هذا الحديث: حدثنا محمد بن بحر بن مطر البغدادي قال: ثنا شجاع بن الوليد قال: حدثني زياد بن خيثمة قال: ثنا أبو إسحاق، عن شريح بن النعمان، عن علي ﵁ عن رسول الله ﵇ قال: "لا يضحى بمقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء ولا عوراء".
حدثنا روح بن الفرج قال: ثنا عمرو بن خالد قال: ثنا زهير بن معاوية قال: ثنا أبو إسحاق، عن شريح بن النعمان -قال: أبو إسحاق وكان رجل صدق- عن علي عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد قال: ثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت جري بن كليب قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: "نهى رسول الله ﵇ عن عضباء القرن والأذن. قال قتادة: فقلت لسعيد بن المسيب: ما عضباء؟ قال: إذا كان النصف فأكثر من ذلك مقطوعًا".
стр. 6394
حدثنا سليمان قال: ثنا علي بن معبد قال: ثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق، عن شريح بن النعمان الهمداني، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: "نهى رسول الله ﵇ أن يضحى بمقابلة أو مدابرة أو شرقاء أو خرقاء أو جدعاء".
حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب قال: أخبرني سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي، عن علي بن أبي طالب قال: "أمرنا رسول الله ﵇ أن نستشرف العين والأذن".
حدثنا فهد قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا حسن بن صالح (ح).
حدثنا فهد قال: ثنا محمد بن سعيد قال: أنا شريك قالا جميعًا: عن سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي قال: "أتى رجل عليًّا فسأله عن مكسورة القرن؟ فقال: لا يضرك. قال: عرجاء؟ قال: إذا بلغت المنسك أمرنا رسول الله ﵇ أن نستشرف العين والأذن".
قال: أبو جعفر: ففي هذه الآثار النهي عن الأضحية بمقابلة أو مدابرة وذلك في الأذن، ما كان مشقوق من قبالة الأذن فهي مقابلة وما كان من أسفلها فهي مدابرة، وبيَّن سعيد بن المسيب". عضباء الأذن المنهي عن ذبحها في الأضحية فقال: "هي المقطوعة نصف أذنها".
فثبت بذلك ما نهى سعيد [عنه] (١) من ذلك في الأذن ولم يجز لنا تركه؛ لأن حديث البراء الذي ذكرنا لا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يكون متقدما لحديث علي ﵁ هذا فيكون حديث علي ﵁ هذا زائدًا عليه.
أو يكون متأخرًا عنه فيكون ناسخًا فلما لم يعلم نسخ حديث علي ﵁ بعدما قد عُلِمَ ثبوته جعلناه ثابتًا مع حديث البراء وأوجبنا العمل بهما جميعًا.
стр. 6395
ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث علي بن أبي طالب ﵁: "لا يضحى بمقابلة. . ." الحديث؛ فإنه يدل على منع الأضحية بمقابلة ومدابرة، فقد زاد هذا على حديث البراء وليس هو أدنى ثبوتًا من حديث البراء، فيضم إليه ويُعمل بهما جميعًا , ولم يعلم في ذلك تاريخ المتقدم والتأخر حتى يُجعل أحدهما ناسخًا وليس بينهما تعارض فوجب العمل بهما.
ثم إنه أخرج حديث علي بن أبي طالب من ستة طرق:
الأول: عن محمد بن بحر بن مطر البغدادي البزاز، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني الكوفي الثقة، عن زياد بن خيثمة الجعفي الكوفي الثقة عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن شريح بن النعمان الصائدي الكوفي، عن علي بن أبي طالب ﵁.
وأخرجه النسائي (١): أنا محمد بن آدم، عن عبد [الرحيم] (٢) هو ابن سليمان عن زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن شريح بن النعمان، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﵇ أن نستشرف العين والأذن وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا بتراء ولا خرقاء".
فإن قيل: ما حال إسناده؟
قلت: صحيح، وقال الترمذي (٣): حديث حسن صحيح.
فإن قيل: إن أبا إسحاق لم يسمع من شريح بن النعمان وإنما سمع من ابن أشوع عنه وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن شريح بن النعمان وهبيرة بن يريم قال: ما أقربهما قلت: يحتج بحديثهما؟ قال: لا هما شبيهان بالمجهولين.
стр. 6396
قلت: قد قال أبو إسحاق في شريح هذا: وكان رجل صدق. ووثقه ابن حبان أيضًا فإذا كان كذلك فلم تبق فيه الجهالة، وتصحيح الترمذي هذا الحديث يدل على صحة سماع أبي إسحاق عن شريح، فافهم.
الثاني: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن عمرو بن خالد الحراني نزيل مصر وشيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو، عن شريح، عن علي ﵁.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبد الله بن محمد النفيلي: ثنا زهير -هو ابن معاوية- ثنا أبو إسحاق -هو السبيعي- عن شريح بن النعمان -وكان رجل صدق- عن علي بن أبي طالب ﵁: "أمرنا رسول الله ﵇ أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء. قلت لأبي إسحاق: ما المقابلة؟ قال: يقطع طرف الأذن، قال: فما المدابرة؟ قال: يقطع مؤخر الأذن، قلت: فما الشرقاء؟ قال: تشق الأذن، قلت: فما الخرقاء؟ قال: تحزق أذنها".
الثالث: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن شعبة بن الحجاج، عن قتادة، عن جري بن كليب السدوسي، عن علي بن أبي طالب ﵁.
وأخرجه البيهقي (٢): من حديث شعبة، عن قتادة، عن جري بن كليب، سمع عليًّا ﵁ يقول: "نهى رسول الله ﵇ أن يضحى بعضباء الأذن والقرن، قال قتادة: سألت ابن المسيب عن العضب قال: النصف فما زاد".
الرابع: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن أبي بكر بن عياش بن سالم الكوفي الحناط -بالنون- المقرئ المختلف في اسمه،
стр. 6397
فقيل: محمد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، وقيل غير ذلك، والصحيح أن اسمه كنيته وهو يروي عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن شريح بن النعمان، عن علي ﵁.
وهذا إسناد جيد لا بأس به.
أخرجه الترمذي (١): ثنا الحسن بن علي الخلال قال: ثنا يزيد بن هارون قال: نا شريك بن عبد الله، عن أبي إسحاق، عن شريح بن النعمان، عن علي بن أبي طالب قال: "أمرنا رسول الله ﵇ أن نستشرف العين والأذن وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء".
الخامس: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل بن حصين الكوفي عن حجية بن عدي الكندي الكوفي، عن علي بن أبي طالب ﵁.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه البيهقي (٢) بأتم منه: من حديث الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي قال: "كنا عند علي ﵁، فأتاه رجل فقال: البقرة؟ قال: عن سبعة، قال: القرن؟ قال: لا يضرك، قال: العرجاء؟ قال: إذا بلغت المنسك أمرنا رسول الله ﵇ أن نستشرف العين والأذن". قال البيهقي: ورواه حسن بن صالح، عن سلمة، وفيه قال: "مكسورة القرن؟ قال: لا يضرك".
السادس: عن فهد بن سليمان عن أبي نعيم الفضل بن دكين عن حسن بن صالح بن حي الهمداني الثوري الكوفي العابد عن سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي عن علي بن أبي طالب.
стр. 6398
السابع: عن فهد بن سليمان عن محمد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله، عن سلمة بن كهيل، عن حجية. . . إلى آخره.
قوله: "بمقابلة" قال ابن الأثير (١): وهي التي يقطع من طرف أذنها شيء ثم يترك معلقًا كأنه زَنَمَة واسم تلك السمة القبلة والإقبالة.
قوله: "ولا مدابرة" المدابرة أن يقطع من مؤخر أذنها شيء ثم يترك معلقًا كأنه زَنَمَة، وقال الجوهري: شاة مقابلة قطعت من أذنها قطعة لم تبن وتركت معلقة من قدم فإن كانت من أُخُر فهي مدابرة، وقد فسره الطحاوي بقوله: "وذلك في الأذن ما كان مشقوق من قبالة الأذن فهي مقابلة، وما كان من أسفلها فهي مدابرة" والباء في مقابلَة ومدابَرة مفتوحة على وزن صيغة المفعول.
قوله: "ولا خرقاء" بالخاء المعجمة وهي الشاة التي في أذنها ثقب مستدير وأصله من الخرق وهو الشق.
قوله: "ولا شرقاء" بالشين المعجمة والقاف وهي المشقوقة الأذن باثنين مِنْ شَرَقَ أذنها يَشْرِقُها شرقًا إذا شقها، واسم السمة: الشرقة.
قوله: "ولا عوراء" وهي الذاهبة إحدى عينيها.
قوله في رواية النسائي: "ولا بتراء" وهي مقطوعة الذنب وكذا المبتورة.
قوله: "غير عضباء القرن" بالعين المهملة والضاد المعجمة، قال ابن الأثير: "الأعضب القرن" وهو المكسور القرن وقد يكون العضب في الأذن إلا أنه في القرن أكثر، وقال الجوهري: العضباء: المكسورة القرن الداخل، وهو المشاش، ويقال: هي التي انكسر إحدى قرنيها، وقد عضبت بالكسر وأعضبتها أنا وكبش أعضب بَيِّن العضب، وناقة عضباء أي مشقوقة الأذن وكذلك الشاة، وأما ناقة رسول الله ﵇ التي كانت تسمى عضباء فإنما كان ذلك لقبًا لها ولم تكن مشقوق الأذن.
стр. 6399
قوله: "ولا جدعاء" الجدع قطع الأنف والأذن أو الشفة وهو بالأنف أخص فإذا أطلق غلب عليه.
قوله: "أن نستشرف" أي بأن نستشرف أي بالاستشراف وقال الترمذي: أي ننظر أصحيحة أم لا، والاستشراف: أن تضع يدك على حاجبك وتنظر كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء وأصله من الشرف: العلو، كأنه ينظر إليه من موضع مرتفع فيكون كثر لإدراكه، والمعنى ها هنا: أن يتأمل سلامة العين والأذن من آفة تكون بهما، وقيل: هو من الشرفة، وهي خيار الآل، أي أمرنا أن نتخيرها.
قوله: "إذا بلغت المنسك" أي الذبح من نسك ينَسْك إذا ذبح والنسيكة الذبيحة وتجمع على نسك ثم المنسك بفتح السين وبكسرها وقد روي بهما في قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (١).
ص: فإن قال قائل: فأنت لا تكره عضباء القرن وفي حديث جُري بن كليب عن علي ﵁ عن النبي ﵇ النهي عنها.
قيل له: إنما تركنا ذلك لأن عليًّا ﵁ لم ير بأسًا فيما قد رويناه عنه في حديث حجية بن عدي فعلمنا بذلك أن عليًّا ﵁ لم يقل بعد رسول الله ﵇ خلاف ما قد سمعه من رسول الله ﵇ إلا بعد ثبوت نسخ ذلك عنده.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن أبا حنيفة وأصحابه الذين هم من أهل المقالة الثانية قد احتجوا فيما ذهبوا إليه من أن العيوب الأربعة غير مختصة بمنع الأضحية بل غير ذلك أيضًا يمنع كما قد بيناه ومن جملة ما احتجوا به في ذلك حديث علي ﵁ الذي رواه عنه جري بن كليب وفيه النهي عن عضباء القرن، ومع ذلك فهم يجيزون عضباء الأذن ولا يكرهونها فيكونون حينئذ تاركين لما قد احتجوا به فأجاب عنه بقوله: "إنما تركنا ذلك لأن عليًّا ﵁ روي عنه في حديث حجية بن
стр. 6400
عدي أنه لم ير بذلك بأسًا حيث قال: "لا يضرك" لما سأله الرجل عن مكسورة القرن، فعلم من ذلك أن عليًّا ﵁ لم يقل ما قاله بعد رسول الله ﵇ بخلاف ما قد سمع عن النبي ﵇ إلا بعد ثبوت نسخ ذلك عنده إذ لا يجوز على علي بن أبي طالب أن يفتي بخلاف ما سمع من النبي ﵇ إلا بهذا الطريق، على أنا نقول: إن ابن حزم قد ضعَّف خبر جري بن كليب، حيث قال (١): وروي في الأعضب أثر أنه لا يجزئ ولا يصح لأنه من طريق جري بن كليب، وليس مشهورًا.
ص: وأما حديث أبي سعيد الخدري الدي رويناه من حديث إبراهيم بن محمد الصيرفي فحديث فاسد في إسناده ومتنه وقد بين ذلك شعبة.
حدثنا عبد الغني بن رفاعة أبو عقيل قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد قال: ثنا شعبة، عن جابر، عن محمد بن قرظة، عن أبي سعيد قال -ولم يسمعه منه-: "إنه اشترى كبشًا ليضحي به، فأكل الذئب ذنبه -أو بعض ذنبه- فسأل النبي ﵇ عن ذلك، فقال: ضحِّ به".
فقد فسد إسناد هذا الحديث بما ذكرنا وفسد متنه؛ لأنه قال: قطع ذنبه أو بعض ذنبه فإن كان البعض هو المقطوع فيجوز أن يكون ذلك أقل من ربعه، وذلك لا يمنع أن يضحى به في قول أحد من الناس، ولو كان الحديث كما رواه إبراهيم بن محمد أنه قطع أليته لاحتمل أن يكون ذلك على بعضها؛ لأنه قد يقال: قطع أليته إذا قطع بعضها، كما يقال: قطع أصبعه إذا قطع بعضها.
فتصحيح هذه الآثار يمنع أن يضحى بالأربع التي في حديث البراء: أو بالمقابلة أو بالمدابرة وهي المشقوقة أكثر أذنها من قبلها أو دبرها فإذا كان ذلك لا يجزئ في الأضاحي فالمقطوعة الأذن أحرى أن لا تجزئ، وكذلك في النظر عندنا كل عضو قطع من شاة مثل ضرعها أو أليتها فذلك يمنع أن يضحى بها وكل ما كان من هذا
стр. 6401
يمنع أن يضحى به إذا قطع بكماله فقطع بعضه، فإن أصحابنا مختلفون في ذلك فأما أبو حنيفة فروي عنه: أن المقطوع من ذلك إذا كان ربع ذلك العضو فصاعدًا لم يضح بما قطع ذلك منه، وإن كان أقل من الربع ضحى به.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كان المقطوع من ذلك هو النصف فصاعدًا فلا يضحى بما قطع ذلك منه وإن كان أقل من النصف فلا بأس أن يضحى به. إلا أن أبا يوسف ذكر هذا القول لأبي حنيفة، فقال له: قولي مثل قولك، فثبت بذلك رجوع أبي حنيفة عن قوله الذي قد كان قاله إلى ما حدثه [به] (١) أبو يوسف وقد وافق ذلك من قولهم ما روينا عن سعيد بن المسيب في هذا الباب في تفسير العضباء التي قد نهي عن الأضحية بها وأنها المقطوع نصف أذنها، وكل ما كان من هذا لا يكون أضحية لما قد نقص منه فإنه لا يكون هديا.
ش: هذا جواب عن حديث أبي سعيد الخدري الذي هو من جملة ما احتج به أهل المقالة الأولى، تقريره: أن هذا لا يصلح للاحتجاج لأنه فاسد من جهة الإسناد ومن جهة المتن.
أما من جهة الإسناد فلأن راويه عن أبي سعيد هو محمد بن قرظة وقد بين شعبة بن الحجاج في روايته هذا الحديث أنه لم يسمع هذا الحديث عن أبي سعيد ففسد بهذا إسناد الحديث.
قلت: وقد أفسد ابن حزم إسناد هذا الحديث من جهة أخرى وهو من جهة جابر بن يزيد الجعفي فقال فيه: إنه كذاب.
وأما من جهة المتن: فلأنه قال في رواية شعبة: "فأكل الذئب ذنبه أو بعض ذنبه" بالشك فإن كان الصحيح أن المقطوع هو البعض فيجوز أن يكون ذلك أقل من ربعه، وذلك لا يمنع أن يضحى به في قول أحدٍ من الفريقين وغيرهم، وإن كان الصحيح كما رواه محمد بن قرظة في رواية إبراهيم بن محمد الصيرفي الذي مضى ذكره عند
стр. 6402
احتجاج أهل المقالة الأولى بهذا الحديث "فعدا الذئب فقطع أليته" فهو أيضًا يحتمل؛ لأنه يجوز أن يكون المراد: بعضه بأن ذكر الألية كلها وأراد بعضها؛ لأنه قد يجوز أن يقال: قطع أليته، والحال أن المقطوع بعضها، كما يقال: قطع أصبعه إذا أقطع بعضها ففسد بذلك متن الحديث أيضًا، وباقي الكلام ظاهر.
قوله: "وكل ما كان من هذا" كلام إضافي مبتدأ وخبره الجملة التي بعده، وهي قوله: "فقطع بعضه"، فإن أصحابنا مختلفون في ذلك.
فإن قيل: ما هذه "الفاء" في خبر المبتدأ الثاني؟ وأين العائد إلى المبتدأ الأول؟
قلت: أما "الفاء" فلأن يدخل الخبر "من" لا بد من سبب وهو على ضربين: موجب ومجوز فالموجب يقدم "أما" كقوله تعالى،: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (١).
وأما المجوز فيما إذا كان المبتدأ واقعًا موقع "مَنْ" الشرطية، أو "ما" أختها ومواضعها كثيرة منها أن يكون المبتدأ مضافًا، فلأجل هذا ها هنا دخلت "الفاء"، وأما العائد فقد استغني عنه ها هنا باسم الإشارة وهو قوله: "في ذلك" ولا شك أنه إشارة إلى المبتدأ هو كالضمير الذي يعود إليه.
...
стр. 6403
ص: باب: من نحر يوم النحر قبل أن ينحر الإمام
ش: أي هذا باب في بيان حكم من ذبح أضحيته قبل ذبح الإِمام هل يجوز أم لا؟
ص: حدثنا محمد بن علي بن داود قال: ثنا [سنيد] (١) بن داود قال: ثنا حجاج ابن محمد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير أخبره عن جابر ﵁: "أن النبي ﷺ صلى يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي ﵇ قد نحر، فأمر من كان نحر قبله أن يذبح آخر ولا ينحروا حتى ينحر النبي ﵇".
ش: محمد بن علي بن داود البغدادي يعرف بابن أخت غزال، وثقة [ابن] (٢) يونس.
وسنيد بن داود بن سعيد المدني قال يحيى: ليس بثقة. وقال ابن عدي: روى عنه البخاري، ولم يذكر ذلك غيره، وقال الدارقطني: فيما رواه عنه البرقاني أن البخاري ذكره في الاحتجاج.
وحجاج بن محمد المصيصي الأعور روى له الجماعة.
وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز المكي روى له الجماعة.
وأبو الزبير محمد بن مسلم المكي روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا.
والحديث أخرجه مسلم (٣): حدثني محمد بن حاتم قال: ثنا محمد بن بكر قال: أنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: "صلى بنا النبي ﵇ يوم النحر بالمدينة. . ." إلى آخره نحوه غير أن في لفظه: "من كان نحر قبله أن يعيد فينحر آخر".
стр. 6404
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا فقالوا: لا يجوز لأحد أن ينحر حتى ينحر الإِمام وإن نحر قبل ذلك بعد الصلاة أو قبلها لم يجزه ذلك واحتجوا في ذلك بهذا الحديث وتأولوا قول الله : ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) على ذلك.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي ومالكًا والشافعي وأصحابهم فإنهم قالوا: لا يجوز لأحد أن ينحر حتى ينحر الإِمام.
قال أبو عمر بن عبد البر (٢): "أجمع العلماء على أن وقت الأضحى مؤقت بوقت لا يتقدم؛ إلا أنهم اختلفوا في تعيين ذلك وأجمعوا على أن الذبح لأهل الحضر لا يجوز قبل الصلاة، وأما الذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإِمام فموضع اختلف فيه العلماء لاختلاف الآثار، فذهب مالك والشافعي وأصحابهما، والأوزاعي إلى أنه لا يجوز لأحد أن يذبح [أضحيته] (٣) قبل ذبح الإِمام.
وقال ابن حزم في "المحلى": الوقت الذي حددنا هو وقت صلاة النبي ﵇ وهو قول الشافعي وأبي سليمان، إلا أن [الشافعي] (٤) لم يجز الأضحية قبل تمام الخطبة، وقال سفيان: إن ضحى قبل الخطبة أجزأه. وقال مالك: من ضحى قبل أن يضحي الإِمام فلم يُضج، ثم اختلف أصحابه فطائفة قالت: الإِمام هو أمير المؤمنين، وطائفة قالت: بل هو أمير البلد وطائفة قالت: بل هو الذي يصلي بالناس صلاة العيد.
قوله: "فتأولوا قول الله : ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ على ذلك" أي على النحر يوم العيد.
стр. 6405
وقال أبو عمر (١): قال معمر عن الحسن في قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢): نزلت في قوم ذبحوا قبل أن ينحر النبي ﵇ أو قبل أن يصلي، فأمرهم النبي ﵇ أن يعيدوا.
قلت: أخرج عبد الرزاق عن معمر ذلك.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: من نحر بعد صلاة الإِمام أجزأه ذلك ومن نحر قبل الصلاة فلم يجزئه ذلك.
ش: أي خالف القومَ المذكورين جماعةٌ آخرون، وأراد بهم: عطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا وأحمد، فأنهم قالوا: من نحر بعد صلاة الإِمام أجزأه ذلك، وإذا نحر قبل الصلاة لم يجزئه.
وقال أبو عمر: قال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والليث بن سعد: لا يجوز ذبح الأضحية قبل الصلاة ويجوز بعد الصلاة قبل أن يذبح الإِمام، وقال أحمد بن حنبل: إذا انصرف الإِمام فاذبح، وهو قول إبراهيم، وقال إسحاق: إذا فرغ الإِمام من الخطبة فاذبح، واعتبر الطبري قدر مضي وقت صلاة النبي ﵇ وخطبته بعد ارتفاع الشمس، وحكى المزني نحوه عن الشافعي، وذكر الربيع بن سليمان في كتاب "البويطي عن الشافعي"، قال: قال الشافعي: ولا يذبح أحد حتى يذبح الإِمام إلا أن يكون ممن لا يذبح، فإذا صلى وفرغ من الخطبة حل الذبح.
ص: وقالوا: قد روي عن ابن الزبير: أن هذه الآية نزلت في غير هذا، فذكروا ما حدثنا محمد بن عبد الله الأصبهاني قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي إسرائيل قال: ثنا هشام بن يوسف عن ابن جريج أن ابن أبي مليكة أخبره، أن عبد الله بن الزبير ﵄ أخبره: "أن ركبا من بني تميم قدموا على رسول الله ﷺ ،
стр. 6406
فقال أبو بكر ﵁: يا رسول أَمِّرْ القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال عمر ﵁ أَمِّرْ الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت بذلك إلا خلافي، فقال عمر ﵁: ما أردت بذلك خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
ش: أي قال الآخرون: قد روي عن عبد الله بن الزبير أن هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١) نزلت في غير هذا المعنى أي المعنى الذي ذكره أهل المقالة الأولى، وهو النحر قبل أن ينحر النبي ﵇، أو قبل أن يصلي، علي ما مَرَّ.
بيان ذلك: أن ابن الزبير قد بين في حديثه الذي أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عن محمد بن عبد الله الأصبهاني عن إسحاق بن إبراهيم وهو إسحاق بن أبي إسرائيل وأبو إسرائيل [كنية] (٢) إبراهيم شيخ البخاري في غير الصحيح، وثقه يحيى بن معين.
عن هشام بن يوسف الصنعاني روى له الجماعة إلا مسلمًا.
عن عبد الملك بن جريج، وعن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة التيمي المكي الأحول، كان قاضيًا لعبد الله بن الزبير ومؤذنًا له، روى له الجماعة.
وأخرجه الترمذي (٣): عن ابن المثنى، عن مؤمل بن إسماعيل، عن نافع بن عمر بن عبد الحميد، عن ابن أبي مليكة، عن ابن الزبير، وقال: حسن غريب وقد رواه بعضهم عن ابن أبي مليكة مرسل، ولم يذكر ابن الزبير.
وأخرجه النسائي (٤): عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن حجاج، عن ابن
стр. 6407
جريج أخبرني ابن أبي مليكة أن عبد الله بن الزبير أخبره: "أنه قدم ركب من بني تميم. . ." الحديث.
سبب نزول هذه الآية وهو ينافي ما تأوله أهل المقالة الأولى في الآية المذكورة، وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: معنى الآية: لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه.
وقال الجصاص: يحتج بهذه الآية في امتناع جواز مخالفة النبي ﵇ في تقديم [الفروض] (١) عن أوقاتها وتأخيرها عنها، وقد يحتج [بها] (٢) من يوجب أفعال النبي ﵇ لأن من ترك [ما] (٣) فعله تقدمًا بين يديه [كما أن في ترك أمره تقدمًا بين يديه] (٥) وليس كما ظنوا؛ لأن المتقدم بين يديه إنما هو فيما أراد منا فعله ففعلنا غيره فأما ما لم يثبت أنه مراد منه فليس في تركه تقدم بين يديه ويحتج به نفاة القياس أيضًا، ويدل ذلك على جهل المحتج به؛ لأن ما قامت دلالته فليس في فعله تقدم بين يديه، وقد قامت دلالة الكتاب والسنة والإجماع على وجوب القول بالقياس في فروع الشرع، فليس فيه إذًا تقدم بين يديه.
قوله: "أمّر القعقاع" أمرٌ من التأمير، والقعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس ابن يزيد بن عبد الله بن دارم التميمي كان من سادات تميم، وفد علي النبي ﵇ في وفد تميم.
قوله: "فتماريا" أي تجادلا وتجاذبا.
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أن حديث جابر ﵁ قد روي على غير هذا اللفظ:
حدثنا عبد الله بن محمد بن خشيش قال: ثنا الحجاج بن منهال قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله: "أن رجلاً ذبح قبل أن يصلي
стр. 6408
النبي ﵇ عَتُودًا جذعًا، فقال رسول الله ﵇: لا تجزئ عن أحدٍ بعدك ونهى أن يذبحوا قبل أن يصلي".
ففي هذا الحديث أن النهي من النبي ﵇ إنما قصد به إلى النهي عن الذبح قبل الصلاة لا قبل ذبحه هو، فلا يجوز أن ينهاهم عن الدبح قبل أن يصلي إلا وهو يريد بذلك إعلامهم إباحة الذبح لهم بعدما يصلي، وإلا لم يكن لذكره الصلاة معنى.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين فيما ذهبوا إليه من جواز النحر قبل الإِمام إذا كان بعد صلاته حديث جابر بن عبد الله الذي روي على غير اللفظ الذي احتج به أهل المقالة الأولى.
بيان ذلك: أنه ﵇ نهى في هذا الحديث الذي أخرجه بإسناد صحيح عن عبد الله بن محمد. . . إلى آخره.
وأخرجه أحمد (١) أيضًا: ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، ثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله: "أن رجلاً ذبح قبل أن يصلي النبي ﵇ عتودًا جذعًا، فقال رسول الله ﵇: لا تجزئ عن أحد بعدك ونهى أن يذبحوا حتى يصلوا".
فنهى عن الذبح قبل الصلاة لا قبل الذبح، إذْ لو كان قصده النهي عن الذبح قبل أن يذبح هو لم يكن لذكره الصلاة معنى.
قوله: "عتودًا" بفتح العين المهملة وضم التاء المثناة من فوق المخففة وهو الصغير من أولاد المعز إذا قوي ورعى وأتى عليه حول ويجمع على أعتدة وعدان، وأصله: عتدان، فأدْغم.
قوله: "جذعًا" صفة للعتود أراد به عتودًا شابًّا قويًّا، والجذع: ما كان من الدواب شابًّا فتيًّا، وهو في الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز ما دخل في السنة الثانية وقيل: البقر في الثالثة، ومن الضأن ما تمت له سنة، وقيل: أقل
стр. 6409
منها، ومنهم من يخالف بعض هذا التقدير، وقال أبو عمر (١): "العناق والعتود والجفرة لا تكون إلا من ولد المعز خاصة، ولا تكون من ولد الضأن، وهذا أمر لا خلاف فيه بين أهل اللغة، وفيها قال ﵇ لأبي بردة: "لا تجزئ عن أحد بعدك" وهو أمر مجتمع عليه عند العلماء؛ أن الجذع من المعز لا يجزئ اليوم عن أحد؛ لأن أبا بردة خص بذلك.
وقال أهل اللغة: الجفر والجفرة والعريض والعتود أسماء كلها تقع على الجدي خاصة والجدي الذكر، والأنثى: عناق من أولاد المعز خاصة، والجفرة منها ما كان يرضع وينال من الكلأ، فيجتمع فيه الرضع والكلأ.
واختلف في سن الجذع من الضأن فقيل: سبعة أشهر أو ثمانية أشهر، وقيل: ابن عشرة أشهر، وقيل: ما بين الستة أشهر إلى عشرة أشهر، وقيل: ما بين ثمانية أشهر إلى السنة، وأول سن يقع من البهائم فهو جذع، والسن الثانية إذا وقعت فهو ثني، والسن الثالثة إذا وقعت فهو رباع، فإذا استوت أسنانه فهو قارح من ذوات الحافر، ومن الإبل بازل، ومن الغنم ضالع.
قالوا: وأما أولاد الضأن فهو الخروف والبذج والحمل، ويقال له: رخل، فإذا أتى عليه الحول فالذكر كبش والأنثى نعجة وضانية، وإذا أتى على ولد المعز الحول فالذكر تيس والأنثى عنز، والسخلة والبهمة يقال في أولادهما جميعًا.
قلت: العريض -بفتح العين وكسر الراء المهملتين وفي آخره ضاد معجمة- وهو الذي أتى عليه من المعز سنة، وتناول الشجرة والنبت بعرض شدقه، ويجمع على عرضان.
و"البَذَج" -بفتح الباء الموحدة والذال المعجمة وفي آخره جيم- قال الجوهري: هو من أولاد الضأن بمنزلة العتود من أولاد المعز وجمعه بذجان.
стр. 6410
"والرخل" -بكسر الراء والخاء المعجمة وفي آخره لام- قال الجوهري: الرخل الأنثى من أولاد الضأن والذكر حمل والجمع: رُخُل ورخال أيضًا بالضم، وقال غيره: رخلان أيضًا بالكسر والضم.
ص: وقد روي في ذلك أيضًا عن جابر بن عبد الله عن النبي ﵇ ما يوافق هذا.
حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو داود الطيالسي ووهب بن جرير قالا: ثنا شعبة، عن زبيد اليامي قال: سمعت الشعبي يحدث عن البراء بن عازب قال: "خرج إلينا رسول الله ﵇ يوم أضحى إلى البقيع فبدأ فصلى ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه فقال: إن أول نسكنا في يومنا هذا أن نبدأ بالصلاة ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد وافق سنتنا ومن ذبح قبل ذلك فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك في شيء فقال خالي: يا رسول الله إني ذبحت وعندي جذعة خير من مسنة، فقال: اذبحها ولا تجزئ -أو لا توفي- عن أحد بعدك".
حدثنا محمد بن علي بن داود قال: ثنا عفان بن مسلم قال: ثنا شعبة قال: أخبرني زبيد ومنصور وداود وابن عون ومجالد عن الشعبي -وهذا حديث زبيد- قال: سمعت الشعبي ها هنا يحدث عن البراء عند سارية في المسجد ولو كنت قريبًا منها لأخبرتكم بموضعها ثم ذكر مثله.
حدثنا أبو بكرة قال: ثنا أبو المطرف بن أبي الوزير قال: ثنا محمد بن طلحة، عن زبيد عن الشعبي، عن البراء عن النبي ﵇. . . مثله إلا أنه قال: "اذبحها" ولا تزكي جذعة بعد".
قال أبو جعفر ﵀: ففي هذا الحديث قول النبي ﵇: "إن أول نسكنا هو أن نصلي ثم نرجع فننحر فمن فعل ذلك فقد وافق سنتنا فأخبر أن النسك في يوم النحر هو الصلاة ثم الدبح بعدها، فدل ذلك على أن ما يحل به الذبح هو الصلاة، لا نحر الإِمام الذي يكون بعدها وعلى أن حكم النحر بعد الصلاة خلاف حكم النحر قبلها.