← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

البدنة والبقرة أحرى أن تكونا كذلك وأن تكونا تجزيان عن غير واحد لا وقت في ذلك ولا عدد. ثم قد روينا عن النبي ﵇ ما قد دل على خلاف ذلك قد ذكرناه في هذا الباب الذي قبل هذا من نحر أصحابه معه الجزور عن سبعة والبقرة عن سبعة وكان ذلك عند أصحابه على التوقيف منه لهم على أن البقرة والبدنة لا تجزئ واحدة منهما عن أكثر مما ذبحت عنه يومئذ. ش: أراد بأهل هذا القول: أهل المقالة الثانية وأهل المقالة الأولى الذين ذكرهما بقوله: "وافترق أهل هذه المقالة على فرقتين" وأراد بالفرقة التي تخالف هؤلاء جميعًا: سفيان الثوري والنخعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر، وأشار بقوله: "وهؤلاء جميعًا" إلى الفرقتين المذكورتين. قوله: "تقول" أي الفرقة التي تخالف هؤلاء، إن الشاة لا تجزئ أن يضحى بها إلا عن شخص واحد. قوله: "وتذهب" عطف على قوله: "تقول" وأشار بذلك إلى الجواب عما احتجت به الفرقتان المذكورتان فيما ذهبتا إليه، بيان ذلك: أن ما ذهب [إليه] (١) هؤلاء إما منسوخ وإما مخصوص. أما النسخ فبحديث جابر ﵁: "نحرنا مع رسول الله ﵇ البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة" وقد أخرجه في الباب الذي قبله وكانت الصحابة ﵃ عرفوا بذلك أن البدنة لا تجزئ عن أكثر من سبعة وأن البقرة لا تجزئ أيضًا عن أكثر من سبعة لأن هذا أمر توقيفي ولا مجال للقياس فيه، فصار هذا ناسخًا لما روي من تضحيتهم سبعين بدنة عام الحديبية، وكان الناس يومئذ سبع مائة رجل. وأما التخصيص فظاهر.

стр. 6442

قوله: "فمما دل على ذلك" أي على النسخ بيانه: أن الكبش لما كان يجزئ عن غير واحد وذلك كما ذكر في حديث أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وأبي رافع وأبي هريرة وعائشة ﵃ من غير تعيين لوقت و [لا] (١) لعدد، -وهو معنى قوله: "لا وقت في ذلك ولا عدد"- كانت البدنة أو البقرة بالطريق الأولى أن تجزئا عن غير واحد من غير تعيين لوقت و [لا] (١) لعدد فتقييد أهل المقالة الأولى الجواز بكونها من أهل بيت واحد مردود بهذا, ولكن حديث جابر الذي ذكرناه الآن ناسخ لهذا كما بينا. فافهم. فإن قيل: ما الدليل على النسخ؟ قلت: لو لم يكن ثمة نسخ لما احتاج أحد من هذه الأمة إلى أن يضحي ولما كان لقوله ﵇: "من وجد سعة لئن يضحي ولم يضح فلا يحضر مصلانا" فائدة. ص: وتواترت عنهم الروايات بذلك: حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا الحجاج قال: ثنا حماد قال: أنا سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي وعبد الله بن تمام ومالك بن الحويرث -فيما يحسب سلمة-: "أن رجلاً اشترى بقرة أضحية فنتجها فسأل عليًّا ﵁: هل أبدل مكانها أخرى؟ فقال: لا ولكن اذبحها وولدها يوم النحر عن سبعة". حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا الحجاج قال: ثنا حماد، عن زهير بن حبيب، عن مغيرة بن حذف، عن علي ﵁ مثله. حدثنا أبو بكرة قال: ثنا مؤمل قال: ثنا سفيان، عن منصور عن ربعي قال: "كان أصحاب محمد ﵇ يقولون: البقرة عن سبعة". حدثنا علي بن شيبة قال: ثنا قبيصة بن عقبة قال: ثنا سفيان عن أبي حصين (ح).

стр. 6443

وحدثنا ابن مرزوق قال: ثنا وهب قال: ثنا شعبة، عن أبي حصين، عن خالد بن سعد، عن ابن مسعود قال: "البقرة عن سبعة". حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن قال: ثنا ابن أبي ذئب عن زيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبان، عن أناس من أصحاب رسول الله ﵇ مثله. قال أبو جعفر: فلما جعلت البقرة عن سبعة و [كان] (١) ذلك مما وقف عليه ولم يجعل لنا أن نعدو ذلك إلى ما هو أكثر منه كانت الشاة أحرى أن لا تجزئ عن أكثر مما يجزى عنه [البقرة] (٢) من ذلك، فلما ثبت أن الشاة لا تجزئ عن أكثر من سبعة، انتفى بذلك قول من قال: إنها تجزئ عن جميع من ذبحت عنه ممن لا وقت لهم ولا عدد ولا يجاوز إلى غيره وثبت ضده، وهو قول من قال: إن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد. ش: أي تكاثرت عن الصحابة ﵃ الروايات بأن البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وأخرج في ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁ من طريقين: الأول: عن محمد بن خزيمة عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري عن حماد ابن سلمة عن سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي الكندي الكوفي وعن عبد الله ابن تمام مولى أم حبيبة وعن مالك بن الحويرث بن أشيم الليثي الصحابي ثلاثتهم عن علي ﵁. وهذا إسناد صحيح. الثاني: عن محمد بن خزيمة أيضًا عن الحجاج عن حماد بن سلمة عن زهير بن حبيب وهو زهير بن أبي ثابت الأسدي الأعمى، وثقه ابن حبان وهو يروي عن

стр. 6444

مغيرة بن حذف العبسي، قال ابن أبي حاتم: مشهور (١). عن علي ﵁. وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من حديث الثوري عن زهير بن أبي ثابت، عن مغيرة بن حذف العبسي قال: "كنا مع علي ﵁ بالرحبة فجاء رجل من هَمْدان يسوق بقرة معها ولدها، فقال: إني اشتريتها أضحي بها وإنها ولدت. قال: فلا تشرب من لبنها إلا فضلا عن ولدها، فإذا كان يوم النحر فانحرها هي وولدها عن سبعة". وقال الذهبي في "مختصر السنن": إسناده غريب. ومن ذلك ما أخرجه عن ربعي بن حراش العبسي الكوفي عن الصحابة ﵃ يرويه عن أبي بكرة بكار القاضي عن مؤمل بن إسماعيل عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش -بكسر الحاء المهملة وفي آخره شين معجمة- وهذا إسناد صحيح. وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن محمد بن فضيل عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: "أدركت أصحاب محمد ﵇ وهم متوافرون كانوا يذبحون البقرة والبعير عن سبعة". ومن ذلك ما أخرجه عن أبي مسعود الأنصاري البدري عقبة بن عمرو بن ثعلبة من طريقين صحيحين: الأول: عن علي بن شيبة عن قبيصة بن عقبة السوائي الكوفي شيخ البخاري عن سفيان الثوري عن أبي حَصِين -بفتح الحاء وكسر الصاد- عن عثمان بن عاصم

стр. 6445

الأسدي الكوفي عن خالد بن سعد الكوفي الأنصاري مولى أبي مسعود البدري عن مولاه أبي مسعود ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن وكيع بن سفيان، عن حصين بن عبد الرحمن، عن خالد بن سعد، عن أبي مسعود قال: "البقرة عن سبعة". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي حصين. . . إلى آخره. ومن ذلك ما أخرجه عن أناس من الصحابة؛ رواه عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط بن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ . وهذا أيضًا إسناد صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن وكيع، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم قال: "كان أصحاب محمد ﵇ يقولون: البقرة والجزور عن سبعة". ص: فقال قائل: إنما جعلنا الشاة تجزئ عن أكثر ما تجزئ عنه البقرة والجزور؛ لأن الشاة أفضل منهما، فقيل له: ولم قلت ذلك؟ وما دليلك عليه؟ وقد روي عن النبي ﵇ ما قد حدثنا يزيد بن سنان قال: ثنا أبو بكر الحنفي قال: ثنا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر: " [أن رسول الله ﵇ كان يضحي بالجزور إذا وجد وكان لا يذبح البقرة والغنم وهو قادر عليه، ثم إذا لم يجد الجزور ذبح البقرة والغنم والكبش إذا لم يجد جزورًا] (٣) ".

стр. 6446

فأخبر عبد الله بن عمر في هذا الحديث أن رسول الله ﵇ كان يضحي بالجزور إذا وجده، وذلك دليل أنه كان يذبح ما سواه مما يضحى به من البقر والغنم وهو قادر عليه، ويضحي بالشاة إذا لم يقدر على الجزور، فذلك دليل على أن الجزور كان عنده أفضل من الشاة، وقد رأينا الهدايا في الحج جعل للبقرة فيها من الفضل ما لم يجعل للشاة، فجعلت البقرة مما يشترك فيها الجماعة، فيهدونها عن قرانهم ومتعتهم، ولم تجعل الشاة كذلك. ش: هذا رد من جهة أهل المقالة الأولى؛ لما قاله أهل المقالة الثالثة من قولهم الذي بيَّنهُ الطحاوي. قوله: "فلما جعلت البقرة عن سبعة" إلى قوله: "وثبت ضده" وهو قول من قال: إن الشاة لا تجزئ عن واحد" بيانه أنه يقال: لا نسلم أن يكون جواز الشاة عن أكثر مما تجزئ عنه البقرة أو البدنة مبنيًا على ما ذكرتم حتى يُردَّ به، وإنما أجزناه لأن الشاة أفضل من البقرة والبدنة، وأجاب عن ذلك بقوله: "فقيل له:. . ." إلى آخره وهو ظاهر. قوله: "وقد روي عن النبي ﵇. . . إلى آخره" ذكره شاهدًا لما قاله من أن الجزور أفضل من الشاة. وأخرجه عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي أيضًا عن أبي بكر الحنفي واسمه عبد الكبير عن عبد المجيد البصري، روى له الجماعة، يروي عن عبد الله بن نافع مولى ابن عمر فيه مقال، فقال يحيى: ضعيف، وقال النسائي: متروك الحديث. يروي عن أبيه نافع مولى ابن عمر عن عبد الله بن عمر ﵄. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث عبد الكبير الحنفي، نا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر: "أن النبي ﵇، كان يضحي بالمدنية بالجزور أحيانًا وبالكبش إذا لم يجد جزورًا".

стр. 6447

فإن قيل: قد وجدنا أحاديث تدل على أن الضأن أفضل: منها: ما رواه ابن حزم (١) من طريق هشام بن سعد عن يزيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة: "أن جبريل ﵇ قال للنبي ﵇ يوم الأضحى: يا محمد إن الجذع من الضأن خير من السيد من المعزي وأن الجزع من الضأن خير من السيد من البقر وأن الجذع من الضأن خير من السيد من الإبل، ولو علم الله ذبحًا هو أفضل منه لفدى به إبراهيم ﵇". ومنها: ما رواه عبد الرزاق (٢) عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال ﵀: "مر النعمان بن أبي فطيمة على رسول الله ﵇ بكبش أقرن أعين فقال-﵇: ما أشبه هذا الكبش بالكبش الذي ذبح إبراهيم ﵇". قال ابن حزم (٣): وروي نحوه من طريق زياد بن ميمون عن أنس ﵁. ومنها: ما رواه ابن حزم أيضًا (٤) من طريق وكيع عن هشام بن سعد عن حاتم ابن أبي نصر عن عبادة بن نُسَيّ عن النبي ﵇ قال: "خير الأضحية الكبش". وفي رواية عن عبادة بن نسي عن أبيه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﵇: "خير الكفن الحلة وخير الأضحية الكبش"، أخرجه البزار (٥). قلت: قد قال ابن حزم: هذه الأخبار مكذوبة أما خبر أبي هريرة وعبادة بن نسي فعن هشام بن سعد وهو ضعيف جدًّا، وطرحه أحمد وأساء القول فيه جدًّا ولم يجز الرواية عنه يحيى بن سعيد، وزياد بن ميمون مذكور بالكذب، وخبر عبد الرزاق عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وهو ضعيف ومرسل مع ذلك وأيضًا ففي الخبر

стр. 6448

المنسوب إلى أبي هريرة كذب ظاهر، وهو قوله [إنه] (١) فدى الله به إبراهيم ولم يُفْدَ إبراهيم بلا شك وإنما فُدِيَ ابنه. قوله: "من السيد من المعزي" أي من المسن منه وقيل: من الجليل منه، والسيد يجيئ لمعان فيأتي على الرَّبِّ والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم والمتحمل أذى قومه والزوج والرئيس والمقدم، وأصله من ساد يسود، وأصل السيد: سيود قلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء. فإن قيل: كيف مذاهب الفقهاء في هذا الباب؟ قلت: قال مالك: لا تجزئ الأضحية إلا في الإبل والبقر والغنم والنعجة والعنز والتيس أفضل من الإبل والبقر. وقال أبو حنيفة والشافعي: الإبل أفضل ثم البقر ثم الضأن ثم الماعز، وأصنافه ثمانية: من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، ولا يجوز من غير هذه الأصناف، وقال الحسن بن حي: تجوز الأضحية ببقرة وحشية عن سبعة وبالظبي أو الغزال عن واحد، وأجاز أبو حنيفة بما حملت به البقرة الإنسية من الثور الوحشي وبما حملت به العنز من الوعل. وقال ابن حزم (٢): الأضحية جائزة بكل حيوان يؤكل لحمه من ذي أربع أو حافر كالفرس والإبل وبقر الوحش والديك وسائر الطير والحيوان الحلال أكله، والأفضل في ذلك ما كثر لحمه وطاب وغلا ثمنه والله أعلم. ص: فيما روي عن رسول الله ﵇ من إباحة الشركة في الهدي إذا كان جزورًا: ما حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا أسد قال: ثنا سفيان عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر بن عبد الله ﵄: "أن النبي ﷺ أهدى بدنة مائة وأشرك عليًّا ﵁ في ثلثها".

стр. 6449

حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "ساق النبي ﵇ سبعين بدنة وأشرك بينهم فيها، فلما كانت الشركة في الجزور مباحة في الهدي وغير مباحة في الشاة، ثبت بذلك أن الشاة إنما عدلت بجزء من الجزور وقد ذكرنا عن رسول الله ﵇ في هذا الباب الذي قبل هذا؛ أن رجلاً قال له: إن عليّ ناقة وقد عزبت عني فأمره أن يجعل مكانها سبعًا من الغنم فدل ذلك على ما ذكرنا أيضًا. ش: ذكر هذا تأييدًا لصحة ما ذهب إليه أهل المقالة الثالثة من أن الشاة الواحدة لا تجزئ إلا عن واحد؛ لأنه ﵇ أباح الشركة في الجزور، كما في حديث جابر، ولم يبح في الشاة، فدل ذلك على أنها تعدل بجزء من الجزور، ألا ترى أنه ﵇ أمر ذلك الرجل الذي قال له: إن عليّ ناقة وقد عزبت عني؛ أن يجعل مكانها سبعًا من الغنم فصارت الواحدة لسبع الجزور فلم تجز إلا عن واحد، فثبت بذلك صحة ما قالوا. ثم إنه أخرج حديث جابر من طريقين صحيحين: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن سفيان الثوري، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ الملقب بالصادق، عن أبيه محمد بن علي بن الحسين الملقب بالباقر، عن جابر ﵁. وأخرجه مسلم (١)، وأبو داود (٢)، والنسائي (٣)، وابن ماجه (٤) مطولًا ومختصرًا، وقد ذكرناه في كتاب الحج مستقصى. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر.

стр. 6450

وأخرجه أحمد (١) وغيره. ص: وقد روي عن ابن عباس ﵄ ما يوافق هذا المعنى: حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا وهب قال: ثنا شعبة عن أبي جمرة قال: "سئل ابن عباس ﵃ عما استيسر من الهدي، قال: جزور أو بدنة أو شرك في دم". حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا أسد قال: ثنا حماد بن زيد عن أبي جمرة قال: سمعت ابن عباس يقول. . . فذكر مثله فأخبر عن ابن عباس بأن الجزء من الجزور يعدل الشاة فيما استيسر من الهدي. ش: أي قد روي عن عبد الله بن عباس ما يوافق ما ذكرنا من أن الشاة إنما عدلت بجزء من الجزور، في معنى حديث جابر المذكور آنفًا؛ وذلك لأنه قال: "أو شرك في دم" بكسر الشين أي نصيب. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة بن الحجاج، عن أبي جمرة -بالجيم والراء- نصر بن عمران الضبعي، عن عبد الله بن عباس. والثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن أسد بن موسى. . . إلى آخره. ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ أيضًا ما يدل على فضل الجزور على البقرة وعلى فضل البقرة على الشاة. حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول؛ فإذا جلس الإِمام طووا الصحف وجلسوا يستمعون الذكر فمثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنه، ثم كالذي يهدي بقرة ثم كالذي يهدي الكبش، ثم كالذي يهدي الدجاجة ثم كالذي يهدي البيضة".

стр. 6451

حدثنا محمد بن خزيمة وفهد حدثني قالا: ثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث قال: حدثني ابن الهاد عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "سمعت رسول الله ﵇ يقول: مثل المهجر إلى الصلاة كمثل الذي يهدي بدنة، ثم الذي على إثره كمثل الذي يهدي بقرة، ثم الذي على إثره كالذي يهدي الكبش، ثم الذي على إثره كالذي يهدي دجاجة، ثم الذي على إثره كالذي يهدي البيضة". حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني قال: ثنا الشافعي قال: ثنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ فدكر نحوه. حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا محمد بن المنهال قال: ثنا يزيد بن زريع قال: ثنا روح بن القاسم عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا حجاج بن المنهال قال: ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ . . . فذكر مثله. فلما جعل النبي ﵇ المهجر في أفضل الأوقات كالمهدي بدنة والمهجر في الوقت الذي بعده كالمهدي بقرة والمهجر في الوقت الثالث كالمهدي كبشًا؛ ثبت بذلك أن أفضل ما يهدى: الجزور ثم البقرة ثم الكبش. فلما كانت البدنة أعظم ما يهدى؛ ثبت أنها أعظم ما يضحى به ولما كانت باتفاقهم لا تجزئ في الأضحية عما فوق السبعة كانت الشاة أحرى أن لا تجزئ عن ذلك، وكما انتفى أن تجزئ الشاة عن ما فوق السبعة ثبت أنها لا تجزئ إلا عن خاص من الناس، وقد أجمعوا على أنها تجزئ عن الواحد فاختلفوا فيما هو أكثر منه فلا يدخل فيما قد ثبت له حكم الخصوص إلا ما قد أجمعوا على دخوله فيه، [فثبت] (١) بما ذكرنا أنه لا يجوز أن يضحى بالشاة الواحدة عن اثنين ولا عن أكثر من ذلك، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد ﵏.

стр. 6452

ش: دلالة حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري على أفضلية الجزور على البقرة وعلى أفضلية البقرة على الشاة ظاهرة لا مرية فيها كما قد بين الطحاوي ذلك بقوله: "فلما جعل رسول الله ﵇. . . إلى آخره، وهو ظاهر. ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة من أربع طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي عبد الله الأغر سليمان المدني، عن أبي هريرة. وهؤلاء كلهم رجال الصحيح. وأخرجه مسلم (١): حدثني أبو الطاهر وحرملة وعمرو بن سواء العامري قال أبو الطاهر: ثنا وقال الآخران: أنا ابن وهب. . . إلى آخره نحوه سواء، غير أن في لفظه: "طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر". الثاني: عن محمد بن خزيمة وفهد بن سليمان كلاهما، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة. وأخرجه النسائي (٢): من طريق الليث أيضًا ولكنه عن ابن عجلان، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ قال: "تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد يكتبون الناس على منازلهم فالناس فيه كرجل قدم بدنة، ورجل قدم بدنة، وكرجل قدم بقرة، وكرجل قدم بقرة، وكرجل قدم شاة، وكرجل قدم

стр. 6453

شاة، وكرجل قدم دجاجة، وكرجل قدم دجاجة، وكرجل قدم عصفورًا، وكرجل قدم عصفورًا، وكرجل قدم بيضة، وكرجل قدم بيضة". الثالث: عن المزني، عن الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وأخرجه النسائي (١) أيضًا أنا محمد بن منصور قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﵇: "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم؛ الأول فالأول فإذا خرج الإِمام طويت الصحف واستمعوا الخطبة فالمهجر إلي الصلاة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي كبشًا، حتى ذكر البيضة والدجاجة". الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن المنهال الحافظ شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم العنبري البصري، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني، عن أبي هريرة. وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن بشار بندار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "على كل باب من أبواب المسجد يوم الجمعة ملكان يكتبان الأول فالأول، كرجل قدم بدنة، وكرجل قدم بقرة، وكرجل قدم طائرًا، وكرجل قدم بيضة، فإذا قعد الإِمام -يعني على المنبر- طويت الصحف". وأخرج حديث أبي سعيد الخدري بإسناد صحيح: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق المدني إلى آخره.

стр. 6454

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يعقوب نا أبي، عن ابن إسحاق قال: حدثني العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد فيكتبون الناس، من جاء من الناس على منازلهم فرجل قدم جزورًا، ورجل قدم بقرة، ورجل قدم شاة ورجل قدم دجاجة، ورجل قدم عصفورًا، ورجل قدم بيضة قال: فإذا أذن المؤذن وجلس الإِمام على المنبر طويت الصحف ودخلوا المسجد يستمعون الذكر". قوله: "فإذا جلس الإِمام" أي على المنبر طوت الملائكة الصحف، قيل: هذا يدل على أن الملائكة ها هنا غير الحفظة. قوله: "يستمعون الذكر" أي الخطبة؛ لأن فيها ذكر الله -تعالى- وتلاوة القرآن. قوله: "المهجر" بضم الميم وفتح الهاء وكسر الجيم المشددة من التهجير، وهو السير في الهاجرة، حكى ذلك الحربي عن أبي زيد عن الفراء وغيره. وحكى الخليل أنه التبكير وبه فسروا قوله ﵇: "ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه" أي التبكير إلى كل صلاة. وذهب أصحاب الشافعي في تأويله [وقالوا] (٢): معناه هجر منزله وتركه. وقال ابن الأثير: التهجير التبكير إلى كل شيء والمبادرة إليه يقال: هجّر يهجّر تهجيرًا، فهو مهجّر وهي لغة حجازية، أراد: المبادرة إلى أول وقت الصلاة. قوله: "ثم كالذي يهدي بقرة" يحتج به في أن البدن لا تكون إلا من الإبل وحدها. قولى: "ثم كالذي يهدي الدجاجة ثم كالذي يهدي البيضة".

стр. 6455

احتجت به الظاهرية على أن من لم يقدر على الشاة يتقرب بذبح الدجاجة، فإن لم يقدر فالبيضة فإن ذلك يجزئ عن الأضحية. وقال عياض: ليس هذان مما يطلق عليه اسم هدي لكنه لما عطفه على ما قبله من الهدايا وجاء به بعده لزمه حكمه في اللفظ وحمل عليه كقوله: "متقلدًا سيفًا ورمحا" أي وحاملً رمحًا، وكذلك هنا لأنه قال: كالمتقرب بالصدقة بدجاجة أو بيضة وأطلق على ذلك اسم الهدي لتعلقه وتحسين الكلام به، وقد جاء أيضًا في الرواية الأخرى كأنما قرب كذا كأنما قرب كذا، وهذا ضرب من التمثيل للأجور ومقاديرها, لا على تمثيل الأجور وشبيهها حتى يكون أجرها كأجر هذا، وتكون الدجاجة في التمثيل بقدر أجرها من أجر البدنة لو كانت هذه مما يهدى وكذا البيضة. والله أعلم. ***

стр. 6456

ص: باب من أوجب أضحية في أيام العشر أو عزم على أن يضحي هل له أن يقص شعره أو أظفاره ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم من أوجب على نفسه أن يضحي في أيام العشر من ذي الحجة أو عزم على أن يضحي هل ينبغي له أن يقص شعره أو يقلم أظفاره؟ ص: حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا بشر بن ثابت البزار قال: ثنا شعبة عن مالك ابن قيس عن عمرو بن مسلم عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من رأى منكم هلال ذي الحجة، وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي". حدثنا ربيع الجيزي قال: ثنا أبو صالح قال: ثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن عمرو بن مسلم قال: أخبرني سعيد بن المسيب أن أم سلمة زوج النبي ﵇ أخبرته عن النبي ﵇. . . فذكر مثله. قال الليث قد جاء هذا وأكثر الناس على غيره. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن ثابت البصري البزار -بالزاي المعجمة أولًا وبالراء المهملة في آخره- وثقه ابن حبان وروى له البخاري عن شعبة عن عمرو بن مسلم بن عمارة الليثي الجندعي، روى له الجماعة سوى البخاري. وأخرجه مسلم (١): نا حجاج الشاعر قال: حدثني يحيى بن بكبير العنبري أبو غسان قال: ثنا شعبة، عن مالك بن أنس، عن عمرو بن مسلم عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة أن النبي ﵇ قال: "إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره".

стр. 6457

وأخرجه الأربعة (١) أيضًا. الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج عن أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد المصري أبي عبد الرحمن الإسكندراني روى له الجماعة، عن سعيد بن أبي هلال أبي العلاء المصري مولى عروة بن شييم روى له الجماعة. وأخرجه أحمد فى "مسنده" (٢): ثنا حسن، نا ابن لهيعة، حدثني سعيد بن أبي هلال، عن عمرو بن مسلم الجندعي أنه قال: أخبرني ابن المسيب أن أم سلمة زوج النبي ﵇ أخبرته عن رسول الله ﵇ أنه قال: "من أراد أن يضحي فلا يقلم أظفاره ولا يحلق شيئًا من شعره في العشر الأولى من ذي الحجة". ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا الحدث فقلدوه وجعلوه أصلاً. ش: أراد بالقوم هؤلاء: محمد بن سيرين والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور فإنهم ذهبوا إلى هذا الحديث وقالوا: من أراد أن يضحي فلا يقلم أظفاره ولا يحلق شعره إلى أن يخرج عشر ذي الحجة، وقال ابن حزم: ومن أراد أن يضحي فلا يقلم أظفاره ولا يحلق شعره ولا يقص، هذا فرض عليه إذا رأى هلال ذي الحجة إلى أن يضحي، ولا يتنور أيضًا ومن لم يرد أن يضحي لم يلزمه ذلك. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا بأس بقص الأظفار والشعر في أيام العشر إن عزم على أن يضحي ولمن لم يعزم على ذلك، واحتجوا [في ذلك] (٣) بما ذكرنا في كتاب الحج عن عائشة ﵂ أنهما قالت: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﵇ فيبعث بها ثم يقيم فينا هلالًا لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم حتى يرجع الناس".

стр. 6458

ففي ذلك دليل على إباحة ما قد حظره الحديث الأول ومجيء حديث عائشة ﵂ هذا أحسن من مجيء حديث أم سلمة؛ لأنه جاء مجيئًا متواترًا وحديث أم سلمة فلم يجئ كذلك فقد طعن في إسناد حديث مالك [فقيل: إنه موقوف على أم سلمة. حدثنا إبراهيم بن مرزوق قال: ثنا عثمان بن عمر بن فارس قال: أخبرنا مالك] (١) عن عمرو بن مسلم عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة ولم ترفعه، قالت: "من رأى هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى يضحي". حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب قال: أنا مالك، عن عمرو بن مسلم، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة مثله، ولم ترفعه فهذا هو أصل الحديث عن أم سلمة، فهذا حكم هذا الباب من طريق الآثار. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: عطاء بن يسار وأبا بكر بن عبد الرحمن وأبا بكر بن سليمان والثوري وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: لا بأس بقص الأظفار والشعر في أيام العشر مطلقًا وأجمعوا على ذلك بحديث عائشة ﵂ أنها قالت: "كنت أفتل قلائد. ." الحديث، وقد مر ذكره بإسناده مستقصى في كتاب الحج، فإنه يخرج على إباحة ما منعه حديث أم سلمة والأخذ به أولى من حديث أم سلمة، لأن أصل حديث أم سلمة موقوف وحديث عائشة مرفوع، فالموقوف لا يعارض المرفوع على ما عرف. وقال البيهقي: قال الشافعي: فإن قيل: ما دل على عدم الوجوب؟ قيل له: روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: "أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﵇ بيدي، ثم قلدها بيده، وبعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله شيء أحله الله له حتى نحر الهدي". قال الشافعي: البعث بالهدي أكبر من إرادة الأضحية.

стр. 6459

وقال الخطابي: رأى مالك والشافعي حديث أم سلمة على الندب لا الوجوب. وقال أبو عمر بن عبد البر: ومما يدل على ضعف حديث أم سلمة ووهنه: أن مالكًا روى عن عمارة بن عبد الله عن سعيد بن المسيب قال: "لا بأس بالإطلاء بالنورة في عشر ذي الحجة". فترك سعيد لاستعمال هذا الحديث وهو راويه، دليل على أنه غير ثابت عنده ومنسوخ وقد أجمع العلماء على أن الجماع مباح في أيام العشر لمن أراد أن يضحي فما دونه أحرى أن يكون مباحًا. ص: وأما النظر في ذلك: فإنا رأينا الإِحرام يحظر أشياء مما قد كانت كلها قبله حلالاً، منها الجماع والقبلة وقص الأظفار وحلق الشعر وقتل الصيد فكل هذه الأشياء تحرم بالإِحرام وأحكام ذلك أحكام مختلفة، فأما الجماع فمن أصابه في إحرامه فسد إحرامه وما سوى ذلك لا يفسد إصابته الإِحرام، فكان الجماع أغلظ الأشياء التي يحرمها الإِحرام ثم رأينا من دخلت عليه أيام العشر وهو يريد أن يضحي أن ذلك لا يمنعه من الجماع، فلما كان ذلك لا يمنعه من الجماع وهو أغلظ ما يحرم بالإِحرام؛ كان أحرى أن لا يمنع مما دون ذلك فهذا هو النظر أيضًا وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي وأما وجه النظر والقياس في حكم هذا الباب. . . إلى آخره، وهو ظاهر. قوله: "يحظر" أي يحرم، يقال: حظرت الشيء أي حرمته وهو من باب نَصَرَ يَنْصُرُ والحظر: المنع والحجر، وقد روي عن عكرمة وجه هذا النظر والقياس حيث قال لما ذكر له حديث أم سلمة: "هلا اجتنب النساء والطيب" ثم إن ابن حزم قد اعترض على هذا القياس بكلام فاسد فقال (١): ليس إذا وجب أن لا يمس الشعر والظفر بالنص الوارد في ذلك، أن يجب اجتناب النساء والطيب كما أنه إذا وجب اجتناب الجماع والطيب لم يجب بذلك اجتناب مس الشعر والظفر وهذا الصائم فرض عليه اجتناب النساء ولا يلزمه اجتناب الطيب ولا مس الشعر والظفر

стр. 6460

وكذلك المعتكف وهذه المعتدة يحرم عليها الجماع والطيب ولا يلزمها اجتناب قص الشعر والأظفار انتهى. وهذا كلام ساقط ظاهر سقوطه لا يحتاج إلى بيانه؛ لوضوحه. ص: وقد روي ذلك أيضًا عن جماعة من المتقدمين. حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرني ابن أبي ذئب (ح). وحدثنا ابن مرزوق قال: ثنا بشر بن عمر قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط: "أن عطاء بن يسار وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبا بكر بن سليمان كانوا لا يرون بأسًا أن يأخذ الرجل من شعره ويقلم أظفاره في عشر ذي الحجة". ش: أي وقد روي ما ذكرنا من قولنا: "لا بأس بقص الأظفار والشعر في أيام العشر سواء أراد الأضحية أو لم يردها" عن جماعة من المتقدمين من التابعين وهم: عطاء بن يسار الهلالي أبو محمد المدني القاص مولى ميمونة زوج النبي ﵇ وأبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة، قيل: إن اسمه محمد، وقيل: اسمه أبو بكر وكنيته أبو عبد الرحمن والصحيح أن اسمه وكنيته واحد. وأبو بكر بن سليمان بن أبي خيثمة القرشي المدني. وأخرج ذلك من طريقين: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن يزيد بن عبد الله. . . إلى آخره. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمرو الزهراني البصري روى له الجماعة، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب. . . إلى آخره. ص: وقد احتج أيضًا بعض أصحابنا بما حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن عثمان بن عبد الله بن أبي رافع، عن عبد الرحمن بن هرمز،

стр. 6461

عن محمد بن ربيعة قال: "رآني عمر بن الخطاب ﵁ طويل الشارب وذلك بذي الحليفة وأنا على ناقتي، وأنا أريد الحج، فأمرني أن أقص من شعري ففعلت". ولا حجة في هذا عندنا، لأنه لا يريد أن يضحي إذا كان يريد الحج فلا حجة في هذا على أهل المقالة الأولى لأنهم إنما يمنعون من ذلك من أراد أن يضحي. وحجة أخرى تدفع هذا الحديث أن يكون فيه حجة عليهم وذلك أنه لم يذكر أن ذلك كان في عشر ذي الحجة أو قبل ذلك؟. ش: احتج بعض الحنفية في إباحة قص الأظفار والشعر في عشر ذي الحجة لن يريد الأضحية بما روي عن عمر بن الخطاب ﵁. أخرجه بإسناد صحيح عن يونس بن عبد الأعلى عن عبد الله بن وهب عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن عثمان بن عبد الله بن أبي رافع مولى سعد ابن أبي وقاص ويقال: مولى سعيد بن العاص المدني كذا ذكره ابن أبي حاتم ووثقه ابن حبان. عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج المدني عن محمد بن ربيعة بن الحارث القرشي أخي المطلب بن ربيعة ذكره ابن حبان في الثقات التابعين. قوله: "ولا حجة في هذا عندنا" أشار بهذا إلى أن الاستدلال بهذا الأثر فيما ذهب إليه هؤلاء غير مستقيم من وجهين: الأول: أنه لا يلزم من إرادة الحج إرادة الأضحية وإنما يكون هذا حجة على أهل المقالة الأولى أن لو كان هذا ممن أراد أن يضحي. الثاني: أنه لم يتبين فيه أن ذلك الأمر كان في عشر ذي الحجة أو قبل ذلك؟ فإذن لا يصح به الاستدلال على الوجه المذكور. فافهم. ***

стр. 6462

ص: باب الذبح بالسن أو الظفر ش: أي هذا باب في بيان حكم الذبح بالسن والظفر هل تؤكل ضحيته أم لا؟ ص: حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا وهب وروح قالا: ثنا شعبة (ح). وحدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا سفيان قالا جميعًا: عن سماك ابن حرب عن مري بن قطري رجل من بني يعلى، عن عدي بن حاتم ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله أرسل كلبي فيأخذ الصيد فلا يكون معي ما أذكيه إلا المروة والعصا فقال: أهرق الدم بما شئت واذكر اسم الله". ش: هذان طريقان: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير وروح بن عبادة البصري كلاهما، عن شعبة بن الحجاج، عن سماك بن حرب، عن مُرَي -بضم الميم وفتح الراء- بن قطري -بالقاف- الكوفي قال في "الميزان": مري بن قطري عن عدي بن حاتم لا يعرف، تفرد عن سماك بن حرب. وذكره ابن حبان في الثقات. وأخرجه النسائي (١): عن محمد بن عبد الأعلى وإسماعيل بن مسعود عن خالد عن شعبة، عن سماك، عن مري. . . إلى آخره نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق أيضًا، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي البصري شيخ البخاري، عن سفيان الثوري عن سماك بن حرب. . . إلى آخره. وأخرجه ابن ماجه (٢): عن محمد بن بشار عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن سماك بن حرب عن مري. . . نحوه.

стр. 6463

وأخرجه أبو داود (١): ثنا موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد عن سماك بن حرب، عن مري بن قطري، عن عدي بن حاتم قال: "قلت: يا رسول الله، أرأيت إن أحدنا أصاب صيدًا وليس معه سكين أيذبح بالمروة وشقة العصا؟ فقال: امرر الدم بما شئت واذكر اسم الله ". قوله: "إلا المروة" قال الخطابي: المروة حجارة بيض وقال الأصمعي: وهي التي يقدح منها النار، وإنما تجزئ الذكاة من الحجر بما كان له حد يقطع. قوله: "أمر الدم بما شئت" أي استخرجه وأجره بما شئت يريد الذبح وهو من مرى الضرع يمريه ويروى: "أمر الدم"، من مار يمور، إذا جرى، وأماره غيره، قال الخطابي: وأصحاب الحديث يروونه مشدد الراء، وهو غلط، وقد جاء في سنن أبي داود والنسائي "امرر" برائين مظهرتين، ومعناه اجعل الدم يمر أي يذهب، فعلى هذا من رواه مشدد الراء يكون قد أدغم وليس بغلط. ويستفاد منه: جواز الصيد بالكلب وجواز الذبح بكل ما يُمْري الدم، واشتراط التسمية عند الذبح. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلي أن أباحوا [ما ذبح] (٢) بالسن والظفر المنزوعين وغير [المنزوعين] (٣) واحتجوا في ذلك بهذا الحديث. ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من أهل الحديث والأوزاعي في رواية عنه فإنهم قالوا: يباح الذبح بالسن والظفر سواء كانا منزوعين أو غير منزوعين واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فكرهوا الذبح بهما إذا كانا غير منزوعين وأباحوا ما ذبح بهما إذا كانا منزوعين واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا روح

стр. 6464

وسعيد بن عامر قالا: ثنا شعبة، عن سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة عن جده، رافع بن خديج ﵁ أنه قال: "يا رسول الله إنا لاقوا العدو غدا وليس معنا مدى، قال: ما أنهر الدم وذكرت اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر، وسأخبرك أما الظفر مدى الحبشة وأما السن فعظم". حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب قال: حدثني سفيان الثوري، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، عن جده رافع بن خديج ﵁ أنه قال: "يا رسول الله إنا نرجوا -أو نخشى- أن نلقى العدو وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال رسول الله ﵇: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا، إلا السن والظفر". قال أبو جعفر ﵀: ففي هذا الحديث أخرج النبي ﵇ السن والظفر مما أباح الذكاة به، فاحتمل أن يكون ذلك على المنزوعين واحتمل أن يكون على المنزوعين وغير المنزوعين، فإن كان ذلك على المنزوعين فهما إذا كانا غير منزوعين أحرى أن يكونا كذلك وان كان ذلك على غير المنزوعين فليس في ذلك دليل على [حكم] (١) المنزوعين في ذلك كيف هو؟ فلما أحاط العلم بوقوع النهي في هذا على غير المنزوعين ولم يحط العلم بوقوعه على المنزوعين، وقد جاء حديث عدي بن حاتم الدي ذكرناه مطلقًا؛ أخرجنا معه ما أحاط العلم بإخراج حديث رافع إياه منه وتركنا ما لم يحط العلم [بإخراج] (٢) حديث رافع إياه من علي ما أطلقه حديث عدي بن حاتم. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: الثوري وأبا حنيفة ومالكًا وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: يكره الذبح بالسن والظفر إذا كانا غير منزوعين، ولا يكره إذا كانا منزوعين، ومذهب الشافعي وأحمد والليث بن سعد: لا يجوز الذبح بالسن والظفر مطلقًا وهو مذهب الظاهرية أيضًا ونقل ذلك ابن جزء عن الشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري.

стр. 6465

قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحدث رافع بن خديج وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم من مرزوق، عن روح بن عبادة وسعيد بن عامر الضبعي كلاهما عن شعبة عن سعيد بن مسروق والد سفيان الثوري، عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج الأنصاري المدني عن جده رافع بن خديج ﵁. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن سفيان الثوري، عن أبيه سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة عن جده رافع بن خديج ﵁. وأخرجه الجماعة: فقال البخاري (١): ثنا موسى بن إسماعيل، نا أبو عوانة، عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن جده رافع بن خديج فذكر حديثًا، وفيه أنه قال: "يا رسول الله ليس معنا مدي أفنذبح بالقصب؟ فقال رسول الله ﵇: ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل ليس السن والظفر". قال مسلم (٢) نا محمد بن المثنى العنزي قال: ثنا يحيى بن سعيد عن سفيان قال: حدثني أبي عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج عن رافع بن خديج قال: "قلت: يا رسول الله إنا لاقوا العدو غدا وليس معنا مدى، قال: أعجل أو أرن ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ليس السن والظفر. وسأحدثك أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة". وقال أبو داود (٣): ثنا مسدد قال: نا أبو الأحوص قال: نا سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة عن أبيه عن جده رافع بن خديج قال: "أتيت رسول الله ﵇ وقلت: يا رسول الله إنا نلقى العدو غدًا وليس معنا مدى، فقال رسول الله ﵇ أرن

стр. 6466

أو أعجل ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سن أو ظفر، قال رافع: وسأحدثكم عند ذلك، أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة". وقال الترمذي (١): ثنا هناد قال: نا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، عن أبيه عن جده رافع بن خديج قال: "قلت: "يا رسول الله إنا نلقى العدو غدًا وليست معنا مدى فقال النبي ﵇: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سن أو ظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم وأما الظفر فمدي الحبشة". وقال النسائي (٢): أنا محمد بن منصور، ثنا سفيان، عن عمر بن سعيد عن أبيه، عن عباية عن رفاعة عن رافع بن خديج أن رسول الله ﵇ قال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل إلا السن والظفر". وقال ابن ماجه (٣): نا محمد بن عبد الله بن نمير نا عمر بن عبيد الله الطنافسي، عن سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة، عن جده رافع بن خديج قال: "كنا مع رسول الله ﵇ في سفر فقلت: يا رسول الله إنا نكون في المغازي فلا يكون معنا مدى قال: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل غير السن والظفر، فإن السن عظم والظفر مدى الحبشة". وهذا الحديث صحيح مثل ما ذكرنا ولهذا أخرجه الشيخان ولكن في سنده اختلاف، ففي رواية الطحاوي والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه: عن عباية بن رفاعة عن جده رافع بن خديج، وفي رواية الترمذي وأبي داود: عن عباية بن رفاعة عن أبيه عن جده رافع بن خديج.

стр. 6467

وقال الترمذي (١): نا محمد بن بشار قال: أنا يحيى بن سعيد، عن سفيان الثوري قال: نا أبي، عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج عن النبي ﵇ نحوه ولم يذكر فيه: "عباية عن أبيه" وهذا أصح، وعباية قد سمع من رافع، والله أعلم. قوله: "إنا لاقوا العدو" أصله لاقون العدو، فسقطت النون للإِضافة. قوله: "مدى": على وزن فُعَل -بضم الفاء وفتح العين- جمع مدية وهي السكين الكبير. قوله: "ما أنهر الدم" من الإِنهار وهو الإِسالة والصب بكثرة، شبه جروح الدم من موضع الذبح بجري الماء في النهر. قوله: "ليس السن والظفر" استثناء والمعنى إلا السن والظفر فلا تأكل ما يذبح بهما. قوله: "وسأخبرك" من كلام النبي ﵇، وفي رواية مسلم: "قال رافع: وسأحدثكم عن ذلك" فهذا من كلام رافع بن خديج يحكي كما سمعه عن النبي ﵇ من قوله: "وسأخبرك" فافهم. قوله: "أعجل أو أرن" في رواية مسلم هذه اللفظة قد اختلف في صيغتها ومعناها، فقال الخطابي (٢): هذا حرف طال ما اسْتَثْبَتُّ فيه الرواة وسألتُ عنه أهل العلم باللغة فلم أجد عنه واحد منهم شيئًا يقطع بصحته، وقد طلبت له مخرجًا فرأيته يتجه لوجوه: أحدها: أن يكون من قولهم أران القوم مرينون إذا هلكت مواشيهم، فيكون معناها أَهْلِكْها ذبحا وأزهق نفسها بكل ما أنهر الدم غير السن والظفر على ما رواه أبو داود في "السنن" بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون النون.

стр. 6468

الثاني: أن يكون أئرن بوزن أعرن من أرن يأرن إذا نشط وخَفَّ، يقول: خف واعجل لئلا تقتلها خنقًا، وذلك أن غير الحديد لا يمور في المذكاة موره. الثالث: أن يكون بمعنى أدم الحز ولا تفتر من قولك رنوت النظر إلى الشيء إذا أدمته، أو يكون أراد: أدم النظر إليه أو راعه ببصرك لئلا يزل عن المذبح وتكون الكلمة بكسر الهمزة والنون وسكون الراء بوزن إِرْمِ. وقال الزمخشري: كل من علاك وغلبك فقد ران بك، ورين بفلان: ذهب به الموت، وأران القوم إذا رين بمواشيهم أي هلكت، وصاروا ذوي رين في مواشيهم بمعنى أرن أي صر ذا رين في ذبيحتك، ويجوز أن يكون أران تعدته ران أي أزهق نفسها (١). ويستفاد منه أحكام: الأول: كل شيء فيه إنهار الدم يجوز الذبح به غير السن والظفر. الثاني: فيه أن التسمية عند الذبح شرط. الثالث: قال الخطابي: فيه دلالة على أن العظم كالسن في الحكم؛ لأنه لما علل السن بأنه عظم؛ فكل عظم يجب أن تكون الذكاة به محرمة، وإلى ذلك ذهب الأكثرون. وقال ابن حزم (٢): واحتج الشافعي وأصحابنا بقول النبي ﵇: "فإنه عظم" فجعلوا العظمية علة للمنع من التذكية حيث كان العظم أي عظم كان وهذا خطأ؛ لأنه تعدٍّ لحدود الله تعالى وحد رسوله ﵇؛ لأن النبي ﵇ لو أراد ذلك لما عجز أن يقول: ليس العظم والظفر، وهو ﵇ قد أوتي جوامع الكلم وأُمِرَ بالبيان، فلو أنه ﵇ أراد تحريم الذكاة بالعظم لما ترك أن يقوله. قلت: هذا كلام واهٍ يظهر بالتأمل.

стр. 6469

ص: وقد روي عن ابن عباس في هذا ما حدثنا سليمان بن شعيب قال: ثنا الخصيب بن ناصح قال: ثنا أبو الأشهب، عن أبي رجاء العطاردي قال: "خرجنا حُجَّاجًا فصاد رجل من القوم أرنبا فذبحها بظفره فَمَلُّوها وأكلوها, ولم آكل معهم فلما قدمنا البلد سألت ابن عباس فقال: لعلك أكلت معهم؟ قلت: لا. قال: أصبت، إنما قتلها خنقًا". حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا يعقوب بن إسحاق قال: ثنا سلم بن زرير، عن أبي رجاء. . مثله. أفلا ترى أن ابن عباس قد بين في حديثه هذا المعنى الذي به حرم أكل ما ذبح بالظفر أنه الخنق، لأن ما ذبح به فإنما ذبح بكف لا بغيرها، فهو مخنوق، فدل ذلك أن ما نهي عنه من الذبح بالظفر [هو الظفر] (١) المركب في الكف، لا الظفر المنزوع منها وكذلك ما نهي عنه من الذبح بالسن فإنما هو على السن المركبة في الفم؛ لأن ذلك يكون عظمًا، فأما السن المنزوعة فلا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. ش: أي قد روي عن عبد الله بن عباس في حكم الذبح بالظفر ما حدثنا. . . إلى آخره. أخرجه بإسناد صحيح من طريقين: الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب -بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة- بن ناصح الحارثي عن أبي الأشهب جعفر بن حيان البصري الخزاز العطاردي الأعمي، عن أبي رجاء عمران بن ملحان العطاردي وهو الذي أتى عليه مائة وعشرون سنة أدرك النبي ﵇ ولم يره، وأسلم بعد الفتح. وأخرجه ابن حزم (٢): من طريق معمر، عن عوف، عن أبي رجاء العطاردي،

стр. 6470

قال: "سألت ابن عباس عن أرنب ذبحتها بظفري، فقال: لا تأكلها, فإنها الخنقة، وفي رواية: "إنما قتلتها خنقًا". الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق عن يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي البصري المقرئ، قال أحمد وأبو حاتم: صدوق. ووثقه ابن حبان. عن سلم بن زرير -بفتح الزاي- بن يونس العطار وثقه أبو زرعة وأبو حاتم، وروى له البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. قوله: "فملُّوها" بفتح الميم وتشديد اللام أي جعلوها في الملة -بفتح الميم وتشديد اللام- وهي الرماد الحار، الذي يحمى ليدفن فيه الخبز لينضج ومنه خبز الملة. قوله: "أفلا ترى. . ." إلى آخره ظاهر فافهم. ***

стр. 6471

ص: باب أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام ش: أي هذا باب في بيان الأكل من لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام هل يباح أم لا؟ ص: حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا يعقوب بن حميد قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن: "أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁ يقول يوم الأضحى: أيها النَّاس إن النبي ﵇ قد نهى أن تأكلوا نسككم بعد ثلاث، فلا تأكلوها بعدها". حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أبو صالح قال: حدثني الليث قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: حدثني أبو عبيد مولى ابن أزهر قال: "صليت مع علي بن أبي طالب ﵁ العيد وعثمان بن عفان ﵁ محصور فصلى ثم خطب فقال: لا تأكلوا من لحوم أضاحيكم بعد ثلاثة أيام، فإن رسول الله ﵇ أمر بذلك". ش: هذان طريقان: الأول: عن أحمد بن داود المكي شيخ الطبراني، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني شيخ ابن ماجه فيه مقال. عن عبد الرزاق، عن معمر بن راشد، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي عبيد سعد بن عبيد الزهري المدني مولى عبد الرحمن بن أزهر روى له الجماعة. وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١). وأخرجه مسلم (٢): عن عبد بن حميد عن عبد الرزاق. . . إلى آخره نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي صالح عبد الله بن صالح شيخ

стр. 6472

البخاري، عن الليث بن سعد، عن عُقيل -بضم العين- بن خالد الأيلي، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي عبيد سعد بن عبيد. وأخرجه مسلم (١): حدثني حرملة بن يحيى قال: أنا ابن وهب قال: حدثني يونس عن ابن شهاب قال: حدثني أبو عبيد مولى ابن أزهر: "أنه شهد العيد مع عمر بن الخطاب ﵁ ثم قال: ثم صليت مع علي بن أبي طالب ﵁ قال: فصلى لنا [قبل] (٢) الخطبة ثم خطب الناس فقال: إن رسول الله ﵇ قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال فلا تأكلوا". قوله: "أن تأكلوا نسككم" بضم النون والسين وهو جمع نسيكة وهي الأضحية. قوله: "بعد ثلاث" أي بعد ثلاثة أيام. ص: حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا يحيى بن صالح الوحاظي قال: ثنا إسحاق ابن يحيى الكلبي، عن الزهري عن سالم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "كلوا منها ثلاثًا، يعني لحوم الأضاحي". حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا شعيب بن الليث قال: ثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر عن رسول الله ﵇ أنه كان يقول: "لا يأكل أحدكم من أضحيته فوق ثلاثة أيام". ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عي يحيى بن صالح الوحاظي شيخ البخاري، عن إسحاق بن يحيى الكلبي الحمصي قال: محمد بن يحيى الذهلي: مجهول لم يرو عنه إلا يحيى الوحاظي. عن محمد بن مسلم الزهري، عن سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁.

стр. 6473

الثاني: إسناده صحيح عن ربيع بن سليمان المؤذن عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد. . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): ثنا قتيبة بن سعيد قال: ثنا ليث. وحدثني محمد بن رمح قال: أنا الليث عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﵇ أنه قال: "لا يأكل أحدكم من لحم أضحيته فوق ثلاثة أيام". ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا فحرموا لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وجماعة من الظاهرية؛ فإنهم حرموا لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة. وقال الحازمي: وممن ذهب إلى هذا القول: علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام ﵄. وقال ابن حزم: فإن نزل بأهل بلد المضحي جَهْدٌ أو نزل به طائفة من المسلمين في جهد؛ جاز للمضحي أن يأكل من أضحيته من حين يضحي بها إلى انقضاء ثلاث ليال كاملة مستأنفة يبتدئها بالعدد من بعد تمام التضحية ثم لا يحل له أن يصبح في منزله منها بعد تمام الثلاث ليال شيء أصلا، لا ما قل ولا ما كثر، فإن ضحى ليلاً فلا يعد تلك الليلة في الثلاث؛ لأنه قدم منها شيء، فإن لم يكن شيء من هذا فليدخر منها ما شاء. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فلم يروا بأكلها وادخارها بأسًا واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس قال: ثنا معن بن عيسى، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير عن ثوبان قال: "ذبح رسول الله ﵇ أضحيته ثم قال: يا ثوبان أصلح لحم هذه الأضحية، فما زلت أطعمه منها حتى قدم المدينة".

стр. 6474

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم جماعة العلماء وفقهاء الأمصار منهم: الأئمة الأربعة وأصحابهم، فإنهم لم يروا بأكل لحوم الأضاحي وادخارها بأسًا، واحتجوا في ذلك بحديث ثوبان. أخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن معن بن عيسى بن يحيى الأشجعي المدني، عن معاوية بن صالح بن حُدير الحمصي قاضي الأندلس، عن أبي الزاهرية حُدير بن كريب الحضرمي الحمصي عن جبير بن نفير الحضرمي الحمصي عن ثوبان ﵁. وأخرجه مسلم (١): حدثني زهير بن حرب قال: ثنا معن بن عيسى قال: نا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية. . . إلى آخره نحوه. وأخرجه أبو داود (٢) عن النفيلي، عن حماد بن خالد الخياط عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية. . . إلى آخره نحوه. وأخرجه النسائي (٣): عن عمرو بن علي عن ابن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية. . . إلى آخره نحوه. ص: حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو عامر العقدي قال: ثنا زهير بن محمد، عن شريك بن أبي نمر، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه وعمه قتادة أن النبي ﵇ قال: "كلوا لحوم الأضاحي وادخروا". ش: إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن مرزوق شيخ الطحاوي وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العقدي. وأبو سعيد اسمه سعد بن مالك. وعمه قتادة بن النعمان وكان قتادة هذا أخا أبي سعيد الخدري لأمه.

стр. 6475

وأخرجه مسلم (١) من طريق آخر: نا أبو بكر بن أبي شيبة قال: نا عبد الأعلى، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله ﵇: "يا أهل المدينة لا تأكلوا لحم الأضاحي فوق ثلاث، فشكوا إلى رسول الله ﵇ أن لهم عيالا وحشمًا وخدمًا، فقال: كلوا وأطعموا واحبسوا وادخروا". وأخرجه البزار في "مسنده" بإسناد الطحاوي: نا محمد بن بشار وعمرو بن علي قالا: نا أبو عامر، نا زهير بن محمد عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، وعن عمه قتادة بن النعمان أن النبي ﵇ قال: "كلوا من لحوم الأضاحي وادخروا". ص: حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو عامر قال: ثنا شعبة، عن جابر بن يزيد عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: "إن كنا لنأكله بعد عشرين، تعني لحم الأضاحي". ش: جابر بن يزيد الجعفي فيه مقال كثير، والشعبي هو عامر بن شراحيل. وأخرج البخاري (٢): من حديث الثوري، عن عبد الرحمن بن عابس أخبرني أبي، عن عائشة: "قال: سألتها أكان رسول الله ﵇ نهى أن تؤكل الأضاحي فوق ثلاث؟ قالت: ما نهى عنه إلا مرة في عام جاع الناس فيه، فأراد أن يطعم الغني الفقير، ولقد كنا نخرج الكراع بعد خمس عشرة فنأكله، فقلت: ولم يفعلون؟ فضحكت وقالت: ما شبع آل محمد ﵇ من خبز بر مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله ". ص: قال أبو جعفر ﵀: فاحتمل أن يكون أحد هذين المعنيين اللذين ذكرناهما حجة لأحد هذين القولين ناسخًا للمعنى الآخر فنظرنا في ذلك، فإذا

стр. 6476

ابن أبي داود قد حدثنا قال: ثنا أبو معمر قال: ثنا عبد الوارث قال: حدثني علي بن زيد قال: حدثني النابغة بن مخارق بن سليم قال: حدثني أبي أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي، أن [تؤخروها] (١) فوق ثلاثة أيام، فادخورها ما بدا لكم". حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا أسد (ح). وحدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا حجاج قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن ربيعة بن النابغة، عن أبيه، عن علي ﵁ عن النبي ﵇ مثله. حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرني ابن جريج، عن أيوب بن هانئ عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عمرو بن خالد قال: ثنا زهير بن معاوية، عن زُبيد، عن محارب بن دثار عن ابن بريدة، عن أبيه عن النبي ﵇ مثله. حدثنا فهد قال: ثنا أبو نعيم (ح). وحدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أحمد بن يونس قالا: ثنا مُعَرِّف بن واصل قال: ثنا محارب بن دثار ثم ذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه عن النبي ﵇ مثله. حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي أن محمد ابن يحيى بن حبان أخبره أن واسع بن حبان أخبره أن أبا سعيد الخدري حدثه عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أيوب بن سليمان بن بلال قال: ثنا أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن عبد الرحمن بن عبد الله عن عطاء بن أبي رباح

стр. 6477

سمعه يحدث عن جابر عبد الله: "أنهم كانوا يأكلون الضحايا في عهد رسول الله ﵇ ثلاثًا لا يزيدون عليها، ثم إن رسول الله ﵇ أذن لهم بَعْدُ أن يأكلوا ويتزودوا". حدثنا فهد قال: ثنا علي بن معبد قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عطاء عن جابر نحوه. حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عمرو بن خالد قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن زُبيد أن أبا سعيد الخدري أخبره: "أنه أتى أهله فوجد عندهم قصعة ثريد ولحم من لحم الأضحي فأبي أن يأكله فأتى قتادة بن النعمان أخاه فحدثه أن رسول الله ﵇ عام الحج قال: إني كنت نهيتكم أن لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، وإني أحله لكم فكلوا منه ما شئتم". حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا الحماني قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، عن نبيشه أن النبي ﵇ قال: "إنا نهيناكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام؛ كي تسعكم فقد جاد الله بالسعة، فكلوا وادخروا، فإن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله ". حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث ومالك، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن رسول الله ﵇ نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث ثم أذن فيه فقال: كلوا وتزودوا وادخروا، فقال عمرو: قال أبو الزبير: قال جابر: فتزودنا منها إلى المدينة". حدثنا إبراهيم بن منقذ قال: ثنا إدريس بن يحيى عن بكر بن مضر قال: أخبرني خالد بن يزيد عن أبي الزبير عن جابر قال: "ضحينا مع رسول الله ﵇ بمنى وتزودنا منها إلى المدينة". حدثنا يونس قال: أخبرني أنس بن عياض، عن سعد بن إسحاق، عن زينب بنت كعب عن أبي سعيد الخدري: "أن النبي ﵇ نهى أن ندخر لحم

стр. 6478

الأضاحي فوق ثلاث، [أمرنا] (١) أن نأكل منها ونتصدق منها, ولا نأكلها بعد ثلاث، فأقمنا على ذلك ما شاء الله، ثم بدا لرسول الله ﵇ أن يأمرنا بأكلها والصدقة منها وأن يدخر من أحب ذلك". حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا شعيب بن الليث قال: ثنا الليث، عن الحارث بن يعقوب عن يزيد الأنصاري، عن امرأته "أنها: سألت عائشة عن لحوم الأضاحي فقالت: قدم علي بن أبي طالب من سفره فقدمنا إليه منه، فقال: لا آكل حتى أسال رسول الله ﵇، فسأله فقال: كلوا من ذي الحجة إلى ذي الحجة". حدثنا بحر عن شعيب، عن أبيه، عن الحارث بن يعقوب عن يزيد بن أبي يزيد مولى الأنصار ثم ذكر بإسناده مثله. قال: أبو جعفر ﵀: ففي هذه الآثار ما يدل على نسخ ما رويناه في أول هذا الباب عن رسول الله ﵇ من النهي عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام. ش: أراد بالمعنيين: المعنى الذي هو حجة لأهل المقالة الأولى وهو جواز أكل لحوم الأضاحي في ثلاثة أيام لا غير. والمعنى الذي هو حجة لأهل المقالة الثانية، وهو جواز الأكل والادخار مطلقًا. وتقرير ذلك: أن الأحاديث لما رويت بالمعنين المذكورين، احتمل أن يكون أحدهما ناسخًا للآخر، فوجدنا أحاديث أخرى وردت ودلت على أن المعنى الذي هو حجة لأهل المقالة الأول منسوخ، وأن حكمه مرفوع، وذلك لأنه هو الآخر من أمر رسول الله ﵇، وقد علم أن آخر الأمرين ناسخ لما قد تقدمه إذا لم يمكن استعماله، وصح تعارضه. وقال أبو عمر (٢): لا خلاف فيما علمته بين العلماء في إجازة أكل لحوم الأضاحي

стр. 6479

بعد ثلاث، وقيل: قبل ثلاث، وأن النهي عن ذلك منسوخ ولا خلاف بين فقهاء المسلمين في ذلك. وأخرج أحاديث النسخ عن جماعة من الصحابة وهم: علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وبريدة بن الخصيب وأبو سعيد الخدري وقتادة بن النعمان وجابر بن عبد الله ونبيشة الهذلي وعائشة أم المؤمنين ﵃. أما حديث علي ﵁: فأخرجه من ثلاث طرق: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي عن أبي معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد شيخ البخاري وأبي داود عن عبد الوارث بن سعيد عن علي بن زيد بن جدعان البصري المكفوف عن النابغة بن مخارق بن سليم عن أبيه مخارق بن سليم عن علي ﵁. والنابغة ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، ولم يتعرض إليه بشيء، ومخارق بن سليم وثقه ابن حبان، وعبد الوراث وعلي بن زيد من رجال الصحيح. الثاني: عند ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي عن أسد بن موسى عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن ربيعة بن النابغة عن أبيه عن علي ﵁ عن النبي ﷺ ". وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يزيد أنبا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن ربيعة بن النابغة عن أبيه عن علي: "أن رسول الله ﵇ نهى عن زيارة القبور وعن الأوعية وأن نحبس لحوم الأضاحي بعد ثلاث ثم قال: إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة، ونهيتكم عن الأوعية فاشربوا فيها، واجتنبوا كل ما أسكر ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تحبسوها بعد ثلاث فاحبسوا ما بدا لكم".

стр. 6480

فإن قيل: ما حال هذا الإِسناد؟ قلت: قال الذهبي: ربيعة بن النابغة عن أبيه عن علي في الأضحية لم يصح قاله البخاري، وقال ابن حبان: ربيعة روى عن أبيه عن علي عداده في أهل الكوفة وهو ثقة. الثالث: عن محمد بن خزيمة عن الحجاج بن منهال عن حماد بن سلمة. . . إلى آخره. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١): عن أبي خيثمة عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة. . . إلى آخره نحوه. وأما حديث عبد الله بن مسعود: فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى عن عبد الله بن وهب، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن أيوب بن هانئ الكوفي عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله بن مسعود ﵁. وأخرجه ابن ماجه (٢): عن يونس بن عبد الأعلى. . . إلى آخره نحوه سواء، إلا أنه لم يذكر فيه حكم الأضحية. وقال الذهبي: أيوب بن هانئ عن مسروق وعنه ابن جريج: ضعفه ابن معين وقال أبو حاتم: صالح. وأما حديث بريدة: فأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن خالد الحراني نزيل مصر وشيخ البخاري، عن زهير بن معاوية بن حديج، عن زبيد بن الحارث اليامي، عن محارب بن دثار بن كردوس السدوسي أحد مشايخ أبي حنيفة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة -بضم الباء الموحدة- ابن حصيب -بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- الأسلمي.
следующие страницы →