← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

ابن أبي داود قد حدثنا قال: ثنا أبو معمر قال: ثنا عبد الوارث قال: حدثني علي بن زيد قال: حدثني النابغة بن مخارق بن سليم قال: حدثني أبي أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي، أن [تؤخروها] (١) فوق ثلاثة أيام، فادخورها ما بدا لكم". حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا أسد (ح). وحدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا حجاج قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن ربيعة بن النابغة، عن أبيه، عن علي ﵁ عن النبي ﵇ مثله. حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب قال: أخبرني ابن جريج، عن أيوب بن هانئ عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عمرو بن خالد قال: ثنا زهير بن معاوية، عن زُبيد، عن محارب بن دثار عن ابن بريدة، عن أبيه عن النبي ﵇ مثله. حدثنا فهد قال: ثنا أبو نعيم (ح). وحدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أحمد بن يونس قالا: ثنا مُعَرِّف بن واصل قال: ثنا محارب بن دثار ثم ذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو عاصم قال: ثنا سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه عن النبي ﵇ مثله. حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي أن محمد ابن يحيى بن حبان أخبره أن واسع بن حبان أخبره أن أبا سعيد الخدري حدثه عن رسول الله ﵇ مثله. حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أيوب بن سليمان بن بلال قال: ثنا أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن عبد الرحمن بن عبد الله عن عطاء بن أبي رباح

стр. 6477

سمعه يحدث عن جابر عبد الله: "أنهم كانوا يأكلون الضحايا في عهد رسول الله ﵇ ثلاثًا لا يزيدون عليها، ثم إن رسول الله ﵇ أذن لهم بَعْدُ أن يأكلوا ويتزودوا". حدثنا فهد قال: ثنا علي بن معبد قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عطاء عن جابر نحوه. حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا عمرو بن خالد قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن زُبيد أن أبا سعيد الخدري أخبره: "أنه أتى أهله فوجد عندهم قصعة ثريد ولحم من لحم الأضحي فأبي أن يأكله فأتى قتادة بن النعمان أخاه فحدثه أن رسول الله ﵇ عام الحج قال: إني كنت نهيتكم أن لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، وإني أحله لكم فكلوا منه ما شئتم". حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا الحماني قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، عن نبيشه أن النبي ﵇ قال: "إنا نهيناكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام؛ كي تسعكم فقد جاد الله بالسعة، فكلوا وادخروا، فإن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله ". حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث ومالك، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن رسول الله ﵇ نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث ثم أذن فيه فقال: كلوا وتزودوا وادخروا، فقال عمرو: قال أبو الزبير: قال جابر: فتزودنا منها إلى المدينة". حدثنا إبراهيم بن منقذ قال: ثنا إدريس بن يحيى عن بكر بن مضر قال: أخبرني خالد بن يزيد عن أبي الزبير عن جابر قال: "ضحينا مع رسول الله ﵇ بمنى وتزودنا منها إلى المدينة". حدثنا يونس قال: أخبرني أنس بن عياض، عن سعد بن إسحاق، عن زينب بنت كعب عن أبي سعيد الخدري: "أن النبي ﵇ نهى أن ندخر لحم

стр. 6478

الأضاحي فوق ثلاث، [أمرنا] (١) أن نأكل منها ونتصدق منها, ولا نأكلها بعد ثلاث، فأقمنا على ذلك ما شاء الله، ثم بدا لرسول الله ﵇ أن يأمرنا بأكلها والصدقة منها وأن يدخر من أحب ذلك". حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا شعيب بن الليث قال: ثنا الليث، عن الحارث بن يعقوب عن يزيد الأنصاري، عن امرأته "أنها: سألت عائشة عن لحوم الأضاحي فقالت: قدم علي بن أبي طالب من سفره فقدمنا إليه منه، فقال: لا آكل حتى أسال رسول الله ﵇، فسأله فقال: كلوا من ذي الحجة إلى ذي الحجة". حدثنا بحر عن شعيب، عن أبيه، عن الحارث بن يعقوب عن يزيد بن أبي يزيد مولى الأنصار ثم ذكر بإسناده مثله. قال: أبو جعفر ﵀: ففي هذه الآثار ما يدل على نسخ ما رويناه في أول هذا الباب عن رسول الله ﵇ من النهي عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام. ش: أراد بالمعنيين: المعنى الذي هو حجة لأهل المقالة الأولى وهو جواز أكل لحوم الأضاحي في ثلاثة أيام لا غير. والمعنى الذي هو حجة لأهل المقالة الثانية، وهو جواز الأكل والادخار مطلقًا. وتقرير ذلك: أن الأحاديث لما رويت بالمعنين المذكورين، احتمل أن يكون أحدهما ناسخًا للآخر، فوجدنا أحاديث أخرى وردت ودلت على أن المعنى الذي هو حجة لأهل المقالة الأول منسوخ، وأن حكمه مرفوع، وذلك لأنه هو الآخر من أمر رسول الله ﵇، وقد علم أن آخر الأمرين ناسخ لما قد تقدمه إذا لم يمكن استعماله، وصح تعارضه. وقال أبو عمر (٢): لا خلاف فيما علمته بين العلماء في إجازة أكل لحوم الأضاحي

стр. 6479

بعد ثلاث، وقيل: قبل ثلاث، وأن النهي عن ذلك منسوخ ولا خلاف بين فقهاء المسلمين في ذلك. وأخرج أحاديث النسخ عن جماعة من الصحابة وهم: علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وبريدة بن الخصيب وأبو سعيد الخدري وقتادة بن النعمان وجابر بن عبد الله ونبيشة الهذلي وعائشة أم المؤمنين ﵃. أما حديث علي ﵁: فأخرجه من ثلاث طرق: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي عن أبي معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد شيخ البخاري وأبي داود عن عبد الوارث بن سعيد عن علي بن زيد بن جدعان البصري المكفوف عن النابغة بن مخارق بن سليم عن أبيه مخارق بن سليم عن علي ﵁. والنابغة ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، ولم يتعرض إليه بشيء، ومخارق بن سليم وثقه ابن حبان، وعبد الوراث وعلي بن زيد من رجال الصحيح. الثاني: عند ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي عن أسد بن موسى عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن ربيعة بن النابغة عن أبيه عن علي ﵁ عن النبي ﷺ ". وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا يزيد أنبا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن ربيعة بن النابغة عن أبيه عن علي: "أن رسول الله ﵇ نهى عن زيارة القبور وعن الأوعية وأن نحبس لحوم الأضاحي بعد ثلاث ثم قال: إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة، ونهيتكم عن الأوعية فاشربوا فيها، واجتنبوا كل ما أسكر ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تحبسوها بعد ثلاث فاحبسوا ما بدا لكم".

стр. 6480

فإن قيل: ما حال هذا الإِسناد؟ قلت: قال الذهبي: ربيعة بن النابغة عن أبيه عن علي في الأضحية لم يصح قاله البخاري، وقال ابن حبان: ربيعة روى عن أبيه عن علي عداده في أهل الكوفة وهو ثقة. الثالث: عن محمد بن خزيمة عن الحجاج بن منهال عن حماد بن سلمة. . . إلى آخره. وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١): عن أبي خيثمة عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة. . . إلى آخره نحوه. وأما حديث عبد الله بن مسعود: فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى عن عبد الله بن وهب، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن أيوب بن هانئ الكوفي عن مسروق بن الأجدع عن عبد الله بن مسعود ﵁. وأخرجه ابن ماجه (٢): عن يونس بن عبد الأعلى. . . إلى آخره نحوه سواء، إلا أنه لم يذكر فيه حكم الأضحية. وقال الذهبي: أيوب بن هانئ عن مسروق وعنه ابن جريج: ضعفه ابن معين وقال أبو حاتم: صالح. وأما حديث بريدة: فأخرجه من أربع طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن خالد الحراني نزيل مصر وشيخ البخاري، عن زهير بن معاوية بن حديج، عن زبيد بن الحارث اليامي، عن محارب بن دثار بن كردوس السدوسي أحد مشايخ أبي حنيفة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة -بضم الباء الموحدة- ابن حصيب -بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- الأسلمي.

стр. 6481

وأخرجه النسائي (١): أنا محمد بن معدات بن عيسى بن معدان الحراني نا الحسن بن أعين، نا زهير، نا زبيد، عن محارب، عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرًا". الثاني: عن فهد بن سليمان عن أبي نعيم النضل بن دكين شيخ البخاري عن مُعَرِّف بن واصل السعدي الكوفي عن محارب بن دثار عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﵇. وأخرجه مسلم (٢): نا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى قالا: ثنا محمد بن فضيل قال أبو بكر: عن أبي سنان وقال ابن مثنى: عن ضرار بن مرة عن محارب بن دثار عن ابن بريدة، عن أبيه. وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير قال: ثنا محمد بن فضيل قال: نا ضرار بن مرة أبو سنان عن محارب بن دثار عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرًا". الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري وأبي داود عن مُعَرِّف بن واصل عن محارب عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ . وأخرجه أبو داود (٣): ثنا أحمد بن يونس ثنا معرف بن واصل قال: ثنا محارب

стр. 6482

ابن دثار عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما نهيتكم عن ثلاث، وأنا آمركم بهن: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن في زيارتها تذكرة، ونهيتكم عن الأشربة أن تشربوا إلاَّ في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير أن لا تشربوا مسكرًا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث فكلوا واستمتعوا بها في أسفاركم". الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري عن سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد الحضرمي الكوفي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي ﵇. وأخرجه مسلم (١): حدثني الحجاج بن الشاعر قال: ثنا الضحاك بن مخلد عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "كنت نهيتكم. . ." الحديث، فذكر بمعنى حديث ضرار بن مرة عن محارب عن ابن بريدة عن أبيه المذكور آنفًا. وأما حديث أبي سعيد الخدري ﵁: فأخرجه من ثلاث طرق ولكنه لم يرتبها ونحن نذكرها مرتبة: الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح: عن يونس بن عبد الأعلى المصري عن عبد الله بن وهب المصري عن أسامة بن زيد الليثي المدني عن محمد بن يحيى بن حبان بن منقذ الأنصاري المدني عن عمه واسع بن حبان -بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة- المدني عن أبي سعيد سعد بن مالك الخدري ﵁. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يحيى بن آدم نا ابن المبارك عن أسامة، عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن فيها عبرة، ونهيتكم عن النبيذ فاشربوا ولا أحل مسكرًا ونهيتكم عن الأضاحي فكلوا".

стр. 6483

الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن خالد الحراني نزيل مصر وشيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة المصري فيه مقال، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، عن أبي سعيد الخدري. وأخرجه الطبراني (١): ثنا المقدام بن داود، ثنا أسد بن موسى، ثنا ابن لهيعة، نا أبو الزبير، عن زبيد أن أبا سعيد الخدري أخبره: "أنه أتى أهله من سفر فوجد عندهم قصعة ثريد من لحم الأضاحي فأبى أن يأكله فأتى قتادة بن النعمان فأخبره أن رسول الله ﵇ قال للناس زمن الحج: إني كنت أمرتكم أن لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث: ليتسع للناس وإني أحله لكم فكلوا ما شئتم". وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا حجاج، عن ابن جريج قال: ثنا سليمان بن موسى أخبرني زبيد: "أن أبا سعيد الخدري أتى أهله فوجد قصعة من قديد الأضحى فأبى أن يأكله، فأتى قتادة بن النعمان فأخبره أن النبي ﵇ قام فقال: إني كنت أمرتكم أن لا تأكلوا الأضاحي فوق ثلاث أيام؛ ليسعكم وإني أحله لكم فكلوا منه ما شئتم، ولا تبيعوا لحوم الهدي والأضاحي وكلوا وتصدقوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها وإن أطعمتم من لحمها فكلوا إن شئتم". وقال في هذا الحديث: عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﵇: "والآن كلوا واتجروا وادخروا". حدثنا (٣) حجاج عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير عن جابر. . . نحو حديث زبيد هذا عن أبي سعيد ولم يبلغه كله ذلك عن النبي ﵇. الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن أنس بن عياض بن ضمرة المدني، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة القضاعي المدني عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة زوجة أبي سعيد الخدري، عن زوجها أبي سعيد الخدري.

стр. 6484

وهذا إسناد صحيح ورجاله ثقات. وأما حديث جابر بن عبد الله ﵁ فأخرجه من أربع طرق صحاح ولكنها غير مرتبة ونحن نذكرها مرتبة: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أيوب بن سليمان بن بلال القرشي المدني شيخ البخاري، عن أبي بكر بن أويس واسمه عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني الأعشى، عن سليمان بن بلال القرشي التيمي المدني، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق التيمي المدني، عن عطاء بن أبي رباح عن جابر ﵁. وأخرج البزار في "مسنده": عن عمرو بن علي، عن أبي عاصم عن ابن جريج، عن عطاء سمع جابر بن عبد الله قال: "كنا لا نأكل من البُدن إلا ثلاث بمنى فاستأذنا النبي ﵇، فرخص لنا أن نأكل ونتزود، فأكلنا وتزودنا". وأخرجه العدني في "مسنده": عن عبد المجيد، عن ابن جريج. . . إلى آخره. الثاني: عن فهد بن سليمان عن علي بن معبد بن شداد العبدي، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة الجزري عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله. وأخرجه مسلم (١): نا إسحاق بن إبراهيم قال: أنا زكريا بن عدي، عن عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله قال: "كنا لا نمسك لحوم الأضاحي فوق ثلاث؛ فأمرنا رسول الله ﵇ أن نتزود منها ونأكل منها يعني فوق ثلاث".

стр. 6485

الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث المصري ومالك بن أنس، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي عن جابر. وأخرجه مسلم: نا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي ﵇: "أنه نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، ثم قال بعد: كلوا وتزودوا وادخروا". الرابع: عن إبراهيم بن منقذ العصفري، عن إدريس بن يحيى بن إدريس بن يحيى الخولاني المصري وثقه ابن حبان، عن بكر بن مضر بن محمد المصري، روى له الجماعة سوى ابن ماجه عن خالد بن يزيد الإسكندراني روى له الجماعة، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر. وأما حديث نبيشة الهذلي الصحابي ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم ابن أبي داود البرلسي عن يحيى بن عبد الحميد الحماني عن خالد بن عبد الله الطحان الواسطي عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن أبي المليح بن أسامة الهذلي، قيل: اسمه عامر، وقيل: زيد بن أسامة، وقيل غير ذلك عن نبيشة الخير الهذلي. وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد قال: ثنا يزيد بن زريع قال: نا خالد الحذاء، عن أبي المليح، عن نبيشة قال: قال رسول الله ﵇: "إنا كنا نهيناكم عن لحومها أن تأكلوها فوق ثلاث لكي يسعكم، جاء الله بالسَّعة فكلوا وادخروا واتجروا، ألا وإن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله ". وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن أبي المليح عن نبيشة، أن النبي ﵇ قال: "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام؛ فكلوا وادخروا".

стр. 6486

قوله: "بالسعة" بفتحتين أي: بالجده والطاقة. قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ (١). قوله: "اتجروا" لم تقع في رواية الطحاوي، وإنما هو من رواية أبي داود. قال البيهقي: معناه: ابتغوا أجرها وليس هو من باب التجارة. وقال الخطابي: أصله إئتجروا على وزن افتعلوا، يريد الصدقة التي يبتغى أجرها وثوابها، ثم يقال: اتجروا كما قيل: اتخذت الشيء وأصله ائتخذت وهذا من الأجر كهو من الأخذ وليس هو من باب التجارة؛ لأن البيع من الضحايا فاسد، إنما يؤكل ويتصدق منها. قوله: "فإن هذه الأيام أيام أكل وشرب" فيه دليل على أن صوم أيام التشريق غير جائز لأنه قد وسمها بالأكل والشرب كما وسم يوم العيد بالفطر، فكما لا يجوز صيامه فكذلك صيام أيام التشريق سواء كان تطوعًا أو نذرًا أو صامها الحاج عن التمتع والله أعلم. وأما حديث عائشة ﵂ فأخرجه من طريقين: الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري، عن يزيد بن أبي يزيد الأنصاري، عن امرأته عن عائشة وهؤلاء ثقات غير أن امرأة يزيد الأنصاري مجهولة. وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا حجاج، نا ليث حدثني الحارث بن يعقوب الأنصاري، عن يزيد بن أبي يزيد الأنصاري عن امرأته: "أنها سألت عائشة عن لحوم الأضاحي فقالت عائشة ﵂ قدِم علينا عليٌّ ﵁ من سفر فقَدَّمنا إليه منه فقال: لا آكله حتى أسأل عنه رسول الله ﵇ قالت: فسأله علي، فقال رسول الله ﵇: كلوه من ذي الحجة إلى ذي الحجة".

стр. 6487

الثاني: عن بحر بن نصر الخولاني، عن شعيب بن الليث عن أبيه الليث بن سعد، عن الحارث بن يعقوب. . . إلى آخره. ص: فإن قال قائل: فقد رويتم عن علي ﵁ في هذا الفصل عن النبي ﵇ أنه أباح لحوم الأضاحي بعدما قد كان نهى عنه ثم رويتم عنه -في الفصل الذي قبل ذلك الفصل- أنه خطب الناس، وعثمان ﵁ محصور فقال: لا تأكلوا من لحوم أضاحيكم بعد ثلاثة أيام، وإن رسول الله ﵇ كان يأمر بذلك، فقد دل ذلك على أن رسول الله ﵇ قد كان نهى عن ذلك بعدما قد أباحه حتى تتفق معاني ما رويتموه عن علي ﵁ مِنْ هذا. قيل له: ما في هذا دليل على ما ذكرت؛ لأنه قد يجوز أن يكون رسول الله ﷺ كان نهى عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام؛ لشدة كان الناس فيها ثم ارتفعت تلك الشدة فاباح لهم لذلك، ثم عاد ذلك في وقت ما خطب علي ﵁ بالناس فأمرهم بما كان رسول الله ﵇ أمر به في مثل ذلك والدليل على ما ذكرنا من هذا: أن ابن مرزوق حدثنا قال: ثنا أبو حذيفة قال: ثنا سفيان، ثنا عبد الرحمن بن عابس، عن أبيه قال: "دخلت على عائشة ﵂ فقلت: يا أم المؤمنين أَحَرَّم رسول الله ﵇ أن تؤكل لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام؟ فقالت: إنما فعل ذلك في عام جاع الناس فيه، فأراد أن يطعم الغني الفقير قالت: ولقد كنا نرفع الكراع خمس عشرة ليلة". فدل هذا الحديث أن ذلك النهي إنما كان من رسول الله ﵇ للعارض المذكور في هذا الحديث، فلما ارتفع ذلك العارض أباح لهم رسول الله ﵇ ما قد كان حظره عليهم على ما ذكرناه في الآثار الأُول التي في الفصل الذي قبل هذا فكذلك ما فعله علي ﵁ في زمن عثمان ﵁ وأمر به الناس بعد علمه بإباحة رسول الله ﵇ ما قد نهاهم هو عنه إنما كان ذلك منه -عندنا والله أعلم- لضيق كانوا فيه مثل ما كانوا في زمن رسول الله ﵇ في الوقت الذي نهاهم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام فأمرهم في أيامهم بمثل ما كان رسول الله ﵇ أمر به الناس في مثلها.

стр. 6488

ش: تقرير السؤال: أن يقال: قد رويتم في هذا الباب حديثين عن علي ﵁: الأول: رويتم ها هنا عنه عن النبي ﵇ أنه أباح لحوم الأضاحي فوق الثلاث بعدما كان نهى عنه، ورويتم قبل هذا في أول الباب أنه خطب الناس حين كان عثمان بن عفان ﵁ محصورًا، وقال: "لا تأكلوا من لحوم أضاحيكم بعد ثلاثة أيام"، وقال: "إن رسول الله ﵇ كان يأمر بذلك". وبين الحديثين تعارض ودفعه واجب مهما أمكن، وقد أمكن ها هنا، بأن يكون ما كان نهى عنه رسول ﷺ إنما كان بعدما قد أباحه فبهذا يرتفع التضاد ويتفق معنى الحديثين ويثبت المدعى وهو أن الأكل من لحوم الأضاحي فوق الثلاث ممنوع. وتقرير الجواب: أن يقال: لا نسلم ما ذكرتم؛ لأنه قد يجوز أن يكون نهيه ﵇ عن ذلك فيما فوق الثلاث إنما كان لأجل شدة كان الناس فيها ثم لما ارتفعت الشدة أباح لهم ذلك لحصول السعة للناس ثم لما عادت الشدة في الوقت الذي خطب فيه عليٌّ ﵁ وهو الوقت الذي كان عثمان ﵁ محصورًا فيه أمر علي ﵁ الناس بما كان أمر به النبي ﵇ في الوقت الذي كانت فيه الشدة لأجل أن يطعم الغني الفقير ويواسي به إياه فلما ارتفعت الشدة عادت الإباحة أيضًا والدليل على ذلك ما روي عن عائشة ﵂. أخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن عابس النخعي الكوفي عن أبيه عابس بن ربيعة النخعي الكوفي عن أم المؤمنين عائشة. وأخرجه البخاري (١): من حديث الثوري. . . إلى آخره بأتم منه، وقد ذكرناه فيما مضى.

стр. 6489

فإنها صرحت في حديثها بعلة النهي حيث قالت: "إنما فعل ذلك في عام جاع الناس فيه؛ فأراد أن يطعم الغني الفقير" فدل الحديث أن النهي منه ﵇ إنما كان لأجل هذا العارض فلما ارتفع هذا العارض -الذي هو علة النهي- ارتفع حكم النهي وهو المنع عن تناول لحوم الأضاحي فيما فوق الثلاث، وعادت الإباحة. قوله: "أحرم" الهمزة فيه للاستفهام. قوله: "كنا نرفع الكراع" قال الجوهري: الكراع في الغنم والبقر بمنزلة الوظيف في الفرس والبعير وهو مستدق الساق يُذكَّر ويؤنث، والجمع أكرع ثم أكارع. ص: وقد روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﵇ إنما كان نهى عن ذلك؛ لأجل دافة دفت عليهم. حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا عثمان بن عمر قال: أنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة قالت: "دفت ناس من أهل البادية حضرة الأضحى، فقال رسول الله ﷺ : ادخروا الثلاث وتصدقوا بما بقي، قالت: فلما كانت بعد قلت: يا رسول الله قد كان الناس ينتفعون بضحاياهم يجملون منها الودك، ويتخذون منها الأسقية، قال: وما ذاك؟ قلت: نهيت عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلاث، قال: إنا كنت نهيتكم للدافة التي دفت فكلوا وتصدقوا وتزودوا". حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب أن مالكَّاَ حدثه. . . بإسناد مثله. فأخبرت عائشة ﵂ أن رسول الله ﵇ لم يكن حَرَمَها ولكنه أراد التوسعة على الدافة التي دفت عليهم، فقد عاد معنى هذا الحديث إلى معنى حديث عابس عن عائشة ﵂. ش: ذكر هذا شاهدًا لما ذكره من أن نهيه ﵇ عن أكل لحوم الأضاحي فيما فوق الثلاث إنما كان لأجل عارض فلما ارتفع العارض ارتفع النهي، وذلك لأن عائشة ﵂ قد أخبرت في هذا الحديث أنه ﵇ لم يكن حرم لحوم الأضاحي بعد ثلاث وإنما نهى عنه لأجل التوسعة على الدافة التي دفت عليهم، فقد صار معنى حديثي عائشة سواء.

стр. 6490

وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق عن عثمان بن عمر بن فارس عن مالك. . . إلى آخره. والثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك. . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): نا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: أنا روح قال: ثنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن واقد قال: "نهى رسول الله ﵇ عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، قال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة، فقالت: صدق؛ سمعت عائشة ﵂ تقول: دفَّ أهل أبيات من البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله ﵇، وقال رسول الله ﵇: ادخروا ثلاثاً ثم تصدقوا بما بقي. فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم ويجملون منها الودك، فقال رسول الله ﵇: وما ذاك؟ قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال: إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت، فكلوا وادخروا وتصدقوا". قوله: "دف ناس" معناه: جاءوا إلينا وأتونا وأصله من دفيف الطائر إذا حرك جناحيه ورجلاه في الأرض يقال فيه: دَفَّ يَدِفُّ دفيفًا. قال الخليل: والدافة قوم يدفون أي يسيرون سيرًا لينًّا، وتداف القوم إذا ركب بعضهم بعضًا في قتالٍ أو نحوه. وفي "النهاية": الدافة: القوم يسيرون جماعة سيرًا ليس بالشديد يقال: هم يدفون دفيفًا، والدافة: قوم من الأعراب يردون المصر، يريد أنهم قوم قدموا المدينة عند الأضحى، فنهاهم عن ادخار لحوم الأضاحي، ليفرقوها ويتصدقوا بها، فينتفع بها أولئك القادمون.

стр. 6491

قوله: "حضرة الأضحى" معناه: وقت الأضحى، وفي حين الأضحى. قوله: "يجملون منها الودك" أي يذيبون منها الشحم يقال: جملت الشحم -بالجيم- وأجملته إذا أذبته واستخرجت دهنه، وجملت أفصح من أجملت والودك -بفتح الواو والدال- الشحم. قال الجوهري: "الودك" دسم اللحم. و"الأسقية" جمع -سقاء بكسر السين - وهو الدلو. ص: وقد روي هذا الحديث عن عابس عن عائشة ﵂ على غير ذلك اللفظ. حدثنا فهد قال: ثنا أبو غسان قال: ثنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن عابس ابن رييعة قال: "أتيت عائشة ﵂ فقلت: يا أم المؤمنين أكان رسول الله ﵇ حَرَّم لحوم الأضاحي فوق ثلاث؟ فقالت: لا، لكنه لم يكن ضحى منهم إلا قليل، ففعل ذلك ليُطعم من ضحى منهم من لم يضح، ولقد رأيتنا نخبئ الكراع ثم نأكلها بعد ثلاث". فقد يجوز أن تكون تلك الدافة كانت كثيرة، فكان الناس الذين يضحون معها قليلاً فأمرهم رسول الله ﵇ بما أمرهم به من الصدقة؛ من أجل ذلك فقد عاد معنى هذا أيضًا إلى معنى ما قبله. ش: أراد بـ"هذا الحديث": الحديث الذي رواه عبد الرحمن بن عابس عن أبيه عن عائشة، وحاصله: أن حديث عابس عن عائشة روي على وجهين: أحدهما: ما رواه سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن عابس عن أبيه عن عائشة. والآخر: ما رواه أبو إسحاق السبيعي عن عابس عن عائشة. وعند التحقيق يرجع معناهما إلى معنى واحد، وقد بينه الطحاوي. وأخرج الحديث الثاني أيضًا بإسناد صحيح: عن فهد بن سليمان عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني.

стр. 6492

وأخرجه الترمذي (١): ثنا قتيبة قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عابس بن ربيعة قال: "قلت لأم المؤمنين: كان رسول الله ﵇ ينهى عن لحوم الأضاحي؟ قالت: لا, ولكن قلَّ من كان يضحي في الناس، فأحب أن يطعم من لم يكن يضحي ولقد كنا نرفع الكراع فنأكله بعد عشرة أيام". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وأم المؤمنين هي عائشة زوج النبي ﵇. قوله: "ليطعم مَنْ ضحى منهم مَنْ لم يضح" فقوله ليطعم: من الإطعام، و"مَنْ" الأولى في محل الرفع على الفاعلية و"مَنْ" الثانية في محل النصب على المفعولين. قوله: "ولقد رأيتنا" بضم التاء أي: لقد رأيت أنفسنا. ص: وقد روي عن عائشة ﵂ أيضًا: أن ذلك القول من رسول الله ﵇ لم يكن على العزيمة، ولكنه كان على الترغيب منه لهم في الصدقة. حدثنا فهد قال: ثنا أبو صالح قال: حدثني الليث قال: ثنا عبيد الله، عن أبي الأسود، عن هشام بن عروة، عن يحيى بن سعيد عن عمرة، عن عائشة ﵂ أنها قالت في لحوم الأضاحي: "كنا نصلح منه، فيقدم به الناس إلى المدينة فقال: لا تأكلوا إلا ثلاثة أيام" ليست بالعزيمة ولكن أراد أن يطعموا منه فلم يخل نهي رسول الله ﵇ عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام من أحد وجهين: إما أن يكون ذلك على التحريم أو يكون ذلك على الحض منه لهم على الصدقة والخير، فإن كان ذلك على الحض منه لهم على الصدقة لا على التحريم، فذلك دليل على أن لا بأس بادخار لحوم الأضاحي وأكلها بعد الثلاث، وإن كان ذلك كان من رسول الله ﵇ على التحريم فقد كان منه بعد ذلك ما قد نسخ وأوجب التحليل، فثبت بما ذكرنا إباحة ادخار لحوم الأضاحي وأكلها في الثلاث وبعدها، وهذا قول أبي حنفية وأبي يوسف ومحمد ﵏.

стр. 6493

ش: هذا جواب آخر عن الأحاديث التي احتجت بها أهل المقال الأولى فيما ذهبوا إليه من عدم جواز أكل لحوم الأضاحي فيما فوق الثلاث، بيانه: أن ما روي عن النبي ﵇ من نهيه عن ذلك فيما فوق الثلاث لم يكن ذلك عنه ﵇ على العزيمة يعني التأكيد في المنع والحظر، ولكن كان ذلك نهي شفقة وإرشاد؛ ترغيبًا لهم في الصدقة، وحثًّا عليهم بها في مثل هذه الأيام الشريفة ليطعم الذي ضحى من لم يضح ويواسي به الغني الفقير وقد صرحت بذلك عائشة في هذا الحديث حيث قالت: فقال: "لا تأكلوا إلا ثلاثة أيام ليست بالعزيمة ولكن أراد أن يطعموا منه" فإذا كان كذلك بطل استدلال أهل المقالة الأولى بتلك الأحاديث فيما ذهبوا إليه. قوله: "فلم يخل نهي رسول الله ﵇. . ." إلى آخره ظاهر غني عن البيان. وإسناد هذا الحديث صحيح، وأبو صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث وشيخ البخاري. وعبيد الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵃ القرشي العدوي العمري المدني روى له الجماعة. وأبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي المدني يتيم عروة روى له الجماعة. وعمرة هي بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية روى لها الجماعة. وأخرجه البخاري (١): نا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي أبو بكر عن سليمان -هو ابن بلال- عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت: "الضحية كنا نملح منها فنقدم به إلى النبي ﵇ بالمدينة فقال: لا تأكلوا إلا ثلاثة أيام وليست بعزيمة ولكن أراد أن يُطعم منه". ...

стр. 6494

ص: باب أكل الضبع ش: أي هذا باب في بيان حكم أكل الضبع هل يجوز أم لا؟ والضبع -بفتح الضاد وضم الباء وتسكينها- هو حيوان معروف، ولا يقال في الأنثى: ضبعة؛ لأن الذكر ضبعان، والجمع ضباعين، مثل سرحان وسراحين، والأنثى: ضِبْعانة، والجمع [ضبعانات] (١) وضباع وهذا الجمع للذكر والأنثى مثل سبع وسباع. ص: قال أبو جعفر: ذهب قوم إلى إباحة أكل لحم الضبع، واحتجوا في ذلك بحديث ابن أبي عمار أن رسول الله ﵇ قال: "هي من الصيد"، وبحديث إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ بمثل ذلك، "ويؤكل"، وقد ذكرنا ذلك بإسناده في "كتاب مناسك الحج". ش: أراد بالقوم هؤلاء: عطاء بن أبي رباح ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم أباحوا أكل لحم الضبع وهو مذهب الظاهرية أيضًا. واحتجوا في ذلك بحديث عبد الرحمن بن أبي عمار: "أنه سأل جابرًا عن الضبع، فقال: أأكلها؟ قال: نعم، قال: أصيد هي؟ قال: نعم. قال: أسمعت ذلك عن النبي ﵇؟ فقال: نعم". أخرجه الطحاوي في "كتاب الحج" من ثمان طرق، وقد ذكرنا هناك أن أبا دواد والترمذي وابن ماجه أخرجوه (٢). واحتجوا أيضًا بحديث إبراهيم الصائغ، عن عطاء عن جابر عن النبي ﵇ مثله. وأخرجه الطحاوي هناك، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر الحوضي، عن حسان بن إبراهيم، عن إبراهيم الصائغ به.

стр. 6495

وأخرجه البيهقي في "سننه" نحوه، وقد ذكرناه هناك (١). ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يؤكل. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الحسن البصري وسعيد بن المسيب والأوزاعي والثوري وعبد الله بن المبارك وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا فإنهم قالوا: لا يؤكل الضبع. وأخرج عبد الرزاق (٢): عن الثوري، ثنا سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن يزيد قال: "سألت سعيد بن المسيب عن الضبع؟ فكرهه، فقلت له: إن قومك يأكلونه، فقال: إن قومي لا يعلمون" وقال الأوزاعي: "كان العلماء بالشام يعدونها من السباع، ويكرهون أكلها". ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن حديث جابر هذا قد اختلف في لفظه؛ فرواه كل واحد من حديث إبراهيم الصائغ كما ذكرنا عنه، ورواه ابن جريج على خلاف ذلك، فذكر عن ابن أبي عمار: "أنه سأل جابرًا عن الضبع، فقال: أصيد هي؟ قال: نعم، قال: وسمعت ذلك من النبي ﵇؟ فقال: نعم". فأخبر عن النبي ﵇ أنها صيد، وليس كل الصيد يؤكل، فاحتمل أن تكون الزيادة على ذلك المذكور في حديث ابن جريج من قول جابر؛ لأنه سمع النبي ﵇ سماها صيدًا. واحتمل أن يكون عن النبي ﵇ فلما احتمل ذلك، ووجدنا السنة قد جاءت عن رسول الله ﵇ أنه نهى عن كل ذي ناب من السباع، والضبع ذو ناب، لم يُخْرج من ذلك شيئًا، قد علمنا أنه دخل فيه شيء لم نعلم يقينا أنه أخرجه. ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه من تحريم أكل الضبع. . . إلى آخره.

стр. 6496

بيان ذلك: أن حديث جابر ﵁ مضطرب في متنه؛ لأن جماعة رووه من حديث إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر، على خلاف ما رواه عبد الملك بن جريج، عن عبد الله بن عبيد، عن عبد الرحمن بن أبي عمار، عن جابر، وذلك لأن ابن جريج روى عن ابن عبيد، عن ابن أبي عمار، عن جابر: "أنه سأله عن الضبع، أأكلها؟ قال: نعم، فقال: أصيد هي؟ قال: نعم. قال: وسمعت ذلك من النبي ﵇؟ فقال: نعم". وأخرجه الترمذي (١)، وقال: حديث حسن صحيح. وروى إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر، عن النبي ﵇ قال: "الضبع صيد، وجزاؤها كبش مُسِنٌ ويؤكل". وأخرجه البيهقي (٢). فأخبر في هذا الحديث عن النبي ﵇: "أن الضبع صيد، وما كلّ صيدٍ يؤكل، ثم قوله: "ويؤكل" زيادة على رواية غيره، ويحتمل أن تكون تلك الزيادة من قول جابر نفسه، ويحتمل أن تكون من النبي ﵇، فلما احتمل ذلك، ووجدنا السنة قد جاءت عن النبي ﷺ بطرق صحيحة أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، ولا شك أن الضبع ذو ناب فشملته السنة الصحيحة، فخرج بذلك عن أن يكون من المأكولات. فإن قيل: ليس هذا باضطراب ولا خلاف في الحديث، بل إنما هو زيادة في بعض الطرق على الباقية فتقبل الزيادة ويعمل بها. قلت: روى تلك الزيادة إبراهيم الصائغ، فقد قال أبو حاتم: لا يحتج به، وذكره النسائي في "الضعفاء".

стр. 6497

وأجاب بعض أصحابنا في هذا الموضع فقال: حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع صحيح مشهور، ثابت مروي من عدة طرق، فلا يعارض به حديث "الضبع صيد" لأنه انفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار، وليس هو بمشهور بنقل العلم، ولا ممن يحتج به إذا خالفه من هو أثبت منه، كذا قال: صاحب "التمهيد". فإن قيل: وقد روي أيضًا عن طريق عطاء، عن جابر كما ذكرنا. قلت: فيه شخصان فيهما كلام، وهما حسان بن إبراهيم، عن إبراهيم بن ميمون الصائغ. أما حسان فقد ذكره النسائي في "الضعفاء"، وقال: ليس بالقوي. وأما الصائغ فقد ذكرنا الآن عن أبي حاتم ما قال فيه. وقال الكاساني: حديث النهي عن كل ذي ناب من السباع مشهور مُحَرِّم، وحديث جابر في الضبع ليس بمشهور وهو مُحَلِّل، فالمحرِّم يقضي على المبيح؛ احتياطًا. انتهى. وقد أثبت بعض أصحابنا فيه النسخ؛ فقال: حديث جابر منسوخ. فإن قيل: كيف هذا النسخ؟ وما وجهه؟ قلت: قال شمس الأئمة بعد أن ذكر طرق التخلص عن التعارض بين الأحاديث: وأما طلب التخلص بدلالة التاريخ, وهو أن يكون أحد النصين موجبا للحظر، والآخر موجبًا للإباحة نحو ما روي أنه ﵇ نهى عن أكل الضب، وروي أنه رخص فيه، وما روي أنه نهي عن أكل الضبع، وروي أنه رخص فيه، فإن التعارض بين النصين ثابت من حيث الظاهر، ثم ينتفي ذلك بالمصير إلى دلالة التاريخ، وهو أن النص الموجب للحظر لأنه يكون متأخرًا عن الموجب للإباحة، فكان الأخذ به أولى فإن قيل: أجعل الموجب للإباحة في حكمه؟

стр. 6498

قلت: لا يمكن ذلك؛ لأنه يلزم منه إثبات النسخ مرتين: نسخ الإباحة الثابتة في الابتداء بالنص الموجب للحظر، ثم نسخ الحظر بالنص الموجب للإباحة، فإذا جعلنا نص الحظر متأخرًا احتجنا إلى إثبات النسخ في أحدهما خاصة، فكان هذا الجانب أولى، ولأنه قد ثبت بالاتفاق نسخ حكم الإباحة بالحظر، فأما نسخ حكم الحظر بالإباحة محتمل، وبالاحتمال لا يثبت النسخ، ولأن النص الموجب للحظر فيه زيادة حكم، وهو نيل الثواب بالانتهاء، واستحقاق العقاب بالإقدام عليه، وذلك ينعدم في النص الموجب للإباحة، فكان تمام الاحتياط في إثبات التاريخ بينهما على أن يكون الموجب للحظر متأخرًا والأخذ بالاحتياط أصل في الشرع. ص: فمما روى عن رسول الله ﷺ في تحريم كل ذي ناب من السباع ما حدثنا ربيع المؤذن ونصر بن مرزوق، قالا: ثنا أسد قال: ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "نهى رسول ﵇ عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير". حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﵇ عن كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر. . . فذكر بإسناده مثله، وقال: "نهى رسول الله ﵇. . .". حدثنا أحمد بن عبد المؤمن المروزي، قال: ثنا علي بن الحسن بن شقيق، قال: ثنا أبو عوانة. . . فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الرحمن بن المبارك، قال: ثنا خالد بن الحارث، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن علي بن الحكم، عن ميمون بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﵇ مثله.

стр. 6499

حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﷺ عن كل ذي ناب من السباع". حدثنا يونس، قال: أنا سفيان، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة الخشني، عن رسول الله ﷺ ، مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عيسى بن إبراهيم، قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم، قال: ثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله. فقد قامت الحجة عن رسول الله ﵇ بنهيه عن كل ذي ناب من السباع، وتواترت بذلك الآثار عنه، فلا يجوز أن يخرج من ذلك الضبع إذا كانت ذا ناب من السباع، إلا بما تقوم علينا به الحجة بإخراجها من ذلك، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: أي فمن الذي روي عن النبي ﵇ في تحريم أكل كل ذي ناب من السباع. ولما كان الضبع من ذوات الناب، وكل ذي ناب حرام أكله، فالضبع حرام أكله؛ لأن أحاديث تحريم ذوات الناب متواترة -يعني كثيرة مشهورة- فقامت بها الحجة، فلا يخرج عنها الضبع إلا بما هي حجة مثلها. ثم إنه أخرج في ذلك عن أربعة من الصحابة وهم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو ثعلبة الخشني، وأبو هريرة ﵃. أما حديث علي ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح، عن ربيع بن سليمان المؤذن -صاحب الشافعي- ونصر بن مرزوق، كلاهما عن أسد بن موسى، عن عبد المجيد ابن عبد العزيز بن أبي رواد المكي، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن حبيب بن أبي ثابت قيس بن دينار الكوفي، عن عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي، عن علي بن أبي طالب ﵁.

стр. 6500

وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١): ثنا أبو خيثمة نا عبد الصمد بن عبد الوارث أخبرني أبي، ثنا الحسن بن ذكوان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁: "أن النبي ﵇ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير، وعن ثمن الميتة، وعن ثمن الخمر، و [الحمر] (٢) الأهلية، وكسب البغيّ، وعن عسب كل ذي فحل". وأما حديث ابن عباس: فأخرجه من خمس طرق صحاح: الأول: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن ميمون بن مهران الجزري الأسدي، عن عبد الله بن عباس. وأخرجه مسلم (٣): عن يحيى بن يحيى، عن هشيم، عن أبي بشر، عن ميمون ابن مهران، عن ابن عباس نحوه. الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن يحيى بن حبان التنيسي شيخ الشافعي، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن ميمون بن مهران عن ابن عباس. وأخرجه مسلم (٤) أيضًا: حدثني أبو كامل الجحدري، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﵇ عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير". الثالث: عن أحمد بن عبد المؤمن المروزي، عن علي بن الحسن بن شقيق المروزي، عن أبي عوانة الوضاح، عن أبي بشر، عن ميمون.

стр. 6501

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١). الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبد الرحمن بن المبارك بن عبد الله الطفاوي البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن خالد بن الحارث بن عبيد البصري، عن سعيد بن أبي عروبة، عن علي بن الحكم البناني البصري، عن ميمون بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا محمد بن بشار، عن ابن أبي عدي، عن ابن أبي عروبة، عن علي بن الحكم، عن ميمون بن مهران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﵇ يوم خيبر عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير". الخامس: رجاله كلهم رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵃. وأما حديث أبي ثعلبة الخشني: فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني، عن أبي ثعلبة الخشني: وقد اختلف في اسمه؛ فقيل: جرثومة، وقيل: جرثوم، وقيل: ناشج، وقيل: عمرو، وقيل: لاشق. واختلف في اسم أبيه أيضًا؛ فقيل: ناشر، وقيل: ناشب، وقيل: جرثوم، وقيل: ناشج، وقيل: غير ذلك. وأخرجه مسلم (٣): حدثني حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس الخولاني أنه سمع أبا ثعلبة الخشني يقول:

стр. 6502

"نهى رسول الله ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع" قال ابن شهاب: ولم أسمع ذلك من علمائنا بالحجاز حتى حدثني أبو إدريس وكان من فقهاء أهل الشام. وأخرجه أبو داود (١) أيضًا. وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه بإسناد صحيح أيضًا: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عيسى بن إبراهيم بن سيَّار [الشعيري] (٢) البصري شيخ أبي داود، عن عبد العزيز بن مسلم القسملي المروزي، عن محمد بن عمرو بن علقمة الليثي المدني، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة. وأخرجه الترمذي (٣): عن قتيبة بن سعيد، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ حرم كل ذي ناب من السباع". وأخرجه مالك في "موطإه" (٤): عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عبيدة بن سفيان الحضرمي، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "أكل كل ذي ناب من السباع حرام". وقال الترمذي (٥): وفي الباب عن عرباض بن سارية، وابن عباس. قلت: وفي الباب أيضًا: عن جابر، والمقدام بن معدي كرب، وخالد بن الوليد ﵃.

стр. 6503

أما حديث عرباض: فأخرجه الطبراني (١): ثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصي، ثنا المسيب بن واضح، ثنا أشعث به شعبة، عن أرطاة بن المنذر، عن حكيم بن عمير، عن العرباض بن سارية، عن النبي ﵇ قال: "لا يحل لكم من السباع كل ذي ناب ولا الحمر الأهلية". وأما حديث جابر: فأخرجه الترمذي (٢): ثنا محمود بن غيلان قال: ثنا أبو النضر هو هاشم بن القاسم، قال: ثنا عكرمة بن عمار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر قال: "حرَّم رسول الله ﵇ في يوم خيبر الحمر الإنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير". وأما حديث المقدام بن معدي كرب فأخرجه أبو داود (٣): ثنا محمد بن المصفى الحمصي قال: ثنا محمد بن حرب، عن عوف، عن الزبيدي، عن مروان بن رؤبة التغلبي، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله ﵇ قال: "ألا لا يحل ذو ناب من السباع ولا الحمار الأهلي. . ." الحديث. وأما حديث خالد بن الوليد فأخرجه أبو داود (٤) أيضًا: ثنا عمرو بن عثمان، قال: ثنا محمد بن حرب، قال: حدثني أبو سلمة -يعني سليمان- بن سليم، عن صالح بن يحيى بن المقدام، عن جده المقدام بن معدي كرب، عن خالد بن الوليد ﵁ قال: "غزوت مع النبي ﵇ يوم خيبر، فأتت اليهود فشكوا أن الناس قد أسرعوا إلى حظائرهم، فقال رسول الله ﵇: ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام عليكم حمر الأهلية، وخيلها، وبغالها وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير".

стр. 6504

قوله: "عن كل ذي ناب" الناب: واحد الأنياب، وهو ما يلي الرباعيات من الأسنان، و"ذو الناب من السباع" مثل: الأسد والنمر والدب والذئب والضبع والثعلب، وما أشبه ذلك. و"ذو المخلب من الطير" مثل: الصقر والبازي والعقاب والحداءة، ونحوها. فكل واحد من النوعين يحرم أكله بهذا النص، والنهي الذي فيه: نهي التحريم. قال أبو عمر (١): كل خبر جاء عن النبي ﵇ فيه نهي فالواجب استعماله على التحريم إلا أن يأتي معه أو في غيره دليل يبين المراد منه أنه ندب وأدب، وما أعلم أحدًا من العلماء جعل النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع من باب الأدب والإِرشاد، إلا أن بعض أصحابنا زعم أن النهي عن ذلك نهي تنزيه وتقذر، ولا أدري ما معنى قوله: تنزيه وتقذر؟ فإن أراد نهي أدب فهذا ما لا يُوافَق عليه، وإن أراد أن كل ذي ناب من السباع يجب التنزه عنه كما يجب التنزه عن النجاسات والأقذار فهو غاية التحريم، لأن المسلمين لا يختلفون في أن النجاسات محرمة العين أشد التحريم، ولم يُرِد القائلون من أصحابنا هذا, ولكنهم أرادوا الوجه الذي هو عند أهل العلم ندب وأدب؛ لأن بعضهم احتج بظاهر قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ. . .﴾ الآية (٢) وذكر أن من الصحابة من استعمل هذه الآية ولم يحرم ما عداها، وكأنه لا حرام عنده على طاعم إلا ما ذكر في هذه الآية، ويلزمه على أصله هذا أن يحلل كل الحمر الأهلية، وهو لا يقول بهذا ولا أحد من أصحابه، وهذه مناقضة، وكذلك يلزمه أن لا يحرم ما لم يذكر اسم الله عليه عمدًا، ويستحل الخمر المحرمة عند جماعة المسلمين. وفي إجماع المسلمين على تحريم خمر العنب المسكر دليل واضح على أن رسول الله ﵇ قد وجد فيما أوحي إليه محرمًا على طاعم يطعمه، وقد اختلف الفقهاء في تأويلها على أربعة أقول:

стр. 6505

فقال قوم من العراقيين ممن يجيز نسخ القرآن بالسنة: إنها منسوخة بنهي النبي ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية. وقال قوم: إن الآية نزلت جوابًا لما سأل عنه قوم من أصحابه فأجيبوا عن مسألتهم، والمعنى: قل لا أجد فيما أوحي إلى مما ذكرتم أو مما كنتم تأكلون. قاله: طاوس، ومجاهد، وقتادة، واستدلوا على ذلك بأن الله قد حرم في كتابه وعلى لسان نبيه ﵇ أشياء لم تذكر في الآية، لا يختلف المسلمون في ذلك. وقيل: الآية محكمة، ولا تحرم إلا ما فيها، وهو قول يروى عن ابن عباس وعائشة ﵃، وقد روي عنهما خلافه، وروي عن عمر من وجه ضعيف، وهو قول الشعبي وسعيد بن جبير في الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع. وأما فقهاء الأمصار فمخالفون لهذا القول متبعون للسنة في ذلك، وأن كل ما حرمه رسول الله ﵇ مضموم إليها، وهو زيادة حكم من الله تعالى على لسان نبيه، ولا فرق بين ما حرَّم الله أو حرمه على لسان نبيه ﵇ بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (١) وقوله: و ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢) فقال البغداديون من أصحابنا: إن كل ما عداها حلال، ولكنه يكره أكل السباع. وعند فقهاء الأمصار -منهم: مالك والشافعي وأبو حنيفة وعبد الملك-: أن أكل كل ذي ناب من السباع حرام، وليس يمتنع أن تقع الزيادة بعد قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ (٣) بما يرد من الدليل فيها، كما قال ﵇: "لا يحل دم رجل مسلم إلا بإحدى ثلاث" (٤) فذكر الكفر، والزنا والقتل، ثم قال علماؤنا: أسباب

стр. 6506

القتل عشرة بما ورد من الأدلة إذ النبي ﵇ إنما يخبر عما وصل إليه من العلم عن الباري ، وهو يمحو ما يشاء ويثبت، وينسخ ويقرر، وقد ثبت عن النبي ﵇ أنه قال: "أكل كل ذي ناب من السباع حرام" وهو صريح المذهب. وقال أبو عمر: أجمعوا على أن سورة الأنعام مكية إلا قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ. . .﴾ (١) الثلاث آيات، وأجمعوا أن نهي رسول الله ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع إنما كان منه بالمدينة، ولم يرو ذلك غير أبي هريرة وأبي ثعلبة الخشني وإسلامها متأخر بعد الهجرة إلى المدينة بأعوام، وقد روي عن ابن عباس عن النبي ﵇ مثل رواية أبي هريرة وأبي ثعلبة من وجه صالح، قال إسماعيل ابن إسحاق القاضي: وهذا كله يدل على أنه أمر كان بالمدينة بعد نزول قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا. . .﴾ (٢) لأن ذلك مكي. قال أبو عمر: اختلف العلماء في معنى قوله ﵇ "أكل كل ذي ناب من السباع حرام" فقال الشافعي ومن تبعه والليث بن سعد: إنما أراد ﵇ بقوله هذا: ما كان يعدو على الناس، مثل الأسد والذئب والنمر والكلب العادي، وما أشبه ذلك مما الأغلب من طبعه أن يعدو، وما كان الأغلب من طبعه ألا يعدو فليس مما عناه ﵇ بقوله هذا، وإذا لم يكن من طبعه أن يعدو فلا بأس بأكله كالثعلب والضبع. وقال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه: لا يؤكل شيء من سباع الوحشي كلها ولا الهر الوحشي ولا الأهلي؛ لأنه سبع، قالوا: ولا يؤكل الضبع، ولا الثعلب. وزاد ابن عبد الحكم في حكايته عن مالك قال: وكل ما يفترس ويأكل اللحم ولا يرعى الكلأ فهو سبع لا يؤكل، هذا هو المشهور عن مالك، وقد روي عنه: أنه لا بأس بأكل الثعلب والوبر، وقال أبو يوسف: أما الوبر فلا أحفظ فيه شيئًا عن

стр. 6507

أبي حنفية، وهو عندي مثل الأرنب لا بأس بأكله؛ لأنه يعتلف البقول والنبات، وقال أبو يوسف في السنجاب والفنك (١) والسنور: كل ذلك سبع مثل الثعلب وابن عرس. قال أبو عمر (٢): ولا بأس عند مالك بأكل الضب واليربوع والورل (٣)، قال عبد الرزاق: بالورل يشبه الضب، وروي عن أشهب أن لا بأس بأكل الفيل إذا ذكي. وهو قول الشعبي وابن الحسن وغيره؛ لأنه ذو ناب، وقال ابن حزم: وأما الفيل فليس سبعًا ولا جاء في تحريمه نص فهو حلال. وأما الخلاف في الطيور التي لها مخلب فقد ذكرناه في "كتاب الحج" مستقصى، فقد قيل: المحرم الصيد. ...

стр. 6508

ص: باب صيد المدينة ش: أي هذا باب في بيان حكم صيد المدينة النبوية صلوات الله على ساكنها وأفضل سلامه. ص: حدثا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص بن غياث، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش، قال: حدثني إبراهيم التيمي، قال: حدثني أبي، قال: "خطبنا علي ﵁ على منبر من آجر، وعليه سيف فيه صحيفة معلقة به، فقال: والله ما عندنا من كتاب نقرؤه إلا كتاب الله، وما في هذه الصحيفة، ثم نشرها، فإذا فيها: المدينة حرام من عير إلى ثور". ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين، والأعمش هو: سليمان، وإبراهيم بن يزيد التيمي، -تيم الرباب- الكوفي، وأبوه: يزيد بن شريك التيمي. وأخرجه البخاري (١): نا عمر بن حفص بن غياث، نا أبي، ثنا الأعمش، حدثني إبراهيم التيمي، حدثني أبي قال: "خطبنا علي ﵁. . ." إلى آخره نحوه سواء، غير أن لفظه في آخره: "فإذا فيها: أسنان الإبل" وإذا فيها: المدينة حرم من عَيْر إلي كذا، من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً. وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب وأبو كريب، جميعًا، عن أبي معاوية -قال أبو كريب: ثنا أبو معاوية- قال: ثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: "خطبنا علي بن أبي طالب ﵁ وقال: من زعم أن عندنا شيئًا نقرأه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة -قال: وصحيفة معلقة في قراب سيفه- فقد كذب، فيها: أسنان الإبل، وأشياء من الجراحات، وفيها: قال

стр. 6509

النبي ﵇: والمدينة حرم ما بين عائر إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين؛ لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا. . ." الحديث. وأخرجه أبو داود (١): نا محمد بن كثير، قال: أنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي ﵁ قال: "ما كتبنا عن رسول الله ﵇ إلا القرآن وما في هذه الصحيفة، قال: قال رسول الله ﵇: المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور. . ." الحديث. وأخرجه الترمذي (٢): ثنا هناد قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش. . . إلى آخره، نحو رواية أبي داود. قوله: "من عَيْر إلى ثور" وفي أكثر الروايات: "من عائر إلى ثور" قال بعضهم (٣): ليس بالمدينة ولا على مقربة منها جبل يسمى بهذين الإسمين، ولهذا ترك بعض الرواة موضع ثور بياضًا، وقال بعضهم: أما "عَيْر" فجبل معروف بالمدينة، وأما "ثور" فالمعروف أنه بمكة وفيها الغار التي بات فيها رسول الله ﵇ لما هاجر، وفي رواية قليلة "ما بين عير إلى أحد" وأحد بالمدينة، فيكون ثور غلطًا من الراوي وإن كان هو الأشهر في الرواية، ويقال: إن عَيْرا جبل بمكة، ويكون المراد أنه حرَّم من المدينة قدر ما بين عير وثور من مكة، أو حرم المدينة تحريمًا مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة على حذف المضاف. وقيل: "إلى" ها هنا بمعنى "مع" كأنه جعل المدينة مضافة إلى مكة في التحريم، وقال الخطابي: عاير وثور جبلان، وزعم بعضهم أن أهل المدينة لا يعرفون بالمدينة جبلًا يقال له: ثور وإنما ثور بمكة، فيروى -أى الحديث- إنما أصله ما بين عائر إلى أحد.

стр. 6510

قال القاضي: قوله: "المدينة حرم ما بين عير إلى ثور" كذا للرواة، وللعذري: عاير بألف هذان الإسمان هما اللذان جاءا في الحديث الآخر: "من كذا إلى كذا" فإما أن يكون في ذلك الحديث لم يضبط الراوي الاسمين أو كنى عنهما؛ لإنكار مصعب الزبيري وغيره هاتين الكلمتين، وقال: ليس بالمدنية عَيْر ولا ثور، قالوا: وإنما ثور بمكة، وقال الزبير: عير جبل بناحية المدينة، وأكثر الرواة في كتاب البخاري ذكروا عَيرًا، وأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضًا إذْ اعتقدوا الخطأ في ذكره. قال الإِمام: قال بعض العلماء: ثور ها هنا وهم من الراوي؛ لأن ثور بمكة، والصحيح: "إلى أحد" قال القاضي: كذا قال أبو عبيد: كأن الحديث أصله: "من عير إلى أحد". قلت: "العير" بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء، و"الثور" بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو على اسم الثور الحيوان المعروف. ويستفاد من هذا الحديث أحكام: الأول: أن الدينة لها حرم كحرم مكة على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى. الثاني: فيه رد على الرافضة والشيعة فيما يدعونه من إيداع أسرار العلم والشريعة لآل البيت وتخصيصهم بما لم يطلع عليه سواهم، وتكذيب لهم وهو مراد علي ﵁. الثالث: فيه أن عليًّا ﵁ ممن كتب العلم قديمًا. الرابع: فيه جواز كتابة العلم والحديث. الخامس: فيه أن الخطيب إذا خطب وهو متقلد سيفه لا بأس به. السادس: فيه استحباب الخطبة على موضعٍ عالٍ، وذلك لأنه أبلغ إلى التبليغ إلى سائر الناس.

стр. 6511

ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد: "أن سعدًا ركب إلى قصره بالعتيق، فوجد غلامًا يقطع شجرًا -أو يخبطه أظن فيه- فأخذ سلبه، فلما رجع أتاه أهل الغلام فكلموه أن يرد عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئًا نفلنيه رسول الله ﷺ ، وأبى أن يرده إليهم". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن أبي عبد الله قال: "شهدت سعد بن أبي وقاص وأتاه قوم في عبد لهم أخذ سعد سلبه رآه يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله ﵇ فأخذ سلبه فكلموه، فأبى أن يرد عليه سلبه، فأبى وقال: إن رسول الله ﵇ لما حَدَّ حدود حرم المدينة قال: من وجدتموه يصيد في شيء من هذه الحدود فمن وجده فله سلبه، فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله ﵇، ولكن إن شئتم غرمت لكم ثمن سلبه؛ فعلت". حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن عثمان بن حكيم، قال: أخبرني عامر بن سعد، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ حرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عِضَاهُهَا، أو يقتل صيدها". ش: هذه ثلاث طرق: الأول: إسناده صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي البصري، عن عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن القرشي المدني روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص المدني روى له الجماعة إلا أبا داود، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص المدني روى له الجماعة، عن سعد بن أبي وقاص أحد العشرة. وأخرجه مسلم (١): ثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد، جميعًا عن العقدي -

стр. 6512

قال عبد: أنا عبد الملك بن عمرو- قال: نا عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد، أن سعدًا ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدًا يقطع شجرًا -أو يخبطه- فسلبه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم -أو عليهم- ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئًا نفلنيه رسول الله ﷺ وأبى أن يرد عليهم". الثاني: رجاله ثقات أيضًا، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم الثقفي المكي نزيل البصرة، عن سليمان بن أبي عبد الله. . . إلى آخره. وأخرجه أبو داود (١): ثنا أبو سلمة موسى قال: ثنا جرير -يعني ابن حازم- قال: حدثني يعلى بن حكيم، عن سليمان بن أبي عبد الله قال: "رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلًا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله ﵇، فسلبه ثيابه، فجاءوا -يعني مواليه- فكلموه فيه، فقال: إن رسول الله ﵇ حرم هذا الحرم، وقال: من [وجد] (٢) أحدًا يصيد فيه فليسلبه. فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله ﵇، ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه". الثالث: عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني شيخ ابن ماجه، فيه مقال، عن مروان بن معاوية بن الحارث الكوفي الثقة، عن عثمان بن حكيم بن عباد بن حنيف الأنصاري الثقة، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص ﵁. وأخرجه مسلم (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عبد الله بن نمير (ح).

стр. 6513

وحدثنا ابن نمير، قال: نا أبي، قال: نا عثمان بن حكيم، قال: حدثني عامر بن سعد، عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇: "إني أحرم ما بين لابتي المدينة، أن يقطع عضاهها، أو يقتل صيدها. . ." الحديث. قوله: "بالعقيق" هو واد من أودية المدينة مسيل للماء، وهو الذي ورد ذكره في الحديث "أنه واد مبارك" وقد استقصينا بيانه في كتاب الحج. قوله: "أو يخبطه" من الخبط، وهو ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها، والاسم منه للورق الساقط: خَبط -بالتحريك- فعل بمعنى مفعول، وهو من علف الإبل. قوله: , "سلبه" بتحريك اللام، وهو ما عليه من قماشه. قوله: "نفلنيه" من التنفيل، وأصله من النفل، وهو الغنيمة. قوله: "ما بين لابتي المدينة" اللابة: الأرض ذات الحجارة السود، وجمعها: لابات في القليل، ولاب ولؤب في الكثير، مثل: قارة وقور، وساحة وسوح، وباحة وبوح. وقال الهروي: أي ما بين طرفي المدينة، وقال ابن حبيب: اللابتان الحرتان الشرقية والغربية، وللمدينة حرتان؛ حرة في القبلة، وحرة في الجنوب، وترجع كلها إلى الحرتين: الغربية والشرقية؛ لاتصالهما بهما, ولذلك حرم رسول الله ﵇ ما بين لابتيها، جميع دورها كلها في اللابتين، وقد ردها كلها حسان لابة واحدة؛ لاتصالها، فقال: لنا حرة مأطورة بجبالها ... بني العز فيها بيته فتماثلا ومعنى مأطورة: معطوفة بجبالها لاستدارتها. قوله: "عضاهها" العضاة -مقصور- كل شجر له شوك، واحده: عضاهة وعضهة وعضة، كالطلح والعوسج، وقال ابن الأثير: العضاة شجر أم غيلان، وكل شجر عظيم له شوك، الواحدة: عضة -بالتاء- وأصلها عضهة، وقيل: واحدتها عضاهة وعضهت العضاة إذا قطعتها.

стр. 6514

وقال ابن حبيب: وتحريم النبي ﵇ لابتي المدينة إنما ذلك في الصيد خاصة، وأما في قطع الشجر فيه فبريد في بريد في دور المدينة كلها، بذلك أخبرني مطرف، عن مالك، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن وهب، وقد ذكر مسلم في بعض طرقه: "إني أحرم ما بين جبليها"، وفي حديث أبي هريرة: "وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى". قال عياض: وهذا تفسير لما ذكره ابن وهب، ورواه مطرف، عن مالك وعمر بن عبد العزيز. وقال المهلب: قَطْعُ النبي ﵇ النخل فيها حين بنى المسجد، يدل أن النهي لا يتوجه لقطع شجرها للعمارة ووجه الإِصلاح، وأن يتخذ شجرها وشوكها ليتخذ موضعه قبابًا وعمارة وأن توجيه النهي إنما هو القطع للفساد لبهجة المدينة وخضرتها من غير الوارد عليها والمهاجر لها. وقال القاضي: وقد ذكر ابن نافع عن مالك نحو هذا؛ قال: إنما نهى عنه لئلا تتوحش ويبقى فيها شجرها ليستأنس به، ويستظل به من هاجر إليها. وحكى الخطابي وغيره: أن قطع الشوك غير ممنوع، لما فيه من الضرر، وقد ذكر مسلم في حديث زهير: "ولا يختلى شوكها" وقيل: بل قطعه ﵇ للنخل إنما هو قطع لما غرسه الآدمي، فالنهي إنما يتوجه إلى ما أنبته الله تعالى ما لا صنع فيه لآدمي. ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا أحمد بن أبي بكر، قال: حدثني أبو ثابت عمران بن عبد العزيز الزهري، عن عبد الله بن يزيد مولى المنبعث، عن صالح بن إبراهيم، عن أبيه قال: "اصطدت طيرًا بالقُنْبُلة فخرجت به في يدي فلقيني أبي -عبد الرحمن بن عوف ﵁- فقال: ما هذا؟ فقلت: طير اصطدته بالقنبلة. فعرك أذني عركًا شديدًا، ثم أرسله من يدي، ثم قال: حرم رسول الله ﵇ صيد ما بين لابتيها".

стр. 6515

ش: أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث الزهري المدني شيخ الجماعة غير النسائي، وأبو ثابت عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، فيه مقال؛ قال يحيى: منكر الحديث، وقال مرة: ليس بثقة، وقال البخاري: منكر الحديث. وعبد الله بن يزيد وثقه ابن حبان، وروى له الأربعة غير الترمذي. وصالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو عمران المدني روى له البخاري ومسلم حديثًا واحدًا في قتل أبي جهل يوم بدر. وأبوه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني روى له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه. والحديث أخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث أبي ثابت عمران بن عبد العزيز. . . إلى آخره نحوه سواء. غي أن لفظه: "فعرك أذني عركًا شديدًا واستنزعه من يدي فأرسله". قوله: "بالقُنْبُلة" بضم القاف وسكون النون وضم الباء الموحدة وفتح اللام وفي آخره هاء، وهي مصيدة يصاد بها النُّهَس، وهو أبو براقش. قوله: "فلقيني أبي: عبد الرحمن" جملة من الفعل والفاعل والمفعول، فقوله: "أبي" فاعل لقوله: "لقيني"، وقوله: "عبد الرحمن" بالرفع عطف بيان من قوله: "أبي" فافهم. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن يونس بن يوسف، عن عطاء بن يسار، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁: "أنه وجد غلمانًا ألجئوا ثعلبًا إلى زاوية، فطردهم، قال مالك: لا أعلم إلا أنه قال: أفي حرم رسول الله ﵇ يصنع هذا؟! ".
следующие страницы →