ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد: "أن سعدًا ركب إلى قصره بالعتيق، فوجد غلامًا يقطع شجرًا -أو يخبطه أظن فيه- فأخذ سلبه، فلما رجع أتاه أهل الغلام فكلموه أن يرد عليهم ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئًا نفلنيه رسول الله ﷺ ، وأبى أن يرده إليهم".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن أبي عبد الله قال: "شهدت سعد بن أبي وقاص وأتاه قوم في عبد لهم أخذ سعد سلبه رآه يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله ﵇ فأخذ سلبه فكلموه، فأبى أن يرد عليه سلبه، فأبى وقال: إن رسول الله ﵇ لما حَدَّ حدود حرم المدينة قال: من وجدتموه يصيد في شيء من هذه الحدود فمن وجده فله سلبه، فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله ﵇، ولكن إن شئتم غرمت لكم ثمن سلبه؛ فعلت".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن عثمان بن حكيم، قال: أخبرني عامر بن سعد، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ حرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عِضَاهُهَا، أو يقتل صيدها".
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: إسناده صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي البصري، عن عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن القرشي المدني روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص المدني روى له الجماعة إلا أبا داود، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص المدني روى له الجماعة، عن سعد بن أبي وقاص أحد العشرة.
وأخرجه مسلم (١): ثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد، جميعًا عن العقدي -
стр. 6512
قال عبد: أنا عبد الملك بن عمرو- قال: نا عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد، أن سعدًا ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدًا يقطع شجرًا -أو يخبطه- فسلبه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم -أو عليهم- ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئًا نفلنيه رسول الله ﷺ وأبى أن يرد عليهم".
الثاني: رجاله ثقات أيضًا، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن يعلى بن حكيم الثقفي المكي نزيل البصرة، عن سليمان بن أبي عبد الله. . . إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا أبو سلمة موسى قال: ثنا جرير -يعني ابن حازم- قال: حدثني يعلى بن حكيم، عن سليمان بن أبي عبد الله قال: "رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلًا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله ﵇، فسلبه ثيابه، فجاءوا -يعني مواليه- فكلموه فيه، فقال: إن رسول الله ﵇ حرم هذا الحرم، وقال: من [وجد] (٢) أحدًا يصيد فيه فليسلبه. فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله ﵇، ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه".
الثالث: عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني شيخ ابن ماجه، فيه مقال، عن مروان بن معاوية بن الحارث الكوفي الثقة، عن عثمان بن حكيم بن عباد بن حنيف الأنصاري الثقة، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص ﵁.
وأخرجه مسلم (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عبد الله بن نمير (ح).
стр. 6513
وحدثنا ابن نمير، قال: نا أبي، قال: نا عثمان بن حكيم، قال: حدثني عامر بن سعد، عن أبيه قال: قال رسول الله ﵇: "إني أحرم ما بين لابتي المدينة، أن يقطع عضاهها، أو يقتل صيدها. . ." الحديث.
قوله: "بالعقيق" هو واد من أودية المدينة مسيل للماء، وهو الذي ورد ذكره في الحديث "أنه واد مبارك" وقد استقصينا بيانه في كتاب الحج.
قوله: "أو يخبطه" من الخبط، وهو ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها، والاسم منه للورق الساقط: خَبط -بالتحريك- فعل بمعنى مفعول، وهو من علف الإبل.
قوله: , "سلبه" بتحريك اللام، وهو ما عليه من قماشه.
قوله: "نفلنيه" من التنفيل، وأصله من النفل، وهو الغنيمة.
قوله: "ما بين لابتي المدينة" اللابة: الأرض ذات الحجارة السود، وجمعها: لابات في القليل، ولاب ولؤب في الكثير، مثل: قارة وقور، وساحة وسوح، وباحة وبوح.
وقال الهروي: أي ما بين طرفي المدينة، وقال ابن حبيب: اللابتان الحرتان الشرقية والغربية، وللمدينة حرتان؛ حرة في القبلة، وحرة في الجنوب، وترجع كلها إلى الحرتين: الغربية والشرقية؛ لاتصالهما بهما, ولذلك حرم رسول الله ﵇ ما بين لابتيها، جميع دورها كلها في اللابتين، وقد ردها كلها حسان لابة واحدة؛ لاتصالها، فقال:
لنا حرة مأطورة بجبالها ... بني العز فيها بيته فتماثلا
ومعنى مأطورة: معطوفة بجبالها لاستدارتها.
قوله: "عضاهها" العضاة -مقصور- كل شجر له شوك، واحده: عضاهة وعضهة وعضة، كالطلح والعوسج، وقال ابن الأثير: العضاة شجر أم غيلان، وكل شجر عظيم له شوك، الواحدة: عضة -بالتاء- وأصلها عضهة، وقيل: واحدتها عضاهة وعضهت العضاة إذا قطعتها.
стр. 6514
وقال ابن حبيب: وتحريم النبي ﵇ لابتي المدينة إنما ذلك في الصيد خاصة، وأما في قطع الشجر فيه فبريد في بريد في دور المدينة كلها، بذلك أخبرني مطرف، عن مالك، وهو قول عمر بن عبد العزيز وابن وهب، وقد ذكر مسلم في بعض طرقه: "إني أحرم ما بين جبليها"، وفي حديث أبي هريرة: "وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى".
قال عياض: وهذا تفسير لما ذكره ابن وهب، ورواه مطرف، عن مالك وعمر بن عبد العزيز.
وقال المهلب: قَطْعُ النبي ﵇ النخل فيها حين بنى المسجد، يدل أن النهي لا يتوجه لقطع شجرها للعمارة ووجه الإِصلاح، وأن يتخذ شجرها وشوكها ليتخذ موضعه قبابًا وعمارة وأن توجيه النهي إنما هو القطع للفساد لبهجة المدينة وخضرتها من غير الوارد عليها والمهاجر لها.
وقال القاضي: وقد ذكر ابن نافع عن مالك نحو هذا؛ قال: إنما نهى عنه لئلا تتوحش ويبقى فيها شجرها ليستأنس به، ويستظل به من هاجر إليها.
وحكى الخطابي وغيره: أن قطع الشوك غير ممنوع، لما فيه من الضرر، وقد ذكر مسلم في حديث زهير: "ولا يختلى شوكها" وقيل: بل قطعه ﵇ للنخل إنما هو قطع لما غرسه الآدمي، فالنهي إنما يتوجه إلى ما أنبته الله تعالى ما لا صنع فيه لآدمي.
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا أحمد بن أبي بكر، قال: حدثني أبو ثابت عمران بن عبد العزيز الزهري، عن عبد الله بن يزيد مولى المنبعث، عن صالح بن إبراهيم، عن أبيه قال: "اصطدت طيرًا بالقُنْبُلة فخرجت به في يدي فلقيني أبي -عبد الرحمن بن عوف ﵁- فقال: ما هذا؟ فقلت: طير اصطدته بالقنبلة. فعرك أذني عركًا شديدًا، ثم أرسله من يدي، ثم قال: حرم رسول الله ﵇ صيد ما بين لابتيها".
стр. 6515
ش: أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث الزهري المدني شيخ الجماعة غير النسائي، وأبو ثابت عمران بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، فيه مقال؛ قال يحيى: منكر الحديث، وقال مرة: ليس بثقة، وقال البخاري: منكر الحديث. وعبد الله بن يزيد وثقه ابن حبان، وروى له الأربعة غير الترمذي.
وصالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أبو عمران المدني روى له البخاري ومسلم حديثًا واحدًا في قتل أبي جهل يوم بدر.
وأبوه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني روى له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه.
والحديث أخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث أبي ثابت عمران بن عبد العزيز. . . إلى آخره نحوه سواء. غي أن لفظه: "فعرك أذني عركًا شديدًا واستنزعه من يدي فأرسله".
قوله: "بالقُنْبُلة" بضم القاف وسكون النون وضم الباء الموحدة وفتح اللام وفي آخره هاء، وهي مصيدة يصاد بها النُّهَس، وهو أبو براقش.
قوله: "فلقيني أبي: عبد الرحمن" جملة من الفعل والفاعل والمفعول، فقوله: "أبي" فاعل لقوله: "لقيني"، وقوله: "عبد الرحمن" بالرفع عطف بيان من قوله: "أبي" فافهم.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن يونس بن يوسف، عن عطاء بن يسار، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁: "أنه وجد غلمانًا ألجئوا ثعلبًا إلى زاوية، فطردهم، قال مالك: لا أعلم إلا أنه قال: أفي حرم رسول الله ﵇ يصنع هذا؟! ".
стр. 6516
ش: إسناده على شرط مسلم، ورجاله كلهم رجاله، ويونس بن يوسف بن حماس الليثي المدني العابد، وأبو أيوب الأنصاري اسمه خالد بن زيد.
والحديث أخرجه مالك في "موطئه" (١).
ورواه البيهقي في "سننه" (٢) من طريق مالك.
ص: حدثا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا سليمان الشيباني، عن يسير بن عمرو، عن سهل بن حُنَيف قال: "سمعت رسول الله ﵇ وأهوى بيده إلى المدينة يقول: إنه حرام آمن".
ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وسليمان الشيباني هو: سليمان بن أبي سليمان فيروز الشيباني الكوفي، روى له الجماعة، ويسير -بضم الياء آخر الحروف وفتح السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء- بن عمرو، ويقال: ابن جابر، ويقال: أسير العبدي، أدرك زمن النبي ﵇، وقيل: إن له رؤية.
وسهل بن حنيف الأنصاري الصحابي ﵁.
وأخرجه مسلم (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا علي بن مسهر، عن الشيباني، عن يسير بن عمرو، عن سهل بن حنيف قال: "أهوى رسول الله ﵇ بيده إلى المدينة فقال: إنها حرم آمن".
قوله: "أهوى" يقال: أهوى بيده إليه، أي: مدها نحوه.
ص: حدثنا محمد بن خريمة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا زياد بن سعد، عن شرحبيل بن سعد قال: "أتانا زيد بن ثابت ونحن ننصب فخاخا لنا بالمدينة، فرمى بها، وقال: ألم تعلموا أن رسول الله ﵇ حرم صيدها؟! ".
стр. 6517
ش: إبراهيم بن بشار الرمادي أبو إسحاق البصري شيخ أبي داود والبخاري في غير "الصحيح".
وسفيان هو ابن عيينة وزياد بن سعد بن عبد الرحمن الخراساني روى له الجماعة.
وشرحبيل بن سعد أبو سعد الخطمي وثقه ابن حبان، وضعفه النسائي والدارقطني.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا عبد الرحمن بن محمد بن مسلم الرازي، ثنا محمد بن عمر العدني، ثنا سفيان، عن زياد بن سعد، عن شرحبيل بن سعد، عن زيد بن ثابت: "أن رسول الله ﵇ حرم صيدها، يعني المدينة".
قوله: "فخاخًا" جمع فخٍّ -بتشديد الخاء المعجمة- وهو الذي يصاد به الطير.
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا أحمد بن إسحاق الحضرمي، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "إبراهيم ﵇ حرم مكة ودعا لهم، واني حرمت المدينة ودعوت لهم بمثل ما دعا به إبراهيم ﵇ لأهل مكة: أن يبارك لهم في صاعهم ومدهم".
حدثنا عليّ، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني عمرو بن يحيى. . ." فذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن علي بن معبد بن شداد المصري، عن أحمد بن إسحاق بن زيد الحضرمي البصري شيخ مسلم، عن وهيب بن خالد البصري، روى له الجماعة، عن عمرو بن يحيى بن عمارة الأنصاري المدني روى له الجماعة، عن عباد بن تميم بن خزيمة الأنصاري المدني ابن أخي عبد الله بن زيد، وكان تميم أخا عبد الله بن زيد لأمه -وقيل: لأبيه- عن عبد الله بن يزيد بن عاصم الأنصاري المازني المدني الصحابي ﵁.
стр. 6518
وأخرجه البخاري (١): عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن عمرو بن يحيى. . . إلى آخره نحوه.
ومسلم (٢): عن قتيبة، عن الدراوردي، وعن أبي كامل الفضيل، عن عبد العزيز ابن المختار، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، وعن إسحاق بن راهويه، عن مغيرة بن سلمة المخزومي، عن وهيب؛ كلهم عن عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم، عن عمه بهذا.
الثاني: عن علي بن معبد أيضًا، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، عن عمرو بن يحيى. . . إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣): من حديث عمرو بن يحيى. . . إلى آخره نحوه.
قوله: "ودعا لهم" أي: للمؤمنين الذين يحمونها.
فإن قيل: قد قلت في حديث آخر (٤): "إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ (٥) وجاء في حديث آخر (٦): "ولم يحرمها الناس".
قلت: معنى تحريم إبراهيم ﵇ يحتمل أن يكون بإعلام الله له إنه حرمها، فتحريمه لها بتحريم الله، لا من قبل اجتهاده ورأيه، أو وَكَّل الله تعالى إليه تحريمها، فكان عن أمر الله، فأضيف إلى الله مرة لذلك، ومرة إلى إبراهيم ﵇ بحكمه.
стр. 6519
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن إبراهيم ﵇ حرم بيت الله وأَمَّنَه، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها, لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها".
ش: إسناده صحيح، وقبيصة بن عقبة السوائي شيخ البخاري، وسفيان هو الثوري، وأبو الزبير محمد بن مسلم المكي.
وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، كلاهما عن أبي أحمد -قال أبو بكر: نا محمد بن عبد الله الأسديّ- قال: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال النبي ﵇: "إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة. . . " إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يحيى بن سعيد القطان (ح).
وحدثنا يونس قال: أنا أنس بن عياض، عن سعد بن إسحاق، عن زينب بنت كعب، عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله ﵇ حرم ما بين لابتي المدينة، أن يعضد شجرها، أو يخبط".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن يحيى العفاني، عن سعد بن إسحاق ابن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة زوجة أبي سعيد الخدري ﵁.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): نا يحيى، عن سعد. . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن أنس بن عياض. . . إلى آخره.
قوله: "أن يعضد" أي لأن يعضد أي يقطع شجرها.
"أو يخبط" من خبطت الشجرة إذا ضربتها بالعصا ليتناثر ورقها.
стр. 6520
ص: حدثنا حسين بن نصر وعلي بن معبد، قالا: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني عتبة بن مسلم مولى بني تميم، عن نافع بن جبير، عن رافع بن خديج: "أن رسول الله ﵇ حرم ما بين لابتي المدينة".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن عتبة بن مسلم، عن نافع بن [جبير] (١): "أن مروان بن الحكم خطب فذكر مكة وحرمتها وأهلها, ولم يذكر المدينة وحرمتها وأهلها، فقام رافع بن خديج فقال: ما لي أسمعك ذكرت مكة وحرمتها وأهلها, ولم تدكر المدينة وحرمتها وأهلها؟! وقد حرم رسول الله ﷺ ما بين لابتي المدينة وذلك عندنا في الأديم الخولاني إن شئت أقرأتكه، فقال مروان: قد سمعت بعض ذلك".
حدثنا محمد بن خزيمة وفهد قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خديج: "أنه سمع رسول الله ﵇ ذكر مكة ثم قال: إن إبراهيم ﷺ حرم مكة، وإني حرمت ما بين لابتيها -يعني المدينة-".
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن حسين بن نصر وعلي بن معبد بن نوح، كلاهما عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري، عن عتبة بن مسلم التيمي المدني روى له الجماعة، عن نافع بن جبير بن مطعم بن عدي روى له الجماعة، عن رافع بن خديج -بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال، وفي آخره جيم- الأنصاري المدني.
وأخرجه الطبراني (٢): نا يحيى بن أيوب العلاف، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا محمد بن جعفر. . . إلى آخره نحوه سواء.
стр. 6521
الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن سليمان بن بلال القرشي المدني، روى له الجماعة. . . إلى آخره.
وقد وقع في رواية البيهقي في هذا الحديث: عبد الله بن مسلم عوض عتبة بن مسلم والصواب عتبة بن مسلم كما هو كذلك في رواية مسلم على ما نذكره، ووقع في بعض الرواية عقبة بن مسلم -بالقاف- وهو خطأ.
وأخرجه مسلم (١): نا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال: نا سليمان بن بلال، عن عتبة بن مسلم، عن نافع بن جبير: "أن مروان بن الحكم خطب الناس. . ." إلى آخره نحوه.
الثالث: عن محمد بن خزيمة وفهد بن سليمان كلاهما عن عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني الأعرج. . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا بكر -يعني- بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : "إن إبراهيم ﵇ حرم مكة، وأنا أُحَرِّم ما بين لابتيها -يريد المدينة-".
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب أن مالكًا حدثه، عن عمرو مولى المطلب، عن أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﵇ طلع له أحد فقال: هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا عبد العزيز الدراوردي، عن عمرو، عن أنس، عن النبي ﵇ نحوه.
стр. 6522
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا أبو أمية قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا الحسن بن صالح، عن عاصم، قال: سألت أنسًا ﵁: "أكان رسول الله ﵇ حرم المدينة؟ فقال: نعم، هي حرام من لدن كذا إلى كذا".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن عاصم الأحول، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عاصم، عن أنس "أن النبي ﵇ حرم المدينة ما بين كذا إلى كذا، لا يعضد شجرها".
حدثنا أبو أمية، قال: ثنا عبيد الله، قال: أنا شريك عن عاصم الأحول قال: سمعت أنسًا يقول: عن النبي ﵇ مثله، وزاد: "فمن أحدث فيها حدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".
ش: هذه سبع طرق.
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب. . . إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطئه" (١).
وأخرجه البخاري (٢) من حديث مالك.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس.
стр. 6523
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا أحمد بن أبان القرشي، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس أن النبي ﵇ قال: "أحد جبل يحبنا ونحبه".
وقد روي هذا الحديث عن أنس من غير وجه.
الثالث: عن محمد بن خزيمة، عن سعيد بن منصور، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس بن مالك ﵁.
الرابع: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، عن عبيد الله بن موسى العبسي شيخ البخاري، عن الحسن بن صالح الكوفي العابد، عن عاصم الأحول، عن أنس.
وأخرجه مسلم (١): حدثني زهير بن حرب، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا عاصم الأحول قال: "سألت أنسًا أحرم رسول الله ﵇ المدينة؟ قال: نعم هي حرام، لا يختلى خلاها فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين".
الخامس: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن عاصم الأحول، عن أنس.
وأخرجه البيهقي (٢) من حديث عاصم، عن أنس. . . إلى آخره نحوه.
السادس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سليمان بن حرب شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن عاصم، عن أنس، عن النبي ﵇.
وأخرجه البخاري (٣) من حديث ثابت بن يزيد، عن عاصم الأحول، عن أنس أن النبي ﵇ قال: "إن المدينة حرام من كذا إلى كذا لا يقطع شجرها, ولا يحدث فيها حدث، فمن أحدث فيها حدثًا. فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمين، لا يقبل منه صرف ولا عدل".
стр. 6524
السابع: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، عن عبيد الله بن موسى العبسي شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن عاصم الأحول، عن أنس.
قوله: "طلع له أحد" أي ظهر له، كما تقول: طلعت الشمس، وأُحُدٌ منصرف لكونه علما وقيل: غير منصرف، وهو الجبل المعروف بالمدينة، سمي بهذا الاسم لتوحده وانقطاعه عن جبال أخرى هنالك.
قال السهيلي: وفي أحد قبر هارون أخي موسى ﵉، وفيه قبض ثم واراه موسى ﵇، وكانا قد مَرَّا بأحد حاجين أو معتمرين.
فإن قيل: ما معنى محبة أحد للنبي ﵇، ومحبة النبي ﵇ إياه؟
قلت: هذا مجاز أما من جهة أُحد؛ فلأن معناه لو كان ممن يصح ويمكن فيه محبة كان يحبنا، وأما من جهة النبي ﵇ فلأنه كان يفرح بأحد إذا طلع له؛ استبشارًا بالمدينة ومن فيها من أهلها، ويحب النظر إليه لقربه من النزول إليه بأهله، والأوبة من سفره، فلهذا المعنى كان ﵇ يحبه.
وقال الإِمام: قيل المراد يحبنا أهله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كما في قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (١) أي حب العجل، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٢) أي أهلها.
قال القاضي: وقيل: يحتمل أن يكون حقيقة، وأن الله تعالى جعل فيه أو في بعضه إدراكًا ومحبة، كما قيل في تسبيح الحصى، وحنين الجذع، وشبه ذلك، وتكون هذه من خوارق العادات وجملة الآيات.
وقيل: يحتمل أن يكون المعنى: أن محبتنا له محبة من يعتقد أنه يحبنا.
وقيل: يحتمل أن تكون المحبة هنا عبارة عن الانتفاع بمن يحبنا في الحماية والنصرة.
стр. 6525
وعندي جواب آخر مما فتح الله من الأنوار الإِلهية والفيض الرحماني، وهو أن النبي ﵇ كان يحب أحدًا لكونه مقبرة لهارون ﵇ كما ذكره السهيلي، أن هارون مدفون فيه، ومن العادة أن الناس يحبون البقع التي فيها قبور الأنبياء والصالحين، ولكونه أيضًا مقبرة لعمه سيد الشهداء حمزة ﵁، وعم الرجل صنو أبيه، ولبقية الشهداء المدفونين هناك من أصحابه ﵇، ومن العادة أيضًا أن الناس يحبون البقع والأراضي التي فيها قبور آبائهم وأقاربهم، ويؤثرون الترداد إليها لأجل اشتمالها عليهم.
وأما محبة أحد إياه فيحتمل وجهين:
الأول: أنه ﵇ لما ذكر محبته إياه التي هي حقيقة، ذكر في مقابلها محبة أُحد التي هي مجاز، ازدواجًا للكلام ومجانسة للألفاظ، وهذا من فن بديع الكلام.
الثاني: أن تكون محبته للنبي ﵇ حقيقة بأن جعل الله فيه معنى من الإِدراك يصير به موصوفًا بالمحبة ليجازي من يحبه محبة منه، لأن من جزاء المحب أن يحب؛ لتصير المحبة على وجه الكمال. فافهم.
قوله: "من لدن كذا إلى كذا" قد فسر ذلك في بعض الروايات باثني عشر ميلا، وفي بعضها بريدًا في بريد، وفي أكثر الروايات: "من لابة إلى لابة" لأن المدينة مشتملة على اللابتين، وقد فسرناها.
قوله "لا يعضد" أي لا يقطع، من العَضَد، وهو القطع.
قوله: "من أحدث فيها حدثا" أي أتى إثما، والحدث: الأمر الحادث الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة.
قوله: "فعليه لعنة الله. . ." إلى آخره وعيد شديد لمن فعل ذلك، ممن استحل حرمتها وأحدث فيها، وقد استدلوا لما جاءت به اللعنة أنه من الكبائر.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: "لو أني
стр. 6526
رأيت الظِّباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها؛ لأن رسول الله ﵇ قال: ما بين لابتيها حرام".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا إبراهيم بن حمزة الزبيري قال: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ قال: "إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة بمثل ما حرم، قال: ونهى النبي ﵇ أن يعضد شجرها أو يخبط أو يؤخذ طيرها".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: رجاله كلهم رجال "الصحيح".
وأخرجه مالك في "موطئه" (١) والبخاري (٢) ومسلم (٣) من حديث مالك.
قوله: "وما ذعرتها" بالذال المعجمة أي: ما خوفتها.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن إبراهيم بن حمزة الزبيري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار المدني، عن كثير بن زيد الأسلمي المدني، ثقة عند الأكثرين، عن الوليد بن رباح الدوسي المدني، عن أبي هريرة.
وروي هذا الحديث عن أبي هريرة من طرق مختلفة، ووجوه متعددة. فهذا كما رأيت قد أخرج الطحاوي أحاديث هذا الباب عن أحد عشر نفرًا من الصحابة وهم: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وأبو أيوب الأنصاري، وسهل ابن حنيف وزيد بن ثابت، وعبد الله بن زيد الأنصاري، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، ورافع بن خديج، وأنس بن مالك، وأبو هريرة ﵃.
стр. 6527
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى تحريم صيد المدينة وتحريم شجرها، وجعلوها في ذلك كمكة في حرمة صيدها وشجرها، وقالوا: من فعل من ذلك شيئًا في حرم رسول الله ﵇ حَلَّ سلبه لمن وجده يفعل ذلك، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، ومحمد بن مسلم الزهري، والشافعي، ومالكًا، وأحمد، وإسحاق؛ فإنهم قالوا: المدينة لها حرم كحرم مكة، فلا يجوز أخذ صيدها, ولا قطع شجرها, ولكنه لا يجب الجزاء في قتل الصيد، وقطع الشجر عندهم، خلافًا لابن أبي ذئب؛ فإنه قال: يجب الجزاء، وكذلك لا يحل سلب من يفعل ذلك عندهم إلا عند الشافعي، وهو مذهب الظاهرية أيضًا.
وقال ابن حزم: روي ذلك عن عمر وابنه عبد الله وعلي بن أبي طالب ﵃.
وقال الخطابي: وتحريم المدينة إنما هو لأجل تعظيمها دون تحريم صيدها وشجرها واختلف الفقهاء في ذلك، فقال مالك والشافعي وطائفة: لا جزاء في صيد المدينة، ورأى ابن أبي ذئب في الصيد والشجر الجزاء.
وروي أن سعدًا وزيد بن ثابت وأبا هريرة كانوا يرون صيد المدينة حرامًا, ولم يصح إيجاب الجزاء عن واحدٍ منهم.
وقال الشافعي في القديم: من اصطاد في المدينة صيدًا أُخِذَ سلبه، وروى فيه أثرًا عن سعد، وقال في الجديد بخلافه.
وقال ابن نافع: سئل مالك عن قطع سدر المدينة وما جاء فيه من النهي؟ فقال: إنما نُهِيَ عن قطع سدر المدينة لئلا توحش؛ وليبقى فيها شجرها ويستأنس بذلك ويستظل به من هاجر إليها.
وقال ابن حزم: أما من احتطب في حرم المدينة فحلال سلبه كل ما معه في حاله تلك، وتجريده إلا ما يستر عورته فقط؛ لما روينا من طريق مسلم، فروى حديث سعد المذكور.
стр. 6528
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ما ذكرتموه من تحريم النبي ﵇ صيد المدينة وشجرها، فقد كان فعل ذلك ليس أنه جعله كحرمة صيد مكة، ولا حرمة شجرها، ولكنه أراد بذلك بقاء زينة المدينة ليستطيبوها ويألفوها، وقد رأينا رسول الله ﵇ منع من هدم آطام المدينة، وقال: إنها زينة المدينة.
حدثنا علي بن عبد الرحمن قال: ثنا يحيى بن معين قال: ثنا وهب بن جرير، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر ﵁ قال: "نهى رسول الله ﵇ عن آطام المدينة أن تهدم".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا إسحاق بن محمد الفروي، قال: ثنا العمري. . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، قال: ثنا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر أن رسول الله ﵇ قال: "لا تهدموا الآطام فإنها زينة المدينة".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أبو مصعب، قال: ثنا الدراوردي. . . فذكر بإسناده مثله.
أفلا ترى أن رسول الله ﵇ نهاهم عن هدم آطام المدينة؛ لأنها زينة لها، قالوا: فكل ما نهاهم عنه من قطع شجرها وقتل صيدها، إنما هو لأن ذلك زينة للمدينة فأراد أن يترك لهم فيها زينتها ليألفوها ويطيب لهم بذلك سكناها؛ لا لأنها تكون في ذلك كمكة في حرمة صيدها ونباتها ووجوب الجزاء على من انتهك شيء من ذلك.
ش: أي خالف المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري وابن والمبارك وأبا حنيفة، وأبا يوسف ومحمدًا؛ فإنهم قالوا: ليس للمدينة حرم كما كان لمكة، فلا يمنع من أخذ صيدها وقطع شجرها.
قوله: "فقالوا ما ذكرتموه. . . إلى آخره" جواب عن الأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى، بيانه أن يقال: إن تحريم النبي ﵇ المدينة ليس على المعنى الذي
стр. 6529
ذكرتموه، وإنما أراد بذلك بقاء زينة المدينة ودوام بهجتها؛ ليستطيب بها المهاجر إليها، ويألف بها، وتطيب بذلك سكناه، وهذا المعنى هو الذي نقله ابن نافع عن مالك، وقد ذكرناه، وحكي [عن] (١) الخطابي أيضًا.
ثم مَثَّل الطحاوي على ذلك المعنى بمعنى حديث ابن عمر: "أنه ﵇ نهى عن آطام المدينة أن تهدم" فإنه ﵇ لم ينه عن ذلك لكونه حرامًا، وإنما نهى لكون الآطام زينة لها إذا هدمت توحش وتنفر عن السكنى، والدليل على صحة ذلك: أنه ﵇ علل ذلك بقوله: "فإنها زينة المدينة".
ثم إنه أخرج حديث ابن عمر هذا من أربع طرق:
الأول: إسناده صحيح، عن علي بن عبد الرحمن بن المغيرة، عن يحيى بن معين الإِمام الحجة، عن وهب بن جرير بن حازم، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا الحسن بن يحيى، ثنا محمد بن سنان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، نحوه.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، [عن] (٢) إسحاق بن محمد الفروي المدني شيخ البخاري، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن نافع عن ابن عمر ﵄.
الثالث: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن عبد العزيز الدراوردي، عن عبد الله بن نافع فيه مقال، ضعفه يحيى، وقال الدارقطني: متروك.
عن أبيه نافع، عن ابن عمر.
الرابع: عن روح بن الفرج القطان المصري شيخ الطبراني، عن أبي مصعب
стр. 6530
أحمد بن أبي بكر بن الحارث بن زرارة قاضي مدينة الرسول وشيخ الجماعة سوى النسائي، عن الدراوردي، عن عبد الله بن نافع، عن ابن عمر ﵄.
قوله: "عن آطام المدينة" جمع أطم -بضم الهمزة والطاء- وهو بناء مرتفع، وأراد بآطام المدينة أبنيتها المرتفعة كالحصون.
ص: ثم نظرنا هل نجد عن النبي ﷺ في ذلك دليلًا يدلنا على ما ذكرنا فإذا إسماعيل بن يحيى المزني قد حدثنا، قال: قرأنا على محمد بن إدريس الشافعي، عن الثقفي، عن حميد الطويل، عن أنس قال: "كان لأبي طلحة ابن من أم سليم يقال له: أبو عمير، وكان رسول الله ﵇ يضاحكه إذا دخل، وكان له نغير، فدخل رسول الله ﵇ فرأى أبا عمير حزينًا فقال: ما شأن أبي عمير، فقيل: يا رسول الله مات نغير، فقال رسول الله ﵇: يا أبا عمير ما فعل النغير؟ ".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن حميد، عن أنس قال: كان لأبي طلحة ابن يدعى أبا عمير، فكان له نغير، فكان رسول الله ﵇ إذا دخل قال: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ ".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن أبي التياح قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "كان رسول الله ﵇ يخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير ما فعل النغير؟ ".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس قال: "كان لي أخ فكان النبي ﵇ يستقبله ويقول: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ ".
قال أبو جعفر ﵀: فهذا قد كان بالمدينة، ولو كان حكم صيدها كحكم صيد مكة إذًا لما أطلق له رسول الله ﵇ حبس النغير، ولا اللعب به كما لا يطلق ذلك بمكة.
ش: أشار بهذا إلى بيان دليل يدل على صحة ما قاله من قوله: قالوا: فكذلك ما نهاهم عنه من قطع شجرها وقتل صيدها، وهو قضية النغير الذي كان لأبي عمير
стр. 6531
أخي أنس بن مالك من أمه، وكان يلعب به وهو في المدينة، فلو كان حكم صيد المدينة مثل حكم صيد مكة؛ لما كان رسول الله ﵇ يجيز له حبس النغير، ولا لعب أبي عمير به، فلما سكت عن ذلك دل على إباحة صيد المدينة، وأن حكمه خلاف حكم صيد مكة.
فإن قيل: يجوز أن يكون كان ذلك قبل تحريم المدينة، أو يكون كان أدخله في الحل ولم يصده في حرم المدينة.
قلت: أما الأول فاحتمال فلا تقوم به الحجة علينا، وأما الثاني فلا يتمشى علينا؛ لأن الحلال إذا أدخل الصيد في الحرم يجب عليه إرساله.
ثم إنه أخرج حديث أنس من أربع طرق:
الأول: إسناده صحيح، عن المزني، عن الشافعي، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي البصري، عن حميد الطويل، عن أنس ﵁.
وأخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (١): عن علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس نحوه.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن أيوب الغافقي، عن حميد، عن أنس، وهذا أيضًا إسناد صحيح.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا ابن مثنى، نا خالد، عن حميد، عن أنس قال: "كان لأم سليم ابن يقال له: أبو عمير، فكان النبي ﵇ ربما مازحه، فدخل يومًا فوجده حزينًا، فقال: ما بال أبي عمير؟ قالوا: يا رسول الله، مات نغيره الذي كان يلعب به، فجعل يقول: أبا عمير ما فعل النغير؟ ".
الثالث: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن شعبة، عن أبي التياح يزيد بن حميد الضبعي البصري عن أنس.
стр. 6532
وهذا أيضًا صحيح.
أخرجه مسلم (١): ثنا شيبان بن فروخ قال: ثنا عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس بن مالك، قال: "كان رسول الله ﵇ أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير -قال: وأحسبه قال: فطيما- قال: فكان إذا جاء رسول الله ﵇ فرآه، قال: أبا عمير ما فعل النغير؟ قال: فكان يلعب به".
الرابع: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن عمارة بن زاذان الصيدلاني، عن ثابت، عن أنس.
وهذا إسناد لا بأس به، وعمارة بن زاذان وثقه جماعة، وضعفه بعضهم.
قوله: "كان لأبي طلحة ابن من أم سليم" أبو طلحة اسمه زيد بن سهل الأنصاري، وأم سليم بنت ملحان، أم أنس بن مالك، واسمها سهلة، ويقال: رميلة، ويقال: مليكة، ويقال: غير ذلك، كانت تحت مالك بن النضر في الجاهلية، فولدت أنسًا، فلما جاء الله بالإِسلام أسلمت مع قومها، وعرضت الإِسلام على زوجها فغضب عليها وخرج إلى الشام فهلك هناك ثم خلف عليها بعده أبو طلحة الأنصاري، فولدت له أبا عمير، فمات صغيرًا.
و"نغير" بضم النون وفتح الغين المعجمة وفي آخره راء، وهو تصغير نغر، هو هو طائر يشبه العصفور أحمر المنقار ويجمع على نغران.
ص: فقال قائل: فقد يجوز أن يكون هذا الحديث بِقَنَاة وذلك الموضع غير موضع الحرم، فلا حجة لكم في هذا الحديث.
فنظرنا، هل نجد فيما سوى هذا الحديث ما يدل على شيء من حكم صيد المدينة؟.
فإذا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي وفهد قد حدثانا، قالا: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد، قال: قالت عائشة ﵂: "كان لآل
стр. 6533
رسول الله ﵇ وحش، فإذا خرج لعب واشتد، وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله ﵇ قد دخل ربض، فلم يترمرم؛ كراهة أن يؤذيه".
فهذا بالمدينة في موضع قد دخل فيما حرم منها، وقد كانوا يأوون فيه الوحش، ويتخذونها، ويغلقون دونها الأبواب، وقد دل هذا أيضًا على أن حكم المدينة في ذلك بخلاف حكم مكة.
ش: تقرير ما قاله هذا القائل: إن يقال: إن حديث أنس الذي فيه حكايه نغير يحتمل أن يكون في غير موضع الحرم من المدينة، وهو أن يكون بقناة -بفتح القاف والنون- وهو واد من أودية المدينة عليه حرث ومال وزرع، وقد يقال فيه: وادي قناة، وهو غير مصروف، فإذا كان كذلك فلا تقوم به الحجة، فأجاب عنه بقوله: "فنظرنا. . ." إلى آخره هذا جواب بطريق التسليم، بيانه أن يقال: ولئن ثبت أن حديث أنس كان في قناة الذي هو خارج عن حرم المدينة -على زعمكم- وكنا قد وجدنا حديثًا يدل صريحًا على ما ذهبنا إليه، وهو حديث عائشة؛ فإنه صرح بأنهم كانوا يأوون الوحش في نفس المدينة، ويتخذونها ويغلقون عليها الأبواب، فدل ذلك أن حكم المدينة في الصيد ونحوه على خلاف حكم مكة.
وإسناد حديث عائشة صحيح، وأبو نعيم الفضل بن دكين.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا أبو نعيم، قال: ثنا يونس، عن مجاهد قال: قالت عائشة. . . إلى آخره.
قوله: "وحش": قال الجوهري: الوحش واحد الوحوش، وهي حيوان البر، الواحد وحشي، يقال: حمار وحش بالإِضافة، وحمار وحشي.
قوله: "ربض" من الربوض، وربوض الغنم والبقر والفرس والكلب، كبروك الجمل، وجثوم الطير، يقال منه: ربضت الغنم، تربِضُ -بالكسر- ربوضًا، وأربضتها أنا.
стр. 6534
قوله: "لم يترمرم" من ترمرم إذا حرك فاه للكلام، وهو بالرائين المهملتين ويستفاد منه: هيبة النبي ﵇، وجواز اقتناء الوحوش في البيت، وفيه دلالة على أن حرمة المدينة ليست كحرمة مكة في الصيد ونحوه.
ص: وقد حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي قتيلة المدني، قال: ثنا محمد بن طلحة التيمي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي سلمة، بن عبد الرحمن بن سلمة بن الأكوع: "أنه كان يصيد، ويأتي النبي ﵇ من صيده فأبطأ عليه ثم جاءه فقال رسول الله ﷺ : ما الذي حبسك؟ فقال: يا رسول الله، انتفى عنا الصيد فصرنا نصيد ما بين تيت إلى قناة. فقال رسول الله ﵇: أما إنك لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت، وتلقيتك إذا جئت؛ فإني أحب العقيق".
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا محمد بن طلحة التيمي، عن موسى بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن سلمة بن الأكوع، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: ثنا محمد بن طلحة، قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي. . . ثم ذكر بإسناده مثله.
ففي هذا الحديث ما يدل على إباحة صيد المدينة، ألا ترى أن رسول الله ﵇ قد دل سلمة وهو بها على موضع الصيد، وذلك لا يحل بمكة، ألا ترى أن رجلًا لو دل وهو بمكة رجلًا على صيد يصيدها، كان آثما، فلما كانت المدينة في ذلك ليست كمكة؛ ثبت أن حكم صيدها خلاف حكم صيد مكة؛ شرفها الله تعالى.
ش: ذكر حديث سلمة بن الأكوع شاهدًا لقوله: وقد دل هذا أيضًا على أن حكم المدينة في ذلك بخلاف حكم مكة؛ لأن في حديث سلمة ما يدل على هذا صريحًا، كما بينه الطحاوي بقوله: ففي هذا الحديث ما يدل على إباحة صيد المدينة. . . إلى آخره.
стр. 6535
وأخرج حديث سلمة من ثلاث طرق:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن ابن أبي قُتَيلة -بضم القاف، وفتح التاء المثناة من فوق، وسكون الياء آخر الحروف بعدها لام- هو يحيى بن إبراهيم بن عثمان السلمي، أبو إبراهيم المدني، وثقه ابن حبان وأبو حاتم الرازي، وروى له النسائي.
وهو يروي عن محمد بن طلحة التيمي الذي يقال له: ابن الطويل، قال أبو حاتم: محله الصدق، يكتب حديثه ولا يحتج به، روى له ابن ماجه.
وهو يروي عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي المدني، فيه مقال، فعن يحيى: ضعيف الحديث، وعنه: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: منكر الحديث، روى له الترمذي وابن ماجه.
وهو يروي عن أبيه محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي روى له الجماعة.
وهو يروي عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف روى له المجماعة.
وهو يروي عن سلمة بن الأكوع.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا نعيم بن حماد.
وحدثنا أحمد بن إبراهيم بن عنبر البصري، ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قالا: ثنا محمد بن طلحة التيمي، ثنا موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي، عن أبيه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن سلمة بن الأكوع قال: "كنت أرمي الوحش أصيدها، وأهدي لحومها إلى رسول الله ﵇، ففقدني رسول الله ﵇ فقال: سلمة أين تكون؟ فقلت: بعُد عليّ الصيد يا رسول الله فإنما أصيد بصدور قناة من نحو تيت، فقال: أما لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت، وتلقيتك إذا جئت، فإني أحب العقيق".
стр. 6536
الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن نعيم بن حماد المروزي الفارضي الأعور شيخ البخاري في المقرنات، عن محمد بن طلحة التيمي. . . إلى آخره.
الثالث: عن أحمد بن داود المكي، عن إبراهيم بن المنذر بن عبد الله الأسدي الحزامي المدني، عن محمد بن طلحة. . . إلى آخره.
قوله: "ما بين تِيت إلى قناة" تِيت -بكسر التاء المثناة من فوق، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره تاء مثناة أخرى- ويقال: تيت على وزن سيد.
قال الصنعاني: هو جبل قرب المدينة، على بريد منها.
ص: وفي هذا الحديث أيضًا: إباحة صيد العقيق، وقد روينا عن سعد في الفصل الأول، عن النبي ﵇ في ذلك، ما قد روينا، ففي هذا ما يخالفه.
فأما [ما] (١) في حديث سعد من إباحة سلب الذي يصيد صيد المدينة، فإن ذلك عندنا -والله أعلم- في وقت كانت العقوبات التي تجب بالمعاصي في الأموال. فمن ذلك ما قد روي عن النبي ﵇ في الزكاة أنه قال: "من أداها طائعًا فله أجرها، ومن لا؛ أخذناها منه وشطر ماله" وما روي عنه فيمن سرق ثمرًا من أكمامه أنه عليه غرامة مثليه، وفي نظائر لذلك كثيرة، قد ذكرناها في موضعها من كتابنا هذا، ثم نُسِخَ ذلك في وقت نسخ الربا، فردت الأشياء المأخوذة إلى أمثالها إن كان لها أمثال، وإلى قيمتها إن كان لا مِثْل لها، وجعلت العقوبات في انتهاك الحُرَم في الأبدان لا في الأموال، فهذا وجه ما روي في صيد المدينة.
ش: أي وفي حديث سلمة بن الأكوع: إباحة صيد العقيق أيضًا، كما فيه إباحة صيد المدينة، وهذا يخالف ما روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ الذي مر ذكره في أول الباب؛ لأن فيه أن سعدا أخذ سلب ذلك العبد الذي رآه يقطع شجرًا بالعقيق، وفي رواية: "رآه يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله ﵇. وحديث سلمة بن الأكوع المذكور يعارض هذا ويضاده، وقد بين الطحاوي
стр. 6537
وجه المخلِّص في ذلك، وهو أن فعل سعد الذي ذكر إنما كان في وقت كانت العقوبات التي تجب بالمعاصي في الأموال، كما كان في حق مانع الزكاة: أن تؤخذ منه الزكاة ويؤخذ عليها شطر ماله، وكما كان في حق من سرق الثمر من أكمامه: أن يغرم مثلي ما سرقه، ثم نسخت هذه الأشياء حين نسخ الربا، ورُدَّت الأشياء المأخوذة ظلمًا وغضبًا إلى أمثالها إن كانت لها أمثال، وإلى قيمتها إن لم يكن لها أمثال.
يعني إذا اغتصب رجل شيء آخر يحكم عليه بمثله، إن كان من ذوات الأمثال وإلا يحكم عليه بقيمة ذلك الشيء إما يوم الغصب، أو يوم الهلاك، أو يوم اليقين، على اختلاف فيه على ما عرف في الفروع.
قوله: "من أكمامه" جمع كِم -بكسر الكاف- هو: وعاء الطلع، وغطاء النُّور، وكذلك الكمامة.
قال الجوهري: جمع الكِم: كمام وأكمة، وأكام وأكاميم، وأما الكُمُّ -بالضم- فللقميص، والكَمِّ -بالفتح- مصدر كممت الشيء: إذا غطيته.
قوله: " قد ذكرناها في موضعها من كتابنا هذا" ذكره في (١).
قوله: "فهذا وجه ما روي في صيد المدينة" أي الذي ذكرناه إلى الآن هو وجه التوفيق بين الأحاديث التي رويت فيحكم صيد المدينة.
ص: وأما حكم ذلك من طريق النظر: فإنا رأينا مكة حرام، وصيدها وشجرها كذلك، هذا ما لا اختلاف فيه بين المسلمين، ثم رأينا من أراد دخول مكة لم يكن له أن يدخلها إلا حرامًا، فكان دخول الحرم لا يحل للحلال، وكانت حرمة صيده وشجره كحرمته في نفسه.
ثم رأينا المدينة كلٌّ قد أجمع أنه لا بأس بدخولها للرجل حلالاً، فلما لم تكن محرمة في نفسها كان حكم صيدها وشجرها كحكمها في نفسها، وكما كان صيد مكة إنما حرم لحرمتها، ولم تكن المدينة في نفسها حرام؛ لم يكن صيدها ولا شجرها حرامًا.
стр. 6538
فثبت بذلك قول من ذهب إلى أن صيد المدينة وشجرها كصيد سائر البلدان وشجرها غير مكة، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي وأما حكم المدينة في تحريمها وعدم تحريمها وحكم صيدها وشجرها من طريق النظر والقياس، وهو ظاهر، ولكن لقائل أن يقول: منع دخول الحلال الحرم لم يكن لمجرد كون مكة حرامًا؛ بل إنما كان لكونها حرامًا, ولأجل الطواف عقيب الدخول، بخلاف المدينة فإنه ليس فيها طواف، فكانت مكة والمدينة متساويتين في الحرمة، فكما حرم قطع شجر مكة وأخذ صيدها لكوخها حرامًا، فكذلك يحرم قطع شجر المدينة وأخذ صيدها لكونها حرامًا.
قوله: "مكة حرام" هكذا وقع في كثير من النسخ بارتفاع "حرام" على أنه خبر عن قوله: "مكة" وفي بعضها: "مكة حرامًا" بالنصب على أنهما مفعولان لقوله: "رأينا" وهو الظاهر، والأول على التأويل. فافهم.
قوله: "كل قد أجمع" أي كل العلماء قد أجمعوا أنه أي أن الشأن.
قوله: "فثبت بذلك" أي بما ذكرنا من وجه النظر والقياس. والله أعلم.
***
стр. 6539
ص: باب أكل الضباب
ش: أي هذا باب في بيان حكم أكل الضباب، وهو: جمع ضب.
قال في "المنتهى": هي دويبة شبيهة بالوَرَل، وتجمع على: ضباب وأَضُب، مثال: كَفٌّ وأَكُف.
وفي "المحكم": والجمع ضبان، وقال اللحياني: وذلك إذا كثرت جدًّا، وهو من الحشرات، وفي المثل: أعق من ضبٍّ لأنه ربما أكل حُسُوله، وقولهم: لا أفعله حتى يحن الضب في أثر الإبل الصادرة، وحتى يَرِد الضب؛ لأن الضب لا يشرب الماء، ومن كلامهم الذي يضعونه على ألسنة البهائم، قالت السمكة للضب: وردًا يا ضب، فقال: أصبح قلبي صردًا لا يشتهي أن يردا، إلا عَرَادًا عَرِدًا، وصليانا بردا، أو عَنْكَثا مُلْتَبِدًا، يقال: ضبب البلد، وأضب إذا أكثر ضبابه، وأرض ضببة: كثيرة الضباب، وهذا أحد ما جاء على أصله، وأرض مضبة ذات ضباب، والجمع مضاب، يقال: وقعنا في مضابَّ مُنْكَرَة، وهي قطع من الأرض كثيرة الضباب، والمضببُ: الحارش الذي يصب الماء في جحره حتى يخرج ليأخذه.
ويقال: للضب أيْرَان، وللضبة رَحِمَان، ويكنى الضب أبا الحِسْل، والحِسْل ولده حين يخرج من بيضته.
وفي "كتاب الحيوان" لأرسطو السقنقور أيضًا له أيرْان، وللأنثى فَرْجَان، ويذبح الضب، ويمكث ليلة ثم يقرب من النار فيتحرك، وكذلك الأفعى تذبح فتبقى أيامًا تتحرك، وإن وطئها واطئ نهسته.
وتقول العرب: الضب قاضي الطير والبهائم، ويقولون: إنها اجتمعت إليه أول ما خلق الإنسان فصفوه له، فقال: تصفون خلقًا ينزل الطير من السماء والحوت من الماء؟! فمن كان ذا جناح فليطر، ومن كان ذا [حافر فليحفر] (١).
стр. 6540
والضبة إذا باضت حرست أولادها من كل مَنْ قدرت عليه من ورل وحية وغير ذلك، فإذا بقيت أولادها وخرجت من البيض؛ ظنتها شيئًا يريد بيضها فوثبت عليها لتقتلها؛ فلا ينجو منها إلا الشريد.
وقال أبو عبيد البكري في كتاب "الاحتفال": وقيل بل تأكل أولادها فلا يسلم منها إلا من شُغِلَت عنه بأكل إخوته.
ص: حدثنا محمد بن الحجاج، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا يزيد بن عطاء، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن حسنة، قال: "نزلنا أرضًا كثيرة الضباب فاصابتنا مجاعة فطبخنا منها؛ فإن القدور لتغلي بها إذْ جاء رسول الله ﵇، فقال: ما هذا؟ فقلنا: ضباب أصبناها، فقال: إن أمة من بني إسرائيل مسخت دوابًّا في الأرض، وإني أخشى أن تكون هذه، فاكفئوها".
حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، قال: ثنا الأعمش قال: ثنا يزيد بن وهب الجهني، قال: ثنا عبد الرحمن بن حسنة. . . ثم ذكر مثله.
ش: هذان طريقان:
الأول: عن محمد بن الحجاج بن سليمان الحضرمي الجوهري، أثنى عليه ابن يونس بخير، عن الخصيب بن ناصح الحارثي البصري نزيل مصر، وثقه ابن حبان، وقال أبو زرعة: لا بأس به.
عن زيد بن عطاء بن يزيد اليشكري، ويقال: الكندي الواسطي البزاز مولى أبي عوانة من فوق، فيه مقال، فعن أحمد: ليس بحديثه بأس. وعن يحيى: ليس بشيء، وعنه ضعيف. وقال ابن حبان: لا يحتج به.
عن سليمان بن مهران الأعمش.
عن زيد بن وهب الجهني أبي سليمان الكوفي، رحل إلى النبي ﵇، فَقُبِضَ وهو في الطريق، روى له الجماعة.
عن عبد الرحمن بن حسنة أخي شرحبيل بن حسنة له صحبة.
стр. 6541
وأخرجه الطبراني (١): ثنا معاذ بن المثنى، نا مسدد، نا يحيى بن سعيد، عن الأعمش، ثنا زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن حسنة قال: "غزونا مع رسول الله ﵇ فأصابتنا مجاعة، ونزلنا بأرض كثيرة الضباب، فأخذنا منها فطبخنا في القدور، فقلنا: يا رسول الله، إنها الضباب، فقال: إن أمة فقدت، لعلها هذه. وأمرنا فأكفأنا القدور".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص، عن أبيه حفص بن غياث، عن الأعمش. . . إلى آخره.
أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن وكيع، عن الأعمش. . . إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي عاصم في كتابه نحوه، وفي آخره: "فأكفأناها ونحن جياع".
فإن قيل: ما حكم هذا الحديث؟
قلت: إسناده لا بأس به، وقال ابن حزم: حديث عبد الرحمن بن حسنة حديث صحيح، وحجة إلا أنه منسوخ بلا شك؛ لأن فيه أن النبي ﵇ إنما أمر بإكفاء القدور بالضباب خوف أن تكون من بقايا مسخ الأمم السالفة، هذا نص الحديث، فإن وجدنا عنه ﵇ ما يُؤمَن من هذا الظن بيقين فقد ارتفعت الكراهة أو المنع في الضب؛ فنظرنا في ذلك فوجدنا في "صحيح مسلم" عن ابن مسعود ﵁: "قيل: يا رسول الله، القردة والخنازير مما مسخ؟ فقال: إن الله لم يهلك قومًا -أو يعذب قومًا- فيجعل لهم نسلا، وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك".
فصح يقينا أن تلك المخافة منه ﵇ في الضباب أن تكون مما مسخ قد ارتفعت، وأنها ليست مما مسخ ولا مما مسخ شيء في صورتها؛ فحلت.
стр. 6542
وحديث ابن عباس في أكله بحضرة سيدنا رسول الله ﷺ نصَّ على تحليله، وهو الآخر الناسخ؛ لأن ابن عباس لم يجتمع بلا شك مع سيدنا رسول الله ﵇ بالحديبية إلا بعد انقضاء الفتح وحنين والطائف، ولم يغز بعدها إلا تبوك، ولم تصبهم في تبوك مجاعة أصلاً.
فصح يقينًا أن خبر ابن حسنة كان قبل هذا بلا مرية؛ فارتفع الإشكال جملة، وصحت إباحة عمر وغيره.
قلت: وفيه نظر من وجهين:
الأول: إن حديث ابن عباس ليس فيه أنه كان بالمدينة، وإنما قال: "كنت في بيت ميمونة، فدخل ﵇ ومعه خالد ﵁ فجاءوا بضبين. . ." الحديث، وإذا كان كذلك فيحتمل أنه كان لما تزوج ﵇ ميمونة، وكان موضع مبيتها بيتها أيَّ موضع كان.
الثاني: أن قوله "ولم تصبهم في تبوك مجاعة" كلام فاسد، وذهول شديد عما في كتاب الله من تسميتها عُسرة، وأي مجاعة أشد من ذلك؟!.
قوله: "فأصابتنا مجاعة" أي جوع، وهو نقيض الشبع، يقال: جَاعَ يَجُوع جَوْعًا، ومجاعة، والجوعة: المرة الواحدة.
قوله: "إن أمة" أي طائفة.
قوله: "فاكفئوها" أمرٌ من كفأت الإناء كببته وقلبته، فهو مكفوء.
وزعم ابن الأعرابي أن أكفأته لغة، وهو مهموز اللام.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى تحريم لحوم الضباب؛ لأنهم لم يأمنوا أن يكون ممسوخًا، واحتجوا بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأعمش وزيد بن وهب، وجماعة آخرين؛ فإنهم قالوا: كل الضباب حرام، واحتجوا بحديث عبد الرحمن بن حسنة؛ لأن أمر النبي ﵇ بإكفاء القدور التي كانوا قد طبخوا فيها ضباب يدل على تحريمها، فلو
стр. 6543
كان أكلها جائزًا لما أمر بذلك، وذلك كما أمر بإكفاء القدور التي كانوا قد طبخوا فيها لحم الحمر الأهلية يوم حنين.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فلم يروا بها بأسًا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم لم يروا بأكل الضب بأسًا، وهو مذهب الظاهرية أيضًا.
وقال ابن حزم: "وصحت إباحته عن عمر بن الخطاب وغيره".
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن حصينًا قد روى هذا الحديث عن زيد بن وهب على خلاف هذا المعنى الذي رواه الأعمش.
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن حصين، عن زيد بن وهب، عن ثابت بن يزيد الأنصاري ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﵇ فأصاب الناس ضبابًا فاشتووها فأكلوها فأحبت منها ضبا فشويته، ثم أتيت به النبي ﵇ فأخذ جريدة، فجعل يعد بها أصابعه، فقال: إن أمة من بني إسرائيل مسخت دوابًّا في الأرض، وإني لا أدري لعلها هي، فقلت: إن الناس قد اشتووها فأكلوها، فلم يأكل، ولم ينه".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عوانة، عن حصين فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: ثابت بن وديعة.
ففي هذا الحديث خلاف ما في الحديث الأول؛ لأن في هذا: أن رسول الله ﵇ لم ينههم عن أكلها، وقد خشي في هذا الحديث أن يكون ممسوخًا كما خشي في الحديث الأول، غير أنه يجوز أن يكون قد ترك النهي لأنهم كانوا في مجاعة -على ما في حديث الأعمش- فأباح لهم ذلك للضرورة.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لهؤلاء الآخرين فيما ذهبوا إليه، أن حُصَيْنًا -بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- بيان ذلك: أن الحديث الذي رواه الأعمش،
стр. 6544
عن زيد بن وهب الذي احتجت به أهل المقال الأولى قد رواه حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن زيد بن وهب، عن ثابت بن زيد على خلاف ذلك، فإنه قال في حديثه: إنهم أكلوها، وأن النبي ﵇ لم يأكل ولم ينه، وترْكه ﵇ أكله لكونه قد خشي أن يكون ممسوخًا، وهذا المعنى موجود في الحديثين جميعًا، غير أنه يحتمل أن يكون تَرْكه النهي في حديث حصين؛ لكونهم في جوع وشدة، فأباح لهم ذلك لأجل الضرورة.
فإذا كان كذلك لا تقوم بالحديثين حجة لأهل المقالتين.
أما الحديث الأول: فلأنه يعارض الحديث الثاني.
وأما الحديث الثاني: فقد ذكرنا أنه يحتمل أن يكون ترك النبي ﵇ النهي عن أكله لكونهم في مجاعة، فحينئذ يحتاج في ذلك إلى إقامة الحجة من غير هذا الحديث الذي وقع فيه الاختلاف.
وقد أشار الطحاوي إلى ذلك بقوله: ثم رجعنا إلى ما في ذلك أيضًا على ما يجيء الآن إن شاء الله.
ثم إنه أخرج حديث حصين عن زيد بن وهب من طريقين صحيحين:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل بن غزوان الضبي الكوفي، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، عن زيد بن وهب، عن ثابت بن زيد بن وديعة، ويقال: ثابت بن يزيد، وقال أبو عمر: ثابت بن وديعة بن خذام بن زيد بن مالك، نسب إلى جده، وفي "التهذيب": له ولأبيه صحبة، وحديثه في الضب يختلفون فيه اختلافًا كثيرًا.
والحديث أخرجه الطبراني (١): نا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة. . . إلى آخره نحوه.
стр. 6545
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن حصين بن عبد الرحمن، عن زيد بن وهب عن ثابت بن وديعة ﵁.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عمرو بن عون، قال: أنا خالد، عن حصين، عن زيد بن وهب، عن ثابت بن وديعة قال: "كنا مع رسول الله ﵇ في جيش، فأصبنا ضبابًا قال: فشويت منها ضبًّا، فأتيت رسول الله ﵇ فوضعته بين يديه، فأخذ عودًا فعد به أصابعه، ثم قال: إن أمة من بني إسرائيل مسخت دوابَّ في الأرض، ولا أدري أمن الدواب هي؟ قال: فلم يأكل، ولم ينه".
وأخرجه النسائي (٢): عن سليمان بن منصور البلخي، عن أبي الأحوص سلام ابن سليم، عن حصين، عن زيد بن وهب، عن ثابت بن يزيد الأنصاري، نحوه.
وأخرجه ابن ماجه (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة، نحوه.
ص: ثم رجعنا إلى ما في ذلك أيضًا سوى هذين الحديثين؛ فإذا إبراهيم بن مرزوق قد حدثنا قال: ثنا أبو الوليد وعفان قالا: ثنا عبد الملك بن عمير، عن حصين -رجل من بني فزارة- قال: أخبرني سمرة بن جندب ﵁: "أن نبي الله ﵇ أتاه أعرابي وهو يخطب، فقطع عليه خطبته، فقال: يا رسول الله، ما تقول في الضب؟ فقال: إن أمة من بني إسرائيل مسخت، فلا أدري أي الدواب مسخت؟ ".
حدثنا فهد قال: ثنا حيوة بن شريح، قال: ثنا بقية، عن شعبة، قال: حدثني الحكم، عن زيد بن وهب، عن البراء بن عازب، عن ثابت بن وديعة الأنصاري، عن النبي ﵇: "أنه أُتي بضب، فقال: أمة مسخت".
стр. 6546
حدثنا أبو بكرة قال: ثنا أبو داود قال: ثنا شعبة، عن الحكم قال: سمعت زيد ابن وهب، عن البراء بن عازب، عن ثابت بن وديعة: "أن رجلًا أتى النبي ﵇ بضب، فقال له رسول الله ﵇ إن أمة قد فقدت فالله أعلم".
حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا حميد الصائغ قال: ثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن زيد بن وهب، عن ثابت بن وديعة الأنصاري: "أن رجلًا من بني فزارة أتى النبي ﵇ بضباب احترشها، فجعل رسول الله ﵇ يقلبها وينظر إلى ضب منها، فقال رسول الله ﵇: أمة مسخت، فلا ندري ما فعلت، ولا أدري لعل هذا منه".
حدثنا فهد قال: ثنا الحسن بن بشر قال: ثنا المعافى بن عمران، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن رسول الله ﵇ أبى أن يأكله -يعني الضب- وقال: لا أدري لعله من القرون الأولى التي مسخت".
قال: أبو جعفر ﵀: ففي هذه الآثار أن رسول الله ﵇ ترك أكله خوفًا من أن يكون مما مسخ؛ فاحتمل أن يكون قد حرمه مع ذلك، واحتمل أن يكون تركه تنزها منه عن أكله، ولم يحرمه.
فنظرنا في ذلك؛ فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عَقِيل بشير بن عقبة قال: ثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁: "أن أعرابيًّا سأل النبي ﵇ فقال: إني في حائط مضبة، وإنه طعام أهلنا، فسكت، فقلنا له: عاوده. فعاوده، فسكت، ثم قالوا: عاوده، فعاوده، فقال: إن الله لعن -أو غضب على- سبط من بني إسرائيل فمسخهم دوابًّا يدبون على الأرض، فما أظنهم إلا هؤلاء، ولست آكلها ولا أحرمها".
ففي هذا الحديث: أن رسول الله ﵇ لم يحرم الضباب مع خوفه أن تكون من الممسوخ.
ش: لما لم يكن في الحديث المذكور الذي اختلف فيه حجة لأحد الفريقين، وكان ﵇ خشي فيه أن يكون ممسوخًا؛ شرع يبين ما جاء في هذا الباب مما جاء فيه
стр. 6547
هذا المعنى، أي خشيته كونه ممسوخًا مع أنه ﵇ لم يحرمه؛ إنما كان تركه ﵇ الأكل لأجل عِيَافَتِه وتنزيهه.
بيان ذلك أنه جاء في حديث سمرة وثابت بن وديعة وجابر بن عبد الله ﵃، أن النبي ﵇ إنما تركه لأجل خوفه أن يكون مما مسخ، ومع هذا يحتمل أن يكون قد حرمه مع ذلك، ويحتمل أن يكون امتنع عنه لأجل تنزيهه وعيافته.
فنظرنا في ذلك، فوجدنا حديث أبي سعيد الخدري قد دل على أنه لم يحرمه مع خوفه أن يكون من الممسوخات، فرجح هذا الحديث أحد الاحتمالين المذكورين، فثبت أنه غير محرم، فافهم.
أما حديث سمرة ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن عفان بن مسلم الصفار، عن عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي، عن حصين -بضم الحاء- بن قبيضة الفزاري الكوفي، وثقه ابن حبان، عن سمرة بن جندب.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا هشام بن عبد الملك بن أبي عوانة، وثنا عفان، نا عبد الملك بن حصين -رجل من بني فزارة- عن سمرة بن جندب، قال: أتى نبي الله ﵇ أعرابي وهو يخطب، فقطع عليه خطبته، فقال: يا رسول الله، كيف تقول في الضب؟ فقال: أمة مسخت من بني إسرائيل، فلا أدري أي الدواب مسخت؟.
وأما حديث ثابت بن وديعة فأخرجه من ثلاث طرق جياد حسان:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن حيوة بن شريح الحضرمي الحمصي شيخ البخاري وأبي داود، عن بقية بن الوليد الحمصي، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن زيد بن وهب، عن البراء بن عازب الصحابي، عن ثابت بن وديعة الصحابي.
стр. 6548
وأخرجه النسائي (١): عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن شعبة، عن الحكم، عن زيد بن وهب، عن البراء بن عازب، عن ثابت بن وديعة: "أن رجلًا أتى النبي ﵇ بضبٍّ فقال: إن أمة مسخت والله أعلم".
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة. . . إلى آخره.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن حميد بن أبي زياد الصائغ الكوفي، عن شعبة، عن عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي، عن زيد بن وهب، عن ثابت بن وديعة ﵁ وحميد الصائغ وثقه ابن حبان.
وأخرجه الطبراني (٢): ثنا علي بن عبد العزيز، نا عفان، نا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن زيد بن وهب، عن ثابت بن وديعة: "أن رجلًا من بني فزارة أتى النبي ﵇ بضباب قد احترشها، فجعل يقلب ضبًّا منها بين يديه، وقال: أمة مسخت -وأكثر علمي أنه قال: ما أدري ما فعلت، وما أدري لعل هذا منها؟ ".
وأخرجه النسائي (٣) أيضًا: عن عمرو بن يزيد، عن بهز بن أسد، عن شعبة. . . إلى آخره نحوه.
وأما حديث جابر بن عبد الله ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن الحسن بن بشر البجلي الكوفي شيخ البخاري، عن المعافى بن عمران الأزدي الموصلي، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه مسلم (٤): ثنا إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، قالا: ثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله
стр. 6549
يقول: "أتى النبي ﵇ بضب، فأبى أن يأكل منه، وقال: لا أدري لعله من القرون التي مسخت".
وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه بإسناد صحيح أيضًا، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن أبي عَقيل -بفتح العين- بشير بن عقبة الناجي السامي -بالسين المهملة- عن أبي نضرة -بالنون والصاد المعجمة- المنذر بن مالك، عن أبي سعيد الخدري سعد بن مالك.
وأخرجه مسلم (١): حدثني محمد بن حاتم، قال: ثنا بهز، قال: ثنا أبو عقيل الدورقي، قال: ثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد الخدري: "أن أعرابيًّا أتى رسول الله ﵇ فقال: إني في حائط مضبة وإنه طعام أهلي، قال: فلم يجبه، فقلنا عاوده، فعاوده فلم يجبه ثلاثًا، ثم ناداه رسول الله ﵇ في الثالثة فقال: يا أعرابي، إن الله لعن -أو غضب على- سبط من بني إسرائيل فمسخهم دوابَّ يدبون في الأرض، فلا أدري لعل هذا منه، فلست آكلها ولا أنهى عنها".
قوله: "في حائط مضبة" الحائط: البستان من النخيل إذا كان عليها جدار، و"المضبة" بفتح الميم والضاد على وزن مفعلة، يقال: أرض مضبة أي ذات ضباب.
قال ابن الأثير: جاءت الرواية بضم الميم وكسر الضاد والمعروف بفتحهما، يقال: أضبت أرض فلان: إذا أكثر ضبابها، وهي أرض مضبة أي ذات ضباب، مثل مَأْسَدَة، ومَذْأَبة، ومَرْبعة، أي ذات أسود، وذئاب، ويرابيع، وجمع المضبة: مضاب، وأما مضبة فهي اسم فاعل من أضبت، كأعدت فهي معدة، فإن صحت الرواية فهي بمعناها.
ص: ثم نظرنا، هل روي عن النبي ﵇ ما ينفي أن تكون الضباب ممسوخة؟
فإذا أبو بكرة قد حدثنا، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة بن عبد الله اليشكري، عن المعرور بن سويد، عن
стр. 6550
عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "سئل رسول الله ﵇ عن القردة والخنازير أهي مما مسخ؟ قال: "إن الله لم يهلك قومًا -أو يمسخ قومًا- فيجعل لهم نسلا ولا عاقبة".
حدثنا ابن أبي داود وأحمد بن داود، قالا: ثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن مسعر، عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة اليشكري، عن المعرور بن سويد، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﵇: "إن الله ﵎ لم يهلك قومًا فيجعل لهم نسلًا ولا عقبًا".
حدثنا فهد، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن علقمة بن مرثد، عن المعرور بن سويد، عن أم سلمة ﵁، عن رسول الله ﵇ مثله.
فبين رسول الله ﵇ في هذا الحديث أن الممسوخ لا يكون له نسل ولا عقب، فعلمنا بذلك أن الضب لو كان مما مسخ لم يبق، فانتفى بذلك أن يكون الضب مكروهًا من قِبَلِ أنه مسخ أو من قِبَلِ ما يخاف أن يكون مسخًا.
ش: لما دل حديث أبي سعيد الخدري على أنه ﵇ لم يحرم الضباب مع خوفه أن تكون من الممسوخ.
فنظرنا في ذلك، فوجدنا حديثا آخر دل على أن الممسوخات لم يبق لها نسل ولا عقب، فدل على أن الضب لو كان مما مسخ لم يبق، فانتفى بذلك أن يكون الضب مكروهًا من قِبَلِ أنه من الممسوخات، أو من قِبَلِ ما يخاف أن يكون مسخًا، فإذا انتفت كراهة الضب من هذين الوجهين؛ يحتاج فيه بعد ذلك إلى دليل آخر يدل إما على جواز أكله، وإما على منعه، ويجيء ذلك عن قريب، إن شاء الله تعالى.
وأخرج حديث ابن مسعود من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد الحضرمي الكوفي، عن المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل