حدثنا أبو بكرة قال: ثنا أبو داود قال: ثنا شعبة، عن الحكم قال: سمعت زيد ابن وهب، عن البراء بن عازب، عن ثابت بن وديعة: "أن رجلًا أتى النبي ﵇ بضب، فقال له رسول الله ﵇ إن أمة قد فقدت فالله أعلم".
حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا حميد الصائغ قال: ثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن زيد بن وهب، عن ثابت بن وديعة الأنصاري: "أن رجلًا من بني فزارة أتى النبي ﵇ بضباب احترشها، فجعل رسول الله ﵇ يقلبها وينظر إلى ضب منها، فقال رسول الله ﵇: أمة مسخت، فلا ندري ما فعلت، ولا أدري لعل هذا منه".
حدثنا فهد قال: ثنا الحسن بن بشر قال: ثنا المعافى بن عمران، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن رسول الله ﵇ أبى أن يأكله -يعني الضب- وقال: لا أدري لعله من القرون الأولى التي مسخت".
قال: أبو جعفر ﵀: ففي هذه الآثار أن رسول الله ﵇ ترك أكله خوفًا من أن يكون مما مسخ؛ فاحتمل أن يكون قد حرمه مع ذلك، واحتمل أن يكون تركه تنزها منه عن أكله، ولم يحرمه.
فنظرنا في ذلك؛ فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عَقِيل بشير بن عقبة قال: ثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁: "أن أعرابيًّا سأل النبي ﵇ فقال: إني في حائط مضبة، وإنه طعام أهلنا، فسكت، فقلنا له: عاوده. فعاوده، فسكت، ثم قالوا: عاوده، فعاوده، فقال: إن الله لعن -أو غضب على- سبط من بني إسرائيل فمسخهم دوابًّا يدبون على الأرض، فما أظنهم إلا هؤلاء، ولست آكلها ولا أحرمها".
ففي هذا الحديث: أن رسول الله ﵇ لم يحرم الضباب مع خوفه أن تكون من الممسوخ.
ش: لما لم يكن في الحديث المذكور الذي اختلف فيه حجة لأحد الفريقين، وكان ﵇ خشي فيه أن يكون ممسوخًا؛ شرع يبين ما جاء في هذا الباب مما جاء فيه
стр. 6547
هذا المعنى، أي خشيته كونه ممسوخًا مع أنه ﵇ لم يحرمه؛ إنما كان تركه ﵇ الأكل لأجل عِيَافَتِه وتنزيهه.
بيان ذلك أنه جاء في حديث سمرة وثابت بن وديعة وجابر بن عبد الله ﵃، أن النبي ﵇ إنما تركه لأجل خوفه أن يكون مما مسخ، ومع هذا يحتمل أن يكون قد حرمه مع ذلك، ويحتمل أن يكون امتنع عنه لأجل تنزيهه وعيافته.
فنظرنا في ذلك، فوجدنا حديث أبي سعيد الخدري قد دل على أنه لم يحرمه مع خوفه أن يكون من الممسوخات، فرجح هذا الحديث أحد الاحتمالين المذكورين، فثبت أنه غير محرم، فافهم.
أما حديث سمرة ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن عفان بن مسلم الصفار، عن عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي، عن حصين -بضم الحاء- بن قبيضة الفزاري الكوفي، وثقه ابن حبان، عن سمرة بن جندب.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا هشام بن عبد الملك بن أبي عوانة، وثنا عفان، نا عبد الملك بن حصين -رجل من بني فزارة- عن سمرة بن جندب، قال: أتى نبي الله ﵇ أعرابي وهو يخطب، فقطع عليه خطبته، فقال: يا رسول الله، كيف تقول في الضب؟ فقال: أمة مسخت من بني إسرائيل، فلا أدري أي الدواب مسخت؟.
وأما حديث ثابت بن وديعة فأخرجه من ثلاث طرق جياد حسان:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن حيوة بن شريح الحضرمي الحمصي شيخ البخاري وأبي داود، عن بقية بن الوليد الحمصي، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن زيد بن وهب، عن البراء بن عازب الصحابي، عن ثابت بن وديعة الصحابي.
стр. 6548
وأخرجه النسائي (١): عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن شعبة، عن الحكم، عن زيد بن وهب، عن البراء بن عازب، عن ثابت بن وديعة: "أن رجلًا أتى النبي ﵇ بضبٍّ فقال: إن أمة مسخت والله أعلم".
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة. . . إلى آخره.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن حميد بن أبي زياد الصائغ الكوفي، عن شعبة، عن عدي بن ثابت الأنصاري الكوفي، عن زيد بن وهب، عن ثابت بن وديعة ﵁ وحميد الصائغ وثقه ابن حبان.
وأخرجه الطبراني (٢): ثنا علي بن عبد العزيز، نا عفان، نا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن زيد بن وهب، عن ثابت بن وديعة: "أن رجلًا من بني فزارة أتى النبي ﵇ بضباب قد احترشها، فجعل يقلب ضبًّا منها بين يديه، وقال: أمة مسخت -وأكثر علمي أنه قال: ما أدري ما فعلت، وما أدري لعل هذا منها؟ ".
وأخرجه النسائي (٣) أيضًا: عن عمرو بن يزيد، عن بهز بن أسد، عن شعبة. . . إلى آخره نحوه.
وأما حديث جابر بن عبد الله ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن الحسن بن بشر البجلي الكوفي شيخ البخاري، عن المعافى بن عمران الأزدي الموصلي، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه مسلم (٤): ثنا إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، قالا: ثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله
стр. 6549
يقول: "أتى النبي ﵇ بضب، فأبى أن يأكل منه، وقال: لا أدري لعله من القرون التي مسخت".
وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه بإسناد صحيح أيضًا، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن أبي عَقيل -بفتح العين- بشير بن عقبة الناجي السامي -بالسين المهملة- عن أبي نضرة -بالنون والصاد المعجمة- المنذر بن مالك، عن أبي سعيد الخدري سعد بن مالك.
وأخرجه مسلم (١): حدثني محمد بن حاتم، قال: ثنا بهز، قال: ثنا أبو عقيل الدورقي، قال: ثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد الخدري: "أن أعرابيًّا أتى رسول الله ﵇ فقال: إني في حائط مضبة وإنه طعام أهلي، قال: فلم يجبه، فقلنا عاوده، فعاوده فلم يجبه ثلاثًا، ثم ناداه رسول الله ﵇ في الثالثة فقال: يا أعرابي، إن الله لعن -أو غضب على- سبط من بني إسرائيل فمسخهم دوابَّ يدبون في الأرض، فلا أدري لعل هذا منه، فلست آكلها ولا أنهى عنها".
قوله: "في حائط مضبة" الحائط: البستان من النخيل إذا كان عليها جدار، و"المضبة" بفتح الميم والضاد على وزن مفعلة، يقال: أرض مضبة أي ذات ضباب.
قال ابن الأثير: جاءت الرواية بضم الميم وكسر الضاد والمعروف بفتحهما، يقال: أضبت أرض فلان: إذا أكثر ضبابها، وهي أرض مضبة أي ذات ضباب، مثل مَأْسَدَة، ومَذْأَبة، ومَرْبعة، أي ذات أسود، وذئاب، ويرابيع، وجمع المضبة: مضاب، وأما مضبة فهي اسم فاعل من أضبت، كأعدت فهي معدة، فإن صحت الرواية فهي بمعناها.
ص: ثم نظرنا، هل روي عن النبي ﵇ ما ينفي أن تكون الضباب ممسوخة؟
فإذا أبو بكرة قد حدثنا، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة بن عبد الله اليشكري، عن المعرور بن سويد، عن
стр. 6550
عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "سئل رسول الله ﵇ عن القردة والخنازير أهي مما مسخ؟ قال: "إن الله لم يهلك قومًا -أو يمسخ قومًا- فيجعل لهم نسلا ولا عاقبة".
حدثنا ابن أبي داود وأحمد بن داود، قالا: ثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن مسعر، عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة اليشكري، عن المعرور بن سويد، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﵇: "إن الله ﵎ لم يهلك قومًا فيجعل لهم نسلًا ولا عقبًا".
حدثنا فهد، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن علقمة بن مرثد، عن المعرور بن سويد، عن أم سلمة ﵁، عن رسول الله ﵇ مثله.
فبين رسول الله ﵇ في هذا الحديث أن الممسوخ لا يكون له نسل ولا عقب، فعلمنا بذلك أن الضب لو كان مما مسخ لم يبق، فانتفى بذلك أن يكون الضب مكروهًا من قِبَلِ أنه مسخ أو من قِبَلِ ما يخاف أن يكون مسخًا.
ش: لما دل حديث أبي سعيد الخدري على أنه ﵇ لم يحرم الضباب مع خوفه أن تكون من الممسوخ.
فنظرنا في ذلك، فوجدنا حديثا آخر دل على أن الممسوخات لم يبق لها نسل ولا عقب، فدل على أن الضب لو كان مما مسخ لم يبق، فانتفى بذلك أن يكون الضب مكروهًا من قِبَلِ أنه من الممسوخات، أو من قِبَلِ ما يخاف أن يكون مسخًا، فإذا انتفت كراهة الضب من هذين الوجهين؛ يحتاج فيه بعد ذلك إلى دليل آخر يدل إما على جواز أكله، وإما على منعه، ويجيء ذلك عن قريب، إن شاء الله تعالى.
وأخرج حديث ابن مسعود من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد الحضرمي الكوفي، عن المغيرة بن عبد الله بن أبي عقيل
стр. 6551
اليشكري الكوفي، عن المعرور -بالعين المهملة- بن سويد الأسدي الكوفي، عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه مسلم (١) بأتم منه: نا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي وحجاج بن الشاعر -واللفظ للحجاج قال إسحاق: أنا، وقال الحجاج-: نا عبد الرزاق، قال: أنا الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة بن عبد الله اليشكري، عن معرور بن سويد، عن عبد الله بن مسعود قال: "قالت أم حبيبة: اللهم متعني بزوجي: رسول الله وبأبي: [أبي] (٢) سفيان وبأخي: معاوية، فقال لها رسول الله ﵇: إنك سألت الله لآجال مضروبة وآثار موطوءة، وأرزاق مقسومة، لا يُعَجِّل شيئًا منها قبل حله، ولا يُؤَخِّر منها شيئًا بعد حله، ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب في النار وعذاب في القبر كان خيرًا لك، قال: فقال رجل: يا رسول الله، القردة والخنازير هي مما مسخ؟ فقال النبي ﵇: إن الله لم يهلك قومًا -أو يعذب قومًا- فيجعل لهم نسلا، وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي وأحمد بن داود المكي، كلاهما عن محمد بن كثير شيخ أبي داود، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مَرثد، عن المغيرة بن عبد الله، عن معرور بن سويد، عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (٣): عن محمد بن منصور، عن سفيان، عن مسعر، عن علقة بن مرثد، عن المغيرة، عن معرور، عن عبد الله. . . نحو رواية مسلم.
الثالث: عن روح بن الفرج القطان المصري شيخ الطبراني، عن يوسف بن عدي بن زريق، عن عبد الرحيم بن سليمان الأشقر الرازي نزيل الكوفة عن مسعر بن كدام، عن علقمة بن مرثد. . . إلى آخره.
стр. 6552
وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب -واللفظ لأبي بكر- قال: ثنا وكيع، عن مسعر، عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة بن عبد الله اليشكري عن المعرور بن سويد، عن عبد الله، قال: قالت أم حبيبة زوج النبي ﵇: "اللهم أمتعني بزوجي: رسول الله ﵇، وبأبي: أبي سفيان، وبأخي: معاوية، قال: فقال النبي ﵇: قد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئًا قبل حله، أو يؤخر شيئًا قبل حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر؛ كان خيرًا -أو أفضل- قال: وذكرت عنده القردة -قال مسعر: أراه قال: والخنازير- من مسيخ فقال: إن الله لم يجعل لمسيخ نسلًا ولا عقبًا، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك".
وأخرج حديث أم سلمة أيضًا بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن الحسن بن الربيع بن سليمان، العبسي شيخ الجماعة غير الترمذي، عن عبد الله بن إدريس، عن ليث بن سعد، عن علقمة بن مرثد. . . إلى آخره.
وأخرجه الطبراني (٢): نا علي بن عبد العزيز، نا الحسن بن ربيع، نا عبد الله ابن إدريس، عن ليث، عن علقمة بن مرثد، عن المعرور بن سويد، عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "ما مسخ الله من شيء فكان له عقب ولا نسل".
ص: ثم نظرنا فيما روي خلاف ما ذكرنا، هل نجد في شيء من ذلك ما يدلنا على إباحة أكله أو على المنع من ذلك؟ فإذا حسين بن نصر وزكريا بن يحيى بن أبان قد حدثانا، قالا: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول ﷺ قال يومًا: "ليت عندنا قرصة من برة سمراء ملبقة بسمن ولبن، فقام رجل من أصحابه فعملها
стр. 6553
ثم جاء [بها] (١)، فقال رسول الله ﷺ فيم كان سمنها؟ قال: في عكة ضب، قال له: ارفعها".
فإن قال قائل: ففي حديث ابن عمر ﵄ هذا ما يدل على كراهة رسول الله ﵇ لأكل لحم الضب.
قيل له: قد يجوز أن يكون هذا على الكراهة التي ذكرها أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﵇ في حديثه الذي قد رويناه، لا على تحريمه إياه على الناس.
ش: قد ذكر أن كراهة أكل الضب انتفت من قِبَل أنه من الممسوخات، ومن قِبلِ ما يخاف أن يكون مَسِيخًا، ذكر هنا ما يدل على إباحته، وذكر أحاديث، منها حديث عبد الله بن عمر ﵄.
أخرجه عن حسين بن نصر بن المعارك، وزكريا بن يحيى بن إياس الحنظلي المعروف بخياط السنة شيخ النسائي، كلاهما عن نعيم بن حماد المروزي الفارضي شيخ البخاري في المقرنات، عن الفضل بن موسى السيناني -بكسر السين المهملة، بعدها ياء آخر الحروف ساكنة ثم نون- المروزي، عن الحسين بن واقد المروزي قاضي مرو، عن أيوب، عن نافع، عن مولاه عبد الله بن عمر.
وأخرجه أبو داود (٢): نا محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزْمَة، قال: أنا الفضل بن موسى، عن حسين بن واقد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﵇: "وددت أن عندي خبزة بيضاء من برة سمراء ملبقة بسمن ولبن، فقام رجل من القوم فاتخذه فجاء به، فقال: في أي شيء كان هذا؟ قال: في عكة ضب، قال: ارفعه".
قال أبو داود: هذا حديث منكر، وأيوب هذا ليس بالسختياني. انتهى.
стр. 6554
قلت: أيوب هذا هو أيوب بن خوط أبو أمية البصري، ويقال له: أيوب الحبطي، قال البخاري: تركه ابن المبارك وغيره. وقال ابن معين: لا يكتب حديثه، ليس بشيء، وقال الفلاس ومسلم والسعدي وأبو حاتم والنسائي وعلي بن الجنيد والدارقطني: متروك. وقال الأزدي: كذاب لا تحل الرواية عنه. وقال ابن عدي: هو كثير الغلط وليس بكذاب. وقال أبو حاتم بن حبان: كان الحسين بن واقد على قضاء مرو، وكان من خيار الناس، وكتب عن أيوب السختياني وأيوب بن خوط؛ فكل منكر عنده عن أيوب عن نافع عن ابن عمر إنما هو أيوب بن خوط ليس هو بأيوب السختياني.
وسئل مرة أحمد بن حنبل عن حديث رواه الحسين بن واقد، عن أيوب، عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﵇ قال: "ليت عندنا خبزة ملبقة بسمن ولبن. . ." الحديث، فاستنكره أحمد وحرك رأسه، كأنه لم يرضه.
قوله: "ملبقة" أي مخلوطة، يقال: لبقت الثريدة إذا خلطتها خلطًا شديدًا، وقال الجوهري: الثريد الملبق: الشديد التثريد الملين بالدسم، يقال: ثريدة ملبقة.
قوله: "فقال قائل:. . . إلى آخره" تقرير السؤال أن يقال: في هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله ﵇ قد كره أكل لحم الضب حيث قال: "ارفعه" وهذا ظاهر.
والجواب هو ما قاله بقوله: "قيل له. ." إلى آخره، وهو أيضًا ظاهر.
ص: وقد روي عن ابن عمر أيضًا ما يدل على ذلك.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عارم، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أن رسول الله ﵇ أتي بضب فلم يأكله، ولم يحرمه".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: حدثني مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: "نادى رسولَ الله ﵇ رجلُ فقال: ما تقول في الضب؟ فقال لست بآكله ولا محرمه".
стр. 6555
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا مكي بن إبراهيم، قال: أنا ابن جريج، عن نافع قال: "كان ابن عمر يقول: "سئل رسول الله ﵇ عن الضب. . ." فذكر مثله.
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا سهيل بن عامر البجلي، قال: ثنا مالك بن مغول، قال: سمعت نافعًا، عن ابن عمر قال: "سئل رسول الله ﷺ عن الضب، فقال: لا أكل، ولا أنهى".
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ورقاء، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عن رسول الله ﵇.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
فهذا ابن عمر يخبر عن رسول الله ﵇ أنه لم يحرم أكل الضب.
ش: أي وقد روي عن عبد الله بن عمر أيضًا ما يدل على إباحة أكل الضب، وأخرجه من سبع طرق صحاح، غير الطريق الرابع على ما نُبيِّن:
الأول: عن إبراهيم بن بن مرزوق، عن عارم، وهو محمد بن الفضل السدوسي شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، وعبد الله، عن نافع عن ابن عمر قال: "سئل النبي ﵇ عن الضب، فقال: لست بآكله ولا محرمه".
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: "نادى رسول الله ﵇. . ." إلى آخره.
стр. 6556
وأخرجه مالك في "موطئه" (١).
وأخرجه مسلم (٢): ثنا يحيى بن يحيى، ويحيى بن أيوب، وقتيبة، وابن حُجْر، عن إسماعيل -قال يحيى بن يحيى: أنا إسماعيل بن جعفر- عن عبد الله بن دينار، أنه سمع ابن عمر يقول: "سئل النبي ﵇ عن الضب، فقال: لست بآكله ولا محرمه".
الثالث: عن يزيد بن سنان القزاز، عن مكي بن إبراهيم شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج، عن نافع قال: كان ابن عمر. . . إلي آخره.
الرابع: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن سهل بن عامر البجلي، فيه مقال، فقال أبو حاتم: كذاب، وقال البخاري: منكر الحديث.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): ثنا أبو معاوية، عن مالك بن مغول، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ سئل عن الضب؟ فقال: لا لا آكله، ولا أنهى عنه".
الخامس: عن نصر بن مرزوق، عن أسد بن موسى، عن ورقاء بن عمر اليشكري، عن عبد الله بن دينار. . . إلى آخره.
السادس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري. . . إلى آخره.
وأخرجه العدني في "مسنده": عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر نحوه.
السابع: عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون. . . إلى آخره.
ص: وقد روي عن ابن عمر، عن النبي ﵇ أنه حلال.
стр. 6557
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب وعبد الصمد، قالا: ثنا شعبة، عن توبة العنبري، قال: سمعت الشعبي يقول: أرأيت فلانا حين يروي عن النبي ﵇، لقد جالست ابن عمر فما سمعته يحدث عن النبي ﵇ أنه قال: "كان أناس من أصحاب النبي ﵇ يأكلون ضبًّا فنادتهم امرأة من أزواج النبي ﵇ بأنها ضبٌّ، فقال النبي ﵇: كلوه، ليس من طعامي -وفي حديث وهب: فإنه حلال".
ففي هذا الحديث أن رسول الله ﵇ أخبر أنه حلال، وإنما تركه لأنه لم يكن من طعامه.
ش: ذكر هذا الحديث شاهدًا على ما قاله من قوله: فهذا ابن عمر يخبر عن رسول الله ﵇ أنه لم يحرم أكل الضب لأن فيه -صريحًا- أنه حلال.
وأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، وعبد الصمد بن عبد الوارث، كلاهما عن شعبة، عن توبة العنبري البصري، عن عامر الشعبي.
وأخرجه مسلم (١): نا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا شعبة، عن توبة العنبري، سمع الشعبي، سمع ابن عمر: "أن النبي ﵇ كان معه ناس في أصحابه فيهم سعد، وأتوا بلحم ضب، فنادت امرأة من نساء النبي ﵇: إنه لحم ضب، فقال رسول الله ﷺ : كلوا فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي".
وثنا محمد بن المثنى (٢) قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن توبة العنبري، قال: قال لي الشعبي أرأيت حديث الحسن عن النبي ﵇ وقاعدت ابن عمر سنتين أو سنة ونصف، فلم أسمعه روى عن النبي ﵇ غير هذا، قال: "كان ناس من أصحاب النبي ﵇ فيهم سعد. . . بمثل حديث ابن معاذ.
стр. 6558
ص: وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أيضًا: أن رسول الله ﵇ لم يحرمه.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، قال: "سألت جابرًا عن الضب، فقال: أتُي به رسول الله ﵇ فقال: لا أطعمه، فقال عمر ﵁: إن رسول الله ﵇ لم يحرمه، وإن الله لينفع به غير واحد، وهو طعام عامة الرعاء، ولو كان عندي لأكلته".
ش: ذكر هذا أيضًا شاهدًا على ما ادعاه من أنه ﵇ لم يحرمه.
وأخرجه بإسناد فيه عبد الله بن لهيعة، وفيه مقال على ما ذكرنا غير مرة، وأبو الزبير محمد بن مسلم المكي.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا حسن، قال: ثنا ابن لهيعة، نا أبو الزبير، قال: "سألت جابرًا عن الضب، فقال: أُتي رسول الله ﵇ به فقال: لا أطعمه وقذره، فقال عمر بن الخطاب ﵁: إن رسول الله ﵇ لم يحرمه، وإن الله لينفع به غير واحدٍ، وهو طعام عامة الرعاء، ولو كان عندي لطعمته".
قوله: "لا أطعمه" أي لا آكله من: طَعِمَ يَطْعَمُ، من باب: عَلِمَ يَعْلَمُ.
قوله: "عامة الرِّعاء" بكسر الراء: جمع رَاعٍ، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ (٢).
ص: وقد كره قوم أكل الضب، منهم: أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد ﵏.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحارث بن مالك، ويزيد بن أبي زياد، ووكيعًا؛ فإنهم قالوا: أكل الضب مكروه، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله.
стр. 6559
وقال ابن أبي شيبة (١): ثنا وكيع، عن عبد الجبار بن عباس، عن عريب الهمداني، عن الحارث، عن علي ﵁: "أنه كره الضب".
وقال ابن حزم (٢): وعن أبي الزبير قال: "سألت جابر بن عبد الله عن الضب، فقال: لا تطعموه".
وممن ذهب إلى هذا: أبو حنيفة وصاحباه.
ثم الأصح عند أصحابنا: أن الكراهة كراهة تنزيه لا كراهة تحريم؛ لتظاهر الأحاديث الصحاح بأنه ليس بحرام.
ص: واحتج لهم محمد بن الحسن بما حدثنا محمد بن بحر بن مطر، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا حماد بن سلمة (ح).
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان (ح).
وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قالوا: حدثنا حماد بن سلمة، قال: ثنا حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أن النبي ﵇: "أهدي له ضب، فلم يأكله، فقام عليهم سائل، فأرادت عائشة أن تعطيه، فقال لها رسول الله ﵇: تعطينه ما لا تأكلين؟! ".
قال محمد: فقد دل ذلك على أن رسول الله ﵇ كره لنفسه ولغيره أكل الضب، قال: فبذلك نأخد.
ش: أي احتج لهؤلاء القوم -فيما ذهبوا إليه- محمد بن الحسن بحديث عائشة ﵄، فإن فيه: "لما أرادت عائشة أن تعطيه السائل، قال لها ﵇: تعطيه ما لا تأكلين" فدل ذلك أن ﵇ كره أكل الضب لغيره كما قد كره لنفسه.
وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن محمد بن بحر بن مطر السعداوي، عن يزيد بن هارون الواسطي،
стр. 6560
عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة.
وأخرجه ابن حزم (١): من طريق حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان. . . إلى آخره.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفار، عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان. . . إلى آخره.
الثالث: عن محمد بن خزيمة، عن مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب، شيخ البخاري وأبي داود، عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان. . . إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا عبيد بن سعيد، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: "أُهدي لرسول الله ﵇ ضب فلم يأكل منه، قالت: فقلت: يا رسول الله، ألا أطعمه السُّؤَّال؟ قال: لا تطعمي السُّؤَّال: إلا مما تأكلين".
قوله: "قال: فبذلك نأخذ" أي قال محمد بن الحسن فيما ذكر من الكراهة نأخذ.
ص: قيل له: ما في هذا دليل على ما ذكرت، قد يجوز أن يكون كره لها أن تطعمه السائل؛ لأنها إنما فعلت ذلك من أجل أنها عافته، ولولا أنها عافته لما أطعمته إياه، وكان ما تطعمه السائل فإنما هو لله ، فأراد النبي ﵇ أن لا يكون ما يتقرب به إلى الله إلا من خير الطعام، كما قد نهى أن يتصدق بالبسر الرديء والتمر الرديء.
ش: أي قيل لمحمد بن الحسن: ما في ما ذكرت دليل على ما ذهبت إليه في الاحتجاج للقوم المذكورين فيما ذهبوا إليه من كراهة أكل لحم الضب،
стр. 6561
والحاصل أن هذا ردٌّ ومنع لاستدلال محمد: بحديث عائشة المذكور، وبيَّن ذلك بقوله: "وقد يجوز أن يكون كره لها. . . إلى آخره، وهو ظاهر.
ص: فمما روي عنه في ذلك: ما حدثنا ابن أبي داود، حدثنا سعيد بن سليمان، ثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: "أمرني النبي ﵇ بالصدقة، فجاء رجل بكبائس من هذه النخل -قال سفيان: يعني الشيص- وكان لا يجيء أحد بشيء إلا نسب إلى الذي جاء به، فنزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١) ونهى رسول الله ﵇ عن الجعرور، ولون الحبيق أن يؤخذا في الصدقة".
قال الزهري: لونان من تمر المدينة.
حدثنا ابن أبي داود، ثنا أبو الوليد، ثنا سليمان بن كثير، قال: حدثني الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه: "أن النبي ﵇ نهى عن الجعرور، ولون الحبيق".
حدثنا أبو بكرة، ثنا مؤمل، ثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء قال: "كانوا يجيئون الصدقة بأردإ تمرهم وأردإ طعامهم فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
قال: لو كان لكم فأعطاكم، لم تأخذوا إلا وأنتم ترون أنه قد نقصكم من حقكم".
حدثنا ابن مرزوق، ثنا عبد الله بن حمران، ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن صالح، عن ابن مرة، عن عوف بن مالك قال: "بينما نحن في المسجد، إذ خرج علينا رسول الله ﵇ وفي يده عصا وإقناء معلقة في المسجد فيها قنو حشف فقال: لو شاء رب هذا القنو لتصدق بأطيب منه، إن رب هذه الصدقة ليأكل الحشف يوم
стр. 6562
القيامة، ثم أقبل على الناس فقال: أَمَ والله ليدعنها مذللة أربعين عامًا للعوافي -يعني نخل المدينة-".
حدثنا يزيد بن سنان، ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا عبد الحميد، قال: حدثني صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرة الحضرمي، عن عوف بن مالك الأشجعي، عن النبي ﵇ مثله.
فلهذا المعنى كره رسول الله ﵇ لعائشة الصدقة بالضب؛ لا لأن أكله حرام.
ش: أي فمن الذي روي عن النبي ﵇ في كراهة الصدقة بالشيء الرديء الحقير: ما حدثنا إبراهيم بن أبي داود البرلسي. . . إلى آخره.
وأخرج في ذلك عن سهل بن حنيف، والبراء بن عازب، وعوف بن مالك ﵃.
أما حديث سهل فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن سليمان الضبي الواسطي المعروف بسعدون شيخ البخاري وأبي داود، عن عباد بن العوام بن عمر الواسطي روى له الجماعة، عن سفيان بن حسين بن الحسن الواسطي روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا، ومسلم في مقدمة كتابه، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي أمامة أسعد, وقيل: سعيد، وقيل: اسمه كنيته وهو المشهور، روى له الجماعة، وهو من كبار التابعين، عن أبيه سهل بن حنيف الأنصاري ﵁.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا محمد بن الفضل السقطي، ثنا سعيد بن سليمان (ح).
وحدثنا إبراهيم بن متويه الأصبهاني، ثنا جعفر بن محمد بن جعفر المدائني، قالا: ثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ أمر بصدقة فجاء رجل بكبائس من هذا النخل فوضعه، فخرج رسول الله ﵇ فقال: من جاء بهذا؟ فكان لا يجيء أحد
стр. 6563
إلا صب الذي جاء به، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١).
ونهى يومئذ عن الجعرور، ولون ابن حبيق أن يؤخذا في الصدقة، قال الزهري: صنفان من تمر المدينة، قال عباد: قال سفيان: السخل الشيص".
الثاني: عن إبراهيم أيضًا، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن سليمان بن كثير العباسي البصري، أخي محمد بن كثير، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي أمامة. . . إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا محمد بن يحيى بن فارس، نا سعيد بن سليمان، ثنا عباد، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه قال: "نهى رسول الله ﵇ عن الجعرور، ولون الحبيق أن يؤخذا في الصدقة، قال الزهري: لونان من تمر المدينة، قال أبو داود: أسنده أيضًا أبو الوليد، عن سليمان بن كثير، عن الزهري.
وأما حديث البراء فأخرجه بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي الكوفي الأعور، عن أبي مالك الغفاري غزوان الكوفي، عن البراء بن عازب.
وأما حديث عوف بن مالك فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الله بن حمران بن عبد الله القرشي البصري، عن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاري أبي حفص المدني، عن صالح بن أبي عريب الحضرمي الشامي ويقال المصري، عن كثير بن مرة الحضرمي الرهاوي، عن عوف بن مالك الأشجعي الغطفاني الصحابي ﵁.
стр. 6564
وأخرجه أبو داود (١): ثنا نصر بن عاصم الأنطاكي، ثنا يحيى -يعني- القطان، عن عبد الحميد بن جعفر، حدثني صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرة، عن عوف بن مالك قال: "دخل علينا رسول الله ﵇ المسجد وبيده عصا وقد علق رجل منا حشفا، فطعن بالعصا في ذلك القنو، وقال لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها، وقال: إن رب هذه الصدقة يأكل الحشف يوم القيامة".
الثاني: عن يزيد بن سنان، عن أبي بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي عريب -بفتح العين- واسمه كليب، عن كثير بن مرة، عن عوف بن مالك.
وأخرجه النسائي (٢) وابن ماجه (٣) نحوه.
قوله: "بكبائس" الكبائس: جمع كباسة، وهو العذق التام بشماريخه ورُطبِه، والشيص -بكسر الشين المعجمة- هو التمر الذي لا يشتد نواه ولا يقوى، وقد لا يكون له نوى أصلاً.
قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ أي: ولا تقصدوا.
قوله: "عن الجعرور" بضم الجيم، وهو نوع من الدقل يحمل رطبًا صغارا لا خير فيه، والدقل -بفتح الدال والقاف- أراد التمر.
قوله: "ولون الحبُيَقْ" بضم الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة، وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره قاف، وهو تمر أغبر صغير مع طول فيه يقال: حبيق ونبيق وذوات العنيق لأنواع من التمر، ونبيق أغبر مدور، وذوات العنيق لها أعناق مع طول وغبرة، وربما اجتمع ذلك كله في عذق واحد، "والأقناء" جمع قِنْو -بكسر القاف وسكون النون- وهو العذق بما فيه من الرطب.
стр. 6565
قوله: "فيها قنو حشف" بالإِضافة، والحشف -بفتح الحاء المهملة والشين المعجمة-: اليابس الفاسد من التمر، وقيل: الضعيف الذي لا نوى له، كالشيص.
قوله: "وأَمَ والله" أصله: أما والله، وهي كلمة استفتاح تذكر غالبا قبل القسم.
قوله: "العوافي" قد فسر ذلك في رواية الطبراني بأنها الطير والسباع.
قال الطبراني (١): نا أبو مسلم الكشي، ثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرة، عن عوف بن مالك: "أن النبي ﵇ دخل المسجد وبيده عصا، فرأي أقناء معلقة، فطعن في قنو منها فإذا فيه حشف، فقال: من صاحب هذا؟ لو تصدق بأطيب منه، إن صاحب هذا ليأكل الحشف يوم القيامة، ثم قال: يا أهل المدينة لتدعونها للعوافي أربعين عاما، قيل: وما العوافي؟ قال: الطير والسباع".
قلت: العوافي جمع عافية، يقال: طير عاف على الماء أي عائم عليه، ليجد فرصة ليشرب وقد عاف يعيف عيفا.
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ في إباحة أكله أيضًا ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس ومالك، عن ابن شهاب أخبرها، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن ابن عباس: "أن خالد بن الوليد دخل مع رسول الله ﵇ بيت ميمونة ﵂ فأتي بضب محنوذ فأهوى إليه رسول الله ﵇ بيده فقال بعض النسوة اللاتى في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله ﵇ ما يريد أن يأكل منه، فقالوا: هو ضب، فرفع يده، فقلت: أحرام هو؟ قال: لا, ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه، فاجتررته فأكلته، ورسول الله ﵇ ينظر إليّ فلم ينهني".
حدثنا محمد بن عمرو بن يونس، قال: حدثني أسباط بن محمد عن الشيباني، عن يزيد بن الأصم قال: "دعينا لعرس بالمدينة، فقرب إلينا طعام فأكلناه، ثم قرب
стр. 6566
إلينا ثلاثة عشر ضبًّا، فمن آكل وتارك فلما أصبحت أتيت ابن عباس فأخبرته بذلك، فقال بعض من عنده، قال رسول الله ﵇: لا آكله ولا أحرمه ولا آمر به ولا أنهى عنه، فقال ابن عباس: ما بعث رسول الله ﵇ إلا محللًا أو محرمًا، قرب إلى رسول الله ﵇ لحم فَمَدًّ يده ليأكل، فقالت ميمونة: يا رسول الله، إنه لحم ضب، ثم قال: هذا لحم لم آكله قط، فأكل الفضل بن عباس وخالد بن الوليد وامرأة كانت معهم، وقالت ميمونة: لا آكل طعاما لم يأكل منه رسول الله ﵇".
حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا المقدمي قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا حبيب المعلم، عن عطاء، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ أتي بصحفة فيها ضباب، فقال: كلوا؛ فإني عائف".
حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا وهب قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "أهدت خالتي أم حفيد إلى رسول الله ﵇ أَقِطًا وسمنًا وأضبًّا، فأكل النبي ﵇ من الأقط والسمن، ولم يأكل من الأضب، وأكُل على مائدة النبي ﵇ ولو كان حرامًا لم يؤكل على مائدة النبي ﵇".
فثبت بتصحيح هذه الآثار أنه لا بأس بأكل الضب، وأنا به أقول.
ش: أخرج أحاديث ابن عباس وأبي هريرة ﵃ تأييدا لقول من يذهب إلى إباحة أكل لحم الضب، وأشار إلى أنه مختاره، ولهذا قال: فثبت بتصحيح هذه الآثار أنه لا بأس بأكل الضب وأنا به أقول.
أما حديث ابن عباس فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى المصري شيخ مسلم والنسائي، عن عبد الله بن وهب المصري، عن يونس بن يزيد الأيلي ومالك بن أنس كلاهما، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف، عن ابن عباس.
стр. 6567
وأخرجه مالك في "موطئه" (١).
ومسلم (٢): حدثني أبو الطاهر، وحرملة جميعًا، عن ابن وهب -قال: حرملة: أنا ابن وهب- قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري، أن عبد الله بن عباس أخبره، أن خالد بن الوليد الذي يقال له سيف الله ﵁ أخبره: "أنه دخل مع رسول الله ﵇ على ميمونة زوج النبي ﵇ وهي خالته وخالة ابن عباس، فوجد عندها ضبًّا محنوذا قدمت به أختها حفيدة بنت الحارث من نجد، فقدمت الضب لرسول الله ﵇ وكان قَلَّ ما يقدم إليه طعام حتى يُحَدَّث به ويُسَمَّى له، فأهوى رسول الله ﵇ يده إلى الضب، فقالت امرأة من النسوة الحضور: أخبرن رسول الله ﵇ بما قدمتن له، قلن: هو الضب يا رسول الله. فرفع رسول الله ﵇ يده، فقال خالد بن الوليد: أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: لا ولكنه لم يكن بأرض قومي؛ فأجدني أعافه. قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله ينظر، فلم ينهني".
وأخرجه أبو داود (٣): عن القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة، عن ابن عباس، نحوه.
الثاني: عن محمد بن عمرو بن يونس، عن أسباط بن محمد بن عبد الرحمن القرشي الكوفي، عن أبي إسحاق سليمان بن فيروز الشيباني، عن يزيد بن الأصم الصحابي في بعض الأقوال.
وأخرجه مسلم (٤): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا علي بن مسهر، عن الشيباني، عن يزيد بن الأصم قال: "دعانا عروس بالمدينة، فقرب إلينا ثلاثة عشر ضبًّا، فآكل وتارك، فلقيت ابن عباس من الغد، فأخبرته، فأكثر القوم حوله حتى
стр. 6568
قال بعضهم: قال رسول الله ﵇: لا آكله، ولا أنهى عنه، ولا أحرمه، فقال ابن عباس: بئس ما قلتم، ما بعث الله تعالى نبي الله ﵇ إلا محللًا ومحرمًا، إن رسول الله ﵇ بينما هو عند ميمونة وعنده الفضل بن عباس وخالد بن الوليد وامرأة أخرى؛ إذ قرب إليهم خوان عليه لحم، فلما أراد النبي ﵇ أن يأكل قالت له ميمونة: إنه لحم ضبٍّ فكف يده، وقال: هذا لحم لم آكله قط، وقال لهم: كلوا، فأكل منه الفضل وخالد بن الوليد والمرأة، قالت ميمونة: لا أكل من شيء إلا من شيء يأكل منه رسول الله ﵇".
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄.
وأخرجه مسلم (١): ثنا محمد بن بشار وأبو بكر بن نافع قال ابن نافع: أنا غندر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: سمعت ابن عباس يقول: أهدت خالتي أم حفيد إلى رسول الله ﵇ سمنا وأقطًا وأضبًا فأكل من السمن والأقط وترك الضب تقذرًا، وأُكل على مائدة رسول الله ﵇, ولو كان حرامًا ما أُكل على مائدة رسول الله ﵇".
وأخرجه أبو داود (٢): عن حفص بن عمر، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد ابن جبير. . . إلى آخره نحوه.
قوله: "بضب محنوذ" أي مشوي، قال الله تعالى: ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (٣) يقال: حنذت الشاة أحنذها حنذا، أي شويتها، وجعلت فوقها حجارة محماة لتنضجها، فهي حنيذ.
قوله: "فأهوى إليه" أي: مد إليه رسول الله ﵇ يده.
стр. 6569
قوله: "فقلت أحرام؟ " الهمزة فيه للاستفهام.
قوله: "عافه" أي أكرهه، من عاف الرجل الطعام أو الشراب يعافه عيافًا، أي كرهه فلم يشربه، فهو عائف.
قوله: "أَقِطًا" بفتح الهمزة وكسر القاف وربما تسكن، وهو لبن يابس مجفف مستحجر يطبخ به.
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي، شيخ البخاري ومسلم، عن يزيد بن زريع، عن حبيب بن أبي قريبة المعلم البصري، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة.
وأخرجه البيهقي (١) من حديث يزيد بن زريع. . . إلى آخره نحوه.
وقال الذهبي في "مختصر السنن": إسناده جيد. والله أعلم.
...
стр. 6570
ص: باب أكل لحوم الحمر الأهلية
ش: أي هذا باب في بيان حكم أكل لحوم الحُمُر الأهلية، والحُمُر -بضمتين- جمع حمار.
ص: حدثنا فهد بن سليمان، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا مسعر بن كدام، عن عبيد بن حسن، عن ابن معقل، عن رجلين من مزينة أحدهما عن الآخر، عبد الله بن عمرو بن لويم والآخر غالب بن الأبجر، قال مسعر: أرى غالبًا الذي سأل النبي ﵇: "قال: يا رسول الله، إن لم يبق من مالي شيء أستطيع أن أطعم من أهلي غير حُمر لي -أو حمرات لي- قال: فأطعم أهلك من سمين مالك، فإنما قذرت لكم جوال القرية".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا شعبة، عن عبيد بن حسن، عن عبد الرحمن بن معقل، عن عبد الرحمن بن بشر، عن رجال من مزينة من أصحاب النبي ﵇ من الظاهرة، عن أبجر أو ابن أبجر، أنه قال: "يا رسول الله، إنه لم يبق من مالي شيء أستطيع أن أطعمه أهلي إلا حمر لي، قال: فأطعم أهلك من سمين مالك فإنما كرهت لكم جوال القرية".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت عبيد بن الحسن، عن عبد الله بن معقل، عن عبد الرحمن بن بشر: "أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ من مزينة حدثوا أن سيد مزينة الأبجر أو ابن الأبجر سأل النبي ﵇. . ." ثم ذكر مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة. . . فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: عبد الرحمن بن معقل، وقال: عن رجال من مزينة الظاهرة، ولم يقل من أصحاب النبي ﵇، وقال: عن أبجر أو ابن أبجر.
ش: هذه أربع طرق:
стр. 6571
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن مسعر بن كدام روى له الجماعة، عن عبيد بن حسن المزني، وثقه يحيى وأبو زرعة والنسائي، وروى له مسلم وأبو داود وابن ماجه، عن عبد الرحمن بن معقل بن مقرن المزني الكوفي وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود، عن رجلين من مزينة أحدهما عبد الله بن عمرو بن لويم -بضم اللام وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره ميم- وقيل: عبد الله بن عامر، يعد في الصحابة، وقال: أبو عمر: عبد الله بن عمرو بن مليل المزني له صحبة، والآخر: غالب بن الأبجر المزني الصحابي.
الطريق الثاني: عن فهد أيضًا، عن أبي نعيم أيضًا، عن شعبة بن الحجاج، عن عبيد بن الحسن، عن عبد الرحمن بن معقل بن مقرن، عن عبد الرحمن بن بشر، فيه مقال، عن رجال من مزينة من الصحابة، عن أبجر أو ابن أبجر.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن روح بن عبادة، عن شعبة، عن عبيد بن الحسن، عن عبد الله بن معقل، عن عبد الرحمن بن بشر. . . إلى آخره.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": ثنا زهير، ثنا وكيع، نا مسعر وشعبة، عن عبيد بن حسن، عن عبد الرحمن بن معقل المزني، عن ناس من مزينة الظاهرة، عن غالب بن أبجر أنه قال: "يا رسول الله، لم يبق من مالي إلا أحمرة، قال: أطعم أهلك من سمين مالك؛ فإني إنما كرهت لكم جوال القرية".
الرابع: عن إبراهيم ابن مرزق أيضًا، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة. . . إلى آخره.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا محمود بن علي البزاز الأصبهاني، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود، عن شعبة، عن عبيد بن حسن، قال: سمعت عبد الله بن معقل يحدث عن عبد الله بن بشر، عن ناس من مزينة: "أن أبجر -أو ابن أبجر- سأل النبي ﵇
стр. 6572
فقال: يا رسول الله، إنه لم يبق من مالي إلا حُمُر، فقال رسول الله ﵇: أطعم أهلك من سمين مالك، وإنما كرهت لكم جوال القرية". انتهى.
وهذا الحديث مختلف في إسناده: ففي الطريق الأول: عن ابن معقل عن رجلين من مزينة.
وفي الثاني: عن عبد الرحمن بن معقل، عن عبد الرحمن بن بشر، وفيه أبجر أو ابن أبجر.
وفي الثالث: عن عبد الله بن معقل عوض عبد الرحمن بن معقل.
وفي الرابع: في رواية الطبراني: عبد الله بن بشر عوض عبد الرحمن بن بشر، وهذا اختلاف شديد، فلا يقاوم الأحاديث الصحيحة التي وردت بتحريم لحوم الحمر الأهلية.
وقال البيهقي (١): هذا الحديث معلول، رواه شعبة في إحدى الروايتين عنه، عن عبيد، عن عبد الرحمن بن معقل، عن عبد الرحمن بن بشر، عن ناس من مزينة، أن ابن أبجر سأل النبي ﵇.
وفي رواية أخرى عنه، عن عبيد، عن عبد الله بن معقل، عن عبد الله بن بشر، وروى مسعر عن عبيد، عن ابن معقل، عن رجلين من مزينة أحدهما عن الآخر: عبد الله بن عامر بن لويم، وغالب بن أبجر قال مسعر: وأرى غالبًا الذي سأل.
وروي عن أبي العميس، عن عبيد بن الحسن، عن عبد الله بن معقل، عن غالب، ومثل هذا لا يعارض الصحاح المصرحة بالتحريم.
وقال ابن حزم (٢): هذا الذي ذكرتم باطل؛ لأنها كلها من طريق عبد الرحمن بن بشر وهو مجهول، والآخر من طريق عبد الله بن عمرو بن لويم وهو مجهول، أو من طريق شريك، وهو ضعيف، ثم عن ابن الحسن ولا يدرى من هو،
стр. 6573
عن غالب بن ذيخ، ولا يدرى من هو، أو من طريق سلمى بنت النضر الحضرية، ولا ندري من هي، انتهى.
وقال الخطابي: قال البخاري: حديث ابن أبجر قد اختلف في إسناده.
وقال أبو داود: رواه شعبة عن أبجر، أو ابن أبجر، ورواه مسعر قال: عن ابن عبيد، عن ابن معقل، عن رجلين من مزينة أحدهما عن الآخر.
قوله: "أرى غالبًا" بضم الهمزة أي أظن غالب بن الأبجر هو الذي سأل النبي ﵇.
قوله: "أو حمرات" شك من الرواي وهو جمع حمار، ويجمع الحمار على حَمِير وحُمْر وحُمُر وحُمرات وأَحْمِرة.
قوله: "قذرت لكم" من قذرت الشيء أقذره إذا كرهته واجتنبته، وهو من باب عَلِمَ يَعْلَمُ.
قوله: "جوال القريه" الجوال هي التي تأكل العذرة وهي الجلة.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا فأباحوا أكل لحوم الحمر الأهلية، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عاصم بن عمر بن قتادة وعبيد بن الحسن وعبد الرحمن ابن أبي ليلى، فإنهم أباحوا أكل لحوم الحمر الأهلية، واستدلوا على ذلك بحديث غالب بن أبجر، ويروى ذلك عن ابن عباس وعائشة ﵃.
وقال أبو بكر بن العربي في "أحكام القرآن" (١): واختلف في تحريم الحمر الأهلية على أربعة أقوال:
الأول: أنها حرمت شرعًا.
الثاني: أنها حرمت لأنها كانت جوال القرى، أي تأكل الجلة وهي النجاسة.
стр. 6574
الثالث: أنها كانت حمولة القوم.
الرابع: أنها حرمت لأنها أفنيت قبل القسمة، فمنع النبي ﵇ من أكلها حتى تقسم.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فإن هو أكل لحوم الحمر الأهلية، وقالوا: قد يجوز أن تكون الحمر التى أباح النبي ﵇ أكلها في هذا الحديث كانت وحشية ويكون قول النبي ﵇: "فإنما كرهت لكم جوال القرية" على الأهلية.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جمهور العلماء من التابعين ومن بعدهم منهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: يكره أكل لحم الحمر الأهلية، وهو مذهب الظاهرية أيضًا.
وقال ابن حزم: ولا يحل كل شيء من الحمر الإنسية، توحشت أو لم تتوحش، وحلال أكل حمر الوحش تأنست أو لم تتأنس.
قوله: "وقالوا. . ." إلى آخره جواب عن حديث غالب بن أبجر الذي احتجت به أهل المقالة الأولى، وهو ظاهر، ولكن فيه مساهلة، فإن قول غالب بن أبجر: غير حُمُر لي أو حمرات لي ظاهره يقتضي أن تكون حُمُرًا أهلية على ما لا يخفى.
ص: وقد روى شريك حديث غالب هذا على خلاف ما روى مسعر وشعبة.
حدثنا ابن أبي داود ويحيى بن عثمان وروح بن الفرج، قالوا: ثنا يوسف بن عدي (ح).
وحدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن حكيم الأودي (ح).
وحدثنا فهد قال: ثنا محمد بن سعيد -يزيد بعضهم على بعض- قالوا: ثنا شريك، عن منصور بن المعتمر، عن عبيد بن الحسن، عن غالب بن الذيخ، قال: قيل للنبي ﵇: "إنه قد أصابتنا سنة وإن سمين مالنا في الحمير، فقال: كلوا من سمين مالكم".
стр. 6575
فأخبر [أن] (١) ما كان أباح لهم من ذلك [كان في] (٢) عام سنة فإن كان ذلك على ما حملنا عليه حديث مسعر وشعبة فهو على ما حملناه عليه من ذلك، وإن كان ذلك على الحمر الأهلية، فإنه إنما كان في حال الضرورة، وقد تحل في حال الضرورة الميتة، فليس في هذا الحديث دليل على حكم لحوم الحمر الأهلية في غير حال الضرورة.
ش: أشار بهذا إلى الاختلاف الواقع في حديث غالب بن أبجر، وقد ذكرنا ما قالوا فيه من الاختلاف.
بيانه أن شريك بن عبد الله روى هذا الحديث على خلاف ما رواه مسعر بن كدام وشعبة بن الحجاج، وبين ذلك بقوله: "حدثنا ابن أبي داود. . ." إلى آخره.
وأخرجه من ثلاث طرق:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، ويحيى بن عثمان بن صالح السهمي البصري، وروح بن الفرج القطان المصري، ثلاثتهم عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن منصور بن المعتمر، عن عبيد بن الحسن المزني.
عن غالب بن الذيخ، وهو غالب بن الأبجر، يقال له: ابن الذيخ بكسر الذال المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره خاء معجمة، ويقال له: ابن ذريح أيضًا، وقد وقع في رواية مسعر وشعبة: غالب بن الأبجر، وفي رواية شريك هذه: غالب بن ذيخ وجاء في رواية أخرى: غالب بن ذريح.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود أيضًا، عن علي بن حكيم بن ذبيان الأزدي الكوفي شيخ مسلم والبخاري في غير الصحيح، عن شريك. . . إلى آخره.
стр. 6576
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك. . . إلى آخره.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا محمود بن محمد الواسطي، ثنا زكريا بن يحيى زحمويه، ثنا شريك، عن منصور، عن عبيد بن الحسن، عن غالب بن ذيخ: "أن رجلًا أتى النبي ﵇ فقال: يا رسول الله أصابتنا مجاعة، وإن سمين مالي الحمر، فقال: كل من سمين مالك، وقال: إنما قذرت لكم -أو كرهت لكم- جلالة القرية".
وأخرجه ابن أبي شيبه (٢): ثنا شريك، عن منصور، عن عبيد بن حسن، عن غالب بن ذيخ قال: "قلت: يا رسول الله، أصابتنا سنة، وسمين مالنا من الحمر، فقال: كل من سمين مالك، إنما قذرت جوال القرية".
قوله: "فأخبر ما كان. . ." إلى آخره أشار به إلى الاختلاف القوي بيانه أن النبي ﵇ قد أخبر في هذا الحديث ما كان أباح لهم في السنة الجدبة فلا يخلو ذلك إما أن يكون هذا على الحمر الوحشية أو على الحمر الأهلية.
فإن كان الأول فلا يتم به استدلال أهل المقالة الأولى لأنَّا كلنا قائلون بإباحة لحوم الحمر الوحشية.
وإن كان الثاني فيكون محمولا على حالة الضرورة، أن الضرورات تبيح المحظورات، ألا ترى كيف يباح كل الميتة فيها وهي دون الحمر الأهلية؟ فإذن على كل حال لا يكون لهم دليل في ذلك.
ص: وقد جاءت الآثار عن رسول الله ﵇ متواترة في نهيه عن أكل لحوم الحمر الأهلية، فمما روي عنه في ذلك:
ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وأسامة ومالك، عن ابن شهاب، عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي بن أبي طالب ﵃، عن أبيهما
стр. 6577
أنه سمع علي بن أبي طالب يقول لابن عباس ﵃: "نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الحمر الإنسية، وعن متع النساء يوم خيبر".
ش: أي وقد جاءت الأحاديث عن النبي ﵇ متكاثرة، وأراد بالتواتر معناه اللغوي لا الاصطلاحي على أنه يمكن أن يقال: أحاديث تحريم الحمر الأهلية مشهورة تلقتها العلماء بالقبول، والمشهور أحد قسمي المتواتر على ما عرف في موضعه، فمن ذلك حديث علي بن أبي طالب ﵁.
وأخرجه بإسناد صحيح، رجاله كلهم رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي وأسامة ابن زيد ومالك بن أنس، ثلاثتهم عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. . . إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطئه" (١).
ومسلم (٢): عن يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب. . . إلى آخره نحوه.
وعن (٢) أبي بكر بن أبي شيبة وابن نمير وزهير بن حرب، ثلاثتهم عن سفيان.
وعن (٣) ابن نمير، عن أبيه، عن عبيد الله.
وعن (٣) أبي الطاهر وحرملة، كلاهما عن إبراهيم، عن يونس.
وعن (٣) إسحاق وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، كلهم عن الزهري بهذا الإسناد.
فإن قيل: ما وجه الجمع بين تحريم أكل الحمر الأهلية وبن تحريم متعة النساء في وقت واحد وهو زمن خيبر وليس الأمر كذلك؛ فإن تحريم متعة النساء كان زمن الفتح، وزمن خيبر متقدم على زمن الفتح بسنة؟.
стр. 6578
قلت: قال بعضهم يحتمل الحديث التقديم والتأخير كأنه أراد: نهى عن متعة النساء، وعن أكل لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، ويكون الشيء المنهي عنه يوم خيبر أكل لحوم الحمر خاصة، ويكون النهي عن المتعة خارجًا عن ذلك موقوفًا على وقته بدليله، وهذا تأويل فيه بعد، والصحيح في الحديث ما رواه ابن بكير عن مالك بإسناده، فقال فيه: "نهى عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر" لم يزد على ذلك.
ورواه الشافعي عن مالك بإسناده، عن علي ﵁: "أن رسول الله ﵇ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية" لم يزد على ذلك، وسكت عن قصة المتعة لما عُلِم فيها من الاختلاف.
وذكر سفيان وقال: ثنا الزهري، قال: أخبرني حسن وعبد الله ابنا محمد بن علي -وكان الحسن أرضاهما- عن أبيهما: "أن عليًّا قال لابن عباس: إن رسول الله ﵇ نهى عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية" قال سفيان: يعني عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، لا يعني نكاح المتعة.
وقال أبو عمر: على هذا أكثر الناس، وعند الزهري أيضًا حديث آخر في هذا الباب، رواه عن الربيع بن سبرة، عن أبيه قال: "نهى رسول الله ﵇ عن نكاح المتعة يوم الفتح".
وقال آخرون: إنما نهى رسول الله ﵇ عن نكاح المتعة عام حجة الوداع، واحتجوا بما رواه أبو داود (١): ثنا مسدد، ثنا عبد الرزاق، عن إسماعيل بن أمية، عن الزهري قال: "كنا عند عمر بن عبد العزيز، فتذاكرنا متعة النساء، فقال رجل -يقال له: ربيع بن سبرة-: أشهد علي أبي أنه حدث عن رسول الله ﵇ أنه نهى عنها في حجة الوداع".
قال أبو داود: وهذا أصح ما روي في ذلك.
стр. 6579
قال أبو عمر: وكان الحسن البصري يقول: إن هذه القصة كانت في عمرة القضاء.
وأما اختلاف العلماء في هذا الباب فقد استوفينا ذكره في "كتاب النكاح".
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم، عن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ نهى يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الإنسية".
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وابن أبي نجيح هو عبد الله بن أبي نجيح.
وأخرجه الطحاوي بغير هذا الإِسناد في باب: أكل الضبع.
والبزار بأتم منه: ثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه وعمر بن الخطاب، قالا: نا ابن أبي مريم نا ابن أبي الزناد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: "نهى رسول الله ﵇ يوم خيبر أن يوقع على الحبالى، وقال: لا تسق زرع غيرك، ونهى عن بيع المغانم حتى تقسم، وعن أكل الحمر الإنسية، وعن كل ذي ناب من السباع".
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عبد الله بن نمبر، قال: ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﵇ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى القطان، عن عبيد الله فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا دحيم، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي حنيفة، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة شيخ مسلم وابن ماجه، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع عن عبد الله بن عمر.
стр. 6580
وأخرجه مسلم (١): نا محمد بن عبد الله بن نمير، قال: ثنا أبي، قال: نا عبيد الله قال: حدثني نافع وسالم، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن عمر. . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٢): من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر.
الثالث: عن إبراهيم أيضًا، عن دحيم وهو عبد الرحمن بن إبراهيم شيخ البخاري، عن عبيد الله بن موسى العيشي عن الإِمام أبي حنيفة النعمان، عن نافع عن ابن عمر.
وأخرجه أبو بكر بن أبي العاصم في "مسنده".
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا ابن نمير، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن عمرو بن ضخرة الفزاري، عن عبد الله بن أبي سليط، عن أبيه أبي سليط -وكان بدريًّا- قال: "لقد أتانا نهي رسول الله ﵇ عن أكل لحوم الحمر ونحن بخيبر وإن القدور لتفور بها، فأكفأناها على وجهها".
ش: ابن نمير هو عبد الله بن نمير.
وأبو سليط اسمه أُسَيْر -بضم الهمزة وفتح السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره راء- ويقال: أسيره -بالهاء في آخره- ابن عمرو بن قيس الأنصاري الخزرجي النجاري شهد بدرًا.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): عن عبد الله بن نمير. . . إلى آخره نحوه.
стр. 6581
قوله: "وإن القدور تفور بها" أي تجيش، من فارت القدر، تفور فورًا وفورانا.
قوله: "فأكفأناها" أي قلبناها على وجهها.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله ﵁: "أن رسول الله ﵇ نهى يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر قال: "أطعمنا النبي ﵇ لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر".
حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب، قال: أنا ابن جريج، أن أبا الزبير المكي أخبره، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "أكلنا زمن خيبر الخيل والحمار الوحشي، ونهانا رسول الله ﵇ عن الحمار الأهلي".
حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا أبو خالد الأحمر، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر مثله.
ش: هذه أربع طرق صحاح:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى. . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢): من حديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، عن جابر: "أن رسول الله ﵇ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل".
قلت: محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ الملقب بالباقر؛ لتبقره في العلم أي لتوسعه.
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار. . . إلى آخره.
стр. 6582
وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: "أطعمنا رسول الله ﵇ لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر".
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الملك بن جريج، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر.
الرابع: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن أبي خالد الأحمر سليمان بن حيان، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر.
وأخرجه ابن أبي شيبة (١): ثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵇ عن لحوم الحمر الأهلية".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء -سمعه منه- قال: "أصبنا حمرا يوم خيبر فطبخناها، فنادى منادي رسول الله ﵇: "أن اكفىوا القدور".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء وابن أبي أوفى، عن النبي ﵇ نحوه.
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا شعبة، عن عدي بن ثابت، قال: سمعت البراء وعبد الله بن أبي أوفى. . . مثله، ولم يذكر "خيبر".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن إبراهيم الهجري عن ابن أبي أوفى مثله.
حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا وهب قال: ثنا شعبة، عن الشيباني، عن ابن أبي أوفى نحوه.
стр. 6583
ش: هذه خمسة أسنايد:
الأول: عن البراء بن عازب وحده، أخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن روح بن عبادة، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن البراء بن عازب.
وأخرجه مسلم (١): ثنا ابن مثنى وابن بشار، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: قال البراء: "أصبنا يوم خيبر حمرًا فنادى منادي رسول الله ﵇ أن اكفئوا القدور".
الثاني: عن البراء مع عبد الله بن أبي أوفى.
أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة بن الحجاج، عن عدي بن ثابت الأنصاري، عن البراء بن عازب، وعبد الله بن أبي أوفى كلاهما عن النبي ﵇، وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا هاشم، ثنا شعبة، عن عدي بن ثابت سمعت البراء وابن أبي أوفي قالا: "أصبنا يوم خيبر حمرًا، فنادى منادي رسول الله ﵇: أن اكفئوا القدور".
الثالث: كذلك عن الاثنين.
أخرجه بإسناد صحيح، عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء الغداني شيخ البخاري، عن شعبة، عن عدي بن ثابت قال: سمعت البراء وعبد الله ابن أبي أوفى.
وأخرجه مسلم (١): نا عبيد الله بن معاذ، قال: نا أبي، قال: ثنا شعبة، عن عدي وهو -ابن ثابت- قال: سمعت البراء وعبد الله بن [أبي] (٣) أوفى يقولان: "أصبنا حمرًا طبخناها فنادى منادي رسول الله ﵇: اكفئوا القدور.
стр. 6584
الرابع: عن عبد الله بن أبي أوفى وحده.
أخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن إبراهيم بن مسلم الهجري، عن عبد الله بن أبي أوفى.
وأخرجه أحمد (١): بأتم منه: ثنا علي بن عاصم، قال: ثنا الهجري قال: "خرجت في جنازة ابنة عبد الله بن أبي أوفى، وهو على بغلة له حواء يعني سوداء، قال: فجعلن النساء يقلن لقائده: قدمه أمام الجنازة، ففعل، قال: فسمعته يقول: أين الجنازة؟ قال: فقالوا: خلفك، قال: ففعل ذلك مرة أو مرتين، قال: ثم قال: ألم أنهك أن تقدمني أمام الجنازة؟ قال: فسمع امرأة تلتدم -وقال مرة: ترثي- فقال: مه ألم أنهكن عن هذا؟ إن رسول الله ﵇ كان ينهانا عن المراثي، لتقض إحداكن من عَبرتها ما شاءت، فلما وضعت الجنازة تقدم، فكبر عليها أربع تكبيرات ثم قام هنية فسبح به بعض القوم، فانفتل فقال: أكنتم ترون أني أكبر الخامسة؟ قالوا: نعم، قال: إن رسول الله ﵇ كان إذا كبر الرابعة قام هنية، فلما وضعت الجنازة جلس، وجلسنا إليه، فسئل عن لحوم الحمر الأهلية، فقال: تلقانا يوم خيبر حمرًا أهلية خارجًا عن القرية فوقع الناس فيها فذبحوها، فإن القدور لتغلي ببعضه إذ نادى منادي رسول الله ﵇: أهريقوها فأهرقناها، ورأيت على عبد الله مطرفا من خز أخضر".
الخامس: عن عبد الله وحده أيضًا.
أخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن سليمان الشيباني، عن عبد الله بن أبي أوفى.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا علي بن مسهر، عن الشيباني قال: "سألت عبد الله بن أبي أوفى عن لحوم الحمر الأهلية، فقال: أصابتنا مجاعة يوم خيبر ونحن مع رسول الله ﵇ وقد أصبنا للقوم حمرًا خارجة من المدينة،
стр. 6585
فنحرناها فإن قدورنا لتغلي إذ نادى منادي رسول الله ﵇ أن اكفئوا القدور ولا تطعموا من لحوم الحمر شيئًا".
ص: حدثنا المزني، قال: ثنا الشافعي، قال: أنا سفيان، قال: ثنا عمرو، قال: قلت لجابر بن زيد: "إنهم يزعمون أن النبي ﵇ قد نهى عن لحوم الحمر الأهلية، فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري ﵁ عن النبي ﵇ ولكن أبي ذلك البحر -يعني ابن عباس- وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ (١) الآية".
ش: إسناده صحيح، والمزني إسماعيل بن يحيى، وسفيان هو ابن عيينة.
وأخرجه الطبراني (٢): ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي، ثنا سفيان، ثنا عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: "إنهم يزعمون أن رسول الله ﵇ نهى عن لحوم الحمر الأهلية، فقال: قد كان يقول عندنا الحكم بن عمرو الغفاري: عن رسول الله ﵇، ولكن أبى ذلك البحر يعني ابن عباس، وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (١) الآية".
ص: حدثا ابن أبي داود قال: ثنا عيسى بن إبراهيم قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم قال: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﵇ يوم خيبر عن لحوم الحمر الإنسية".
حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا الدراوردي قال: ثنا محمد بن عمرو. . . فذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عيسى بن إبراهيم الغافقي المصري شيخ أبي داود والنسائي، عن عبد العزيز بن مسلم القسملي، عن محمد بن