قوله: "وإن القدور تفور بها" أي تجيش، من فارت القدر، تفور فورًا وفورانا.
قوله: "فأكفأناها" أي قلبناها على وجهها.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله ﵁: "أن رسول الله ﵇ نهى يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر قال: "أطعمنا النبي ﵇ لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر".
حدثنا يونس قال: ثنا ابن وهب، قال: أنا ابن جريج، أن أبا الزبير المكي أخبره، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "أكلنا زمن خيبر الخيل والحمار الوحشي، ونهانا رسول الله ﵇ عن الحمار الأهلي".
حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: أنا أبو خالد الأحمر، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر مثله.
ش: هذه أربع طرق صحاح:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى. . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢): من حديث حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، عن جابر: "أن رسول الله ﵇ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل".
قلت: محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃ الملقب بالباقر؛ لتبقره في العلم أي لتوسعه.
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار. . . إلى آخره.
стр. 6582
وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: "أطعمنا رسول الله ﵇ لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر".
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الملك بن جريج، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن جابر.
الرابع: عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن أبي خالد الأحمر سليمان بن حيان، عن عبد الملك بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر.
وأخرجه ابن أبي شيبة (١): ثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "نهى رسول الله ﵇ عن لحوم الحمر الأهلية".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء -سمعه منه- قال: "أصبنا حمرا يوم خيبر فطبخناها، فنادى منادي رسول الله ﵇: "أن اكفىوا القدور".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء وابن أبي أوفى، عن النبي ﵇ نحوه.
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا شعبة، عن عدي بن ثابت، قال: سمعت البراء وعبد الله بن أبي أوفى. . . مثله، ولم يذكر "خيبر".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن إبراهيم الهجري عن ابن أبي أوفى مثله.
حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا وهب قال: ثنا شعبة، عن الشيباني، عن ابن أبي أوفى نحوه.
стр. 6583
ش: هذه خمسة أسنايد:
الأول: عن البراء بن عازب وحده، أخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن روح بن عبادة، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن البراء بن عازب.
وأخرجه مسلم (١): ثنا ابن مثنى وابن بشار، قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: قال البراء: "أصبنا يوم خيبر حمرًا فنادى منادي رسول الله ﵇ أن اكفئوا القدور".
الثاني: عن البراء مع عبد الله بن أبي أوفى.
أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، عن شعبة بن الحجاج، عن عدي بن ثابت الأنصاري، عن البراء بن عازب، وعبد الله بن أبي أوفى كلاهما عن النبي ﵇، وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا هاشم، ثنا شعبة، عن عدي بن ثابت سمعت البراء وابن أبي أوفي قالا: "أصبنا يوم خيبر حمرًا، فنادى منادي رسول الله ﵇: أن اكفئوا القدور".
الثالث: كذلك عن الاثنين.
أخرجه بإسناد صحيح، عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء الغداني شيخ البخاري، عن شعبة، عن عدي بن ثابت قال: سمعت البراء وعبد الله ابن أبي أوفى.
وأخرجه مسلم (١): نا عبيد الله بن معاذ، قال: نا أبي، قال: ثنا شعبة، عن عدي وهو -ابن ثابت- قال: سمعت البراء وعبد الله بن [أبي] (٣) أوفى يقولان: "أصبنا حمرًا طبخناها فنادى منادي رسول الله ﵇: اكفئوا القدور.
стр. 6584
الرابع: عن عبد الله بن أبي أوفى وحده.
أخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن إبراهيم بن مسلم الهجري، عن عبد الله بن أبي أوفى.
وأخرجه أحمد (١): بأتم منه: ثنا علي بن عاصم، قال: ثنا الهجري قال: "خرجت في جنازة ابنة عبد الله بن أبي أوفى، وهو على بغلة له حواء يعني سوداء، قال: فجعلن النساء يقلن لقائده: قدمه أمام الجنازة، ففعل، قال: فسمعته يقول: أين الجنازة؟ قال: فقالوا: خلفك، قال: ففعل ذلك مرة أو مرتين، قال: ثم قال: ألم أنهك أن تقدمني أمام الجنازة؟ قال: فسمع امرأة تلتدم -وقال مرة: ترثي- فقال: مه ألم أنهكن عن هذا؟ إن رسول الله ﵇ كان ينهانا عن المراثي، لتقض إحداكن من عَبرتها ما شاءت، فلما وضعت الجنازة تقدم، فكبر عليها أربع تكبيرات ثم قام هنية فسبح به بعض القوم، فانفتل فقال: أكنتم ترون أني أكبر الخامسة؟ قالوا: نعم، قال: إن رسول الله ﵇ كان إذا كبر الرابعة قام هنية، فلما وضعت الجنازة جلس، وجلسنا إليه، فسئل عن لحوم الحمر الأهلية، فقال: تلقانا يوم خيبر حمرًا أهلية خارجًا عن القرية فوقع الناس فيها فذبحوها، فإن القدور لتغلي ببعضه إذ نادى منادي رسول الله ﵇: أهريقوها فأهرقناها، ورأيت على عبد الله مطرفا من خز أخضر".
الخامس: عن عبد الله وحده أيضًا.
أخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن سليمان الشيباني، عن عبد الله بن أبي أوفى.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا علي بن مسهر، عن الشيباني قال: "سألت عبد الله بن أبي أوفى عن لحوم الحمر الأهلية، فقال: أصابتنا مجاعة يوم خيبر ونحن مع رسول الله ﵇ وقد أصبنا للقوم حمرًا خارجة من المدينة،
стр. 6585
فنحرناها فإن قدورنا لتغلي إذ نادى منادي رسول الله ﵇ أن اكفئوا القدور ولا تطعموا من لحوم الحمر شيئًا".
ص: حدثنا المزني، قال: ثنا الشافعي، قال: أنا سفيان، قال: ثنا عمرو، قال: قلت لجابر بن زيد: "إنهم يزعمون أن النبي ﵇ قد نهى عن لحوم الحمر الأهلية، فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري ﵁ عن النبي ﵇ ولكن أبي ذلك البحر -يعني ابن عباس- وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ (١) الآية".
ش: إسناده صحيح، والمزني إسماعيل بن يحيى، وسفيان هو ابن عيينة.
وأخرجه الطبراني (٢): ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي، ثنا سفيان، ثنا عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: "إنهم يزعمون أن رسول الله ﵇ نهى عن لحوم الحمر الأهلية، فقال: قد كان يقول عندنا الحكم بن عمرو الغفاري: عن رسول الله ﵇، ولكن أبى ذلك البحر يعني ابن عباس، وقرأ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (١) الآية".
ص: حدثا ابن أبي داود قال: ثنا عيسى بن إبراهيم قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم قال: ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﵇ يوم خيبر عن لحوم الحمر الإنسية".
حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا الدراوردي قال: ثنا محمد بن عمرو. . . فذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عيسى بن إبراهيم الغافقي المصري شيخ أبي داود والنسائي، عن عبد العزيز بن مسلم القسملي، عن محمد بن
стр. 6586
عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ حرم يوم خيبر الحمار الإنسي".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن بشار، نا عبد الوهاب، نا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: "حرم رسول الله ﵇ كل ذي ناب من السباع والمجثمة والحمار الإنسي يوم خيبر".
وأخرجه الترمذي وصححه (٢).
ص: حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني، قال: ثنا محمد بن إدريس الشافعي، قال: ثنا سفيان، عن أيوب السختياني، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما افتتح النبي ﵇ خيبر أصابوا حمرًا، فطبخوا منها مطبخة، فنادى منادي رسول الله ﵇: ألا إن الله ورسوله ينهيانكم عنها؛ فإنها نجس فاكفئوا القدور".
حدثنا أبو أمية، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، قال: ثنا حماد، عن هشام، عن محمد، عن أنس.
وأيوب، عن محمد -قال حماد: أظنه عن أنس- قال: قال: "أتي رسول الله ﵇ يوم خيبر، فقيل له: قلت الحمر. فسكت، ثم أتي فقيل له: أفنيت الحمر، فأمر أبا طلحة ينادي. . ." فذكر مثله.
стр. 6587
حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا هشام، قال: ثنا الزبيدي، عن محمد، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن المزني، عن الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أنس.
وأخرجه مسلم (١): ثنا ابن أبي عمر، قال: ثنا سفيان، عن أيوب، عن محمد، عن أنس قال: "لما افتتح رسول الله ﵇ خيبر أصبنا حمرًا خارجة من القرية [فطبخنا] (٢) منها، فنادى منادي النبي ﵇: ألا إن الله ورسوله ينهيانكم عنها؛ فإنها رجس من عمل الشيطان، فأكفئت القدور بما فيها، وإنها لتفور بما فيها".
الثاني: عن أبي أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن حسان الأزدي، عن محمد بن سيرين، عن أنس، وعن أيوب السختياني، عن محمد، عن أنس.
وأخرجه مسلم (٣): ثنا محمد بن المنهال الضرير، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: نا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك قال: "لما كان [يوم] (٤) خيبر جاء جاء فقال: يا رسول الله، أكلت الحمر، ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله، أفنيت الحمر، فأمر رسول الله ﵇ أبا طلحة فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر؛ فإنها رجس -أو نجس- قال: فأكفئت القدور بما فيها".
الثالث: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس.
стр. 6588
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١).
ص: حدثنا علي بن أبي عبد الرحمن قال: ثنا عبد الوهاب بن نجدة قال: ثنا بقية قال: ثنا الزبيدي، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن أبي ثعلبة: "أن رسول الله ﵇ نهى عن كل ذي ناب من السباع وعن لحوم الحمر الأهلية".
ش: عبد الوهاب بن نجدة الحوطي شيخ أبي داود، وثقه يعقوب بن شيبة والنسائي.
وبقية بن الوليد الحمصي احتجت به الأربعة.
والزُّبَيدي -بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف- هو محمد بن الوليد روى له الجماعة سوى الترمذي.
والزهري هو محمد بن مسلم.
وأبو إدريس الخولاني: عائذ الله.
وأبو ثعلبة الخشني الصحابي ﵁ وفي اسمه اختلاف ذكرناه في باب أكل الضبع، لأن الطحاوي أخرج هذا الحديث هناك عن يونس، عن سفيان، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن أبي ثعلبة.
وأخرجه النسائي (٢): عن عمر بن عثمان، عن بقية بن الوليد. . . إلى آخره.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا إبراهيم بن سويد، قال: حدثني يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع، قال: أخبرني سلمة: "أنهم كانوا مع رسول الله ﵇ مساء يوم افتتحوا خيبر، فرأى رسول الله ﵇ نيرانا توقد، فقال: ما هذه النيران؟ قالوا: على لحوم الحمر الإنسية، فقال رسول الله ﵇: اهريقوا ما فيها واكسروها -يعني القدور- فقال رجل من القوم أو نغسلها؟ فقال رسول الله ﵇: أو ذاك".
стр. 6589
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أنا يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة. . . فذكر نحوه.
ش: هذان طريقان صحيحان.
الأول: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم المعروف -بابن أبي مريم- المصري شيخ البخاري، عن إبراهيم بن سويد بن الحيان المدني، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع.
وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢): من حديث يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة، قال: "لما قدمنا خيبر رأى رسول الله ﵇ نيرانًا توقد، قال: على ما توقد هذه النيران؟ قالوا: على لحوم الحمر الأهلية، قال: كسروا القدور وأهريقوا ما فيها، فقيل: يا رسول الله، أنهرق ما فيها ونغسلها؟ قال: أو ذاك".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن يزيد بن أبي عبيد. . . إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٣): من حديث يزيد مولى سلمة بن الأكوع، عن مولاه سلمة.
قوله: "أهريقوا ما فيها" أي: أريقوا ما في القدور، والهاء زائدة، يقال: أراق واهراق أيضًا.
قوله: "أو ذاك" أي أو افعلوا ذاك، وأشار به إلى الغسل الذي يدل عليه قوله: "أو نغسلها" والمعنى: أو اغسلوها.
وهذا كما رأيت قد أخرج الطحاوي الأحاديث المذكورة عن اثني عشر نفرًا من الصحابة، وهم: علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وأبو سليط
стр. 6590
وجابر بن عبد الله والبراء بن عازب وعبد الله بن أبي أوفى والحكم بن عمرو الغفاري وأبو هريرة وأنس بن مالك وأبو ثعلبة وسلمة بن الأكوع ﵃.
ولما أخرج الترمذي حديث علي وأنس وأبي هريرة قال: وفي الباب عن العرباض وأبي سعيد الخدري.
قلت: وفي الباب أيضًا عن سلمة بن المحبق والمقدام بن معدي كرب، وأبي أمامة الباهلي وخالد بن الوليد وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃.
أما حديث العرباض: فقد ذكرناه في "باب أكل الضبع" عن الطبراني.
وأما حديث أبي سعيد الخدري:
فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا الفضل بن دكين، عن يونس بن أبي إسحاق قال: ثنا أبو الوداك قال: ثنا أبو سعيد الخدري، عن النبي ﵇: "أنه مر بالقدور وهي تغلي، فقال لنا: ما هذه أحمر أهلية أم وحشية؟ فقلنا: لا بل أهلية، قال: فاكفئوها، قال: فكفأناها، وإنا لجياع نشتهيه".
وأما حديث سلمة بن المحبق وحديث المقدام: فأخرجهما الطحاوي على ما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى.
وأما حديث أبي أمامة: فأخرجه ابن أبي شيبة (٢) أيضًا: ثنا أبو أسامة، عن عبد الرحمن بن زيد بن جابر قال: ثنا القاسم ومكحول، عن أبي أمامة: "أن رسول الله ﵇ نهى يوم خيبر عن أكل الحمار الأهلي".
وأما حديث خالد بن الوليد فقد ذكرناه في "باب أكل الضبع" عن أبي داود.
وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص:
فأخرجه أبو داود (٣) أيضًا: ثنا سهل بن بكار، قال: نا وهيب عن ابن طاوس
стр. 6591
، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "نهى رسول الله ﵇ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة وعن ركوبها، وعن أكل لحمها".
ص: فكانت هذه الآثار تواترت عن رسول الله ﵇ بالنهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية، فكان أولى الأشياء بنا أن نحمل حديث غالب بن الأبجر على ما وافقها لا على ما خالفها.
ش: أي فكانت هذه الأحاديث المذكورة قد تكاثرت وتواردت عن النبي ﵇ بالنهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وعارضت حديث غالب بن الأبجر الذي احتجت به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من إباحة أكل لحوم الحمر الأهلية.
فالأولى أن يحمل حديث غالب على ما يوافق الأحاديث المذكورة؛ لئلا تختلف الآثار وتتضاد المعاني، وقد ذكر فيما مضى وجه هذا الحمل عند قوله: "وقد يجوز أن تكون الحمر التي أباح النبي ﵇ أكلها في حديث غالب وحشية".
والأحسن في هذا أن يقال: لا يعارض حديث غالب بن أبجر الأحاديث المذكورة؛ لاضطراب حديث غالب سندًا ومعنى وصحة الأحاديث المذكورة، وشرط التعارض: المساواة.
ص: فقال قوم: إنما نهى رسول الله ﵇ عن ذلك؛ إبقاء على الظهر ليس على وجه التحريم.
ورووا في ذلك ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عباد بن موسى الختلي، قال: ثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قال ابن عباس: "ما نهى رسول الله ﵇ يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية إلا من أجل أنها ظهر".
حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج أن نافعا أخبره عن عبد الله بن عمر قال: "نهى رسول الله ﵇ عن أكل الحمار الأهلي يوم خيبر، وكانوا قد احتاجوا إليها".
стр. 6592
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا مكي وأبو عاصم، قالا: أنا ابن جريج، قال: أخبرني نافع، قال: قال ابن عمر. . . ثم ذكر مثله.
ش: أشار بهذا إلى بيان اختلاف العلماء في معنى النهي الوارد عن النبي ﵇ عن أكل لحوم الحمر الأهلية؛ لأي علة كان هذا النهي؟ فلذلك قال: (فقال) بالفاء التفصيلية أي الذين ذهبوا إلى إباحة لحم الحمر الأهلية.
وذكر فيه ثلاثة أقوال:
الأول: ما أشار إليه بقوله: "فقال قوم: إنما نهى رسول الله ﵇ عن ذلك" أي عن أكل لحوم الحمر الأهلية.
وأراد بالقوم هؤلاء: نافعًا وعبد الملك بن جريج وعبد الرحمن بن أبي ليلى بعض أصحاب مالك.
قوله: "اتقاءَ" بالنصب، أي لأجل الانتقاء، واحتجوا في ذلك بحديث عبد الله ابن عباس وعبد الله بن عمر ﵃.
أما حديث ابن عباس فأخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عباد بن موسى الختلي -بضم الخاء المعجمة والتاء المثناة من فوق- نسبة إلى ختلان وهي بلاد مجتمعة وراء بلخ وهو شيخ مسلم وأبي داود، عن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الكوفي، نزيل بغداد، عن سليمان الأعمش، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
وأخرجه بن أبي شيبة في "مصنفه" (١) بدون ذكر ابن عباس: ثنا شريك، عن الأعمش، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "إنما كرهت؛ إبقاءً على الظهر، يعني لحوم الحمر".
стр. 6593
وأخرج البخاري (١) ومسلم (٢): من حديث عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن عاصم، عن عامر، عن ابن عباس قال: "لا أدري أنهى عنه رسول الله ﵇ من أجل أنه كان حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرمه في يوم خيبر لحم الحمر الأهلية".
قلت: فهذا يبين أن ابن عباس علم بالنهي، لكنه حمله على التنزيه توفيقا بين الآية وعمومها، وبين أحاديث النهي.
وأما حديث ابن عمر، فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن عبد الملك بن جريج، عن نافع عن ابن عمر.
الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي عن مكي بن إبراهيم وأبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، كلاهما شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج، عن نافع، عن ابن عمر.
ص: فكان من الحجة عليهم في ذلك أن جابرًا ﵁ قد أخبر أن النبي ﵇ أطعمهم يومئذ لحوم الخيل ونهاهم عن لحوم الحمر، وهم كانوا إلى الخيل أحوج منهم إلى الحمر، فدل تركه منعهم أكل لحوم الخيل أنهم كانوا في بقية من الظهر، ولو كانوا في قلة من الظهر حتى احتيج لذلك أن يمنعوا من أكل لحوم الحمر فكانوا إلى المنع من أكل الخيل أحوج؛ لأنهم يحملون على الخيل كما يحملون على الحمر، وركوب الخيل بعد ذلك لمعاني لا يركبون لها الحمر.
فدل ما ذكرنا: أن العلة التي لها منعوا من أكل لحوم الحمر ليست هي هذه العلة.
стр. 6594
ش: أي فكان من الدليل والبرهان على هؤلاء القوم فيما ذكروا، والحاصل: أن هذا جواب عما قالوا، وهو ظاهر.
وقال أبو عمر في هذا الموضع: وفي إذن رسول الله ﵇ في أكل الخيل وإباحته لذلك يوم خيبر دليل على أن نهيه عن أكل لحوم الحمر يومئذ عبادة لغير علة؛ لأنه معلوم أن الخيل أرفع من الحمير، وأن الخوف على الخيل وعلى قيامها، فوق الخوف على الحمير، وأن الحاجة في الغزو وغيره إلى الخيل أعظم، وبهذا يتبين [لك أن] (١) أكل لحوم الحمر لم يكن لحاجة وضرورة إلى الظهر والحمل، وإنما كان عبادة وشريعة.
ألا ترى إلى حديث أنس بن مالك: "أن منادي رسول الله ﵇ نادى يوم خيبر: أن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، وما نهى الله عنه ورسوله فلا خيار لأحد فيه، وكل قول خالف السنة مردود.
ص: وقال آخرون: إنما منعوا يومئذ من أكل الحوم الحمر؛ لأنها حمر كانت تأكل العذرة، ورووا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن الشيباني، قال: ذكرت لسعيد بن جبير حديث ابن أبي أوفى في أمر النبي ﵇ إياهم بإكفاء القدور يوم خيبر، فقال: "إنما نهى عنها؛ لأنها كانت تأكل العُذرة" قالوا: فإنما نهى النبي ﵇ عن أكلها لهذه العلة.
ش: أي قال جماعة آخرون -وهم سعيد بن جبير، وجماعة من المالكية- إنما منعت الصحابة يوم خيبر من أكل لحوم الحمر الأهلية؛ لأنها كانت جوالة تأكل العذرات فكان نهي النبي ﵇ لهذه العلة، لا لأجل التحريم.
وروى هؤلاء في ذلك ما أخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، وهب بن جرير، عن شعبة، عن الشيباني، واسمه سليمان بن فيروز.
стр. 6595
وأخرج ابن ماجه (١): عن سويد بن سعيد، نا علي بن مسهر، عن أبي إسحاق الشيباني، قال: "سألت عبد الله بن أبي أوفى عن لحوم الحمر الأهلية، فقال: أصابتنا مجاعة يوم خيبر ونحن مع النبي ﵇ وقد أصاب القوم حمرًا خارجًا من المدينة، فنحرناها وإن قدورنا لتغلي، إذ نادى منادي النبي ﵇: أن اكفئوا القدور، ولا تطعموا من لحوم الحمر شيئًا، فأكفأناها. فقلت لعبد الله بن أبي [أوفى] (٢): حرمها تحريمًا؟ قال: تحدثنا إنما حرمها رسول الله ﵇ البتة من أجل أنها كانت تأكل العذرة".
ص: فكان من الحجة عليهم في ذلك أنه لو لم يكن جاء في هذا إلا الأمر بالإكفاء للقدور؛ لكان ذلك محتملا لما قالوا، ولكنه قد جاء هذا، وجاء النهي في ذلك مطلقًا.
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا شبابة بن سوار، قال: ثنا أبو زَبْر عبد الله بن العلاء، قال: ثنا مسلم بن مشكم كاتب أبي الدرداء، قال: سمعت أبا ثعلبة الخشني: "يقول أتيت النبي ﵇، فقلت: يا رسول الله، حدثني ما يحل لي مما يحرم عليّ، فقال: لا تأكل الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السبع".
فكان كلام النبي ﵇ في هذا الحديث جوابًا لسؤال أبي ثعلبة إياه عما يحل له مما يحرم عليه، فدل ذلك على نهيه عن أكل لحوم الحمر الأهلية، لا لعلة تكون في بعضها دون بعض من أكل العذرة وما أشبهها ولكن لها في أنفسها، وقد جعلها ﵇ في نهيه عنها كذي الناب من السبع، فكما كان ذو الناب منهيَّا عنه لا لعلة، كان ذلك الحمر الأهلية منهيًا عنها لا لعلة.
ش: أي فكان من الدليل والبرهان على هؤلاء الآخرين فيما ذكروا من العلة. . . إلى آخره، وهو ظاهر.
قوله: "وجاء النهي في ذلك مطلقًا" أي وجاء النهي عن النبي ﵇ في أكل لحم الحمر الأهلية مطلقًا يعني من غير قيد بشيء من إكفاء القدور ونحوه.
стр. 6596
وهو ما أخرجه بإسناد صحيح: عن علي بن معبد بن نوح، عن شبابة بن سوار، عن أبيَ زْبر -بفتح الزاي وسكون الباء الموحدة وفي آخره راء- وهو عبد الله بن العلاء بن زَبْر الشامي الدمشقي روى له الجماعة، عن مسلم بن مشكم الخزاعي أبي عبد الله الدمشقي، كاتب أبي الدرداء، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والنسائي وابن ماجه.
ص: وقد قال قوم: إن رسول الله ﵇ إنما نهى عنها؛ لأنها كانت نهبة.
ورووا في ذلك ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن مرزوق، قال: ثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن النحاز الحنفي، عن سنان بن سلمة، عن أبيه: "أن رسول الله ﵇ مر يوم خيبر بقدور فيها لحم حمر الناس، فأمر بها فأكفئت".
فكان من الحجة عليهم في ذلك أن قوله: "حمر الناس" يحتمل أن يكون [لأنهم] (١) انتهبوها من الناس، ويحتمل أن تكون نسبت إلى الناس لأنهم يركبونها فيكون النهي وقع عليها؛ لأنها أهلية لا لغير ذلك.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من المالكية؛ فإنهم قالوا: علة النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية هي كونها نهبة، واستدلوا على ذلك بما أخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن مرزوق البصري شيخ البخاري في التعليقات، عن حرب بن شداد اليشكري القطان الثبت الثقة، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن النحاز -بفتح النون وتشديد الحاء المهملة وفي آخره زاي، وقيل: بكسر النون وتخفيف الحاء- ابن جدي، ويقال: ابن حدي، ويقال: ابن حوي الحنفي (٢)، وذكره ابن حبان في الثقات، وهو يروي عن سنان بن سلمة الهذلي الصحابي ابن الصحابي سلمة بن المحبق الهذلي ﵄.
стр. 6597
وأخرجه الطبراني (١): ثنا أحمد بن إسماعيل بن الحارث العدوي البصري، نا عمرو بن مرزوق، أنا حرب بن شداد، أنا يحيى بن أبي كثير، عن النحاز -قال: أبو القاسم: هو ابن جدي الحنفي- عن سنان بن سلمة، عن أبيه، عن النبي ﵇: "أنه مر يوم خيبر بقدور فيها لحوم من حمر الناس، فأمر بها فأكفئت".
قوله: "فكان من الحجة عليهم" أي: على هؤلاء القوم فيما ذكروه من علة النهي وهو ظاهر.
ص: قالوا: فإنه قد روي في ذلك ما يدل على أنها كانت نهبة، فذكروا ما حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء: "أنهم أصابوا من الفيء حمرًا فذبحوها، فقال النبي ﵇: أكفئوا القدور".
قالوا: فبيّن هذا الحديث أن تلك الحمُر كانت نهبة، قيل لهم: فهذا ثبت أنهما كانت نهبة كما ذكرتم فما دليلكم على أن النهي عنها كان للنهبة، وما جعلكم -بتأويل ذلك النهي أنه كان للنهبة- أولى من غيركم في تأويله أن النهي عنها كان لها في أنفسها لا للنهبة؟!.
وقد ذكرنا في حديث أنس بن مالك أن النبي ﵇ قال لهم: "أكفئوها فإنها رجس" فدل ذلك على أن النهي وقع عليها لأنها رجس لا لأنها نهبة.
وفي حديث سلمة بن الأكوع، أن رسول الله ﵇ قال لهم: "أكفئوا القدور واكسروها، فقالوا: يا رسول الله، أو نغسلها؟ فقال: أو ذاك".
فدل أيضًا على أن النهي كان لنجاسة لحمها لا لأنها نهبة، ولا لأنها مغصوبة".
ش: لما ادعى القوم المذكورون أن علة النهي فيما نحن بصدده: هي النهبة، وأجاب المخالفون لهم عن ذلك بما ذكره الطحاوي من قوله: "فكان من الحجة عليهم، إلى آخره، ذكروا شاهدًا لما ادعوه من كون العلة هي النهبة، وقالوا: قد روي عن النبي ﵇ ما يدل على أن العلة كانت نهبة.
стр. 6598
وهو ما أخرجه بإسناد صحيح: عن أحمد بن داود المكي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب.
وأخرجه البخاري (١): عن حجاج بن منهال، وإسحاق عن عبد الصمد.
وعن مسدد (٢) عن يحيى القطان، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء: "كنا مع رسول الله ﵇ فأصابوا حمرًا فذبحوها، فقال رسول الله ﵇: أكفئوا القدور".
وأخرجه مسلم (٣) أيضًا: عن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة نحوه.
قوله: "قالوا" أي هؤلاء القوم، فبين هذا الحديث -أي حديث البراء-: أن تلك الحمر التي ذبحوها كانت نهبة؛ لأنهم أخذوها من الفيء قبل القسمة.
قوله: "قيل لهم. . . إلى آخره" جواب عما قالوا، وهو ظاهر غني عن مزيد البيان.
وفي قوله: "كان لنجاسة لحمها" ما يخدش ما قال أصحابنا: إن لحم الحمار مشكوك وكذا سؤره مشكوك فافهم.
ص: ألا ترى أن رجلاً لو غصب رجلاً شاة فذبحها وطبخ لحمها، أن قدره التي طبخ ذلك فيها لا ينجس، وحكمها في طهارتها حكم ما طبخ فيه لحم غير مغصوب.
فدل ما ذكرنا من أمره إياه بغسلها؛ على نجاسة ما طبخ فيها، على أن الأمر الذي كان منه بطرح ما كان فيها لنجاستها لا لغصبهم إياها.
ش: هذا توضيح لما ذكره من قوله: "فدل أيضًا على أن النهي كان لنجاسة لحمها لا لأنها نهبة ولا لأنها مغصوبة" وهو ظاهر.
ص: وقد رأينا رسول الله ﵇ أمر في شاة غصبت وذبحت فطبخت بخلاف هذا.
стр. 6599
حدثنا فهد، قال: ثنا النفيلي، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا عاصم ابن كليب، عن أبيه، عن رجل -قال: حسبته من الأنصار-: "أنه كان مع رسول الله ﵇ في جنازة، فلقيه رسول امرأة من قريش يدعوه إلى طعام، فجلسنا مجالس الغلمان من آبائهم، فنظر آباؤنا إلى النبي ﵇ وفي يده أكلة، فقال: إن هذا لحم شاة [تخبرني] (١) أنها أخذت بغير حلها، فقامت المرأة فقالت: يا رسول الله، لم يزل يعجبني أن تأكل في بيتي، وإني أرسلت إلى البقيع فلم يوجد فيه شاة، وكان أخي اشترى شاة بالأمس، فأرسل إليَّ أهله بالثمن، فقال: أطعموه الأسارى، فتنزه رسول الله ﵇ عن أكلها، ولم يأمر بطرحها؛ بل أمرهم بالصدقة بها، إذْ أمرهم أن يطعموها الأسارى".
فهذا حكم رسول الله ﵇ في اللحم الحلال إذا غصب فاستهلك، فلو كانت لحوم الحمر الأهلية حلالاً عنده لأمر فيها لما أنتهبت بمثل ما أمر به في هذه الشاة لما غصبت، ولكنه إنما أمر في لحم تلك الحمر بما أمر به لمعنى خلاف المعنى الذي من أجله أمر في لحم هذه الشاة بما أمر به.
ش: أي بخلاف ما ذكر في مسألة الغصب المذكورة بيانه أن المذكور في المسألة المذكورة عدم تنجس القِدْر التي طبخ فيها اللحم المغصوب، وأنها طاهرة على ما كانت عليه، وأن أمر النبي ﵇ من غسل القدر التي طبخ فيها لحم الحمار الأهلي إنما كان لنجاسة اللحم لا لأجل ورود الغصب عليه، والمذكور في هذه المسألة أنه ﵇ أمر بصدقة لحم تلك الشاة، ولم يأمرهم بطرحه، فهذا حكم اللحم الحلال المغصوب، فلو كان لحم الحمار الأهلي حلالاً عند النبي ﵇ لكان أمر فيه وقت النهب والغصب بمثل ما أمر به في لحم الشاة المذكورة، فحيث لم يأمر في ذلك بطرحه بل أمر بصدقته؛ دل على أن الذي أمر به في لحم الحمار الأهلي لمعنى غير المعنى الذي من أجله أمر في لحم الشاة المذكورة، وذلك المعنى هو كون لحم الحمار الأهلي نجسًا؛ فافهم.
стр. 6600
ثم إن حديث عاصم بن كليب عن أبيه، أخرجه بإسناد صحيح عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل النفيلي الحراني شيخ البخاري وأبي داود عن زهير بن معاوية بن حديج أحد أصحاب أبي حنيفة الثقة الثبت، عن عاصم بن كليب الجرمي الكوفي، عن أبيه كليب بن شهاب الجرمي الكوفي، وثقه ابن حبان، عن رجلٍ من الأنصار.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمد بن العلاء قال: ثنا ابن إدريس قال: نا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل من الأنصار قال: "خرجنا مع رسول الله ﵇ في جنازة، فرأيت رسول الله ﵇ وهو على القبر يُوصي الحافر: أوسع من قِبَلِ رجليه، أوسع من قِبَلِ رأسه. فلما رجع استقبله داعي امرأة، فجاء، وجيء بالطعام، فوضع يده، ثم وضع القوم فأكلوا، فنظر آباؤنا ورسول الله ﵇ يلوك لقمةً في فمه، ثم قال: أجد لحم شاةٍ أخذت بغير إذن أهلها، فأرسلت المرأة: يا رسول الله، إني أرسلت إلى البقيع، يشتري لي شاة، فلم أجد، فأرسلت إلى جارٍ لي قد اشترى شاة: أن أرسل بها إليّ بثمنها. فلم يوجد، فأرسلتُ إلى امرأته، فأرسلتْ بها إليّ. فقال رسول الله ﵇: "أطعميه الأساري".
وأخرجه أبو نعيم: من حديث زائدة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه أن رجلاً من الأنصار قال: "خرجنا مع رسول الله ﵇ في جنازة وأنا غلام، فلما رجعنا لقينا داعيَ امرأةٍ من قريش، فقال: يا رسول الله، إن فلانة تدعوك ومن معك على طعام. فانصرف وجلسنا معه، وجيء بالطعام، فوضع النبي ﵇ يده، ووضع القوم أيديهم، فنظر القوم إلى النبي ﵇ فإذا أكلته في فيه لا يُسِيغُها، فكفّوا أيديهم لينظروا ما يصنع، فأخذ اللقم فلفظها، وقال: أجد لحم شاةٍ أُخذت بغير إذن أهلها، أطعموها الأسارى".
قوله: "وفي يده أكلة" بضم الهمزة أي لقمة وفتح الهمزة ها هنا خطأ.
стр. 6601
قوله: "إلى البقيع" بالباء الموحدة، وهو موضع مشهور بالمدينة، وفيه مقبرة أهلها، وفي بعض الروايات: "إلى النقيع" بالنون، وهو موضع حماه رسول الله ﵇ لنعم الفيء وخيل المجاهدين، فلا يرعاه غيرها، وهو موضع قريب من المدينة، كان يستنقع فيه الماء أي يجتمع.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: أنه أصل في الورع، وفيما يلزم الإنسان اجتنابه من الشبهة والريب، ألا ترى أن رسول الله ﵇ كيف تنزه عن أكل تلك الشاة.
الثاني: فيه أن إجابة الدعوة سنة، وإن كان الداعي امرأة.
الثالث: فيه تواضع النبي ﵇ وحسن عشرته مع أصحابه، حيث كان يجيب الداعي سواء كان رجلاً أو امرأة.
الرابع: فيه بيان معجزته؛ فإن لحم الشاة أخبره أن شاته قد أخذت بغير إذن صاحبها.
الخامس: فيه دلالة أن الشيء المأخوذ بغير إذن صاحبه إذا استهلكه الآخذ بأن كان شاة فذبحها أو قمحا فطحنه فإنه لا يطيب له، وإن كان يملكه بالضمان فالورع والتقوى أن يتصدق به، كما أمر النبي بإطعام الشاة المذكورة للأسارى.
السادس: فيه دلالة على أن الشيء المغصوب لا يطرح، ولا يؤمر بطرحه بعد تملكه بالضمان، إذْ لو كان طرحه واجبًا لكان ﵇ أمر بطرح تلك الشاة، فحيث أمر بتصدقها دل على أنها على طهارتها الأصلية.
ص: ألا ترى أن رجلاً لو غصب رجلاً شاة فذبحها وطبخ لحمها أنه لا يؤمر بطرح ذلك -في قول أحد من الناس- فكذلك لحم الحمر الأهلي المذبوحة بخيبر لو كان النبي ﵇ إنما نهى عنها من أجل النهبة التي حكمها حكم الغصب، إذا لما أمرهم بطرح ذلك اللحم ولأمرهم فيه بمثل ما يؤمر به من غصب شاة فذبحها وطبخ لحمها، فلما انتفى أن يكون نهي النبي ﵇ عن أكل لحم الحمر لمعنى من هذه المعاني
стр. 6602
التي ادعاها الذين أباحوا لحمها؛ ثبت أن نهيه ذلك عنها كان لها في أنفسها كما نهى عن كل ذي ناب من السباع، فكان ذلك النهي له في نفسه فلا يباح لأحد خلاف شيء من ذلك.
ش: هذا توضيح لما ذكره من قوله: "فهذا حكم رسول الله ﵇. . . ." إلى آخره.
قوله: "من هذه المعاني" وهي المعاني الثلاثة التي ذكرها الجماعة الذين ذهبوا إلى إباحة لحم الحمر الأهلية.
قوله: "كان لها في أنفسها" يعني كان النهي لمعنى في ذات لحم الحمر الأهلية، وهو نجاستها، كنهيه ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور فإن النهي عنها لكونها نجسة لا لمعنى غير ذلك، فكذلك لحم الحمر الأهلية إنما النهي عن أكلها لكونها نجسة في نفسها، لا لمعنى من المعاني التي ذكرها هؤلاء الجماعة.
ص: فإن رسول الله ﵇ قد قال: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، ما وجدنا فيه من حرام حرمناه، وما وجدنا من حلال أحللناه، ألا وإن ما حرم رسول الله فهو مثل ما حرم الله".
حدثنا بذلك محمَّد بن الحجاج، قال: ثنا أسد، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن الحسن بن جابر، عن المقدام بن معدي كرب الكندي، عن النبي ﵇.
حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا أبو مسهر، ثنا يحيى بن حمزة، قال: حدثني الزبيدي، عن مروان بن رؤبة أنه حدثه عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشى عن المقدام بن معدي كرب الكندي أن رسول الله ﵇ قال: "إني أوتيت الكتاب وما يعدله، يوشك شبعان على أريكته يقول: بيننا وبينكم هذا الكتاب فما كان فيه من حلال حللناه، وما كان فيه من حرام حرمناه، ألا وإنه ليس كذلك، لا يحل ذو ناب من السباع ولا الحمار الأهلي".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي النضر، عن موسى بن عبد الله بن قيس، عن أبي رافع، عن النبي ﵇ (ح).
стр. 6603
وحدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني الليث بن سعد، عن أبي النضر، عن موسى بن عبد الله بن قيس، عن أبي رافع مولى رسول الله ﵇، قال: قال رسول الله ﵇ والناس حوله: "لا أعرفن أحدكم يأتيه الأمر من أمر قد أمرت به أو نهيت عنه، وهو متكئ على أريكته، فيقول: ما وجدناه في كتاب الله عملناه، وإلا فلا".
حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي، قال: ثنا سفيان، عن ابن المنكدر وأبي النضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه وغيره، عن النبي ﵇ أنه قال: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري، ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه".
فحذر رسول الله ﷺ من خلاف أمره كما حذر من خلاف كتاب الله ، فليحذر أن يخالف شيئًا من أمر رسول الله ﵇؛ فيحق عليه ما يحق على مخالفة كتاب الله ، وقد تواترت الآثار عن رسول الله ﵇ في النهي عن لحوم الحمر الأهلية ما قد ذكرنا، ورجعت معانيها إلى ما وصفنا، فليس ينبغي لأحد خلاف شيء من ذلك.
ش: لما بين معاني الأحاديث التي وردت في تحريم لحم الحمر الأهلية، عند كشفها يرجع إلى معنى واحد، وهو أن النهي فيها لمعنى في نفسه لا لعلة أخرى، وأنه إذْ ثبت هذا لا ينبغي لأحد خلاف شيء من ذلك، بيَّن هاهنا أن من خالف نبي الله ﵇ فيما أمر به ونهى عنه، كمن خالف كتاب الله وأشار إلى ذلك بقوله: "فإن رسول الله ﵇" بالفاء تنبيهًا على ذلك، بالفاء التعليلية.
وأخرج في ذلك عن المقدام بن معدي كرب وابن رافع.
أما حديث المقدام فأخرجه من طريقين جيدين:
الأول: عن محمَّد بن الحجاج الحضرمي، عن أسد بن موسى، عن معاوية بن صالح بن حدير قاضي الأندلس، عن الحسن بن جابر اللخمي، عن المقدام بن معدي كرب، عن النبي ﵇.
стр. 6604
وأخرجه الترمذي (١): نا محمَّد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن الحسن بن جابر اللخمي، عن المقدام بن معدي كرب، قال: قال رسول الله ﵇: "ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه، وإن ما حرم رسول الله ﵇ كما حرم الله".
فقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا زيد بن حباب، عن معاوية بن صالح، حدثني الحسن بن جابر، عن المقدام بن معدي كرب الكندي أن رسول الله ﵇ قال: "يوشك الرجل متكئًا على أريكته يُحَدَّثُ بحديث من حديثي يقول: بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني شيخ البخاري في غير "الصحيح"، عن يحيى بن حمزة بن واقد الدمشقي القاضي، عن محمَّد بن الوليد الزبيدي الحمصي عن مروان بن رؤبة التغلبي الحمصي عن عبد الرحمن بن عوف القرشي الحمصي قاضيها عن المقدام بن معدي كرب.
وأخرجه أبو داود (٣): عن عبد الوهاب بن نجدة، عن أبي عمرو بن كثير، عن جرير بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام. . . . إلى آخره نحوه.
قوله: "لا ألفين أحدكم" أي لا أجد وأُلفي، يقال: أَلفَيْت الشيء أُلفِيه إِلْفَاءً إذا وجدته، وصادفته، ولقيته، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ (٤) والنون فيه للتوكيد، و"أحدكم" منصوب لأنه مفعول لقوله: "لا ألفين".
стр. 6605
قوله: "على أريكته" الأريكة السرير في الحجلة من دون ستر، ولا يسمى أريكة، وقيل: هو كل ما أتكئ عليه من سرير أو فراش أو منصة.
قوله: "يوشك" مضارع أوشك وهو من أفعال المقاربة، من أخوات كاد وعسى، ويستعمل منه مضارع واسم فاعل، والمضارع أكثر، وخبره فعل مضارع مقرون بأن غالبًا كعسى وقد يجيء مجردًا عنها على قلة، كما في الحديث المذكور.
وفيه من الأحكام: تعظيم حديث رسول الله ﵇، وتعظيم أوامره ونواهيه.
وفيه: أن ما حرم الله وحرم رسوله سواء وأن تحريم الرسول من تحريم الله.
وفيه: أن مخالفة الرسول كمخالفة الله تعالى.
وأما حديث أبي رافع مولى النبي ﵇ فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب المصري، عن عمرو بن الحارث بن يعقوب المصري، عن أبي النضر -بالنون والضاد المعجمة- سالم بن أبي أمية القرشي التيمي المدني، عن موسى بن عبد الله بن قيس، عن أبي رافع إبراهيم -أو أسلم- مولى النبي ﵇.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": ثنا أسامة بن يزيد، ثنا حماد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن سالم المكي، عن موسى بن عبد الله بن قيس، عن أبي رافع قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "ألا لا أعرفن ما بلغ أحدكم عني الحديث من حديثي أمرت أو نهيت، فيقول وهو متكئ على أريكته: هذا القرآن فما وجدناه اتبعناه وما لم نجده فلا حاجة لنا به".
الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن الليث بن سعد، عن أبي النضر سالم. . . . إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا مطلب بن شعيب الأزدي، ثنا عبد الله بن
стр. 6606
صالح، حدثني الليث، عن أبي النضر، عن موسى بن عبد الله بن قيس، عن أبي رافع مولى رسول الله ﵇ قال: قال رسول الله ﵇ والناس حوله: "لا أعرفن أحدكم يأتيه أمر من أمري وهو متكئ على أريكته، يقول: ما وجدنا في كتاب الله عملنا به".
الثالث: عن عيسى بن إبراهيم الغافقي المصري، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن المنكدر وأبي النضر سالم، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه وغيره، عن النبي ﵇.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن المنكدر وسالم أبي النضر، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي رافع وغيره، رفعه قال: "لا ألفين أحد متكئًا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه".
قال: أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وروى بعضهم عن سفيان، عن محمَّد بن المنكدر، عن النبي ﵇ مرسل.
وسالم أبي النضر عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن النبي ﵇.
وكان ابن عيينة إذا روى هذا الحديث على الانفراد بَيَّن حديث محمَّد بن المنكدر من حديث سالم أبي النضر، وإذا جمعهما روى هكذا.
وأخرجه أبو داود (٢): عن أحمد بن حنبل والنفيلي، عن سفيان، عن أبي النضر، عن عبيد الله بن أبي نافع، عن أبيه، به.
وأخرجه ابن ماجه (٣): عن نصر بن علي الجهضمي، عن ابن عيينة، عن سالم أبي النضر -أو زيد بن أسلم- عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، نحوه.
стр. 6607
ص: فإن قال قائل: فقد رويتم عن ابن عباس إباحتها وما احتج به في ذلك من قول الله : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ (١) الآية.
قيل له: ما قاله رسول الله ﵇ من ذلك فهو أولى مما قاله ابن عباس، وما قاله رسول الله ﵇ فهو مستثنى من الآية، على هذا ينبغي أن يحمل ما جاء عن رسول الله ﷺ ، هذا المجيء المتواتر في الشيء المقصود إليه بعينه مما قد أنزل الله في كتابه آية مطلقة على ذلك الجنس، فيجعل ما جاء عن رسول الله ﵇ من ذلك مستثنى من تلك الآية غير مخالف لها حتى لا [يُضَادَ] (٢) القرآن والسنة، ولا السنة القرآن.
فهذا حكم لحوم الحمر الأهلية من طريق تصحيح الآثار، ولو كان [إلى] (٣) النظر لكان [لحوم] (٤) الحمر الأهلية حلالا، وكان ذلك كحكم الحمر الوحشية؛ لأن كل صنف قد حرم إذا كان أهليًّا، مما قد أجمع على تحريمه، فقد حرم إذا كان وحشيا، ألا ترى أن لحم الخنزير الوحشي كلحم الخنزير الأهلي، فكان النظر على ذلك أيضًا إذا كان الحمار الوحشي لحمه حلالًا أن يكون كذلك الحمار الأهلي، ولكن ما جاء عن رسول الله ﵇ أولى ما اتبع، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: هذا السؤال من جهة أهل المقالة الأولى القائلين بإباحة لحم الحمر الأهلية، تقريره أن يقال: إنكم قد رويتم عن ابن عباس إباحة لحم الحمر الأهلية وما احتج به فيما ذهب إليه من ذلك من قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (٥) الآية، وقد مضى هذا في حديث الحكم بن عمرو الغفاري، ولا شك أن الآية أقوى في الاستدلال وأقطع في الاحتجاج.
стр. 6608
وتقرير الجواب أن يقال: ما قاله الرسول ﵇ من الأحاديث المحرمة للحمر الأهلية أولى من قول ابن عباس، بإباحتها مستدلا بالآية المذكورة، لأن الاستدلال بالآية على إباحة لحوم الحمر الأهلية لا يصح؛ بيان ذلك: أن طاوس بن كيسان، ذكر أن الجاهلية كانوا يستحلون أشياء ويحرمون أشياء، فقال الله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (١) مما تستحلون ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ (١) الآية وسياقه المحاج به يدل على ما قاله طاوس؛ لأن الله تعالى قد ذكر ما كانوا يحرمون من الأنعام، وذمهم على تحريم ما أحله وعنفهم، وأبان به عن جهلهم؛ لأنهم حرموه بغير حجة ثم عطف عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (١) يعني مما تحرمونه إلا ما ذكر وإذا كان تقدير الآية كذلك لم يجر الاستدلال بها على إباحة ما خرج عن الآية.
فإن قيل: قد ذكر في أول المائدة تحريم المنخنقة والموقوذة وما ذكر معها وهي خارجة عن هذه الآية.
قلت: المنخنقة وما ذكر معها داخلة في الميتة، أو نقول: إن سورة الأنعام مكية فيجوز أن لا يكون حرم في ذلك الوقت إلا ما قد ذكر في هذه الآية وسورة المائدة مدنية وهي آخر ما نزل من القرآن.
فإن قيل: الأحاديث التي وردت في تحريم لحوم الحمر الأهلية أخبار آحاد، والعمل بها يوجب نسخ الآية المحكمة وهو لا يجوز.
قلت: قد خصت من هذه الآية أشياء كثيرة بالتحريم غير مذكورة فيها كالنجاسات والحمر ولحم القردة فحينئذ يجوز تخصيصها بأخبار الآحاد ويجوز استعمال القياس أيضًا في مثل هذا.
قوله: "ولو كان النظر. . . ." إلى آخره. إشارة إلى أن النظر والقياس لو كان له دخل في هذ الباب لكان أكل لحم الحمر الأهلية حلالًا كالحمر الوحشية، ولكن اتباع
стр. 6609
الأخبار أولى وأحق وليس للنظر حكم عند قيام الخبر، ثم الحمار الوحشي لا خلاف فيه لأحد أنه مباح واختلف في الحمار الوحشي إذا دجن فقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح والشافعي: إذا دجن الحمار الوحشي وأَلِفَ أنه جائز أكله.
وقال ابن القاسم عن مالك: إذا دجن الحمار الوحشى وصار يحمل عليه كما يحمل عليه على الأهلي فإنه لا يؤكل.
стр. 6610
ص: باب أكل لحم الفرس
ش: أي هذا باب في بيان أكل لحم الفرس هل يجوز أم لا؟
واشتقاق الفرس من الفَرْس وهو الكسر والدقّ ومنه فرس الأسد فريسته يَفْرِسُها فرسًا، وافترسها أي دق عنقها.
قال الجوهري: وأصل الفرس هذا، ثم استعمل حتى صير كل خيل فرسًا، وقد نهي عن الفرس في الذبح وهو كسر عظم الرقبة قبل أن يبرد.
ثم الفرس يقع على الذكر والأنثى، ولا يقال للأنثى فرسة، ويجمع على أفراس، وراكبه فارس مثل لابن وتامر، أي صاحب فرس، ويجمع على فوارس، وهو شاذ لا يقاس عليه؛ لأن فواعل جمع فاعلة.
وذكر أبو عبيدة في كتاب "الديباجة" في صفات الخيل أنها جماعة الأفراس لا واحد له من لفظه.
وقيل: واحدها خايل لأنه يختال في مشيته.
وقال ابن سيدة في "المخصص": هو على هذا الاسم للجمع عند سيبويه، وجمع عند أبي الحسن، وقال في "المحكم": وليس هذا بمعروف وقول أبي ذؤيب فتنازلا وتواقف خيلاهما وكلاهما يبطل اللقاء مخدع ثناها على قولهم: هما لقاحان أسودان وحمالان والجمع أخيال وخيول.
الأول: عن ابن الأعرابي، والأخرى أشهر وأعرف.
ص: حدثنا ربيع الجيزى، قال: ثنا نعيم (ح). وحدثنا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: ثنا يزيد بن عبد ربه وخالد بن خلي، قالوا: ثنا بقية بن الوليد، عن ثور بن يزيد، عن صالح بن يحيى بن المقدام، عن أبيه، عن جده، عن خالد بن الوليد ﵁ أن رسول الله ﵇ نهى عن لحوم الخيل والبغال والحمير.
ش: هذان طريقان:
стр. 6611
الأول: عن ربيع بن سليمان الجيزى الأعرج شيخ أبي داود والنسائي، عن نعيم بن حماد المروزي الفارض الأعور شيخ البخاري في المقرنات، وثقة يحيى وأحمد، عن بقية بن الوليد بن صائد الكلاعي الحمصي، قال العجلي: ثقة فيما روى عن المعروفين. قال الذهبي: قال غير واحد: كان مدلسًا فإذا قال: "عن" فليس بحجة. روى له البخاري مستشهدا ومسلم في المتابعات.
عن ثور بن يزيد الكلاعي الحمصي روى له الجماعة سوى مسلم، عن صالح بن يحيى بن المقدام الكندي الشامي، وثقة ابن حبان وروى له هؤلاء.
عن أبيه يحيى بن المقدام الكندي الحمصي، وثقة ابن حبان وروى له هؤلاء.
عن جده المقدام بن معدي كرب الكندي الصحابي، عن خالد بن الوليد ﵁.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا سعيد بن شبيب وحيوة بن شريح -قال حيوة-: ثنا بقية، عن ثور بن يزيد، عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب، عن أبيه، عن جده، عن خالد بن الوليد: "أن رسول الله ﵇ نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير -زاد حيوة- وكل ذي ناب من السباع.
الثاني: عن عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الحافظ الكبير، شيخ أبي داود والطبراني، عن يزيد بن عبد ربه الزبيدى الحمصي المؤذن، قال يحيى: ثقة صاحب حديث روى له مسلم والنسائي وابن ماجه.
عن خالد بن حلي الكلاعي الحمصى القاضي قال البخاري: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وروى له، وكلاهما يرويان عن بقية بن الوليد. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٢) وابن ماجه (٣).
стр. 6612
فإن قيل: ما حكم هذا الحديث؟
قلت: صحيح ولهذا لم يتعرض إليه أبو داود غير قوله: وهذا منسوخ.
وقال النسائي: ويشبه إن كان هذا صحيحًا أن يكون منسوخًا؛ لأن قوله: "أذن في لحوم الخيل"، دليل على ذلك.
وقال البيهقي: هذا الحديث لا يثبت، وأخرجه من الطريق المذكور.
ثم أخرجه من طريق آخر من حديث الدارقطني وفيه: "نهي يوم خيبر" ثم قال: ورواه محمَّد بن حمير، عن ثور، عن صالح، سمع حده المقدام.
ورواه عمر بن هارون البلخي، عن ثور، عن يحيى بن المقدام، عن أبيه، عن خالد. فهذا إسناده مضطرب.
ثم ذكر عن البخاري أنه قال: صالح بن يحيى فيه نظر. وعن موسى بن هارون قال: لا يعرف صالح بن يحيى ولا أبوه إلا بجده، وهذا ضعيف.
قال: وزعم الواقدي أن خالدًا أسلم بعد فتح خيبر.
قلت: قد ذكرنا أن أبا داود سكت عنه، فهو حسن عنده، وقد صرح النسائي في روايته بتحديث بقية عن ثور فقال: أنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرني بقية، أخبرني ثور بن يزيد، عن صالح. . . . إلى آخره.
وعن العجلي: أن بقية ثقة يروي عن المعروفين. وثور بن يزيد أخرج له البخاري وغيره.
وأيضًا فبقية إذا خرج بالحديث عن ثقة كان السند حجة، وبقية الرواية ثقات.
وأما خالد ﵁ فقد اختلف في وقت إسلامه، فقيل: بعد الحديبية، وقيل: بل كان إسلامه بين الحديبية وخيبر، وقيل: بل كان إسلامه سنة خمس بعد فراغ رسول الله ﵇ من بني قريظة، وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وخيبر بعدها سنة سبع.
стр. 6613
ولو سُلّم أنه أسلم بعد خيبر فغاية ما فيه أنه أرسل الحديث، ومراسيل الصحابة ﵁ في حكم الموصول المسند لأن روياتهم عن الصحابة كما ذكره ابن الصلاح وغيره.
وأما إثبات الاضطراب في الحديث بعمر بن هارون ومحمد بن حمير فغير مقبول؛ لأن عمر بن هارون متروك ومحمد بن حمير ضعيف، قال يعقوب بن سفيان: ليس بالقوى فكيف توجب رواية مثل هذين اضطرابًا لما رواه إسحاق بن راهوية وغيره عن بقية؟! فافهم.
ص: قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى هذا فكرهوا لحوم الخيل، وممن ذهب إلى ذلك: أبو حنيفة ﵁، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراء بالقوم هؤلاء: مجاهدًا والحسن البصري والحكم بن عتيبة والأوزاعي ومالكًا، فإنهم كرهوا لحوم الخيل، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث -يعني حديث خالد بن الوليد ﵁ وروي ذلك عن ابن عباس أيضًا.
فقال الإسماعيلي: نا حامد بن محمد بن شعيب، ثنا سريج بن يونس، نا إسماعيل عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن مولى نافع بن علقمة: "أن ابن عباس كان يكره لحوم الخيل".
وهذا إسناد صحيح.
فإن قيل: قال ابن حزم: ما نعلم أحدًا من السلف كره أكل لحم الخيل إلا رواية عن ابن عباس لا تصح؛ لأنها عن مولى نافع بن علقمة وهو مجهول.
قلت: قد جاءت هذه الرواية عن ابن عباس من غير هذا الطريق.
قال أبو بكر بن أبي شيبة (١): ثنا وكيع وعلى بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير: "أن ابن عباس كان يكره لحم الخيل".
стр. 6614
وروى ابن حزم من طريق عكرمة بن عمارة، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر: "نهى رسول الله ﵇ عن لحوم الحمر الأهلية والخيل والبغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير، وحرم المجثمة".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا لا بأس بأكل لحوم الخيل (١) واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله قال: "كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله ﵇".
حدثنا فهد، قال: ثنا الأصبهاني: قال: أنا شريك، عن عبد الكريم ووكيع، عن سفيان، عن عبد الكريم. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن امرأته فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: "نحرنا فرسًا على عهد رسول الله ﵇ فأكلناه".
وفي هذا الباب آثار قد دخلت في باب النهي عن لحوم الحمر الأهلية فأغنانا ذلك إعادتها.
فذهب قوم إلى هذه الآثار، فأجازوا أكل لحوم الخيل، وممن ذهب إلى ذلك: أبو يوسف ومحمد، واحتجوا في ذلك بتواتر الآثار في ذلك وتظاهرها، ولو كان ذلك مأخوذا من طريق النظر لما كان بين الخيل الأهلية والحمر الأهلية فرق، ولكن الآثار عن النبي ﵇ إذا صحت وتواترت أولى أن يقال بها مما يوجبه النظر ولاسيما وقد أخبر جابر بن عبد الله في حديثه أن رسول الله ﵇ أباح لحم لحوم الخيل في وقت منعه إياهم من لحوم الحمر، فدل ذلك على اختلاف حكم لحمها.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وإبرهيم النخعي والثوري والشافعي وطاوس ومحمدًا وأحمد
стр. 6615
وإسحاق، فإنهم قالوا: لا بأس بأكل لحوم الخيل، واحتجوا في ذلك بحديث جابر وأسماء بنت أبي بكر ﵃.
وأخرج حديث جابر من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى عن علي بن معبد بن شداد الرقي نزيل مصر، عن عبد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الكريم بن مالك الجزري الحراني عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه البيهقي (١): نحوه من حديث الثوري عن عبد الكريم، عن عطاء بن جابر.
وأخرج البخاري (٢): عن مسدد، عن حماد، عن عمرو بن دينار، عن محمَّد ابن علي، عن جابر: "نهى النبي ﵇ يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل".
وأخرجه مسلم (٣): عن يحيى بن يحيى، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه النسائي (٤): عن حسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، عن حسين ابن واقد، عن ابن أبي نجيج، عن عطاء، عن جابر قال: "أطعمنا رسول الله ﵇ يوم خيبر لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله، عن عبد الكريم، عن عطاء.
وقال ابن الأصبهاني أيضًا: عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن عبد الكريم، عن عطاء.
стр. 6616
وأخرجه النسائي (١): عن ابن مثنى، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن عطاء، عن جابر قال: "كنا نأكل لحم الخيل، قلت البغال؟ قال: لا".
وأما حديث أسماء: فأخرجه بإسناد صحيح، عن محمد بن عمرو، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، عن امرأته فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵃.
وأخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣): من حديث هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "أكلنا لحم فرس على عهد النبي ﵇ بالمدينة".
وروى الشافعي (٤): عن سفيان، عن هشام، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء قالت: "نحرنا فرسًا على عهد النبي ﵇ فأكلناه".
وقال الدارقطني: روي عن أيوب، عن هشام، عن أسماء مرسل، لم يذكر فاطمة بنت المنذر.
ورواه منجاب، عن شريك، عن هشام، عن أبيه، عن فاطمة بنت المنذر قالت: "أكلنا فرسًا على عهد رسول الله ﵇".
ووهم في موضعين: اسقط أسماء بنت أبي بكر، وقال: عن أبيه، عن أسماء، والصواب هشام، عن فاطمة، عن أسماء.
قوله: "وفي هذا الباب آثار" أشار بهذا إلى أحاديث أخرجها في جواز أكل لحوم الخيل عن جابر وغيره في باب "أكل لحوم الحمر الأهلية" فاستغنى بذكرها هناك عن إعادتها هاهنا خوفًا من التكرار بلا فائدة.
стр. 6617
قوله: "بتواتر الآثار" أي تكاثرها وتظاهرها، ولم يرد به التواتر المصطلح عليه.
قوله: "ولو كان ذلك مأخوذا من طريق النظر" أي ولو كان حكم أكل لحوم الخيل مأخوذًا من طريق القياس، لكان الخيل كالحمير في حكم الأكل، وفيه مناقشة؛ لأنه قال في الباب السابق: ولو كان النظر لكان الحمر الأهلية حلالًا كالحمر الوحشية، ولكن اتباع ما جاء عن الرسول ﵇ أولى من ذلك، فوجه النظر هناك اقتضى إباحة أكل لحوم الحمر الأهلية، فقوله هاهنا: لما كان بين الخيل الأهلية والحمر الأهلية فرق يقتضي أن لا تؤكل الخيل كالحمر الأهلية، وهذا يناقض الكلام الأول. فافهم.
стр. 6618
ص: كتاب الكراهة
ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الكراهة، والكراهة: مصدر من كَرِهْتُ الشيء أَكْرَهُهُ كَرَاهة وكراهية، فهو شيء كريه ومكروه، وإنما عَبَّر بهذا؛ لأن فيه بيان ما يكره من الأفعال، وما لا يكره.
* * *
ص: باب حلق الشارب
ش: أي هذا باب في بيان حلق الشارب، وأراد بالحلق: الإحفاء، يقال: أحفى شعره إذا استأصله حتى يصير كالحلق، ولما كان إحفاء الشارب أفضل من قصه عَبَّر [في] (١) الباب بالحلق دون القص.
ص: حدثنا محمَّد بن الحجاج الحضرمي، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة (ح).
وحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : "الفطرة عشرة. . . ." فذكر قص الشارب.
ش: هذان طريقان:
الأول: عن محمَّد بن الحجاج الحضرمي، عن خالد بن عبد الرحمن الخرساني شيخ يحيى بن معين، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان المكفوف البصري، عن سلمة بن محمَّد بن عمار بن ياسر المدني، عن جده عمار بن ياسر ﵁.
стр. 6619
وأخرجه أبو داود (١): نا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب، قالا: ثنا حماد عن علي بن زيد، عن سلمة بن محمَّد بن عمار بن ياسر -قال موسى: عن أبيه، وقال داود: عن عمار بن ياسر- أن رسول الله ﵇ قال: "إن من الفطرة: المضمضة والاستنشاق. . . ." الحديث.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا سهل بن أبي سهل ومحمد بن يحيى، قالا: ثنا أبو الوليد، ثنا حماد، عن علي بن زيد، عن سلمة بن محمَّد بن عمار بن ياسر، عن عمار بن ياسر أن رسول الله ﵇ قال: "من الفطرة: المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط والاستحداد وغسل البراجم والانتضاح والاختتان".
فإن قيل: ما حكم هذا الحديث؟
قلت: منقطع، قاله البخاري؛ لأن سلمة بن محمَّد لا يعرف له سماع من عمار، وقال غيره: لم يَرَ جَدَّه عمار بن ياسر.
ووقع في رواية أبي داود: عن موسى بن إسماعيل المنقري، عن حماد، عن علي بن زيد، عن سلمة بن محمَّد، عن أبيه.
وقال أبو داود: حديث سلمة بن محمَّد عن أبيه مرسل؛ لأن أباه ليست له صحبة، وكذا قال ابن معين.
وقال الذهبي: سلمة بن محمَّد صدوق في نفسه، روايته عن جده مرسلة، روى عنه علي بن زيد بن جدعان وحده. وقال ابن حبان: لا يحتج به.
стр. 6620
قوله: "الفطرة" أراد بها السنة، يعني أن هذه الخصال العشرة من خصال الأنبياء ﵇ التي أُمرنا أن نقتدي بهم فيها، ثم قوله: "الفطرة عشرة" لا يدل على الحصر، وكذا قوله في رواية أبي هريرة: "الفطرة خمس" لأن السنن كثيرة، من جملتها هذه العشرة، غاية ما في الباب أن هذه الخصال العشر التي هي الفطرة هي فطرة الأنبياء ﵇ الذين أمرنا أن نقتدي بهم، لقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١) وأول من أُمر بها إبراهيم ﵇ وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ (٢) قال ابن عباس: أمره بعشر خصال ثم عدهن فلما فعلهن قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (٢) ليقتدى بك، وقد أُمرت هذه الأمة بمتابعته خصوصًا؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٣).
ويقال أيضًا: كانت عليه فرضًا وهي لنا سنة.
قوله: "فذكر قص الشارب" القص من قصصت الشعر قطعته، ومنه طير مقصوص الجناح، ويستحب في القص أن يبدأ بالجانب الأيمن، وهو مخير بين القص بنفسه، وبين أن يولي ذلك غيره؛ لحصول المقصود، بخلاف الإبط والعانة.
وأما حد ما يقصه: فالمختار أن يقص حتى تبدو أطراف الشفة ولا يحفه من أصله، وأما روايات: "أحفوا الشوارب" فمعناه أحفوا ما طال على الشفتين.
وذكر أصحابنا أنه يقطع إلى أن يبقى قدر حاجبه، وسيجيء مزيد الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا وكيع، عن زكريا، عن مصعب ابن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﵁، عن رسول الله ﵇ مثله.