وأخرجه النسائي (١): عن ابن مثنى، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن عبد الكريم، عن عطاء، عن جابر قال: "كنا نأكل لحم الخيل، قلت البغال؟ قال: لا".
وأما حديث أسماء: فأخرجه بإسناد صحيح، عن محمد بن عمرو، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، عن امرأته فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵃.
وأخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣): من حديث هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: "أكلنا لحم فرس على عهد النبي ﵇ بالمدينة".
وروى الشافعي (٤): عن سفيان، عن هشام، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء قالت: "نحرنا فرسًا على عهد النبي ﵇ فأكلناه".
وقال الدارقطني: روي عن أيوب، عن هشام، عن أسماء مرسل، لم يذكر فاطمة بنت المنذر.
ورواه منجاب، عن شريك، عن هشام، عن أبيه، عن فاطمة بنت المنذر قالت: "أكلنا فرسًا على عهد رسول الله ﵇".
ووهم في موضعين: اسقط أسماء بنت أبي بكر، وقال: عن أبيه، عن أسماء، والصواب هشام، عن فاطمة، عن أسماء.
قوله: "وفي هذا الباب آثار" أشار بهذا إلى أحاديث أخرجها في جواز أكل لحوم الخيل عن جابر وغيره في باب "أكل لحوم الحمر الأهلية" فاستغنى بذكرها هناك عن إعادتها هاهنا خوفًا من التكرار بلا فائدة.
стр. 6617
قوله: "بتواتر الآثار" أي تكاثرها وتظاهرها، ولم يرد به التواتر المصطلح عليه.
قوله: "ولو كان ذلك مأخوذا من طريق النظر" أي ولو كان حكم أكل لحوم الخيل مأخوذًا من طريق القياس، لكان الخيل كالحمير في حكم الأكل، وفيه مناقشة؛ لأنه قال في الباب السابق: ولو كان النظر لكان الحمر الأهلية حلالًا كالحمر الوحشية، ولكن اتباع ما جاء عن الرسول ﵇ أولى من ذلك، فوجه النظر هناك اقتضى إباحة أكل لحوم الحمر الأهلية، فقوله هاهنا: لما كان بين الخيل الأهلية والحمر الأهلية فرق يقتضي أن لا تؤكل الخيل كالحمر الأهلية، وهذا يناقض الكلام الأول. فافهم.
стр. 6618
ص: كتاب الكراهة
ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الكراهة، والكراهة: مصدر من كَرِهْتُ الشيء أَكْرَهُهُ كَرَاهة وكراهية، فهو شيء كريه ومكروه، وإنما عَبَّر بهذا؛ لأن فيه بيان ما يكره من الأفعال، وما لا يكره.
* * *
ص: باب حلق الشارب
ش: أي هذا باب في بيان حلق الشارب، وأراد بالحلق: الإحفاء، يقال: أحفى شعره إذا استأصله حتى يصير كالحلق، ولما كان إحفاء الشارب أفضل من قصه عَبَّر [في] (١) الباب بالحلق دون القص.
ص: حدثنا محمَّد بن الحجاج الحضرمي، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا حماد بن سلمة (ح).
وحدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ : "الفطرة عشرة. . . ." فذكر قص الشارب.
ش: هذان طريقان:
الأول: عن محمَّد بن الحجاج الحضرمي، عن خالد بن عبد الرحمن الخرساني شيخ يحيى بن معين، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان المكفوف البصري، عن سلمة بن محمَّد بن عمار بن ياسر المدني، عن جده عمار بن ياسر ﵁.
стр. 6619
وأخرجه أبو داود (١): نا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب، قالا: ثنا حماد عن علي بن زيد، عن سلمة بن محمَّد بن عمار بن ياسر -قال موسى: عن أبيه، وقال داود: عن عمار بن ياسر- أن رسول الله ﵇ قال: "إن من الفطرة: المضمضة والاستنشاق. . . ." الحديث.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا سهل بن أبي سهل ومحمد بن يحيى، قالا: ثنا أبو الوليد، ثنا حماد، عن علي بن زيد، عن سلمة بن محمَّد بن عمار بن ياسر، عن عمار بن ياسر أن رسول الله ﵇ قال: "من الفطرة: المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط والاستحداد وغسل البراجم والانتضاح والاختتان".
فإن قيل: ما حكم هذا الحديث؟
قلت: منقطع، قاله البخاري؛ لأن سلمة بن محمَّد لا يعرف له سماع من عمار، وقال غيره: لم يَرَ جَدَّه عمار بن ياسر.
ووقع في رواية أبي داود: عن موسى بن إسماعيل المنقري، عن حماد، عن علي بن زيد، عن سلمة بن محمَّد، عن أبيه.
وقال أبو داود: حديث سلمة بن محمَّد عن أبيه مرسل؛ لأن أباه ليست له صحبة، وكذا قال ابن معين.
وقال الذهبي: سلمة بن محمَّد صدوق في نفسه، روايته عن جده مرسلة، روى عنه علي بن زيد بن جدعان وحده. وقال ابن حبان: لا يحتج به.
стр. 6620
قوله: "الفطرة" أراد بها السنة، يعني أن هذه الخصال العشرة من خصال الأنبياء ﵇ التي أُمرنا أن نقتدي بهم فيها، ثم قوله: "الفطرة عشرة" لا يدل على الحصر، وكذا قوله في رواية أبي هريرة: "الفطرة خمس" لأن السنن كثيرة، من جملتها هذه العشرة، غاية ما في الباب أن هذه الخصال العشر التي هي الفطرة هي فطرة الأنبياء ﵇ الذين أمرنا أن نقتدي بهم، لقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (١) وأول من أُمر بها إبراهيم ﵇ وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ (٢) قال ابن عباس: أمره بعشر خصال ثم عدهن فلما فعلهن قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ (٢) ليقتدى بك، وقد أُمرت هذه الأمة بمتابعته خصوصًا؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٣).
ويقال أيضًا: كانت عليه فرضًا وهي لنا سنة.
قوله: "فذكر قص الشارب" القص من قصصت الشعر قطعته، ومنه طير مقصوص الجناح، ويستحب في القص أن يبدأ بالجانب الأيمن، وهو مخير بين القص بنفسه، وبين أن يولي ذلك غيره؛ لحصول المقصود، بخلاف الإبط والعانة.
وأما حد ما يقصه: فالمختار أن يقص حتى تبدو أطراف الشفة ولا يحفه من أصله، وأما روايات: "أحفوا الشوارب" فمعناه أحفوا ما طال على الشفتين.
وذكر أصحابنا أنه يقطع إلى أن يبقى قدر حاجبه، وسيجيء مزيد الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا وكيع، عن زكريا، عن مصعب ابن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﵁، عن رسول الله ﵇ مثله.
стр. 6621
ش: إسناده صحيح، والحماني هو يحيى بن عبد الحميد الكوفي.
وزكريا هو ابن أبي زائدة، روى له الجماعة.
ومصعب بن شيبة بن جبير القرشي العبدري المكي روى له الجماعة سوى البخاري.
وطلق بن حبيب العنزي البصري أحد مشايخ أبي حنيفة، روى له الجماعة -البخاري في غير الصحيح- وفيه رواية صحابي عن صحابية.
وأخرجه الجماعة غير البخاري.
فقال مسلم (١): ثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالوا: ثنا وكيع، عن زكرياء بن أبي زائدة، عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "عشر من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء" قال زكريا: قال مصعب: "ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة" وزاد قتيبة: قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء".
وقال أبو داود (٢): ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا وكيع، عن زكرياء بن أبي زائدة. . . . إلى آخره نحوه.
وقال الترمذي (٣): ثنا قتيبة وهناد، عن وكيع، عن زكرياء بمعناه، وقال: حسن.
وقال النسائي (٤): أنا إسحاق بن إبراهيم، عن وكيع، بإسناده نحوه.
وقال ابن ماجه (٥): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا وكيع. . . . إلى آخره.
стр. 6622
ص: حدثنا عبد الغني بن رفاعة بن أبي عقيل، ويونس، قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة عن رسول الله ﵇ أنه قال: "الفطرة خمس. . . ." ثم ذكر مثله.
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا عبد الغني.
ويونس الأول هو: ابن عبد الأعلى شيخ مسلم، والثاني هو: ابن يزيد الأيلي. وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري.
وأخرجه مسلم (١): نا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب جميعًا عن سفيان -قال أبو بكر: ثنا ابن عيينة- عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "الفطرة خمس -أو خمس من الفطرة-: الختان والاستحداد وتقليم الأظفار ونتف الإبط وقص الشارب".
حدثني (٢) أبو الطاهر وحرملة بن يحيى، قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "الفطرة خمس: الاختتان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط".
وأخرجه البخاري (٣) في اللباس: عن أحمد بن يونس.
وفي الاستئذان (٤): عن يحيى، عن قزعة، كلاهما عن إبراهيم بن سعيد.
وفي "اللباس" (٥): عن علي بن المديني عن ابن عيينة كلاهما عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة.
стр. 6623
ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا المسعودي، عن أبي عون الثقفي، عن المغيرة بن شعبة: "أن رسول الله ﵇ رأى رجلًا طويل الشارب فدعاه النبي ﵇ ثم دعا بسواك وبشفرة فقص شارب الرجل على عود السواك".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا المسعودي، قال: ثنا محمَّد بن عبيد الله، عن المغيرة بن شعبة: "أن رجلًا أتى النبي ﵇ طويل الشارب فدعا النبي ﵇ بسواك ثم دعا بشفرة فقص شارب الرجل على سواك".
حدثنا بكار، قال: ثنا إبراهيم بن أبي الوزير (ح).
وحدثنا محمَّد بن خزيمة قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قالا: ثنا سفيان، عن مسعر، عن أبي صخرة جامع بن شداد المحاربي، عن المغيرة بن عبد الله، عن المغيرة بن شعبة قال: "أخذ رسول الله ﵇ من شاربي على سواك".
ش: هذه أربع طرق صحاح:
الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي وثقه أبو حاتم، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، عن أبي عون الثقفي محمَّد بن عبيد الله بن سعيد الثقفي الأعور الكوفي، روى له الجماعة إلا ابن ماجه.
الثاني: عن محمد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء الغداني شيخ البخاري عن المسعودي. . . . إلى آخره.
الثالث: عن بكار بن قتيبة القاضي، عن إبراهيم بن أبي الوزير، وهو إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي المكي، عن سفيان بن عيينة، عن مسعر بن كدام، عن أبي صخرة جامع بن شداد المحاربي، عن المغيرة بن عبد الله اليشكري الكوفي، عن المغيرة بن شعبة. . . . إلى آخره.
стр. 6624
وأخرجه أبو داود (١) بأتم منه: ثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن سليمان الأنباري -المعني- قالا: نا وكيع، عن مسعر، عن أبي صخرة جامع بن شداد، عن المغيرة بن عبد الله، عن المغيرة بن شعبة قال: "ضفت النبي ﵇ ذات ليلة، فأمر بجنب فشوى، وأخذ الشفرة فجعل يجز لي بها منه، قال: فجاء بلال فآذنه بالصلاة، قال: فألقى الشفرة وقال: ما له تربت يداه؟! وقام يصلي -زاد الأنباري: وكان شاربي وفيًّا فقصه على سواك، أو قال: أقصه لك على سواك؟ ".
وأخرجه الترمذي (٢) وابن ماجه (٣).
الرابع: عن محمَّد بن خزيمة، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان بن عيينة. . . . إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٤): عن وكيع، عن مسعر، عن أبي صخرة. . . . إلى آخره نحوه.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم من أهل المدينة إلى هذه الآثار، واختاروا لها قص الشارب على إحفائه.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: سالمًا وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وجعفر ابن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ فإنهم ذهبوا إلى هذه الآثار، وقالوا: المستحب هو أن يختار قص الشارب على إحفائه.
وإليه ذهب أيضًا حميد بن هلال والحسن البصري ومحمد بن سيرين وعطاء
стр. 6625
ابن أبي رباح وبكر بن عبد الله ونافع بن جبير وعراك بن مالك، وهو مذهب مالك أيضًا.
وقال عياض: ذهب كثير من السلف إلى منع الحلق والاستئصال في الشارب، وقاله مالك أيضًا، وكان يرى حلقه مثلة، ويأمر بأدب فاعله، وكان يكره أن يأخذ من أعلاه، والمستحب أن يأخذ منه حتى يبدو الإطار وهو طرف الشفة.
وذهب بعضهم إلى أنه مخير بين القص والاستئصال.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل يستحب إحفاء الشوارب، ونراه أفضل من قصها.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم جمهور السلف، منهم أهل الكوفة ومكحولٌ ومحمد بن عجلان ونافع مولى ابن عمر وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد؛ فإنهم قالوا: يستحب إحفاء الشوارب وهو أفضل من قصها، وروي ذلك عن فعل عبد الله بن عمر وأبي سعيد الخدري ورافع بن خديج، وسلمة بن الأكوع وجابر بن عبد الله وأبي أسيد وعبد الله بن عمرو، ذكر ذلك كله ابن أبي شيبة (١) بإسناده إليهم.
وقال عياض: وأما الشارب فذهب كثير من السلف إلى استئصاله وحلقه لظاهر قوله: "أحفوا" و"أنهكوا" وهو قول الكوفيين.
ثم "الإحفاء" مصدر من قولهم: أحفى شاربه؛ إذا استقصى في أخذه، وألزق جزه. قاله الجوهري.
وقال الخطابي: الإحفاء بمعنى الاستقصاء، يقال: أحفى شاربه ورأسه.
وقال ابن دريد: حفى شاربه يحفوه حفوًا، إذا استأصل آخر شعره، قال: ومنه قوله: "أحفوا الشوارب".
стр. 6626
قلت: حاصل الكلام أن الإحفاء هو أن يأخذ من شاربه حتى يصير مثل الحلق، وأما الحلق بعينه فلم يرد، وقد كرهه بعض العلماء، فعلم من ذلك أن القص هو أن يأخذ منه شيئًا، والإحفاء أن يستأصله، وإن كان ابن عمر ﵄ كان يحفي حتى يُرَى جلده على ما يجيء إن شاء الله تعالى.
فعل هذا كل إحفاء قص، وليس كل قص إحفاء، دليل ذلك ما قاله عياض: إن هؤلاء الذين ذهبوا إلى أن القص هو المستحب ذهبوا إلى أن الإحفاء والجز والقص بمعنى واحد، وأنه الأخذ منه حتى يبدو الإطار وهو طرف الشفة.
فإن قيل: ما حكم السبلتان وهما طرفا الشارب؟
قلت: ذكر بعضهم: لا بأس بترك ذلك، فعل ذلك عمر ﵁ وغيره، لأن ذلك لا يستر الفم ولا يبقى فيه غمر الطعام إذ لا يصل إليه.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): حدثنا عائذ بن حبيب، عن أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁: "كنا نؤمر أن نوفي السبال، ونأخذ من الشوارب".
قلت: السبال -بكسر السين المهملة وفتح الباء الموحدة- جمع سبلة، وهو طرف الشارب.
وقال الجوهري: السبلة الشارب.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا محمد بن علي بن محرز، قال: ثنا يحيى بن أبي بكير، قال: ثنا الحسن بن صالح، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ يجز شاربه، وكان إبراهيم ﵇ يجز شاربه".
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من أن الإحفاء أفضل من القص بحديث عبد الله بن عباس.
وأخرجه بإسناد صحيح: عن محمَّد بن علي بن محرز البغدادي، وثقه ابن يونس عن يحيى بن أبي بكير واسمه بشر ويقال: نسر -بالنون والسين المهملة- ويقال:
стр. 6627
بشير القيسي أبي زكريا الكرماني كوفي الأصل سكن بغداد، وولي قضاء كرمان، روى له الجماعة، وهو يروي عن الحسن بن صالح بن حي الكوفي العابد، روى له مسلم والأربعة، عن سماك بن حرب بن أوس الكوفي، روى له الجماعة البخاري مستشهدًا، عن عكرمة مولى ابن عباس روى له الجماعة مسلم مقرونا بغيره.
وأخرجه الترمذي (١): نا محمَّد بن عمر بن الوليد الكندي الكوفي، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "كان النبي ﵇ يقص أو يأخذ من شاربه، قال: وكان إبراهيم خليل الرحمن ﵇ يفعله". قال: أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.
قوله: "يجز" بالجيم والزاي أي: يقص، يقال: جَزَّ الشعر والصوف إذا قَصَّه، وأصله القطع، ومنه جزار التمر من النخل.
فإن قيل: كيف يدل هذا على دعوى هؤلاء، وهو لا يدل إلا على القص دون الإحفاء الذي هو الاستئصال؟
قلت: لفظ الجز يحتمل أن يكون معه الإحفاء -وهو المراد- لأن أمر النبي ﵇ بالإحفاء في حديث ابن عمر وغيره قرينة على أن الجَزَّ في حديث ابن عباس هو جَزٌّ معه إحفاء، وإن لم يحمل على هذا تتضاد الآثار، والحمل على الاتفاق أولى؛ كما عرف.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: حدثني مالك، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه (ح).
وحدثنا محمَّد بن عمر وابن يونس، قال: ثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، كليهما عن النبي ﵇ قال: "احفوا الشوارب و [اعفوا] (٢) اللحى" (ح).
стр. 6628
وحدثنا ابن أبي عقيل قال: أنا ابن وهب قال: حدثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح.
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله ابن وهب، عن مالك بن أنس، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه نافع مولى ابن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇.
وأخرجه مالك في "موطئه" (١).
ومسلم (٢): ثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﵇: "أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحي".
الثاني: عن محمد بن عمرو بن يونس، عن عبد الله بن نمير الهمداني، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن ابن عمر.
وأخرجه مسلم (٢) أيضًا: ثنا محمَّد بن المثنى، قال: ثنا يحيى -يعني ابن سعيد-.
ونا ابن نمير، قال: ثنا أبي جميعًا عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "احفوا الشوارب واعفوا اللحى".
وأخرجه الترمذي (٣): عن الحسن الخلال، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، نحوه.
والنسائي (٤): عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى، عن عبيد الله بن عمر -نحوه.
стр. 6629
الثالث: عن عبد الغني بن رفاعة [اللخمي] (١) المعروف بابن أبي عقيل المصري شيخ أبي داود، وابنه أبي بكر بن أبي داود، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس.
قوله: "احفوا" أمر من أحفى شاربه؛ إذا استأصل قطعه.
قوله: "واعفوا اللحى" أي اتركوها حتى تكثر وتطول، قال القاضي: وفي رواية "أوفوا اللحى"، وهو بمعنى اعفوا أيضًا.
وذكر مسلم (٢) في حديث أبي هريرة أيضًا: "أرجوا اللحى" كذا عند أكثر شيوخنا.
ولابن ماهان: أرجوا -بالجيم- قيل: معناه أخروا، وأصله: أرجئوا فَسُهِّلت الهمزة بالحذف، وكأن معناه: اتركوا فيها فعلكم بالشوارب.
وفي البخاري (٣): "وفروا اللحى" قال أبو عبيد في إعفاء اللحى: هو أن توفر وتكثر، ويقال: عفى الشيء إذا كثر وزاد، وأعفيته أنا وعفى إذا درس، وهو من الأضداد ومنه الحديث: "فعلى الدنيا العفاء" (٤) أي الدروس، ويقال: التراب.
стр. 6630
قال القاضي: عفوت الشعر وأعفيته لغتان، وكره قصها وحلقها وتجريفها، وقد جاء الحديث بذم فاعل ذلك، وسنة بعض الأعاجم حلقها وجزها، وتوفير الشوارب، وهي كانت سيرة الفرس.
وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن، ويكره الشهرة في تعظيمها وتخليتها، كما يكره في قصها وجزها.
وقد اختلف السلف: هل لذلك حد؟
فمنهم من لم يحدد إلا أنه لا يتركها لحد الشهرة، ويأخذ منها، وكره مالك طولها جدًّا، ومنهم من حدد بما زاد على القبضة، فيزال ما فضل عنها، ومنهم من كره الأخذ منها إلا في حج أو عمرة. انتهى.
وقال أبو حامد: اختلف فيما طال من اللحية؛ فقيل إن قبض الرجل على لحيته وأخذ ما تحت القبضة فلا بأس؛ قد فعله ابن عمر وجماعة من السلف التابعين، واستحبه الشعبي وابن سيرين، وكرهه الحسن وقتادة وقالا: تركها أحب؛ لقوله ﵇: "أعفوا اللحى" والأمر في هذا قريب إذا لم ينته إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب، فإن الطول المفرط قد يشوه الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنسبة إليه، فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه النية.
وقال النخعي: عجبت لرجل عاقل طويل اللحية كيف لا يأخذ من لحيته، فيجعلها بين لحيتين؟! فإن التوسط في كل شيء حسن.
فإن قيل: هل ورد في هذا أثر؟
قلت: روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن عبد الرحمن بن مهدي، عن زمعة، عن ابن طاوس، عن سماك بن يزيد قال: "كان علي ﵁ يأخذ من لحيته مما يلي وجهه".
стр. 6631
حدثنا (١): أبو أسامة، عن شعبة، عن عمرو بن أيوب -من ولد جرير- عن أبي زرعة قال: "كان أبو هريرة يقبض على لحيته ثم يأخذ ما فضل عن القبضة".
ثنا (٢): علي بن هاشم ووكيع، عن ابن أبي ليلى، عن نافع عن ابن عمر: "أنه كان يأخذ ما فوق القبضة". وقال وكيع: ما [جاوز] (٣) القبضة".
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا حبان بن هلال، قال: ثنا أبو جعفر المدائني، قال: ثنا عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، عن النبي ﷺ مثله. وزاد: "ولا تشبهوا باليهود".
ش: حَبَّان بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة، روى له الجماعة.
وأبو جعفر اسمه عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي والد علي بن المديني فيه مقال، فقال أبو حاتم: منكر الحديث يحدث عن الثقات بالمناكير، يكتب حديثه ولا يحتج به، وكان علي لا يحدثنا عن أبيه.
وقال الجوزجاني: واهي الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وعنه: ليس بثقة. روى له الترمذي وابن ماجه.
وعبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري المدني، وثقه أبو زرعة والنسائي وابن حبان، وأنس بن مالك خادم النبي ﵇ عَمَّه.
والحديث أخرجه البزار في "مسنده": ثنا السكن بن سعيد، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا الحسن بن أبي جعفر، عن عبد الله، عن أنس، أن النبي ﵇ قال: "خالفوا المجوس؛ جزوا الشوارب وأوفوا اللحى".
ص: حدثنا يزيد، قال: أنا ابن أبي مريم، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن
стр. 6632
العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "جزوا الشوارب، وأرجوا -أو أوفوا- اللحى".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "احفوا الشوارب واعفوا اللحى".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن يزيد بن سنان، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن محمَّد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني روى له الجماعة، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي المدني، وثقه ابن حبان، وغيره روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن أبيه عبد الرحمن بن يعقوب كذلك.
وأخرجه مسلم (١): حدثني أبو بكر بن إسحاق، قال: نا ابن أبي مريم قال: أنا محمَّد بن جعفر قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "جزوا الشوارب وأرجوا اللحى؛ خالفوا المجوس".
قوله: "وأرجوا أو أوفوا" شك من الراوي وقد مَرَّ معناهما.
الثاني: عن صالح، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يحيى بن إسحاق، نا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﵇ قال: "اعفوا اللحي وخذوا الشوارب، وغيروا شيبكم، ولا تشبهوا [باليهود] (٣) والنصاري".
стр. 6633
ص: فهذا رسول الله ﵇ قد أمر بإحفاء الشوارب، فثبت بذلك الإحفاء على ما ذكرنا في حديث ابن عمر، وفي حديث ابن عباس وأبي هريرة "جزوا الشوارب".
فذاك يحتمل أن يكون جزًّا معه الإحفاء، ويحتمل أن يكون على ما دون ذلك، فقد ثبت معارضة حديث ابن عمر ﵁ بحديث أبي هريرة وعمار وعائشة الذي ذكرنا في أول هذا الباب.
وأما حديث المغيرة فليس فيه دليل على شيء، ولا يجوز أن يكون النبي ﵇ فعل ذلك ولم يكن بحضرته مقراض يقدر على إحفاء [الشارب] (١) به، ويحتمل أيضًا حديث عمار وعائشة وأبي هريرة في ذلك معنى آخر: يحتمل أن يكون الفطرة هي التي لابد منها وهي قص الشارب، وما سوى ذلك فضل حسن، فتثبت الآثار كلها التي رويناها في هذا الباب ولا تتضاد، ويثبت بثبوتها أن الإحفاء أفضل من القص، وهذا معنى هذا الباب من طريق الآثار.
ش: أراد أن النبي ﵇ أمر بإحفاء الشوارب في حديث عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبي هريرة ﵃.
فدل بمقتضى الأمر أن الإحفاء أفضل من القص، وأراد بحديث ابن عمر هو الذي أخرجه من ثلاث طرق صحاح:
قوله: "وفي حديث ابن عباس وأبي هريرة. . . ." إلى آخره. جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى بحديثهما فإنهم احتجوا فيما ذهبوا إليه بقوله ﵇: "جزوا الشوارب" والجزُّ هو القص، وتقرير الجواب: أن يقال: الجز المذكور يحتمل أن يكون جزًّا معه الإحفاء، ويحتمل أن يكون معناه جزًّا, وليس معه الإحفاء فحينئذ تثبت المعارضة بين حديث ابن عمر وأحاديث أبي هريرة وعمار وعائشة المذكورة في أول الباب، ودفعها بأن يكون المراد هو المعنى الأول، والمرجح هو لقرينة حديث ابن عمر؛ فبهذا يحصل التوفيق ويرتفع الآثار.
стр. 6634
قوله: "وأما حديث المغيرة. . . ." إلى آخره. جواب أيضًا عن حديث المغيرة الذي هو من جملة الحج لأهل المقالة الأولى، وهو ما ذكره بقوله: "فليس فيه دليل على شيء. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر.
قوله: "ويحتمل أيضًا حديث عمار. . . ." إلى آخره. جواب آخر، وهو أيضًا ظاهر. والله أعلم.
ص: وأما من طريق النظر: فقد رأينا الحلق قد أمر به في الإحرام، ورخص في التقصير، فكان الحلق أفضل من التقصير، وكان التقصير من شاء فعله ومن شاء زاد عليه، إلا أنه يكون بزيادته عليه أجرًا أعظم من القص، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك حكم الشارب، قصه حسن، وإحفاؤه أحسن وأفضل، وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي: وأما معنى هذا الباب من طريق النظر والقياس. بيانه: أن الحاج أمر بالحلق ورخص له في التقصير وخير فيه إن شاء اقتصر عليه وإن شاء زاد عليه، غير أنه يكون بزيادته على ذلك أكثر أجرًا، فالقياس على ذلك أن يكون حكم الشارب كذلك؛ يكون مخيرًا في قصه فإذا زاد على ذلك حتى صار إحفاءً يكون أفضل من ذلك، فيكون القص حسنًا والإحفاء أحسن، فافهم.
ص: وقد روي عن جماعة من المتقدمين ما قد حدثنا ابن أبي عقيل، قال: أنا ابن وهب قال: أخبرني إسماعيل بن عياش قال: حدثني إسماعيل بن أبي خالد قال: "رأيت أنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع يحفيان شواربهما، ويعفيان لحاهما ويصفرانها".
قال إسماعيل: حدثني عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع المدني، قال: "رأيت عبد الله بن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد الخدري وأبا أسيد الساعدي ورافع بن خديج وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وسلمة بن الأكوع، يفعلون ذلك".
حدثنا محمَّد بن النعمان، قال: ثنا أبو ثابت، قال: ثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن عثمان بن عبيد الله بن أبي رافع، قال: "رأيت أبا سعيد الخدري وأبا أسيد ورافع بن
стр. 6635
خديج وسهل بن سعد وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وأبا هريرة يحفون شواربهم".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: ثنا عاصم بن محمَّد، عن أبيه، عن ابن عمر: "أنه كان يحفي شاربه حتى يرى بياض الجلد".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا حامد بن يحيى، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم بن محمَّد بن حاطب قال: "رأيت ابن عمر ﵄ يحفي شاربه".
حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد الأصبهاني، قال: أنا شريك، عن عثمان بن إبراهيم الحاطبي، قال: "رأيت ابن عمر يحفي شاربه كأنه ينتفه".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: "أنه كان يحفي شاربه".
حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، عن ابن لهيعة، عن عقبة بن مسلم قال: "ما رأيت أحدًا أشد إحفاء لشاربه من ابن عمر كان يحفيه حتى إن الجلد ليرى".
فهؤلاء أصحاب رسول الله ﵇ قد كانوا يحفون شواربهم، وفيهم أبو هريرة، وهو من روينا عنه، عن رسول الله ﵇ أنَّه قال: "من الفطرة قص الشارب" فدل ذلك أن قص الشارب من الفطرة، وهو مما لابد منه وأن ما بعد ذلك من الإحفاء هو أفضل وفيه من إصابة الخير ما ليس في القص.
ش: أراد من المتقدمين: الصحابة ﵃، وأخرج عن عشرة أنفس منهم: "أنهم كانا يحفون شواربهم"، فدل أن الإحفاء أفضل من القص.
وأبو أسيد -بضم الهمزة وفتح السين المهملة- مالك بن ربيعة، وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك، وابن أبي عقيل هو عبد الغني بن رفاعة المصري.
وإسماعيل بن عياش بن سليم الشامي الحمصي، قال دحيم هو في الشاميين غاية، وخلط عن المدنيين.
стр. 6636
وإسماعيل بن أبي خالد البجلي الكوفي، واسم أبي خالد: هرمز، وقيل: سعد، روى له الجماعة، رأى أنس بن مالك وواثلة بن الأسقع.
وعثمان بن عبيد الله بن أبي رافع مولى النبي ﵇ وثقه ابن حبان.
وأبو ثابت محمَّد بن عبيد الله بن محمَّد القرشي المدني شيخ البخاري.
وعبد العزيز بن محمَّد الدراوردي.
وابن أبي داود هو إبراهيم البرلسي.
وعاصم بن محمَّد بن زيد روى له الجماعة.
وأبوه محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب روى له الجماعة.
وحامد بن يحيى بن هانئ البلخي، نزيل طرسوس وشيخ أبي داود، وثقه ابن حبان.
وسفيان هو ابن عيينة.
وإبراهيم بن محمَّد بن حاطب القرشي وثقه ابن حبان.
وعثمان بن إبراهيم الحاطبي وثقه ابن حبان.
وابن لهيعة هو عبد الله بن لهيعة المصري.
وعقبة بن مسلم التجيبي المصري، القاص إمام مسجد الجامع العتيق بمصر، قال العجلي: مصري تابعي ثقة.
стр. 6637
ص: باب استقبال القبلة بالفروج للغائط والبول
ش: أي هذا باب في بيان حكم استقبال القبلة بالفرج لأجل التغوط أو التبول، وهذا الكتاب له مدخل في كتاب الكراهة، وإن كان الأنسب ذكره في باب الاستنجاء في كتاب الطهارة وقد علم أن الغائط في الأصل اسم للمكان المطمئن من الأرض ثم جعل كناية عن قضاء الحاجة.
ص: حدثنا يونس قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله ﵇: "لا تستقبلوا القبلة لغائط ولا لبول، ولكن شرقوا أو غربوا. فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو القبلة فننحرف عنها ونستغفر الله".
حدثنا يونس قال: أنا ابن وهب، قال: ثنا يونس، عن ابن شهاب. . . . فذكر بإسناده مثله، غير أنَّه لم يذكر قول أبي أيوب: "فقدمنا الشام. . . ." إلى آخر الحديث.
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا أبو مصعب، قال ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة: "أن أبا أيوب الأنصاري. . . ." ثم ذكر مثله، وذكر كلام أبي أيوب أيضًا.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب أن مالكًا حدثه، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن رافع بن إسحاق مولى لآل الشفاء -امرأة- فكان يقال: مولى أبي طلحة، أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول وهو بمصر: "والله ما أدري كيف أصنع بهذه الكراييس؟ فقد قال رسول الله ﵇: إذا ذهب أحدكم لغائط أو لبول فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بفرجه".
ش: هذه أربع طرق صحاح:
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب خالد بن يزيد الأنصاري ﵁.
стр. 6638
وأخرجه الجماعة:
فالبخاري (١): عن آدم، قال: نا ابن أبي ذئب، قال: نا الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله: "إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة، ولا يولها ظهره، شرقوا أو غربوا".
ومسلم (٢): عن زهير بن حرب وابن نمير، قالا: نا سفيان بن عيينة، وعن يحيى بن يحيى -واللفظ له- قال: قلت لسفيان بن عيينة: سمعت الزهري يذكر عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب أن النبي ﵇ قال: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا بغائط، ولكن شرقوا أو غربوا. قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قِبَلَ القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله".
وأبو داود (٣): عن مسدد، عن سفيان، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب -رواية- قال: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة، فكنا ننحرف عنها ونستغفر".
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب. . . إلى آخره.
الثالث: عن روح بن الفرج القطان، عن أبي مصعب أحمد بن أبي بكر بن الحارث بن زرارة الزهري الفقيه، قاضي مدينة الرسول وشيخ الجماعة سوى النسائي، عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المدني عن
стр. 6639
محمَّد بن مسلم الزهري عن عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة المدني، وهو ممن ولد في عهد النبي ﵇ قال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث.
وأخرجه الطبراني (١) ﵀: ثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، ثنا أبو مروان العثماني (ح).
وثنا يوسف بن يعقوب المقرئ، نا محمَّد بن خالد الواسطي (ح).
وثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، نا عبد الله بن عون الخراز، قالوا: ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة، عن أبي أيوب الأنصاري قال: "نهانا رسول الله ﵇ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، فلما قدمنا الشام، وجدنا مرافقهم مراحيض قد استقبل بها القبلة، فنحن ننحرف ونستغفر الله ".
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن رافع بن إسحاق الأنصاري المدني مولى الشفاء -وهي امرأة- ويقال: مولى أبي طلحة، ويقال: مولى أبي أيوب، قال النسائي وابن حبان: ثقة. روى له الترمذي والنسائي.
وأخرجه مالك في "موطئه" (٢) نحوه.
وقال أبو عمر (٣): هكذا قال مالك في هذا الحديث: مولى لآل الشفاء، وقال في حديث آخر: مولى الشفاء. فيما رواه يحيى بن يحيى عنه، وقد قال عن مالك في الموضعين جميعًا طائفة من الرواة: مولى لآل الشفاء. وقال آخرون عنه في الموضعين جميعًا: مولى الشفاء والشفاء امرأة من الصحابة ﵃ من قريش وهي الشفا بنت عبد الله بن عبد شمس بن خالد من بني عدي بن كعب، وهي أم سليمان بن أبي حثمة، وكان حماد بن سلمة يقول: عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن
стр. 6640
رافع بن إسحاق مولى أبي أيوب، وكان مالك يقول: وكان يقال له: مولى أبي طلحة. وهو من تابعي أهل المدينة، ثقة فيما نقل وحمل وحديثه هذا حديث متصل صحيح.
قوله: "الغائط" اللام فيه يجوز أن تكون للتعليل أي لأجل التغوط ولأجل التبول، ويجوز أن تكون للوقت أي وقت التغوط ووقت التبول، ويجوز أن يكون بمعنى عند، كما في قولهم: كتبته لخمس خلون، أي عند خمس خلون وجعل منه ابن جنيّ قراءة الجحدري ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ (١) بكسر اللام وتخفيف الميم.
قوله: "ولكن شرقوا أو غربوا" خطاب لأهل المدينة ولمن كانت قبلته على ذلك السمت، فأما من كانت قبلته إلى جهة المشرق أو المغرب فإنه لا يشرق ولا يغرب.
قوله: "فقدمنا الشام" وهي إقليم مشهور يذكَّر ويؤنَّث، ويقال مهموزًا ومسهلًا، سميت بسام بن نوح وذلك لأنه أول من نزلها فجعلت السين شيئًا تغييرًا للفظ الأعجمي.
وقيل: سميت بذلك لكثرة قراها وتداني بعضها ببعض، فشبهت بالشامات.
قوله: "مَرَاحيض" بفتح الميم وبالحاء المهملة والضاد المعجمة، جمع مِرحاض بكسر الميم، وهو البيت المتخذ لقضاء حاجة الإنسان.
قوله: "فننحرف" أي: نميل.
قوله: "ونستغفر الله" قيل: يستغفر الله من بنائها فإن الاستغفار للمذنبين سنة، وقيل: يستغفر الله من الاستقبال وقيل: يستغفر الله من ذنوبه فالذنب يذكر بالذنب.
فإن قيل: فالغالط والساهي لم يفعل إثمًا، فلا حاجة به إلى الاستغفار له.
قلت: أهل الورع والمناصب العَلِيَّة في التقوى قد يفعلون مثل هذا بناءً عَلى نسبتهم القصير إلى أنفسهم في التحفظ ابتداءً.
стр. 6641
قوله: "كيف أصنع بهذه الكراييس" إنما قال ذلك لأنها كانت بحذاء القبلة، والكراييس: جمع كرياس -بكسر الكاف وسكون الراء وبالياء آخر الحروف وبعد الألف سين مهملة- وهي الميضاءة.
قال أبو عمر (١): الكراييس هي: المراحيض واحدها كرياس، مثل سربال وسرابيل، وقد قيل: إن الكراييس مراحيض الغرف، وأما مراحيض البيوت يقال لها: الكنف.
وقال ابن الأثير: الكراييس جمع كرياس، وهو الذي يكون مشرفًا على سطح بقناة إلى الأرض، فإذا كان أسفل فليس بكرياس، سمى به لما يعلق به من الأقذار، ويتكرس ككرس الدِّمْن، ثم قال: وقال الزمخشري: الكرناس بالنون.
قلت: فهذا كما قد رأيته قد ذكره في باب: كرس. فعلى هذا تكون الياء فيه زائدة، وكذا ذكره الجوهري في باب الكرس فقال: الكِرس -بالكسر- الأبوال والأقذار يتلبد بعضها على بعض، يقال: أكرست الدار.
ثم قال: والكرياس الكنيف في أعلى السطح.
وقال أبو عمر: في هذا الحديث من الفقه: أن على من سمع الخطاب أن يستعمله على عمومه، إذا لم يبلغه شيء يخصه؛ لأن أبا أيوب سمع من النبي ﵇ النهي عن استقبال القبلة واستدبارها بالغائط والتبول مطلقا غير مقيد بشرط ففهم منه العموم، فكان ينحرف في مقاعد البيوت ويستغفر الله، ولم تبلغه الرخصة التي رواها عن النبي ﵇ ابن عمر وغيره في البيوت.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه عن نافع، أن رجلًا من الأنصار أخبره، عن أبيه: "أنه سمع رسول الله ﵇ ينهى أن تستقبل القبلة لغائط أو بول.
стр. 6642
ش: سائر رواة الموطأ رووا هذا الحديث عن مالك، عن نافع، عن رجل من الأنصار، عن أبيه سمع رسول الله ﵇، وروى يحيى بن يحيى، عن مالك، عن نافع، عن رجل من الأنصار: "أنه سمع رسول الله ﵇، واختلف فيه عن ابن بكير فتارة روي عنه عن مالك كما رواه يحيى، وتارة روي عنه عن مالك كما روت الجماعة.
قال أبو عمر: وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
ثم هذا الرجل من الأنصار هو عبد الرحمن بن عمرو العجلاني وهو يروي عن أبيه عمرو العجلاني الصحابي.
قال ابن الأثير: هو عمرو بن أبي عمرو العجلاني أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو عبد الله، حديثه عند ابنه عبد الرحمن، ثم روى هذا الحديث.
ص: حدثنا أحمد بن الحسن الكوفي، قال: ثنا عبيدة النحوي، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن رجل من أصحاب رسول الله ﵇ قال له رجل: "إني أظن أن صاحبكم يعلمكم حتى إنه ليعلمكم كيف تأتون الغائط! فقال له: أجل، وإن سخرت إنه ليفعل، إنه لينهانا إذا أتى أحدنا الغائط أن يستقبل القبلة".
ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وعَبِيدَة -بفتح العين وكسر الباء- ابن حميد بن صهيب التيمي وقيل: الليثي، وقيل: الضبي، أبو عبد الرحمن الكوفي المعروف بالحذاء وكان مؤدبا لمحمد بن هارون أمير المؤمنين، روى له الجماعة سوى مسلم.
ومنصور هو ابن المعتمر.
وإبراهيم هو النخعي.
وعبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي.
стр. 6643
والحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (١): بإسناده عن رجل من الأنصار قال: "نهى رسول الله ﵇ أن تستقبل القبلتين ببول أو غائط".
وأخرج مالك في "الموطأ" (٢): عن رجل من الأنصار: "أنه سمع النبي ﵇ ينهى أن تستقبل القبلة لغائط أو بول".
قوله: "أجل" معناه: نعم.
قوله: "وإن سخرت" أي: وإن قلت مستهزئًا.
ص: حدثنا يونس، [قال: أخبرني ابن وهب] (٣) قال: أخبرني عمرو بن الحارث، والليث وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: "أنا أول من سمع النبي ﵇ يقول: لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة، وأنا أول من خَبَّر الناس بذلك".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال: "أنا أول من سمع النبي ﵇ ينهى الناس أن يبولوا مستقبلي القبلة، فخرجت إلى الناس فأخبرتهم".
حدثنا أبو بشر عبد الرحمن بن الجارود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا ابن لهيعة، قال: أخبرني يزيد بن أبي حبيب، عن جبلة بن نافع قال: سمعت عبد اللهَ بن الحارث الزبيدي. . . . فذكر نحوه.
حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني سهل بن ثعلبة، عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: "نهى رسول الله ﵇ أن يبول الرجل مستقبل القبلة، وأنا أول من سمع ذلك من رسول الله ﵇".
стр. 6644
ش: هذه أربع طرق:
الأول: إسناده صحيح، وعبد الله بن لهيعة ذُكِرَ متابعة.
وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا محمَّد بن الرمح المصري، أنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، أنه سمع عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي يقول: "أنا أول من سمع النبي ﵇ يقول: لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة، وأنا أول من حدث الناس بذلك".
الثاني: أيضًا صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله المدني، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن عبد الله بن الحارث.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢) وقال: نا الضحاك بن مخلد، عن عبد الحميد -يعني ابن جعفر- عن يزيد بن أبي حبيب. . . . إلى آخره نحوه.
الثالث: عن أبي بشر عبد الرحمن بن الجارود بن عبد الله البغدادي الثقة، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة المصري، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن جبلة بن نافع الفهمي المصري، وثقه ابن حبان، وهو يروي عن عبد الله بن الحارث.
وأخرجه ابن يونس في ترجمة جبلة بن نافع في "تاريخ مصر"، وقال: ثنا عبد الله بن عمرو القرشي، ثنا محمَّد بن حميد أبو قرة، نا عثمان بن صالح، ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جبلة بن نافع قال: سمعت عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي يقول: "أنا أول من سمع رسول الله ﵇ يقول: لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة. وأنا أول من حدث الناس بذلك".
стр. 6645
الرابع: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح وراق الليث، عن الليث ابن سعد، عن سهل بن ثعلبة الطائي المصري، قال الذهبي: مجهول، وقال ابن الجوزي: ضعيف، وقال ابن حبان ثقة.
وأخرجه الطبراني: نا مطلب من شعيب الأزدي، نا أبو صالح حدثني الليث، عن سهل بن ثعلبة، عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال: "نهى رسول الله ﵇ أن يبول الرجل مستقبل القبلة".
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا جندل بن والق، قال: ثنا جعفر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان قال: "نهينا أن نستقبل القبلة لقضاء حاجة.
ش: إسناده صحيح، وجندل بن والق بن هجرس الثعلبي الكوفي شيخ البخاري في غير الصحيح.
وجعفر هو ابن عون المخزومي الكوفي، روى له الجماعة.
والأعمش هو: سليمان بن مهران.
وإبراهيم هو النخعي.
والحديث أخرجه الطبراني (١) بأتم منه: ثنا أبو الزنباع روح بن الفرج المصري نا يحيى بن سليمان الجعفي، نا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان ﵁ قال: "نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة بقضاء الحاجة، وأن نستنجي بدون ثلاثة أحجار، وأن نستنجي بعظم أو رجيع".
وحديث سلمان هذا أخرجه الجماعة سوى البخاري.
فقال مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو معاوية ووكيع، عن الأعمش.
стр. 6646
ونا يحيى بن يحيى -واللفظ له- قال: أنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن زيد، عن سلمان قال: "قيل له: قد علمكم نبيكم ﵇ كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم".
وقال أبو داود (١): ثنا مسدد، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان قال: "قيل له: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وأن لا نستنجي باليمين، وأن لا يستنجي [أحدنا] (٢) بأقل من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع أو عظم".
وقال الترمذي (٣): ثنا هناد قال: نا أبو معاوية -وهو محمَّد بن خازم- عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: "قيل لسلمان: قد علمكم نبيكم ﵇ كل شيء حتى الخراءة، فقال سلمان ﵁: أجل نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وأن نستنجي باليمين، أو يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو يستنجي برجيع أو بعظم".
وقال النسائي (٤): أنا إسحاق بن إبراهيم، عن أبي معاوية، عن الأعمش. . . . إلى آخره نحوه.
وقال ابن ماجه (٥): حدثنا علي بن محمَّد، نا وكيع، عن الأعمش. . . . إلى آخره نحوه.
стр. 6647
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا أبو غسان، قال: حدثني ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها".
حدثنا بكار قال: ثنا صفوان بن عيسى، قال: ثنا محمَّد بن عجلان. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا روح، قال: ثنا سعيد بن كثير بن عفير، قال: حدثني ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ قال: "إذا خرج أحدكم لغائط أو بول فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها, ولا يستقبل الريح".
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: إسناده صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن أبي غسان بن مطرف الليثي المدني روى له الجماعة.
عن محمَّد بن عجلان المدني روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا.
عن القعقاع بن حكيم الكناني المدني روى له الجماعة؛ البخاري في غير "الصحيح".
عن أبي صالح ذكوان الزيات روى له الجماعة.
وأخرجه مسلم (١): نا أحمد بن الحسن بن خراش، قال: ثنا عمر بن عبد الوهاب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا روح، عن [سهيل] (٢)، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ قال: "إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها".
стр. 6648
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عبد الله بن محمَّد النفيلي، قال: ثنا ابن المبارك، عن محمَّد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵇: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرمة".
الثاني: أيضًا بإسناد صحيح، عن بكار بن قتيبة القاضي، عن صفوان بن عيسى القرشي البصري شيخ أحمد روى له الجماعة، عن محمَّد بن عجلان. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٢): عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان. . . . إلى آخره نحوه.
الثالث: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن سعيد بن كثير بن عفير، عن عبد الله بن لهيعة المصري فيه مقال، عن أبي الأسود محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل ابن الأسود المدني يتيم عروة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا الحماني، قال: ثنا سليمان بن بلال، قال: ثنا عمرو بن يحيى، عن أبي زيد، عن معقل بن أبي معقل الأسدي -وكان قد صحب النبي ﵇-قال: "نهانا رسول الله ﵇ أن نستقبل القبلة لغائط أو بول".
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا داود العطار، قال: حدثني عمرو بن يحيى، قال: أنا أبو زيد مولى بني ثعلبة، عن معقل بن أبي معقل، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا يزيد، قال: ثنا أبو كامل، قال: ثنا عبد العزيز بن المختار، قال: ثنا عمرو بن يحيى، عن أبي يزيد، عن معقل، عن النبي ﵇ مثله.
стр. 6649
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الكوفي ثقة، عن سليمان بن بلال القرشي التيمي المدني روى له الجماعة.
عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المازني المدني، روى له الجماعة.
عن أبي زيد مولى بني ثعلبة، قيل: اسمه الوليد.
عن معقل بن أبي معقل الأسدي حليف لهم، ويقال: معقل بن أبي الهيثم المدني الصحابي.
وأخرجه أبو داود (١): نا موسى بن إسماعيل قال: ثنا وهيب قال: ثنا عمرو بن يحيى، عن أبي زيد، عن مقعل بن أبي معقل الأسدي قال: "نهى رسول الله ﵇ أن نستقبل القبلتين ببول أو بغائط" قال أبو داود: هو أبو زيد مولى بني ثعلبة.
الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن داود بن عبد الرحمن العطار، عن عمرو بن يحيى. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، حدثني عمرو بن يحيى المازني، عن أبي زيد مولى الثعلبيين، عن معقل بن أبي معقل الأسدي -وقد صحب النبي ﵇- قال: "نهى رسول الله ﵇ أن نستقبل القبلتين بغائط أو بول".
الثالث: عن يزيد بن سنان أيضًا، عن أبي كامل فضيل بن الحسين الجحدري شيخ مسلم، عن عبد العزيز بن المختار الأنصاري الدباغ البصري، عن عمرو بن يحيى. . . . إلى آخره.
стр. 6650
وأخرجه الطبراني (١): عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن يحيى. . . . إلى آخره نحوه.
ص: فذهب قوم إلى كراهة استقبال القبلة لغائط أو بول في جميع الأماكن، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار, وممن ذهب إلى ذلك: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: إبراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين، وسفيان الثوري، وأحمد، وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: يكره استقبال القبلة لغائط أو بول في جميع الأماكن، في الصحراوات والبيوت، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة، وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
وقال القاضي عياض: اختلف على أبي حنيفة، فمشهور مذهبه المنع فيهما، يعني في البيوت والصحاري، وهو قول أحمد وأبي ثور؛ أخذًا بظاهر مجرد النهي، والأمر بالتشريق والتغريب.
وروي عنه أيضًا جواز الاستدبار فيهما، وإنما يمنع فيهما الاستقبال، وعنه المنع فيها في الصحراء، والاستقبال في المدن دون الاستدبار.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس باستقبال القبلة للغائط والبول في جميع الأماكن.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: قتادة وربيعة شيخ مالك وعروة بن الزبير ودواد؛ فإنهم قالوا: لا بأس باستقبال القبلة للغائط والبول في الصحاري والبيوت.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب أن مالكًا حدثه، عن يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن ابن عمر أنه كان يقول: "إن ناسا يقولون: إذا قعدت لحاجتك فلا
стр. 6651
تستقبل القبلة ولا بيت المقدس. فقال عبد الله: لقد ارتقيت على ظهر بيت فرأيت رسول الله ﵇ على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته.
حدثنا يونس، قال: أنا أنس، عن يحيى بن سعيد. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: أنا هشيم، قال: أنا يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، قال: سمعت ابن عمر يقول: "ظهرت على إجَّارٍ لي في بيت حفصة في ساعة لم أكن أظن أن أحدًا يخرج فيها. . . . فذكر مثله.
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إبراهيم بن الحجاج، قال: ثنا وهيب، عن إسماعيل بن أمية ويحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن ابن عمر قال: "رقيت فوق بيت حفصة، فإذا بالنبي ﵇ جالس على مقعدته مستقبل القبلة مستدبر الشام".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني محمَّد بن عجلان، عن محمَّد بن يحيى، عن واسع بن حبان، عن ابن عمر أنه قال: "يتحدث الناس عن رسول الله ﵇ في الغائط بحديث! وقد اطلعت يومًا ورسول الله ﵇ على ظهر بيت يقضي حاجته محجوبا عليه بلبن، فرأيته مستقبل القبلة".
ش: هذه خمس طرق صحاح.
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح، وحبان في الموضعين -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة.
وأخرجه الجماعة.
فقال البخاري (١): نا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن عبد الله بن عمر أنه كان
стр. 6652
يقول: "إن ناسًا يقولون: إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فقال عبد الله بن عمر: لقد ارتقيت يوما على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله ﵇ على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته، وقال: لعلك من الذين يصلون على أوراكهم؟ فقلت: لا أدري والله، قال مالك: يعني الذي يصلي ولا يرتفع عن الأرض، يسجد وهو لاصق بالأرض".
وقال مسلم (١): نا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال: ثنا سليمان -يعني ابن بلال- عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى، عن عمه واسع بن حبان قال: "كنت أصلي في المسجد وعبد الله بن عمر مسند ظهره إلى القبلة، فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه من شقتي، فقال عبد الله: يقول ناس: إذا قعدت للحاجة تكون لك فلا تقعد مستقبل القبلة ولا بيت المقدس، قال عبد الله: ولقد رقيت على ظهر بيتي فرأيت رسول الله ﵇ قاعدًا على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته".
وقال أبو داود (٢): نا عبد الله بن مسلمة، عن مالك. . . . إلى آخره، غير أنه اقتصر على قوله: "لقد ارتقيت على ظهر البيت فرأيت. . . ." إلى آخره.
وقال الترمذي (٣): ثنا هناد، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن ابن عمر قال: "رقيت يومًا على بيت حفصة فرأيت النبي ﵇ على حاجته مستقبل الشام مستدبرًا الكعبة".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وقال النسائي (٤): أنا قتيبة، عن مالك. . . . إلى آخره نحو رواية أبي داود، غير أن في لفظه: "على ظهر بيتنا".
стр. 6653
وقال ابن ماجه (١): نا أبو بكر بن خلاد ومحمد بن يحيى، قالا: ثنا يزيد بن هارون، أنا يحيى بن سعيد، أن محمَّد بن يحيى بن حبان أخبره، أن عمه واسع بن حبان أخبره، أن عبد الله بن عمر قال: "يقول أناس: إذا قعدت للغائط فلا تستقبل القبلة، ولقد ظهرت ذات يوم من الأيام على ظهر بيتنا فرأيت رسول الله ﵇ قاعدًا على لبنتين مستقبل بيت المقدس".
الثاني: أيضًا رجاله رجال الصحيح، وأنس هو ابن عياض بن ضمرة المدني شيخ الشافعي وأحمد.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا إبراهيم بن المنذر قال: ثنا أنس بن عياض، عن عبيد الله، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن واسع بن حبان، عن عبد الله بن عمر قال: "ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت رسول الله ﵇ يقضي حاجته مستدبرًا القبلة، مستقبل الشام".
الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود عن هشيم بن بشير، عن يحيى بن سعيد. . . . إلى آخره.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٣): ثنا يعقوب بن إبراهيم البزاز وأحمد بن عبد الله الوكيل، قالا: نا الحسن بن عرفة، ثنا هشيم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان سمعت ابن عمر يقول: "ظهرت على إجَّار على بيت حفصة في ساعة لم أظن أحدًا يخرج في تلك الساعة، فاطلعت فإذا أنا برسول الله ﵇ على لبنتين مستقبل بيت المقدس".
الرابع: عن أحمد بن داود، عن إبراهيم بن الحجاج الشامي الناجي البصري وثقه النسائي وروى له.
стр. 6654
عن وهيب بن خالد روى له الجماعة، عن إسماعيل، عن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص المكي روى له الجماعة، وعن يحيى بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة، وعن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب روى له الجماعة؛ ثلاثتهم عن محمَّد بن يحيى. . . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (١): نا يعقوب بن إبراهيم، قال: نا يزيد، قال: أنا يحيى عن محمَّد بن يحيى بن حبان، أن عمه واسع بن حبان أخبره، أن عبد الله بن عمر أخبره، قال: "لقد ظهرت ذات يوم على ظهر بيتنا، فرأيت رسول الله ﵇ قاعدًا على لبنتين مستقبل بيت المقدس".
الخامس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن محمَّد بن عجلان المدني، عن محمَّد بن يحيى بن حبان. . . . إلى آخره.
قوله: "لقد ارتقيت" وفي رواية مسلم "ولقد رقيت" بكسر القاف، ومعناه صعدت، وهذه هي اللغة الفصيحة المشهورة، وذكر صاحب "المطالع" لغتين أخرتين:
إحداهما: فتح القاف بغير همز، والأخرى: فتحها مع الهمز، وقال الجوهري: رِقيت في السلم -بالكسر- رَقْيًا ورُقِيًّا إذا صعدت، وارتقيت مثله.
قوله: "على لبنتين" تثنية لَبِنة بفتح اللام وكسر الباء ويجوز إسكان الباء مع [فتحٍ] (٢) اللام وكسرها وكذلك كل ما كان على هذا الوزن -أعني مفتوح الأول مكسور الثاني- يجوز فيه الأوجه الثلاثة ككتف، فإذا كان ثانيه أو ثالثه حرف حلق جاز فيه وجه رابع، وهو كسر الأول والثاني كفخذ.
قوله: "لحاجته" أي لقضاء حاجته.
فإن قلت: كيف نظر ابن عمر ﵄ إلى رسول الله ﵇ وهو في تلك الحالة ولا يجوز ذلك؟
стр. 6655
قلت: وقعت منه تلك اتفاقًا من غير قصد لذلك أو يحتمل أنه قصد ذلك للتعلم، والأمن من الاطلاع على ما لا يحبّ الاطلاع عليه إذ مقصده الاطلاع على توجه وجهه حين جلوسه ورؤية ظاهره لا غير ذلك؛ ليستدل منه على مراده.
قوله: "على إجَّار" بكسر الهمزة وتشديد الجيم، وهو السطح الذي ليس حواليه ما يرد الساقط عنه، والإنجار لغة فيه، والجمع الأجاجير والأناجير.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت قال: "كنا عند عمر بن عبد العزيز فذكروا استقبال القبلة بالفرج، فقال عراك بن مالك: قالت عائشة: ذكر عند رسول الله ﵇ أن ناسًا يكرهون استقبال القبلة بالفروج، فقال رسول الله ﵇: قد فعلوها؟! حولوا مقعدتي نحو القبلة".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت قال: "كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكروا الرجل يجلس على الخلاء فيستقبل القبلة فكرهوا ذلك، فحدث عراك بن مالك، عن عروة بن الزبير، عن عائشة: أن ذلك ذكر عند رسول الله ﵇، فقال: أو قد فعلوها؟! حولوا مقعدتي إلى القبلة".
ش: هذان طريقان رجالهما ثقات:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت البصري عامل عمر بن عبد العزيز ﵁ وثقه ابن حبان، قال البخاري: خالد بن أبي الصلت عن عراك: مرسل.
وأخرجه ابن ماجه (١): نا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمَّد، قالا: ثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك بن