تستقبل القبلة ولا بيت المقدس. فقال عبد الله: لقد ارتقيت على ظهر بيت فرأيت رسول الله ﵇ على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته.
حدثنا يونس، قال: أنا أنس، عن يحيى بن سعيد. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: أنا هشيم، قال: أنا يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، قال: سمعت ابن عمر يقول: "ظهرت على إجَّارٍ لي في بيت حفصة في ساعة لم أكن أظن أن أحدًا يخرج فيها. . . . فذكر مثله.
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا إبراهيم بن الحجاج، قال: ثنا وهيب، عن إسماعيل بن أمية ويحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمر، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن ابن عمر قال: "رقيت فوق بيت حفصة، فإذا بالنبي ﵇ جالس على مقعدته مستقبل القبلة مستدبر الشام".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني محمَّد بن عجلان، عن محمَّد بن يحيى، عن واسع بن حبان، عن ابن عمر أنه قال: "يتحدث الناس عن رسول الله ﵇ في الغائط بحديث! وقد اطلعت يومًا ورسول الله ﵇ على ظهر بيت يقضي حاجته محجوبا عليه بلبن، فرأيته مستقبل القبلة".
ش: هذه خمس طرق صحاح.
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح، وحبان في الموضعين -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة.
وأخرجه الجماعة.
فقال البخاري (١): نا عبد الله بن يوسف، قال: أنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن عبد الله بن عمر أنه كان
стр. 6652
يقول: "إن ناسًا يقولون: إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فقال عبد الله بن عمر: لقد ارتقيت يوما على ظهر بيت لنا، فرأيت رسول الله ﵇ على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته، وقال: لعلك من الذين يصلون على أوراكهم؟ فقلت: لا أدري والله، قال مالك: يعني الذي يصلي ولا يرتفع عن الأرض، يسجد وهو لاصق بالأرض".
وقال مسلم (١): نا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال: ثنا سليمان -يعني ابن بلال- عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى، عن عمه واسع بن حبان قال: "كنت أصلي في المسجد وعبد الله بن عمر مسند ظهره إلى القبلة، فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه من شقتي، فقال عبد الله: يقول ناس: إذا قعدت للحاجة تكون لك فلا تقعد مستقبل القبلة ولا بيت المقدس، قال عبد الله: ولقد رقيت على ظهر بيتي فرأيت رسول الله ﵇ قاعدًا على لبنتين مستقبلا بيت المقدس لحاجته".
وقال أبو داود (٢): نا عبد الله بن مسلمة، عن مالك. . . . إلى آخره، غير أنه اقتصر على قوله: "لقد ارتقيت على ظهر البيت فرأيت. . . ." إلى آخره.
وقال الترمذي (٣): ثنا هناد، قال: ثنا عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن ابن عمر قال: "رقيت يومًا على بيت حفصة فرأيت النبي ﵇ على حاجته مستقبل الشام مستدبرًا الكعبة".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
وقال النسائي (٤): أنا قتيبة، عن مالك. . . . إلى آخره نحو رواية أبي داود، غير أن في لفظه: "على ظهر بيتنا".
стр. 6653
وقال ابن ماجه (١): نا أبو بكر بن خلاد ومحمد بن يحيى، قالا: ثنا يزيد بن هارون، أنا يحيى بن سعيد، أن محمَّد بن يحيى بن حبان أخبره، أن عمه واسع بن حبان أخبره، أن عبد الله بن عمر قال: "يقول أناس: إذا قعدت للغائط فلا تستقبل القبلة، ولقد ظهرت ذات يوم من الأيام على ظهر بيتنا فرأيت رسول الله ﵇ قاعدًا على لبنتين مستقبل بيت المقدس".
الثاني: أيضًا رجاله رجال الصحيح، وأنس هو ابن عياض بن ضمرة المدني شيخ الشافعي وأحمد.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا إبراهيم بن المنذر قال: ثنا أنس بن عياض، عن عبيد الله، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن واسع بن حبان، عن عبد الله بن عمر قال: "ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت رسول الله ﵇ يقضي حاجته مستدبرًا القبلة، مستقبل الشام".
الثالث: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود عن هشيم بن بشير، عن يحيى بن سعيد. . . . إلى آخره.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٣): ثنا يعقوب بن إبراهيم البزاز وأحمد بن عبد الله الوكيل، قالا: نا الحسن بن عرفة، ثنا هشيم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمَّد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان سمعت ابن عمر يقول: "ظهرت على إجَّار على بيت حفصة في ساعة لم أظن أحدًا يخرج في تلك الساعة، فاطلعت فإذا أنا برسول الله ﵇ على لبنتين مستقبل بيت المقدس".
الرابع: عن أحمد بن داود، عن إبراهيم بن الحجاج الشامي الناجي البصري وثقه النسائي وروى له.
стр. 6654
عن وهيب بن خالد روى له الجماعة، عن إسماعيل، عن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص المكي روى له الجماعة، وعن يحيى بن سعيد الأنصاري قاضي المدينة، وعن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب روى له الجماعة؛ ثلاثتهم عن محمَّد بن يحيى. . . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (١): نا يعقوب بن إبراهيم، قال: نا يزيد، قال: أنا يحيى عن محمَّد بن يحيى بن حبان، أن عمه واسع بن حبان أخبره، أن عبد الله بن عمر أخبره، قال: "لقد ظهرت ذات يوم على ظهر بيتنا، فرأيت رسول الله ﵇ قاعدًا على لبنتين مستقبل بيت المقدس".
الخامس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن محمَّد بن عجلان المدني، عن محمَّد بن يحيى بن حبان. . . . إلى آخره.
قوله: "لقد ارتقيت" وفي رواية مسلم "ولقد رقيت" بكسر القاف، ومعناه صعدت، وهذه هي اللغة الفصيحة المشهورة، وذكر صاحب "المطالع" لغتين أخرتين:
إحداهما: فتح القاف بغير همز، والأخرى: فتحها مع الهمز، وقال الجوهري: رِقيت في السلم -بالكسر- رَقْيًا ورُقِيًّا إذا صعدت، وارتقيت مثله.
قوله: "على لبنتين" تثنية لَبِنة بفتح اللام وكسر الباء ويجوز إسكان الباء مع [فتحٍ] (٢) اللام وكسرها وكذلك كل ما كان على هذا الوزن -أعني مفتوح الأول مكسور الثاني- يجوز فيه الأوجه الثلاثة ككتف، فإذا كان ثانيه أو ثالثه حرف حلق جاز فيه وجه رابع، وهو كسر الأول والثاني كفخذ.
قوله: "لحاجته" أي لقضاء حاجته.
فإن قلت: كيف نظر ابن عمر ﵄ إلى رسول الله ﵇ وهو في تلك الحالة ولا يجوز ذلك؟
стр. 6655
قلت: وقعت منه تلك اتفاقًا من غير قصد لذلك أو يحتمل أنه قصد ذلك للتعلم، والأمن من الاطلاع على ما لا يحبّ الاطلاع عليه إذ مقصده الاطلاع على توجه وجهه حين جلوسه ورؤية ظاهره لا غير ذلك؛ ليستدل منه على مراده.
قوله: "على إجَّار" بكسر الهمزة وتشديد الجيم، وهو السطح الذي ليس حواليه ما يرد الساقط عنه، والإنجار لغة فيه، والجمع الأجاجير والأناجير.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت قال: "كنا عند عمر بن عبد العزيز فذكروا استقبال القبلة بالفرج، فقال عراك بن مالك: قالت عائشة: ذكر عند رسول الله ﵇ أن ناسًا يكرهون استقبال القبلة بالفروج، فقال رسول الله ﵇: قد فعلوها؟! حولوا مقعدتي نحو القبلة".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت قال: "كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكروا الرجل يجلس على الخلاء فيستقبل القبلة فكرهوا ذلك، فحدث عراك بن مالك، عن عروة بن الزبير، عن عائشة: أن ذلك ذكر عند رسول الله ﵇، فقال: أو قد فعلوها؟! حولوا مقعدتي إلى القبلة".
ش: هذان طريقان رجالهما ثقات:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت البصري عامل عمر بن عبد العزيز ﵁ وثقه ابن حبان، قال البخاري: خالد بن أبي الصلت عن عراك: مرسل.
وأخرجه ابن ماجه (١): نا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمَّد، قالا: ثنا وكيع، عن حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك بن
стр. 6656
مالك، عن عائشة قالت: "ذكر عند النبي ﵇ قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة، فقال: أراهم قد فعلوا؟! استقبلوا بمقعدتي القبلة".
الثاني: عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة. . . . إلى آخره.
وأخرجه الدارقطني (١) بطرق مختلفة.
قوله: "حولوا مقعدتي" بفتح الميم، وهو الموقع الذي يقعد عليه قاضي الحاجة. .
ص: حدثنا محمَّد بن الحجاج، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن أبي قتادة: "أنه رأى رسول الله ﵇ يبول مستقبل القبلة".
ش: عبد الله بن لهيعة، فيه مقال.
وأبو الزبير محمَّد بن مسلم المكي.
وأبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي الأنصاري.
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا قتيبة، قال ثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة: "أنه رأى النبي ﵇ يبول مستقبل القبلة".
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال: ثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا أبان بن صالح، عن مجاهد بن جبر، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ قد نهانا أن نستقبل القبلة ونستدبرها بفروجنا للبول، ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة".
ش: إسناده صحيح، ورجاله ثقات.
وأخرجه أبو داود (٣) قال: ثنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا وهب بن جرير قال: ثنا
стр. 6657
أبي، قال: سمعت محمَّد بن إسحاق يحدث، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله قال: "نهى النبي ﵇ أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها".
وأخرجه الترمذي (١): عن محمَّد بن بشار نحوه، وقال: حديث حسن غريب. وأخرجه ابن ماجه (٢) أيضا.
ص: فكانت هذه الآثار حجة لأهل هذه المقالة على أهل المقالة الأولى وموجبة الحجة عليهم؛ لأن في هذه الآثار تأخرت الإباحة عن النهي على ما ذكرنا في حديث جابر فهي ناسخة للآثار التي ذكرناها في أول هذا الباب.
ش: أراد بهذه الآثار: أحاديث عبد الله بن عمر وعائشة وأبي قتادة وجابر بن عبد الله ﵃، وهذه حجة لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه من عدم كراهة استقبال القبلة للغائط والبول في جميع الأماكن على أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من كراهة ذلك في جميع الأماكن وذلك لأن أحاديث هؤلاء تخبر بأن الإباحة قد تأخرت عن النهي عن ذلك، فإذا كان كذلك تصير أحاديث هؤلاء ناسخة للأحاديث التي احتجت بها أهل المقالة الأولى، وهي أحاديث أبي أيوب الأنصاري ورجل من الأنصار وعبد الله بن الحارث بن جزء وسلمان وأبي هريرة ومعقل بن أبي معقل ﵃.
ص: وقد خالف قوم القولين جميعًا؛ فقالوا: بل نقول: إن هذه الآثار كلها لا ينسخ شيء منها شيئًا؛ وذلك أن عبد الله بن الحارث أخبر في حديثه أنه أول من سمع النبي ﵇ ينهى عن ذلك قال: "وأنا أول من حدث الناس بذلك" فقد يجوز أن يكون ذلك النهي لم يقع على البول والغائط في جميع الأماكن ووقع على خاصٍّ منها وهي الصحاري، ثم جاء أبو أيوب فكانت حكايته عن النبي ﵇ هي النهي
стр. 6658
خاصة، فذلك يحتمل ما احتمله حديث ابن جزء على ما فسرناه، وكراهة الاستقبال في الكراييس المذكور فيه، فهو عن رأيه، ولم يحكه عن النبي ﵇.
فقد يجوز أن يكون سمع من النبي ﵇ ما سمع، فعلم أن النبي ﵇ أراد به الصحاري، ثم حكم هو للبيوت برأيه بمثل ذلك.
ويجوز أن يكون النبي ﵇ أراد البيوت والصحاري إلا أنه ليس في ذلك دليل عن النبي ﵇ يبين لنا أنه أراد أحد المعنيين دون الآخر، وحديث عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان وحديث معقل بن أبي معقل وحديث أبي هريرة ﵃ فما منها عن النبي ﵇ فمثل ذلك أيضًا.
ثم عدنا إلى ما رويناه في الإباحة، فهذا ابن عمر يقول: "رأيت النبي ﵇ على ظهر بيت مستقبل القبلة" فاحتمل أن يكون ذلك على الإباحة لذلك في البيوت خاصة، فكان أراد به فيما روي عنه في النهي على الصحاري خاصة، فأولى بنا أن نجعل هذا الحديث زائد على الأحاديث الأُول غير مخالف لها، فيكون هذا على البيوت، وتلك الأحاديث الأُول على الصحاري، وهذا قول مالك بن أنس.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أنه سمع مالكًا يقول ذلك.
ثم رجعنا إلى حديث أبي قتادة ففيه أنه رأى النبي ﵇ يبول مستقبل القبلة، فقد يكون رآه حيث رآه ابن عمر فيكون -يعني حديثه، وحديث ابن عمر- سواء، أو يكون رآه في صحراء، فيخالف حديث ابن عمر، وينسخ الأحاديث الأُول فهو عندنا غير ناسخ لها، حتى نعلم يقينا أنه قد نسخها.
وأما حديث جابر ففيه النهي عن رسول الله ﵇ عن استقبال القبلة واستدبارها لغائط أو بول، ولم يبين مكانا، فيحتمل أن يكون ذلك أيضًا على ما فسرنا وبَيَّنَّا من حديث أبي أيوب ﵁ فلا حجة فيها أيضًا توجب مضادة حديث ابن عمر وأبي قتادة.
стр. 6659
قال جابر في حديثه: "ثم رأيت رسول الله ﵇ يبول مستقبل القبلة" فقد يحتمل أن يكون ذلك البول كان في المكان الذي لم يكن نهي رسول الله ﵇ الأوَّل وقع عليه.
فلم نعلم شيئًا من هذه الآثار نسخ شيئًا منها شيء، ثم عدنا إلى حديث عراك ففيه أنه ذُكر لرسول الله ﵇ أن أناسًا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال رسول الله ﵇: "حولوا مقعدتي مستقبل القبلة". فقد يجوز أن يكون أنكر قولهم لأنهم كرهوا ذلك في جميع الأماكن فأمر بتحويل مقعدته نحو القبلة ليرد عليهم، وليعلم أنه لم يقع نهيه عن ذلك، وإنما وقع النهي عن استقبالها في مكان دون مكان.
ويحتمل أن يكون أراد بذلك نسخ النهي الأول في الأماكن كلها؛ لأن النهي كان وقع في الآثار الأُول على ذلك، فليس فيه دليل أيضًا على نسخ ولا على غيره.
فلما كان حكم هذه الآثار كذلك كان أولى بنا أن نصصحها كلها، فنجعل ما فيه النهي منها على الصحاري وما [فيه] (١) الإباحة على البيوت حتى لا يتضاد منها شيء.
وقد حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا إسحاق بن إسماعيل، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل (ح).
وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، عن حاتم، عن عيسى بن أبي عيسى الخياط (ح).
وحدثنا إسماعيل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا عيسى، عن الشعبي: أنه سأله عن اختلاف هذين الحديثين، فقال الشعبي: صدق والله، أما حديث أبي هريرة فعلى الصحاري "إن لِلَّهِ ملائكة يصلون، فلا تستقبلوهم، وإن حشوشكم هذه لا قبلة فيها".
فعلى هذا المعنى تحمل هذه الآثار حتى لا يتضاد منها شيء.
стр. 6660
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عامرا الشعبي وعبد الله بن المبارك والشافعي ومالكًا وإسحاق بن راهويه وأحمد -في رواية- فإنهم خالفوا القولين المذكورين، أعني قول أهل المقالة الأولى وقول أهل المقالة الثانية، وقالوا بكراهة استقبال القبلة في الصحراء [بالبول] (١) والغائط وبعدم كراهيته في البيوت والبنيان، وروي ذلك أيضًا عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ﵃ وإليه مال الطحاوي على ما يفهم من كلامه وترتيب أقوال أصحاب هذه المقالات.
قوله: "فقالوا: بل نقول. . . ." إلى آخره الباب كله ظاهر، وملخصه أن هذه الأحاديث التي رويت في هذا الباب في الفصلين المذكورين كلها محكمة، وليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
وأما حكمها أن نجعل ما فيه النهي منها محمولا على الصحاري، وما فيه الإباحة منها على البيوت والبنيان، وبهذا تتوافق الآثار ويرتفع الخلاف، والدليل على صحة ما ذكرنا قول عامر الشعبي: "أما حديث أبي هريرة فعلى الصحاري. . . ." إلى آخره وإلى هذا ذهب مالك بن أنس في التوفيق بين الأحاديث المذكورة.
وقال أبو عمر (٢): الصحيح عندنا الذي ذهب إليه مالك وأصحابه والشافعي؛ لأن في ذلك استعمال السنن على وجوهها الممكنة فيها دون رد شيء ثابت منها.
وقال أبو عمر أيضًا (٣): أما ما روي عن ابن عمر فنحمله عندنا على أن ذلك في البيوت، وقد بان ذلك برواية مروان بن الأصفر وغيره عن ابن عمر.
وأما حديث جابر فليس بصحيح فيعرج عليه؛ لأن أبان بن صالح الذي يرويه ضعيف، وقد رواه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة، عن النبي ﵇ على خلاف رواية أبان بن صالح، عن مجاهد، عن جابر، وهو
стр. 6661
حديث لا يحتج بمثله، وأما حديث عائشة فقد رفعه قوم، ولو صح لم يكن فيه خلاف لما ذهبنا إليه، لأن المقعدة لا تكون إلا في البيوت، وليس بذلك بأس عندنا في كنف البيوت، إنما وقع نهيه -والله أعلم- على الصحاري والفيافي والفضاء، وعليه خُرِّجَ حديثه ﵇ لأنه كان متبرز القوم.
ألا ترى إلى ما في حديث الإفك في قول عائشة ﵂: وكانت بيوتنا لا مراحيض لها، وإنما أمرنا أمر العرب الأُول" تعني البعد في البراز.
وقال أيضًا: ورد أحمد بن حنبل حديث جابر وحديث عائشة الواردين عن النبي ﵇ بالرخصة في هذا الباب، وضعف حديث جابر، وتكلم في حديث عائشة بأنه انفرد به خالد بن أبي الصلت، عن عراك بن مالك، عن عائشة ﵂.
قوله: "يبين لنا" جملة في محل الرفع على أنها صفة لقوله "دليل" في قوله: "إلا أنه ليس في ذلك دليل".
قوله: "وحديث عبد الرحمن بن يزيد" كلام إضافي مبتدأ، وقوله: "وحديث معقل" عطف عليه وكذلك قوله: "وحديث أبي هريرة"، وقوله: "فما منها" في محل الرفع مبتدأ فإن، وخبره قوله: "فمثل ذلك" والجملة خبر المبتدأ الأول، واسم الإشارة هاهنا أغنى عن العائد.
قوله: "فإذا ابن عمر" كلمة "إذا" "هاهنا" للمفاجأة، كما في قولك: خرجت فإذا السبع.
قوله: "وقد حدثنا ابن أبي عمران. . . ." إلى آخره ذكره شاهدًا لصحة قوله: "فنجعل ما فيه النهي منها على الصحاري. . . ." إلى آخره.
ثم إنه أخرج هذا عن عامر الشعبي من ثلاث طرق:
الأول: عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي، عن إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، نزيل بغداد وشيخ أبي داود، عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن عيسى بن أبي عيسى الحناط -بالحاء المهملة والنون- ويقال له: الخباط -بالخاء
стр. 6662
المعجمة والباء الموحدة- ويقال له: الخياط -بالخاء المعجمة والياء آخر الحروف- قال ابن سعد: كان يقول: أنا حناط وخباط، وخياط كُلًّا قد عالجت. فيه مقال فعن أحمد: ليس بشيء ضعيف. قال النسائي والدارقطني: متروك الحديث. وهو يروي عن عامر الشعبي.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن حاتم بن إسماعيل، عن عيسى بن أبي عيسى، عن الشعبي.
الثالث: عن إسماعيل بن إسحاق بن سهل الكوفي نزيل مصر الملقب بِتَرُنجة، عن عبد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي شيخ البخاري، عن عيسى بن أبي عيسى، عن الشعبي.
وأخرج أبو عمر (١) نحوه.
قوله: "سأله عن اختلاف هذين الحديثين" يعني حديث أبي هريرة، وحديث ابن عمر ﵃ فقال الشعبي لما سئل عنهما: صدق أبو هريرة وصدق ابن عمر، أما قول أبي هريرة فذلك في الصحاري، وأما قول ابن عمر فذلك في الكنف التي في البيوت ليس فيها قبلة استقبل حيث شئت.
قوله: "وإن حشوشكم" جمع حَشَّ -بالحاء المهملة والشين المعجمة المشددة- وهو في الأصل البستان، ولكن أريد بالحشوش الكنف ومواضع قضاء الحاجة، وذلك لأنهم كانوا كثيرًا ما يتغوطون في البساتين. والله أعلم.
стр. 6663
ص: باب أكل الثوم والبصل والكراث
ش: أي هذا باب في بيان حكم أكل الثوم والبصل والكراث.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني طلحة بن عمر، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكل من خضراواتكم هذه ذوات الريح فلا يقربنَّا في مساجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم".
ش: إسناده معلول بطلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي المكي، فإن أحمد قال فيه: لا شيء متروك الحديث. وعن يحيى بن معين: لا شيء ضعيف، وقال البخاري: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بثقة. روى له ابن ماجه.
وعطاء هو ابن أبي رباح المكي.
قوله: "من خضراواتكم" جمع خضراء، والمراد منها نحو الثوم والبصل والكراث، وقيل بين ذلك بقوله: "ذوات الريح".
فإن قيل: الخضراء صفة لا اسم، فيكف جمع هذا الجمع، وقياس ما كان على هذا الوزن أن لا يجمع هذا الجمع، وإنما يجمع به ما كان اسمًا لا صفة نحوه صحراء وخنفساء؟
قلت: إنما جمع هذا الجمع باعتبار أنه صار اسمًا لهذه البقول لا صفة، تقول العرب لهذه البقول: الخضراء، لا يريدون لونها، ومن هذا القبيل ما جاء في حديث آخر (١): "أتي بقدر فيه خَضِرات" بكسر الضاد، أي يقول، واحدها خضرة.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: أن جمهور العلماء على أن هذا النهي عام في كل مسجد، وذهب بعضهم أن هذا خاص في مسجد المدينة لأجل ملائكة الوحي وتأذيهم بذلك، ويحتج بظاهر
стр. 6664
قوله: "فلا يقربنَّا في مساجدنا" وفي رواية أخرى (١): "فلا يقرب مسجدنا" وحجة الجماعة ما جاء في رواية أخرى: "فلا يقرب المساجد" ذكرها مسلم (٢) وغيره، وقاسوا على هذا مجامع الصلاة في غير المساجد، كمصلى العيدين والجنائز ونحوها من مجامع العبادات.
وقال عياض: قد ذكر بعض فقهائنا أن حكم مجامع المسلمين فيهم هذا الحكم كمجالس العلم والولائم، وحلق الذكر.
الثاني: أن الملائكة تتأذى من الأشياء الكريهة كما يتأذى بنو آدم، فعل هذا يمنع الدخول بهذه الروائح إلى المسجد وإن كان خاليًا؛ لأنه محل الملائكة.
الثالث: قالوا: وفي اختصاصه النهي عن دخول المسجد إباحة دخول الأسواق وغيرها بها؛ وذلك لأنه ليس فيها حرمة المساجد ولا هي محل الملائكة لأنه إن تأذى به أحد في سوقه تنحى عنه إلى غيره وجالس سواه، ولا يمكنه ذلك في المسجد لانتظار الصلاة وإن خرج فاتته.
الرابع: قال أبو القاسم بن أبي صفرة: فيه دليل على تفضيل الملائكة على بني آدم، ولا دليل في ذلك، لاسيما مع قوله: "فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس" فقد سواهم؛ ومع قوله: "فلا يؤذينا".
الخامس: استدلت به طائفة فيما ذهبوا إليه من عدم جواز أكل الثوم والبصل ونحوهما، على ما يجيء بيانه مفصلًا إن شاء الله تعالى.
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﵇ قال: "من أكل من هذه الشجرة فلا يأتي المساجد".
стр. 6665
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: أنا ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﵇ قال: "من أكل من هذه البقلة فلا يقرب المسجد حتى يذهب ريحها -يعني الثوم-".
حدثنا محمد بن خزيمة وفهد، قالا: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني ابن الهاد، عن نافع، عن ابن عمر قال: "نهى رسول الله ﵇ عن أكل الثوم بخيبر".
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: عن أحمد بن داود المكي، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني فيه مقال، فعن يحيى: ليس بثقة، وقال النسائي: ليس بشيء. عن عبد الله بن رجاء الغداني عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄.
وأخرجه ابن ماجه (١): نا محمد بن الصباح، نا عبد الله بن رجاء المكي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵇: "من أكل من هذه الشجرة شيئًا فلا يأتين المسجد".
قوله: "من هذه الشجرة" إشارة إلى شجرة الثوم.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر. . . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٢): حدثني عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع وسالم، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ نهى يوم خيبر عن أكل الثوم، وعن لحوم الحمر الأهلية -نهى عن أكل الثوم، عن نافع وحده، ولحوم الحمر الأهلية عن سالم-".
стр. 6666
الثالث: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، وفهد بن سليمان، كلاهما عن عبد الله ابن صالح المصري شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄.
وأخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢) من حديث يحيى: عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. . . . إلى آخره نحوه، وليس في رواية أبي داود ذكر خيبر.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا قيس، عن أبي إسحاق، عن شريك بن حنبل، عن علي ﵁ عن رسول الله ﵇ قال: "من أكل من هذه البقلة فلا يقربنا -أو يؤذينا- في مسجدنا".
ش: أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي الكوفي شيخ البخاري.
وقيس هو ابن الربيع الأسدي الكوفي، ضعفه يحيى وقال: لا يكتب حديثه. قال الجوزجاني: ساقط، وقال النسائي: متروك الحديث.
وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي روى له الجماعة، وشريك بن حنبل العبسي الكوفي، وثقه ابن حبان.
وأخرجه البزار في "مسنده" (٣): نا محمَّد بن عبد الله المخرمي قال: نا يحيى بن آدم، قال: نا قيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن شريك بن حنبل، عن عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا -أو المسجد- يعني الثوم" ولا نعلم روى شريك بن حنبل عن علي إلا هذا الحديث، وقد روى يونس بن أبي إسحاق، عن عمير بن تميم، عن شريك بن حنبل، ولم يقل: عن علي. انتهى.
стр. 6667
قلت: اختلف فيه على أبي إسحاق، فرواه أبو وكيع بن مليح، عن أبي إسحاق، عن شريك بن حنبل، عن علي ﵁ قال: "نهي عن أكل الثوم إلا مطبوخًا".
قال مسدد، عن أبي وكيع، وخالفه قيس بن الربيع فأوصله، قال: "من أكل من هذه الشجرة. . . ." الحديث، وهو أشبه بالصواب.
وأخرجه أبو داود (١): عن مسدد، عن أبي وكيع الجراح، عن أبي إسحاق، عن شريك، عن علي قال: "نهي عن أكل الثوم إلا مطبوخًا".
وأخرجه الترمذي (٢): من طريق مسدد نحوه، ثم قال: هذا حديث ليس إسناده بذاك القوي، وقد روي هذا عن علي قوله، وروي عن شريك بن حنبل، عن النبي ﵇ مرسلًا.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو صالح الحنفي محمَّد بن عبد الوهاب، قال: ثنا معن بن عيسى، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عباد بن تميم، عن محمَّد أن النبي ﵇ قال: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن من مساجدنا -يعني الثوم-".
ش: رجاله كلهم ثقات، ومعن بن عيسى بن يحيى بن دينار الأشجعي القزاز الكوفي، روى له الجماعة.
وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني نزيل بغداد، روى له الجماعة.
والزهري هو محمَّد بن مسلم.
وعباد بن تميم بن غزية الأنصاري المدني ابن أخي عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري.
وعبد الله بن زيد، له ولأبويه صحبة.
стр. 6668
والحديث أخرجه الطبراني: نا محمَّد بن هشام المستملي، ثنا علي بن المديني (ح).
نا محمَّد بن عبد الله الحضرمي، ثنا ضرار بن صرد أبو نعيم الطحان، قالا: نا معن بن عيسى القزاز، ثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه قال: قال رسول الله ﵇: "من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مسجدنا".
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، قال: ثنا عبد العزيز بن صهيب، قال: "سأل رجل أنسًا: ما سمعت الرسول الله ﵇ يقول في الثوم؟ فقال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا ولا يصلين معنا".
ش: أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد شيخ البخاري وأبي داود.
وعبد الوارث هو ابن سعيد العنبري روى له الجماعة، وعبد العزيز بن صهيب البناني الأعمى البصري روى له الجماعة.
وأخرجه البخاري (١): نا مسدد، نا عبد الوارث، عن عبد العزيز، قال: قيل لأنس: "ما سمعت من النبي ﵇ في الثوم؟ فقال: من أكل فلا يقربن مسجدنا".
وأخرجه مسلم (٢): نا زهير بن حرب قال: ثنا إسماعيل -يعني- ابن علية عن عبد العزيز بن صهيب، قال: "سئل أنس عن الثوم؟ فقال: قال رسول الله ﵇ من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا, ولا يصلي معنا".
ص: حدثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن جابر، قال: قال رسول الله ﵇: "من أكل من هذه البقلة فلا يقربنا في مسجدنا -أو لا يقربن مسجدنا-".
стр. 6669
ش: محمَّد بن عمرو بن يونس التغلبي.
وعبيد الله بن موسى بن أبي المختار العبسي الكوفي شيخ البخاري.
وابن أبي ليلى هو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة، فيه مقال. وعطاء هو ابن أبي رباح.
والحديث أخرجه الجماعة غير ابن ماجه.
فقال البخاري (١): ثنا علي بن عبد الله، ثنا أبو صفوان عبد الله بن سعد، أنا يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عطاء، أن جابر عبد الله زعم عن النبي ﵇ قال: "من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا -أو ليعتزل مسجدنا-".
وقال مسلم (٢): نا أبو الطاهر وحرملة، قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عطاء بن أبي رباح، أن جابر بن عبد الله قال -في رواية حرملة: زعم- أن رسول الله ﵇ قال: "من أكل ثومًا أو بصلا فليعتزلنا -أو ليعتزل مسجدنا. . . .-" الحديث.
وقال أبو داود (٣): نا أحمد بن صالح، [قال: نا ابن وهب] (٤)، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عطاء بن أبي رباح، أن جابر بن عبد الله قال: إن رسول الله ﵇ قال: "من أكل. . . ." إلى آخره نحوه.
وقال الترمذي (٥): ثنا إسحاق بن منصور، قال ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج، قال: أنا عطاء، عن جابر، قال: قال: رسول الله ﵇: "من أكل من هذه -أو قال مرة: الثوم والبصل والكراث- فلا يقربنا في مسجدنا".
стр. 6670
وقال النسائي (١): أنا إسحاق بن منصور. . . ." إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا قيس بن الربيع، عن بشر بن بشير، عن أبيه -وكان من أصحاب الشجرة- قال: قال رسول الله ﵇: "من أكل من هذه الشجرة فلا يناجينا".
ش: أبو الوليد: هشام بن عبد الملك الطيالسي.
وقيس بن الربيع فيه مقال وقد مَرَّ ذكره عن قريب.
وبِشْر -بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة- بن بَشِير -على وزن فعيل بفتح الباء- الأسلمي وثقه ابن حبان.
وأبوه بشير بن معبد الأسلمي الصحابي ﵁.
وأخرجه الطبراني (٢): ثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، ثنا أبو داود الطيالسي (ح).
وحدثئا محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة، نا إبراهيم بن إسحاق الضبي (ح).
وحدثنا الحسين بن إسحاق التستري، نا يحيى الحماني، قالوا: نا قيس ابن الربيع، عن بشر بن بشير الأسلمى، عن أبيه -وكانت له صحبة مع النبي ﵇ قال: قال رسول الله ﵇: "من أكل من هذه البقل فلا يقربن مسجدنا، يعني الثوم".
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يونس بن محمَّد، قال: ثنا حكم بن عطية، عن أبي الرباب، عن معقل بن يسار قال: "كنا مع رسول الله ﵇ في مسير له، وإنا نزلنا في مكان فيه شجر ثوم فبثّ أصحابه فيه فأكلوا منه، ثم عدوا إلى المصلى، فوجد النبي ﵇ ريح الثوم، فقال: لا تقربوا هذه الشجرة، قال: ثم جاءوا الثانية إلى المصلى فوجد ريحها، فقال: من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن المصلى".
стр. 6671
ش: يونس بن محمد بن مسلم البغدادي روى له الجماعة، وحكم بن عطية العيشي -بالشين المعجمة- وثقه يحيى بن معين، وقال النسائي: ليس بالقوي. وروى له الترمذي، وقال: قد تكلم بعضهم فيه.
وأبو الرَّبَاب -بفتح الراء بعدها الباء الموحدة، وفي آخره باء موحدة أخرى- قال ابن ماكولا: أبو الرباب القشيري اسمه مطرف بن مالك روى عن أبي الدرداء، روى عنه محمَّد بن سيرين وغيره.
أبو الرباب عن معقل بن يسار قال عبد الغني: لعله الذي قبله.
وقال ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل": مطرف بن مالك أبو الرباب القشيري شهد فتح تستر مع أبي موسى الأشعري، روى عنه زرارة بن أوفى ومحمد بن سيرين، سمعت أبي يقول ذلك. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين وقال: مطرف بن مالك أبو الرباب.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا محمَّد بن عبد الله بن الزبير، ثنا الحكم بن عطية، عن أبي الرباب قال: سمعت معقل بن يسار يقول: "كنا مع رسول الله ﵇ في مسير له فنزلنا منزلا في مكان كثير الثوم، وإن أناسًا من المسلمين أصابوا منه، ثم جاءوا إلى المصلى يصلون مع النبي ﵇، فنهاهم عنها [ثم جاءوا بعد ذلك إلى المصلى فنهاهم عنها، ثم جاءوا بعد ذلك إلى المصلى فنهاهم عنها] (٢)، ثم جاءوا بعد ذلك إلى المصلى فوجد ريحها منهم، فقال: من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا في مسجدنا".
ثم اعلم أن الطحاوي: أخرج أحاديث هذا الباب إلى هاهنا عن ثمانية أنفس من الصحابة، وهم: عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن زيد بن عاصم وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله وبشير بن معبد الأسلمي ومعقل بن يسار.
стр. 6672
ولما أخرج الترمذي (١) حديث جابر قال: وفي الباب عن عمر وأبي أيوب وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر بن سمرة وقرة بن إياس المزني وابن عمر ﵃.
قلت: وفي الباب أيضًا عن حذيفة وعقبة بن عامر الجهني والمغيرة بن شعبة وأبي أمامة وسفيان بن وهب الخولاني، وأم أيوب الأنصارية وعائشة ﵃.
أما حديث عمر وأبي أيوب وجابر بن سمرة وقرة بن إياس فقد أخرجه الطحاوي في الفصل الثاني على ما سيجيء، إن شاء الله تعالى.
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم (٢): حدثني محمَّد بن رافع وعبد بن حميد -قال عبد: أنا، وقال ابن رافع: [ثنا] (٣) - عبد الرزاق قال: أنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا, ولا يؤذنا بريح الثوم".
وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه مسلم (٤) أيضًا: حدثني عمرو الناقد قال: أنا إسماعيل بن علية، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: "لم نعد أن فتحت خيبر، فوقعنا أصحابَ رسول الله ﵇ في تلك البقلة: الثوم والناس جياع، فأكلنا منه أكلا شديدًا ثم رحنا إلى المسجد، فوجد رسول الله ﵇ الريح، فقال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئًا فلا يغشينا في المسجد، قال الناس: حرمت حرمت، فبلغ ذلك النبي، ﵇ فقال: أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما أحل الله، ولكنها شجرة أكره ريحها".
وأخرجه أبو داود (٥) أيضًا.
стр. 6673
وأما حديث حذيفة:
فأخرجه أبو داود (١): ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا جرير، عن الشيباني، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن حذيفة -أظنه- عن رسول الله ﵇ قال: "من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة تفلة بين عينيه، ومن أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا ثلاثًا".
وأما حديث عقبة بن عامر:
فأخرجه ابن ماجه (٢): ثنا حرملة بن يحيى، نا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن عثمان بن نعيم، عن المغيرة بن نهيك، عن دخين الحجري أنه سمع عقبة بن عامر الجهني يقول: إن رسول الله ﵇ قال لأصحابه: "لا تأكلوا البصل، ثم قال كلمة خفية: النيء".
وأما حديث المغيرة بن شعبة وأبي أمامة وسفيان بن وهب، وأم أيوب الأنصارية: فأخرجه الطحاوي على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما حديث عائشة ﵂:
فأخرجه أبو داود (٣): ثنا إبراهيم بن موسى، قال: أنا.
وثنا حيوة بن شريح، قال: ثنا بقية، عن [بحير] (٤) عن خالد، عن أبي زياد خيار بن سلمة: "أنه سأل عائشة عن البصل، فقالت: إن آخر طعام أكله رسول الله ﵇ طعام فيه بصل".
стр. 6674
ص: قال أبو جعفر ﵀: فكره قوم أكل البقول ذوات الريح أصلًا، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: شريك بن حنبل الكوفي، وعطاء، وطائفة من الظاهرية؛ فإنهم ذهبوا إلى كراهة أكل البقول ذوات الريح نحو الثوم والبصل والكراث والفجل إذا تُجُشِّيء منه، ونحو ذلك، سواء كان نيئا أو مطبوخًا، وروي ذلك أيضًا عن علي بن أبي طالب ﵁.
وقال ابن حزم في "المحلى" (١): وروينا عن علي بن أبي طالب، وشريك بن حنبل من التابعين: تحريم الثوم النيء.
قال عليّ (٢): ليس حرامًا؛ لأن النبي ﵇ أباحه في الأخبار.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: إنما نهى النبي ﵇ عن أكلها لا لأنها حرام، ولكن لئلا يؤذي بريحها من يحضر معه المسجد.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم جماهير العلماء من السلف وأئمة الفتوى منهم الأئمة الأربعة وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: لا يكره أكل البقول ذوات الريح، وذلك لأن نهي النبي ﵇ عن أهلها لم يكن لأجل أنها حرام، ولكن لئلا يؤذي آكلها بريحها من يحضر معه المساجد.
قال عياض: النهي عن حضور المساجد لمن أكلها ليس بتحريم لها؛ بدليل إباحة النبي ﵇ إياها لمن حضره من أصحابه وتخصيصه نفسه بالعلة التي ذكرها من قوله: "وإني أناجي من لا تناجي" وبقوله: "وليس لي تحريم ما أحل الله، ولكني أكرهها" وكذلك حكم أكل الفجل لمن يتجشئ منه أو غير ذلك مما تستفيح رائحته ويتأذى به.
стр. 6675
وقد ذكر أبو عبد الله بن المرابط في "شرحه": أن حكم من به داء البخر في فيه، أو به جرح له رائحة، هذا الحكم.
وقال ابن حزم في "المحلى" (١): ومن أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثا ففرض عليه أن لا يصلي في المسجد حتي تذهب الرائحة، وفرضٌ إخراجه من المسجد إن دخله قبل انقطاع الرائحة، فإن صلى في المسجد كذلك فلا صلاة له، ولا يمنع أحد من المسجد غير من ذكرنا، لا أبخر ولا مجذوم ولا ذو عاهة.
ص: وقد جاء في ذلك آثار أُخر ما قد دل على ذلك:
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة اليعمري أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "يا أيها الناس، إنكم لتأكلون من شجرتين خبيثتين، هذا الثوم وهذا البصل، ولقد كنت أرى الرجل على عهد رسول الله ﵇ يوجد منه ريحه، فيؤخذ بيده فيخرج إلى البقيع، فمن كان آكلهما فليطبخهما طبخًا".
فهذا عمر ﵁ قد أخبر بما كانوا يصنعون بمن أكلهما على عهد رسول الله ﵇ وقد أباح هو أكلهما بعد أن يُماتا طبخًا، فدل ذلك على أن النهي عنه لم يكن للتحريم.
ش: أي قد جاء فيما ذكرنا من أن النهي عن أكل البقول ذوات الريح لا لأنها حرام آثار أُخَر، ما قد دل على ما ذكرنا، منها حديث عمر ﵁ أخرجه بإسناد صحيح.
وأخرجه مسلم (٢) مطولا: ثنا محمَّد بن مثنى، قال: نا يحيى بن سعيد، قال: نا هشام، قال: ثنا قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة: "أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب يوم الجمعة فذكر نبي الله ﷺ وذكر أبا بكر ﵁
стр. 6676
قال: إني رأيت كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات، وإني لا أراه إلا حضور أجلي وإن أقوامًا يأمرونني أن أستخلف، وإن الله تعالى لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته، ولا الذي بعث به نبيه ﵇، فإن عُجِّل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفى رسول الله ﵇ وهو عنهم راض، وإني قد علمت أن أقوامًا يطعنون في هذا الأمر، أنا ضربتهم بيدي هذه على الإِسلام فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال، ثم إني لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول الله ﵇ في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بأصبعه في صدري فقال: يا عمر ألا [تكفيك] (١) آية الصيف التي في آخر سورة النساء، وإني إن أعش أقضي فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن، ومن لا يقرأ القرآن، ثم قال: اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار، وإنما بعثتهم عليهم ليعدلوا عليهم، وليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم، ويقسموا فيهم فيئهم، ويرفعوا إلى ما أشكل عليهم من أمرهم، ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين: هذا البصل والثوم، ولقد رأيت رسول الله ﵇ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخًا".
قوله: "خبيثتين" أراد بالخبيثة النتنة، والعرب تطلق الخبيث على كل مذموم ومكروه من قول أو فعل أو مال أو طعام أو شخص.
قوله: "فليطبخهما طبخًا" وفي رواية مسلم: "فليمتهما طبخًا" ومعناهما واحد لأن المراد إذهاب رائحتهما وكسر قوة كل شيء إماتته، ومثله: قتلت الخمر إذا مزجتها بالماء فكسرتها.
قال القاضي: هذا يدل على أن النهي في النيء لأن الطبيخ يذهب ريحهما.
قال: وفيه دليل على إخراج من وجدت رائحتهما منه من المسجد، وإخراجه إلى البقيع: إبعاد له عن المسجد ورحابه، إذ حكمهما في أداء المصلين فيها حكم المسجد.
стр. 6677
وقال الخطابي: وقد عد قوم أن أكل الثوم من الأعذار المبيحة للتخلف عن الجماعة لهذا الحديث، ولا حجة في هذا لأن الحديث إنما ورد مورد التوبيخ والعقوبة لآكلها؛ لما حرمه من فضيلة الجماعة.
ص: وقد حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يونس بن محمَّد، قال: ثنا خالد بن ميسرة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، عن النبي ﵇ قال: "من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يقربن مسجدنا، فإن كنتم لابد آكليهما فأميتوهما طبخًا".
فهذا رسول الله ﵇ قد أباح أكلهما بعد ذهاب ريحهما، فدل ذلك أن نهيه عن أكلهما إنما كان كراهية ريحهما لا لأنهما حرام في أنفسهما.
ش: من الآثار التي دلت على ما ذهب إليه الجمهور: حديث قرة بن إياس بن هلال بن رئاب المزني الصحابي.
أخرجه بإسناد صحيح، عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن يونس بن محمَّد بن مسلم البغدادي المؤدب، عن خالد بن ميسرة العطار البصري، عن معاوية بن قرة، عن أبيه.
وأخرجه أبو داود (١): نا عباس بن عبد العظيم، قال: ثنا عبد الملك بن عمرو أبو عامر، قال: نا خالد بن ميسرة -يعني العطار- عن معاوية بن قرة، عن أبيه: "أن النبي ﵇ نهى عن هاتين الشجرتين، وقال: من أكلهما فلا يقربن مسجدنا، وقال: إن كنتم لابد آكليهما فأميتوهما طبخًا".
ص: وقد حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا أبو هلال الراسبي وغيره، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن المغيرة بن شعبة، قال: "أكلت الثوم على عهد رسول الله ﵇ فأتيت المسجد وقد سبقت بركعة، فدخلت معهم في الصلاة فوجد رسول الله ﵇ ريحه، فلما سلم قال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مصلانا حتى يذهب ريحها، فأتممت صلاتي، فلما
стр. 6678
سلمت قلت: يا رسول الله أقسمت عليك إلا أعطيتني يدك، فناولني يده فأدخلتها في كمي حتى انتهيت إلي صدري فوجده معصوبًا فقال: إن لك عذرًا".
ففي قول رسول الله ﷺ : "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربنا في مسجدنا حتى يذهب ريحها" دليل على أنه إنما نهى عن أكلها لئلا يؤذي ريحها من يحضر المسجد؛ لا لأن أكلها حرام".
ش: من الآثار التي دلت على ما ذهب إليه الجمهور حديث المغيرة بن شعبة.
أخرجه بإسناد صحيح: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن يزيد بن هارون الواسطي شيخ أحمد، عن أبي هلال محمَّد بن سليم الراسبي وغيره، عن حميد بن هلال بن هبيرة البصري، عن أبي بردة عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، عن المغيرة بن شعبة.
وأخرجه أبو داود (١): عن شيبان بن فروخ، عن أبي هلال الراسبي. . . . إلى آخره نحوه.
قوله: "معصوبًا" أي مشدودًا.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أكل من طعام بعث بفضله إلى أبي أيوب، قال: فبعث إليه ذات يوم بقصعة لم يأكل منها، فأتاه أبو أيوب فقال: يا رسول الله، أحرام هو؟ قال: لا ولكن كرهته لريحه، قال: فأنا أكره ما كرهت".
ش: من الآثار التي دلت على ما ذهب إليه الجمهور حديث جابر بن سمرة، أخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن شعبة بن الحجاج، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة.
стр. 6679
وأخرجه الترمذي (١): عن محمود بن غيلان، عن أبي داود، عن شعبة. . . . إلى آخره نحوه، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
ص: حدثنا يونس قال: ثنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه قال: "نزلت على أم أيوب الأنصارية التي كان النبي ﵇ نزل عليهم، فحدثتني أنهم تكلفوا له طعامًا فيه بعض هذه البقول، فأتوا به فكرهه، فقال لأصحابه: كلوه فإني لست كأحدكم، إني أخاف أن أؤذي صاحبي".
وحدثنا يونس مرة أخرى، قال: ثنا سفيان، عن عبيد الله، قال: سمعت أم أيوب الأنصارية، قالت: "نزل عليّ رسول الله ﵇ فقربت إليه طعامًا فيه من بعض هذه البقول، فلم يأكله، وقال: إني أكره أن أؤذي صاحبي".
ش: هذان إسنادان رجالهما ثقات:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد المكي مولى آل قارظ، عن أبيه أبي يزيد، عن أم أيوب الأنصارية زوج أبي أيوب الأنصاري.
وأخرجه الترمذي (٢): نا الحسن بن صباح، نا سفيان بن عيينة. . . . إلى آخره نحوه. وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.
وأخرجه ابن ماجه (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة. . . . إلى آخره.
الثاني: عن يونس أيضًا، عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أم أيوب. من دون ذكر أبيه بينه وبين أم أيوب.
стр. 6680
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن أبي رهم السماعي، أن أبا أيوب حدثه قال: "قلت: يا رسول الله، كنت ترسل بالطعام فأنظر فيه، فإذا رأيت أثر أصابعك وضعت يدي فيه، حتى كان هذا الطعام الذي أرسلت به، فنظرت فيه فلم أر فيه أثر أصابعك فقال رسول الله ﷺ : "أجل إن فيه بصلًا فكرهت أن آكله من أجل الملك الذي يأتيني، وأما أنتم فكلوه".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عباس بن الوليد الرقام، قال: ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن إسحاق، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي أمامة، عن أبي أيوب، عن رسول الله ﷺ مثله، غير أنه لم يسم الشجرة.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمر بن الحارث، عن بكر بن سوادة أن سفيان بن وهب حدثه عن أبي أيوب الأنصاري، عن رسول الله ﵇ بنحوه، إلا أنه قال: "بصل أو كراث" وزاد في آخره: "ليس بمحرم".
فقد أباح رسول الله ﵇ في هذه الآثار للناس أكل البصل والكراث، وأن ذلك غير محرم.
ش: من الآثار التي دلت على ما ذهب إليه الجمهور حديث أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري.
أخرجه من أربع طرق:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي رهم السماعي واسمه أحزاب ذكره ابن يونس في
стр. 6681
"تاريخ مصر"، وقال: أبو رهم السماعي وهو الجرهمي قديم الموت، روى عن أبي أيوب الأنصاري روى عنه عبد الرحمن بن شماسة وأبو الخير وغيرهما.
والحديث أخرجه أحمد (١) بأتم منه: نا يونس، نا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن أبي رهم السماعي، أن أبا أيوب حدثه: "أن رسول الله ﵇ نزل بيتا الأسفل وكنت في الغرفة فأهريق ماء في الغرفة، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا نتبع الماء؛ شفقة أن يخلص الماء إلى رسول الله ﵇ فنزلت إلى رسول الله ﵇، وأنا مشفق، فقلت: يا رسول الله، إنه ليس ينبغي أن نكون فوقك، انتقل إلى الغرفة، فأمر النبي ﵇ بمتاعه فنقل، فقلت: يا رسول الله، كنت ترسل إليّ بالطعام، فأنظر، فإذا رأيت أثر أصابعك وضعت يدي فيه، حتى إذا كان هذا الطعام الذي أرسلت به إليّ، فنظرت فيه، فلم أر فيه أثر أصابعك، فقال رسول الله ﵇: أجل إن فيه بصلًا، فكرهت أن آكله من أجل الملك الذي يأتيني، وأما أنتم فكلوه".
الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن أبي عبد الرحمن المقرئ -واسمه عبد الله بن يزيد- شيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة فيه مقال، عن يزيد بن أبي حبيب. . . . إلى آخره.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عياش -بالياء آخر الحروف والشين المعجمة- الرقام القطان البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الأعلى ابن عبد الأعلى السامي البصري، عن محمَّد بن إسحاق المدني، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن مرثد بن عبد الله اليزني أبي الخير المصري، عن أبي أمامة صدي بن عجلان الصحابي، عن أبي أيوب.
أخرجه الطبراني (٢): نا معاذ بن المثنى، ثنا يحيي بن معين (ح).
وحدثنا محمَّد بن علي الناقد البصري ثنا نصر بن علي، قالا: ثنا وهب بن جرير،
стр. 6682
ثنا أبي، قال: سمعت محمَّد بن إسحاق حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن أبي أمامة، عن أبي أيوب ﵄ قال: "لما نزل عليّ رسول الله ﷺ قلت: بأبي وأمي، إني أكره أن أكون فوقك وتكون أسفل مني، فقال رسول الله ﵇: إن الأرفق بنا أن نكون في السفل؛ لمن يغشانا من الناس. فلقد رأيت جرة لنا انكسرت فأهريق ماؤها، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا، ما لنا لحاف غيرها، فننشف بها الماء فرقًا من أن يصل إلى رسول الله ﵇ منه شيء يؤذيه، وكنا نصنع طعامًا فإذا رد ما بقي منه تيممنا مواضع أصابعه، فأكلنا منها [نريد] (١) بذلك البركة، فرد علينا عشاءه ليلة، وكنا جعلنا فيه ثومًا -أو بصلًا- فلم نر فيه أثر أصابعه، فذكرت له الذي كنا نصنع والذي رأينا من رده الطعام ولم يأكل، فقال: إني وجدت منه ريح هذه الشجرة وأنا رجل أناجى، فلم أحب أن يوجد مني ريحه، فأما أنتم فكلوه".
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث المصري، عن بكر بن سوادة بن ثمامة المصري، عن سفيان بن وهب الصحابي المصري، عن أبي أيوب الأنصاري.
وأخرجه الطبراني (٢): ثنا يحيي بن عثمان بن صالح، ثنا أصبغ (ح).
وحدثنا أحمد بن رشدين، ثنا أحمد بن صالح، قالا: ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، أن سفيان بن وهب حدثه، عن أبي أيوب: "أن رسول الله ﵇ أرسل إليه بطعام مع خضرة فيه بصل -أو كراث- لم ير فيه أثر أصابع رسول الله ﵇ فأبى أن يأكله، فقال له رسول الله ﵇: ما منعك أن تأكل؟! قال: لم أر فيه أثرك يا رسول الله، قال رسول الله ﵇: استحي من ملائكة الله، وليس بمحرم".
стр. 6683
ص: فإن قال قائل: هذا الذي ذكرت إنما هو على ما كان منهما قد طبخ، فأما ما كان غير مطبوخ فهو داخل في النهي الذي في الآثار الأول.
قيل له: قد قال رسول الله ﵇ فيما ذكرنا عنه من هذه الآثار: "إنما كرهته لريحه" وقد أباح أصحابه أكله، فلما كانت ريحه فيه قائمةً بعد الطبخ كان على حكمه، إذ كان إنما كره أكله فيهما جميعًا من أجل ريحه، فدل أن إباحة أكله لهم بعد الطبخ وريحه موجودة على أن أكلهم إياه قبل الطبخ مباح لهم أيضًا.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن الذي يُفهم من الأحاديث من الإباحة هو ما كان منهما -أي: من الثوم والبصل- مطبوخًا، فأما النيئ منهما فهو داخل في النهي المذكور في الأحاديث الأُول.
والجواب ظاهر.
قوله: "إذ كان" كلمة "إذْ" للتعليل.
ص: وقد حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عطاء بن أبي رباح، أن جابر بن عبد الله ﵄ قال: إن رسول الله ﵇ قال: "من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا -أو ليعتزل مسجدنا- فيقعد في بيته، وإنه أتي بقدر -أو ببدر- طبق فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحًا، فسأل عنها، فأُخبر بما فيها من البقول، فقال: قربوها إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كره أكله، قال: كل، فإني أناجي من لا تناجي".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أنا ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله ﵇ قال: "من أكل الكراث فلا يغشانا في مساجدنا حتى يذهب ريحها؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان".
حدثنا عبد العزيز بن معاوية العتابي، قال: ثنا عبد الله بن رجاء (ح).
وحدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا شبابة بن سوار، قالا: أنا إسرائيل، عن مسلم الأعور، عن حبَّة، عن علي ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﵇ أن نأكل الثوم، وقال: لولا أن الملك ينزل عليَّ لأكلته".
стр. 6684
فقد دل ما ذكرنا على إباحة أكلها مطبوخًا كان أو غير مطبوخ لمن قعد في بيته، وكراهة حضور المسجد وريحه موجود؛ لئلا يؤذي بذلك من يحضره من الملائكة وبني آدم.
فبهذا نأخذ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: أخرج حديث جابر وعلي ﵄ شاهدًا لما قاله من أن أكل الثوم قبل الطبخ أيضًا مباح كما هو مباح بعده.
وأخرج حديث جابر من طريقين صحيحين رجالهما رجال الصحيح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عطاء بن أبي رباح المكي، عن جابر ﵁.
أخرجه مسلم (١): عن أبي الطاهر وحرملة، كلاهما عن ابن وهب. . . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب عن عبد الملك بن جريج عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي عن جابر.
وأخرجه مسلم (٢): من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، عن النبي ﵇ قال: "من أكل من هذه البقلة -الثوم- وقال مرة: من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم".
وفي لفظ له (١): "من أكل من هذه الشجرة -يريد الثوم- فلا يغشينا في مسجدنا" ولم يذكر البصل والكراث.
قوله: "أو ببدر" شك من الرواي.
стр. 6685
قال القاضي عياض: قالوا: ولعل قولهم "قدر" تصحيف من الرواة، وذلك أن في كتاب أبي داود: "أنه ﵇ أُتي ببدر"، والبدر هاهنا الطبق، شُبِّهَ بذلك لاستدارته كاستدارة البدر.
ثم قال: والصواب: "ببدر" أي طبق، وكذا ذكره البخاري عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب في هذا الحديث، وقال: "أتي ببدر" وقال ابن وهب: يعني طبقًا، وذكر ابن عفير. رواه عنه "بقدر".
قلت: الصواب ما قاله القاضي أنه "ببدر" لأن في نسخة القدر قالوا: ظاهر هذا أن الكراهة باقية مع الطبخ، وهذا خلاف للحديث الذي فيه: "فمن أكلهما فليمتهما طبخًا" فإذا كانت النسخة "بدرًا" لم يكن هذا مناقضًا لحديث الطبخ؛ لأنه يحتمل حينئذ أن يكون كانت نيئة؛ فافهم.
قوله: "طبق" بالجر، عطف بيان، من قوله: "ببدر"، وهو ليس بموجود في غالب النسخ، والصواب تركه.
قوله: "خَضِرات" بفتح الخاء وكسر الضاد، جمع خَضِرة.
وأخرج حديث علي ﵁ أيضًا من طريقين:
الأول: عن عبد العزيز بن معاوية بن عبد العزيز العتابي البصري، عن عبد الله ابن رجاء بن عمر الغداني شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن مسلم بن كيسان الضبي الملائي البراد الكوفي الأعور، فيه مقال، فعن يحيي: لا شيء. وعن أبي زرعة: ضعيف الحديث. وعن النسائي: متروك. وهو يروي عن حَبَّة -بالحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- بن جوين البجلي الكوفي، قال الطبراني: يقال: إنه رأى رسول الله ﵇، وفي "الميزان": حبَّة العرني الكوفي، عن عليّ، من غلاة الشيعة، وهو الذي حدث أن عليًّا ﵁ كان معه بصفين ثمانون بدريًّا، وهذا غال، وقال العجلي: تابعي ثقة.
стр. 6686
الثاني: عن علي بن حسين بن نصر بن المعارك، عن شبابة بن سوار الفزاري، عن إسرائيل. . . . إلى آخره.
وأخرجه البزار في "مسنده" (١): نا عبد الله بن سعيد، قال: نا عقبة بن خالد، عن إسرائيل، عن مسلم، عن حبَّة -يعني ابن جوين العرني- عن علي (ح).
ثنا محمد بن عمر، نا عبد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن مسلم، عن حبَّة، عن علي ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بأكل الثوم، وقال: لولا أن الملك ينزل عليّ لأكلته". وهو حديث لا نعلم رواه عن النبي ﵇ إلا عليّ بهذا الإسناد.
قوله: "لا يغشينا" أي لا يقربنا.
وقوله: "أمرنا أن نأكل الثوم" الأمر به أمر إباحة. فافهم.
стр. 6687
ص: باب الرجل يمر بالحائط أله أن يأكل منه أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يمر بالبستان، هل يجوز له أن يأكل من ثماره بغير إذن أصحابه أم لا؟.
والحائط: البستان من النخيل إذا كان عليه حائط أي جدار، ويجمع على حوائط، والحديقة أعم منه؛ لأنه يقال للقطعة من النخيل: حديقة، وإن لم يكن محاطًا بها، ويقال: الحديقة كل ما أحاط به البناء من البساتين وغيرها.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا علي بن عاصم، قال: أنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري -قال: أحسبه- عن النبي ﵇ قال: "إذا أتى أحدكم على حائط فليناد صاحبه ثلاث مرات، فإن أجابه وإلا فليأكل من غير أن يفسد، وإذا أتى على غنم فليناد صاحبه ثلاث مرات، فإن أجابه وإلا فليشرب من غير أن يفسد".
ش: علي بن عاصم بن صهيب بن سنان الواسطي، شيخ أحمد روى عنه ووثقه.
والجريري هو سعيد، نسبته إلى جُرير -بضم الجيم- وهو [ابن] (١) عباد أخو الحارث بن عباد بن ضُبيعة بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. وأبو نضرة -بالنون والضاد المعجمة- المنذر بن مالك العبدي البصري، روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا.
وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك ﵁.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا مؤمل بن إسماعيل ثنا حماد -يعني ابن سلمة- ثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أن رسول الله ﵇ قال: "إذا أتى أحدكم حائطًا فأراد أن يأكل فليناد صاحب الحائط ثلاثًا، فإن أجابه وإلا فليأكل، وإذا مر
стр. 6688
أحدكم بإبل فأراد أن يشرب من ألبانها فليناد: يا صاحب الإبل -أو يا راعي الإبل- فإن أجابه وإلا فليشرب، والضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة".
فإن قيل: ما حكم هذا الحديث؟
قلت: صحيح، ولهذا أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١) من طريق يزيد بن هارون، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد.
فإن قيل: قد أخرج البيهقي (٢) هذا الحديث من حديث يزيد بن هارون، ثم علله بأن يزيد روى عن الجريري بعد اختلاطه، ثم قال: رواه حماد بن سلمة، عن الجريري، وليس بالقوي.
قلت: قال الذهبي في "مختصره سنن البيهقي": هذا قلة إنصاف، حماد ثقة ومع هذا فما تفرد بالحديث فصح أن الجريري رواه في صحته وبانضمام هذا إلى ما قبله يصير سنة ثابتة.
قلت: حماد بن سلمة أخرج له مسلم، وذكره أبو الوليد الباجي في "رجال البخاري" وقال العجلي: روى عن الجريري في الاختلاط: يزيد بن هارون وابن المبارك وابن عدي، كل ما روى عنه مثل هؤلاء الصغار فهو مختلط، وإنما الصحيح: حماد بن سلمة وابن علية وعبد الأعلى، من أصحهم سماعًا منه.
قوله: "من غير أن يفسد" أراد أنه لا يأكل أكثر من سَدِّ جوعته، ولا يحمل منه شيئًا غير أكله، ولا يعطي الإنسان.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا، فجعلوا لمن مر بحائط أن ينادي صاحبه ثلاثًا، فإن أجابه، وإلا فأكل وكذلك في الغنم.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري، وزيد بن وهب الجهني، وأحمد -في رواية- فإنهم قالوا: من مَرَّ ببستان، ينادي صاحبه ثلاثًا، فإن أجابه وإلا فأكل وكذا
стр. 6689
إذا مَرَّ على غنم قوم ينادي: يا صاحب الغنم -أو يا راعي الغنم- ثلاثًا، فإن أجاب، وإلا شرب من لبنها.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا ينبغي أن يأكل من غير ضرورة، فإن كانت ضرورة فالأكل والشرب له مباح.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جمهور العلماء وفقهاء الأمصار منهم الأئمة الأربعة وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: لا يجوز لأحد أن يأكل من بستان أحد ولا يشرب من لبن غنمه إلا بإذن صاحبه، اللهم إلا إذا كان مضطرًا، فحينئذ يجوز له بغير إذن قدر دفع الحاجة.
ص: وقد روي عن أبي سعيد في غير هذا الحديث ما يدل على أن الإباحة المذكورة في هذا الحديث هي على الضرورة، فذكروا ما حدثنا فهد، قال: ثنا مخول بن إبراهيم، قال: ثنا إسرائيل، عن عبد الله بن عصمة، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: "إذا أرمل القوم فصبحوا الإبل فلينادوا الراعي ثلاثًا، فإن لم يجدوا الراعي، ووجدوا الإبل فليتصبحوا لبن الراوية إن كان في الإبل راوية، ولا حق لهم في بقيتها، فإن جاء الراعي فليمسكه رجلان ولا يقاتلوه، وليشربوا فإن كان معهم دراهم فهو عليهم حرام إلا بإذن أهله".
ففي هذا الحديث دليل على أن ما أبيح من ذلك في هذا الحديث الأول إنما هو على الضرورة.
ش: هذا جواب عن حديث أبي سعيد المذكور الذي احتجت به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه.
تقريره أن يقال: إن استدلالهم بالحديث المذكور لا يتم ولا يستقيم؛ لأنه قد دَلَّ حديث أبي سعيد الآخر أن معناه محمول على حالة الضرورة، ونحن أيضًا نقول: إن الضرورة تبيح الأكل من ثمار غيره والشرب من لبن غيره ونحو ذلك؛ قدر ما يدفع جوعته.
стр. 6690
وقد قال البيهقي (١): هذا الحديث محمول عندنا على الضرورة وقال: قال الشافعي: من مر لرجل بزرع أو تمر أو ماشية، أو غير ذلك من ماله؛ لم يكن له أخذ شيء منه إلا بإذنه؛ لأن هذا مما لم يأت فيه كتاب ولا سنة ثابتة بإباحته.
قال: وقد قيل: من مر بحائط فليأكل ولا يتخذ خُبنة ولم يثبت الحديث. قوله: "فذكروا" أي الآخرون ذكروا، ما حدثنا فهد بن سليمان، عن مخول بن إبراهيم بن مخول بن راشد النهدي الكوفي.
قال الذهبي: رافضي بغيض، صدوق في نفسه، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق روى له الجماعة.
عن عبد الله بن عصمة الجشمي وثقه ابن حبان (٢).
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا وكيع، قال: ثنا إسرائيل، عن عبد الله بن عصمة، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: "لا يحل لرجل أن يحلب ناقة رجل مصرورة إلا بإذن صاحبها، ألا إن خاتمها صرارها، فإن أرمل القوم فليناد الراعي ثلاثًا، فإن أجاب شربوا، وإلا فليمسكه رجلان وليشربوا".
وأخرجه البيهقي (٤): من حديث أبي عبيد، ثنا شريك، عن عبد الله بن عصم سمعت أبا سعيد الخدري يقول: "لا يحل لأحد أن يحل صرار ناقة إلا أن يأذن أهلها، فإن خاتم أهلها عليها، قيل لشريك: أرفعه؟ قال: نعم".