الثاني: عن علي بن حسين بن نصر بن المعارك، عن شبابة بن سوار الفزاري، عن إسرائيل. . . . إلى آخره.
وأخرجه البزار في "مسنده" (١): نا عبد الله بن سعيد، قال: نا عقبة بن خالد، عن إسرائيل، عن مسلم، عن حبَّة -يعني ابن جوين العرني- عن علي (ح).
ثنا محمد بن عمر، نا عبد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن مسلم، عن حبَّة، عن علي ﵁ قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بأكل الثوم، وقال: لولا أن الملك ينزل عليّ لأكلته". وهو حديث لا نعلم رواه عن النبي ﵇ إلا عليّ بهذا الإسناد.
قوله: "لا يغشينا" أي لا يقربنا.
وقوله: "أمرنا أن نأكل الثوم" الأمر به أمر إباحة. فافهم.
стр. 6687
ص: باب الرجل يمر بالحائط أله أن يأكل منه أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يمر بالبستان، هل يجوز له أن يأكل من ثماره بغير إذن أصحابه أم لا؟.
والحائط: البستان من النخيل إذا كان عليه حائط أي جدار، ويجمع على حوائط، والحديقة أعم منه؛ لأنه يقال للقطعة من النخيل: حديقة، وإن لم يكن محاطًا بها، ويقال: الحديقة كل ما أحاط به البناء من البساتين وغيرها.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا علي بن عاصم، قال: أنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري -قال: أحسبه- عن النبي ﵇ قال: "إذا أتى أحدكم على حائط فليناد صاحبه ثلاث مرات، فإن أجابه وإلا فليأكل من غير أن يفسد، وإذا أتى على غنم فليناد صاحبه ثلاث مرات، فإن أجابه وإلا فليشرب من غير أن يفسد".
ش: علي بن عاصم بن صهيب بن سنان الواسطي، شيخ أحمد روى عنه ووثقه.
والجريري هو سعيد، نسبته إلى جُرير -بضم الجيم- وهو [ابن] (١) عباد أخو الحارث بن عباد بن ضُبيعة بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل. وأبو نضرة -بالنون والضاد المعجمة- المنذر بن مالك العبدي البصري، روى له الجماعة، البخاري مستشهدًا.
وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك ﵁.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا مؤمل بن إسماعيل ثنا حماد -يعني ابن سلمة- ثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أن رسول الله ﵇ قال: "إذا أتى أحدكم حائطًا فأراد أن يأكل فليناد صاحب الحائط ثلاثًا، فإن أجابه وإلا فليأكل، وإذا مر
стр. 6688
أحدكم بإبل فأراد أن يشرب من ألبانها فليناد: يا صاحب الإبل -أو يا راعي الإبل- فإن أجابه وإلا فليشرب، والضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة".
فإن قيل: ما حكم هذا الحديث؟
قلت: صحيح، ولهذا أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١) من طريق يزيد بن هارون، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد.
فإن قيل: قد أخرج البيهقي (٢) هذا الحديث من حديث يزيد بن هارون، ثم علله بأن يزيد روى عن الجريري بعد اختلاطه، ثم قال: رواه حماد بن سلمة، عن الجريري، وليس بالقوي.
قلت: قال الذهبي في "مختصره سنن البيهقي": هذا قلة إنصاف، حماد ثقة ومع هذا فما تفرد بالحديث فصح أن الجريري رواه في صحته وبانضمام هذا إلى ما قبله يصير سنة ثابتة.
قلت: حماد بن سلمة أخرج له مسلم، وذكره أبو الوليد الباجي في "رجال البخاري" وقال العجلي: روى عن الجريري في الاختلاط: يزيد بن هارون وابن المبارك وابن عدي، كل ما روى عنه مثل هؤلاء الصغار فهو مختلط، وإنما الصحيح: حماد بن سلمة وابن علية وعبد الأعلى، من أصحهم سماعًا منه.
قوله: "من غير أن يفسد" أراد أنه لا يأكل أكثر من سَدِّ جوعته، ولا يحمل منه شيئًا غير أكله، ولا يعطي الإنسان.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا، فجعلوا لمن مر بحائط أن ينادي صاحبه ثلاثًا، فإن أجابه، وإلا فأكل وكذلك في الغنم.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري، وزيد بن وهب الجهني، وأحمد -في رواية- فإنهم قالوا: من مَرَّ ببستان، ينادي صاحبه ثلاثًا، فإن أجابه وإلا فأكل وكذا
стр. 6689
إذا مَرَّ على غنم قوم ينادي: يا صاحب الغنم -أو يا راعي الغنم- ثلاثًا، فإن أجاب، وإلا شرب من لبنها.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا ينبغي أن يأكل من غير ضرورة، فإن كانت ضرورة فالأكل والشرب له مباح.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جمهور العلماء وفقهاء الأمصار منهم الأئمة الأربعة وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: لا يجوز لأحد أن يأكل من بستان أحد ولا يشرب من لبن غنمه إلا بإذن صاحبه، اللهم إلا إذا كان مضطرًا، فحينئذ يجوز له بغير إذن قدر دفع الحاجة.
ص: وقد روي عن أبي سعيد في غير هذا الحديث ما يدل على أن الإباحة المذكورة في هذا الحديث هي على الضرورة، فذكروا ما حدثنا فهد، قال: ثنا مخول بن إبراهيم، قال: ثنا إسرائيل، عن عبد الله بن عصمة، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: "إذا أرمل القوم فصبحوا الإبل فلينادوا الراعي ثلاثًا، فإن لم يجدوا الراعي، ووجدوا الإبل فليتصبحوا لبن الراوية إن كان في الإبل راوية، ولا حق لهم في بقيتها، فإن جاء الراعي فليمسكه رجلان ولا يقاتلوه، وليشربوا فإن كان معهم دراهم فهو عليهم حرام إلا بإذن أهله".
ففي هذا الحديث دليل على أن ما أبيح من ذلك في هذا الحديث الأول إنما هو على الضرورة.
ش: هذا جواب عن حديث أبي سعيد المذكور الذي احتجت به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه.
تقريره أن يقال: إن استدلالهم بالحديث المذكور لا يتم ولا يستقيم؛ لأنه قد دَلَّ حديث أبي سعيد الآخر أن معناه محمول على حالة الضرورة، ونحن أيضًا نقول: إن الضرورة تبيح الأكل من ثمار غيره والشرب من لبن غيره ونحو ذلك؛ قدر ما يدفع جوعته.
стр. 6690
وقد قال البيهقي (١): هذا الحديث محمول عندنا على الضرورة وقال: قال الشافعي: من مر لرجل بزرع أو تمر أو ماشية، أو غير ذلك من ماله؛ لم يكن له أخذ شيء منه إلا بإذنه؛ لأن هذا مما لم يأت فيه كتاب ولا سنة ثابتة بإباحته.
قال: وقد قيل: من مر بحائط فليأكل ولا يتخذ خُبنة ولم يثبت الحديث. قوله: "فذكروا" أي الآخرون ذكروا، ما حدثنا فهد بن سليمان، عن مخول بن إبراهيم بن مخول بن راشد النهدي الكوفي.
قال الذهبي: رافضي بغيض، صدوق في نفسه، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق روى له الجماعة.
عن عبد الله بن عصمة الجشمي وثقه ابن حبان (٢).
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا وكيع، قال: ثنا إسرائيل، عن عبد الله بن عصمة، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: "لا يحل لرجل أن يحلب ناقة رجل مصرورة إلا بإذن صاحبها، ألا إن خاتمها صرارها، فإن أرمل القوم فليناد الراعي ثلاثًا، فإن أجاب شربوا، وإلا فليمسكه رجلان وليشربوا".
وأخرجه البيهقي (٤): من حديث أبي عبيد، ثنا شريك، عن عبد الله بن عصم سمعت أبا سعيد الخدري يقول: "لا يحل لأحد أن يحل صرار ناقة إلا أن يأذن أهلها، فإن خاتم أهلها عليها، قيل لشريك: أرفعه؟ قال: نعم".
стр. 6691
قوله: "إذا أرمل القوم" أي إذا نفد زادهم، وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل كما قيل للفقير: أترب.
قوله: "لبن الراوية" الراوية من الإبل: الحاملة للماء، ويجمع على روايا، وبه سميت المزادة راوية والمراد بها هاهنا الحاملة للبن المحلوب.
ص: وقد جاء عن رسول الله ﵇ في غير هذا الحديث ما يدل على هذا المعنى أيضًا.
حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا إسحاق بن بكر بن مضر، قال: ثنا أبي، عن يزيد ابن الهاد، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر، أنه سمع رسول الله ﵇ يقول: "لا يحلبن أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته، فيحمل طعامه، فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحتلبن أحدكم ماشية امرئ إلا بإذنه".
حدثنا بكار، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ مثله.
ش: ذكر حديث ابن عمر شاهدًا لما قاله من أن حديث أبي سعيد الخدري محمول على حالة الضرورة.
أخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج شيخ أبي داود والنسائي، عن إسحاق بن بكر بن مضر المصري شيخ مسلم والنسائي، عن أبي بكر بن محمَّد المصري روى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني، روى له الجماعة.
وأخرجه مالك في "موطئه" (١).
стр. 6692
وأخرجه البخاري (١) ومسلم (٢).
الثاني: عن بكار بن قتيبة، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص القرشي المكي، عن نافع. . . . إلى آخره.
قوله: "مشربته" المشربة -بفتح الميم وسكون الشين المعجمة وضم الراء وفتحها- الغرفة.
وقال أبو عمر: ودليل هذا الحديث يقتضي بأن كل ما يختزن فيه الطعام فهو مشربة.
و"الخزانة" بكسر الخاء واحدة الخزائن وأصلها من الخزن، وهو الحفظ.
قوله: "فيحمل طعامه" وفي رواية "الموطأ": "فينتقل طعامه".
قال أبو عمر: ويروى فينتثل، معناه: يُخْرج، وأصل الانتئال: الاستخراج، ومن رواه: "ينتقل" فالانتقال معروف، وهو أبين.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: فيه النهي عن أن يأكل أحد أو يشرب أو يأخذ من مال أخيه شيئًا إلا بإذنه، وذلك -والله أعلم- عند أهل العلم محمول على ما لا تطيب به نفس صاحبه.
الثاني: فيه أن اللبن يُسمَّي طعامًا، وقد قال الله في ماء النهر: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٣) وعلى هذا قد اختلف الفقهاء في بيع الشاة اللبون باللبن وبسائر الطعام نقدًا، أو إلى أجل، فذهب مالك وأصحابه إلى أنه لا بأس بالشاة اللبون باللبن يدًا بيدٍ ما لم يكن في ضرعها لبن، وإن كان في ضرعها لبن
стр. 6693
لم يجز يدًا بيد باللبن؛ من أجل المزابنة، ولا يجوز عندهم بيع الشاة اللبون باللبن إلى أجل، فإن كانت الشاة غير لبون جاز في ذلك الأجل وغيره.
وقال مالك: ولا بأس بالشاة اللبون بطعام إلى أجل؛ لأن اللبن من الشاة، وليس الطعام منها، قال: والشاة بطعام إلى أجل إذا لم تكن شاة لحم جائز، وإن أريد بها الذبح.
فإن كانت شاة لحم فلا، وكذلك المسمى إلى أجل بشاة لبون لا يجوز، وإن لم يكن فيها لبن جاز.
وقال الأوزاعي: يجوز شراء زيتونة فيها زيت بزيتون، وشاة في ضرعها لبن بلبن؛ لأن الزيتون في شجرة واللبن في الضرع لغو.
وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما: لا يجوز بيع الشاة اللبون بالطعام إلى أجل، ولا يجوز عند الشافعي بيع شاة في ضرعها لبن بشيء من اللبن، لا يدًا بيدٍ، ولا إلى أجل.
الثالث: قال أبو عمر (١): استدل به أصحابنا وغيرهم ما يرد قول من ذهب إلى أن للمرتهن الشاة أو البقرة أو الدابة أن يحلب أو يركب ذلك الرهن ويكون عليه نفقة الدابة أو البقرة أو رعيها، ورعي الشاة ونفقتها، وممن ذهب إلى هذا: أحمد وإسحاق.
الرابع: قال أبو عمر (٢): فيه ما يدل على أن من حلب من ضرع الشاة أو البقرة بعد أن تكون في حرز ما يبلغ قيمته ما يجب فيه القطع؛ أن عليه القطع، لأن الحديث قد أفصح بأن الضروع خزائن الطعام، ومعلوم أن من فتح خزائن غيره، أو كسرها، فاستخرج منها من المال -الطعام وغيره- ما يبلغ ثلاثة دارهم أنه يُقطع، فإذا كان القطع يجب على من يسرق الشاة نفسها من مراحها وحرزها ولم تكن حريسة حبل؛
فاللبن بذلك أولى، وإذا كانت الشاة في غير حرز فلبنها تابع لها.
стр. 6694
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن الصباح، قال: ثنا شريك بن عبد الله، عن عبد الله بن عصم، قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ رفعه قال: "لا يحل لأحد يحل صرار ناقة إلا بإذن أهلها، فإنه خاتمهم عليها".
ش: محمَّد بن الصباح الدولابي البغدادي البزاز شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، وعبد الله بن عصم الحنفي من أهل البادية وثقه ابن حبان، وقال: يخطئ كثيرًا.
ثم أخرج حديثه هذا في ترجمة عبد الله بن عصم (١): ثنا إبراهيم بن خزيم، ثنا عبد بن حميد، ثنا هاشم بن القاسم، ثنا شريك بن عبد الله، عن عبد الله بن عصم الحنفي، سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا يحل صرار ناقة بغير إذن أهلها، فإنه خاتم أهلها عليها، وإن كنتم مرملين فرأيتم الراوية والرطب والسقاء من الإبل فنادوا صاحب الإبل ثلاثًا، فإن سقاكم فاشربوا، وإن كنتم مرملين ولم يكن معكم طعام فليمسكه رجلان منكم ثم اشربوا، ثم صروها".
قوله: "صرار ناقة" بكسر الصاد وتخفيف الراء، ومن عادة العرب أن تصر ضروع الحلوبات إذا أرسلوها إلى المراعي سارحة، ويسمون ذلك الرباط: صرارًا، فإذا راحت عشيًّا حلت تلك الأصرة وحلبت، فهي مصرورة ومصرّرة.
قوله: "مرملين" من أرمل القوم إذا نفد زادهم.
قوله: "الوطب" بفتح الواو هو الزِّق الذي يكون فيه السمن واللبن، وهو جلد الجذع فما فوقه، ويجمع على أوطاب ووطاب.
و"السقاء" بكسر السين، وهو الدلو.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن سهل، عن عبد الرحمن بن سعد، عن أبي حميد الساعدي، أن النبي ﷺ
стр. 6695
قال: "لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه، قال: وذلك لشدة ما حرم الله على المسلمين من مال المسلم".
ش: أبو عامر عبد الله بن عمرو العقدي.
وسليمان بن بلال القرشي، روى له الجماعة.
سهيل بن أبي صالح ذكوان، روى له الجماعة؛ البخاري مقرونا بغيره.
وعبد الرحمن بن سعد بن مالك الأنصاري أبو محمَّد بن أبي سعيد الخدري، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا.
وأبو حميد الساعدي قيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل غير ذلك.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا عبيد الله بن أبي قرة، ثنا سليمان، حدثني سهيل، حدثني عبد الرحمن بن سعد، عن أبي حميد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﵇ قال: "لا يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه، وذلك لشدة ما حرم رسول الله ﵇ من مال المسلم على المسلم".
ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا أصبغ بن الفرج، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل قال: ثنا عبد الملك بن الحسن، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن عمارة ابن حارثة، عن عمرو بن يثربي، قال: "خطبنا رسول الله ﵇ فقال: لا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفس منه، قال: قلت: يا رسول الله إن لقيتُ غنم ابن عمي، آخذ منها شيئًا؟ فقال: إن لقيتها نعجة تخمل شفرة وزنادًا بخبت الجميش فلا تهجها".
ش: إسناده حسن جيد، وأصبغ شيخ البخاري، وحاتم بن إسماعيل المدني روى له الجماعة.
стр. 6696
وعبد الملك بن حسن بن أبي حكيم البخاري أبو مروان المدني الأحول، مولى بني أمية، عن يحيي: ثقة. وعن أحمد: لا بأس به. وقال أبو حاتم: شيخ. روى له النسائي.
وعمارة بن حارثة الضمري وثقه ابن حبان.
وعمرو بن يثربي الضمري، الحجازي الصحابي ﵁.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا أبو عامر، نا عبد الملك -يعني ابن الحسن الحارثي- ثنا عبد الرحمن بن أبي سعيد، قال: سمعت عمارة بن حارثة الضمري يحدث عن عمرو بن يثربي الضمري، قال: "شهدت خطبة رسول الله ﵇ بمنى وكان فيما خطب به: ولا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه، قال: فلما سمعت ذلك قلت: يا رسول الله، أرأيت لو أتيت غنم ابن عمي فأخذت منها شاة فاحترزتها، هل عليّ في ذلك شيء؟ قال: إن لقيتها نعجة تحمل شفرة وزنادًا فلا تمسها".
قوله: "إن لقيتها نعجة" معناه لا تتعرض لنعم أخيك موصولًا بسب وإن كان سهلًا متيسرًا وهو معنى قوله: "تحمل شفرة وزناذًا" أي معها آلة الذبح والنار، والشفرة: السكين العريض.
قوله: "بخبت الجميش" الخبت بفتح الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة وفي آخره تاء مثناة من فوق: الأرض الواسعة.
و"الجميش" بفتح الجيم، وكسر الميم بعدها ياء آخر الحروف ساكنة، وفي آخره شين معجمة، الذي لا نبات فيه كان جمش أي حلق.
قال الجوهري: الجميش: مكان لا نبات فيه، والخبت: المفازة، انتهى.
والمعنى لا تتعرض لنعم أخيك وإن كنت بخبت الجميش، وإنما خصه بالذكر لأن الإنسان إذا سلكه طال عليه وفني زاده، واحتاج إلى مال أخيه المسلم.
стр. 6697
قوله: "فلا تهجها" من هاج الشيء، وهجته إذا أثرته، وهذا الحديث يدل على حرمة التعرض لمال المسلم بغير إذن وإن كان لابن عمه، وكذا لو كان لأخيه أو لأبيه، وأما الأب فله أن يتعرض لمال ابنه بلا إذنه، والمولى يتعرض لمال عبده بلا إذنه.
ويستثنى من ذلك نحو شرب الماء من كوز حديقة، بغير إذنه، وكذا نزح الماء من بئره، وأخذ النار من كانونه، وكذا يستثنى الأكلَ من ثماره وطعامه إذا علم أنه لا ينقبض لذلك، وذلك لما بينهما من المودة قال الله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ (١) ".
وذكر محمَّد بن ثور، عن معمر قال: "دخلت بيت قتادة فأبصرت فيه رطبًا، فجعلت آكله، فقال: ما هذا، قلت: أبصرت رطبًا في بيتك فأكلته، قال: أحسنت قال الله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ (١) ".
وذكر عبد الرزاق (٢)، عن معمر، عن قتادة: "في قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ قال: إذا دخلت في بيت صديقك من غير مؤامرته، لم يكن بذلك [بأس] (٣) ".
وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول في الرجل يدخل الحائط فيجد الثمر ساقطًا، قال: لا يأكل منه إلا أن يكون يعلم بأن صاحبه طيب النفس بذلك، أو يكون محتاجًا إلى ذلك فأرجوا أن لا يكون عليه شيء إن شاء الله.
فإن قيل: ما حكم الذمي في هذا؟
قلت: قال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول في المسافر ينزل بالذمي أنه لا يأخذ من ماله شيئًا إلا بإذنه، وعن طيب نفس منه، فقيل لمالك: أرأيت الضيافة التي جعلت عليهم ثلاثة أيام؟ قال: كان يومئذ مخفف عنهم.
стр. 6698
ص: فهذه الآثار التي ذكرنا تمنع ما توهم من ذهب في تأويل الحديث الأول [إلى] (١) ما ذكرناه.
ولو ثبت ما ذهب إليه من ذلك لاحتمل أن يكون ذلك الحديث كان في حال وجوب الضيافة حين أمر رسول الله ﵇ بها، وأوجبها للمسافرين على من حَلَّوا به.
ش: أراد بهذه الآثار: الأحاديث التي رواها عن عبد الله بن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي حميد الساعدي، وعمر بن يثربي، فإن هذه الأحاديث تدل على خلاف ما ذهب إليه أهل المقالة الأولى؛ لأنها تشعر أن ذلك الحديث محمول على حالة الضرورة كما قد ذكرناه.
قوله: "ولو ثبت ما ذهب إليه" جواب آخر بطريق التسليم، وهو أن يقال: ولئن سلمنا ثبوت ما ذهب إليه من ذهب في تأويل الحديث الأول، ما ذكر هناك ولكنه قد يجوز أن يكون ذلك الحديث في وقت كانت الضيافة فيه واجبة كما جاءت بذلك أخبار، فلما نسخ وجوب ذلك وارتفع حكمه ارتفع أيضًا حكم ذلك الحديث، فاستقر الأمر على ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية.
ص: فإنه حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر ووهب بن جرير، قالا: ثنا شعبة، عن منصور، عن الشعبي، عن المقدام أبي كريمة قال: قال رسول الله ﵇: "ليلة الضيف حق واجب على كل مسلم ممن أصبح بفنائه، فإنه دين إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه".
حدثنا بكار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصِيب، قال: ثنا وهيب، عن منصور. . . . فذكر بإسناد مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، أن أبا طلحة حدثه عن أبي هريرة، عن
стр. 6699
النبي ﵇ قال: "أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محرومًا؛ فله أن [يأخذ] (١) بقدر قراه ولا حرج عليه".
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عمي، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن نعيم بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو مسهر قال: حدثني يحيي بن حمزة، عن الزبيدي، عن مروان بن رؤبة، أنه حدثه عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي، عن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله ﵇ قال: "أيما رجل ضاف قوم، فلم يُقْروه كان له يعقبهم بمثل قِراه".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: "قلنا: يا رسول الله، إنك تبعثنا فنمر بقوم، قال: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا؛ فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي".
فأوجب ﵇ الضيافة في هذه الآثار، وجعلها دينًا، وجعل للذي وجبت له أخذها كما يأخذ الدين، ثم نسخ [ذلك] (٢).
ش: الضمير في "فإنه" ضمير الشأن، والفاء للتفصيل والبيان، أعني بيان وجوب الضيافة على من ينزل به الضيف، وأورد فيه أحاديث عن المقدام وأبي هريرة وعقبة بن عامر الجهني ﵃.
أما حديث المقدام: فأخرجه من أربع طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني، ووهب بن جرير كلاهما، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن عامر الشعبي، عن المقدام بن معدي كرب الكندي الصحابي، وكنيته أبو كريمة، وقيل: أبو يحيي.
стр. 6700
وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، وخلف بن هشام المقرئ، قالا: ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن عامر، عن أبي كريمة قال: قال رسول الله ﵇: "ليلة الضيف حق على كل مسلم، فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين؛ فإن شاء اقتضى وإن شاء ترك".
الثاني: عن بكار بن قتيبة، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن منصور، عن الشعبي. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٢): عن علي بن محمَّد، عن وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن الشعبي. . . . نحوه.
الثالث: عن نصر بن مرزوق، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن وهيب بن خالد، عن منصور، عن الشعبي.
وأخرجه الطبراني في "معجمه" (٣): ثنا أحمد بن داود المكي، ثنا عمرو بن مرزوق، ثنا شعبة، عن منصور، عن الشعبي، عن أبي كريمة أنه سمع النبي ﵇ يقول: "ليلة الضيف حق على كل مسلم، ومن أصبح الضيف بفنائه فهو له حق أو دين إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه".
الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني، عن يحيي بن حمزة بن واقد، عن محمَّد بن الوليد الزبيدي -بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف- عن مروان بن رؤبة التغلبي أبي الحصن الشامي الحمصي، وثقه ابن حبان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي الحمصي قاضيها، وثقه ابن حبان.
وأخرجه الطبراني (٤): ثنا أحمد بن محمَّد بن يحيي بن حمزة الدمشقي، ثنا حيوة بن شريح، ثنا بقية بن الوليد، عن الزبيدي (ح).
стр. 6701
وحدثنا طالب بن قرة الأذني ثنا محمَّد بن عيسى الطباع، ثنا القاسم بن موسى، عن محمَّد بن الوليد الزبيدي، حدثني مروان بن رؤبة، عن عبد الرحمن ابن أبي عوف الجرشي، عن المقدام بن معدي كرب، قال: قال النبي ﵇: "أيما رجل أضاف قومًا فلم يقروه فإن له أن يطلبهم بمثل قراه"، وفي لفظ: "فإن له أن يعاقبهم بمثل قراه".
وأما حديث أبي هريرة: فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن عبد الله بن صالح شيخ البخاري، عن معاوية بن صالح، عن أبي طلحة نعيم بن زياد الأنماري الشامي، وثقه النسائي وابن حبان.
الثاني: عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب المصري المعروف ببحشل شيخ مسلم، عن عمه عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، عن نعيم بن زياد، عن أبي هريرة.
وأخرجه ابن وهب في "مسنده".
قوله: "قِراه" القرى -بكسر القاف- من قريت الضيف قرى -مثل قليته قلى- وقراءً: إذا أحسنت إليه، إذا كسرت القاف قصرت، وإذا فتحت مددت.
وأما حديث عقبة بن عامر الجهني فأخرجه بإسناد صحيح: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: نا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر أنه قال: "قلنا: يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا، فما ترى؟ فقال لنا رسول الله ﵇: إن نزلتم بقوم فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم".
стр. 6702
ص: فمما روي في نَسْخِهِ:
ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا سليمان بن المغيرة، قال: ثنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: ثنا المقداد بن الأسود، قال: "جئت أنا وصاحب لي، حتى كادت تذهب أسماعنا وأبصارنا من الجوع، فجعلنا نتعرض للناس فلم يضفنا أحد، [فأتينا النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله، أصابنا جوع شديد، فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد] (١) فأتيناك، فذهب بنا إلى منزله وعنده أربعة أعنز، فقال: يا مقداد، احلبهن وجَزِّئ اللبن لكل اثنين جزءًا. . . ." وذكر حديثًا طويلًا.
حدثنا محمَّد بن خزيمة، [قال: ثنا حجاج] (٢) قال: ثنا حماد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد بن عمرو ﵁ قال: "قدمت المدينة أنا وصاحب لي. . . ." ثم ذكر مثله.
أفلا ترى أصحاب النبي ﷺ لم يضيفوهم، وقد بلغت لهم الحاجة إلى ما ذكر في هذا الحديث، ثم لم يعنفهم رسول الله ﵇ على ذلك.
فدل ما ذكرنا على نسخ ما كان أوجب على الناس من الضيافة، وقد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذا عن رسول الله ﵇: "مال المسلم على المسلم كحرمة دمه".
وقد حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن عبد اللهَ بن السائب، عن أبيه، عن جده أنه سمع النبي ﵇ يقول: "لا يأخذ أحدكم متاع صاحبه لاعبًا ولا جادًّا، وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها إليه".
ش: هذا بيان لقوله: "ثم نسخ" أي فمن الأحاديث التي رويت في نسخ وجوب الضيافة، ووجوبها للضيف كسائر الديون، حديث المقداد بن الأسود.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن
стр. 6703
سليمان بن المغيرة القيسي البصري، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد بن الأسود.
وأخرجه مسلم (١) مطولًا: نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا شبابة بن سوار، قال: ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد، قال: "أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﵇، فليس أحد منهم يقبلنا، فأتينا النبي ﵇، فانطلق بنا إلى أهله، فإذا ثلاثة أعنز، فقال النبي ﵇: احتلبوا هذا اللبن بيننا، قال: فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي ﵇ نصيبه، قال: فيجيء من الليل فيسلم تسليمًا لا يوقظ نائمًا ويسمع اليقظان، قال: ثم يأتي المسجد فيصلي، ثم يأتي شرابه فيشرب، فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي، فقال: محمَّد يأتي الأنصار فيحفونه ويصيب عندهم، ما به حاجة إلى هذه الجرعة، فأتيتها فشربتها، فلما أن وغلت في بطني، وعلمت أنه ليس إليها سبيل قال: ندمني الشيطان فقال: ويحك ما صنعت، أشربت شراب محمَّد ﵇ فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتذهب دنياك وآخرتك؟ وعليّ شملة إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما، ولم يصنعا ما صنعت، قال: فجاء النبي ﵇ فسلم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئًا، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت الآن يدعو علي فأهلك، فقال: اللهم أطعم من أطعمني، واسق من سقاني، قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها عليَّ، وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنز، أيها أسمن فأذبحها لرسول الله ﵇ فإذا هي حافلة، وإذا هن حفل كلهن فعمدت إلى إناء لآل محمَّد ﵇ ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه، قال: فحلبت فيه حتى علته رغوة، فجئت إلى رسول الله ﵇. فقال: أشربتم شرابكم الليلة؟ قال: قلت: يا رسول الله اشرب، فشرب، ثم ناولني، فقلت:
стр. 6704
يا رسول الله، اشرب فشرب، ثم ناولني، فلما عرفت أن النبي ﵇ قد روي، وأصبت دعوته ضحكت حتى ألقيت إلى الأرض، قال: فقال رسول الله ﵇: إحدى سوآتك يا مقداد، فقلت: يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا وكذا، فقال النبي ﵇: ما هذه إلا رحمة من الله، أفلا كنت آذنتني فتوقظ صاحبيك فيصيبان منها؟ قال: فقلت: والذي بعثك بالحق، ما أبالي إذا أَصَبْتَها وأَصَبْتُها معك من أصابها من الناس".
الطريق الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد بن عمرو.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن يزيد، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن المقداد بن الأسود، قال: "قدمت أنا وصاحبان لي على رسول الله ﵇. . . ." إلى آخره نحوه، مع يسير اختلاف في اللفظ دون المعنى.
وأخرجه أحمد أيضًا (١): من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت. . . . كما أخرجه الطحاوي، ولكن فيه: "ثلاثة أعنز".
وأخرجه أيضًا (٢) عن عثمان، عن حماد، عن ثابت، عن عبد الرحمن، عن المقداد، وفيه: "وعنده أربع أعنز، فقال: احلبهن يا مقداد وجزئهن أربعة أجزاء، وأعط كل إنسان جزأ".
قوله: "وقد حدثنا ربيع المؤذن. . . ." إلى آخره ذكره تأكيدًا لبيان النسخ في وجوب الضيافة.
وأخرجه بإسناد حسن: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن عبد الله السائب الكندي وثقه ابن سعد وابن حبان، عن أبيه السائب بن يزيد الكندي، حَسَّنَ الترمذي حديثه.
стр. 6705
عن جده يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي الصحابي.
أخرجه أبو داود (١): عن ابن بشار، عن يحيي، وعن سليمان بن عبد الرحمن، عن شعيب بن إسحاق، عن ابن أبي ذئب، عن عبد الله بن السائب بن يزيد، عن أبيه، عن جده. . . . نحوه.
وأخرجه الترمذي (٢): عن بندار بن بشار، عن يحيي به.
وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي ذئب.
стр. 6706
ص: باب: لبس الحرير
ش: أي هذا باب في بيان حكم لبس الحرير، والحرير اسم جنس، واحدته حريرة.
قال الجوهري: الحريرة: واحدة الحرير من الثياب.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة: "أن رسول الله ﵇ قدمت عليه أقبية، فبلغ ذلك أباه مخرمة فقال: يا بني، إنه قد بلغني أن رسول الله ﵇ قدمت عليه أقبية فهو يقسمها، فاذهب بنا إليه، قال: فذهبنا فوجدنا رسول الله ﵇ في منزله، فقال لي أبي: يا بني، ادع لي رسول الله ﵇ فقال المسور: فأعظمت ذلك، وقلت: أدعو لك رسول الله؟! قال: يا بني إنه ليس بجبار، فدعوت رسول الله ﵇، فخرج وعليه قباء من ديباج مزرر بذهب، فقال: يا مخرمة، هذا خَبَّأْئه لك، فأعطاه إياه".
ش: إسناد صحيح، وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبد الله بن أبي مليكة، واسمه زهير بن عبد الله أبو بكر القاضي المكي الأحول، كان قاضيًا لعبد الله بن الزبير ﵄ ومؤذنًا له، روى له الجماعة.
والمسور بن مخرمة بن نوفل له ولأبيه صحبة.
وأخرجه البخاري (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا الليث بن سعد، عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة أنه قال: "قسم رسول الله ﵇ أقبية، ولم يعط مخرمة شيئًا، فقال مخرمة: يا بني انطلق بنا إلى رسول الله ﵇ فانطلقت معه فقال: ادخل فادعه لي، قال: فدعوته له، فخرج إليه وعليه قباء منها، فقال: خبأت هذا لك، قال: فنظر إليه فقال: رضي مخرمة".
стр. 6707
وأخرجه مسلم (١) وأبو داود (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) كلهم عن قتيبة. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه البخاري (٥) أيضًا: عن الليث بن سعد معلقًا نحو رواية الطحاوي سواء.
قوله: "أقبية" جمع قباء.
قال الجوهري: القباء الذي يلبس، والجمع أقبية، وتقبيت إذا لبسته، والقبو: الضم. والديباج فارسي معرب، ويجمع على ديابيج، وإن شئت دياييج -بالياء- على أن يجعل أصله مشددًا كما في الدنانير وكذلك في التصغير.
وقال ابن الأثير: الديباج هو الثياب المتحدة من الإبريسم فارسي معرب، وقد تفتح داله، ويجمع على ديابيج ودياييج -بالباء والياء- لأن أصله دبَّاج.
قوله: "مزررة" من زررت القميص، أزُرُّه -بالضم- زرًّا إذا شددت أَزراره، يقال: أزُرُّه عليك قميصك وزُرَّه، وزُرُّهُ، وِزُرِّه، وأزررت القميص إذا جعلت له أَزارًا.
ويستفاد منه: جواز لبس الحرير للرجال كما ذهب إليه طائفة.
ومداراة الناس، وذلك لأن قوله ﵇: "هذا خبأته لك" من جنس مداراته مع الناس، ولاسيما مع من هو مشهور بالشدة والفظاظة، وكان مخرمة من مشايخ العرب، وكانت فيه فظاظة، وكان ﵇ يتقي فحشه.
والدلالة على حسن التواضع وشرف صاحبه، ألا ترى كيف قال مخرمة: يا بني إنه ليس بجبار؟.
стр. 6708
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم [إلى هذا] (١) فقالوا: لا بأس بلبس الحرير للرجال والنساء، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عبد الله بن أبي مليكة، وطائفة من الظاهرية؛ فإنهم قالوا: لا بأس للرجل أن يلبس الحرير، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فكرهوا لبس الحرير للرجال، واحتجوا في ذلك بالآثار المتواترة المروية في النهي عنه، عن النبي ﵇.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عبد الرحمن بن أبي ليلى والحسن البصري وعامرًا الشعبي وقتادة وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وعبد الرحمن الأوزاعي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: يكره لبس الحرير للرجال، واحتجوا في ذلك بأحاديث وردت في هذا الباب تدل على تحريم الحرير على الرجال.
ص: فمنها ما حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: ثنا أبي، عن قتادة، عن عامر الشعبي، عن سويد بن غفلة: "أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب بالجابية، فقال: نهى رسول اللهَ ﵇ عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاث أو أربع".
حدثنا يزيد، ثنا معاذ، قال: ثنا أبي، عن قتادة، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "نهانا رسول اللهَ ﵇ عن لبس الحرير إلا موضوعين".
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "إياكم والحرير، فإن رسول الله ﵇ قد نهى عنه، وقال: لا تلبسوا منه إلا ما كان هكذا، وأشار رسول الله ﵇ بإصبعيه".
стр. 6709
حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا يزيد، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي عثمان النهدي، قال: "أتانا كتاب عمر بن الخطاب ﵁ وأنا بأذربيجان مع عتبة بن فرقد: أن رسول الله ﷺ نهانا عن الحرير إلا هكذا، قال: فأعلمنا أنها الأعلام".
ش: أي: فمن الأحاديث التي رويت في النهي عن لبس الحرير للرجال: حديث عمر بن الخطاب.
وأخرجه من خمس طرق صحاح:
الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن معاذ بن هشام، عن أبيه هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن قتادة. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): ثنا عبيد الله بن عمر القواريري وأبو غسان المسمعي، وزهير ابن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن مثنى، وابن بشار -قال إسحاق: أنا، وقال الآخرون-: نا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن عامر الشعبي، عن سويد بن غفلة: "أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب بالجابية، وقال: "نهى رسول الله ﵇ عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع".
وأخرجه الترمذي (٢): عن محمَّد بن بشار، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن الشعبي. . . . إلى آخره. وقال: حديث حسن صحيح.
الثاني: عن يزيد أيضًا، عن معاذ بن هشام، عن أبيه هشام الدستوائي، عن قتادة عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مَلّ النهدي، عن عمر بن الخطاب.
وأخرجه النسائي (٣): عن عمرو بن علي، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أبي عثمان، عن عمر نحوه.
стр. 6710
الثالث: عن يزيد أيضًا. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (١): نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا حفص، قال: ثنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر بن الخطاب: "أنه كان ينهى عن الحرير والديباج، إلا ما كان هكذا، ثم أشار بأصبعه ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، وقال: كان رسول الله ﵇ ينهانا عنه".
الرابع: عن حسين بن نصر عن يزيد بن هارون الواسطي عن عاصم الأحول. . إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢) بأتم منه: ثنا يزيد، نا عاصم، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر بن الخطاب أنه قال: "ائتزروا وارتدوا، وانتعلوا وألقوا الخفاف والسراويلات، وألقوا الركب وانزوا نَزْوَا، وعليكم بالمعدية، وارموا الأغراض، وذروا التنعم وزي العجم، وإياكم والحرير، فإن رسول الله ﵇ قد نهى عنه، ولا تلبسوا منه إلا ما كان هكذا، وأشار رسول الله ﵇ بأصبعيه".
الخامس: عن يزيد بن سنان عن وهب بن جرير عن شعبة. . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٣): نا محمَّد بن المثنى وابن بشار -واللفظ لابن مثنى- قالا: نا محمَّد بن جعفر قال: نا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أبا عثمان النهدي، قال: جاءنا كتاب عمر بن الخطاب ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد -أو بالشام- أما بعد. . إن رسول الله ﵇ نهى عن الحرير إلا هكذا أصبعين، قال أبو عثمان: فما عتمنا أنه يعني الأعلام".
وأخرجه أبو داود (٤): نا موسى بن إسماعيل، قال: نا حماد، قال: نا عاصم
стр. 6711
الأحول، عن أبي عثمان النهدي، قال: "كتب عمر ﵁ إلى عتبة بن فرقد: أن النبي ﵇ نهى عن الحرير إلا ما كان هكذا وكذا، إصبعين وثلاثة وأربعة".
وأخرجه النسائي (١) أيضًا نحوه.
وهذا الحديث يدل على شيئين:
الأول: على حرمة الحرير على الرجال.
الثاني: فيه جواز استعماله قدر أصبعين إذا كان في أطراف الثياب، أو قدر ثلاث أصابع أو قدر أربع أصابع، وكذا حكم الأطرزة من الحرير يجوز فيما دون قدر أربعة أصابع وقد بالغت الظاهرية في حكم الحرير، حتى لم يجوزوا الصلاة فيها.
فقال ابن حزم في "المحلى" (٢): ولا تحل الصلاة للرجل خاصة في ثوب فيه حرير أكثر من أربعة أصابع عرضًا في طول الثوب، إلا اللبنة والتكفيت فيهما مباحان، ولا في ثوب فيه ذهب، ولا لابسا ذهبًا في خاتم ولا في غيره، فإن أجبر على لباس شيء من ذلك أو اضطر إليه خوف البرد حل له الصلاة فيه، أو كان به داء يتداوى من مثله بلباس الحرير فالصلاة له فيه جائزة، وكذلك لو حمل ذهبًا في كمه لتحريزه أو حرير أو ثوب حرير كذلك فصلاته تامة. انتهى.
ثم اعلم أن قوله: "أو ثلاث أو أربع" ليس بشك من الراوي، وإنما هو تفصيل للإباحة كما يقال: خذوا مدًّا أو اثنين أو ثلاثة، يعني ما شئت من ذلك.
وقد أباح مالك العَلَم في ثلاثة أصابع -في أشهر قوليه- لأنه لم يرد الأربع.
قوله: "بأذربيجان" بقصر الألف وإسكان الذال المعجمة وكسر الراء المهملة والباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفتح الجيم ثم ألف ونون، وهي اسم لبلاد التبريز.
стр. 6712
وعتبة بن فرقد بن يربوع السلمي، أبو عبد الله، له صحبة، نزل الكوفة، وكان أميرًا لعمر بن الخطاب ﵁ على بعض فتوحات العراق.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن جميل بن مرة، عن أبي الوضيء قال: "رأيت عليًا ﵁ ورأى على رجل بردًا يتلألأ، فقال: فيه حرير؟ قال: نعم. فأخذه فجمع ضَفَّتيه بين أصبعيه فشقه فقال: أما إني لم أحسدك عليه، ولكني سمعت رسول الله ﵇ نهى عن الحرير".
ش: حديث عليّ ﵁ هذا من الأحاديث التي تدل على تحريم الحرير على الرجال.
أخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن جميل بن مرة الشيباني البصري، عن أبي الوضيء عباد بن شبيب القيسي صاحب شرطة علي ﵁.
قوله: "فجمع ضفَّتيه" أي جانبيه، والضَّفَّة -بفتح الضاد المعجمة وكسرها، وتشديد الفاء- جانب النهر في الأصل فاستعير لجانب كل شيء.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عارم قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر ﵁ قال: "يا رسول الله، إني مررت بعطارد -أو بلبيد- وهو يعرض عليه حلة حرير، فلو اشتريتَهَا للجمعة وللوفود، فقال رسول الله ﵇: إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇. . . . نحوه. غير أنه لم يذكر عطاردًا، ولا لبيدًا.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس وعمرو، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ مثله. وذكر أن الرجل عطارد أو لبيد.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث بن سعيد، قال: ثنا يحيي بن أبي إسحاق، قال: "قال لي سالم بن عبد الله: ما الإستبرق؟ قلت: ما
стр. 6713
غلظ من الديباج، وخشن منه، فقال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: رأى عمر بن الخطاب على رجل حلة من استبرق فأتى بها، فقال: يا رسول الله اشتر هذه فالبسها لوفد الناس إذا قدم عليك، فقال: إنما يلبس هذا الحرير من لا خلاق له، قال: فمضى لذلك ما مضى، ثم إن رسول الله ﵇ بعث إليه بحلة، فأتاه بها فقال: يا رسول الله، بعثت إلى بهذه وقد قلت في مثل هذا ما قلت؟! قال: إنما بعثت إليك بهذه لتصيب بها مالًا". فكان ابن عمر يكره العلم في الثوب من أجل هذا الحديث.
حدثنا محمَّد، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: أخبرني حميد، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عمر أن رسول الله ﵇ قال: "إنما يلبس الحرير من لا خلاق له".
ش: من الأحاديث الدالة على تحريم الحرير على الرجال حديث عبد الله بن عمر ﵄.
وأخرجه من خمس طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق عن عارم وهو محمَّد الفضل السدوسي شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر ﵄.
وأخرجه البخاري (١): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثني جويرة، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: "أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء تباع، فقال: يا رسول الله، لو ابتعتها فلبستها للوفد إذا أتوك، والجمعة، قال: إنما يلبس هذه من لا خلاق له. . . ." الحديث.
ومسلم (٢): ثنا شيبان بن فروخ، قال: نا جرير بن حازم، قال: نا نافع، عن ابن عمر قال: "رأى عمر عطاردًا التميمي يقيم بالسوق حلة سيراء وكان رجلًا يغشى الملوك ويصيب منهم، فقال عمر: يا رسول الله إني رأيت عطاردًا يقيم في
стр. 6714
السوق حلة سيراء فلو اشتريتها فلبستها لوفود العرب إذا قدموا عليك -وأظنه قال: ولبستها يوم الجمعة- فقال له رسول الله ﵇: إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة. . . ." الحديث.
وأبو داود (١): نا عبد الله بن مسلمة، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: "أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى حلة سيراء عند باب المسجد تباع، فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك، فقال رسول الله ﵇: إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة. . . ." الحديث.
والنسائي (٢): [عن إسحاق بن منصور قال] (٣): أنا عبد الله بن نمير، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب: "أنه رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد، فقلت: يا رسول الله، لو اشتريت هذا ليوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك، فقال رسول الله ﵇: إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة".
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن نافع. . . . إلى آخره.
أخرجه مسلم (٤): نا يحيي بن يحيي، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك، فقال رسول الله ﵇: إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة. . . ." الحديث.
الثالث: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، وعمرو بن الحارث المصري، كلاهما عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر.
стр. 6715
وأخرج مسلم (١): حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيي -واللفظ لحرملة- قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر قال: "وجد عمر بن الخطاب حلة من إستبرق تباع في السوق، فأخذها فأتى بها رسول الله ﵇، فقال: يا رسول الله، ابتع هذه فتجمل بها للعيد والوفد، فقال رسول الله ﵇: إنما هذه لباس من لا خلاق له. . . ." الحديث.
الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي معمر عبد الله بن عمرو بن الحجاج المنقري المقعد شيخ البخاري، عن عبد الوارث بن سعيد، عن يحيي بن سعيد الحضرمي البصري روى له الجماعة، عن سالم. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): حدثني محمَّد بن مثنى، قال: نا عبد الصمد، قال: سمعت أبي يحدث، قال: حدثني يحيي بن أبي إسحاق، قال: "قال لي سالم بن عبد الله في الإستبرق، قال: قلت: ما غلظ من الديباج وخشن منه. . . ." إلى آخره نحوه، إلى قوله: "لتصيب بها مالًا".
الخامس: عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣): من طريق قتادة حدثني بكر بن عبد الله وبشر بن المحتفز، كلاهما عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال في الحرير: "إنما يلبسه من لا خلاق له".
قوله: "بعطارد، هو عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدي التيمي، وَفِدَ على النبي ﵇ في طائفة من وجوه تميم منهم الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم وغيرهم، فأسلموا وذلك سنة تسع، وقيل: عشر، والأول
стр. 6716
أصح، وكان سيد قومه وهو الذي أهدى للنبي ﵇ ثوب ديباج كان كساه إياه كسرى، فعجبت منه الصحابة، فقال النبي ﵇: "لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا"، ولما ادعت سجاح التميمية النبوة كان عطارد ممن تبعها، ثم أسلم وحسن إسلامه".
قوله: "أو بليد" هو لبيد بن عطارد التميمي أحد الوفد الذين قدموا على رسول الله ﵇ من بني تميم، وهو أحد وجوههم، أسلم سنة تسع.
و"الوفود" جمع وفد، وهو جمع وافد، من وفد يفد، وهم القوم يجتمعون ويردون البلاد، وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة واسترفاد وانتجاع وغير ذلك.
قوله: "من لا خلاق له" أي من لا نصيب له.
قوله: "ما الإستبرق" كلمة "ما" هاهنا استفهامية، وقد فسر بقوله: "ما غلظ من الديباج وخشن منه" وهي لفظة أعجمية معربة أصلها استبره، وقد ذكرها الجوهري: في الباء من القاف، على أن الهمزة والسين والتاء زوائد، وأعاد ذكرها في السين من الراء.
وذكرها الأزهري في خماسي القاف على أن همزتها وحدها زائدة، وقال: أصلها بالفارسية استقرة، وقال أيضًا: إنها وأمثالها من الألفاظ حروف عربية وقع فيها وفاق بين العجمية والعربية، وقال: هذا عندي هو الصواب.
و"الديباج": هو الثياب المتخذة من الإبريسم، فارسي معرب وقد فتح داله، وقد مرَّ بيانه عن قريب.
قوله: "وحسن منه" بالحاء والسين المهملتين من الحسن وهو ضد القبح (١).
و"الحلة" واحدة الحلل، وهي برود اليمن، ولا تسمي حلة، إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد.
стр. 6717
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال [ثنا] (١) أبي، قال: سمعت الصقعب بن زهير يحدث عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: "أتى رسول الله ﵇ أعرابي عليه جبة مكفوفة بحرير -أو قال: مزررة بديباج- فقام إليه رسول الله ﵇ مغضبًا وأخذ مجامع جبته، فجذبها به، ثم قال: ألا أرى عليك ثياب من لا يعقل" وهو حديث طويل فاختصرنا منه هذا المعنى.
ش: من الأحاديث الدالة على تحريم الحرير على الرجال حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص.
فأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن الصقعب بن زهير وثقه أبو زرعة وابن حبان. . . . إلى آخره.
وأخرجه الطبراني (٢) بتمامه: ثنا أبو زرعة الدمشقي، قال: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن الصقعب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: "كنا عند رسول الله ﵇، فجاء رجل من أهل البادية، عليه جبة سيجان مزررة بالديباج، فقال: إن رسول الله ﵇ يريد أن يرفع كل فارس بن فارس، ويضع كل زارع بن زارع، فأخذ رسول الله ﵇ بمجامع ثوبه، ثم قال: إن عليه لباس من لا يعقل، ثم قال رسول الله ﵇: إن نبي الله نوح ﵇ لما حضرته الوفاة قال لابنه: يا بني إني موصيك فقاصد عليك الوصية: آمرك باثنين وأنهاك عن اثنين، آمرك بلا إله إلا الله، فلو أن السماوات السبع والأراضين السبع كانت حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله، وأوصيك بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة الخلق، وبها يرزق الخلق، وأنهاك عن الكفر والكبر، فقال رجل: يا رسول الله، الكفر قد عرفناه، فما الكبر، أهو أن يكون للرجل نعلان حسنتان يلبسهما، وله شراكان حسنان يعجبه ذلك؟ قال: لا، قال: فهو أن يكون له حلة
стр. 6718
حسنة يلبسها؟ قال: لا، قال: فهو أن يكون له فرس جميل يعجبه جماله؟ قال: لا، قال: فهو أن يكون له أصحاب يجالسونه؟ قال: لا، قال: فما الكبر؟، قال: أن يسفه الحق ويغمص الناس".
قوله: "مكفوفة بحرير" المكفوف بالحرير هو الذي عمل على ذيله وأكمامه وجيبه كفاف من حرير، وكفة كل شيء -بالضم- طرفه وحاشيته، وكل مستطيل كفة ككفة الثوب، وكل مستدير، كِفَّة -بالكسر- ككفة الميزان.
قوله: "مغضبًا" نصب على الحال، وهو بفتح الضاد المعجمة على صيغة المفعول.
قوله: "وأخذ مجامع جبته" أراد أطرافها التي يلتقي بعضها ببعض، هو جمع مجمع، ومجمع كل شيئين ملتقاهما.
قوله: "سيجان" السيجان جمع ساج وهو الطيلسان الأخضر، وقيل: هو الطيلسان المقوِّر ينسج كذلك، وكانوا يعملون منه الجبب والقلانس، وفي الحديث عن ابن عباس ﵄: "أن النبي ﵇ كان يلبس في الحرب من القلانس ما يكون من السيجان الخضر".
ثم "ألف" "سيجان" منقلبة عن الواو، وقيل عن الياء.
قوله: "ويغمص الناس" أي لم يرهم شيئًا؛ لأجل احتقاره إياهم، وتقول منه: غَمَص الناس يغمصهم غمصًا من باب ضرب يضرب ومادته: غين معجمة وميم وصاد مهملة.
ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخطيب، قال: ثنا همام، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي، قال: "كنت في ملأ من أصحاب النبي ﵇ عند معاوية، قال: أنشدكم الله، هل تعلمون أن رسول الله ﵇ نهى عن لبس الحرير؟ قال: قولوا: اللهم نعم، قال: وأنا أشهد".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا همام. . . . فذكر بإسناده مثله.
стр. 6719
حدثنا محمَّد بن حميد، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا يحيي بن حمزة قال: ثنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيي بن كثير قال: حدثني حمران، قال: "حج معاوية فدعا نفرًا من الأنصار في الكعبة، فقال: "أنشدكم الله ألم تسمعوا رسول الله ﵇ نهى عن ثياب الحرير، فقالوا: نعم، قال: وأنا أشهد".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أنا عمر بن سعيد عن علي بن عبد الله، عن أبيه، عن معاوية، قال: "نهى رسول الله ﵇ عن لبس الحرير والذهب".
ش: من الأحاديث الدالة على تحريم الحرير على الرجل حديث معاوية بن أبي سفيان، أخرجه من أربع طرق:
الأول: إسناده صحيح، عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن همام بن يحيي، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي البصري، اسمه حيوان -بفتح الحاء المهملة وقيل: بالخاء المعجمة- ابن خلدة -بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام وفتح الدال، وفي آخره هاء-.
أخرجه أحمد في "مسنده" (١) بأتم منه: ثنا عفان، نا همام، نا قتادة، عن أبي شيخ الهنائي قال: "كنت في ملأ من أصحاب رسول الله ﵇ عند معاوية، فقال معاوية: أنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله ﵇ نهى عن لبس الحرير؟ قالوا: اللهم نعم، قال: وأنا أشهد، قال: أنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله ﵇ نهى عن لبس الذهب إلا مقطعًا؟ قالوا: اللهم نعم، قال: وأنا أشهد، قال: أنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله ﵇ نهى عن ركوب ضفف النمور؟ قالوا: اللهم نعم، قال: وأنا أشهد، قال: أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله ﵇ نهى عن الشرب في آنية الفضة؟ قالوا: اللهم نعم، قال: وأنا أشهد، قال: أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله ﵇ نهى عن جمع بين حج وعمرة؟ قالوا: أما هذه فلا، قال: أَمَا إنها معهن".
стр. 6720
الثاني: أيضًا إسناده صحيح، عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال شيخ البخاري، عن همام بن يحيي، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي.
وأخرجه أبو داود مختصرًا (١): ثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، قال: ثنا حماد، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي: "أن معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبي ﵇: هل تعلمون النبي ﵇ نهى عن كذا، وعن ركوب جلود النمور، قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة، فقالوا: أما هذه فلا، فقال: أَمَا إنها معهن ولكنكم نسيتم".
وقال الحافظ المنذري: وقد اختلف في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا، فروي كما ذكرناه، وروي عن أبي الشيخ عن أخيه حمان، ويقال: أبو حمان، عن معاوية، وروي عن بَيْهس بن فهدان، عن أبي شيخ، عن عبد الله بن بيهس، عن أبي الشيخ، عن معاوية.
واختلف على يحيي بن أبي كثير فيه، فروي عنه عن أبي شيخ، عن أخيه، وروي عنه عن أبي إسحاق، عن حمان، وروي عنه حدثني حمران من غير واسطة، وسماه حمران.
الثالث: عن محمد بن حميد بن هشام الرعيني، عن عبد الله بن يوسف شيخ البخاري، عن يحيي بن حمزة بن واقد الحضرمي الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يحيي بن أبي كثير الطائي، عن حمران بن أبان، عن معاوية.
وأخرجه الطبراني في "معجمه" (٢): نا جعفر بن محمَّد الفريابي، ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا شعيب بن إسحاق، ثنا الأوزاعي، حدثني يحيي بن أبي كثير، حدثني أبو شيخ، قال: ثنا حمان قال: "حج معاوية فدعا نفرًا من الأنصار
стр. 6721
في الكعبة، فقال: أنشدكم الله، ألم تسمعوا رسول الله ﵇ نهى عن الذهب؟ قالوا: نعم، قال: وأنا أشهد، ألم تسمعوا رسول الله نهى عن صفف النمور؟ قالوا: اللهم نعم، قال: وأنا أشهد، ألم تسمعوا رسول الله ﵇ نهى عن الحرير؟ قالوا: اللهم نعم، قال: وأنا أشهد".
وأخرجه أحمد (١) نحوه، وفي روايته: عن يحيي بن أبي كثير حدثني أبو شيخ الهنائي، عن أخيه حمان: "أن معاوية عام حج. . . ." الحديث.
وهذا كما ذكرنا اختلف فيه على يحيي بن أبي كثير. والله أعلم.
الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين القرشي النوفلي المكي، عن علي بن عبد الله بن علي من بني عبد شمس، عن أبيه عبد الله بن علي، عن معاوية.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا روح، نا عمر بن سعيد بن أبي حسين، حدثني علي بن عبد الله بن علي رجل من بني عبد شمس.
وقال: ثنا عبد الله بن الحارث، قال: حدثني عمر بن سعيد، أن علي بن عبد الله بن علي أخبره، أن أباه أخبره، قال: "سمعت معاوية على المنبر بمكة يقول: نهى رسول الله ﵇ عن لبس الذهب والحرير".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى قال: "استسقي حذيفة بالمدائن، فأتاه دهقان بإناء من فضة، فرمى به، ثم قال: إني كنت نهيته عنه فأبى أن ينتهي؛ إن رسول الله ﵇ نهى عن شراب في آنية الذهب والفضة، وعن لبس الحرير والديباج، وقال: دعوه لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة".
стр. 6722
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن الحكم عن ابن أبي ليلى مثله.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا مسعود بن سعد الجعفي، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مثله.
حدثنا ابن مزروق، قال: ثنا أبو إسحاق الضرير، قال: ثنا ابن عون، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى مثله.
ش: من الأحاديث الدالة على تحريم الحرير على الرجال حديث حذيفة بن اليمان، أخرجه من أربع طرق:
الأول: إسناده صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عَمرو العقدي، عن شعبة بن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري.
وأخرجه مسلم (١): ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: ثنا أبي، قال: نا شعبة، عن الحكم، سمع عبد الرحمن -يعني ابن أبي ليلى- قال: "شهدت حذيفة يستسقي بالمدائن فأتاه إنسان بإناء من فضة. . . . الحديث نحوه.
الثاني: أيضًا صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير، عن شعبة. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن حذيفة قال: "نهى رسول الله ﵇ عن لبس الحرير والذهب، وقال: هو لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة".
الثالث: إسناده جيد، عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن أبي غسان
стр. 6723
مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن مسعود بن سعد الجعفي، عن يزيد بن أبي زياد القرشي الكوفي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا عبد الرحيم، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن حذيفة: "أن رسول الله ﵇ نهى أن يلبس الحرير والديباج، وقال: هو لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".
الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي إسحاق الضرير واسمه إبراهيم بن زكريا البصري، ضعيف جدًّا، عن عبد الله بن عون، عن مجاهد، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا علي، ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت [ابن] (٣) أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن حذيفة ﵁ قال: "نهانا النبي ﵇ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه".
أخرجه مسلم (٤) أيضًا نحوه بطرق متعددة.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي التياح، عن رجل من بني الليث، عن عمران بن حصين ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس الحرير".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا أبو التياح، عن حفص الليثي، عن عمران بن حصين، عن رسول الله ﵇ مثله.
стр. 6724
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عياش الرقام، قال: ثنا عبد الأعلى قال: ثنا سعيد ابن مطر عن الحسن، عن عمران بن الحصين، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ألبس القميص المكفف بالحرير وأومأ الحسن إلى جيب قميصه".
ش: من الأحاديث الدالة على تحريم الحرير على الرجال حديث عمران بن الحصين، وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي التياح يزيد بن حميد الضبعي البصري، عن رجل من بني ليث، وهو حفص بن عبد الله الليثي (١)، وقد فسره في الطريق الثاني على ما يأتي.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا روح، قال: ثنا شعبة، عن أبي التياح: سمعت رجلًا من بني ليث يقول: أشهد على عمران بن حصين أنه حدَّث: "أن رسول الله ﵇ نهى عن الحناتم، وعن خاتم الذهب، وعن لبس الحرير".
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن أبي التياح يزيد بن حميد، عن حفص بن عبد الله الليثي، عن عمران بن حصين.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن حفص الليثي، عن عمران بن حصين: "أن النبي ﵇ نهى عن الحنتم، والتختم بالذهب، والحرير".
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عياش بن الوليد القطان الرقام شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن مطر بن طهمان الوراق، عن الحسن البصري. . . . إلى آخره.
стр. 6725
وأخرجه أبو داود (١): قال: نا مخلد بن خالد، قال: ثنا روح، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين أن نبي الله ﵇ قال: "لا أركب الأرجوان ولا ألبس المعصفر، ولا ألبس القميص المكفف بالحرير، قال: وأومأ الحسن إلا جيب قميصه، قال: وقال: ألا وطيب الرجال ريح لا لون له، ألا وطيب النساء لون ولا ريح له".
"الأُرجُوان" بضم الهمزة وضم الجيم: الصوف الأحمر، وقيل الأرجوان: الحمرة، وقيل: الشديد الحمرة، وأراد به المياثر، وقد يتخذ من ديباج وحرير، وإنما نهي عن ذلك لما فيه من السرف وليس من لباس الرجال.
قوله: "ولا ألبس القميص المكفف بالحرير" وهو ما اتخذ جيبه من حرير، وكان لذيله وأكمامه كفاف منه.
ص: حدثنا عبد الغني بن أبي عقيل، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة (ح).
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود ووهب، قالا: ثنا شعبة، عن الأشعت ابن أبي الشعثاء، عن معاوية بن سويد بن مقرن، عن البراء بن عازب ﵁ قال: "نهانا رسول الله ﷺ عن الحرير والديباج، والشراب في آنية الذهب والفضة".
ش: من الأحاديث الدالة على تحريم الحرير على الرجال حديث البراء بن عازب، وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن عبد الغني بن رفاعة بن عبد الملك بن أبي عقيل المصري، شيخ أبي داود، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن شعبة بن الحجاج، عن الأشعث بن أبي الشعثاء سليم بن الأسود الكوفي، عن معاوية بن سويد بن مقرن المزني الكوفي، عن البراء بن عازب.