في الكعبة، فقال: أنشدكم الله، ألم تسمعوا رسول الله ﵇ نهى عن الذهب؟ قالوا: نعم، قال: وأنا أشهد، ألم تسمعوا رسول الله نهى عن صفف النمور؟ قالوا: اللهم نعم، قال: وأنا أشهد، ألم تسمعوا رسول الله ﵇ نهى عن الحرير؟ قالوا: اللهم نعم، قال: وأنا أشهد".
وأخرجه أحمد (١) نحوه، وفي روايته: عن يحيي بن أبي كثير حدثني أبو شيخ الهنائي، عن أخيه حمان: "أن معاوية عام حج. . . ." الحديث.
وهذا كما ذكرنا اختلف فيه على يحيي بن أبي كثير. والله أعلم.
الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين القرشي النوفلي المكي، عن علي بن عبد الله بن علي من بني عبد شمس، عن أبيه عبد الله بن علي، عن معاوية.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا روح، نا عمر بن سعيد بن أبي حسين، حدثني علي بن عبد الله بن علي رجل من بني عبد شمس.
وقال: ثنا عبد الله بن الحارث، قال: حدثني عمر بن سعيد، أن علي بن عبد الله بن علي أخبره، أن أباه أخبره، قال: "سمعت معاوية على المنبر بمكة يقول: نهى رسول الله ﵇ عن لبس الذهب والحرير".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى قال: "استسقي حذيفة بالمدائن، فأتاه دهقان بإناء من فضة، فرمى به، ثم قال: إني كنت نهيته عنه فأبى أن ينتهي؛ إن رسول الله ﵇ نهى عن شراب في آنية الذهب والفضة، وعن لبس الحرير والديباج، وقال: دعوه لهم في الدنيا، وهي لكم في الآخرة".
стр. 6722
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن الحكم عن ابن أبي ليلى مثله.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا مسعود بن سعد الجعفي، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مثله.
حدثنا ابن مزروق، قال: ثنا أبو إسحاق الضرير، قال: ثنا ابن عون، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى مثله.
ش: من الأحاديث الدالة على تحريم الحرير على الرجال حديث حذيفة بن اليمان، أخرجه من أربع طرق:
الأول: إسناده صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عَمرو العقدي، عن شعبة بن الحجاج، عن الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري.
وأخرجه مسلم (١): ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: ثنا أبي، قال: نا شعبة، عن الحكم، سمع عبد الرحمن -يعني ابن أبي ليلى- قال: "شهدت حذيفة يستسقي بالمدائن فأتاه إنسان بإناء من فضة. . . . الحديث نحوه.
الثاني: أيضًا صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير، عن شعبة. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن حذيفة قال: "نهى رسول الله ﵇ عن لبس الحرير والذهب، وقال: هو لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة".
الثالث: إسناده جيد، عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن أبي غسان
стр. 6723
مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن مسعود بن سعد الجعفي، عن يزيد بن أبي زياد القرشي الكوفي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا عبد الرحيم، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن حذيفة: "أن رسول الله ﵇ نهى أن يلبس الحرير والديباج، وقال: هو لهم في الدنيا ولكم في الآخرة".
الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي إسحاق الضرير واسمه إبراهيم بن زكريا البصري، ضعيف جدًّا، عن عبد الله بن عون، عن مجاهد، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا علي، ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت [ابن] (٣) أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن حذيفة ﵁ قال: "نهانا النبي ﵇ أن نشرب في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير والديباج، وأن نجلس عليه".
أخرجه مسلم (٤) أيضًا نحوه بطرق متعددة.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي التياح، عن رجل من بني الليث، عن عمران بن حصين ﵁: "أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس الحرير".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: ثنا أبو التياح، عن حفص الليثي، عن عمران بن حصين، عن رسول الله ﵇ مثله.
стр. 6724
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عياش الرقام، قال: ثنا عبد الأعلى قال: ثنا سعيد ابن مطر عن الحسن، عن عمران بن الحصين، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا ألبس القميص المكفف بالحرير وأومأ الحسن إلى جيب قميصه".
ش: من الأحاديث الدالة على تحريم الحرير على الرجال حديث عمران بن الحصين، وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي التياح يزيد بن حميد الضبعي البصري، عن رجل من بني ليث، وهو حفص بن عبد الله الليثي (١)، وقد فسره في الطريق الثاني على ما يأتي.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا روح، قال: ثنا شعبة، عن أبي التياح: سمعت رجلًا من بني ليث يقول: أشهد على عمران بن حصين أنه حدَّث: "أن رسول الله ﵇ نهى عن الحناتم، وعن خاتم الذهب، وعن لبس الحرير".
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن أبي التياح يزيد بن حميد، عن حفص بن عبد الله الليثي، عن عمران بن حصين.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن سلمة، عن أبي التياح، عن حفص الليثي، عن عمران بن حصين: "أن النبي ﵇ نهى عن الحنتم، والتختم بالذهب، والحرير".
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عياش بن الوليد القطان الرقام شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن مطر بن طهمان الوراق، عن الحسن البصري. . . . إلى آخره.
стр. 6725
وأخرجه أبو داود (١): قال: نا مخلد بن خالد، قال: ثنا روح، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين أن نبي الله ﵇ قال: "لا أركب الأرجوان ولا ألبس المعصفر، ولا ألبس القميص المكفف بالحرير، قال: وأومأ الحسن إلا جيب قميصه، قال: وقال: ألا وطيب الرجال ريح لا لون له، ألا وطيب النساء لون ولا ريح له".
"الأُرجُوان" بضم الهمزة وضم الجيم: الصوف الأحمر، وقيل الأرجوان: الحمرة، وقيل: الشديد الحمرة، وأراد به المياثر، وقد يتخذ من ديباج وحرير، وإنما نهي عن ذلك لما فيه من السرف وليس من لباس الرجال.
قوله: "ولا ألبس القميص المكفف بالحرير" وهو ما اتخذ جيبه من حرير، وكان لذيله وأكمامه كفاف منه.
ص: حدثنا عبد الغني بن أبي عقيل، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة (ح).
وحدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود ووهب، قالا: ثنا شعبة، عن الأشعت ابن أبي الشعثاء، عن معاوية بن سويد بن مقرن، عن البراء بن عازب ﵁ قال: "نهانا رسول الله ﷺ عن الحرير والديباج، والشراب في آنية الذهب والفضة".
ش: من الأحاديث الدالة على تحريم الحرير على الرجال حديث البراء بن عازب، وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن عبد الغني بن رفاعة بن عبد الملك بن أبي عقيل المصري، شيخ أبي داود، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن شعبة بن الحجاج، عن الأشعث بن أبي الشعثاء سليم بن الأسود الكوفي، عن معاوية بن سويد بن مقرن المزني الكوفي، عن البراء بن عازب.
стр. 6726
وأخرجه البخاري (١): ثنا أبو الوليد، نا شعبة، عن الأشعث، قال: سمعت معاوية بن سويد بن مقرن، عن البراء ﵁ قال: "أمرنا النبي ﵇ بسبع، ونهانا عن سبع، أمرنا: باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم، ورد السلام وتشميت العاطس، ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، والحرير، والديباج، والقسي، والإستبرق".
وأخرجه مسلم (٢): نا يحيي بن يحيى التميمي، قال: أنا أبو خيثمة، عن أشعث ابن أبي الشعثاء) (ح).
وحدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: نا زهير، قال: نا أشعث، قال حدثني معاوية بن سويد بن مقرن، قال: دخلت على البراء بن عازب فسمعته يقول: "أمرنا رسول الله ﵇ بسبع ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس وإبرار -القسم أو المقسم- ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام، ونهانا عن خواتم -أو عن تختم- بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر، وعن القسي، وعن لبس الحرير والإستبرق والديباج".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، ووهب بن جرير، كلاهما عن شعبة، عن الأشعث. . . . إلى آخره.
وأخرجه [الترمذي] (٣): نا ابن بشار، عن غندر وابن مهدي، عن شعبة، عن الأشعث. . . . إلى آخره.
стр. 6727
والنسائي (١): أخبرنا سليمان بن منصور البلخي، وهناد بن السري، عن أبي الأحوص، عن [الأشعث] (٢). . . . إلى آخره.
وابن ماجه (٣): ثنا علي بن محمَّد، عن وكيع، عن علي بن صالح، عن أشعث. . . . إلى آخره.
ص: حدثنا محمَّد بن النعمان، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا حماد بن زيد، عن ثابت البناني، قال: سمعت عبد الله بن الزبير ﵄ يقول: قال: محمَّد ﷺ : "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
ش: من الأحاديث الدالة على تحريم الحرير على الرجال حديث عبد الله بن الزبير.
أخرجه بإسناد صحيح.
عن محمد بن النعمان السقطي، عن سعيد بن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود، عن حماد بن زيد، عن ثابت البناني. . . . إلى آخره.
وأخرجه أحمد (٤): نا يونس وعفان، قالا: ثنا حماد بن زيد قال -عفان في حديثه: ثنا ثابت البناني، وقال يونس-: عن ثابت قال: سمعت ابن الزبير -قال عفان: يخطبنا، وقال يونس-: وهو يخطب يقول: قال محمَّد ﵇: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
وأخرجه البخاري (٥): عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن ثابت. . . . إلى آخره نحوه.
стр. 6728
والنسائي (١): عن قتيبة، عن حماد، عن ثابت. . . . إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا بكار، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن داود السراج، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ولو دخل الجنة يلبسه أهل الجنة ولا يلبسه هو".
ش: من الأحاديث الدالة على تحريم الحرير على الرجال حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
أخرجه بإسناد صحيح، عن بكار بن قتيبة القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن داود السراج الثقفي البصري، عن أبي سعيد الخدري.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن أبي معاوية، عن سعيد، عن قتادة، عن داود السراج. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه النسائي (٣) أيضًا.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو معمر، قال ثنا عبد الوارث، قال: ثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
حدثنا مبشر بن الحسن، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، عن النبي ﵇. . . . نحوه.
حدثنا يونس، قال: ثنا أسد، قال: ثنا شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب وسألته عن الحرير فقال: سمعت أنسًا، فقلت: أعن النبي ﵇؟ فقال شديدًا، ثم ذكر مثله.
стр. 6729
حدثنا يونس، قال: ثنا أسد، قال: ثنا شعبة، عن حميد الطويل، عن أنس قال: "كنا نتحدث بذلك".
ش: من الأحاديث الدالة على تحريم الحرير على الرجال حديث أنس.
وأخرجه من أربع طرق صحاح:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي معمر عبد الله بن عَمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد شيخ البخاري وأبي داود، عن عبد الوارث بن سعيد العنبري، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا إسماعيل بن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﵇: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
الثاني: عن مبشر بن الحسن بن المبشر القيسي البصري، عن أبي عامر عبد الملك ابن عمرو العقدي، عن شعبة. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالا: نا إسماعيل ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﵇: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن أسد بن موسى، عن شعبة. . . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (٣): ثنا آدم، قال: ثنا شعبة، نا عبد العزيز بن صهيب، قال: سمعت أنس بن مالك -قال: شعبة فقلت: أعن النبي ﵇، فقال شديدًا- عن النبي ﵇ فقال: "من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة".
стр. 6730
الرابع: عن يونس أيضًا، عن أسد بن موسى، عن شعبة، عن حميد الطويل، عن أنس.
وأخرجه أسد السنة في "مسنده".
ص: حدثنا يونس وبحر -قال يونس: أنا ابن وهب، وقال بحر: ثنا ابن وهب- قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن هشام بن أبي رقية اللخمي حدثه، قال: سمعت مسلمة بن مخلد يخطب وهو يقول: "أما لكم في العَصَب والكتان ما يغنيكم عن لبس الحرير؟ وهذا فيكم، رجل يخبر عن رسول الله ﵇، قم يا عقبة، فقام عقبة بن عامر فقال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: من لبس الحرير في الدنيا حرمه أن يلبسه في الآخرة".
ش: من الأحاديث الدالة على تحريم الحرير على الرجال حديث عقبة بن نافع الجهني.
أخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، وعن بحر بن سابق الخولاني، كلاهما عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث المصري، عن هشام بن أبي رقية اللخمي المصري، عن مسلمة بن مخلد الأنصاري الزرقي الصحابي المصري.
وأخرجه ابن يونس في "تاريخ مصر" في ترجمة هشام المذكور: ثنا علي بن أحمد بن سليمان، ثنا سلمة بن شيبة، ثنا الفريابي، نا ابن ثوبان، عن ابن أبي مريم، أنه سمع هشام بن أبي رقية يذكر عن عقبة بن عامر ﵁ أن رسول الله ﵇ قال: "من لبس الحرير في الدنيا فهو محرم عليه في الآخرة".
قوله: "في العَصَبِ" بفتح العين المهملة، وسكون الصاد المهملة، وفي آخره باء موحدة، وهي برود يمنية، يعصب غزلها، أي يجمع ويشد، ثم يصبغ وينسج، فيأتي موشيا لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ يقال: برد عصب، وبرود عصب، بالتنوين والإضافة.
стр. 6731
وقيل: هي برود مخططة.
ص: حدثنا محمد بن حميد بن هشام، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثني يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي أن شدادًا أبا عمار، قال: ثنا أبو أمامة ﵁ أنه سمع رسول الله ﵇ يقول: "لا يلبس الحرير في الدنيا إلا من لا خلاق له".
ش: من الأحاديث الدالة على تحريم الحرير على الرجال حديث أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي.
أخرجه بإسناد صحيح، عن محمد بن حميد الرعيني، عن عبد الله بن يوسف التنيسي شيخ البخاري، عن يحيى بن حمزة بن واقد الحضرمي الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن شداد بن عبد الله أبي عمار، عن أبي أمامة.
وأخرجه مسلم (١): حدثني إبراهيم بن موسى الرازي، قال: ثنا شعيب بن إسحاق الدمشقي، عن الأوزاعي، قال: حدثني شداد أبو عمار، قال: حدثني أبو أمامة أن رسول الله ﵇ قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
وأخرجه الطبراني (٢): عن بكر بن سهل، عن عبد الله بن يوسف. . . . إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
ص: حدثنا حسين بن نصر ومحمد بن حميد، قالا: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدثني يحيى بن حمزة، قال: حدثني زيد بن واقد، أن خالد بن عبد الله بن حسين حدثه، قال: حدثني أبو هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن شرب في آنية الفضة والذهب لم يشرب بها في الآخرة، ثم قال: لباس أهل الجنة، وشراب أهل الجنة وآنية أهل الجنة".
ش: من الأحاديث الدالة على تحريم الحرير على الرجال حديث أبي هريرة.
стр. 6732
أخرجه بإسناد صحيح، عن حسين بن نصر، ومحمد بن حميد بن هشام الرعيني، كلاهما عن عبد الله بن يوسف التنيسي شيخ البخاري، عن يحيى بن حمزة بن واقد الدمشقي، عن زيد بن واقد القرشي أبي عمرو الشامي الدمشقي، عن خالد بن عبد الله بن حسين القرشي الأموي الدمشقي، مولى عثمان بن عفان، عن أبي هريرة.
وأخرجه النسائي (١): أنا هشام بن عمار، عن يحيى بن حمزة، عن زيد بن واقد حدثني خالد بن عبد الله بن حسين، قال: حدثني أبو هريرة. . . . إلى آخره نحوه.
وقد رأيتَ أن الطحاوي: قد أخرج أحاديث هذا الباب عن خمسة عشر نفرًا من الصحابة، وهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، ومعاوية بن أبي سفيان، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن الحصين، والبراء بن عازب، وعبد الله بن الزبير، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وعقبة بن عامر الجهني، وأبو أمامة، وأبو هريرة ﵃.
ولما أخرج الترمذي (٢) حديث أبي موسى الأشعري قال: وفي الباب عن عمر، وعلي وعقبة بن عامر والبراء وأنس وحذيفة وأم هانئ وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين، وعبد الله بن الزبير وجابر وأبي ريحانة وابن عمر ﵃.
قلت: لم يَفُت الطحاوي من هؤلاء إلا أم هانئ، وجابر، وأبو ريحانة، وأبو موسى الأشعري.
أما حديث أم هانئ ﵂ فأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٣): ثنا زهير، نا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن أبي فاختة حدثتني أم هانئ: "أن رسول الله ﷺ أهديت
стр. 6733
له حلة حرير سيراء، فبعث بها إلى علي ﵁ فراح وهي عليه، فقال رسول الله ﵇ لعليّ: لا أرضى لك إلا ما أرضى لنفسي، إني لم أكسكها لتلبسها، إني كسوتكها لتجعلها خمرًا بين الفواطم".
وأما حديث جابر ﵁ فأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا موسى، نا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن رسول الله ﵇ أهدى إليه راهب من الشام جبة من سندس، فلبسها النبي ﵇ ثم أتى البيت فوضعها، وأُخْبِرَ بوفد يأتيه، فأمره عمر بن الخطاب أن يلبس الجبة لقدوم الوفد، فقال النبي ﵇: لا يصلح لنا لباسها في الدنيا، ويصلح لنا لباسها في الآخرة، ولكن خذها يا عمر، فقال: أتكرهها وآخذها؟! فقال النبي ﵇: إني لا آمرك أن تلبسها، ولكن ترسل بها إلى أرض فارس فتصيب بها مالًا، فأبى عمر ﵁ فأرسل بها النبي ﵇ إلى النجاشي وكان قد أحسن إلى من فَرَّ إليه من أصحاب محمَّد ﵇".
وأما حديث أبي ريحانة، فأخرجه أبو داود (٢): ثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الهمداني، قال: حدثني المفضل بن فضالة، عن عياش بن عباس، عن أبي الحصين الهيثم بن شفي، قال: "خرجت أنا وصاحب لي يكنى أبا عامر رجل من المعافر لنصلي بإيلياء، وكان قاصهم رجلًا من الأزد يقال له: أبو ريحانة من الصحابة قال أبو الحصين فسبقني صاحبي إلى المسجد، ثم أدركته فجلست إلى جنبه، فسألني: هل أدركت قصص أبي ريحانة؟ قلت: لا، قال: سمعته يقول: نهى رسول الله ﵇ عن عشر: عن الوشر، والوشم، والنتف، وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار، ومكامعة المرأة المرأة بغير شعار، وأن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريرًا مثل الأعاجم، أو يجعل على منكبيه حريرًا مثل الأعاجم، وعن النهبي، وركوب النمور، ولبوس الخاتم إلا لذي سلطان".
стр. 6734
وأخرجه النسائي (١) وابن ماجه (٢).
وأبو ريحانة اسمه شمغون بالشين والغين المعجمتين وهو أنصاري، وقيل: قرشي، ويقال له: مولى رسول الله ﵇ قدم مصر، وروى عنه أهلها.
و"الوشر" تحديد الأسنان، تفعله المرأة الكبيرة تتشبه بالشبات.
و"الوشم" أن يغزر الجلد بإبرة ثم يحشى بكحل أو نيل فيزرق أو يخضر.
و"المكامعة" أن يضاجع الرجل الرجل في ثوب واحد لا حاجز بينهما، والمكامعة أن يلثم الرجل الرجل ويضع فمه على فمه كالتقبيل، أخذ من الكعم وهو شد فم البعير لئلا يعض، والكلب لئلا ينبح.
و"الياء" بالكسر والمد: بيت المقدس، قيل معناه بيت الله، ويقال فيه بالقصر، وبحذف الياء الأولى أيضًا وسكون اللام، فهذه ثلاث لغات.
وأما حديث أبي موسى الأشعري: فأخرجه الترمذي (٣): نا إسحاق بن منصور، قال: أنا عبيد الله بن نمير قال: نا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﵇ قال: "حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي، وأحل لإناثهم". وقال: حديث حسن صحيح.
ص: ففي هذه الآثار المتواترة النهي عن لبس الحرير، فاحتمل أن تكون نسخت ما فيه الإباحة للبسه، واحتمل أن يكون ما فيه الإباحة هو الناسخ، فنظرنا في ذلك لنعلم الناسخ في ذلك من المنسوخ؛ فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن العلاف، قال: ثنا ابن سواء، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس: "أن أُكَيْدَر دومة أهدى إلى النبي ﵇ جبة من سندس، وذلك قبل أن ينهى عن الحرير
стр. 6735
فلبسها فعجب الناس منها، فقال: والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذه".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، أنه سمع عقبة بن عامر يقول: "خرج علينا رسول الله ﵇ ذات يوم وعليه فرُّوج حرير، فصلى فيه ثم انصرف فنزعه، وقال: لا ينبغي لباس هذه للمتقين".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: حدثني عبد الحميد بن جعفر، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب. . . . فذكر بإسناد مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة أنه قال: "أهدي إلى رسول الله ﵇ فروج حرير، فلبسه. . . ." ثم ذكر مثله.
فدلت هذه الآثار أن لبس الحرير كان مباحًا، وأن النهي عن لبسه كان بعد إباحته، فعلمنا أن ما جاء في النهي عن لبسه هو الناسخ لما جاء في إباحة لبسه، وهذا أيضًا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وأكثر العلماء ﵃.
ش: أراد بهذه الآثار الأحاديث التي رواها عن الصحابة المذكورين، وهم خمسة عشر نفرًا كما ذكرنا، ولا شك أن في هذه الأحاديث النهي عن لبس الحرير، ولكن يحتمل أن تكون هذه ناسخة لما فيه الإباحة للبس الحرير، ويحتمل أن يكون ما فيه الإباحة ناسخًا لهذه الأحاديث، فلما نظرنا في هذا الباب لنعلم الناسخ من المنسوخ؛ وجدنا أحاديث أخرى دلت على أن الأحاديث التي فيها النهي عن لبسه هي الناسخة للأحاديث التي فيها الإباحة وهي حديث أنس وعقبة بن عامر ﵄.
أما حديث أنس؛ فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمد بن عبد الرحمن العلاف العنبري البصري، عن محمد بن سواء بن عنبر السدوسي العنبري أبي الخطاب البصري المكفوف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁.
стр. 6736
وأخرجه مسلم (١): ثنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا سالم بن نوح، قال: ثنا عمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك: "أن أكيدر دومة الجندل أهدى إلى رسول الله ﵇ جبة من سندس، وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها، فقال: والذي نفس محمد بيده، إن مناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا".
وأخرج مسلم (٢) والبخاري (٣) هذا الحديث أيضًا عن البراء بن عازب ﵁ ولفظ مسلم: "أهديت لرسول ﵇ حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها ويعجبون من لينها، فقال: أتعجبون من لين هذه لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين".
ولفظ البخاري: "أهدي للنبي ﵇. . . ." إلى آخره.
قوله: "أُكَيْدر" بضم الهمزة، هو أكيدر بن عبد الملك صاحب دومة الجندل، كتب إليه النبي ﵇ وأرسل سرية إليه مع خالد بن الوليد ﵁.
وذكر ابن منده وأبو نعيم أنه أسلم، وأهدى إلى النبي ﵇ حلة سيراء.
وقال ابن الأثير (٤): وأما سرية خالد فصحيح، وإنما أهدى لرسول الله ﵇ وصالحه ولم يسلم، وهذا لا خلاف فيه بين أهل السير، ومن قال: إنه أسلم، فقد أخطأ خطأ ظاهرًا، وكان أكيدر نصرانيًّا، ولما صالحه النبي ﵇ عاد إلى حصنه وبقي فيه، ثم إن خالدا أسره لما حصر دومة أيام أبي بكر ﵁ فقتله مشركًا نصرانيًّا، وقد ذكر البلاذري: أن أكيدرا لما قدم على النبي ﵇ مع خالد أسلم، وعاد إلى دومة، فلما مات النبي ﵇ ارتد ومنع ما قَبِلَهُ، فلما سار خالد من العراق إلى الشام قتله. والله أعلم.
стр. 6737
وأما "دومة" فقد قال الجوهري: دومة الجندل اسم حصن، وأصحاب اللغة يقولونه بضم الدال، وأصحاب الحديث يفتحونها.
قلت: دومة الجندل -بضم الدال- موضع فاصل بين الشام والعراق، على سبع مراحل من دمشق، وعلى ثلاثة عشر مرحلة عن المدينة.
قوله: "من سندس" وهو ما رقّ من الديباج ورفع.
قوله: "لمناديل سعد" كلام إضافي مبتدأ، وخبره "أحسن من هذه" واللام فيه للتأكيد وهي مفتوحة.
وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن لهيعة، والليث بن سعد، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني المصري، عن عقبة بن عامر الجهني.
وابن لهيعة ذُكر متابعة.
وأخرجه مسلم (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر أنه قال: "أهدي لرسول الله ﵇ فروج حرير، فلبسه ثم صلى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعًا شديدًا كالكاره، ثم قال: لا ينبغي هذا للمتقين".
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر.
وأخرجه البخاري (٢): ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر أنه قال: "أهدي لرسول الله ﵇ فروج حرير،
стр. 6738
فلبسه ثم صلى فيه، ثم انصرف فنزعه نزغا شديدًا كالكاره له، ثم قال: لا ينبغي هذا للمتقين".
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن يوسف شيخ البخاري، عن الليث بن سعد. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا محمد بن عبيد ويزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن عقبة بن عامر الجهني قال: "صلى بنا رسول الله ﵇ المغرب وعليه فروج -يعني قباء- من حرير، فلما قضى صلاته، نزعه نزعا عنيفا، فقلت: يا رسول الله، صليت وهو عليك؟ قال: إن هذا لا ينبغي للمتقين".
قوله: "فروج حرير" الفروج -بفتح الفاء وضم الراء المشددة بعدها واو ساكنة وفي آخره جيم- وهو القباء الذي شُقَّ من خلفه.
ص: وقد روي عن أصحاب رسول الله ﵇ أيضًا في ذلك ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه: "أن عمه إسماعيل بن عبد الرحمن دخل مع عبد الرحمن على عمر ﵁ وعليه قميص من حرير، وقلبان من ذهب، فشق القميص، وفك القلبين، فقال: اذهب إلى أمك".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا مسعر، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن عامر بن سويد بن غفلة، قال: "لقينا عمر ﵁ وعلينا من ثياب أهل فارس -أو قال: كسرى- فقال: بَرَّح الله هذه الوجوه، فرجعنا فألقيناها ولبسنا ثياب العرب، فرجعنا إليه، فقال: أنتم خير من قوم أتوني وعليهم ثياب قوم لو رضيها الله لهم لم يلبسهم إياها، لا يصلح -أو لا يحل- إلا إصبعين أو ثلاثًا أو أربعًا، يعني الحرير".
стр. 6739
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن إسماعيل بن سميع، عن مسلم البطين، عن أبي عمرو السيباني، قال: "رأى علي بن أبي طالب ﵁ على رجل جبة في صدره لبنة من ديباج، فقال له علي ﵁: ما هذا الشيء الذي تحت لحيتك؟! فجعل الرجل ينظر، فقال له رجل: إنما يعني الديباج".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، عن عمرو، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان، قال: "استأذن سعد بن أبي وقاص على ابن عامر وتحته مرافق من حرير، فأمر بها فرفعت، فدخل عليه سعد وعليه مطرف شطره حرير، فقال له ابن عامر: يا أبا إسحاق، استأذنت عليّ وتحتي مرافق من حرير فأمرت بها فرفعت، فقال: نِعْم الرجل أنت يا أبا عامر، إن لم تكن من الذين قال الله -عزوجل-: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (١) لأن أضطجع على جمر الغضى أحب إليّ من أن أضطجع على مرافق من حرير، قال: فهذا عليك مطرف شطره خز، وشطره حرير قال: إنما يلي جلدي منه الخز".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا إبراهيم، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار عن طلق بن حبيب، قال: قلت لابن عمر: "أرأيت هذا الذي تقول في الحرير أشيء سمعته من رسول الله ﵇ أو وجدته في كتاب الله -عزوجل-؟ قال: ما وجدته في كتاب الله ولا سمعته من رسول الله ﵇ ولكني رأيت أهل الإِسلام يكرهونه".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن عبد الله بن عون -لا أعلمه إلا قال: عن الحسن- قال: "دخلنا على ابن عمر ﵄ بالبطحاء فقال له رجل: إن ثيابنا هذه يخالطها الحرير، قال: دعوه قليله وكثيره".
ش: أي وقد روي عن الصحابة ﵃ أيضًا في تحريم الحرير على الرجال، وأخرج في ذلك عن أربعة منهم، وهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر ﵃.
стр. 6740
أما ما روي عن عمر فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي أن عمه إسماعيل بن عبد الرحمن دخل مع أبيه عبد الرحمن بن عوف على عمر بن الخطاب ﵃.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه قال: "دخل عبد الرحمن بن عوف ومعه ابن له على عمر ﵁ وعليه قميص حرير، فشق القميص".
قوله: " وقُلْبان" تثنية قُلْب -بضم القاف وسكون اللام-: وهو السوار.
الثاني: عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الكوفي، عن مسعر بن كدام، عن وبرة بن عبد الرحمن المُسْلي، عن عامر الشعبي، عن سويد بن غفلة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا ابن إدريس، عن حصين، عن الشعبي، عن سويد بن غفلة، قال: "شهدنا اليرموك، قال: فاستقبلنا عمر ﵁ وعلينا الديباج والحرير، فأمر فرمينا بالحجارة، قال: فقلنا: ما بلغه عنا؟ قال: فنزعناه وقلنا: كره زينا، فلما استقبلنا رحب بنا، فقال: إنكم جئتموني في زي أهل الشرك، إن الله لم يرضَ لمن قبلكم الديباج والحرير".
قوله: "بَرَّح الله" بالتشديد وثلاثيه: بَرَحَ بمعنى زال، ويقال أيضًا: برَّح به تبريحًا إذا شق عليه، وأصل التبريح المشقة والشدة، وحاصله أن هذا دعاء من عمر عليهم لكونهم أتوه في ثياب الأكاسرة والجبارين المترفين.
стр. 6741
وأما ما روي عن علي ﵁ فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل ابن سميع الحنفي الكوفي، عن مسلم بن عمران البطين، عن أبي عمرو السيباني -بالسين المهملة- واسمه زرعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن إسماعيل بن سميع، عن مسلم البطين، عن أبي عمرو السيباني، قال: "جاء شيخ فسلم على عليّ ﵁ وعليه جبة من طيالسة في مقدمها ديباج، فقال عليّ: ما هذا النتن تحت لحيتك؟! فنظر الشيخ يمينًا وشمالًا، فقال: ما أرى شيئًا، قال: يقول رجل: إنما يعني الديباج، قال: يقول الرجل: إذًا نلقيه ولا نعود".
قوله: "لِبْنة" بكسر اللام وسكون الباء، وهي رقعة تعمل موضع جيب القميص والجبة.
وأما ما روي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي شيخ أبي داود، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار المكي، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية.
وابن عامر هو عبد الله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي العبشمي، وه وابن خال عثمان بن عفان ﵁ ولد على عهد النبي ﵇، وأُتي به وهو صغير، فقال: هذا يشبهنا، وجعل يتفل عليه ويعوذه، فجعل عبد الله يبتلع ريق رسول الله ﵇، فقال رسول الله ﵇: "إنه لمسقى"، فكان لا يعالج أرضًا إلا ظهر له الماء، وكان كريمًا ميمون النقيبة واستعمله عثمان ﵁ على البصرة سنة تسع وعشرين، بعد أبي موسى ﵁، وولاه أيضًا بلاد فارس بعد عثمان بن أبي العاص، وكان عمره لما ولي البصرة أربعًا -أو خمسًا- وعشرين سنة، فافتتح خراسان كلها وأطراف فارس وسجستان وكرمان وزابلستان،
стр. 6742
وهي أعمال غزنة، أرسل الجيوش ففتح هذه الفتوح كلها، وفي ولايته قتل كسرى يزدجرد، فأحرم ابن عامر من نيسابور بعمرة شكرًا لله -عزوجل- على ما فتح عليه، وهو الذي اتخذ السوق بالبصرة، اشترى دورًا فهدمها وجعلها سوقًا، وهو أول من لبس الخز بالبصرة، لبس جبة دكناء، فقال الناس: لبس الأمير جلد دب، فلبس جبة حمراء، وهو أول من اتخذ الحياض بعرفة وأجرى إليها العين، ولم يزل واليًا على البصرة إلى أن قتل عثمان بن عفان، ثم شهد مع عائشة ﵂ وقعة الجمل، ثم سار إلى دمشق فأقام بها، وتوفي سنة سبع -وقيل: سنة ثمان- وخمسين، وأوصى إلى عبد الله ابن الزبير ﵁.
والأثر المذكور أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن صفوان بن عبد الله، قال: "استأذن سعد على ابن عامر وتحته مرافق من حرير، فأمر بها فرفعت، فلما دخل سعد وعليه مطرف من خز، فقال له: استأذنت عليّ وتحتي مرافق من حرير، فأمرت بها فرفعت، فقال سعد: نعم الرجل أنت إن لم تكن ممن قال الله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (٢) والله لئن أضطجع على جمر الغضي أحب إليّ من أن أضطجع عليها، قال: فهذا عليك شطره حرير وشطره خز؟ قال: إنما يلي جلدي منه الخز".
قوله: "مرافق" جمع مرفقة -بكسر الميم- وهي المخدة، قاله الجوهري، يقال: فلان تمرفق إذا اتخذ المرفقة.
و"المطرف" بكسر الميم وضمها وفتحها: الثوب الذي في طرفيه علمان، والميم زائدة.
قوله: "شطره" أي نصفه.
قوله: "لئن اضطجع" اللام فيه "لام" الابتداء، وهي للتأكيد، و"أن" مصدرية في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله: "أحب إليّ".
стр. 6743
و"الغضى" شجر، وإنما قال جمر الغضى لكون نارها قوية، وجمرها لا يخمد في ساعة.
و"الخز" بفتح الخاء وتشديد الزاي المعجمتين: وهو الثوب المنسوج من الصوف والحرير.
قوله: "إنما يلي جلدي منه الخز" احتج به قوم على جواز لبس الحرير إذا كان من فوق القماش ولم يمس منه جلده شيئًا.
وأما ما روي عن عبد الله بن عمر فأخرجه من طريقين حسنين جيدين:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طلق بن حبيب العنزي البصري.
الثاني: عن سليمان بن شعيب، عن الخصيب -بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة- بن ناصح الحارثي، وثقه ابن حبان، عن يزيد بن زريع، عن عبد الله بن عون، عن الحسن ﵁.
قوله: "أرأيت" معناه أخبرني.
قوله: "أشيء" الهمزة فيه للاستفهام.
قوله: "دعوه" أي اتركوه.
قوله: "قليله وكثيره" منصوبان على البدلية من الضمير المنصوب في دعوه، والباء في "بالبطحاء" للظرف، أي في البطحاء، وهو مسيل وادي مكة، وهو الذي يقال له: المحصب أيضًا.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب ذاهبون إلى [أن] (١) ما حرم من ذلك، فقد دخل فيه النساء والرجال واحتجوا في ذلك بقول النبي ﵇: "من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" ولم يخص في ذلك الرجال دون النساء.
стр. 6744
ش: أراد بهؤلاء الذاهبين زيد بن وهب الجهني وسالمًا والحسن البصري في رواية، فإنهم قالوا: ما حرم من الحرير يدخل فيه الرجال والنساء جميعًا، لعموم قوله ﵇: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" (١) ولم يخص في ذلك الرجال دون النساء.
وقال ابن العربي: اختلف العلماء في لباس الحرير على عشرة أقوال:
الأول: يحرم بكل حال.
الثاني: يحرم إلا في الحرب.
الثالث: يحرم إلا في السفر.
الرابع: يحرم إلا في المرض.
الخامس: يحرم إلا في الفرد.
السادس: يحرم إلا في العَلَم.
السابع: يحرم على الرجال والنساء.
الثامن: يحرم لبسه من فوق دون لبسه من أسفل، وهو الفرش، قاله أبو حنيفة وابن الماجشون.
التاسع: مباح بكل حال.
العاشر: يحرم وإن خلط مع غيره كالخز.
ومما احتج به من يقول بحرمته على الرجال والنساء جميعًا ما رواه مسلم (٢): أن ابن الزبير ﵄ قال: "لا تلبسوا نساءكم الحرير، فإني سمعت [عمر بن الخطاب يقول: قال] (٣) رسول الله ﵇ يقول: من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" وكأن ابن الزبير فهم منه العموم، ولم ير الخصوص.
стр. 6745
ص: وقالوا: قد رأينا آنية الذهب والفضة حرمت على المسلمين؛ لأنها آنية الكفار في الدنيا؛ فاستوى في ذلك النساء والرجال، فكذلك الحرير لما حَرُمَ على المسلمين لأنه لباس الكفار؛ استوى فيه الرجال والنساء جميعًا.
ش: أي: قال هؤلاء الذاهبون، وأشار به إلى وجه النظر والقياس في تحريم الحرير على الرجال والنساء جميعًا، وهو ظاهر.
ص: فكان من الحجة [على] (١) من ذهب إلى هذا القول: أنه قد نُهي عن لبس الثياب المصبغات، وقيل: إنها لباس الكفار.
وروي عن النبي ﵇ في ذلك: ما حدثنا محمد بن خزيمة قال: ثنا مسدد قال: ثنا يحيى، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن عبد الله بن عمرو: "أن النبي ﵇ رأي عليه ثوبين معصفرين، فقال: هذه ثياب الكفار، فلا تلبسها".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا هارون بن إسماعيل الخزاز، قال: ثنا علي بن المبارك، قال: حدثنا يحيى. . . . فذكر بإسناده مثله.
ففي هذا الحديث أن الثياب المصبغة ثياب الكفار.
ش: أشار بهذه إلى بيان مستند هؤلاء الطائفة فيما قالوا من وجه النظر والقياس، أي فكان من الدليل والبرهان لهؤلاء الذاهبين إلى هذا القول، وهو عموم التحريم للرجال والنساء جميعًا، أن النبي ﵇ قد نهى عن لبس الثياب المصبغات، حيث قال: "هذه ثياب الكفار فلا تلبسها" وعلله بذلك، وذلك في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن محمد بن خزيمة، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود، عن يحيى القطان، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي، عن محمد بن
стр. 6746
إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي المدني، عن خالد بن معدان الكلاعي الشامي الحمصي، عن جبير بن نفير بن مالك الحضرمي الشامي الحمصي المخضرم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وأخرجه النسائي (١): أنا إسماعيل بن مسعود، قال: نا خالد، عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، أن خالد بن معدان أخبره: أن جبيرًا أخبره: أن عبد الله بن عمرو أخبره: "أنه رآه النبي ﵇ وعليه ثوبان معصفران، فقال: هذه ثياب الكفار فلا تلبسها".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن هارون بن إسماعيل الخزاز -بالمعجمات- عن علي بن المبارك الهنائي البصري، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن علي بن مبارك، عن يحيى ابن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير الحضرمي، عن عبد الله بن عمرو قال: "رآني النبي ﵇، وعليّ ثوب معصفر، فقال: ألقها؛ فإنها ثياب الكفار". انتهى.
و"الثوب المعصفر": المصبوغ بالعصفر.
قال الجوهري: العصفر صبغ، وقد عصفرت الثوب فتعصفر.
قلت: العصفر هو زهر القرطم تصبغ به الثياب وغيرها.
ص: فنظرنا في ذلك هل حرم لبسها لهذه العلة على النساء أم لا؟
فإذا سليمان بن شعيب قد حدثنا، قال: ثنا الحصيب، قال: ثنا عمارة بن زاذان، عن زياد النميري، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي ﵇ وعليه ثوب معصفر، فقال له: لو أن ثوبك هذا في تنور لكان خيرًا لك، فذهب الرجل
стр. 6747
فجعله تحت القدر -أو في التنور- فأتى النبي ﵇ قال: ما فعل ثوبك؟ قال: صنعت به ما أمرتني، فقال له رسول الله ﵇: ما بهذا أمرتك أَوَلَا ألقيته على بعض نسائك؟ " فكان ذلك التحريم على الرجال دون النساء.
ش: هذا إشارة إلى بيان فساد وجه قياس هؤلاء الطائفة الذي ذكروه في تعميم التحريم في حق الرجال والنساء جميعًا.
بيانه: أن قوله ﵇ في حديث أنس: "أولا ألقيته على بعض نسائك" يدل على أن التحريم مخصوص في حق الرجال دون النساء، وأن احتجاجهم في تعميم الحرمة بالعلة المذكورة -وهي كون تلك الثياب ثياب الكفار- فاسد، وأن ذلك التحريم على الرجال خاصة.
وإسناد حديث أنس جيد.
والخَصِيب هو ابن ناصح الحارثي، ثقة.
وعمارة بن زاذان الصيدلاني البصري، عن أحمد: شيخ ثقة مأمون، وعنه: يروي عن أنس أحاديث مناكير. وعن يحيى: صالح. وقال أبو زرعة: ثقة لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وزياد النميري هو: زياد بن عبد الله البصري، وثقه ابن حبان، وقال: يخطئ. وعن يحيى: ليس به بأس، وعنه: ضعيف. وروى له أبو داود والترمذي.
ص: وقد روي في ذلك عن أصحاب رسول الله ﵇ ما حدثنا أبو حازم عبد الحميد بن عبد العزيز، قال: ثنا بندار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم النخعي، قال: "دخلت على عائشة ﵂ فرأيت عليها ثيابًا مصبغة".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، قال: أخبرني ابن جريج، عن موسى بن عقبة، قال: "كانت أم سلمة وعائشة وأم حبيبة ﵅ يلبسن المعصفرات".
стр. 6748
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، سمع جابرًا ﵁ يقول: "المُهِلَّة لا تلبس ثياب الطيب، وتلبس الثياب المعصفرات من غير طيب".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب أنَّ مالكا حدثه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂: "أنها كانت تلبس الثياب المعصفرات وهي محرمة ليس فيهن زعفران".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن عبد الله بن سالم، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر أنها قالت: "ما رأيت أسماء لبست إلا المعصفر حتى لقيت الله ، وإن كانت لتلبس الثوب فيقوم قيامًا من العصفر".
فما تنكرون أن يكون الحرير كذلك؛ فيكون مكروهًا لبسه للرجال، غير مكروه للنساء؟.
ش: أي قد روي عن الصحابة في جواز لبس الثياب المصبغات للنساء، ذكر هذا شاهدًا لقوله: فكان ذلك التحريم على الرجال دون النساء.
وأخرج في ذلك عن فعل عائشة وأم سلمة وأم حبيبة وأسماء بنت أبي بكر الصديق ﵅ وعن قول جابر بن عبد الله ﵄.
أما ما روي عن هؤلاء الصحابيات فأخرجه من وجوه:
الأول: بإسناد صحيح: عن أبي خازم -بالمعجمتين- عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي، أحد الأئمة الحنفية الكبار الصيّن الديَّن الأمين، عن بندار محمد بن بشار البصري شيخ الجماعة، عن محمد بن أبي عدي وهو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي السلمي البصري شيخ أحمد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر زياد بن كليب الحنظلي الكوفي، عن إبراهيم النخعي.
стр. 6749
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا عباد بن العوام، عن سعيد، عن أبي معشر، عن إبراهيم: "أنه كان يدخل مع علقمة والأسود على أزواج النبي ﵇ فيراهن في اللحف الحمر قال: وكان إبراهيم لا يرى بالمعصفر بأسًا".
وقد دل هذا الأثر على شيئين:
أحدهما: كون إبراهيم من التابعين؛ لأنه رأى عائشة ﵂ ولكن قالوا: إنه لم يسمع منها شيئًا.
والآخر: أن الثياب المعصفرة جائزة للنساء.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، عن موسى بن عقبة. . . . إلى آخره.
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق.
وأخرجه مالك في "موطئه" (٢).
الرابع: عن يونس، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام القرشية الأسدية، زوجة هشام بن عروة.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا غندر، عن هشام، عن فاطمة بنت المنذر: "أن أسماء كانت تلبس المعصفرات وهي محرمة".
وأما ما روي من قول جابر ﵁، فأخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج، عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، عن جابر ﵁.
стр. 6750
وأراد "بالمهلة" المحرمة، من الإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية للإحرام.
ص: فإن قالوا لنا: فَلِمَ لا تشبهون حكم لباس الحرير في هذا الباب بحكم استعمال آنية الذهب والفضة؟
قيل لهم: لأن الثياب المصبغة هي من اللباس، فكذلك الثياب الحرير والديباج؛ والذهب والفضة هما من الأواني، واللباس بعضه ببعض أشبه منه بالآنية، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قد شبهتم حكم لبس الحرير بحكم لبس الثياب المصبوغة حيث حرمتموه على الرجال خاصة دون النساء، فَلِمَ لا تشبهونه بحكم استعمال آنية الذهب والفضة حتى تكون حرمته عامة كحرمة استعمال أواني الذهب والفضة؟ وما الترجيح في ذلك؟
وتقرير الجواب: أن الثياب المصبوغة مما يلبس، وكذلك الثياب الحرير والديباج، وليس لها شبه بالأواني من الذهب والفضة، وشبه ما يلبس بعضه ببعض أقرب من شبهه بالآنية؛ فهذا هو الترجيح. فافهم.
ص: وقد روي في ذلك أيضًا عن النبي ﵇ ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب بن الليث، قال: ثثا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن أبي الصعبة، عن رجل من همدان يقال له: أفلح، عن ابن زُرَيْر أنه سمع عليّ بن أبي طالب ﵁ يقول: "إن نبي الله ﷺ أخذ حريرًا في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في يساره، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي".
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد العزيز بن أبي الصعبة، عن أبي أفلح، عن عبد الله بن زُرَيْر الغافقي، عن عليّ بن أبي طالب، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا يزيد بن أبي حبيب، أن عبد العزيز بن أبي الصعبة القرشي حدثه. . . . ثم ذكر بإسناده مثله.
стр. 6751
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا إبراهيم بن منقذ وصالح بن عبد الرحمن، قالا: أنا المقرئ، عن عبد الرحمن ابن زياد. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن أبي عمران وابن أبي داود، وعلي بن عبد الرحمن، وأبو زرعة الدمشقي، قالوا: ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، عن عباد بن العوام، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة قال: حدثني ثابت بن زيد بن ثابت بن زيد بن أرقم قال: حدثتني عمتي أنيسة بنت زيد بن أرقم، عن أبيها زيد بن أرقم، عن رسول الله ﵇ مثله.
وزاد عليّ بن عبد الرحمن: "قالت: فقال له رجل: إنك لتقول هذا، وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ينهى عنه، وكان في يدي قلبان من ذهب، فقال: ضعيهما، وركب حُمَيرًا له، فانطلق ثم رجع فقال: أعيديهما فقد سألته، فقال: لا بأس".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني الحسن بن ثوبان وعمرو بن الحارث، عن هشام بن أبي رقية، قال: سمعت مسلمة بن مخلد يقول لعقبة بن عامر: "قم فحدث الناس بما سمعت من رسول الله ﵇. فقام عقبة فقال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: من كذب عليّ فليتبوأ بيته من جهنم، وسمعت رسول الله ﵇ يقول: الحرير والذهب حرام على ذكور أمتي، حل لإناثهم".
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا الحجاج بن منهال الأنماطي، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﵇ أنه قال: "الحرير والذهب حلال لإناث أمتي، حرام على ذكورها".
стр. 6752
حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه، عن موسى الأشعري، عن النبي ﵇ مثله.
فبيّن في هذه الآثار من قصد إليه النهي في الآثار الأُوَل، وأنهم الرجال دون النساء.
ش: أي وقد روي في تحريم الحرير على الرجال خاصة دون النساء عن النبي ﵇.
وأخرج في ذلك عن خمسة أنفس من الصحابة ﵃ وهم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وزيد بن أرقم، وعقبة بن عامر، وأبو موسى الأشعري ﵃.
أما حديثي علي ﵁ فأخرجه من ثلاث طرق:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن شيخ أبي داود، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب سويد المصري، عن عبد العزيز بن أبي الصعبة التيمي المصري، وثقه ابن حبان.
عن أفلح الهمداني، والمحفوظ فيه: أبو أفلح، وقد وقع كلاهما في رواية الطحاوي ففي هذه الرواية وقع: أفلح وفي الرواية التي تأتي وقع: أبو أفلح، وهو الصحيح.
قال الذهبي: أبو أفلح لا يُدرى من هو، وهو يروي عن عبد الله بن زرير الغافقي المصري، قال العجلي: مصري تابعي ثقة.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي أفلح الهمداني، عن ابن زرير، أنه سمع علي بن أبي طالب يقول: "إن نبي الله ﵇ أخذ حريرًا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبًا فجعله في شماله، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي".
стр. 6753
الثاني: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن محمد بن إسحاق المدني. . إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، نا عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد العزيز بن أبي الصعبة، عن أبي الأفلح الهمداني، عن عبد الله بن زرير الغافقي، سمعته يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: "أخذ رسول الله ﵇ حريرًا بشماله، وذهبًا بيمينه، ثم رفع بهما يديه فقال: إن هذين حرام على ذكور أمتي، حل لإناثهم".
الثالث: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة، فيه مقال، عن يزيد بن أبي حبيب. . . . إلى آخره.
وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه من طريقين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي قاضيها، فيه مقال، فعن أحمد: ليس بشيء وعنه: منكر الحديث. وعن يحيى: ضعيف. وقال ابن خراش: متروك. عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قاضي إفريقية، قال البخاري: في حديثه مناكير.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن الإفريقي، عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو قال: "خرج علينا رسول الله ﵇ وفي إحدى يديه ثوب من حرير وفي الأخرى ذهب، فقال: إن هذين محرم على ذكور أمتي حل لإناثهم".
الثاني: عن إبراهيم بن منقذ العصفري، وصالح بن عبد الرحمن بن عمرو بن
стр. 6754
الحارث، كلاهما عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي. . . . إلى آخره.
وأخرجه الطبراني: نا هارون بن ملول قال: ثنا المقرئ، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو، قال: "خرج علينا رسول الله ﵇ وفي إحدى يديه ذهب وفي الأخرى حرير، فقال: هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها".
وأما حديث زيد بن أرقم: فأخرجه عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي نزيل مصر وثقه ابن يونس وغيره، وعن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، وعن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن مغيرة الكوفي نزيل مصر المعروف بِعِلَّان، وعن أبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي حافظ الشام وشيخ الطبراني، أربعتهم عن سعيد بن سليمان الضبي الواسطي المعروف بسعدويه شيخ البخاري وأبي داود، عن عباد بن العوام بن عمر بن عبد الله الواسطي روي له الجماعة، عن سعيد بن أبي عروبة روى له الجماعة عن ثابت بن زيد بن ثابت بن زيد بن أرقم الأنصاري قال أبو حاتم: له أحاديث مناكير. عن عمته أنيسة بنت زيد بن أرقم ذكرها ابن حبان في "الثقات" عن زيد بن أرقم الصحابي ﵁.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا محمد بن الفضل السقطي، ثنا سعيد بن سليمان (ح).
وثنا أبو حصين القاضي، نا يحيى الحماني، قالا: ثنا عباد بن العوام، عن سعيد بن أبي عروبة، قال: أخبرني ثابت بن زيد بن ثابت بن زيد بن أرقم قال: حدثتني عمتي أنيسة بنت زيد بن أرقم عن أبيها زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﵇: "الذهب والحرير حل لإناث أمتي، وحرام على ذكورها".
قوله: "وزاد علي بن عبد الرحمن" أي في روايته زاد.
стр. 6755
قوله: "قالت: فقال له رجل. . . ." إلى آخره أي قالت أنيسة: فقال لزيد بن أرقم رجل: إنك لتقول هذا.
قوله: "قُلبان" تثنية قُلب -بضم القاف وسكون اللام- وهو السوار.
وأما حديث عقبة بن عامر: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري روي له الجماعة، عن الحسن بن ثوبان بن عامر الهوزني المصري وثقه ابن حبان، وعن عمرو بن الحارث المصري، كلاهما عن هشام بن أبي رقية اللخمي المصري وثقه ابن حبان، عن مسلمة بن مخلد الصحابي، عن عقبة بن عامر الجهني الصحابي.
وقد أخرجه الطحاوي فيما مضى (١) بلفظ آخر، عن يونس بن عبد الأعلى وبحر ابن نصر كلاهما عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن هشام بن أبي رقية.
وأخرجه ابن يونس في ترجمة مسلمة: ثنا كهمس بن معمر، ثنا الحسن بن سليمان، ثنا مسكين بن عبد الرحمن، ثنا يحيى بن أيوب، عن خالد بن أبي عمران، عن هشام بن أبي رقية، عن مسلمة بن مخلد: "أنه قال وهو على المنبر: لأحدثنكم بما سمعت من رسول الله ﵇ سمعته يقول: الذهب والحرير محرم على ذكور أمتي، حل لإناثهم".
قال أبو سعيد: وهذا حديث خطأ، والصواب فيه هشام عن عقبة بن عامر ﵁.
وأما حديث أبي موسى الأشعري: فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر عن نافع مولى ابن عمر، عن سعيد بن أبي هند الفزاري مولى سمرة بن جندب روى له الجماعة، عن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري.
стр. 6756
وأخرجه الترمذي (١): ثنا إسحاق بن منصور، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله ابن عمر، عن نافع، عن سعيد، عن أبي موسى الأشعري. . . . إلى آخره نحوه، وقال: حديث حسن صحيح.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الأشعري.
وأخرجه النسائي (٢): عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان ويزيد بن هارون ومعمر بن سليمان وبشر بن المفضل قالوا: ثنا عبيد الله، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، نحوه.
وأخرجه (٣): عن علي بن الحسين الدرهمي، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى الشامي، عن سعيد، عن أيوب، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، نحوه.
قوله: "فبين في هذه الآثار" أراد بها الأحاديث المذكورة، وأراد بالآثار الأول: الأحاديث المذكورة في الفصل الأول.
ص: فقال الآخرون: فقد روي عن ابن عمر وابن الزبير ﵃ أنهما جعلا قول النبي ﵇: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" على الرجال والنساء، وذكروا في ذلك ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشيم، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك قال: "سألت امرأةٌ ابن عمر ﵄ قالت: أتحلى بالذهب؟ قال: نعم، قالت: ما تقول في الحرير؟ قال: يكره ذلك، قالت: ما يكره؟ أخبرني أحلال هو أم حرام؟ قال: كنا نتحدث أن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
стр. 6757
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا خالد بن نزار قال: ثنا عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: "أن امرأة سألته عن لبس الحرير فكرهه، فقالت: ولمَ؟ فقال لها: أما إذْ أبيت فسأخبرك، كنا نقول: من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني أبو ذُبْيان قال: سمعت ابن الزبير ﵄ يخطب يقول: "يأيها الناس، لا تُلبسوا نساءكم الحرير؛ فإني سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، قال ابن الزبير: وأنا أقول: من لم يلبسه في الآخرة لم يدخل الجنة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (١).
حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: حدثني الأزرق بن قيس الحارثي، قال: "سمعت عبد الله بن الزبير يخطب يوم التروية وهو يقول: يأيها الناس لا تلبسوا الحرير ولا [تُلبسوه] (٢) نساءكم ولا أبناءكم فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة.
حدثنا بحر بن نصر قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن أبا عُشانة المعافري حدثه، أنه سمع عقبة بن عامر الجهني يخبر: "أن رسول الله ﵇ كان يمنع أهله الحلية والحرير، ويقول: إن كنتن تحببن حلية الجنة وحريرها فلا تلبسنها في الدنيا".
ش: أراد بالآخرين: الطائفة الذين قالوا بتحريم الحرير على الرجال والنساء جميعًا، وهذا إيراد منهم على من يقول بتخصيص الحرمة في حق الرجال، وذكروا في ذلك أحاديث عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعقبة بن عامر؛ فإنها تدل على أنهم عملوا بعموم النهي في الأحاديث المذكورة، ولم يحملوا ذلك على الخصوص في حق الرجال، ولهذا سووا في الحرمة بين الرجال والنساء.
стр. 6758
أما حديث عبد الله بن عمر: فأخرجه من طريقين:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشيم بن بشير، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن يوسف بن ماهك المكي. . . . إلى آخره.
قوله: "قالت: ما يكره؟ أخبرني. . . .؟ " أرادت ما معنى قولك: يكره ذلك؟ أخبرني هل حلال أم حرام؟
الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن خالد بن نزار بن المغيرة الأيلي وثقه ابن حبان، عن عبد العزيز بن أبي رواد ميمون بن بدر المكي، مولى المهلب بن أبي صفرة، وثقه يحيى وغيره، وعن أحمد: رجل صالح، وكان مرجئًا. استشهد به البخاري، وروى له الأربعة.
عن نافع عن ابن عمر ﵄.
وأما حديث عبد الله بن الزبير فأخرجه من طريقين:
الأول: إسناده صحيح، عن أبي بكرة بكار، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن شعبة، عن أبي ذبيان -بضم الذال المعجمة وكسرها وسكون الباء الموحدة- واسمه خليفة بن كعب التميمي البصري، روى له البخاري ومسلم والنسائي.
وأخرجه البخاري (١): ثنا علي بن الجعد، أنا شعبة، عن أبي ذبيان خليفة بن كعب، قال: سمعت ابن الزبير يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال النبي ﵇: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عبيد الله بن سعيد، عن شعبة، عن خليفة بن كعب بن ذبيان، قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب
стр. 6759
يقول: "ألا لا تلبسوا نساءكم الحرير؛ فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﵇: لا تلبسوا الحرير؛ فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
قوله: "قال ابن الزبير: وأنا أقول. . . ." إلى آخره استنباط ابن الزبير هذا الحكم بطريق القياس من قوله ﵇: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" ووقع في رواية أبي يعلى (١) هذا الكلام منسوبًا إلى ابن عمر ﵄ حيث قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا حماد بن زيد، عن هشام، عن حفصة بنت سيرين، عن أبي ذبيان قال: "سمعت ابن الزبير وهو يخطب قال: قال محمد ﷺ : "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، قال: وإلى جنبه ابن عمر فقال: إذن والله لا يدخل الجنة؛ يقول الله -عزوجل-: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ (٢) ".
الثاني: على شرط البخاري موقوف على ابن الزبير، عن محمد بن خزيمة عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس الحارثي، عن عبد الله ابن الزبير.
ويستفاد منه أحكام:
تحريم الحرير على الرجال وعلى النساء، وعدم جواز إلباسه الصبيان كعدم جواز لبسه للبالغين، وهذا حجة لأصحابنا في منعهم إلباس الوالدين الحرير للصبي، وأباح ذلك الشافعي، والحديث حجة عليه.
وأما حديث عقبة: فأخرجه بإسناد صحيح: عن بحر بن نصر، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي عشانة واسمه حي بن يؤمن بن جميل المصري المعافري -بفتح الميم وكسر الفاء- نسبة إلى المعافر بن يعفر قبيل ينسب إليه كثير عامتهم بمصر
стр. 6760
وأخرجه الطبراني (١): ثنا يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا أصبغ بن الفرج (ح).
وحدثنا أحمد بن رشدين، ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي عشانة عن عقبة بن عامر: "أن رسول الله ﵇ كان يمنع أهله الحلية والحرير، ويقول: إن كنتن تحببن حلية الجنة وحريرها، فلا تمسوها في الدنيا".
ص: قيل لهم: أما قول النبي ﵇: "من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
فقد روي ذلك، وقد يجوز أن يكون النبي ﵇ أراد به الرجال خاصة، ويجوز أن يكون أراد به الرجال والنساء، وما ذكرنا من حديث عليّ وعبد الله بن عمرو وزيد بن أرقم، وأبي موسى ﵃ يخبرون أن النبي ﵇ إنما أراد به الرجال دون النساء فهو أولى، وهذا المعنى أولى أن يُحمل عليه وجه هذا الحديث حتى لا يضاد ما ذكرنا قبله، ولئن كان ما ذكروه عن ابن عمر وابن الزبير في ذلك حجة فإن ما ذكرناه عن علي ﵁ مما يخالف ذلك أحرى أن يكون حجة.
ش: أي قيل لهؤلاء الآخرين، وهذا جواب عما قال هؤلاء، وهو ظاهر. وجواب آخر: أن ابن عمر وابن الزبير ﵃ لم يبلغهما الحديث المخصص لعموم الحرمة في قوله: "من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" ولهذا سَوَّيَا في الرجال والنساء في الحرمة، وأما حديث عقبة فيحتمل أن يكون قبل حديث عليّ ﵁.
ص: وقد روي في هذا أيضًا عن ابن عمر عن النبي ﵇ خلاف ذلك.
حدثنا يزيد بن سنان وابن مرزوق، قالا: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا أبي، قال: سمعت نافعًا يحدث، عن ابن عمر قال: "رأى عمر ﵁ عطاردًا التميمي يقيم في السوق حلة سيراء، فقال عمر: يا رسول الله، لو اشتريتها لوفد العرب إذا وفدوا عليك؟ فقال رسول الله ﵇: إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في