واعلم أن العلماء اختلفوا في التختم، هل ينبغي أن يكون في اليمين، أو في اليسار؟ فذهبت طائفة إلى أنه ينبغي أن يتختم في اليمين وروي ذلك عن جعفر بن أبي طالب ومحمد بن علي وابن عباس وعبد الله بن جعفر ﵃.
وذهبت طائفة إلى أنه ينبغي أن يتختم في يساره وروي ذلك عن الحسن والحسين وأبي بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن عمر ﵃، وحكي أيضًا عن القاسم وسالم وابن سيرين والنخعي.
وقال المنذري: لا خلاف بين العلماء، ولا في الآثار أن اتخاذ الخاتم للرجال في الخنصر، قالوا: لأنه احفظ فيه من المهنة وما تستعمل فيه اليد، لكونه طرفا منها، ولا تشتغل اليد عما تتناوله من أشغالها، بخلاف غيره.
وإنما اختلفت الآثار ما بين اليمين والشمال، وبحسبهما اختلف فعل السلف، فتختم كثير منهم في اليمين، وكثير في الشمال.
الثاني: عن عليّ بن معبد أيضًا، عن يعلى بن عبيد الإيادي الطنافسي الكوفي، عن رشدين بن كريب بن أبي مسلم القرشي المدني مولى ابن عباس، فيه مقال، قال: رأيت ابن الحنفية، وهو محمَّد بن علي بن أبي طالب، والحنفية أمه، واسمها خولة بنت جعفر، من سبي اليمامة الذين سباهم أبو بكر ﵃.
الثالث: عن إبراهيم عن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن صالح الوُحَاظي الدمشقي، عن سليمان بن بلال القرشي المدني، عن جعفر بن محمَّد الصادق، عن أبيه محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃.
الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن إبراهيم بن عطاء مولى عمران بن حصين، عن أبيه عطاء بن أبي ميمونة، وهذا إسناد صحيح.
стр. 6827
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن يزيد بن هارون، عن إبراهيم بن عطاء، عن أبيه، نحوه.
الخامس: عن علي بن معبد، عن خالد بن عمرو القرشي الأموي، عن يونس بن أبي إسحاق السبيعي قال: رأيت قيس بن أبي حازم حصين بن عوف البجلي الكوفي، وهو ممن أدرك الجاهلية، وهاجر إلى النبي ﵇ ليبايعه، فقبض وهو في الطريق، وقيل: إنه رآه وهو يخطب، ولم يثبت ذلك، وأبو حازم له صحبة.
وعبد الله بن الأسود القرشي ذكره ابن حبان في "الثقات"، وعبد الله بن الأسود السدوسي صحابي.
وفي رواية: عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري عُدَّ من الصحابة، وقال الذهبي: لا تصح له رؤية وشهد الحكمين وله رواية وقدر وشرف.
وعبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي الكوفي التابعي، وقيس بن ثمامة (٢).
والشعبي هو عامر بن شرحبيل.
السادس: عن علي بن معبد، عن علي بن الجعد الجوهري شيخ البخاري، عن شعبة، عن المغيرة بن مقسم الضبي الكوفي، قال: "كان نقش خاتم إبراهيم" يعني النخعي.
ص: وأما من طريق النظر: فإن السلطان إذا كان له لبس الخاتم لأنه ليس بحلية فكذلك أيضًا غير السلطان له أيضًا لبسه لأنه ليس بحلية، وقد رأينا ما نهي عنه من استعمال الذهب والفضة يستوي فيه السلطان والعامة، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك ما أبيح للسلطان من لبس الخاتم يستوي فيه هو والعامة، وإن كان إنما أبيح
стр. 6828
لاحتياجه إليه ليتختم مال المسلمين، فإنه أيضًا مباح للعامة لاحتياجهم إليه للختم على أموالهم وكتبهم، فلا فرق في ذلك بين السلطان وغيره.
ش: أي وأما حكم هذا الباب من طريق النظر والقياس، وتقريره أن يقال: إذا جاز للسلطان لبس الخاتم لكونه ليس بحلية، جاز لغيره أيضًا؛ لأنه ليس بحلية في حقه أيضًا, ولما كان استعمال الذهب والفضة غير جائز في حق السلطان وغيره، وتساويا فيه، فكذلك يتساويان في الذي أبيح للسلطان من لبس الخاتم.
فإن قال قائل: إنما أبيح استعمال الخاتم للسلطان؛ لاحتياجه إليه في ختم الأشياء والكتب.
فنقول: كذلك يباح لغيره؛ لاحتياجه إليه لأجل الختم على ماله وكتبه فلا فرق بين السلطان وغيره.
стр. 6829
ص: باب البول قائمًا
ش: أي هذا باب في بيان حكم البول قائمًا، هل يكره أم لا؟
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر. (ح).
وحدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قالا: ثنا سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "ما بال رسول الله قائمًا منذ أنزل عليه القرآن".
ش: إسناده صحيح، أخرجه من طريقين:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق البصري، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن سفيان الثوري، عن المقدام بن شريح روى له الجماعة، عن أبيه شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي الكوفي روى له الجماعة؛ البخاري في غير الصحيح.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا علي بن حُجْر، قال: ثنا شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة قالت: "من حدثكم أن النبي ﵇ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، وما كان يبول إلا قاعدًا".
قال أبو عيسى: حديث عائشة أحسن شيء في هذا الباب وأصح.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري. . . . إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٢)، وأحمد (٣).
وقال الترمذي: وفي الباب عن عمر وبريدة وعبد الرحمن بن حسنة.
стр. 6830
وحديث عمر إنما روي من حديث عبد الكريم بن أبي المخارق، عن نافع عن ابن عمر عن عمر ﵁ قال: "رآني النبي ﵇، وأنا أبول قائمًا، فقال: يا عمر لا تَبُل قائمًا، فما بُلت قائمًا بعد".
وإنما يرفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارف، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أيوب السختياني وتكلم فيه.
وروى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال عمر ﵁: "ما بُلْت قائمًا منذ أسلمت".
وهذا أصح من حديث عبد الكريم، وحديث بريدة في هذا غير محفوظ، ومعنى النهي عن البول قائمًا على التأديب لا على التحريم.
وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "إن من الجفاء أن تبول وأنت قائم".
قلت: وقد روي في النهي عن البول قائمًا أحاديث لا تثبت، ولكن حديث عائشة المذكور ثابت، فلهذا قالت العلماء: يكره البول قائمًا إلا لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم.
ص: فكره قوم البول قائمًا، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشعبي والنخعي والحسن البصري وإبراهيم بن سعد ومجاهدًا؛ فإنهم كرهوا البول قائمًا، وروي ذلك عن ابن مسعود.
فقال ابن أبي شيبة (١): ثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم عن المسيب بن رافع، قال: قال عبد الله: "من الجفاء أن تبول قائمًا".
ثنا وكيع (٢) عن حريث، عن الشعبي قال: "من الجفاء أن تبول قائمًا".
وقال عياض: اختلف السلف في ذلك، فأجاز ذلك جماعة منهم، وكرهه آخرون، وَرَدَّ سعد بن إبراهيم شهادة من فعل ذلك.
стр. 6831
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فلم يروا به بأسًا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: محمَّد بن سيرين، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، والحكم بن عتيبة، والأعمش، فإنهم قالوا: لا بأس بالبول قائمًا، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعبد الله ابن عمر، وسهل بن سعد، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن عبادة ﵃.
وقال ابن المنذر: وهاهنا قول ثالث: وهو أنه إن كان في مكان يتطاير إليه من البول شيء فهو مكروه وإن كان لا يتطاير فلا بأس، وهو قول مالك.
وقال ابن المنذر: البول جالسًا أحب إليّ، وقائمًا مباح، وكل ذلك ثابت عن النبي ﵇.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن حذيفة قال: "رأيت النبي ﵇ بال وهو قائم على سباطة، ثم أتى بوضوء، فتوضأ ومسح على خفيه".
حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن سيلمان الأعمش. . . .، فذكر بإسناده مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عوانة، عن سليمان. . . .، فذكر بإسناده مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان الثوري، قال: ثنا منصور، عن أبي وائل، عن حذيفة، عن النبي ﵇ مثله.
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث حذيفة.
وأخرجه من أربع طرق صحاح:
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن حذيفة ﵁.
стр. 6832
وأخرجه البخاري (١): ثنا آدم، قال: ثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: "أتى النبي ﵇ سباطة قوم فبال قائمًا، ثم دعا بماء، فجئته بماء فتوضأ".
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن سعيد بن عامر الضبعي، عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم، قالا: ثنا شعبة، قال: وثنا مسدد، قال: ثنا أبو عوانة -وهذا لفظ حفص- عن سليمان، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: "أتى رسول الله ﵇ سباطة قوم فبال قائمًا، ثم دعا بماء فمسح على خفيه -قال مسدد-: فذهبت أتباعد، فدعاني حتى كنت عند عقبه".
الثالث: عن أبي بكرة أيضًا، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن سليمان الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة.
وأخرجه مسلم (٣): ثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: ثنا أبو خيثمة، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة قال: "كنت مع النبي ﵇ فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائمًا، فتنحيت، فقال: ادنه، فدنوت حتى قمت عقيبه، فتوضأ ومسح على خفيه".
الرابع: عن أبي بكرة أيضًا، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائل شقيق، عن حذيفة.
وأخرجه النسائي (٤): أنا سليمان بن عبيد الله، قال: ثنا بهز، قال: ثنا شعبة، عن سليمان ومنصور، عن أبي وائل، عن حذيفة: "أن النبي ﵇ مشى إلى سباطة قوم
стр. 6833
فبال قائمًا"، وقال سليمان في حديثه: "ومسح على خفيه"، ولم يذكر [منصور] (١) المسح.
وأخرجه الترمذي أيضًا (٢): حدثنا هناد، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة: "أن النبي ﵇ أتى سباطة قوم فبال عليها قائمًا، فأتيته بوضوء، فذهبت لأتأخر عنه، فدعاني حتى كنت عند عقبيه، فتوضأ ومسح على خفيه".
وأخرجه ابن ماجه أيضًا (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا شريك وهشيم ووكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة: "أن رسول الله ﵇ أتى سباطة قوم فبال عليها قائمًا".
قوله: "سُبَاطة قوم" بضم السين وتخفيف الباء الموحدة، وهي ملقى الزبالة والتراب ونحوها، وتكون بفناء الدار مرفقًا لأهلها.
وقال الخطابي: ويكون في الأغلب سلهًا دمثا لا يحد فيه البول، ولا يرتد على البائل، ويقال: السباطة الكناسة نفسها، وإضافتها إلى القوم إضافة تخصيص لا ملك، لأنها كانت مواتًا مباحة.
قوله: "ثم أتي بوَضوء" بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به.
ثم ذكروا في بوله ﵇ قائمًا وجوها:
الأول: ما روي عن الشافعي: أن العرب كانوا يستشفون لوجع الصلب بالبول قائمًا، قال: فنرى أنه ﵇ كان به وجع الصلب إذ ذاك.
والثاني: ما رواه البيهقي برواية ضعيفة: أنه ﵇ بال قائمًا لعلة بِمَأْبص، والمأبص: بهمزة ساكنة بعد الميم ثم جاء موحدة، وهو باطن الركبة.
стр. 6834
الثالث: أنه ﵇ لم يجد مكانًا للقعود، فاضطر إلى القيام، لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عاليًا مرتفعًا.
الرابع: ما ذكره القاضي عياض، لكون البول قائمًا حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر في الغالب، بخلاف حالة القعود، ولذلك قال عمر ﵁: "البول قائمًا حصن للدبر" (١).
والخامس: أنه ﵇ فعله بيانًا للجواز في هذه المرة، وكانت عادته المستمرة البول قاعدًا، فدل عليه حديث عائشة المذكور في أول الباب.
وأما بوله ﵇ في سباطة، قوم فيحتمل وجوهًا:
الأول: وهو الأظهر، أنهم كانوا يؤثرون ذلك ولا يكروهونه بل يفرحون به، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه، والأكل من طعامه، والاستمداد من محبرته، ولهذا ذكر علماؤنا: أن من دخل بستان غيره يباح له الأكل من فاكهته، إذا كان بينه وبين صاحب البستان انبساط وصحبة.
والثاني: أنها لم تكن مختصة بهم، بل كانت بفناء دورهم للناس كلهم، فأضيفت إليهم لقربها منهم.
والثالث: أن يكونوا أذنوا لمن أراد قضاء الحاجة صريحًا أو دلالة.
فإن قيل: قد روي أنه ﵇ إذا أراد حاجة أبعد، فكيف بال في السباطة التي بقرب الدار؟
قلت: لعله كان مشغولًا بأمور المسلمين والنظر في مصالحهم، وطال عليه مجلس حتى حرقه البول، فلم يمكنه التباعد، ولو أبعد لتضرر، وارتاد السباطة لدمثها، وقام حذيفة بقربه ليستره من الناس.
стр. 6835
ص: ففي هذا الحديث إباحة البول قائمًا وهذا أولى مما ذكرنا قبله عن عائشة، لأن حديث عائشة إنما فيه: "من حدثك أن رسول الله ﵇ بال قائمًا بعدما أنزل عليه القرآن فلا تصدقه" أي لأن القرآن لما نزل عليه أمر فيه بالطهارة واجتناب النجاسة والتحرز منها، فلما رأت عائشة ذلك، وعلمت تعظيم رسول الله ﵇ لأمر الله، وكان الأغلب عندها أن من بال قائمًا لا يكاد يسلم من إصابةِ البولُ ثيابَه أو بدنه؛ قالت ذلك، وليس فيه حكاية منها عن رسول ﵇ توافق ذلك.
ثم جاء حذيفة ﵁ فأخبر أنه رأى رسول الله ﵇ بالمدينة -بعد نزول القرآن عليه- يبول قائمًا فثبت بذلك إباحة البول قائما إذا كان البائل في ذلك يأمن النجاسة على بدنه وثيابه، وقد روي عن عائشة ﵂ في هذا ما يدل على ما ذهبنا إليه من معنى حديثها الذي ذكرناه.
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: ثنا شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة قالت: "من حدثك أنَّه رأى رسول الله ﵇ يبول قائمًا فكذِّبه، فإني رأيته يبول جالسًا".
ففي هذا الحديث ما يدل على ما دفعت به عائشة رواية من روى أنه رأى رسول الله ﵇ يبول قائمًا، وإنما رؤيتها إياه يبول جالسًا فليس عندنا دليل على ذلك، لأنه قد يجوز أن يبول جالسًا في وقت ويبول قائمًا في وقت آخر، فلم نحك عن النبي ﵇ في هذا شيئًا يدل على كراهة البول قائمًا.
ش: أراد بهذا الحديث: حديث حذيفة المذكور، ودلالته على إباحة البول قائمًا ظاهرة لا تنكر.
قوله: "وهذا أولى" أي الأخذ بحديث حذيفة أولى من حديث عائشة ﵂، وبين وجه الأولوية بقوله: "لأن حديث عائشة .. إلى آخره" وإنما أول بهذا التأويل؛ لأن ظاهره يدفع خبر حذيفة، وخبر حذيفة صحيح ثابت، والدليل على صحة هذا المعنى أن خبر حذيفة مدني ابتداء، ونزول القرآن كان بمكة؛ على ما لا يخفى.
стр. 6836
ولهذا أكد صحة هذا بما أخرجه بإسناد صحيح عن أحمد بن داود المكي، عن أحمد بن صالح الأزدي الكوفي ثقة، والنسائي إنما تكلم فيه من أجل التشيع، عن شريك بن عبد الله النخعي إلى آخره.
وأخرجه النسائي (١): أنا علي بن حُجر، قال: أنا شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: "من حدثكم أن رسول الله ﵇ بال قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا جالسًا".
قوله: "فهذا الحديث" أي حديث عائشة الذي رواه شريح عنها يدل على دفع عائشة رواية من روى أنه رأى النبي ﵇ بال قائمًا, وليس ذلك بدفع حقيقة؛ لأنه لا يلزم رؤيتها أنه يبول جالسًا، عدم رؤية غيرها أنه يبول قائمًا؛ لأنه يجوز أن يكون كان يبول تارة قائمًا وتارة جالسًا, وليس في حديثها شيء يدل صريحًا على كراهة البول قائمًا.
ص: وقد روي عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﵇ أنه بال قائمًا.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، عن شعبة، أنه حدث عن سليمان، عن زيد بن وهب قال: "رأيت عمر ﵁ بال قائمًا فأَفْحَجَ حتى كادَ يصرع".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب وأبو داود، قالا: ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي حسان: "أنه رأى عليًّا ﵁ بال قائمًا".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن عامر، قال: ثنا شعبة، عن سليمان. . . .، فذكر بإسناده مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، عن الأعمش. . . .، فذكر بإسناده مثله.
حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: ثنا يحيى بن اليمان، عن معمر، عن الزهير، عن قبيصة بن ذؤيب قال: "رأيت زيد بن ثابت ﵁ يبول قائمًا".
стр. 6837
حدثنا يونس، قال: ثنا معن بن عيسى، قال: ثنا مالك، عن عبد الله بن دينار أنه قال: "رأيت عبد الله بن عمر ﵄ يبول قائمًا".
ش: أخرج في ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر ﵃.
أما عن عمر ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن شعبة، عن سليمان الأعمش، عن زيد بن وهب الجهني المخضرم، قيل: أن له رؤية، ولم يصح.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن زيد قال: "رأيت عمر بال قائمًا".
قوله: "فأفحج" من الإفحاج والفحج: تباعد ما بين الفخذين، والمعنى فَرَّق ما بين رجليه وباعد ما بينهما حتى كاد يقع، ومادته: (فاء وحاء مهملة، وجيم).
وأما عن علي ﵁ فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير، وأبي داود سليمان بن داود الطيالسي، كلاهما عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي ظبيان -بالظاء المعجمة- واسمه حصين بن جنْب الجنبي والد قابوس، روى له الجماعة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، قال: "رأيت عليًا بال قائمًا".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضبعي، عن شعبة، عن سليمان الأعمش، عن أبي ظبيان .. إلى آخره.
الثالث: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص شيخ البخاري ومسلم، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن أبي ظبيان .. إلى آخره.
стр. 6838
وأما عن زيد بن ثابت فأخرجه بإسناد صحيح: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد الأصبهاني شيخ البخاري، عن يحيى بن اليمان الكوفي، عن معمر بن راشد، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن عيينة، عن الزهري، عن قبيصة: "أنه رأى زيد بن ثابت يبول قائمًا".
وأما عن عبد الله بن عمر فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن يونس بن عبد الأعلى، عن معن بن عيسى القزاز المدني، عن مالك .. إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٢).
وأخرجه ابن أبي شيبة (٣): ثنا وكيع، قال: ثنا حماد بن زيد، عن عبد [الله] (٤) الرومي قال: "رأيت ابن عمر يبول قائمًا".
وأخرج ابن أبي شيبة: عن أبي هريرة وسعد بن عبادة أيضًا:
حدثنا (٥) معاذ بن معاذ، عن عمران بن حدير، قال: حدثني رجل من بني سعد من أخوال المحرر بن أبي هريرة، قال: "رأيت أبا هريرة بال قائمًا".
حدثنا (٦) أبو أسامة وابن إدريس، عن ابن عون، عن ابن سيرين: "أن سعد بن عبادة بال قائمًا".
ص: فهؤلاء أصحاب رسول الله ﵇ قد كانوا يبولون قياما، وذلك عندنا على أنهم كانوا يأمنون أن يصيب شيء من ذلك ثيابهم وأبدانهم.
ش: أشار بهؤلاء إلى عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت
стр. 6839
وعبد الله ابن عمر ﵃ ونَبَّه أيضًا على أن البول قائمًا مباح، ولكن إذا أمن من إصابة شيء ثوبه أو بدنه، والله أعلم.
ص: فإن قال قائل: فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ ما يخالف ما رويت عنه في هذا الباب، فذكر ما حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال عمر ﵁ "ما بلت قائمًا منذ أسلمت".
قيل له: قد يجوز أن يكون عمر ﵁ لم يبل قائمًا منذ أسلم حتى قال هذا القول، ثم بال بعد ذلك قائمًا على ما رواه عنه زيد بن وهب، ففي ذلك ما يدل على أنه لم يكن يرى بالبول قائمًا بأسًا.
وقد دل على ذلك أيضًا ما قد رويناه عن ابن عمر ﵄ في هذا الباب من بوله قائما، وقد حدث عن عمر بن الخطاب بما قد ذكرناه.
فدل ذلك على رجوع عمر عن كراهية البول قائمًا، إذ كان ذلك؛ لما رواه عنه عبد الله بن عمر، ولم يكن عبد الله بن عمر يترك ما سمعه من عمر إلا إلى ما هو أولى عنده من ذلك.
ش: تقرير السؤال أن يقال: قد رويت عن عمر ﵁ أنه كان يبول قائمًا وهو يفحج، وقد روي عنه أيضًا أنه قال: "ما بلت قائمًا منذ أسلمت" وبينهما تعارض وتضاد.
والجواب عنه ظاهر، وحاصله أن قول عمر ﵁: "ما بلت قائمًا منذ أسلمت" لا يعارض ذلك الخبر؛ لأنه قد يجوز أن يكون قد بال قائمًا بعد أن قال القول المذكور، ثم بوله قائمًا بعد هذا يدل على إباحته عنده، ومن الدليل على ذلك: أن عبد الله بن عمر روى عن أبيه عمر من بوله قائمًا، وهو أيضًا قد بال قائمًا، والحال أنه قد سمع من أبيه أنه قال: "ما بلت قائمًا منذ أسلمت" فلم يكن ذلك منه إلا لما ثبت عنده رجوع أبيه عن كراهيته البول قائمًا، إذ لا يجوز أن يترك ما سمعه من أبيه إلا إلى ما هو أولى عنده من ذلك، فافهم. والله أعلم.
стр. 6840
ص: باب القَسَم
ش: أي هذا باب في بيان حكم القَسَم وهو بفتحتين، بمعنى اليمين قال الجوهري: القَسَمُ -بالتحريك-: اليمين، وكذلك المُقْسَمْ، وهو المصدر مثل المُخْرَج، والمقسم أيضًا موضع القسم.
قلت: قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (١). أي يمين عظيم.
ص: حدثنا إسحاق بن الحسن الطحان قال: ثنا سعيد ابن أبي مريم، قال: أنا سفيان بن عيينة، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس في حديث طويل فيه ذكر رؤيا عبرها أبو بكر ﵁ عند رسول الله ﵇، فقال: "أصبتُ يا رسول الله؟ قال: أصبتَ بعضًا وأخطأتَ بعضا، قال: أقسمتُ عليك يا رسول الله، قال: لا تقسم".
ش: إسناده صحيح ورجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا إسحاق الطحان مولى بني هاشم.
وأخرجه البخاري (٢) بتمامه: ثنا يحيى [بن] (٣) بكير، نا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: "أن ابن عباس كان يحدث أن رجلًا أتى رسول الله ﵇ فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتلقفون منها، فالمستكثر والمستقل، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت به، ثم أخذ به رجل آخر فعلا به، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع، ثم وصل، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله بأبي أنت، والله لتدعني فأعبرها، فقال النبي ﵇: اعبر، قال: أما الظلة فالإِسلام، وأما الذي ينطف العسل والسمن فالقرآن حلاوته تنطف، فالمستكثر من القرآن، والمستقل،
стр. 6841
وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، تأخذ به فيعليك الله، ثم يأخذ به رجل بعدك فيعلو به، ثم يأخذ رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذه رجل آخر فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت، أصبتُ أم أخطأتُ، فقال النبي ﵇: أصبتَ بعضًا وأخطأتَ بعضًا، قال: فوالله لتحدثني بالذي أخطأتُ، قال النبي ﵇: لا تقسم".
أخرجه بقية الجماعة (١) غير الترمذي.
لكن أبا داود أخرجه مختصرًا (٢) وقال: ثنا أحمد بن حنبل، قال: ثنا سفيان [عن الزهري] (٣) عن عبيد الله عن ابن عباس: "أن أبا بكر ﵁ أقسم على النبي ﵇، فقال له النبي ﵇: لا تقسم".
قوله: "ظُلُّة" بضم الظاء: السحابة، ومعنى تنطف: تقطر، يقال: نَطَفَ الماء يَنْطُفُ إذا قطر قليلًا قليلًا.
قوله: "يتكففون" أي يمدون أكفهم إليه لكيلا يقع.
قوله: "فالمستكثر والمستقل": أي فمنهم مستكثر أي الآخذ بالكثير، ومنهم مستقل، أي الآخذ بالقليل.
قوله: "وإذا سبب" أي حَبلٌ.
قوله: "اعبر" أمر من عَبَرْتُ الرؤيا أعبرها عبرًا، من باب نَصَرَ يَنْصُر، أي أَوَّلتها وفسرتها، وكذلك عبّرت، بالتشديد.
وقال الخطابي: به يستدل من ذهب إلى أن القَسَم لا يكون يمينًا مجردة حتى
стр. 6842
يقول: أقسمت بالله، وذلك أن النبي ﵇ قد أمر بإبرار القَسَم، فلو كان قوله: "أقسمت" يمينا لأشبه أن يبَرَّه، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي.
وقد يستدل به من يرى القسم يمينًا على وجه آخر، ويقول: لولا أنه يمين ما كان ﵇ يقول له: "لا تقسم"، وإليه ذهب أبو حنيفة.
ص: فذهب قوم إلى كراهة القسم، وقالوا: لا ينبغي لأحد أن يقسم على شيء، وأعظموا ذلك، وكان ممن أعظم ذلك الليث بن سعد: فذكر لي غير واحد من أصحابنا، عن عيسى بن حماد زغبة، قال: "أتيت بكر بن مضر لأعوده فجاء الليث، فهم بالصعود إليه، فقال له بكر: أقسمت عليك أن تفعل، فقال له الليث: أو تدري ما القسم؟ أو تدري ما القسم؟ أو تدري ما القسم؟ ".
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الزهري وعبيد الله بن عبد الله والليث بن سعد؛ فإنهم قالوا: لا ينبغي لأحد أن يقسم على شيء، واحتجوا على ذلك بالحديث المذكور.
قوله: "وكان ممن أعظم ذلك" أي كان من الذي أعظم القسم على الشيء الليث بن سعد ﵀.
قال الطحاوي: ذكر لي غير واحد من أصحابنا عن عيسى بن حماد بن مسلم بن عبد الله التجيبي أبي موسى المصري، الملقب زغبة، شيخ مسلم وأبي داود النسائي وابن ماجه.
وزغبة -بضم الزاي وسكون الغين المعجمتين، وفتح الباء الموحدة- قال: أتيت بكر بن مضر بن محمَّد أبا عبد الملك المصري مولى ربيعة بن شرحبيل بن حسنة الكندي.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فلم يروا بالقسم بأسًا، وجعلوه يمينًا، وحكموا له بحكم اليمين، وقالوا: قد ذكر الله في غير موضع في كتابه، فقال : ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (١)، وقال:
стр. 6843
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (١)، وقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (٢) فكان تأويل ذلك عند العلماء جميعًا أقسم بيوم القيامة، و"لا": صلة، وقال الله : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ (٣) فلم يعبهم بقسمهم، ورد عليهم كفرهم، فقال: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ (٣) وكان في ذكره ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (٣) دليل على أن ذلك القسم الذي كان منهم: يمينًا، وقال الله : ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ (٤) فلم يعب ذلك عليهم ثم قال : ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ (٥).
فحدثني سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن محمَّد بن الحسن قال: في هذه الآية دليل على أن القسم يمين، لأن الاستثناء لا يكون إلا في اليمين.
وإذا كانت يمينًا كانت مباحة فيما سائر الأيمان فيه مباحة، ومكروهة فيما سائر الأيمان فيه مكروهة.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم النخعي والثوري وأبا حنيفة وأصحابه، فإنهم قالوا: لا بأس بالقسم، فإذا قال: أقسم أو أقسمت يكون يمينًا، ويكون حكمه حكم اليمين، حتى تجب عليه الكفارة عند الحنث كما في اليمين.
قوله: "وقالوا. . . ." إلى آخره بيان احتجاجهم فيما ذهبوا إليه من صحة القسم بالآيات المذكورة، وهو ظاهر.
ثم اختلف العلماء في كلمة "لا" المتقدمة على القسم في الآيات المذكورة.
стр. 6844
فقال بعضهم: إنها صلة، أي زائدة، ثم اختلف هؤلاء في فائدتها على قولين: أحدهما: أنها توطئة وتمهيدًا لنفي الجواب، والتقدير: "لا أقسم بيوم القيامة لا يتركون سدى" ومثله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ (١) وقول الشاعر:
لَا وأَبيكِ ابنةَ العامِريِّ ... لا يَدَّعِي القومُ أنِّي أفِر
ورُدَّ بقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ (٢) الآيات فإن جوابه مثبت وهو: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (٣) ومثله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (٤).
والثاني: أنها زيدت لمجرد التأكيد كما في ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ (٥).
وقال بعضهم: إنها نافية، ثم اختلفوا في منفيها على قولين:
أحدهما: أنه شيء تقدم، وهو ما حكي عنهم كثيرًا من إنكار البعث، فقيل لهم: ليس الأمر كذلك، ثم استؤنف القسم، قالوا: وإنما صح ذلك لأن القرآن كله كالسورة، ولهذا يذكر الشيء في سورة وجوابه في آخرى. نحوه: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (٦) وجوابه: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (٧).
والثاني: أن منفيَّها: "أقسم" وذلك على أن يكون إخبارًا لا إنشاء، واختاره الزمخشري.
стр. 6845
ص: ولا حجة عندنا على أهل هذه المقالة في حديث ابن عباس الذي ذكرناه، فإنه يجوز أن يكون الذي كره رسول الله ﵇ في القسم لأبي بكر ﵁ من أجله، هو أن التعبير الذي صَوَّبَه في بعضه وخَطَّأه في بعضه لم يكن ذلك منه من جهة الوحي، ولكن من جهة ما يعبّر له الرؤيا، كما نهى أن توطأ الحوامل على الاشفاق منه أن يضر ذلك أولادهم، فلما بلغه أن فارس والروم يفعلون ذلك فلا يضر أولادهم أطلق ما كان حَظَر من ذلك، وكما في تلقيح النخل: ما أظن أن ذلك يغني شيئًا، فتركوه ونزعوا عنه، فبلغ ذلك النبي ﵇ فقال: "إنما هو ظن ظننته، إن كان يغني شيئًا فليصنعوه، فإنما أنا بشر مثلكم وإنما هو ظن ظننته، والظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت: قال الله ، فلن أكذب على الله".
حدثنا بذلك يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه.
فأخبر رسول الله ﵇ أن ما قاله من جهة الظن فهو فيه كسائر البشر في ظنونهم، وأن الذي يقوله عن الله ، فهو الذي لا يجوز خلافه، وكانت الرؤيا إنما تعبر بالظن والتحري.
وقد روي ذلك عن محمَّد بن سيرين: واحتج بقول الله : ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ (١) فكما كان التعبير من هذه الجهة التي لا حقيقة فيها؛ كره رسول الله ﵇ لأبي بكر ﵁ أن يقسم عليه؛ ليخبره بما يظنه صوابه على أنه عنده كذلك، وقد يكون في الحقيقة بخلافة.
ألا ترى أن رجلًا لو نظر في مسألة من الفقه واجتهد، فأدى اجتهاده إلى شيء، وسعه القول به ورَدُّ ما خالفه وتخطئة قائله، إذ كانت الدلائل التي بها يستخرج الجواب في ذلك دامغة له، ولو حلف على أن ذلك الجواب صواب كان مخطئًا، لأنه لم يكلف إصابة الصواب، فيكون ما قاله هو الصواب ولكنه كُلِّفَ الاجتهاد، فقد يؤديه
стр. 6846
الاجتهاد إلى الصواب، وإلى غير الصواب، فمن هذه الجهة كره رسول الله ﵇ لأبي بكر ﵁ الحلف عليه ليخبره بصوابه ما هو؟ لا من جهة كراهية القسم.
ش: أراد أن حديث ابن عباس الذي احتجت به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه ليس مما يُلزَم به أهل المقالة الثانية، وبيَّن ذلك بقوله: "فإنه يجوز أن يكون .. إلى آخره" ومبنى هذا الكلام على رأي أهل السنة والجماعة: أن المجتهد يخطئ ويصيب خلافا للمعتزلة في أن كل مجتهد مصيب، وأن الرأي قد يقع فيه الغلط في حقه ﵇، وفي حق غيره.
ألا ترى أن الصحابة قد خالفوه في بعض الرأي غير مرة، واستصوبهم ﵇ في ذلك، فمن ذلك أنه لمّا أراد النزول يوم بدر دون الماء، قال له الحباب بن المنذر: "إن كان عن وحي فسمعًا وطاعة، وإن كان عن رأي فإني أرى الصواب أن ننزل على الماء ونتخذ الحياض، فأخذ رسول الله ﵇ برأيه ونزل على الماء".
ومن ذلك أنه لما أراد يوم الأحزاب أن يعطي المشركين شطر ثمار المدينة لينصرفوا، قام سعد بن معاذ وسعد بن عبادة قالا: "إن كان هذا عن وحي فسمعًا وطاعة، وإن كان عن رأي فلا نعطيهم إلا السيف، قد كنا نحن وهم في الجاهلية، لم يكن لنا ولا لهم دين، وكانوا لا يطمعون في ثمار المدينة إلا بشراء أو قرى، فإذا أعزنا الله تعالى بالدين نعطيهم أموالنا؟! لا نعطيهم إلا السيف، وقال ﷺ : إني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد، فأردت أن أصرفهم عنكم، فإذا أبيتم [فأنتم] (١) وذاك، ثم قال للذين جاءوا للصلح: اذهبوا فلا نعطيكم إلا السيف".
ومن ذلك أنه ﵇ نهى أن توطأ الحوامل، خوفًا منه أن يضر ذلك أولادهم، ثم لما بلغه أن فارس والروم يفعلون ذلك فلا يحصل الضرر لأولادهم، أطلق ما كان منع من ذلك.
стр. 6847
ومن ذلك: "أنه ﵇ لما قدم المدينة استقبح ما كانوا يصنعونه من تلقيح النخل، فنهاهم عن ذلك فاحشفت، وقال: عَهْدي بثماركم بخلاف هذا؟! فقالوا: نهيتنا عن التلقيح، وإنما كانت جودة الثمر من ذلك، قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم، وأنا أعلم بأمر دينكم". وفي رواية الطحاوي: "إنما هو ظن ظننته، إن كان يغني شيئًا. . . ." إلى آخره.
أخرجه بإسناد صحيح: عن يزيد بن سنان، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن سماك بن حرب، عن موسى بن طلحة التيمي المدني، عن أبيه طلحة بن عبيد الله التيمي المدني أحد العشرة المبشرة بالجنة.
وأخرجه ابن ماجه (١): عن علي بن محمَّد، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن [سماك أنه سمع] (٢) موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: "مررت مع رسول الله ﵇ في نخل، فرأى قومًا يلقحون النخل، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قال: يأخذون من الذكر فيجعلونه في الأنثى، قال: ما أظن ذلك يغني شيئًا، فبلغهم فتركوه، فنزلوا عنها، فبلغ النبي ﵇ فقال: إنما هو الظن، إن كان يغني شيئًا فاصنعوه، فإنما أنا بشر مثلكم، وإن الظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم: قال الله، فلن أكذب على الله".
قالوا: فتبين من ذلك أن الرأي منه كالرأي من غيره في احتمال الغلط، ولكنه ﵇ لا يقر إلا على الصواب، فإذا أقر على ذلك كان وحيًا في المعنى وهو شبه الوحي في الابتداء، ولكن الشرط أن ينقطع طمعه عن الوحي، وهو نظير ما يشترط في حق الأمة للعمل بالرأي العرفي على الكتاب والسنة، فإذا لم يوجد في ذلك فحينئذ يصار إلى اجتهاد الرأي.
стр. 6848
فإن قيل: قد قال الله تعالى في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (١) فكيف يجوز ما ذكرت؟
قلت: قد قيل: هذا فيما يتلو عليه من القرآن بدليل أول السورة قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٢) أي والقرآن إذا نزل، وقيل: المراد بالهوى هو هوى النفس الأمارة بالسوء ولا أحدٌ يُجَوِّز على رسول الله ﵇ اتباع هوى النفس أو القول به.
ولكن طريق الاستنباط والرأي غير هوى النفس، وهذا تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ (٣) ثم في قوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٣) توضيح جميع ما قلنا، لأن اتباع الوحي إنما يتم في العمل بما فيه الوحي بعينه، واستنباط المعنى منه لإثبات الحكم في نظيره، وذلك بالرأي يكون.
قوله: "يلقحون النخل" قد فسره بقوله: "يأخذون من الذكر فيجعلونه في الأنثى".
قوله: "إنما هو الظن" أي إن الذي قلتُ هو قول عن ظن لا عن يقينٍ إذْ لو كان قوله ذلك عن يقين لما قال لهم بعد ذلك: "فاصنعوه".
ص: وقد روي في ذلك ما يدل على ما ذكرناه.
حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس -مثل حديث إسحاق بن الحسن الطحان غير أنه قال-: "والله لتخبرني بما أصبت مما أخطأت، فقال رسول الله ﵇: لا تقسم".
فدل ذلك على أن ما كره رسول الله ﵇ هو الحلف فيه على إخباره إياه بصوابه أو خطئه في شيء لم يعلمه رسول الله ﵇ بالوحي الذي يعلم به حقيقة الأشياء، لا لذكره القسم.
стр. 6849
ش: أي قد روي في نهي رسول الله ﵇ أبا بكر ﵁ عن القسم ما يدل على ما ذكرناه في أن المعنى في كراهة رسول الله ﵇، هو الحلف في ذلك على إخباره أبا بكر بما أصاب وما أخطأ، بشيء لم يقف عليه رسول الله ﵇ بالوحي الذي يقف به على حقيقة الأشياء، لا لأن ذلك لذكره القسم.
وقد ذكرنا أن هذا الحديث أخرجه الجماعة غير الترمذي (١).
وابن وهب هو عبد الله.
ويونس وابن يزيد الآيلي.
وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري.
ص: وحدثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا الفريابي، قال: ثنا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن الحارث، عن ابن عباس قال: "القسم يمين".
فهذا ابن عباس هو الذي روي عنه الحديث الأول قد جعل القسم يمينًا، يعني ذلك دليل على إباحة الحلف به، وأنه عنده كسائر الأيمان، فثبت بذلك ما تأولنا الحديث الأول، وانتفى قول من تأوله على غير ما تأولناه عليه.
ش: ذكر هذا شاهدًا لصحة التأويل الذي أَوَّلَهُ في معنى حديث ابن عباس المذكور, لأن قوله: "القسم يمين" يدلس على إباحة الحلف به، وأنه عنده كسائر الأيمان، فدل ذلك على صحة التأويل المذكور, لأن كلًّا من الحديثين روايته.
وأخرجه عن أحمد بن سعيد بن الحكم بن محمَّد بن أبي مريم المصري، ابن أخي سعيد بن أبي مريم، وهو يروي عن محمَّد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن شريك النخعي، عن يزيد بن أبي زياد القرشي الكوفي، فيه مقال، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المدني، روى له الجماعة سوى مسلم.
стр. 6850
ص: قال أبو جعفر ﵀: وقد روي في إباحة القسم ما قد حدثنا عبد الغني ابن أبي عقيل، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن أشعث بن سليم، عن معاوية بن سويد بن مقرن، عن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله ﵇ بإبرار القسم".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود ووهب، قالا: ثنا شعبة. . . .، فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "بإبرار المقسم".
أفلا ترى أن رسول الله ﵇ قد أمرنا بإبرار المقسم؟ فلو كان المقسم عاصيًا لما كان ينبغي أن يُبرَّ قسمه.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن عبد الغني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي .. إلى آخره.
وهذا الحديث أخرجه الجماعة (١) غير أبي داود، وقد ذكرناه في باب لبس الحرير، لأن الطحاوي قد أخرجه هناك بأتم منه بهذا الإسناد.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي ووهب بن جرير، كلاهما عن شعبة .. إلى آخره.
قوله: "بإبرار القسم" من أبرّ قسمه أي صدقه، ولذا بَرَّ قسمه.
قوله: "غير أنه قال: بإبرار المُقسم" بضم الميم على صيغة اسم الفاعل من أقسم، وفي الرواية الأولى: "بإبرار القسم" بدون الميم في أوله. فافهم.
ص: حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا عبد الله بن بكر السهمي، قال: ثنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﵇: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره".
فلو كان القسم مكروهًا لكان قائله عاصيًا، وَلمَا أبرَّ الله قسم من عصاه.
стр. 6851
ش: إسناده صحيح، وأبو بكرة بكار القاضي، وابن مرزوق هو إبراهيم.
ص: وقد روينا فيما تقدم من كتابنا هذا عن المغيرة بن شعبة أنه قال: "صليت مع رسول الله ﵇، فوجد ريح ثوم، فلما فرغ من الصلاة قال: من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا في مسجدنا حتى يذهب ريحها، فأتيته، فقلت: أقسمت عليك يا رسول الله لما أعطيتني يدك، فأعطانيها، فأريته جبائر على صدري، فقال: إن لك عذرًا". ولم ينكر عليه إقسامه عليه.
ش: تقدم ذكر الحديث في باب أكل الثوب والبصل والكراث، وقد استوفينا الكلام فيه هناك.
ص: حدثنا جعفر بن سليمان النوفلي، قال: ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: حدثني عمر بن أبي بكر الموصلي عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: "أهدي لرسول الله ﵇ لحم، فقال: أَهدِي لزينب بنت جحش، قالت: فأهديت لها، فردته، فقالت: أقسمت عليك ألَّا رددتها، فرددتها".
فدل ما ذكرنا على إباحة القسم، وأن حكمه حكم اليمين، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
ش: إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن مغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي المدني، وثقه يحيى بن معين، وروي عنه ابن ماجه والبخاري في غير الصحيح، وروي له ابن ماجه.
وعمر بن أبي بكر الموصلي قاضي الأردن، قال ابن أبي حاتم: ذاهب الحديث متروك الحديث.
وابن أبي الزناد هو عبد الرحمن بن أبي الزناد، واسمه عبد الله بن ذكوان القرشي المدني، قال النسائي: لا يحتج بحديثه. وعن يحيى: ليس بشيء. روى له الأربعة. وأبوه: أبو الزناد عبد الله، روى له الجماعة.
стр. 6852
وأخرج ابن ماجه (١): عن سويد بن سعيد، نا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن حارثة بن محمَّد، عن عمرة، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ إنما آلى لأن زينب ردت عليه هديته، فقالت عائشة ﵂: لقد أقمأتك، فغضب ﵇، فآلى منهن".
وقوله: "أقمأتك" من أقمأته إذا صغرته وذللته، وثلاثية: قَمُؤَ الرجل قَمَاء، والقميءُ -على وزن فعيل-: الصغير الذليل. ذكره الجوهري في فصل القاف والميم المهموز.
ص: وقد روي ذلك عن إبراهيم النخعي؛ حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا أبي، عن محمَّد بن الحسن، عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم قال: "أُقسم وأقسم بالله يمين، وكفارة ذلك كفارة يمين، وقد أقسم رسول الله ﵇ على نسائه".
ش: أي: قد روي أن حكم القسم حكم اليمين عن إبراهيم النخعي.
أخرجه بإسناد صحيح، ورجاله أشهر من أن يذكروا.
وأخرجه محمَّد في "آثاره".
وهاهنا فرعان:
الأول: أن قوله: "أقسم" فقط، يمين عندنا، وكذلك أَشْهَدُ، وأَحْلِفُ، وقال زفر: لا يكون يمينا ما لم يقل: بالله.
وقال الشافعي:. . . . وإلا فلا.
الثاني: أن قوله: "أقسم بالله" يمين بالإجماع.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو حفص الفلاس، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، قال: حدثني أبي، عن عمرة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇: أُقْسِمُ بالله لَا أَقْرَبُكُنَّ شهرًا".
стр. 6853
ش: هذا شاهد لقوله: "وقد أقسم رسول الله ﵇ على نسائه".
أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي.
عن أبي حفص عمرو بن علي الصيرفي الحافظ شيخ الجماعة، عن أبي قتيبة سَلْم بن قتيبة الشَّعِيري الخرساني نزيل البصرة، روى له الجماعة سوى مسلم. عن عبد الرحمن بن أبي الرجال المدني وثقه يحيى القطان.
عن أبيه أبي الرجال -بالجيم- محمَّد بن عبد الرحمن الأنصاري المدني ثقة، روى له البخاري ومسلم.
عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وهي أم أبي الرجال، روى لها الجماعة.
وأخرجه ابن ماجه بأتم منه (١): ثنا هشام بن عمار، نا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن أبيه، عن عمرة، عن عائشة قالت: "أقسم رسول الله أن لا يدخل على نسائه شهرًا، فمكث تسعة وعشرين يومًا، حتى إذا كان مساء ثلاثين دخل عليّ، فقلت: إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا، فقال: الشهر كذا، يرسل أصابعه فيه ثلاث مرات، والشهر كذا، وأرسل أصابعه كلها وأمسك أصبعًا واحدًا في الثالثة".
واستفيد منه: أن القسم يمين، ولهذا لما آلى رسول الله ﵇ عن نسائه، فقال: "أقسم بالله لا أقربكن شهرًا"، ترك قربانهن شهرًا، وهذا إيلاء مقيدة، فتسقط بمضي المدة، بخلاف الإيلاء المعتبرة في الشرع، وهي أن يحلف على ترك قربانها أربعة أشهر أو أكثر، فحكمها أنه إن قربها في المدة المذكورة، حنث في يمينه وكفَّر، وإن لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر، بانت منه بتطليقة واحدة عند مضي المدة من غير احتياج إلى تفريق الحاكم، وهو مذهب عليّ وعثمان والعبادلة الأربعة وزيد بن ثابت وعامة الصحابة ﵃.
стр. 6854
ص: باب الشرب قائمًا
ش: أي هذا باب في بيان حكم الشرب حال كونه قائمًا، أراد إن شرب الماء قائمًا هل يباح أم لا؟
ص: حدثنا ابن أبي عمران ومحمد بن علي بن داود، قالا: ثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، قال: ثنا خالد بن الحارث، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي مسلم، عن الجارود: "أن النبي ﵇ زجر عن الشرب قائمًا".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا خالد بن الحارث، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي مسلم، عن الجارود بن المعلَّى، عن النبي ﵇ مثله.
ش: هذان طريقان حسنان:
الأول: عن أحمد بن أبي عمران موسى الفقيه البغدادي أحد أصحاب أبي حنيفة، ومحمد بن علي بن داود، البغدادي، كلاهما عن إسحاق بن إسماعيل الطالقاني شيخ أبي داود، ثقة، عن خالد بن الحارث بن عبيد أبي عثمان البصري، عن أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي مسلم الجذمي، حسن الترمذي حديثه، عن الجارود بن المعلى وقيل: ابن العلاء، ويقال اسمه بشر والجارود لقبه؛ لأنه أغار في الجاهلية على بكر بن وائل فأصابهم وجردهم، فسمي جارودًا، قدم على النبي ﵇ سنة عشر في وفد عبد القيس فأسلم، وكان نصرانيًا.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا حميد بن سعدة، قال: ثنا خالد بن الحارث، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي مسلم، عن الجارود بن المعلى: "أن النبي ﵇ نهى عن الشرب قائمًا".
وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.
стр. 6855
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي شيخ البخاري ومسلم، عن خالد بن الحارث .. إلى آخره.
قال الترمذي: وهذا الحديث روي من غير وجه.
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا عبد الرحمن بن المبارك، قال: ثنا خالد بن الحارث، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي مسلم، عن الجارود.
وعن سعيد، عن قتادة عن أنس عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا همام وهشام، قالا: ثنا قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خُشيش، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا هشام الدستوائي، فذكر بإسناده مثله.
حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا همام، عن قتادة، عن أنس.
وعن قتادة، عن أبي عيسى الأسواري، عن أبي سعيد، عن النبي ﵇ مثله.
ش: هذه خمس طرق:
الأول: فيه عن جارود، وعن أنس:
أما عن جارود: فأخرجه عن أحمد بن داود، عن عبد الرحمن بن المبارك الطفاوي شيخ البخاري وأبي داود، عن خالد بن الحارث، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي مسلم الجذمي، عن الجارود.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني (ح).
стр. 6856
وحدثنا أبو خليفة والعباس بن الفضل، قالا: ثنا عبد الرحمن بن المبارك، قال: نا خالد بن الحارث، نا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي مسلم الجذمي، عن الجارود بن المعلى، عن النبي ﵇: "أنه نهى أن يشرب الرجل قائمًا".
وأما عن أنس: فأخرجه عن أحمد بن داود، عن عبد الرحمن بن المبارك، عن خالد بن الحارث، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي ﵇.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس: "أن النبي ﵇ نهى أن يشرب الرجل قائمًا، فقيل: الأكل؟ قال ذاك أشدّ" (٢).
الطريق الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن همام بن يحيى وهشام الدستوائي، كلاهما عن قتادة، عن أنس.
وأخرجه مسلم (٣): ثنا هداب بن خالد، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، عن أنس: "أن النبي ﵇ زجر عن الشرب قائمًا".
الثالث: عن عبد الله بن محمد بن خُشيش -بضم الخاء المعجمة، وشينين معجمتين- عن مسلم بن إبراهيم القصاب شيخ البخاري وأبي داود، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أنس.
وأخرجه أبو داود (٤): عن مسلم بن إبراهيم القصاب، عن هشام .. إلى آخره نحوه.
стр. 6857
الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي، عن هشام الدستوائي .. إلى آخره.
وأخرجه الطيالسي في "مسنده" (١).
الخامس: فيه عن أنس وأبي سعيد الخدري:
أما عن أنس: فأخرجه عن حسين بن نصر، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس.
وأما عن أبي سعيد الخدري: فأخرجه عن حسين، عن يزيد، عن همام، عن قتادة، عن أبي عيسى الأسواري البصري، قال الطبراني: ثقة لا يحضرني اسمه. روى له مسلم، وهو يروي عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵇.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا هداب بن خالد، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، عن أبي عيسى الأسواري، عن أبي سعيد الخدري: "أن النبي ﵇ زجر عن الشرب قائمًا".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا موسى بن إسماعيل (ح).
وحدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قالا: ثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي شيخ البخاري وأبي دواد، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن أبي هريرة ﵁.
وأخرجه مسلم (٣) من وجه آخر: حدثني عبد الجبار بن العلاء، قال: نا مروان -
стр. 6858
يعني الفزاري- قال: أنا عمر بن حمزة، قال: أخبرني أبو غطفان المري، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا يشربن أحد منكم قائمًا، فمن نسي فليستقيء".
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن أبي هريرة.
وأخرجه الدارمي في "مسنده" (١) من وجه آخر: ثنا سعيد بن الربيع، ثنا شعبة، عن أبي زياد الطحان، قال: سمعت أبا هريرة، عن النبي ﵇: "أنه قال لرجل رآه يشرب قائمًا: قِئْ، قال: لم؟ قال: أتحب أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: لقد شرب معك شر منه؛ الشيطان".
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى كراهة الشرب قائمًا، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وقتادة؛ فإنهم قالوا: يكره الشرب قائمًا.
وروي ذلك عن أنس.
قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا وكيع، عن معمر، عن قتادة، عن أنس: "أنه سأله عن الشرب قائمًا، فكرهه".
ثنا (٣) هشيم، عن منصور، عن الحسن: "أنه كان يكره الشرب قائمًا".
ثنا وكيع (٤)، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: "إنما كره الشرب قائمًا لداء يأخذ البطن".
стр. 6859
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فلم يروا بالشرب قائمًا بأسًا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الشعبي وسعيد بن المسيب وزاذان وطاوس بن كيسان، وسعيد بن جبير، ومجاهدًا، فإنهم قالوا: لا بأس بالشرب قائمًا، وروي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وسعد وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وعبد الله بن الزبير وعائشة ﵃.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن جريج، عن محمد بن علي بن حسين، عن أبيه، عن جده قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: "ائتني بوضوء، فأتيت به فتوضأ، ثم قام بفضل وضوئه فشرب قائمًا، فعجبت لذلك، فقال: أَتعجبُ يا بني؟ إني رأيت أباك رسول الله ﵇ يصنع ذلك".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة قال: "رأيت عليًّا يشرب فضل وضوئه قائمًا، ثم قال: إن ناسًا يكرهون أن يشربوا قيامًا، وقد رأيت رسول الله ﵇ فعل كما فعلت".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا مسعر، عن عبد الملك. . . .، فذكر بإسناد مثله.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ورقاء بن عمر، عن عطاء بن السائب، عن زاذان وميسرة، عن علي ﵁: "أنه شرب قائمًا، فقيل له في ذلك، فقال: إن أشرب قائمًا فقد رأيتُ رسولَ الله ﵇ يَشْربُ قائمًا، وإن أشرب جالسًا فقد رأيت رسول الله ﵇ يفعل ذلك".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن علي. . . . مثله.
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد. . . .، فذكر بإسناده مثله.
стр. 6860
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه من عدم كراهة شرب الماء قائمًا بحديث علي ﵁.
وأخرجه من ستة طرق صحاح:
الأول: عن يونس عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الملك بن جريج المكي، عن محمَّد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب المعروف بالباقر، عن أبيه علي بن حسين المعروف بزين العابدين، عن جده الحسين المرتضى ﵃.
وأخرجه البزار في "مسنده" من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج .. إلى آخره.
قوله: "ائتني بوضوء" بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ منه.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن بشر بن عمر الزهراني .. إلى آخره.
وأخرجه البخاري (١): ثنا آدم، قال: ثنا شعبة، ثنا عبد الملك بن ميسرة، سمعت النزال بن سبرة يحدث عن عليّ ﵁: "أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتى بماء فشرب وغسل وجهه ويديه، وذكر رأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضله وهو قائم، ثم قال: إن ناسًا يكرهون الشرب قيامًا، وإن النبي ﵇ صنع مثل ما صنعت".
الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الكوفي، عن مسعر بن كدام، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة.
وأخرجه أبو داود (٢): عن مسدد، عن يحيى، عن مسعر بن كدام، عن عبد الملك ابن ميسرة، عن النزال بن سبرة: "أن عليًا ﵁ دعا بماء، فشرب وهو قائم، ثم قال: إن رجالًا يكره أحدهم أن يفعل هذا، وقد رأيت رسول الله ﵇ يفعل مثل ما رأيتموني فعلت".
стр. 6861
الرابع: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن ورقاء بن عمر اليشكري روى له الجماعة، عن عطاء بن السائب بن مالك الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة قال العجلي: شيخ ثقة قديم. روى له الأربعة، والبخاري متابعة.
عن زاذان -بالمعجمتين- الكندي الكوفي البزاز روى له الجماعة، البخاري في غير صحيح، وعن ميسرة أبي صالح الكندي الكوفي، وثقه ابن حبان، كلاهما عن علي ابن أبي طالب.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن ميسرة قال: "رأيت عليًّا يشرب قائمًا، قال: فقلت له: تشرب قائمًا؟! فقال: إن أشرب قائمًا، فقد رأيت رسول الله ﵇ يشرب قائمًا، وإن أشرب قاعدًا، فقد رأيت رسول الله ﵇ يشرب قاعدًا".
الخامس: عن ربيع المؤذن، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان الكندي، عن علي بن أبي طالب ﵁.
وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن عليّ: "أنه شرب قائمًا، فنظر إليه الناس فأنكروا ذلك، فقال علىّ: "ما تنكرون؟ إن أشرب قائمًا، فقد رأيت النبي ﵇ يشرب قائمًا".
السادس: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن زاذان، عن عليّ ﵁.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن الشعبي، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: "رأيت النبي ﷺ يشرب وهو قائم".
حدثنا فهد، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: أنا شريك، عن الشيباني، عن عامر، عن ابن عباس قال: "ناولت النبي ﵇ دلوًا من ماء زمزم، فشرب وهو قائم".
стр. 6862
حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس. . . .، مثله.
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن عاصم الأحول، عن عامر الشعبي.
وأخرجه البخاري (١): ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: "شرب النبي ﵇ قائمًا من زمزم".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله، عن سليمان الشيباني أبي إسحاق الكوفي روى له الجماعة، عن عامر الشعبي.
وأخرجه مسلم (٢) من طرق متعددة.
الثالث: عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال .. إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٣).
ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا إسحاق بن أبي فروة المدني، قال: حدثتنا عبيدة بنت نايل، عن عائشة بنت سعد، عن سعد بن أبي وقاص: "أن رسول الله ﵇ كان يشرب قائمًا".
ش: ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج شيخ أبي داود والنسائي.
وإسحاق بن أبي فروة هو إسحاق بن محمَّد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي فروة، أبو يعقوب الفروي المدني، شيخ البخاري، تُكُلِّمَ فيه جدًّا.
стр. 6863
وعبيدة بنت نايل -بالنون، وبالياء آخر الحروف بعد الألف- الحجازية، وثقها ابن حبان.
وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص الزهرية المدنية، روى لها البخاري.
والحديث أخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا محمَّد بن عبد الرحيم أبو يحيى صاحب السابري، قال: ثنا إسحاق بن محمَّد الفروي، قال: حدثتني عبيدة بنت نايل، عن عائشة بنت سعد، عن أبيها، قال: "رأيت رسول الله ﵇ يشرب قائمًا".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا حفص، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "كنا نشرب ونحن قيام على عهد رسول الله ﵇".
حدثنا بن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم وعثمان بن عمر، قالا: أبنا عمران بن حدير، عن أبي البزري -وهو يزيد بن عطارد- عن ابن عمر، قال: "كنا نشرب ونحن قيام، ونأكل ونحن نسعى على عهد رسول الله ﵇".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن عمران بن حدير، عن يزيد بن عطارد، عن ابن عمر مثله.
ش: هذه ثلاث طرق:
الأول: صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يوسف بن عدي شيخ البخاري، عن حفص بن غياث النخعي قاضي الكوفة أحد أصحاب أبي حنيفة، عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، روى له الجماعة.
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا أبو السائب سلم بن جنادة الكوفي، ثنا حفص بن غياث، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: "كنا نأكل على عهد رسول الله ﵇ ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام".
стр. 6864
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.
الثاني: حسن، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عثمان بن عمر بن فارس شيخ أحمد، كلاهما عن عمران بن حدير السدوسي الثقة الثبت، عن أبي البزري -بتقديم الزاي المعجمة على الراء المهملة- يزيد بن عطارد السدوسي، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ليس ممن يحتج بحديثه.
وأخرجه الترمذي نحوه معلقًا (١).
الثالث: نحوه، عن محمد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة .. إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): نا معاذ بن معاذ، عن عمران بن حدير، عن يزيد بن عطارد أبي البزري، قال: قال ابن عمر: "كنا نشرب ونحن قيام، ونأكل ونحن نسعى على عهد رسول الله ﵇".
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم بن مالك، قال: أخبرني البراء بن زيد، أن أم سليم حدثته: "أن رسول الله ﵇ شرب وهو قائم من في قربة".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا عبد الكريم الجزريّ، قال: حدثني البراء ابن بنت أنس -وهو ابن زيد- عن أنس بن مالك، قال: حدثتني أمي "أن رسول الله ﵇ دخل عليها وفي بيتها قربه معلقة، فشرب من القربة قائمًا".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن
стр. 6865
عبد الملك بن جريج، عن عبد الكريم بن مالك الجزري الحراني، عن البراء بن زيد ابن ابنة أنس بن مالك وثقه ابن حبان، عن أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك، لها صحبة يقال لها: الغميصاء، ويقال: الرميصاء، ويقال: رميلة، ويقال: رميثة، ويقال: أنيفة، ويقال: مليكة.
وأخرجه الطبراني (١): من طريق ابن جريج، عن عبد الكريم، عن البراء بن زيد ابن بنت أنس أخبره، عن أم سليم نحوه.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية .. إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا حُميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، ثنا زهير، عن عبد الكريم، عن البراء ابن بنت أنس -وهو ابن زيد- عن أنس بن مالك، قال: حدثتني أمي: "أن رسول الله ﵇ دخل عليها وفي بيتها قربة معلقة، قالت: فشرب من القربة قائمًا، فعمدت إلى فَمِ القربة فقطعتها".
قوله: "من في قربة" أي من فَمِ قربة.
ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا شريك، عن حميد، عن أنس: "أن النبي ﵇ شرب من قربة معلقة، وهو قائم".
ش: إسناده صحيح، وأبو أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي.
وأبو غسان مالك بن إسماعيل.
وهذا كما قد رأيت قد أخرج الطحاوي أحاديث هذا الباب عن ستة أنفس من الصحابة وهم: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وأم سليم، وأنس بن مالك ﵃.