← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

قوله: "وما منا إلا" فيه حذف، تقديره: إلا وفيه الطيرة، أو إلا قد يعتريه التطير وتسبق إلي قلبه الكراهية فيه، فحذف؛ اختصارًا للكلام، واعتمادًا علي فهم السامع. الطريق الثاني: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم الطرسوسي، عن قبيصة بن عقبة السوائي -شيخ البخاري- عن سفيان الثوري، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن رجل، عن عبد الله. وقد مر هذا الإسناد بعينه في العدوى، وأعاده هاهنا في الطيرة والكل حديث واحد، وقد مر الكلام فيه مستوفى. وأما عن أبي هريرة فأخرجه من أربع طرق: الأول: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم الطرسوسي، عن سريج -بضم السين المهملة وفي آخره جيم- ابن النعمان، عن هشيم بن بشير، عن عبد الله بن شبرمة، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة وهذا الإسناد أيضًا بعينه قد ذكره فيما مضى في هذا الباب مقتصرًا فيه علي ذكر العدوى. الثانى: عن علي بن معبد، قال: عن يعقوب بن إبراهيم عن بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبد الله بن عبد الرحمن أبي سلمة، وغيره عن أبي هريرة. الثالث: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. الرابع: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن معروف بن سويد، عن عُلَيّ بضم العين المهملة وفتح اللام، عن أبي هريرة. وهذه الأسانيد أيضًا قد ذكرها فيما مضى في العدوي وقد أعادها هاهنا في الطيرة. وأما عن ابن عمر، فأخرجه بإسناد صحيح. عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، ويونس ابن يزيد الأيلي، كلاهما عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري. . . . إلى آخره.

стр. 7072

وهذا أيضًا بعينه ذكر فيما مضي العدوي وأعاده هاهنا في الطيرة. وأما عن عائشة ﵂: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري، شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد فيه مقال. عن علقمة بن أبي علقمة، واسم أبي علقمة: بلال المدني مولى عائشة أم المؤمنين، روى له الجماعة. عن أمه مرجانة، وثقها ابن حبان وروي لها في الأربعة غير ابن ماجه. وأما عن أنس ﵁ فأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد بن مسرهد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام الدستوائي، وشعبة، كلاهما عن قتادة، عن أنس. الثاني: عن عبد الله بن محمَّد بن خشيش، عن مسلم بن إبراهيم. . . . إلى آخره. الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سعيد بن عامر الضُّبَعِي. . . . إلى آخره. وهذه الأسانيد الثلاثة قد ذكرت فيما مضي أيضًا في العدوي، وأعادها هاهنا في الطيرة. وأما عن أبي أمامة: فأخرجه عن فهد بن سليمان، عن أبي سعيد الأشج عبد الله بن سعيد، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الشامي، عن القاسم بن عبد الرحمن الشامي، عن أبي أمامة صُدي بن عجلان الباهلي. وهذا أيضًا قد ذكره فيما مضى في العدوي. وأما عن قبيصة بن المخارق: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن عبد الحميد الكوفي، عن مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفزاري الكوفي روي له الجماعة.

стр. 7073

وعن عبد الله بن المبارك الشيخ العابد المشهور، كلاهما عن عوف بن أبي جميلة المعروف بابن الأعرابي، روى له الجماعة، عن حَيَّان -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الياء آخر الحروف- ابن العلاء، ويقال: أبو العلاء حيان غير منسوب، قال ابن حبان في "الثقات": حيان بن المخارق أبو العلاء، يروي عن قطن بن قبيصة. قلت: قطن بن قبيصة بن الخارق الهلالي البصري قال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عن أبيه قبيصة بن المخارق الصحابي ﵁. وأخرجه أبو داود (١): ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، قال ثنا عوف، قال: نا حيان قال غير مسدد: حيان بن العلاء -قال: ثنا قطن بن قبيصة، عن أبيه، قال سمعت النبي ﵇ يقول: "العيافة والطيرة والطَرْق من الجبْت". وأخرجه النسائى أيضًا في "اليوم والليلة" (٢). قوله: "العيافة" بكسر العين المهملة، وفتح الياء آخر الحروف وبالفاء: وهو زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها ومَمَرَّها، وهو من عادة العرب كثيرًا، وهو كثير في أشعارهم، يقال: عَافَ يَعِيفُ عَيْفًا إذا زَجَر، وحَدَسَ، وظَنَّ. وبنوا أسد يُذكرون بالعيافة ويوصفون بها، قيل عنهم: إن قومًا من الجنّ تذاكروا عيافتهم فأتوهم فقالوا: ضلَّت لنا ناقة، فلو أرسلتم معنا مَنْ يعيف، فقالوا لِغُلَيمِّ منهم: انطلق معهم. فاستردفه أحدهم، ثم ساروا فلقيهم عُقابٌ كاسِرةٌ إحدى جناحيها، فاقشعر الغلام وبكي، فقالوا: مالك؟! فقال: كَسَرَتْ جناحًا وحلفت بالله صراحًا: ما أنت بإنْسِيّ، ولا تبغي لقاحًا. وقال أبو عبيد: العيافة: زجر الطير، يقال منه: عِفْتُ الطير أَعِيفُها عِيافَةً.

стр. 7074

قال: ويقال: في غير هذا عَافَت الطير تَعِيفُ عَيفًا إذا كانت تحوم على الماء، وعاف الرجل الطعام يَعَافُه عَيَافًا إذا كرهه. قوله: "والطيرة" قد فسرناها. قوله: "والطَرْق" بفتح الطاء، وسكون الراء المهملتين، وفي آخره قاف، وهو الضرب بالحصى، الذي يفعله النساء. وقيل: هو الخط في الرمل، وقال ابن عباس: الحظ هو الذي يخطه الحازي، وهو علم قد تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حِلوانًا، فيقول له: اقعد حتى اخط لك، وبين يدي الحازي غلام له معه ميل، ثم يأتي إلى أرض ربوة فيخط فيها خطوطًا كثيرة بالعجلة؛ لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها علي مَهْلٍ خطين خطين، وغلامه يقول للتفاؤل: ابْنَي عِيان أسرعا البيان، فإن بقي خطَّان، فهما علامة النُّجح، وإن بقي خط واحد فهو علامة الخَيْبَة. وقال الخطابي: الطرق: الضرب بالحصي؛ قال لبيد: لَعَمْرُكَ ما تَدْرِي الطوارِقُ بالحَصَى ... ولا زاجِراتُ الطير ما الله صانِعُ وأصل الطرق: الضرب، ومنه سميت مطرقة الصانع والحداد؛ لأنه يطرق بها، أي يضرب بها، وصورة الخط ما ذكره ابن الأعرابي. ذكر أبو عمر عن أبي العباس أحمد بن يحيى قال: يقعد الحازي ويأمر غلامه. . . . إلي آخر ما ذكرناه. ص: فإن قال قائل: فقد قال رسول الله ﵇: "الشؤم في الثلاث". قيل له: قد روي ذلك عن النبي ﵇ علي ما ذكرت: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس ومالك، عن ابن شهاب، عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇ قال: "إنما الشؤم في ثلاثة: في المرأة والدار والدابة". حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا مالك، عن ابن شهاب. . . . فذكر بإسناده مثله.

стр. 7075

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب. . . . فذكر بإسناده مثله. حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سالم، أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول:. . . . فذكر مثله. حدثنا يزيد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: أخبرني عتبة بن مسلم، عن حمزة بن عبد اللهَ بن عمر، عن أبيه، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قلتم: إنا مُنِعْنا من الأسباب التي تكون عنها الطيرة مطلقًا، وقد جاء عن النبي ﵇ أنه قال: "الشؤم في الثلاث وهي: المرأة والفرس والدار" فلم تكن الطيرة منفية من كل وجه. والتحقيق في الجواب ما أذكره لك؛ لأن الطحاوي ما أمعن فيه، فيقول: إن النبي ﵇ نهى عن الطيرة مطلقًا وعدها من الشرك، ثم قال: إن كان الشؤم -وهو التطير- ففي ثلاث، يعني لو كان الشؤم يكون في شيء من اعتقادكم بهن لكان في هذه الثلاث ولم يكن في هذه الثلاث شؤم، فلا يكون في شيء شؤم؛ فافهم. والدليل علي صحة هذا الكلام: أنه ﵇ لم يخبر أن الشؤم حاصل في هذه الثلاث، بل قال: "إن كان الشؤم، ففي ثلاث". فإن قيل: ما تقول في رواية: "إنما الشؤم في ثلاثة" وقد أخبر بطريق الحصر أن الشؤم موجود في ثلاثة أشياء؟. قلت: هذا ليس على ظاهره؛ وقد كان ابن مسعود يقول: "إن كان الشؤم في شيء فهو فيما بين اللحيين -يعني اللسان- وما شيء أحوج إلى سجن طويل من لسان". وإنما قلنا: إنه متروك الظاهر؛ لأجل قوله ﵇: "لا طيرة" وهي نكرة في سياق النفي فتعم سائر الأشياء التي يُتَطَيَّر بها , ولو قلت: الكلام علي ظاهره لكانت هذه الأحاديث ينفي بعضها بعضًا، وهذا محال أن يظن بالنبي ﵇ مثل هذا الاختلاف من النفي والإثبات في شيء واحد ووقت واحد.

стр. 7076

والمعنى الصحيح في هذا الباب نفي الطيرة باسرها بقوله: "لا طيرة" وهو أشبه بأصول شريعة النبي ﵇ من حديث الشؤم، ألا ترى أن عائشة ﵂ كانت تنكر حديث الشؤم وتقول: إنما حكاه رسول الله ﵇ عن أهل الجاهلية وأقوالهم فيكون قوله ﵇: "إنما الشؤم في ثلاثة" بطريق الحكاية عن أهل الجاهلية؛ لأنهم كانوا يعتقدون الشؤم في هذه الثلاث، لا أن معناه أن الشؤم حاصل في هذه الثلاث في اعتقاد المسلمين. وكانت عائشة ﵂ تتقي الطيرة ولا تعتقد منها شيئًا حتى قالت: لنسوة كن يكرهن الابتناء بأزواجهن في شوال: "ما تزوجني رسول الله ﵇ إلا في شوال، ولا بني بي إلا في شوال، فمن كان أحظي مني عنده؟ وكان يُستَحَبُّ أن يدخل علي نسائهن في شوال" (١). وعن أبي حسان: "أن رجلين دخلا علي عائشة ﵂ وقالا: إن أبا هريرة يحدث عن النبي ﵇ أنه قال: إنما الطيرة في الفرس والمرأة والدار، فطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض، ثم قالت: كذب والذي أنزل الفرقان علي من حدث عنه بهذا, ولكن رسول الله ﵇ كان يقول: كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدار والدابة، ثم قرأت عائشة ﵂: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (٢) " (٣). وهنا جواب آخر: وهو أنه قد يحتمل أن يكون قوله ﵇: "الشؤم في ثلاثة" كان في أول الإِسلام؛ خبرًا عما كان تعتقد العرب في جاهليتها علي ما قالت عائشة ﵂ ثم نسخ ذلك وأبطله القرآن والسنن , وأخبار الآحاد لا يقطع علي عينها وإنما توجب العمل فقط، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ (٤) وقال ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ. . . .﴾ (٥) الآية, وما خط في

стр. 7077

اللوح المحفوظ لم يكن منه بد، وليست البقاع ولا الأنفس بصانعة شيئًا من ذلك. فهذا هو الاعتقاد الذي يجب على العبد أن يعتقده، ويسلم أمره إلى الله تعالى، ويترك القطع علي الله بالشؤم في شيء، وقد يقال: إن شؤم المرأة أن تكون سيئة الخلق، أو غير قانعة، أو تكون سليطة، أو تكون غير ولود. وشؤم الفرس أن يكون شموسًا، وقيل: أن لا يكون يغزى عليها. وشؤم الدار أن تكون ضيقة، وقيل: أن يكون جارها سُوْءًا (١). فإن قيل: لم خصص ﵇ هذه الثلاث؟ قلت: لما ذكرنا عن عائشة من أن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون حقيقة الشؤم في هذه الثلاث؛ فلذلك نص ﵇ علي هذه الثلاث دون غيرها؛ حكاية عن اعتقادهم ذلك. فإن قيل: روى مالك في "موطإه" (٢) عن يحيى بن سعيد أنه قال: "جاءت امرأة إلى رسول الله ﵇ فقالت: يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال وافر؛ فقل العدد وذهب المال، فقال رسول الله ﵇: دعوها ذميمة". قلت: إنما قال ذلك كذلك لِمَا رآه منهم وأنه رسخ في قلوبهم ما كانوا عليه في جاهليتهم، وكان رءوفًا بالمؤمنين بأخذ عفوهم شيئًا فشيئًا، وهكذا كان نزول الفرائض والسنن , حتى استحكم الإسلام وكمل ولله الحمد، ثم بيَّن رسول الله ﵇ بعد ذلك لأولئك الذين قال لهم: "اتركوها ذميمة" ولغيرهم ولسائر أمته الصحيح بقوله: "لا طيرة ولا عدوى" وبالله التوفيق. وقال الخطابي: يحتمل أن يكون أمرهم بتركها والتحول عنها إبطالًا لما وقع منها في نفوسهم من أن يكون المكروه إنما أصابهم بسبب الدار وسكناها، فإذا تحولوا منها انقطعت مادة ذلك والوهم.

стр. 7078

قلت: الحديث المذكور الذي رواه مالك أخرجه أبو داود (١) مسندًا: ثنا الحسن بن يحيى أبو علي، قال: ثنا بشر بن عمر، قال: ثنا عكرمة بن عمار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك قال: "قال رجل: يا رسول الله، إنا كنا في دار كثير فيها عددنا، وكثير [فيها] (٢) أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى، قَلَّ فيها عددنا، وقَلَّت والذميمة وقَلَّت أموالنا، فقال رسول الله ﵇: ذروها ذميمة" والذميمة فعيلة بمعنى مفعولة، أي اتركوها مذمومة. ثم إنه أخرج حديث ابن عمر من خمس طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي ومالك بن أنس، كلاهما عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري. . . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (٣): عن أبي الطاهر وحرملة عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﵇ قال: "لا عدوى ولا طيرة وإنما الشؤم في ثلاث: المرأة والفرس والدار". وأخرجه أيضًا (٤): عن القعنبي، عن مالك. . . . إلي آخره نحوه. الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز -شيخ النسائي- عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن مالك، عن محمَّد بن مسلم ابن شهاب الزهري، عن حمزة وسالم ابني عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، عن رسول الله ﵇.

стр. 7079

وأخرجه مسلم (١): عن القعنبي، عن مالك نحوه. الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج، عن محمَّد بن شهاب الزهري. . . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى وعمرو الناقد وزهير بن حرب، عن سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﵇ من غير ذكر حمزة. الرابع: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي اليمان الحكم بن نافع -شيخ البخاري- عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن سالم، عن ابن عمر. وأخرجه مسلم (٣) نحوه: عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سالم. وأخرجه البخاري (٤) أيضًا. الخامس: عن يزيد بن سنان القزاز، عن سعيد بن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن محمَّد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري المدني، عن عتبة بن مسلم التيمي المدني، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر، عن النبي ﵇. وأخرجه مسلم (٥): ثنا أبو بكر بن إسحاق، قال: أنا ابن أبي مريم، قال: ثنا سليمان بن بلال، قال: ثنا عتبة بن مسلم، عن حمزة بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله ﵇ قال: "إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة".

стр. 7080

ص: وقد روي أيضًا علي خلاف هذا المعنى من حديث ابن عمر وغيره: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن هشام، عن يحيى ابن أبي كثير، عن الحضرمي، أن سعيد بن المسيب قال: "سألت سعد بن مالك عن الطيرة، فانتهرني، فقال: من حدثك؟ فكرهت أن أحدثه، فقال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: لا طيرة، وإن كانت الطيرة في شيء ففي المرأة والدار والفرس". ش: أي وقد روي حديث الشؤم علي خلاف المعنى الحاصل من حديث عبد الله ابن عمر وغيره؛ وذلك لأن في حديث ابن عمر يخبر عن الشؤم أنه حاصل في الثلاث، وفي حديث سعد بن أبي وقاص هذا يخبر بأنه إن كان الشؤم في شيء يكون في الثلاث، وهذا الحديث بعين هذا الإسناد قد ذكر فيما مضي هذا الباب إلى قوله: "لا طيرة" فحسب، وهاهنا أعاده بتمامه وقد ذكرنا هناك ما فيه الكفاية. ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا سليمان بن بلال، قال: حدثني عتبة بن مسلم، عن حمزة بن عبد اللهَ بن عمر، عن أبيه، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "إن كان الشؤم في شيء ففي ثلاث: في الفرس والمسكن والدار". ش: هذا الإسناد بعينة قد ذُكِرَ آنفًا، غير أن هناك: ابن أبي مريم، عن محمَّد بن جعفر، وهاهنا: عن سليمان بن بلال، وهناك لفظ الحديث: "إنما الشؤم" وهاهنا: "إن كان الشؤم". وهكذا أخرجه مسلم سندًا ومتنًا وقد ذكرناه. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، سمع جابرًا يحدث، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذا الإسناد بعينه قد ذكر فيما مضى في هذا الباب في "العدوى"، وهاهنا أعاده في الطيرة أيضًا عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج، عن محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر، عن النبي ﵇: "إن كان الشؤم في شيء ففي ثلاث. . . ." الحديث.

стр. 7081

ص: حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا يحيى بن أيوب، عن أبي حازم، أنه سمع سهل بن سعد يحدث، عن النبي ﵇ مثله. قال أبو حازم: فكأن سهل بن سعد لم يكن يثبته، وأما الناس فيثبتونه. ش: إسناده صحيح. وأبو حازم -بالحاء المهملة والزاي- هو سلمة بن دينار الأعرج الأفزر التمار المدني القاص الزاهد الحكيم، راوية سهل بن سعد الساعدي الصاحبي. وأخرجه البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف عن مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﵇: "إن كان في شيء ففي المرأة والفرس والدار -يعني الشؤم". وأخرجه مسلم (٢): عن القعنبي، عن مالك. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي نعيم، عن هشام بن سعد، كلاهما عن أبي حازم، عن سهل نحوه. وأخرجه ابن ماجه (٣): عن عبد السلام، عن عبد الله نافع، عن مالك، عن أبي حازم، نحوه. ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا حبان، قال: ثنا أبان، قال: ثنا يحيى، عن الحضرمي بن لاحق، عن سعيد بن المسيب، حدثه قال: "سألت سعدًا عن الطيرة فانتهرني، وقال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "لا طيرة وإن كانت الطيرة في شيء ففي المرأة والدار والفرس". ش: ذكر هذا الإسناد بعينه فيما مضى في ذكر "العدوى" وأعاده هاهنا في ذكر "الشؤم"، والكل حديث واحد قطَّعه للمناسبة.

стр. 7082

وحبَّان -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الباء الموحدة- هو ابن هلال الباهلي. وأبان هو ابن يزيد العطار. ويحيى هو ابن أبي كثير. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن عتبة ابن حميد، قال: حدثنا عبيد الله بن أبي بكر، أنه سمع أنس بن مالك يحدث، عن رسول الله ﵇ مثله. ش: إسناده جيد حسن. وأبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري. وعتبة بن حميد الضبي، وثقه ابن حبان، وضعفه أحمد بن حنبل. وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك، ووقع في بعض روايات الطحاوي في غير هذا الموضع: "أبو بكر بن عبد الله"، ووافق علي ذلك محمَّد بن إسحاق. والصحيح عبيد الله بن أبي بكر كما وقع هاهنا. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "إن كان الشؤم في شىء ففي ثلاث: في المرأة والفرس والدار". ش: رجاله كلهم رجال الصحيح. وأخرجه مالك في "موطإه" (١)، والبخاري (٢) ومسلم (٢) من حديث مالك وقد ذكرناه عن قريب. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن عمران بن أبي ليلي، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عطية، عن أبي سعيد، أن النبي ﵇ قال: "لا عدوى ولا طيرة، وإن كان في شيء ففي المرأة والفرس والدار".

стр. 7083

ش: محمَّد بن عمران بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي شيخ البخاري في كتاب "الأدب"، وثقه ابن حبان. وأبوه عمران بن محمَّد بن أبي ليلي، روى له الترمذي وابن ماجه. وابن أبي ليلي هو محمَّد بن أبي ليلى الفقيه، فيه مقال. وعطية هو ابن سعد بن جنادة الكوفي، فيه مقال؛ فضعفه النسائي، وعن يحيى: صالح. وعن أبي زرعة: ليِّن. وأبو سعيد هو سعد بن مالك الخدري ﵁. ص: ففي هذا الحديث ما يدل علي غير ما في الفصل الذي قبل هذا الفصل، وذلك أن سعدًا انتهر سعيدًا حين ذكر له الطيرة، وأخبره عن النبي ﵇ أنه قال: "لا طيرة" ثم قال: "إن تكن الطيرة في شيء ففي المرأة والفرس والدار". فلم يخبر أنها فيهن، وإنما قال: إن تكن في شيء ففيهن، أي لو كانت تكون في شيء لكانت في هؤلاء، فإذا لم تكن في هؤلاء الثلاث فليست في شيء". ش: أراد بـ"هذا الحديث" هو الحديث الذي ذكر فيه الشؤم قَبْلَهُ الشرط كما في حديث سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر -الذي رواه عنه حمزة ابنه- وجابر وسهل بن سعد وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري ﵃. وأراد بقوله: "غير ما في الفصل" الذي قبل هذا الفصل الحديث الذي فيه ذكر الشؤم بدون كلمة الشرط، كما في حديث عبد الله بن عمر الذي رواه عنه ابناه سالم وحمزة. قوله: "وذلك" إشارة (إلى) (١) التغاير المذكور بين الحديثين، وأراد بـ"سعد" سعد بن أبي وقاص، وبـ"سعيد" سعيد بن المسيب، وبقية الكلام قد حررناه فيما مضى.

стр. 7084

ص: وقد روي عن عائشة ﵂ أن ما تكلم به رسول الله ﵇ في ذلك كان علي غير هذا اللفظ: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي حسان قال: "دخل رجلان من بني عامر علي عائشة، فأخبراها أن أبا هريرة ﵁ يحدث عن النبي ﵇ أنه قال في الطيرة: في المرآة والدار والفرس، فغضبت وطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض، فقالت: والذي نزَّل القرآن علي محمَّد ﷺ ما قالها رسول الله ﵇ قط، إنما قال: إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك". فأخبرت عائشة ﵂ أن ذلك القول كان من النبي ﵇ حكاية عن أهل الجاهلية لا أنه عنده كذلك. ش: هذا في الحقيقة جواب آخر عن أحاديث الشؤم؛ حاصله: أن عائشة ﵂ بينت أن قوله ﵇: "الشؤم في ثلاث. . . ." الحديث ليس معناه عنده أن الأمر كذلك، وإنما هذا حكاية حكاها ﵇ عن أهل الجاهلية أنهم كانوا يعتقدون ذلك في هذه الأشياء الثلاثة؛ ولهذا أنكرت رواية أبي هريرة حين أخبر الرجلان بذلك، وحلفت أن رسول الله ﵇ ما قالها قط. أخرج الطحاوي ذلك عنها بإسناد صحيح إلي أبي حسان الأعرج، ويقال: الأجرد، واسمه: مسلم بن عبد الله البصري، وثقه يحيى وابن حبان، وروي له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا. وأخرجه ابن عبد البر عن أبي حسان المذكور (١): "أن رجلين دخلا علي عائشة وقالا: إن أبا هريرة يحدث أن النبي ﵇ قال: إنما الطيرة في الفرس والمرأة والدار، فطارت شقة منها في السماء وشقة في الأرض، ثم قالت: كذب والذي أنزل الفرقان علي مَن حدَّث عنه بهذا , ولكن رسول الله ﵇ كان يقول: كان أهل الجاهلية

стр. 7085

يقولون: الطيرة في المرأة والدار والدابة، ثم قرأت عائشة ﵂ ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ. . . .﴾ (١) الآية". قوله: "وطارت شقة" أي قطعة، ورواه بعض المتأخرين بالسين المهملة، وأورد به المبالغة في الغضب والغيظ، يقال: قد أشق فلان من الغضب والغيظ كأنه امتلأ باطنه به حتى انشق، ومنه قوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (٢)، وقال أبو عمر (٣): قول عائشة في أبي هريرة: "كذب" فإن العرب تقول: كذبت إذا أرادوا به التغليط، ومعناه: أوهم لم يظنَّ حقا ونحو هذا، وذلك معروف في كلامهم موجود في أشعارهم كثيرًا، قال أبو طالب: كذبتم وبيت الله نترك مكة ... ونظعن إلا أمركم في بلابل كذبتم وبيت الله نُبْزي محمدًا ... ولما نطاعن دونه ونناضل فهذا من باب الغلط وظنّ ما ليس بصحيح، وذلك أن قريشًا أرادوا أن يُخْرجوا بني هاشم من مكة إن لم يتركوا جوار محمَّد ﵇، فقال لهم أبو طالب: كذبتم فيما ظنتتم. قوله: "نظعن" بالظاء المعجمة أي نرحل. و"البلابل" جمع بلبلة وهي الوسواس. قوله: "نُبْزِي" بالزاي المعجمة (٤). و"المطاعنة" بالرماح، والمناضلة بالنبال.

стр. 7086

ص: باب: التخيير بين الأنبياء ﵈ - ش: أي هذا باب في بيان حكم التخيير بين الأنبياء ﵈، وذلك أن يقول: النبي الفلاني خير من فلان النبي ﵇. ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا سفيان، عن المختار بن فلفل، قال: سمعت أنسًا ﵁ يقول: "جاء رجل إلى النبي ﵇ فقال: يا خير البرية، فقال: ذاك أبي إبراهيم ﷺ ". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن المختار بن فلفل، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله. حدثنا إبراهيم بن مرزوق وإبراهيم بن محمَّد بن يونس، قالا: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان. . . . فذكر بإسناد مثله. ثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، عن المختار بن فلفل، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله. ش: هذه أربع طرق صحاح: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي شيخ أحمد، روى له الجماعة. عن سفيان الثوري، عن المختار بن فلفل القرشي المخزومي الكوفي وثقه يحيى والعجلي والنسائي وروى له مسلم، وفي الأربعة غير ابن ماجه. وأخرجه مسلم (١): عن محمد بن مثني، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن المختار، عن أنس. . . . إلى آخره نحوه. الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري، عن يحيى القطان، عن سفيان. . . . إلى آخره.

стр. 7087

وأخرجه الترمذي (١): ثنا بندار، قال: نا ابن مهدي، عن سفيان، عن المختار. . . . نحوه. وقال: حديث حسن صحيح. الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، وإبراهيم بن محمَّد بن يونس بن مروان، كلاهما عن أبي حذيفة موسي بن مسعود، شيخ البخاري، عن سفيان. . . . إلي آخره. وأخرجه أبو داود (٢): ثنا زياد بن أيوب، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن مختار ابن فلفل، فذكر عن أنس قال: قال رجل لرسول الله ﵇: "يا خير البرية، فقال رسول الله ﵇: ذلك إبراهيم". الرابع: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم، عن عبد الواحد بن زياد العبدي البصري، عن المختار. . . . إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة (٣): ثنا علي بن مسهر، وابن فضيل، عن المختار بن فلفل، عن أنس قال: "جاء رجل إلى النبي ﵇ فقال: يا خير البرية، فقال رسول الله ﵇: ذلك إبراهيم". وأخرجه مسلم (٤) أيضًا: عن أبي بكر بن أبي شيبة. قوله: "يا خير البرية" أي: يا خير الخلق، تقول: براه الله يبروه بروًا: أي خلقه، وتجمع على البرايا والبريات، من البَرَى وهو التراب، هذا إذا لم يُهْمزْ ومن ذهب إلي أن أصله الهمز أخذه مِن برأ الله الخلق يبرؤهم أي خلقهم، ثم ترك فيها الهمز تخفيفًا, ولم تستعمل مهموزة. قوله: "فقال ذاك" إشارة إلى خير البرية. قوله: "أي إبراهيم" وهو إبراهيم الخليل بن آزر ﵇ ولا شك أن أصل النبي ﵇

стр. 7088

من ذرية إسماعيل كما هو مقرر في نسبه الشريف، وإسماعيل هو ابن إبراهيم ﵉، وقال المنذري في شرح هذا الحديث: قيل: يحتمل أنه قاله قبل أن يوحى إليه بأنه خير منه، أو يكون علي جهة التواضع وكَرِهَ إظهار المطاولة على الآباء. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلي أنه لا بأس بالتخيير بين الأنبياء ﵈، فيقال: إن فلانًا خير من فلان علي ما جاء مما كان في كل واحد منهم. ش: أراد بالقوم هؤلاء: طائفة من أهل الحديث؛ فإنهم قالوا: لا بأس أن يقال: إن فلانًا النبي خير من فلان النبي بحسب ما جاء عن كل واحد منهم مما يوجب ذلك. ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فكرهوا التخيير بين الأنبياء ﵈. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جماهير أهل الحديث والفقه، فإنهم يكرهون التخيير بين الأنبياء ﵈ علي وجه يؤدي إلى الإزراء بالمخير عليه؛ لأنه ربما أدى ذلك إلى إفساد الاعتقاد فيهم والإخلال بالواجب من حقوقهم، وليس معنى ذلك أن هذه التسوية بينهم في درجاتهم فإن الله سبحانه وتعالي، قد أخبر أنه فاضل بينهم فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ. . . .﴾ (١). الآية، وقال ﵇: "أنا سيد ولد آدم" (٢). ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا يونس، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﵇ قال: "لا تخيروا بين أنبياء الله تعالى". حدثنا فهد، قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵇ مثله.

стр. 7089

حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا إبراهيم، قال: ثنا سفيان. . . . فذكر بإسناده مثله. ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه؛ بحديث أبي سعيد الخدري. وأخرجه من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن يونس بن عبد الأعلي المصري، عن نعيم بن حماد بن معاوية المروزي الفارض الأعور، شيخ البخاري في المقرنات، وثقه العجلي ويحيى. عن عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، روى له الجماعة، البخاري مقرونًا بغيره. عن عمرو بن يحيى المازني، وثقه أبو حاتم. عن أبيه يحيى بن عمارة بن أبي حسن الأنصاري المازني، روى له الجماعة. عن أبي سعيد الخدري. وأخرجه أبو داود (١): ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا وهيب، قال: نا عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تخيروا بين الأنبياء". الثاني: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، شيخ البخاري، عن وكيع، عن سفيان الثوري. . . . إلى آخره. وأخرجه البخاري (٢). الثالث: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، شيخ البخاري، عن الثوري. . . . إلي آخره. وأخرجه مسلم بأتم منه (٣).

стр. 7090

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا الماجشون، عن عبد الله بن الفضل، قال: أخبرني الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇. . . . مثله، في حديث طويل غير أنه قال: "لا تفضلوا". فنهى رسول الله ﵇ أن يُفَضَّل بين الأنبياء ﵈. ش: إسناده صحيح، والوهبي هو أحمد بن خالد بن موسى الوهبي الكندي، شيخ البخاري في غير الصحيح، وثقه يحيى وأبو زرعة. والماجشون هو عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، روى له الجماعة. وعبد الله بن الفضل بن عباس بن ربيعة المدني، روى له الجماعة. والأعرج هو عبد الرحمن بن هرمز، روى له الجماعة. وأخرجه مسلم (١): نا زهير بن حرب، قال: ثنا حجين بن المثني، قال: نا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: "بينما يهودي يعرض سلعة له أعطي بها شيئًا كرهه لم يَرْضَهُ -شك عبد العزيز- قال: لا، والذي اصطفى موسى على البشر، قال: فسمعه رجل من الأنصار فلطم وجهه، وقال: تقول والذي اصطفى موسى على البشر ورسول الله ﵇ بين أظهرنا؟! قال: فذهب اليهودي إلى رسول الله ﵇ فقال: يا أبا القاسم إن لي ذمةً وعهدًا، وقال: فلان لطم وجهي، فقال رسول الله ﵇: لم لطمت وجهه؟ قال: قال يا رسول الله: والذي اصطفى موسى على البشر، وأنت بين أظهرنا، قال: فغضب رسول الله ﵇ حتى عُرف الغضب في وجهه ثم قال: لا تفضلوا بين أنبياء الله؛ فإنه ينفخ في الصور، فَيُصْعَق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، قال: ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول مَنْ بعث -أو في أول من بُعث- فإذا موسى ﵇ آخذ بالعرش، فلا أدري أحوسب لصعقته يوم الطور أو بُعث قبلي، ولا أقول أن أحدًا أفضل من يونس بن متى".

стр. 7091

وأخرجه البخاري (١): عن يحيى بن بكير، عن ليث، عن عبد العزيز بن أبي سلمة. . . . إلى آخره نحوه. وأخرجه أبو داود (٢) عن حجاج ومحمد بن يحيى، عن يعقوب، عن أبيه، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة والأعرج، كلاهما عن أبي هريرة نحوه. وفيه: "لا تخيروني علي موسى" موضع: "لا تفضلوا بين أنبياء الله تعالى". قوله: "فسمعه رجل من الأنصار" وقد قيل: إنه كان أبا بكر الصديق ﵁. قلت: هذا لا يصح؛ إلا أن تكون قضيتان والله أعلم. واسم اليهودي: فنحاص. ص: وروي عنه أنه قال: "لا تفضلوني علي موسى": حدثنا بذلك ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت النعمان بن راشد يحدث، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "لا تخيروني علي موسى؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا موسى ﵇ باطش بجانب العرش، فلا أدري أصَعِق فيمن كان صعق فأفاق قبلي، أو كان فيمن استثنى الله ". فنهى رسول الله ﵇ أن يفضلوه علي موسى، وقال لهم: "إني أول من يُفِيق من الصعقة، فأجد موسى قائمًا، فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي أم كان فيمن استثنى الله ؟ ". فكان ذلك عندنا على أنه جاز عنده أن يكون فيمن استثنى الله فلم تصبه الصعقة ففضل بذلك، أو صُعِقَ فأفاق قبله فكان في منزلته؟ لأنهما قد صعقا جميعًا، فكره النبي ﵇ لذلك تفضيله عليه لمَّا احتمل تَخَطيِّ الصعقة إياه.

стр. 7092

ش: أي: وروي عن النبي ﵇ أنه قال: "لا تفضلوني علي موسي"، أشار بهذا إلى أنه ﵇ قد نهى أمته عن التفضيل بين الأنبياء ﵈ مطلقًا، ونهى أيضًا عن تفضيلهم إياه علي موسي ﵇ خصوصًا، وجاء كلاهما في حديث أبي هريرة. فالأول: رواه الأعراج، عنه، عن النبي ﵇. والثاني: رواه سعيد بن المسيب، عنه، عن النبي ﵇. وكلا الإسنادين صحيح. وأخرجه مسلم (١) أيضًا: عن الدارمي، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وعن محمَّد بن حاتم، عن يزيد بن هارون، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، وعن زهير بن حرب وأبي بكر بن النضر، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة والأعرج، عن أبي هريرة قال: "استبَّ رجلان: رجل من اليهود ورجل من المسلمين، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين. قال اليهودي: والذي اصطفى موسي على العالمين. قال: فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى رسول الله، فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فقال رسول الله ﵇: لا تخيروني علي موسى؛ فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يُفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أم كان ممن استثنى الله؟ ". قوله: "فإن الناس يصعقون يوم القيامة" الصعق: أن يغشى على الإنسان من صوت شديد يسمعه، وربما مات منه، ثم استعمل في الموت كثيرًا, وليس المراد به هاهنا إلا المعنى الأول؛ وذلك لأن الناس لا يموتون يوم القيامة، وإنما يصعقون، أي يغشى عليهم من شدة الأهوال حتي يصيرون كالموتى، ثم يُفيقون، للحساب، فيكون أول من يُفيق منهم رسول الله ﵇، فيرى موسي ﵇ باطشًا بجانب العرش أي متعلقًا به بقوة.

стр. 7093

و"البطش": الأخذ القوي الشديد. ثم إنه ﵇ أخبر أنه لا يدري أكان موسى ﵇ صعق فيمن كانوا صعقوا، فأفاق قبله ﵇ أو كان فيمن استثنى الله من الملائكة ممن لا يصعقون؛ وذلك لأجل مجازاته بصعقة الطور كما جاء في رواية أبي سعيد الخدري. أخرجها البخاري (١) ومسلم (٢): "لا تخيروني من بين الأنبياء؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يُفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أو جزي بصعقة الطور؟ ". فإذا كان الأمر كذلك يكون تفضيله ﵇ إياه لهذا المعنى الخاص، ولا يلزم من تفضيل أحد علي أحد في صفة خاصة أن يكون أفضل منه في جميع الصفات، ويقال: وجه نهيه ﵇ عن تفضيلهم إياه علي موسى ﵇ كان لما ذكر من النزاع الكائن بين الأنصاري وبين اليهودي اللذين تنازعا عنده في الفضل عليهم والإخلال، بالواجب في حقه، في هذه القضية حين تنازع إليه الأنصاري واليهودي: "لا تفضلوا بين أنبياء الله؛ فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من أبعث، فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقة يوم الطور أم بعث قبلي؟ ولا أقول أن أحدًا أفضل من يونس بن متى". وهاهنا قد نهاهم أن يفضلوا بين الأنبياء كلهم لما ذكرنا من المعني، ثم خصص موسى بالذكر قطعًا لمادة النزاع وتطييبًا لقب اليهودي، ثم عمم نفي تفضيل الأنبياء كلهم علي يونس بن متى ﵇، ولكن هذا له تأويلان: أحدهما: أن يكون أراد من سواه من الأنبياء دون نفسه. والثاني: أن يكون ذلك مطلقًا فيه وفي غيره من الأنبياء ﵈ فيكون هذا

стр. 7094

القول علي سبيل الهضم من نفسه وإظهار التواضع لربه حتى قال في رواية أخرى: "لا ينبغي لي أن أقول: أنا خير منه"؛ لأن الفضيلة التي بيننا كرامة من الله سبحانه وخصوصية منه لم أنلها من قبل نفسي، ولا بلغتها بحولي وقوتي؛ فليس لي أن أفتخر بها، وإنما يجب علينا من شأنه و [ما] (١) كان من قلة صبره علي أذى قومه فخرج مغاضبًا ولم يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل، وبهذا حصل التوفيق أيضًا بين قوله ﵇: "أنا سيد ولد آدم"، قوله: "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى". والجواب القاطع الفاصل في هذا الباب: أن الأنبياء كلهم سواء في حق النبوة والرسالة، ولا نفضل بعضهم علي بعض في هذا المعنى، وإنما التفاضل في زيادات الأحوال والكرامات، ونفي النبي ﵇ تفضيل نفسه علي موسي أو علي غيره، وتفضيل الأنبياء علي يونس ونحو ذلك كله يرجع إلى تفضيل في حق النبوة، وقد يقال: إن هذا كله يحتمل أن يكون قبل أن يوحى إليه بأنه خير الأنبياء وأفضلهم. والله أعلم. ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ أيضًا أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى". حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى". حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، قال: سمعت حميد بن عبد الرحمن يحدث عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "قال الله : ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى".

стр. 7095

حدثنا سليمان، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة يحدث، عن علي ﵁ كأنه عن الله -فذكر مثله، وزاد: "قد سبح الله في الظلمات". فنهى رسول الله ﵇ في هذه الآثار عن التخيير بينه وبين أحد من الأنبياء بعينه، وأخبر بفضيلة لكل من ذكره منهم لم تكن لغيره. ش: هذا أيضًا من جملة الحجج التي يحتج بها في النهي عن التخيير بين الأنبياء ﵈، وعن التخيير بين نبينا محمَّد ﵇ وبين أحد منهم بعينه، وأخرج في ذلك عن ثلاثة من الصحابة: الأول: عن ابن عباس ﵄ أخرج عنه بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن وهب بن جرير بن حازم، عن شعبة بن الحجاج، عن قتادة عن أبي العالية رُفَيع بن مهران الرياحي البصري. وأخرجه أبو داود (١): ثنا حفص بن عمر، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى". وأخرجه مسلم (٢): عن محمد بن مثنى وابن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أبا العالية يقول: حدثني ابن عم نبيكم -يعني ابن عباس- عن النبي ﵇ قال: "ما ينبغي لعبد يقول: أنا خير من يونس بن متى. ونسبه إلى أبيه". وكذا أخرجه البخاري (٣).

стр. 7096

ورواية البخاري ومسلم ترد على من يقول: إن متى اسم أم يونس، وأنه لم يشتهر من الأنبياء باسم أمه إلا يونس وعيسى ﵉. ومَتَّي: بفتح الميم وتشديد التاء المثناة من فوق. الثاني: عن أبي هريرة بإسناد صحيح، عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة. وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا محمَّد بن المثني، قال: ثنا محمَّد بن جعفر، نا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى". الثالث: عن علي بن أبي طالب ﵁ بإسناد صحيح -عن سليمان بن شعيب، عن عبد الرحمن بن زياد، عن شعبة، عن عمرو بن مرة الجملي الكوفي الفقيه الأعمى، عن عبد الله بن سَلِمة -بكسر اللام- المرادي الكوفي، عن علي ﵁. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا غندر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سَلِمَة، عن علي قال: "قال -يعني الله : ليس لعبدٍ لي أن يقول: أنا خير من يونس بن متَّى؛ سبَّح الله في الظلمات". وروي في هذا الباب عن عبد الله بن مسعود أيضًا: أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا الفضل، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن مَتَّى".

стр. 7097

وروي عن عبد الله بن جعفر أيضًا: أخرجه أبو داود (١): ثنا عبد العزيز بن يحيى، قال: حدثني محمَّد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن إسماعيل بن حكيم، عن القاسم بن محمَّد، عن عبد الله بن جعفر قال: "كان رسول الله ﵇ يقول: ما ينبغي لنبي أن يقول: إني خير من يونس بن متَّى ﵇". ص: فإن قال قائل: أفتجعل هذا مضادًّا لحديث المختار بن فلفل؟ قلت: ليس هو عندي بمضادٍّ له؛ لأن حديث المختار إنما هو عن أنس ﵁: "أن إبراهيم خير البرية" فلم يقصد في ذلك إلي أحد دون أحد، وفي الآثار الأُخر تفضيل نبى علي نبي، ففي تفضيل أحدهم بعينه على الآخر بعينه منهم إزراء على المفضول، وليس في تفضيل رجل على الناس إزراء علي أحد منهم، هذا يحتمل أن يكون هو [المعنى] (٢) حتى لا تتضاد هذه الآثار , وقد يحتمل أن يكون الله أطلع رسوله علي أن إبراهيم ﵇ خير البرية، ولم يطلعه علي تفضيل بعض الأنبياء غيره علي بعض، فوقف فيما لم يطلعه الله عليه، وأمر بالوقف عنده، وأطلق الكلام فيما أطلعه الله عليه. ش: تقرير السؤال أن يقال: بين حديث أنس الذي رواه عنه المختار بن فلفل وبين الأحاديث التي وردت في حق يونس ﵇ تعارض ظاهر أو تضاد؛ لأن حديث أنس أخبر أن إبراهيم ﵇ هو خير البرية، وهذه الأحاديث منعت أن يقال: إن أحدًا خير من يونس. والجواب ظاهر، والسؤال المذكور يَرِدُ أيضًا في قوله ﵇: "أنا سيد ولد آدم" فإنه يعارض الأحاديث التي وردت في يونس ﵇. والجواب عنه ما ذكرناه فيما مضى. والله أعلم.

стр. 7098

ص: باب: إخصاء البهائم ش: أي هذا باب في بيان إخصاء البهائم، يقال: خصيت الفحل خِصَاءً -ممدود إذا سللت خصييه أي قلعتها , ولم يذكر الجوهري أخصيته، وكلاهما يستعمل: خصيت وأخصيت، والأول أصح. ص: حدثنا أبو خالد يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو بكر الحنفي، قال: ثنا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر: "أن رسول الله ﵇ نهى أن نُخْصِي الإبل والبقر والغنم والخيل، وكان عبد الله بن عمر يقول: منها نشأت الخلق فلا تصلح الإناث إلا بالذكور". حدثنا يزيد، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا عيسى بن يونس، عن عبد الله بن نافع. . . . فذكر بإسناده مثله. ش: أي روي بإسنادين: الأول: عن يزيد بن سنان، عن أبي بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد البصري، أحد الأئمة الحنفية، روى له الجماعة، عن عبد الله بن نافع القرشي العدوي المدني، فيه مقال؛ فعن يحيى: ضعيف. وعن النسائي: متروك الحديث. روى له ابن ماجه. عن أبيه نافع مولى ابن عمر. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: نا عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر قال: "نهي رسول الله ﵇ عن خصاء الخيل والبهائم. وقال ابن عمر: فيه نماء الخلق". الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز، عن عبد الله بن يوسف التنيسي، شيخ البخاري، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر.

стр. 7099

وأخرجه البيهقي في "سننه" (١) من حديث جبارة بن المغلس، عن عيسى بن يونس، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "نهى رسول الله ﵇ عن إخصاء الإبل والبقر والغنم والخيل. وقال: إنما النماء في الحبَل". تابعه يحيى بن اليمان، عن عبيد الله مرفوعًا، ورواه غير جبارة عن عيسي، فقال: عن عبيد الله بن عمر، ورواه جبارة أيضًا عن عيسى فقال: عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر: "نهى النبي ﵇". وعبد الله بن نافع ضعيف يليق به رفع الموقوف. قلت: رفع هذا الحديث غير صحيح، والصحيح أنه موقوف. والله أعلم. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: لا يحل إخصاء شيء من الفحول، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وبقول الله : ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٢)، قالوا: وهو الإخصاء. ش: أراد بالقوم هؤلاء: عكرمة وعطاء بن أبي رباح وطاوس بن كيسان ومجاهدًا والحسن البصري، فإنهم قالوا: لا يحل إخصاء شيء من الفحول، واستدلوا علي ذلك بالحديث المذكور، وبقوله تعالى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، قالوا: المراد به الإخصاء. قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس قال: سمعنا أنسًا يقول: " ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قال: الخصاء". وروي كراهة الخصاء أيضًا عن ابن عمر وأبيه عمر بن الخطاب وابن عباس وعمر بن عبد العزيز ﵃.

стр. 7100

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ما خيف عضاضه من البهائم، أو ما أريد شحمه منها فلا بأس بإخصائه. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: محمَّد بن سيرين وأيوب السختياني، وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح -في الأصح عنه- والثوري والنخعي وأبا حنيفة، ومالكًا والشافعي وأحمد وأصحابهم إلا ما روي عن مالك من كراهة الخصاء في الخيل فقط. قوله: "عضاضه". العضاض -بكسر العين- مصدر كالمعاضضة يقال: عضه وعَضَّ به وعضَّ عليه، وهما يتَعَاضَّان إذا عض كل واحد منهما صاحبه، وكذلك المعاضة والعضاض. ص: وقالوا: هذا الحديث الذي احتج به علينا مخالفنا إنما هو عن ابن عمر موقوف وليس عن النبي ﵇. فذكروا ما حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: أنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر مثله. ولم يذكر عن النبي ﵇. فأما ما ذكروا من قول الله : ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (١) فقد قيل: تأويله ما ذهبوا إليه، وقيل: إنه دين الله ، وقد رأينا رسول الله ﵇ ضحى بكبشين موجوءَين وهما المرضوض خصاهما، والمفعول به ذلك فقد انقطع أن يكون له نسل، فلو كان إخصاؤهما مكروهًا لما ضحى بهما رسول الله ﵇ لينتهي الناس عن ذلك فلا يفعلوه؛ لأنهم متى علموا أن ما أخصي يجتنب ويتجافى؛ أحجموا عن ذلك فلم يفعلوه، ألا ترى أن عمر بن عبد العزيز ﵁ فيما روينا عنه في باب: ركوب البغال: "أنه أتي بعبد خصي ليشتريه فقال: ما كنت لأعين على الإخصاء" فجعل ابتياعه إياه عونًا علي إخصائه؛ لأنه لولا من يبتاعه لأنه خصي لم يَخْصِهِ من أخصاه، فكذلك إخصاء الغنم لو كان مكروهًا لما ضحى رسول الله ﵇ بما قد أخصي منها،

стр. 7101

ولا يشبه إخصاء البهائم إخصاء بني آدم؛ لأن إخصاء البهائم إنما يراد به ما ذكرنا من سمانتها وقطع عَضِّها؛ فذلك مباح، وبنو آدم فإنما يراد بإخصائهم المعاصي فذلك غير مباح، ولو كان ما روينا في أول هذا الباب صحيحًا لاحتمل أن يكون أريد به الإخصاء الذي لا يبقى معه شيء من ذكور البهائم حتى يخصي، فذلك مكروه؛ لأن فيه انقطاع النسل، ألا تراه يقول في ذلك الحديث: "منها نشأت الخلق" أي فإذا فعل لم ينشأ شيء من ذلك الخلق، فذلك مكروه، فأما ما كان من الإخصاء الذي لا ينقطع معه نشؤ الخلق؛ فهو بخلاف ذلك. ش: أي قال الآخرون، وهذا جواب عن الحديث الذي احتج به أهل المقالة الأولى , بيانه: أن الحديث الذي احتجوا به أصله موقوف على ابن عمر ولا يصح رفعه عن النبي ﵇، أخرج ذلك الطحاوي عن محمَّد بن خزيمة، عن يحيى بن عبد الله بن بكير، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر. ولم يذكر عن النبي ﵇، فإذا كان كذلك فلا تقوم به الحجة، ولئن سلَّمنا صحة رفعه فهو ضعيف الإسناد؛ فلا يصح الاحتجاج به. قوله: "فأما ما ذكروا من قول الله . . . ." إلى آخره. جواب عن احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (١)، بيان ذلك أنهم اختلفوا في تأويله؛ فقد قال بعضهم: تأويله ما ذكره أهل المقالة الأولي، وقال الآخرون: المراد به دين الله تعالي، روي ذلك البيهقي في "سننه" (٢) من حديث ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: "يعني الفطرة الدين". وروى أيضًا (٣) من حديث المغيرة عن إبراهيم قال: يعني دين الله. وروي أيضًا نحو ذلك عن الحسن وسعيد بن جبير وقتادة.

стр. 7102

قوله: "وقد رأينا رسول الله ﵇. . . ." إلي آخره. ذكره شاهدًا لما ذهب إليه أهل المقالة الثانية؛ وتصديقًا لما ادعوه، وهو ظاهر. قوله: "ولا يشبه إخصاء البهائم. . . ." إلي آخره جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: يكره إخصاء البهائم كما يكره إخصاء بني آدم بالإجماع، والعلة قطع النسل وتعذيب الحيوان بلا فائدة، فأجاب عنه بقوله: "ولا يشبه. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر. قوله: "ولو كان ما روينا في أول هذا الباب. . . ." إلي آخره. جواب آخر عن حديث ابن عمر المذكور في صدر الكتاب بطريق التسليم، وتقريره أن يقال: وإن سلمنا أن هذا الحديث مرفوع وأنه صحيح الإسناد، ولكنه محمول علي معنى غير ما فهمه الخصم وهو قوله: "لاحتمل أن يكون أريد به. . ." إلى آخره، وهو ظاهر. ص: وقد روي في إباحة إخصاء البهائم عن جماعة من المتقدمين: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن عروة "أنه خصى بغلًا له". حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا عبيد الله بن عمر، قال: ثنا سفيان، عن هشام ابن عروة، عن أبيه مثله. حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا عبيد الله، قال: ثنا سفيان، عن ابن طاوس: "أن أباه أخصى جملًا له". حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا عبيد الله القواريري، قال: ثنا سفيان، عن مالك بن مغول، عن عطاء، قال: "لا بأس بإخصاء العجل إذا خشي عِضَاضُه". ش: أسانيد هذه الآثار صحاح. وأبو نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري. وابن أبي عمران هو أحمد بن موسى الفقيه البغدادي.

стр. 7103

وعبيد الله بن عمر بن القواريري البصري، نزيل بغداد، وشيخ البخاري ومسلم وأبو داود، وابن طاوس هو عبد الله بن طاوس بن كيسان اليماني، وسفيان هو الثوري، ومالك بن مغول البجلي الكوفي، وعطاء هو ابن أبي رباح المكي. وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، قال: أنا هشام: "أن أباه خصى بغلًا له". ثنا وكيع (٢) قال: ثنا مالك بن مغول قال: "سألت عطاء عن خصاء الخيل، قال: ما خيف عِضَاضَه وسوء خلقه فلا بأس به". ثنا وكيع (٣) قال: ثنا سفيان، عن عبد الملك بن أبي بشير المدائني، عن الحسن قال: "لا بأس بخصاء الدواب". ثنا أبو بكر (٤)، ثنا بعض البصرين، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: "لا بأس بخصاء الجمل؛ لو تركت الفحول لأكل بعضها بعضًا". والله أعلم بالصواب.

стр. 7104

ص: باب: كتابة العلم هل تصلح أم لا ؟ ش: أي هذا باب في بيان حكم كتابة العلم هل تصلح أم لا؟ ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁: "أنه استأذن النبي ﵇ في كتابة العلم، فلم يأذن له". ش: إبراهيم بن بشار الرمادي، قال البخاري: صدوق. وقال النسائي: ليس بالقوي. وعبد الرحمن بن زيد المدني، فيه مقال؛ فعن أحمد: ضعيف. وعن النسائي مثله. وقال أبو حاتم: في نفسه صالح، وفي الحديث واهٍ. وأبوه زيد بن أسلم القرشي المدني، روى له الجماعة. وعطاء بن يسار الهلالي مولى ميمونة زوج النبي ﵇، روى له الجماعة. وأخرجه مسلم (١) بغير هذا اللفظ: ثنا هدبة بن خالد، قال: ثنا همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، ثنا عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﵇ قال: "لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآن، ومَن كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحه، وقال: حدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَ -قال همام: أحسبه قال: متعمدًا- فليتبوأ مقعده من النار، قال: وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج". ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلي كراهة كتابة العلم، ونهوا عن ذلك، واحتجوا فيه بما ذكرنا. ش: أراد بالقوم هؤلاء: إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين والقاسم وعَبِيدة والأوزاعي والزهري؛ فإنهم كانوا يكرهون كتابة العلم وينهون عن ذلك، واحتجوا في ذلك بحديث أبي سعيد الخدري المذكور، وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن عباس- ﵃.

стр. 7105

ص: وخالفهم في ذلك آخرون فلم يروا بكتابه العلم بأسًا. ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن المسيب والضحاك وسعيد بن جبير وعامرًا الشعبي وصالح بن كيسان وآخرين كثيرين، فإنهم لم يروا بذلك بأسًا، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وأبي هريرة والبراء بن عازب ﵃. ص: وعارضوا ما احتج به عليهم مخالفوهم من الأمر الذي ذكرنا بما قد روي عن رسول الله ﵇: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا شريك، عن المخارق، عن طارق قال: "خَطَبَنَا علي ﵁ فقال: ما عندنا من كتاب نقرأه عليكم إلا كتاب الله وهذه الصحيفة -يعني صحيفة في دواته، أو قال: في غلاف سيف عليه- أخذتها من رسول الله ﵇ فيها فرائض الصدقة". حدثنا أبو أمية، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي ﵁ قال: "ليس عندنا عن النبي ﵇ من كتابٍ إلا كتاب الله ، وشيء في هذه الصحيفة: المدينة حرام ما بين عَير إلي ثَوْر". ش: أي عارض الآخرون ما احتج به عليهم القوم المذكورون الذين خالفوهم من الحديث المذكور بما قد روي عن النبي ﵇، وهو حديث علي بن أبي طالب. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي -شيخ البخاري- عن شريك بن عبد الله النخعي، عن المخارق بن خليفة بن جابر -ويقال: مخارق بن عبد الله بن جابر، ويقال: مخارق بن عبد الرحمن الكوفي- وثقه يحيى وأحمد، وروى له البخاري والترمذي والنسائي وأبو داود في القدر. عن طارق بن شهاب الأحمسي الصحابي.

стр. 7106

وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا إبراهيم بن سعد، قال: ثنا أبو نعيم، عن شريك، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: "رأيت عليًّا ﵁ وهو يقول على المنبر: ما عندنا كتاب نقرأه عليكم إلا كتاب الله ، وهذه الصحيفة -صحيفة معلقة في سيفه- وذكر أن فيها فرائض الصدقة التي أخذها في حياة رسول الله ﵇ , ولا نعلم روى طارق بن شهاب عن علي إلا هذا الحديث، وطارق رجل قد رأى النبي ﵇. وأخرج البخاري (٢): عن محمَّد بن سلام، عن وكيع، عن سفيان، عن مطرف بن طريف، عن الشعبي، عن أبي جحيفة، عن علي: "هل عندكم عن رسول الله ﵇ شيء سوى القرآن؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله عبدًا علمًا في كتابه، وما في هذه الصحيفة؟ قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: فكاك الأسير، والعقل، وأن لا يُقْتَل مسلم بكافر". وأخرجه الترمذي (٣): عن أحمد بن منيع، عن هشيم، عن مطرف، عن الشعبي، أنا أبو جحيفة قال: "قلت لعلي: هل عندكم سوداء في بيضاء ليس في كتاب الله. . . ." الحديث. والنسائي (٤): عن محمَّد بن منصور، عن سفيان، عن مطرف، عن الشعبي، عن أبي جحيفة، بمعناه. وابن ماجه (٥): عن علقمة بن عمرو الدارمي، عن أبي بكر بن عياش عن مطرف، عن الشعبي نحوه. الثاني: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم الطرسوسي .. إلى آخره.

стр. 7107

وقد أخرجه الطحاوي بعينه في باب: صيد المدينة، عن فهد، عن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: "خطبنا علي ﵁ علي منبر من آجر، وعليه سقف فيه صحيفة معلقة به، فقال: والله، ما عندنا من كتاب نقرأه إلا كتاب الله، وما في هذه الصحيفة، ثم نشرها فإذا فيها: المدينة حرام من عَيْر إلى ثَوْر". وقد ذكرنا هناك أن هذا الحديث أخرجه الجماعة غير النسائي واستقصينا الكلام فيه هناك. وإبراهيم التيمي هو ابن يزيد التيمي، وأبوه يزيد بن شريك التيمي. ص: وفي الحديث غير هذا: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا أبي إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن المغيرة بن حكيم ومجاهد، أنهما سمعا أبا هريرة يقول: "ما كان أحد أحفظ الحديث رسول الله ﵇ مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإني كنت أعي بقلبي وكان يعي بقلبه ويكتب بيده، استأذن النبي ﵇ في ذلك فأذن له". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن سليمان، عن عُقَيل بن خالد، عن عمرو بن شعيب، أن شعيبًا حدثه ومجاهدًا، عن عبد الله بن عمرو قال: "قلت: يا رسول الله، أكتب ما سمعت منك؟ قال: نعم، قلت: عند الغضب والرضا؟ قال: نعم، إنه لا ينبغي لي إلا أن أقول حقًا". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يعني عبد الرحمن بن سليمان، عن عُقَيل بن خالد، عن المغيرة بن حكيم، أنه سمع من أبي هريرة. . . . فذكر نحوًا من ذلك. حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا ابن أبي مريم قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك أشياء أخاف [أن] (١) أنساها، أفتأذن لي أن أكتبها؟ قال: نعم".

стр. 7108

وفي هذه الآثار الإباحة لكتابة العلم، وخلاف حديث أبي سعيد الذي ذكرناه في أول هذا الباب. ش: أي وجاء في حديث النبي ﵇ غير ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري، وهو ما يدل على إباحة كتابة العلم. وأخرج في ذلك عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص. أما عن أبي هريرة فأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الكندي الوهبي، عن محمَّد بن إسحاق، عن المغيرة بن حكيم الصعاني الأبناوي، وثقه يحيى والعجلي والنسائي، وروى له مسلم، واستشهد به البخاري. وأخرجه البيهقي في كتاب "المدخل" (١): أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر القاضي وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالوا: ثنا أبو العباس -هو الأصم- ثنا أبو زرعة الدمشقي، ثنا أحمد بن خالد، نا محمَّد بن إسحاق (ح). وثنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو عمرو السماك، نا حنبل بن إسحاق، نا أحمد بن عبد الملك الحراني سأله أبو عبد الله عنه فحدثه به، قال: نا محمَّد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن مجاهد والمغيرة بن حكيم، قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: "ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله ﵇ مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتبه بيده ويعيه بقلبه وكنت أعي ولا أكتب، واستأذن رسول الله ﵇ في الكتاب عنه، فأذن له". قوله: "أعي بقلبي" أي أحفظ، من وَعَى يَعِي وَعْيًا أي حفظ يحفظ، وأصل أعي: أوْعى، حذفت "الواو" تبعًا لحذفها من يعي؛ لأنها حذفت فيه لوقوعها بين الكسرة والياء. فافهم. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن

стр. 7109

سَلمان -بفتح السين وسكون اللام- الرعيني الحجري المصري، وثقه ابن يونس، وروى له مسلم والنسائي. عن عُقَيل- بضم العين- بن خالد الأيلي، عن المغيرة بن حكيم، عن أبي هريرة. وأخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده". وأما عن عبد الله بن عمرو فأخرجه أيضًا من طريقين: الأول: بإسناد صحيح. عن يونس بن عبد الأعلى. . . . إلى آخره. وأخرجه البيهقي في "المدخل" (١): أنا أبو عبد الله بن البياع الحافظ، نا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، أنا محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنا ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن سَلْمان، عن عُقَيل بن خالد. . . . إلى آخره نحوه. الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج، عن سعيد بن الحكم -المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري- عن يحيى بن أيوب الغافقي، عن عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخرساني أبي مسعود المقدسي، ضعفه مسلم. وقال: عمرو بن علي: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. روى له ابن ماجه، وهو يروي عن أبيه عطاء الخراساني، روى له الجماعة إلا البخاري. وقوله: "ففي هذه الآثار" أراد بها أحاديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو. ص: وهذا أولى بالنظر؛ لأن الله قال في الدَّيْن: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ (٢)، فلما أمر الله بكتابة الدين خوف الرَّيْب؛ كان العلم الدي حفظه أصعب من حفظ الدَّيْن أحرى أن تباح كتابته (فيه وأشد) (٣)، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.

стр. 7110

ش: أي هذا الذي ذهب إليه أهل المقالة الثانية أولى بالنظر والقياس، ووجه ذلك ظاهر. قوله: "وهذا قول أبي حينفة" أي ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية هو قول أبي حنيفة وأصحابه، وهو أيضًا قول مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم. ص: وقد روي في ذلك أيضًا من بعد رسول الله ﷺ ما يوافق هذا: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا حفص بن عمر العدني، ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أنَّ ناسًا من أهل الطائف أتوه بصحف من صحفه [ليقرأها] (١) عليهم، فلما أخذها لم ينطلق قال: إني لما ذهب بصري بُلهْتُ فاقرءوها عليَّ ولا يكن في أنفسكم من ذلك حرج، فإن قراءتكم عليَّ كقراءتي عليكم". حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أنا سليمان التيمي، عن طاوس قال: "كان سعيد بن جبير يكتب عند ابن عباس، فقيل له: إنهم يكتبون، فقال: يكتبون، وكان أحسن شيء خلقًا". حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الربيع الزهراني، قال: ثنا يعقوب القُمِّي قال: ثنا عبد الله بن محمَّد بن عقيل قال: "كنا نأتي جابر بن عبد الله فنسأله عن [سنن] (٢) رسول الله ﵇ فنكتبها". حدثنا حسين، قال: ثنا نعيم، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أنا سليمان التيمي عن ثابت، عن أنس، قال: ثنا محمود [بن] (٢) الربيع عن عتبان بن مالك قال أنس: "فلقيت عتبان فحدثني به فأعجبني، فقلت لابني: اكتبه، فكتبه". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد (ح). وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال ثنا سفيان، عن عمرو، عن وهب بن منبه، عن أخيه، سمع أبا هريرة يقول: "ليس أحد من
следующие страницы →