ش: أي: خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم طائفة من أهل الحديث منهم حميد وغيره، فإنهم قالوا: المُحْدِث إذا سُلِّم عليه ينبغي له أن يتيمم ويرد السلام وإن كان في المصر. وفيما سوى السلام ينبغي له ألَّا يذكر الله إلاَّ على حالة يجوز له أن يصلي عليها، كما هو مذهب أهل المقالة الأولى.
ص: وكان مما احتجوا به في ذلك ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: نا محمَّد بن ثابت العبدي.
وحدثنا حسين بن نصر، وسليمان بن شعيب، قالا: نا يحيى بن حسان، قال: نا محمَّد بن ثابت، قال: نا نافع، قال: "انطلقت مع ابن عمر ﵁ إلى ابن عباس ﵄ في حاجة لابن عمر، فقضى حاجته، فكان من حديثه يومئذ أنه قال: مرَّ رجل على رسول الله ﵇ في سكة من السكك وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه، فلم يَرُدَّ ﵇، حتى كاد الرجل أن يتوارى في السكة، فضرب بيديه على الحائط فتيمم لوجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فتيمم لذراعيه، قال: ثم رَدَّ ﵇، وقال: أما إنه لم يمنعني أن أَرُدَّ عليك السلام إلاَّ أني كنت لست بطاهر".
ش: أي كان من الذي احتج به هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه: بحديث ابن عباس الذي يأتي الآن، وأخرجه من طريقين:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن ثابت العبدي، عن نافع.
والثاني: عن حسين بن نصر بن انمعارك وسليمان بن شعيب، كلاهما عن يحيى بن حسان التنيسي، عن محمَّد بن ثابت، عن نافع. وهؤلاء كلهم ثقات.
فإن قيل: ابن حزم ضعف هذا الحديث، وقال: محمَّد بن ثابت العبدي ضعيف لا يحتج بحديثه.
стр. 702
قلت: لا يلتفت إلى ما قاله؛ لأن النسائي وابن حبان وغيرهما وثقوه (١)، وروى له أبو داود والنسائي، وإنما ضعفه ابن حزم؛ لأن الحديث حجة عليه؛ لأنه لا يرى إلَّا أن التيمم ضربة واحدة إلى الكوعين.
والحديث أخرجه الدارقطني في "سننه" (٢): وقال: نا عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز إملاء، نا أبو الربيع الزهراني، نا محمَّد بن ثابت العبدي، نا نافع، قال: "انطلقت مع ابن عمر ... " إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "في سكة" بكسر السين، وهي الزقاق، وجمعها سكك، والسكة: الطريقة المصطفة من النخل، والسكة: الحديدة التي يحرث بها، وسكة الدراهم: هي المنقوشة.
قوله: "وقد خرج من غائط" جملة فعلية وقعت حالا والغائط اسم للمكان المطمئن من الأرض الواسع، ثم يكنى به عن الحدث.
والجمع: غوط، وأغواط، وغيطان.
قوله: "أن يتوارى" أي: أن يغيب.
قوله: "أمَا إنَّه" بفتح الهمزة والتخفيف، وهي حرف استفتاح بمنزلة: "ألا" هنا، وتكون بمعنى "حقًّا" وقيل: اسم بمعنرل "حقًّا" والضمير في "إنه" للشأن.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: أن مَنْ سُلِّم عليه وهو مُحْدِثْ ينبغي له ألَّا يرد السلام إلاَّ بعد التيمم وإن كان في المصر، على ما ذهب إليه هؤلاء الطائفة، والجواب عنه للجمهور أنه كان من
стр. 703
النبي ﵇ للفضيلة والاستحباب، وذلك لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى كما جاء في حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﵇: "إن السلام اسم من أسماء الله تعالى فأفشوه بينكم" (١). ولم يرَ ﵇ أن يذكر الله في تلك الحالة وهذا هو اللائق بحاله وفعله ﵇.
والثاني: أن فيه تعليما للأمة ألَّا يسلموا على الرجل وهو يبول أو يتغوط كما ورد في حديث آخر عن ابن عمر أنه قال: "مرَّ رجل على النبي ﵇ وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه (٢) ".
الثالث: يفهم منه أنه رد السلام واجب، وأنه لا يسقط بالتأخير، ولا يأثم به الرجل إذا كان عن عذر.
الرابع: فيه استحباب استعطاف خاطر الرجل إذا توهم منه أنه قد قصر في حقه؛ تطبيبا لخاطره وإبداء عذره إياه.
الخامس: فيه بيان أن التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين.
السادس: فيه بيان أن التيمم يجوز بالحجر والمدر وما كان من أجزاء الأرض.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: نا محمَّد بن بشار، قال: ناأبو أحمد الزبيري، قال: نا سفيان، عن الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رجلًا سلم على النبي ﵇ وهو يبول فلم يَردُ عليه حتى أتى حائطا فتيمم".
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم.
وأخرجه مسلم (٣): عن محمَّد بن عبد الله بن نمير، قال: نا أبي، نا سفيان، عن الضحاك بن عثمان ... إلى آخره نحوه، وليس فيه: "حتى أتى حائطا فتيمم".
стр. 704
وأبو داود (١): عن عثمان وأبي بكر ابني أبي شيبة، كلاهما عن عمر بن سعد، عن سفيان ... إلى آخره نحوه.
والترمذي (٢): عن نصر بن علي ومحمد بن بشار، كلاهما عن أبي أحمد، عن سفيان ... إلى آخره.
والنسائي (٣): عن محمود بن غيلان، عن زيد بن الحباب وقبيصة، كلاهما عن سفيان ... إلى آخره.
وابن ماجه (٤): عن عبد الله بن سعيد والحسن بن أبي السري العسقلاني، كلاهما عن أبي داود، عن سفيان ... إلى آخره.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: نا شعيب بن الليث، قال: نا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عمير مولى ابن عباس، أنه سمعه يقول: "أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النبي ﵇ حتى دخلنا على أبي الجُهيمْ بن الحارث بن الصمَّة الأنصاري، فقال أبو الجهيم: أقبل رسول الله ﵇ من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسَّلم عليه، فلم يرد رسول الله ﵇ عليه حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه وبيديه، ثم رد ﵇".
ش: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح ما خلا ربيعا، وعمير هو مولى عبيد الله بن عباس بتصغير العبد، وكذا صُرِّح به في رواية الدارقطني على ما يجيء، ويقال له: مولى أم الفضل.
وأخرجه البخاري (٥): عن يحيى بن بكبير، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة ... إلى آخره نحوه سواء.
стр. 705
وأخرجه مسلم (١) مقطوعا وقال: وروى الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عمير مولى ابن عباس، أنه سمعه يقول: "أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة زوجة النبي ﵇ ... " إلى آخره نحوه.
قلت: ذكروا أن فيه ثلاثة أنظار:
الأول: قوله: "عبد الرحمن بن يسار" وهم، والصواب: "عبد الله بن يسار" كما في رواية البخاري والطحاوي.
الثاني: قوله: "أبو الجهم" مكبرا، غير جيد، إنما هو مصغر.
الثالث: ذكره مسلم منقطعا وهو موصول على شرطه.
كما أخرجه البخاري موصولا كما ذكرناه.
وكذا أخرجه أبو داود (٢): عن عبد الملك بن شعيب بن الليث قال: حدثني أبي، عن جدي، عن جعفر ... إلى آخره.
وأخرجه النسائي (٣): عن الربيع بن سليمان مثل الطحاوي.
ولكن قال القاضي عياض في شرح مسلم: روايتنا فيه عبد الله بن يسار، وكذا قاله النسائي وأبو داود وغيرهما من الحفاظ، وقالوا أيضًا: إن أبا الجهم بن الحارث يقال له: أبو جهيم أيضًا، وفيه وجهان، ولذلك ذكره مسلم مُكبَّرا ها هنا، وذكره في حديث المرور بين يدي المصلي مصغرا (٤)، وسماه أبو نعيم وابن منده: عبد الله بن جُهيم وجعلاهما واحدا، ورجح ابن الأثير كونهما اثنين، وقاله أيضًا أبو علي الجياني وغيره، وهو ابن أخت أبي بن كعب ﵁.
стр. 706
قوله: "بئر جَمل" بجيم مفتوحة، وعند النسائي بئر الجمل، وهو موضع بغرب المدينة فيه مال من أموالها، ذكره أبو عُبيد.
ويستفاد منه ما ذكرنا من الأحكام في الحديث الماضي، ويستفاد أيضًا:
جواز التيمم بالجدار سواء كان عليه غبار أو لم يكن؛ لإطلاق الحديث، وهو حجة لأبي حنيفة على مخالفيه.
وفيه دليل أيضًا على جواز التيمم للنوافل، والفضائل كسجدة التلاوة، والشكر، ومس المصحف، ونحوها كما يجوز للفرض، وهذا بالإجماع إلاَّ وجه شاذ منكر للشافعية أنه لا يجوز إلاَّ للفرض، وقد رأى الأوزاعي أن الجنب إذا خاف إن اشتغل بالغسل طلعت الشمس يتيمم ويصلي قبل فوت الوقت.
قال الخطابي: وبه قال مالك في بعض الروايات، وعند أصحابنا إذا [خاف] (١) فوت الصلاة على الجنازة والعيدين يتمم.
وحكى البغوي في "التهذيب": إذا خاف فوت الفريضة لضيق الوقت صلاها بالتيمم، ثم توضأ وقضاها.
وقال النووي في "شرح مسلم": هذا الحديث محمول على أنه كان ﵇ عادما للماء حال التيمم، فإن التيمم مع وجود الماء لا يجوز للقادر على استعماله، ولا فرق بين أن يضيق الوقت، وبين أن يتسع، ولا فرق بين صلاة الجنازة والعيدين وغيرهما.
قلت: الحديث مطلق يستفاد منه: جواز التيمم لرد السلام ونحوه، وفي معناه صلاة الجنازة والعيد إذا خاف فوتهما سواء وجد الماء أو لا، ولا ضرورة إلى حمله على أنه كان عادما للماء؛ لأنه تخصيص بلا مخصص.
فإن قيل: كيف يتيمم ﵇ بالجدار بغير إذن مالكه؟
стр. 707
قلت: هو محمول على أنه كان مباحا أو مملوكا لإنسان يعرفه فتأول ﵇، وتيمم به لعلمه بأنه لا يكره ذلك بل كان يفرح به، ومثل: هذا يجوز لآحاد الناس، فالنبي ﵇ أولى وأجدر.
ص: حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: ثنا عمرو بن محمَّد الناقد، قال: نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، نا أبي، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عمير مولى ابن عباس ... فذكر مثله.
ش: هذا طريق آخر صحيح أيضًا، وابن إسحاق هو محمَّد بن إسحاق المدني.
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١)، نا إسماعيل الصفار، ثنا عباس الدوري، ثنا عمرو الناقد، نا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن محمَّد بن إسحاق، حدثني عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عمير مولى عبيد الله بن عباس- قال: وكان عمير مولى عبيد الله ثقة- بلغني عن أبي جُهَيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، قال: "خرج رسول الله ﵇ ليقضي حاجته نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلّم عليه، فلم يرد عليه رسول الله ﷺ حتى وضع يده على الجدار، ومسح بها وجهه ويديه، ثم قال: وعليك السلام".
ص: قالوا فبهذه الآثار رخصنا للذي يُسَلم عليه وهو غير طاهر أنه يتيمم ويردَّ السلام، ليكون ذلك جوابا للسلام، وهذا كما رخَّص قوم في التيمم للجنازة، والعيدين إذا خيف على فوت ذلك إذا تشوغل بطلب الماء لوضوء الصلاة.
ش: أي قال هؤلاء الآخرون الذين ذهبوا إلى أنه ينبغي لمن يُسَلَّم عليه وهو على حدث أن يتيمم ويرد السلام، وإن كان في العصر "رخصنا بهذه الآثار" وأراد بها آثار ابن عمر، وآثار أبي الجهم المذكورة آنفا.
قوله: "ليكون ذلك" أي ردَّه السلام بعد التيمم، جوابا لسلام المسلم وإن كان قد تأخر ساعة من الزمان، لأجل التيمم.
стр. 708
قوله: "وهذا" أي الحكم المذكور نظير ما رخص قوم في التيمم لأجل الصلاة على الجنازة، ولأجل صلاة العيدين إذا خاف أن تفوته إن اشتغل بطلب الماء لأجل الوضوء، وأراد بهؤلاء القوم: أبا حنيفة وأصحابه، والنخعي، والزهري، والحسن، ويحيى الأنصاري، وربيعة، وسعد بن إبراهيم، والثوري، والليث؛ فإنهم ذهبوا إلى أنه يتيمم عند خوف فوت الجنازة لأنه لا يمكن استدراكها بالوضوء فهو كالعادم، وبه قال أحمد في رواية، وكذا مذهب أبي حنيفة عند خوف فوت صلاة العيد، وبه قال الأوزاعي.
وقال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وابن المنذر: لا يجوز ذلك.
وعن الأوزاعي، والثوري: يتمم إذا خاف فوت الوقت أيضًا.
وعن الشعبي: يُصلي على الجنازة من غير وضوء؛ لأنه لا ركوع فيها ولا سجود.
وهلا ليس بصحيح؛ لأنها صلاة، فتدخل في عموم قوله ﵇: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (١).
ص: وذكروا في ذلك ما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا يحيى بن حسان، قال: ثنا عمر بن أيوب الموصلي، عن المغيرة بن زياد، عن عطاء، عن ابن عباس: "في الرجل تفجأه الجنازة وهو على غير وضوء قال: يتيمم ويصلي عليها".
ش: أي ذكر هؤلاء القوم في جواز التيمم لأجل صلاة الجنازة عند خوف فوتها ما حدثنا ... إلى آخره، وهو خبر ابن عباس.
أخرجه عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن يحيى بن حسان التنيسي، عن عمر بن أيوب العبدي الموصلي.
عن المغيرة بن زياد البجلي الموصلي، فيه مقال، وعن أبي حاتم: صالح صدوق، ليس بذاك القوي، وأدخله البخاري في كتاب "الضعفاء" يُحَوَّل اسمه من هناك. وعن عباس الدوري، عن يحيى: ثقة. وروى له الأربعة.
стр. 709
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا عمر بن أيوب الموصلي، عن مغيرة بن زياد، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "إذا خفت أن تفوتك الجنازة وأنت على غير وضوء فتيمم وصَلّ".
فإن قيل: قد قال البيهقي: الذي روى مغيرة بن زياد، عن عطاء، عن ابن عباس في ذلك لا يصح عنه إنما هو قول عطاء، كذلك رواه ابن جريج عن عطاء، وهذا أحد ما أنكر ابن حنبل وابن معين على المغيرة.
قلت: المغيرة أخرج له الحاكم في المستدرك، وأصحاب السنن الأربعة، ووثقه وكيع، وابن معين، وعنه قال: ليس به بأس ثقة، وعنه له حديث واحد منكر.
ووثقه أحمد بن عبد الله ويعقوب بن سفيان وابن عمار.
وقال ابن عدي: عامه ما يرويه مستقيم إلاَّ أنه يقع في حديثه كما يقع في حديث من ليس به بأس من الغلط.
ثم رواية ابن جريج لا تعارض روايته؛ لأن عطاء كان فقيها، فيجوز أن يكون أفتى بذلك فسمعه ابن جريج، ورواه مرة أخرى فسمعه المغيرة، وهذا أولى من تغليط المغيرة والإنكار عليه، فافهم.
قوله: "تفجأه الجنازة" من فجِئه الأمر وفجَأهُ -بالكسر والفتح- إذا جاءه الأمر بغتة، قال الجوهرىِ: فاجَأَه الأمر، مُفَاجَأةَ وفِجَاء، وكذلك فَجِئَه الأمر وفَجَأه فُجاءَة -بالضم والمدّ: وهذا الخبر حجة على الشافعي ومن تبعه.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم وعبد الملك، عن عطاء وزكرياء، عن عامر ويونس، عن الحسن مثله.
ش: إسناده صحيح على شرط مسلم، وهشيم هو ابن بشير، ومغيرة هو ابن مقسم الضبي، وإبراهيم هو النخعي وعبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وعطاء ابن أبي رباح، وزكرياء: ابن أبي زائدة، وعامر: ابن شراحيل الشعبي، ويونس
стр. 710
ابن أبي إسحاق السبيعي، والحسن هو البصري.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن حفص، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم قال: "إذا خاف أن تفوته الصلاة على الجنازة يتيمم".
وعن عبدة (٢) بن سليمان، عن عبد الملك، عن عطاء، قال: "إذا خفت أن تفوتك الجنازة فتيمم وصل".
وعن وكيع (٣)، عن سفيان، عن جابر، عن الشعبي قال: "يتيمم إذا خشي الفوت".
وعن يزيد (٤) بن هارون، عن هشام، عن الحسن قال: "يتيمم ويصلي عليها".
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو داود، قال: نا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم ... مثله.
ش: إسناده صحيح، وأبو داود: سليمان بن داود الطيالسي، وإبراهيم: النخعي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٥): نا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن إبراهيم قال: "إذا فَجئتك الجنازة ولست على وضوء، فإن كان عندك ماء فتوضأ وصلَّ، وإن لم يكن عندك ماء فتيمم وصلَّ".
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم ... مثله.
ش: هذا طريق اخر، وهو أيضًا صحيح، عن أبي بكرة بكَّار، عن مؤمل بن
стр. 711
إسماعيل، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي.
ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: نا أبو نعيم، قال: نا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم ... مثله.
ش: هذا طريق أخر، وهو أيضًا صحيح، عن حسين بن نصر، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا وكيع، عن سفيان، عن حماد ومنصور، عن إبراهيم قال: "يتيمم إذا خشي الفوت".
ص: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: نا سعيد، قال: ثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن.
ومغيرة عن إبراهيم.
وعبد الملك، عن عطاء نحوه.
ش: إسناده صحيح، هذه ثلاثة أسانيد.
الأول: صالح، عن سعيد، عن هشيم، عن يونس، عن الحسن.
والثاني: صالح، عن سعيد، عن هشيم، عن مغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعي.
والثالث: صالح، عن سعيد، عن هشيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢) نا يزيد بن هارون، عن هشام، عن الحسن قال: "يتيمم ويصلي عليها".
стр. 712
ونا (١) عبدة بن سليمان، عن عبد الملك، عن عطاء قال: "إذا خفت أن تفوتك الجنازة فتيمم وصل".
ص: حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: نا أبو داود، عن عباد بن راشد، قال: "سمعت الحسن يقول ذلك".
ش: إسناده صحيح، وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب ... مثله. قال: وقال لي الليث مثله.
ش: إسناده صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري ... مثله، أي مثل قول الحسن: "يتيمم إذا خشي الفوت".
قوله: "قال" أي قال يونس: "وقال لي الليث ابن سعد" مثل ما قال ابن شهاب، والحسن.
ص: حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا شجاع بن الوليد، عن عبد الملك بن أبي غَنيَّة، عن الحكم ... مثله.
ش: إسناده صحيح، عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن شجاع ابن الوليد بن قيس السكوني، عن عبد الملك بن أبي غنية الخزاعي الكوفي، عن الحكم ابن عُتَيبة.
وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية، عن أبيه، عن الحكم قال: "إذا خفت أن تفوتك الصلاة وأنت على غير وضوء فتيمم".
стр. 713
وقد عُلِمَ بهذه الآثار أن مذهب إبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح، وعامر الشعبي، والحسن البصري، والزهري، والليث بن سعد، والحكم بن عُتيبة؛ مثل مذهب أبي حنيفة وأصحابه في جواز التيمم لصلاة الجنازة عند خوف فوتها مع وجود الماء.
ص: فلما كان قد رُخص في التيمم في الأمصار خوف فوت الصلاة على الجنازة، وفي صلاة العيدين؛ لأن ذلك إذا فات لم يقض، قالوا: فكذلك رُخِّصنا في التيمم في الأمصار لرد السلام؛ ليكون ذلك جوابا للمُسَلِّم؛ لأنه إذا رد في الحال الثاني لم يكن جوابا للسلام له، وأما ما سوى ذلك مما لا يخاف فوته من الذكر، وقراءة القرآن فإنه لا يخاف فوته، فإنه لا يجوز فيه التيمم، ولا ينبغي أن يفعل ذلك أحد إلا على طهارة.
ش: هذا من جملة مقالة أهل المقالة الثانية بطريق القياس، وهو أن التيمم لما كان جائزا في الأمصار لأجل الجنازة، فكذلك ينبغي أن يتيمم لأجل رد السلام قياسا عليه، والجامع وجود خوف الفوات فيهما، بخلاف ما سوى ذلك من قراءة القرآن والذكر ونحوهما، حيث لا يقاس على ذلك لانتفاء الجامع؛ فحينئذ لا يجوز التيمم فيه، ولا ينبغي أن يقرأ أحد، أو يذكر الله إلاَّ على حالة يجوز له أن يصلي على تلك الحالة.
فإن قيل: ما حكم التيمم الواقع للجنازة أو لرد السلام، هل يصلي به الفرض أم لا؟
قلت: العمدة في ذلك اعتبار كيفية النية، فإن نوى به استباحة الصلاة يجوز به أداء ما شاء من الصلوات، وإن عَيَّنَ به أداء جواب السلام فقط لا يجوز به بعده أداء الصلوات، كما إذا تيمم لدخول المسجد أو مس المصحف.
ثم اعلم أن أصحابنا اختلفوا في كيفية النية فيه، فقال القدوري: الصحيح في المذهب أنه إذا نوى الطهارة، أو نوى استباحة الصلاة أجزأه.
стр. 714
وقال الجصاص: لا تجب في التيمم نية التطهر، وإنما يجب فيه التمييز وهو أن ينوي [رفع] (١) الحدث أو الجنابة.
والصحيح أن ذلك ليس بشرط، فإن ابن سماعة روى عن محمَّد: أن الجنب إذا تيمم يريد به الوضوء أجزأه عن الجنابة، ولو تيمم ونوى مطلق الطهارة أو نوى استباحة الصلاة فله أن يفعل كل ما لا يجوز بدون الطهارة كصلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، ومس المصحف، ونحوها، لأنه لما أبيح له أداء الصلاة فلأن يباح له ما دونها وما هو جزء من أجزائها أولى، وكذا لو تيمم لصلاة الجنازة أو لسجدة التلاوة أو لقراءة القرآن بأن كان جنبا فجاز له أن يصلي سائر الصلوات؛ لأن كل واحد من ذلك عبادة مقصودة بنفسها، وهو من جنس أجزاء الصلاة فكان نيتها عند التيمم كنية الصلاة، فأما إذا تيمم لدخول المسجد أو لمس المصحف، لا يجوز له أن يصلي به، ولا هو من أجزاء الصلاة؛ لأن دخول المسجد، ومس المصحف ليس بعبادة مقصودة، ولا من جنس أجزاء الصلاة، فيقع طهورا لما أوقعه لا غير.
وفي "المغني" (٢): وينوي بالتيمم المكتوبة، لا نعلم خلافا في أن التيمم لا يصح إلاَّ بنية، غير ما حكي عن الأوزاعي، والحسن بن صالح أنه يصح بغير نيَّة، وسائر أهل العلم على إيجاب النيَّة فيه، وممن قال ذلك: ربيعة، ومالك، والليث، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، وأصحاب الرأي، وينوي استباحة الصلاة، فإن نوى رفع الحدث لم يصح، هذا مذهب مالك، والشافعي، وحكي عن أبي حنيفة أنه يرفع الحدث، ولا يصح التيمم للفرض إلاَّ بنية الفرض، فإن نوى فريضة معينة فله أن يصلي غيرها، وإن نوى فريضة مطلقة فله أن يصلي به فريضة معينة، وإن نوى نفلا أو صلاة مطلقة لم يجز أن يصلي إلاَّ نافلة، وهذا مذهب الشافعي، وأباح له أبو حنيفة صلاة الفرض به كطهارة الماء، وإذا نوى الفرض استباح كل ما يباح بالتيمم من التنقل قبل الصلاة وبعدها، وقراءة القرآن، ومس المصحف، واللبث في المسجد،
стр. 715
وقال مالك: لا يتطوع قبل الفريضة بصلاة غير راتبة، وحكي نحوه عن أحمد، وإن نوى نافلة أبيحت له، وأبيح له قراءة القرآن، ومس المصحف، والطواف (١).
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا بأس أن يذكر الله في الأحوال كلها من الجنابة وغيرها، ويقرأ القرآن في ذلك إلاَّ في الجنابة والحيض؛ فإنه لا ينبغي لصاحبهما أن يقرأ القرآن.
ش: أي خالف أهل المقالتين جميعًا جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري، والنخعي، وأبا حنيفة، والشافعي، ومالكا، وأحمد، وإسحاق، وأصحابهم، فإنهم قالوا: لا بأس للرجل أن يذكر الله في كل الأحوال سواء كان طاهرا، أو محدثا، أو جُنبا، أو حائضا، أو نفساء، وكذا قراءة القرآن إلَّا في حالة الجنابة والحيض، وستجيء الدلائل على ذلك كله.
ثم اعلم أن هذا الحكم فيما يرجع إلى حال الرجل، وأما الحكم فيما يرجع إلى المكان فعلى أنواع:
الأول: بيت الخلاء، فعن ابن عباس كراهة الذكر فيه، وهو قول عطاء ومجاهد أيضًا، وقال ابن سيرين والنخعي: لا بأس به.
وفي "المغني" (٢): إذا عطس حمد الله بقلبه، وقال ابن عقيل: هل يحمد الله بلسانه أم بقلبه؟ روايتان.
وعن الشعبي يحمد الله.
قال ابن أبي شيبة (٣): نا ابن إدريس، عن حصين، عن الشعبي: "في الرجل يعطس على الخلاء، قال: يحمد الله".
стр. 716
نا (١) ابن إدريس، عن أبيه، عن منصور، عن إبراهيم قال: "يحمد الله فإنه يصعد".
نا (٢) ابن إدريس، عن هشام، عن الحسن قال: "يحمد الله في نفسه".
نا (٣) ابن عُلية، عن ابن عون، عن محمَّد: "سئل عن الرجل يعطس في الخلاء، قال: لا أعلم بأسا بذكر الله".
نا ابن علية، عن شعبة، عن أبي إسحاق: "في الرجل يعطس في الخلاء" (٤) قال: قال أبو ميسرة: ما أحب أن أذكر الله إلا في مكان طيب قال: قال منصور: قال إبراهيم: يحمد الله".
وأما إذا. دخل الخلاء ومعه الدراهم، فعن مجاهد أنه مكروه، وعن الحسن لا بأس به.
وقال ابن أبي شيبة (٥): نا ابن عُلية قال: "سألت ابن أبي نجيح عن الرجل يدخل الخلاء ومعه الدراهم البيض، فقال: كان مجاهد يكرهه".
نا (٦) ابن إدريس، عن هشام، عن الحسن قال: "كان لا يرى بأسا أن يدخل الرجل الخلاء ومعه الدراهم البيض، قال: وكان القاسم بن محمَّد يكرهه، ولا يرى بالبيع والشراء بها بأسا".
وأما إذا دخل الخلاء وعليه الخاتم، فعن عطاء أنه لا بأس به، وعن ابن عباس ينزعه.
стр. 717
وقال ابن أبي شيبة (١): حدثنا ابن إدريس، عن عثمان بن الأسود، عن عطاء: "أنه كان لا يرى بأسا أن يلبس الرجل الخاتم ويدخل به الخلاء، ويجامع فيه، ويكون فيه اسم".
نا (٢) عبد الرحمن بن مهدي، عن زمعة، عن سلمة [بن] (٣) وهرام، عن عكرمة قال: "كان ابن عباس إذا دخل الخلاء ناولني خاتمه".
نا (٤) يزيد بن هارون، عن هشام، عن الحسن وابن سيرين: "في الرجل يدخل المخرج وفي يده خاتم فيه اسم الله، قالا: لا بأس به".
نا (٥) حفص، عن ابن أبي رواد (٦) عن عكرمة قال: "كان يقول إذا دخل الرجل الخلاء وعليه خاتم فيه ذكر الله تعالى جعل الخاتم مما يلي بطن كفه، ثم عقد عليه بإصبعه".
نا (٧) أبو معاوية، قال: نا الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "كان سليمان بن داود ﵉ إذا دخل الخلاء نزع خاتمه فأعطاه امرأته".
نا (٨) يحيى بن أبي كثير، قال: نا إبراهيم بن نافع، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: "أنه كان يكره للإنسان أن يدخل الكنيف وعليه خاتم فيه اسم الله".
وأما المُحدِث إذا مسَّ الدراهم فعن إبراهيم أنه مكروه، وعن الحسن لا بأس به.
стр. 718
وقال ابن أبي شيبة (١): نا أبو أسامة، عن الأعمش، عن إبراهيم: "أنه كان يكره الدرهم الأبيض وهو على غير وضوء".
نا (٢) أبو أسامة، عن هشام، عن القاسم: "أنه كان لا يرى بأسا بمس الدرهم الأبيض وهو على غير وضوء".
نا (٣) وكيع، قال: نا سفيان، عن هشام، عن الحسن قال: "لا بأس أن يمسها على غير وضوء".
نا (٤) وكيع، عن ربيع قال: "كرهه ابن سيرين".
النوع الثاني: الحمام، وفي "المغني": ولا بأس بذكر الله في الحمام، وقد رُوي عن النبي ﷺ "أنه كان يذكر الله على كل أحيانه".
فأما قراءة القرآن، فقال أحمد: لم يُبْن لهذا، وكره قراءة القرآن فيه أبو وائل، والشعبي، والحسن، ومكحول، وقبيصة بن ذؤيب، ولم يكرهه النخعي، ومالك.
وأما التسليم فيه فقال أحمد: لا أعلم أني سمعت فيه [شيئا] (٥) والأولى جوازه لدخوله في عموم قوله ﷺ : "أفشوا السلام بينكم".
النوع الثالث: المقبرة، وكره بعض الناس القراءة فيها، وكذا الصلاة لظاهر قوله ﷺ : "الأرض كلها مسجد إلَّا الحمَّام، والمقبرة". رواه أبو داود (٦)، والترمذي (٧)، وابن ماجه (٨).
стр. 719
والأصح أنه لا تكره القراءة فيها ولا الصلاة، وعن الشافعي: إذا كانت المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى، وصديدهم، وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها؛ للنجاسة، فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته صلاته، وكذلك الحمام إذا صل في موضع نظيف منه فلا إعادة عليه، وهذا أيضًا قول أصحابنا، ورخص عبد الله بن عمر في الصلاة في المقبرة، وحكي عن الحسن البصري أنه صلى في المقابر، وعن مالك: لا بأس بالصلاة في المقبرة، وقال أبو ثور: لا يُصلى في حمام ولا مقبرة لظاهر الحديث، وكان أحمد وإسحاق يكرهان ذلك.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن مرزوق، قال: نا وهب بن جرير، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، قال: "دخلت على علي ﵁ أنا ورجل منا ورجل من بني أسد، فبعثهما في وجه، ثم قال: إنكما علجان فعالجا عن دينكما. قال: ثم دخل المخرج، ثم خرج فأخذ حفنة من ماء فتمسح بها، وجعل يقرأ القرآن، فرآنا كأنَّا أنكرنا ذلك، فقال: كان رسول الله ﷺ يخرج من الخلاء فيقرئنا القران، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجره عن ذلك شئ، ليس الجنابة".
ش: أي احتج الآخرون الذين خالفوا أهل المقالتين في ذلك، أي في قولهم: لا بأس أن يذكر الله في كل الأحوال كلها من الجنابة وغيرها، ويقرأ القرآن في ذلك إلَّا في الجنابة والحيض.
قوله: "بما حدثنا" يتعلق بقوله احتجوا، وإسناد الحديث صحيح.
وعبد الله بن سَلِمَة -بكسر اللام- المرادي الكوفي، قال العجلي: تابعي ثقة. روى له الأربعة.
وأخرجه أبو داود (١): نا حفص بن عمر، قال شعبة .. إلى آخره نحوه. والترمذي مختصرا (٢): نا أبو سعيد الأشج، نا حفص بن غياث وعقبة بن خالد
стр. 720
قالا: نا الأعمش وابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال، ما لم يكن جُنُبا".
والنسائي (١): أنا علي بن حُجْر، أنا إسماعيل بن إبراهيم، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: "أتيت عليّا أنا ورجلان، فقال: كان رسول الله ﷺ يخرج من الخلاء فيقرأ القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة".
وابن ماجه (٢): نا محمَّد بن بشار، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: "دخلت على علي بن أبي طالب ﵁ فقال: كان رسول الله ﷺ يأتي الخلاء فيقض الحاجة، ثم يخرج فيأكل معنا الخبز واللحم، ويقرأ القرآن، ولا يحجبه -وربما قال: ولا يحجره- عن القرآن شيء إلَّا الجنابة".
وأخرجه ابن حبان (٣) أيضًا، وصححه ابن خزيمة (٤)، وأبو علي الطوسي، والحكم (٥)، والبغوي في "شرح السُّنَّة"، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي سؤالات الميموني: قال شعبة: ليس أحد يحدث بحديث أجود من ذا. وفي كتاب ابن عدي عنه: لم يرو عمرو أحسن من هذا، وكان شعبة يقول: هو ثلث رأس مالي.
وخرجه ابن الجارود في "المنتقى" (٦)، وذكر البزار (٧) أنه لا يُروى عن علي إلَّا من حديث عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، وحكى البخاري، عن عمرو بن مرة كان عبد الله يعني ابن سلمة يحدثنا فنعرف وننكر، وكان قد كبر، لا يتابع في حدثه.
стр. 721
وذكر الشافعي هذا الحديث، وقال: وإن لم يكن أهل الحديث بثبوته.
وقال البيهقي: وإنما توقف الشافعي في ثبوت الحديث؛ لأن مداره على عبد الله بن سلمة الكوفي، وكان قد كبر وأنكر من حديثه، وإنما روى هذا الحديث بعد ما كبر، قاله شعبة.
وذكر الخطابي أن الإِمام أحمد بن حنبل كان يوهنُ حديث علي ﵁ هذا، وُيضَعِّفُ أمر عبد الله بن سلمة.
قلت: وقد ذكره ابن الجوزي في "الضعفاء والمتروكين" (١)، وقال: قال النسائي تعرف وتنكر.
ولكن قال الحاكم: إنه غير مطعون فيه. وقال العجلي: تابعي ثقة. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.
قوله: "ورجل منا" عطف على الضمير المرفوع المنفصل الذي أوتي به ليصح العطف على ما قبله حتى لا يكون عطف الاسم على الفعل.
قوله: "في وجه" أي جهة من الجهات، وهو النحو والقصد الذي تستقبله.
قوله: "علجان" تثنيه عَلِجْ بفتح العين، وكسر اللام، وهو الضخم القويُّ، وقال الخطابي: يُريد الشدة والقوة على العمل، يقال: رجل عَلِج، وعُلَّج -بتشديد اللام- إذا كان قوي الخلقة وثيق البنية.
قوله: "فعالجا" أي جاهدا، وجالدا لأجل دينكما، وكلمة "عن" للتعليل نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ﴾ (٢) وتجوز أن تكون حالًا، والمعنى عَالِجا مقيمين دينكما، أي مقيمين أموره، ومحصلين ما ينبغي له.
стр. 722
قوله: "المخرج" بفتح الجيم، وهو الخلاء، سُمِّي به لأنه موضع خروج البول، والغائط.
قوله: "فتمسح بها" أي توضأ بها أي غسل يديه، وقال ابن الأثير: يقال للرجل إذا توضأ: تمسح.
قوله: "فرآنا كأنا أنكرنا ذلك" أي كونه قرأ القرآن بلا وضوء كامل، فلما أنكروا على عليّ ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن" أي يُعلمنا القرآن عقيب خروجه، من غير اشتغال بالوضوء.
قوله: "كأنا أنكرنا" جملة وقعت مفعولا ثانيا للرؤية، والتقدير: رآنا كالمنكرين في ذلك.
قوله: "ويأكل معنا اللحم" أشار به إلى أن أكل ما مسته النار لا يوجب الوضوء لقراءة القرآن ولا للصلاة أيضًا، لأجل هذا قال: "ولم يكن يحجره" أي يمنعه "من القرآن"، أي عن قراءة القرآن "شيء ليس الجنابة" أي غيرها.
وقوله: "يحجره" من حجره إذا منعه، وحَجَرَ عليه أي منعه من التصرف، وفي بعض الرواية "يحجزه" بالزاي المعجمة، من حجزه يحجزه حجزا بمعنى منعه أيضًا، وكلاهما من باب نصر ينصر، وفي بعض الرواية "يحجبه" من حجب إذا منع أيضًا، ومنه قيل للبواب: حاجبا؛ لأنه يمنع الناس عن الدخول.
قوله: "ليس الجنابة" أي غير الجنابة، "وليس" له ثلاث مواضع:
أحدها: أن تكون بمعنى الفعل، وهو يرفع الاسم، وينصب الخبر كقولك: ليس عبد الله جاهلا.
وتكون بمعنى "لا" كقولك: رأيت عبد الله ليس زيدا، تنصب به زيدا كما تنصب بلا.
وتكون بمعنى "غير" كقولك: ما رأيت أكرم من عمر، وليس زيد. أي غير زيد، وهو يجر ما بعده.
стр. 723
وتُستنبط منه أحكام:
الأول: جواز قراءة القرآن للمُحْدِث.
الثاني: جواز ذكر الله تعالى بأي ذكر كان في أي حال كان؛ لأن قراءة القرآن إذا كانت جائزة للمُحْدِث فالذكر بالطريق الأولى.
الثالث: فيه دليل على حرمة قراءته على الجنب، وكذلك الحائض؛ لأن حدثها أغلظ من حدث الجنابة، وكان أحمد يرخص للجنب أن يقرأ الآية ونحوها، وكذلك قال مالك، وقد حُكي عنه أنه قال: تقرأ الحائض ولا يقرأ الجنب؛ لأن الحائض إذا لم تقرأ نسيت القرآن؛ لأن أيام الحيض تتطاول؛ ومدة الجنابة لا تتطاول، وروي عن ابن المسيب وعكرمة أنهما كانا لا يريان بأسا بقراءة القرآن للجُنب، والجمهور على تحريمه.
وفي "المغني" (١): لا يقرأ القرآن جنب، ولا حائض، ولا نفساء، رويت الكراهة لذلك عن عمر، وعلي، والحسن، والنخعي، والزهري، وقتادة، والشافعي، وأصحاب الرأي، وقال الأوزاعي: لا يقرأ إلاَّ آية الركوب، والنزول ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ (٢)، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ (٣)، وقال ابن عباس: يقرأ ورده، وقال سعيد بن المسيَّب: يقرأ، أليس هو في جوفه؟
والذي يحرم عليه قراءة آية، فأما ما دون الآية ففيه روايتان:
إحداهما: لا تجوز قراءته، وهو مذهب الشافعي.
والثانية: تجوز، وهو قول أبي حنيفة.
وقال صاحب "البدائع"، ويستوي في الكراهة الآية التامة وما دونها عند عامَّة مشايخنا، وقال الطحاوي: لا بأس بقراءة ما دون الآية.
стр. 724
والصحيح قول العامة، هذا إذا قصد التلاوة، فأما إذا لم يقصد بأن قال: بسم الله. لافتتاح الأشياء تبركا، أو قال: الحمد لله فلا بأس؛ لأنه من باب الذكر.
وقال ابن حزم في "المحلى" (١): وقراءة القرآن، والسجود فيه، ومس المصحف، وذكر الله جائز كل ذلك بوضوء، وبلا وضوء، وللجنب والحائض.
وقالت طائفة لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن، وهو قول رُوي عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والحسن البصري، والنخعي، وقتادة، وغيرهم.
وقالت طائفة: أما الحائض فتقرأ ما شاءت من القرآن، وأما الجنب فيقرأ الآيتين ونحوهما، وهو قول مالك، وقال بعضهم: يُتم الآية، وهو قول أبي حنيفة، ثم رُوي عن ربيعة أنه قال: لا بأس أن يقرأ الجنب القرآن، وعن سعيد بن جبير: يقرأ الجنب؟ فلم ير بأسا، وقال: أليس في جوفه القرآن، ثم قال: وهو قول داود، وجميع أصحابنا.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: نا أبو الوليد، قال: نا شعبة، قال: أنا عمرو ابن مرة، قال: سمعت عبد الله بن سلمة .. فذكر مثله، غير أنه قال: "كان رسول الله ﷺ يقضي حاجته فيقرأ القرآن".
حدثنا حسين بن نصر وسليمان بن شعيب، قالا: نا عبد الرحمن بن زياد، قال: نا شعبة .. فذكر بإسناده مثله.
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا شعبة ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا فهد، قال: نا عمر بن حفص، قال: نا أبي، قال: نا الأعمش، قال: قال عمرو بن مرة: عن عبد الله بن سلمة، عن علي ﵁: "كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن على كل حال إلَّا الجنابة".
стр. 725
حدثنا محمَّد بن عمرو بن يونس السوسي التغلبي، قال: ثنا يحيى بن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن عمرو، عن عبد الله بن سلمة، عن علي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا القرآن على كل حال إلا الجنابة".
ش: هذه خمس طرق رجالها كلهم ثقات، غير أن ابن أبي ليلى فيه مقال، وهو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
وأبو الوليد هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، وعبد الرحمن بن زياد هو الرصاصي الثقفي، والأعمش هو سليمان.
ويحيى بن عيسى بن عبد الرحمن التميمي النهشلي مختلف فيه، ولكن مسلما روى له، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وكان يتشيع، فبالطريق الأول أخرجه البيهقي (١) من حديث شعبة، نا عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: "دخلت على عليّ ﵁ أنا ورجلان من قومي، و [رجل] (٢) أحسبه من بني أسد، فبعثهما وجها وقال: إنكما علجان فعالجا عن دينكما، ثم دخل المخرج فقضى حاجته، ثم خرج فأخذ حفنة من ماء فتمسح بها، ثم جعل يقرأ القرآن فكأنه رأى أنَّا أنكرنا ذلك، فقال: كان رسول الله ﷺ يقضي حاجته فيقرأ القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه -وربما قال: يحجزه- عن القرآن شيء ليس الجنابة".
وبالطريق الثاني: أخرجه أحمد في "مسنده" (٣): نا يحيى، عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: "أتيت على عليّ ﵁ أنا ورجلان، فقال: كان رسول الله ﷺ يقضي حاجته، ثم يخرج فيقرأ القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولا يحجره -وربما قال: لا يحجبه- من القرآن شيء ليس الجنابة".
والطريق الرابع: مقطوع؛ لأن الأعمش أخبر عن عمرو بن مرة حيث قال: قال عمرو، ولم يذكر فيه شيئًا يدل على السماع.
стр. 726
وأخرجه ابن أبي شيبة (١) موصولا: نا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال إلاَّ الجنابة".
وبالطريق الخامس: أخرجه أبو عبد الله الحديث في "مسنده"، نا محمَّد، نا وكيع، ثنا ابن أبي ليلى، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنبا".
وأخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" (٢)، نا أبو معاوية، نا ابن أبي ليلى ... إلى آخره نحوه.
ص: قال أبو جعفر ﵇: ففيما روينا عن رسول الله ﷺ إباحة ذكر الله على غير وضوء، وقراءة القرآن كذلك، ومنعُ للجنب من قراءة القرآن خاصة.
ش: "إباحة ذكر الله" كلام إضافي مرفوع بالابتداء، وخبره قوله: "ففيما روينا".
قوله: "وقراءة القران" عطف عليه، وكذا قوله: "ومنعٌ" ويجوز أن يكون "وقراءة القرآن" بالجرِّ عطفا على المضاف إليه في قوله: "إباحة ذكر الله" بل هذا أصوب على ما لا يخفى.
ص: وقد روي عن رسول الله ﷺ أيضًا فيما يدل على إباحة ذكر الله على غير طهارة ما حدثنا فهدٌ، قال: نا الحسن بن الربيع، قال: نا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، قال: ثنا أبو ظبية، قال: سمعت عمرو بن عبسة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "ما من امرئ مسلم يبيت طاهرا على ذكر الله، فيتعار من الليل يسأل الله شيئا من أمر الدنيا والآخرة إلَّا أعطاه إياه".
стр. 727
ش: لما كانت الآثار المذكورة تدل على إباحة ذكر الله على غير وضوء بطريق التضمن أورد أحاديث تدل على ذلك بطريق المطابقة.
وقوله: "روي" مسند إلى قوله: "ما حدثنا فهدٌ".
ورجال هذا الحديث ثقات، والحسن بن ربيع: ابن سليمان البجلي القسري الكوفي شيخ مسلم وأبي داود والنسائي.
وأبو الأحوص: سلام بن سليم الكوفي.
والأعمش هو سليمان.
وشمر بن عطية: الأسدي الكاهلي، وثقه ابن حبان.
وأبو ظبية بالظاء المعجمة، وقال ابن منده: بالطاء المهملة أيضًا. وقال أبو زرعة: لا نعرف أحدا يسميه. وقال العسكري: لا يعرف اسمه، ويقال: اسمه كنيته. وقال الدارقطني: ليس به بأس. وقال ابن معين: ثقة روى له أبو داود وابن ماجه.
وعمرو بن عَبَسَة بفتحات-: ابن عامر السُلَميَّ.
وأبو نجيح الصحابي، وهو أخو أبي ذرَّ الغفاري لأمَّه، وأمهما رملة بنت الوقيعة بن حَرام بن غفار، مات بحمص ﵀.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا الحسن بن الربيع الكوفي، ثنا أبو الأحوص، عن الأعمش ... إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "فيتعار" من تعار الرجل من الليل، إذا هبَّ من نومه مع صوتَ، وأصله من عار الظليم تعار عِرارا، وهو صوته، وبعضهم يقول: عر الظليم يعِرُّ عرارا، كما قالوا: زمر النعام يزمر زمارا.
قلت: أصله يتعارَرُ، ادغمت إحدى الرائين في الأخرى؛ لموجب الإدغام وهو اجتماع المثلين من الحرف.
стр. 728
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفَّان، قال: ثنا حماد، قال: كنت أنا وعاصم ابن بهدلة وثابت، فحدث عاصم، عن شهر بن حوشب، عن أبي ظبية، عن معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ مثله غير أنه لم يذكر قوله: "على ذكر الله"، قال ثابت: قدم علينا فحدثنا هذا الحديث ولا أعلمه إلاَّ عنه، يعنيم أبا ظبية، قلت لحماد: عن معاذ؟ قال: عن معاذ.
ش: أشار بهذا إلى أن هذا الحديث المذكور قد رُوي أيضًا عن معاذ بن جبل ﵁ ورجاله ثقات، وحماد هو ابن سلمة، وثابت هو ابن أسلم البناني.
وأخرجه أحمد في "مسنده" من ثلاث وجوه:
الأول (١): عن عفان، عن حماد .. إلى آخره نحو طريق أبي جعفر سواء.
الثاني (٢): عن روح وحسن بن موسى، قالا: نا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن شهر بن حوشب، عن أبي ظبية، عن معاذ بن جبل، أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مسلم يبيت على ذكر الله طاهرا، فيتعار من الليل، فيسأل الله خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه".
قال: حسن في حديثه قال: ثابت البناني: فقدم علينا ها هنا فحدثنا بهذا الحديث عن معاذ، قال أبو سلمة: أظنه عنِي أبا ظبية.
الثالث (٣): عن أبي كامل: ثنا حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن شهر بن حوشب، عن أبي ظبية، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من مسلم يبيت على ذكر الله [طاهرًا]، (٤) فيتعار من الليل، فيسأل الله خيرا من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه".
стр. 729
ص: حدثنا ربيع الجيزي، قال ناعلي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عاصم بن أبي النجود، عن شمر بن عطية ... فذكر بإسناده.
ش: هذا طريق أخر وهو أيضًا صحيح، وعاصم بن أبي النجود هو عاصم ابن بهدلة المزني.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا المقدام بن داود، ثنا علي بن معبد، ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عاصم بن أي النجود، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أبي ظبية، عن عمرو بن عبسة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بات طاهرا على ذكر، ثم تعار من الليل ساعة يسأل الله تعالى فيها شيئًا من أمر الدنيا والآخرة إلاَّ أتاه الله إياها".
ص: وهذا أيضًا بعد النوم، ففلى ذلك إباحة ذكر الله تعالى بعد الحدث، وقد رُوي عن عائشة ﵂ من ذلك شيء.
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا مُعلَّى بن منصور، قال: ثنا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن خالد بن سلمة، عن عروة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه، وحتى الجنابة".
ففي هذا إباحة ذكر الله وليس فيه ولا في حديث أي ظبية من قراءة القرآن شيء، وفي حديث علي ﵁ بيان فرق ما بين قراءة القرآن، وذكر الله في حال الجنابة.
ش: أشار بهذا إلى ما رُوي عن عمرو بن عبسة، عن معاذ بن جبل ﵄
стр. 730
قوله: "وقد رُوي عن عائشة من ذلك شيء" أي من إباحة ذكر الله في حالة الحدث، وإسناد حديثها صحيح.
وابن أبي زائدة هو يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة الكوفي، روى له الجماعة، وأبوه: زكرياء، روى له الجماعة.
وأخرجه مسلم (١): ثنا أبو كريب محمَّد بن العلاء وإبراهيم بن موسى، قالا: نا ابن أبي زائدة ... إلى آخره نحوه سواء.
وأحْرجه أبو داود (٢): عن أبي كريب أيضًا نحوه.
وأخرجه الترمذي (٣)، وابن ماجه (٤) أيضًا.
ولكن في رواية الكل بين خالد بن سلمة وبن عروة، عبد الله البهي، ولم يقع كذا في رواية الطحاوي، وخالد بن سلمة روى عن عروة أيضًا، ولو لم تصح روايته عنه لقلنا: إن البهي ساقط في رواية الطحاوي من النساخ.
قوله: "يذكر الله" عام يشمل جميع أنواع الذكر من التهليل، والتسبيح، والتحميد، والتكبير، وأشباه ذلك.
"والأحيان" جمع حين، وهو الوقت، وهو أيضًا يتناول جميع أحيان الأحوال ولكن يستثنى منه قراءة القرآن حين الجنابة، وحين الحيض؛ لأنه قد ثبت بدلائل أخرى عدم جواز قراءة القرآن للجُنب، والحائض.
قوله: "ففي هذا" أي في حديث عائشة.
قوله: "وليس فيه" أي في حديث عائشة، ولا في حديث أبي ظبية الذي رواه عن عمرو بن عبسة ومعاذ في قراءة القرآن شيء، أما حديث أبي ظبية فإنه لم يذكر فيه إلَّا
стр. 731
لفظ السؤال، ولا يفهم منه إلَّا ذكر الله تعالى دون قراءة القرآن، وأما حديث عائشة فإنه لم يذكر فيه إلَّا لفظ الذكر، وهو عند الإطلاق لا يتناول القرآن باعتبار العرف، وإنما فرق بينهما في حديث علي ﵁ حيث قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا القرآن على كل حال إلاَّ الجنابة" (١) فإنه يدل على جواز الذكر حال الجنابة دون القراءة.
ص: وقد رُوي أيضًا في النهي عن قراءة القرآن حال الجنابة ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن يوسف، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن موسى ابن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقرأ الجنب ولا الحائض القرآن".
ش: عبد الله بن يوسف هو "التنيسي" (٢) شيخ البخاري، وإسماعيل بن عيَّاش -بتشديد الياء آخر الحروف، والشين المعجمة- بن سُليم الشامي الحمصي العنسي -بالنون- وثقه يحيى بن معين في روايته عن الشاميين خاصة، وقال أبو حاتم: هو لين يكتب حديثه، لا أعلم أحدا كف عنه إلاَّ أبو إسحاق الفزاري، وقال أبو زرعة: صدوق إلاَّ أنه غلط في حديث الحجازيين والعراقيين، وروى له الأربعة.
قلت: ولهذا لما أخرجه الترمذي (٣) سكت عنه وقال: ثنا علي بن حجر والحسين ابن عرفه، قالا: نا إسماعيل بن عياش، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "لا تقرأ الحائض ولا الجنُب شيئًا من القرآن".
وأخرجه الدارقطني في "سننه" (٤): عن عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز، عن داود بن رُشَيد، عن إسماعيل بن عياش .. إلى آخره نحوه.
стр. 732
وأخرجه الدارمي في "سننه" (١): موقوفا، وقال: أخبرنا محمَّد بن يزيد البزار، ثنا شريك، عن فراس، عن عامر: "الجنب والحائض لا يقرآن القرآن".
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن خالد ح
وحدثنا روح بن الفرج قال: ثنا ابن بكير، قالا: أنا عبد الله بن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان، عن ثعلبة بن أبي الكنُود، عن مالك بن عبادة الغافقي، قال: "أكل رسول الله ﵇ وهو جُنب، فأخبرت عمر بن الخطاب ﵁ فجرّني إلى رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله، إن هذا أخبرني أنك أكلت وأنت جنب. قال: نعم، إذا توضأت أكلت وشربت ولكن لا أصلي ولا أقرأ حتى أغتسل".
ش: أخرجه من طريقين:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود، عن عمرو بن خالد بن فروخ الحراني، نزيل مصر، شيخ البخاري وغيره، عن عبد الله بن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان بن زرعة أبي حمزة الطويل المصري، عن ثعلبة بن أبي الكنود الحمراوي وثقه ابن حبان، عن مالك بن عبادة الغافقي، ويقال: مالك بن عبد الله، ويقال له: عبد الله بن مالك الغافقي، وقال ابن الأثير: عبد الله بن مالك الغافقي أبو موسى، وقيل: مالك بن عبد الله، مصري ذكره في العبادلة، ثم قال في باب مالك: ابن عبد الله الغافقي يقال له: مالك بن عبادة، وقيل: شاميُّ، والطبراني ذكره في الحديث المذكور (٢): مالك بن عبد الله حيث قال: نا بكر بن سهل، نا عبد الله بن يوسف، نا ابن لهيعة (٣)، عن ثعلبة بن أبي الكنود، عن مالك بن عبد الله الغافقي، قال: "أكل رسول الله ﵇ يوما طعاما، ثم قال: أستر عليَّ حتى أغتسل، فقلت: كنت جنبا يا رسول الله؟ قال: نعم، فأخبرت ذلك عمر بن الخطاب، فجاء إلى رسول الله ﵇ فقال له: هذا يزعم أنك
стр. 733
أكلت وأنت جُنُب، فقال: نعم، إذا توضأت أكلت وشربت، ولا أصلي ولا أقرأ حتى أغتسل".
الطريق الثاني: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يحيى بن بكير المصري، عن عبد الله بن لهيعة ... إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه الكبير" (١): من حديث ابن وهب، أنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن سليمان، عن ثعلبة بن أبي الكنود، عن عبد الله بن مالك الغافقي، أنه سمع رسول الله ﵇ يقول لعمر ﵁: "إذا توضأت وأنا جنب أكلت وشربت، ولا أصلي ولا أقرأ حتى أغتسل"، ثم قال ابن وهب: قال لي مالك والليث مثله يعني من قولهما انتهى، وهذا في رواية البيهقي: عبد الله بن مالك.
فإن قلت: من أين عرف مالك بن عبادة أن رسول الله ﵇ كان جنبا حين أكل حتى أخبر بذلك عمر بن الخطاب ﵁؟
قلت: رواية الطبراني تجيبك عن هذا، فافهم.
ص: ففي هذين الأثرين منع الجنب من قراءة القرآن، وفي أحدهما منع الحائض من ذلك، فثبت بما ذكرنا في هذين الحديثين مع ما في حديث عليَّ ﵁ أنه لا بأس بذكر الله تعالى وقراءة القرآن في حال الحدث غير الجنابة، وأن قراءة القرآن خاصة مكروهة في حال الجنابة والحيض، فأردنا أن ننظر أي هذه الآثار بأخرة فنجعله ناسخا لما تقدم، فنظرنا في ذلك، فإذا ابن أبي داود قد حدثنا قال: ثنا أبو كريب، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن جابر، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء، عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أجُنُب أو اهراق الماء إنما نكلمه فلا يكلمنا، ونُسلم عليه فلا يرد علينا حتى نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ (٢) ".
قال أبو جعفر ﵀: فأخبر علقمة في هذا الحديث عن النبي ﷺ أن حكم الجنب
стр. 734
كان عنده قبل نزول هذه الآية ألَّا يتكلم، وألَّا يرد السلام، حتى نسخ الله ذلك بهذه الآية، فأوجب بها الطهارة على من أراد الصلاة خاصة، فثبت بذلك أن حديث أبي الجُهيم، وحديث ابن عمر، وابن عباس، والمهاجر منسوخة كلها، وأن الحكم الذي في حديث علي ﵁ متأخر عن الحكم الذي فيها.
ش: أراد بهذين الأثرين: أثر عبد الله بن عمر، وأثر مالك بن عبادة الغافقي.
قوله: "فأردنا ... " إلى آخره، إشارة إلى وجه التوفيق بين هذه الآثار المذكورة في هذا الباب؛ لأن بعضها يضاد بعضا، وذلك لأن حديث أبي الجهيم بن الحارث، وحديث عبد الله بن عمر: "أن رجلا سلم على النبي ﷺ ... " إلى آخره، وحديث ابن عباس مثله، وحديث المهاجر بن قنفذ الذي في أول الباب؛ كلها تدل على أن ذكر الله وغيره نحو القراءة لا تكون إلَّا على طهر، وأحاديث غير هؤلاء التي ذكرت هنا تدل على إباحة ذكر الله تعالى على أي حالة كانت، وأن قراءة القرآن تجوز على حال الحدث الأصغر، وتمنع على حال الحدث الأكبر والحيض والنفاس، فلما كان الأمر كذلك؛ وجب المصير إلى التوفيق، ووجهه: أن ننظر أي من هذه الآثار جاء آخرا، وأيها جاء أولا، فنظرنا في ذلك، فوجدنا حديث علقمة بن الفغواء دل على أن آثار أبي الجهم وابن عمر وابن عباس والمهاجر بن قنفذ كانت متقدمة، وأن الحكم الذي في حديث علي ﵁ متأخر عن الحكم الذي فيها؛ فثبت بها انتساخ أحاديث هؤلاء كما هو الأصل عند تعارض النصوص.
فإن قلت: حديث جابر الجعفي غير ثابت فلا يتم به الاستدلال.
قلت: لا نسلم ذلك؛ لأن سفيان يقول: كان جابر ورعا في الحديث ما رأيت أورع في الحديث منه، وعن شعبة: وهو صدوق في الحديث، وعن وكيع: ثقة، ولئن سلمنا ذلك فنقول آثار هؤلاء محمولة على الفضيلة والاستحباب، وقد يقال: إنها منسوخة بحديث عائشة: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه".
стр. 735
وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم وغيره (١) كما ذكرناه، ثم رجال حديث عبد الله بن علقمة كلهم ثقات.
وأبو كريب اسمه محمَّد بن العلاء، شيخ الجماعة، ومعاوية بن هشام: أبو الحسن القصار الكوفي، روى له الجماعة إلا البخاري، وسفيان هو الثوري، وجابر هو ابن يزيد الجعفي وقد ذكرناه الآن، وعبد الله بن أبي بكر روى له الجماعة، وعبد الله بن علقمة بن الفغواء -بالفاء، والغين المعجمة الساكنة-، ذكره ابن حبان في الثقات، وأبوه علقمة بن الفغواء أخو عمرو بن الفغواء الخزاعي، يقال: له صحبة، سكن المدينة، وأخرج ابن الأثير هذا الحديث في ترجمة علقمة بن الفغواء، وأخرجه أيضًا أبو بكر الرازي في "أحكام القرآن"، والطبراني في "الكبير" (٢).
قوله: "إذا أجنب" أي إذا صار جُنبا، مثل: أغد البعير، إذا صار ذا غدة.
قوله: "أو أهراق" أي أراق، والهاء زائدة.
ويستفاد منه: أن الوضوء كان لا بد منه لرد السلام ونحوه في صدر الإسلام، ولهذا كان رسول الله ﵇ لا يرد السلام في الجنابة، ولا بعد إراقة الماء قبل الغسل والوضوء، فلما نزلت آية الوضوء نَسَخَتْ هذا الحكم لأنه لم يوجب الطهارة إلا على من أراد الصلاة وهو محدث، فبقي غيرها على أصل الإباحة.
ثم اعلم أن هذه الآية مدنية، وأنها نزلت في قصة عائشة ﵂، ولا خلاف أن الوضوء كان بمكة سنة، معناه أنه كان مفعولا بالسنة، فأما حكمه فلم يكن قط إلَّا فرضا، كذا قاله أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن، وقال: وقد روى ابن إسحاق وغيره: "أن النبي ﵇ لما فرض الله عليه الصلاة ليلة الإسراء، ونزل جبريل ﵇ ظهر ذلك اليوم ليصلي به، همز بعقبة فانبجثت ماء، فتوضأ معلما له، وتوضأ هو معه وصلى، وصلى رسول الله ﵇" وقال في تفسير قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ
стр. 736
عَلَى﴾ (١)، رُوي أن أصحاب رسول الله ﵇ أصابتهم جراحة ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك فنزلت هذه الآية.
وقالت عائشة ﵂: "كنت في مسير مع رسول الله ﵇ حتى إذا كنت بذات الجيش؛ ضلَّ عقد لي ... " الحديث، قال: فنزلت آية التيمم، وهي مُعضلةٌ ما وجدت لدائها من دواء عند أحد، هما آيتان فيهما ذكر التيمم، إحداهما في النساء، والأخرى في المائدة، فلا نعلم أَيَّةُ آيةٍ عنت عائشة، وآية التيمم المذكورة في حديث عائشة النازلة عند فقد العقد كانت في غزوة المريسيع، قال خليفة بن خياط: في سَنة ست من الهجرة، وقال غيره: سنة خمس؛ وليس بصحيح، وحديثهما يدل على أن التيمم قبل ذلك لم يكن معلوما ولا مفعولا لهم، والله أعلم كيف كان حال من عدم الماء ثم جاءت عليه الصلاة؟ فإحدى الآيتين سفرية والأخرى حضرية، ولما كان أمر لا يتعلق به خبأه الله تعالى ولم ينشر بيانه على يد أحد، ولقد عجبت من البخاري بوب في
كتاب التفسير في سورة النساء على الآية التي ذكر فيها التيمم فقال (٢): باب "وإن كنتم مرضى أو على سفر" وأدخل فيه حديث عائشة، وبوب في سورة النساء، باب (٣) "فلم تجدوا ماء"، وأدخل حديث عائشة بعينه، وإنما أراد أن يدل على أن الآيتين تحتمل كل واحدة منهما قصة عائشة، وأراد فائدة أشار إليها، أن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٤) إلى هذا الحد نزل في قصة، على أن ما وراءها قصة أخرى، وحكم آخر يتعلق به شيء، فلما نزلت في وقت آخر قرنت بها، والذي يقتضيه هذا الظاهر عندي أن آية الوضوء التي يذكر التيمم فيها في المائدة هي النازلة في قصة عائشة، وكان الوضوء مفعولا غير متلو فكمل ذكره، وعقب بذكر بدله، واستوفيت النواقص فيه، ثم أعيدت من قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾ هو إلى آخر الآية في سورة النساء مركبة على قوله
стр. 737
تعالى: ﴿جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (١) حتى يكمل تلك الآية في سورة النساء، والذي يدل على أن قصة عائشة هي آية المائدة؛ إن المفسرين بالمدينة اتفقوا أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٢) يعني من النوم، وكان ذلك في قصة عائشة ﵂، وقال الصفاقسي كلاما طويلًا ملخصه: أن الوضوء كان لازما لهم، وآية التيمم إما المائدة أو النساء، وهما مدنيتان، ولم تكن صلاة قبل إلاَّ بوضوء، فلما نزلت آية التيمم لم يذكر الوضوء لكونه متقدما متلوّا؛ لأن حكم التيمم هو الطارئ على الوضوء.
وقيل: يحتمل أن يكون نزل أولا أول الآية وهو فرض الوضوء، ثم نزل عند هذه الواقعة آية التيمم، وهو تمام الآية، وهو ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ (٢)، أو يحتمل أن يكون الوضوء كان بالسُّنة لا بالقرآن، ثم أُنزلا معا، فعبَّرت بالتيمم إذ كان هو المقصود، وقال القرطبي وغيره أرادَتْ آية النساء؛ لأن آيتها لا ذكر فيها للوضوء.
ص: وقد دلّ على ذلك أيضًا: ما: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا الحسن بن صالح، قال: سمعت سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير قال: "كان ابن عباس وابن عمر يقرآن القرآن، وهما على غير وضوء".
حدثنا سليمان بن شعب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: نا شعبة، عن سلمة بن كهيل .. فذكر بإسناده مثله.
حدثنا محمَّد بن الحجاج، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، عن حماد بن سلمة.
وحدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس .. مثله.
حدثنا إبراهيم بن محمَّد الصيرفي، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: نا همام، قال: نا قتادة، عن عبد الله بن بُرَيدة، عن ابن عباس: "أنه كان يقرأ حِزبه وهو محدث".
стр. 738
حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: أخبرني الأزرق بن قيس، عن رجل يقال له: أبان، قال: "قلت لابن عمر: إذا هرقت الماء، أأذكر الله؟ قال: أيْ شيء إذا هَرقت الماء؟ قال: إذا بُلْتُ. قال: نعم، أذكر الله".
فهذا ابن عباس وابن عمر قد رويا عن النبي ﵇ أنه لم يَرُدّ السَّلام في حال الحدث حتى تيمّم، وقد ذكرنا عنهما ذلك فيما تقدّم هنا في هذا الكتاب، وهنا فقد قرءا القرآن في حال الحدث، فلا يجوز ذلك عندنا، إلَّا وقد ثبت النسخ أيضًا عندهما.
ش: أي وقد دّل على النسخ الذي ذكرناه ما روي عن ابن عباس وابن عمر ﵃، بيانه: أنهما قد رويا فيما مضى أن النبي ﵇ لم يرد السلام في حال الحدث حتى تيمم، فدل هذا على أن ذكر الله من غير طهر لا ينبغي أن يفعل، ثم إنه قد روي عنهما أنهما قرءا القرآن وهما محدثان فلا يجوز ذلك عنهما إلاَّ بعد ثبوت النسخ عندهما؛ تحسينا بالظن في حقهما، وقد تقرر أن الصحابي إذا فعل أو أفتى بخلاف ما روى؛ دَلَّ ذلك على ثبوت النسخ عنده؛ لأنهم محفوظون عن المخالفة، ثم إنه أخرج ما روي عن ابن عباس وابن عمر معا من طريقين صحيحين:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم هو الفضل بن دكين، عن الحسن بن صالح بن حيّ الكوفي العابد.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا وكيع، قال: نا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير: "أن ابن عباس وابن عمر ﵃[كانا] (٢) يقرءان القرآن بعد ما يخرجان من الحدث قبل أن يتوضئا".
الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن شعبة .. إلى آخره.
стр. 739
وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا (١): قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سلمة ابن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وابن عمر "كانا يقرءان أحزابهما من القرآن بعد ما يخرجان من الخلاء قبل أن يتوضئا".
وأخرج ما روي عن ابن عباس وحده من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن محمَّد بن الحجاج الحضرمي، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني.
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن حميد الطويل.
الثالث: عن إبراهيم بن محمَّد الصيرفي البصريّ، وثقه ابن حبان، عن مسلم بن إبراهيم القصاب شيخ البخاري وغيره، عن همام بن يحيى ... آخره.
قوله: "حزبه" الحزب: ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة كالوِرْد، والحزبْ: النوبة في ورود الماء.
وأخرج ما روي عن ابن عمر وحده، عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، روى له البخاري وأبو داود والنسائي، عن أبان شيخ بصري تابعي ذكره ابن حبان في التابعين الثقات.
قوله: "هرقت" أصله أرقت، والهاء تبدل من الهمزة.
قوله: "أأذكر" بهمزتين أولاهما استفهامية.
ص: وقد تابعهما على ما ذهبا إليه من هذا قوم.
حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن حماد الكوفي، عن إبراهيم: "أن ابن مسعود ﵁ كان يُقْرِئْ رجلًا، فلما انتهى إلى شاطئ الفرات كفَّ عنه الرجلُ، فقال له: مالك؟ قال: أحدثت. قال: اقرأ فجعل يقرأ، وجعل يفتح عليه".
стр. 740
حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: ثنا حماد، عن عاصم الأحول، عن عروة، عن سلمان: "أنه أحدث، فجعل يقرأ، فقيل له: أتقرأ وقد أحدثت؟ قال: نعم إني لست بجُنب".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا عبد الرحمن بن زياد، قال: نا شعبة، قال: "سألت قتادة عن الرجل يقرأ القرآن وهو غير طاهر. فقال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: كان أبو هريرة ربما قرأ السورة وهو غير طاهر".
حدثنا مرزوق، قال: نا وهب، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد، عن أبي هريرة ... مثله.
حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا همام، عن قتادة .. فذكر بإسناده مثله.
فقد ثبت بتصحيح ما روينا نَسْخُ حديث ابن عباس ومن تابعه، وثبوت حديث عليّ ﵁ على ما قد شدَّه من أقوال الصحابة، فبذلك نأخذ، فَنَكْرَهُ للجنب والحائض قراءة الآية تامة، ولا نرى بذلك بأسا للذي على غير وضوء، ولا نرى لهم جميعًا بأسا بذكر الله .
ش: أي وقد تابع ابن عباس وابن عمر على ما ذهبا إليه من إباحة ذكر الله من غير طهر قوم من الصحابة، وهم: عبد الله بن مسعود، وسلمان الفارسي، وأبو هريرة.
وأخرج أثر ابن مسعود بإسناد صحيح، عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان الكوفي، عن إبراهيم النخعي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) مختصرا، عن وكيع، عن شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله: "أنه كان معه رجل، فبال ثم جاء، فقال له ابن مسعود: اقرأه".