عَلَى﴾ (١)، رُوي أن أصحاب رسول الله ﵇ أصابتهم جراحة ففشت فيهم، ثم ابتلوا بالجنابة، فشكوا ذلك فنزلت هذه الآية.
وقالت عائشة ﵂: "كنت في مسير مع رسول الله ﵇ حتى إذا كنت بذات الجيش؛ ضلَّ عقد لي ... " الحديث، قال: فنزلت آية التيمم، وهي مُعضلةٌ ما وجدت لدائها من دواء عند أحد، هما آيتان فيهما ذكر التيمم، إحداهما في النساء، والأخرى في المائدة، فلا نعلم أَيَّةُ آيةٍ عنت عائشة، وآية التيمم المذكورة في حديث عائشة النازلة عند فقد العقد كانت في غزوة المريسيع، قال خليفة بن خياط: في سَنة ست من الهجرة، وقال غيره: سنة خمس؛ وليس بصحيح، وحديثهما يدل على أن التيمم قبل ذلك لم يكن معلوما ولا مفعولا لهم، والله أعلم كيف كان حال من عدم الماء ثم جاءت عليه الصلاة؟ فإحدى الآيتين سفرية والأخرى حضرية، ولما كان أمر لا يتعلق به خبأه الله تعالى ولم ينشر بيانه على يد أحد، ولقد عجبت من البخاري بوب في
كتاب التفسير في سورة النساء على الآية التي ذكر فيها التيمم فقال (٢): باب "وإن كنتم مرضى أو على سفر" وأدخل فيه حديث عائشة، وبوب في سورة النساء، باب (٣) "فلم تجدوا ماء"، وأدخل حديث عائشة بعينه، وإنما أراد أن يدل على أن الآيتين تحتمل كل واحدة منهما قصة عائشة، وأراد فائدة أشار إليها، أن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٤) إلى هذا الحد نزل في قصة، على أن ما وراءها قصة أخرى، وحكم آخر يتعلق به شيء، فلما نزلت في وقت آخر قرنت بها، والذي يقتضيه هذا الظاهر عندي أن آية الوضوء التي يذكر التيمم فيها في المائدة هي النازلة في قصة عائشة، وكان الوضوء مفعولا غير متلو فكمل ذكره، وعقب بذكر بدله، واستوفيت النواقص فيه، ثم أعيدت من قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾ هو إلى آخر الآية في سورة النساء مركبة على قوله
стр. 737
تعالى: ﴿جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (١) حتى يكمل تلك الآية في سورة النساء، والذي يدل على أن قصة عائشة هي آية المائدة؛ إن المفسرين بالمدينة اتفقوا أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٢) يعني من النوم، وكان ذلك في قصة عائشة ﵂، وقال الصفاقسي كلاما طويلًا ملخصه: أن الوضوء كان لازما لهم، وآية التيمم إما المائدة أو النساء، وهما مدنيتان، ولم تكن صلاة قبل إلاَّ بوضوء، فلما نزلت آية التيمم لم يذكر الوضوء لكونه متقدما متلوّا؛ لأن حكم التيمم هو الطارئ على الوضوء.
وقيل: يحتمل أن يكون نزل أولا أول الآية وهو فرض الوضوء، ثم نزل عند هذه الواقعة آية التيمم، وهو تمام الآية، وهو ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ (٢)، أو يحتمل أن يكون الوضوء كان بالسُّنة لا بالقرآن، ثم أُنزلا معا، فعبَّرت بالتيمم إذ كان هو المقصود، وقال القرطبي وغيره أرادَتْ آية النساء؛ لأن آيتها لا ذكر فيها للوضوء.
ص: وقد دلّ على ذلك أيضًا: ما: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا الحسن بن صالح، قال: سمعت سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير قال: "كان ابن عباس وابن عمر يقرآن القرآن، وهما على غير وضوء".
حدثنا سليمان بن شعب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: نا شعبة، عن سلمة بن كهيل .. فذكر بإسناده مثله.
حدثنا محمَّد بن الحجاج، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، عن حماد بن سلمة.
وحدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس .. مثله.
حدثنا إبراهيم بن محمَّد الصيرفي، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: نا همام، قال: نا قتادة، عن عبد الله بن بُرَيدة، عن ابن عباس: "أنه كان يقرأ حِزبه وهو محدث".
стр. 738
حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، قال: أخبرني الأزرق بن قيس، عن رجل يقال له: أبان، قال: "قلت لابن عمر: إذا هرقت الماء، أأذكر الله؟ قال: أيْ شيء إذا هَرقت الماء؟ قال: إذا بُلْتُ. قال: نعم، أذكر الله".
فهذا ابن عباس وابن عمر قد رويا عن النبي ﵇ أنه لم يَرُدّ السَّلام في حال الحدث حتى تيمّم، وقد ذكرنا عنهما ذلك فيما تقدّم هنا في هذا الكتاب، وهنا فقد قرءا القرآن في حال الحدث، فلا يجوز ذلك عندنا، إلَّا وقد ثبت النسخ أيضًا عندهما.
ش: أي وقد دّل على النسخ الذي ذكرناه ما روي عن ابن عباس وابن عمر ﵃، بيانه: أنهما قد رويا فيما مضى أن النبي ﵇ لم يرد السلام في حال الحدث حتى تيمم، فدل هذا على أن ذكر الله من غير طهر لا ينبغي أن يفعل، ثم إنه قد روي عنهما أنهما قرءا القرآن وهما محدثان فلا يجوز ذلك عنهما إلاَّ بعد ثبوت النسخ عندهما؛ تحسينا بالظن في حقهما، وقد تقرر أن الصحابي إذا فعل أو أفتى بخلاف ما روى؛ دَلَّ ذلك على ثبوت النسخ عنده؛ لأنهم محفوظون عن المخالفة، ثم إنه أخرج ما روي عن ابن عباس وابن عمر معا من طريقين صحيحين:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم هو الفضل بن دكين، عن الحسن بن صالح بن حيّ الكوفي العابد.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا وكيع، قال: نا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير: "أن ابن عباس وابن عمر ﵃[كانا] (٢) يقرءان القرآن بعد ما يخرجان من الحدث قبل أن يتوضئا".
الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن شعبة .. إلى آخره.
стр. 739
وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا (١): قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سلمة ابن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس وابن عمر "كانا يقرءان أحزابهما من القرآن بعد ما يخرجان من الخلاء قبل أن يتوضئا".
وأخرج ما روي عن ابن عباس وحده من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن محمَّد بن الحجاج الحضرمي، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني.
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن حميد الطويل.
الثالث: عن إبراهيم بن محمَّد الصيرفي البصريّ، وثقه ابن حبان، عن مسلم بن إبراهيم القصاب شيخ البخاري وغيره، عن همام بن يحيى ... آخره.
قوله: "حزبه" الحزب: ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة كالوِرْد، والحزبْ: النوبة في ورود الماء.
وأخرج ما روي عن ابن عمر وحده، عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، روى له البخاري وأبو داود والنسائي، عن أبان شيخ بصري تابعي ذكره ابن حبان في التابعين الثقات.
قوله: "هرقت" أصله أرقت، والهاء تبدل من الهمزة.
قوله: "أأذكر" بهمزتين أولاهما استفهامية.
ص: وقد تابعهما على ما ذهبا إليه من هذا قوم.
حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن حماد الكوفي، عن إبراهيم: "أن ابن مسعود ﵁ كان يُقْرِئْ رجلًا، فلما انتهى إلى شاطئ الفرات كفَّ عنه الرجلُ، فقال له: مالك؟ قال: أحدثت. قال: اقرأ فجعل يقرأ، وجعل يفتح عليه".
стр. 740
حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: ثنا حماد، عن عاصم الأحول، عن عروة، عن سلمان: "أنه أحدث، فجعل يقرأ، فقيل له: أتقرأ وقد أحدثت؟ قال: نعم إني لست بجُنب".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا عبد الرحمن بن زياد، قال: نا شعبة، قال: "سألت قتادة عن الرجل يقرأ القرآن وهو غير طاهر. فقال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: كان أبو هريرة ربما قرأ السورة وهو غير طاهر".
حدثنا مرزوق، قال: نا وهب، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد، عن أبي هريرة ... مثله.
حدثنا ابن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا همام، عن قتادة .. فذكر بإسناده مثله.
فقد ثبت بتصحيح ما روينا نَسْخُ حديث ابن عباس ومن تابعه، وثبوت حديث عليّ ﵁ على ما قد شدَّه من أقوال الصحابة، فبذلك نأخذ، فَنَكْرَهُ للجنب والحائض قراءة الآية تامة، ولا نرى بذلك بأسا للذي على غير وضوء، ولا نرى لهم جميعًا بأسا بذكر الله .
ش: أي وقد تابع ابن عباس وابن عمر على ما ذهبا إليه من إباحة ذكر الله من غير طهر قوم من الصحابة، وهم: عبد الله بن مسعود، وسلمان الفارسي، وأبو هريرة.
وأخرج أثر ابن مسعود بإسناد صحيح، عن محمَّد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان الكوفي، عن إبراهيم النخعي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١) مختصرا، عن وكيع، عن شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله: "أنه كان معه رجل، فبال ثم جاء، فقال له ابن مسعود: اقرأه".
стр. 741
وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن معمر، عن عطاء الخراساني، قال: "كان ابن مسعود يفتح على الرجل وهو يقرأ، ثم قام فبال فأمسك الرجل عن القراءة، فقال له ابن مسعود: ما لك؟! اقرأ، وكان يفتح عليه فقرأ".
قوله: "إلى شاطئ الفرات" أي إلى جنبه. قال الجوهري: شاطئ الوادي وشطّه: جانبه، والفرات نهر مشهور أوله من شمالي أرمينية الروم آخر بلاد الروم، وآخره يصبّ في بطائح كبار في فضاء العراق بعد الكوفة.
قوله: "فجعل" معناه: شرع، وتستعمل استعمال "كاد"، تقول: جعل زيد يفعل كذا، وكذلك "أخذ"، وقد يجيئ جملة إسمية، وفعلا ماضيا، وهما نادران.
قوله: "يفتح عليه" يعني يرد عليه إذا توقف في القراءة، ويلقنه، ويأخذ منه.
وأخرج أثر سلمان أيضًا من طريق صحيح، عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج ابن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن سليمان الأحول، عن عروة بن الزبير بن العوام.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): من وجه آخر، عن وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن زيد بن معاوية، عن علقمة والأسود: "أن سلمان قرأ عليهما بعد الحدث".
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣): عن ابن عيينة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت علقمة بن قيس يقول: "دخلنا على سلمان، فقرأ علينا آيات من القرآن على غير وضوء".
وأخرج أثر أبي هريرة من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن. سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن شعبة ... إلى آخره.
стр. 742
وأخرجه عبد الرازق في "مصنفه" (١): عن معمر، عن قتادة، عن ابن المسيب قال: "ربما سمعت أبا هريرة يقرأ ويحدر السورة وإنه لغير متوضئ".
قوله: "وهو غير طاهر" أي غير متوضئ، وتشهد لذلك رواية عبد الرزاق.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير .. إلى آخره.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن ابن نمير، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: "أن أبا هريرة كان يخرج من المخرج ثم يحدر السورة".
الثالث: عن محمَّد بن خزيمة، عن حجاج بن المنهال، عن همام بن يحيى، عن قتادة.
قوله: "نسخ حديث ابن عباس" وهو الحديث الذي مر ذكره في أوائل الباب، الذي تمسك به أهل المقالة الثانية.
وأراد بمن تابعه: ابن عمر، والمهاجر بن قنفذ، وأبا الجهم بن الحارث.
وأراد بحديث علي ﵁ قوله: "كان رسول الله ﵇ يقرأ القرآن على كل حال إلا الجنابة".
قوله: "على ما قد شده" أي حديث علي "من أقوال الصحابة" وكلمة "من" زائدة، وهي تراد في الإثبات والنفي جميعًا؛ فافهم.
قوله: "فبذلك نأخذ" أي بحديث علي نأخذ، وهو إباحة الذكر والقراءة للمحدث بالحدث الأصغر.
قوله: "فنكره" أي إذا كان الأمر كذلك؛ نكره للجنب والحائض "قراءة الآية تامة"، أي حال كونها تامة، والمراد كراهة التحريم، وفهم منه أن لهما قراءة ما دون الآية، وعامة المشايخ على أنه تستوي في الكراهة الآية التامة وما دونها، وعلّله صاحب "البدائع" بإطلاق الحديث، وبأن المانع تعظيم القرآن، ومحافظة حرمته، وهذا لا يوجب الفصل بين القليل والكثير.
стр. 743
قلت: نظر الطحاوي في أن المتعلق بالقرآن حكمان: جواز الصلاة، ومنع الجنب والحائض عن قراءته، ثم في حق أحد الحكمين تفصيل بين الآية وما دونها، فكذلك في الحكم الآخر.
وفي "المبسوط": قول أبي سماعة مثل قول الطحاوي، وفي "الجامع" لنجم الدين الزاهدي: وأطلق الطحاوي ما دون الآية للحائض والنفساء والجنب، وهو رواية أبي سماعة عن أبي حنيفة، وعليه الأكثرون، وفي "التجنيس": ويستوي في القراءة الآية وما دونها، وهو الصحيح يعني في الحرمة، وقال أيضًا: إذا حاضت المعلّمة فينبغي لها أن تعلم الصبيان كلمة كلمة، وتقطع بين الكلمتين، على قول الكرخي، وعلى قول الطحاوي: تُعلم نصف آية، ثم تقطع، ثم تعلم نصف آية، ولا يكره لها التهجي بالقرآن، وكذا لا يكره دعاء القنوت، كذا في "المحيط".
وذكر الحلواني، عن أبي حنيفة: لا بأس للجنب أن يقرأ الفاتحة على وجه الدعاء. قال الهندواني: لا أفتي بهذا، وإن روي عنه.
وفي "العيون": لا بأس للجنب أن يقرأ الفاتحة على وجه الدعاء، أو شيئًا من الآيات التي فيها معنى الدعاء.
قوله: "ولا يرى لهم" أي للجنب، والحائض، والذي على غير وضوء.
ص: وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ في منع الجنب أيضًا من قراءة القرآن ما يوافق ما قلنا.
حدثنا إبراهيم بن محمَّد الصيرفي، قال: نا عبد الله بن رجاء، قال: نا زائدة، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبيدة قال: "كان عمر ﵁ يكره أن يقرأ القرآن وهو جُنب".
حدثنا فهد، قال: نا عمر بن حفص، قال: نا أبي، قال: ثنا الأعمش ... فذكر بإسناده مثله.
стр. 744
فهذا عندنا أولى من قول ابن عباس؛ لما قد وافقه مما رويناه عن رسول الله ﵇ في حديث علي بن أبي طالب وابن عمر وأبي موسى مالك بن عبادة، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن ﵏.
ش: "روي" مستند إلى قوله: "ما يُوافقُ"، وقوله: "ما قلنا" مفعول قوله يُوافقُ.
وإسناد أثر عمر صحيح من الطريقين على شرط الشيخين، وزائدة هو ابن قدامة، والأعمش هو سليمان، وشقيق -بن سلمة، وعَبِيدة -بفتح العين، وكسر الباء-: ابن عمرو السَّلْماني بسكون اللام.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١): عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عَبِيدة السَلْماني قال: "كان عمر بن الخطاب يكره أن يقرأ القرآن وهو جُنُب".
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): عن حفص وأبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن عَبيدة، عن عمر ﵁ قال: "لا يقرأ الجنب القرآن".
وأخرج الدارمي في "سننه" (٣): أنا أبو الوليد، نا شعبة، أنا الحكم، عن إبراهيم قال: "كان عمر ﵁ يكره أو ينهى أن يقرأ الجنب"، قال شعبة: وجدت في الكتاب: "والحائض".
قوله: "وأبي موسى" هو كنية مالك بن عبادة الغافقي، ولهذا قال: "مالك بن عبادة" بعده بطريق عطف البيان.
ص: وقد روي عن ابن عباس ﵄ أيضًا ما يدل على خلاف ما رواه نافع في حديث محمَّد بن ثابت الذي ذكرناه فيما تقدم في كتابنا هذا.
стр. 745
حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء، فطعم، فقيل له: ألا توضأ؟ فقال: "إني لا أريد أن أصلي فأتوضأ".
حدثنا أبو بكرة، قال: نا أبو عاصم، قال: نا ابن جريج، قال: أخبرني سعيد بن الحويرث .. فذكر مثله بإسناده.
حدثنا ابن أبي داود، قال: نا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: نا رَوْح بن القاسم، عن عمرو بن دينار .. فذكره بإسناده مثله.
حدثنا محمَّد بن الحجاج، قال: نا خالد بن عبد الرحمن، قال: نا حماد بن سلمة، عن عمرو ... مثله بإسناده.
أفلا ترى أن رسول الله لما قيل له: "ألا توضأ؟ " قال: "أَأُريد الصلاة فأتوضا؟! ".
فأخبر أن الوضوء إنما يُراد للصلاة لا للذكر، فهذا معارض لما رويناه عن ابن عباس في أول هذا الباب، وهذا أولى؛ لأن ابن عباس عمل به بعد رسول الله ﵇ فدلّ عملهُ به على أنه هو الناسخ.
ش: أشار بهذا إلى أن ما روي عن ابن عباس من حديث محمَّد بن ثابت العبدي عن نافع، عنه، الذي مضى ذكره في صدر هذا الباب قد نسخ بما رواه عن سعيد بن الحويرث مخالفا له في حُكمه؛ لأن في حديث محمَّد بن ثابت ذكر أنه ﵇ لم يَرُدّ السلام على ذاك الرجل، وقال: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلاَّ أني كنت لست بطاهر"، وفي حديث سعيد بن الحويرث لما قيل له: "ألا توضأ؟ " قال: "أَأُريد الصلاة". وبينهما تعارض ظاهر، ولكن حديث محمَّد بن ثابت منسوخ، والدليل عليه أن ابن عباس عمل بحديث سعيد بن الحويرث بعد النبي ﵇، وهذا دليل علي أن النسخ ثبت عنده؛ لأن الراوي إذا روى حديثين متعارضين ثم عمل بأحدهما أو أفتى به، يدل على ثبوت نسخ
стр. 746
الآخر عنده، ثم إنه أخرج حديث ابن عباس هذا من أربع طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار ... إلى آخره.
وهذا على شرط مسلم؛ لأن رجاله كلهم رجاله.
وأخرجه مسلم (١): أيضًا عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة .. إلى آخره نحوه. غير أن في لفظه: "فجاء من الغائط فأُتي بطعام"، والباقي مثله سواء.
وأخرجه الدارمي أيضًا في "سننه" (٢): عن أبي نعيم، عن سفيان بن عيينة .. إلى آخره نحو رواية مسلم.
قوله: "فطعم" أي أكل، يقال: طَعِمَ يَطْعَمُ طُعْما فهو طَاعِمٌ: إذا أكل أو ذاق، مثل: غَنِمَ يَغْنَمُ غُنْما فهو غَانِمٌ، قال الله تعالى،: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (٤) أي من لم يذقه.
قوله: "ألا توضأ" أصله تتوضأ، فحذفت إحدى التائين للتخفيف.
قوله: "فأتوضأ" بالنصب عطفا على قوله: "أن أصلي"، والمعنى لا أريد الصلاة حتى أتوضأ.
الثاني: عن أبي بكرة بكَّار، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الملك بن جريج .. إلى آخره.
стр. 747
وأخرجه مسلم (١): حدثني محمَّد بن عمرو بن عباد بن جبلة، قال: نا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: نا سعيد بن حويرث، أنه سمع ابن عباس يقول: "إن النبي ﵇ فقضى حاجته من الخلاء، فُقرّب إليه طعام فأكل؛ ولم يمسّ ماء" فقال: وزادني عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث: "أن النبي ﵇ قيل له: إنك لم توضأ، قال: ما أردت صلاة فأتوضأ" وزعم عمرو أنه سمعه من سعيد بن الحويرث.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود، عن محمَّد بن المنهال .. إلى آخره.
وأخرجه الكِسِّي في "مسنده" (٢): أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة.
وعن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس: "أن رسول الله ﵇ خرج من الغائط، ثم أراد أن يَطْعَم، فقيل: ألا توضأ؟ فقال إنما أمرتم بالوضوء للصلاة".
الرابع: عن محمَّد بن الحجاج الحضرمي، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني ... إلى آخره.
وأخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (٣): نا حماد بن سلمة وحماد بن زيد، عن عمر وبن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس، قال: "خرج رسول الله ﵇ من الخلاء، فقالوا: نأتيك بوضوء؟ فقال: أأصلي فأتوضا؟! ".
وأخرجه الطبراني بإسناده (٤): عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "خرج النبي ﵇ من الغائط، ثم قعد فَطَعِمَ، فقالوا: يا رسول الله، ألا تتوضأ؟ قال: إنما أمرت بالوضوء للصلاة، فأما للطعام فلا".
стр. 748
وأخرجه أيضًا (١): من حديث ابن أبي مليكة، عن ابن عباس نحوه.
ص: فإن عارض في ذلك معارض بما حدثنا فهد، قال: نا أحمد بن يونس، قال: أنا زهير، قال: نا جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: "ما أتى رسولُ الله ﵇ الخلاءَ إلا توضأ حين يخرج وضوءه للصلاة".
قالوا: فهذا يدلّ على فساد ما رويتموه عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ كان يذكر الله على كل أحيانه".
قيل له: ما في هذا دليل على ما ذكرت؛ لأنه قد يجوز أن يكون كان يتوضأ إذا خرج من الخلاء، ولا يتوضأ إذا بال، فيكون ذلك الحين حين حدث قد كان يذكر الله فيه، فيكون معنى قولها: "كان يذكر الله في كل أحيانه" أي في حين طهارته وحدثه، حتى لا تتضاد الآثار، مع أنه قد خالف ذلك حديث ابن عباس، عن رسول الله ﵇ لما قال: "أأرُيد الصلاة فأتوضأ"، فَدلّ ذلك على أنه لم يكن يتوضأ إلَّا وهو يريد الصلاة، فقد يحتمل أن يكون ما حضرت منه عائشة من الوضوء عند خروجه إنما هو لإرادته الصلاة لا للخروج من الخلاء، ويحتمل أيضًا أن يكون ذلك إخبارا منها عما كان يفعل قبل نزول الآية، وما في حديث خالد بن سلمة إخبارا منهما ما كان يفعل بعد نزول الآية، حتى يتفق ما روي عنها وما روي عن غيرها، ولا يتضاد من ذلك شيئًا.
ش: بيان المعارضة: أن حديث الأسود، عن عائشة يدلّ على أن الذكر وقراءة القرآن لا بد لهما من الطهر، وأنه أيضًا يدل على فساد ما روي عنها: "أن رسول الله ﵇ كان يذكر الله على كل أحيانه" وذلك للتعارض بينهما ظاهرا، والعمل بحديث الأسود أولى، حملا لحال الرسول ﵇ على أكمل الأحوال، والجواب عنها ظاهر.
стр. 749
قوله: "مع أنه قد خالف ذلك" أي مع أن الشأن: قد خالف حديث الأسود حديث ابن عباس.
قوله: "قبل نزول الاية" أي آية الوضوء، وأراد بحديث خالد بن سلمة هو الحديث الذي رواه عن عروة، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يذكر الله على كل أحيانه" ورجال حديث الأسود عن عائشة ثقات إلاَّ أن في جابر بن يزيد الجعفي مقالا وأحمد بن يونس: الضبي، قال الدارقطني: صدوق ثقة. وزهير: ابن معاوية، والأسود: ابن يزيد بن قيس.
стр. 750
ص: باب: حكم بول الغلام والجارية قبل أتى يأكلا الطعام
ش: أي هذا باب في بيان حكم بول الصغير والصغيرة قبل أن يأكلا الطعام، وجه المناسبة بين البابين: أن الأول يشتمل على أحكام النجس الحكمي، وهذا على أحكام النجس الحقيقي.
"الغلام" هو من حين يُولد إلى أن يَشِبَّ، وقيل: هو الذي طَرّ شاربُه، وفي "المخصّص": هو غلام من لدن فطامه إلى سبع سنين.
وعن أبي عُبَيد: هو المترعرع.
وفي "أساس البلاغة" للزمخشري: الغلام هو الصغير إلى حدَّ الالتحاء، فإن أجرى عليه بعد ما صار مُلتحيا اسم الغلام فهو مجاز (١).
ويروى عن عليّ بن أبي طالب ﵁ في بعض أراجيزه.
أنا الغلام الهاشمي المؤتمن (٢).
وقالت ليلى الأخيلية في الحجاج:
غلام إذا هزَّ القناة ثَناها (٣).
وقال بعضهم: يستحق هذا الاسم إذا ترعرع وبلغ الاحتلام بشهوة النكاح؛ كأنه يشتهي النكاح ذلك الوقت، ويُسمى قبل ذلك: الغلام، تفاؤلا، وبعد ذلك مجازا.
стр. 751
وفي "الموعب" لأبي غالب بن التياني: لا يقال للأنثى: غلامة إلَّا في كلام قد ذهب في ألسنة الناس.
وفي "الجمهرة": غلام رَعرعٌ، ورعراع، ولا يكون ذلك إلاَّ مع حسن الشباب، ويجمع على أَغْلِمة، وغِلْمة، وغِلْمان.
وفي "الصحاح": استغنوا بغلمة عن أغلمة، وتصغير الغلمة: أُغَيْلِمَة على غير مُكَبَّره؛ كأنهم صغروا أغلمة، وإن كانوا لم يقولوا.
وفي كتاب "خلق الإنسان": قال الأصمعي: يقال: غلام طفل، وجارية طِفْلة، وفيه: قال بعضهم: ما دام الولد في بطن أمه فهو جنين، فإذا ولدته سمى صبيّا ما دام رضيعا، فإذا فُطِمَ سُمِّي غلاما إلى سبع سنين، ثم يصير يافعا إلى عشر حجج، ثم يصير حَزَوّرا إلى خمس عشرة سنة، ثم يصير قُمُدا إلى خمس وعشرين سنة، ثم يصير عَنَطْنَطا إلى ثلاثين سنة، ثم يصير صُمّلا إلى أربعين سنة، ثم يصير كهلا إلى خمسين سنة، ثم يصير شيخا إلى ثمانين سنة، ثم يصير هِمَّا بعد ذلك فانيا كبيرا (١).
ص: حدثنا أحمد بن داود، قال: نا بكر بن خلف، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: أخبرني أبي، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن عليّ ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في الرضيع: "يُغْسل بول الجارية، وينضح بول الغلام".
ش: بكر بن خلف البصري شيخ البخاري وأبي داود وابن ماجه.
وأبو حرب روى له مسلم، وأبوه: أبو الأسود اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، روى له الجماعة، وهو أول من تكلم في النحو.
وأخرجه أبو داود (٢)، نا مُسدد، قال: نا يحيى، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن علي ﵁ قال: "يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام ما لم يطعم".
стр. 752
نا (١) ابن المثنى، نا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي الأسود، عن علي بن أبي طالب: "أن نبي الله ﷺ قال .. " فذكر معناه، لم يذكر: "ما لم يطعم".
زاد: قال قتادة: "هذا ما لم يطعما الطعام، فإذا طعما غسلا جميعًا".
وأخرجه ابن ماجه (٢)، والترمذي (٣)، وقال: حديث حسن، وذكر أن هشاما الدستوائي رفعه عن قتادة، وأن سعيد بن أبي عروبة وقفه عنه ولم يرفعه، وقال البخاري: وسعيد بن أبي عروبة لا يرفعه، وهشام الدستوائي يرفعه وهو حافظ.
وأخرجه الدارقطني (٤): عن أحمد بن محمَّد بن إسماعيل الآدمي، عن الهيثم العبدي، عن معاذ بن هشام ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي، وفي آخره: قال قتادة: "هذا ما لم يطعما فإذا طعما الطعام غسلا جميعا".
قوله: "في الرضيع" وهو اسم للمولود الذي يرضع، يقال: رَضِعَ الصبيّ أمّه يَرْضَعُها رضاعا مثل سَمِع يسْمَع سماعا، وأهل نجد يقولون: رَضَع يرضِع رَضْعا مثل: ضَرَبَ يَضْرِبُ ضَرْبا، وأرْضَعَتْه أمّه، وامرأة مُرضع أي لها ولد ترضعه، فإن وصفتها بإرضاع الولد، قلت: مرضعة.
قوله: "ويُنضح" من نَضَحَ الماء عليه يَنْضَحُهُ نَضْحا إذا ضربه بشيء فأصابه منه رشاش، ونَضَحَ عليه الماءُ رَش، قاله ابن سيدة.
وقال الأصمعي: نَضَحْتُ عليه الماء نَضْحا، وأصابه نَضَحٌ من كذا.
стр. 753
وقال ابن الأعرابي: النضح ما كان على اعتماد (١)، والنضخ ما كان على غير اعتماد، وقيل: هما لغتان بمعنى، وكله رَشٌّ.
وقال أبو علي: النضح ما كان من علو إلى سفل، ونضح البيت يَنْضِحُه نضحا، رشه رشا خفيفا، وفي "الجامع للقزاز": نضحت الشيء بالماء إذا رششته، والنضح أكثر من النضخ في رش الماء، ومنه قول قتادة: النَّضْحُ من النضح (٢)، وقالوا: النضح ما بقي له أثر، وقيل: النضخ بما غلظ كالدم والطيب، والنضح بالحاء المهملة بما رق، وفي "المنتهى" لأبي المعالي: النضح الرش، وأصابنا نضح من مطر، ونضْحُه، أي: مطر خفيف، وفي "الواعي" لأبي محمَّد، و"الصحاح" لأبي نصر، و"المجمل" لابن فارس، و"الجمهرة" لابن دريد، وابن القوطية، وابن القطاع، وابن طريف في "الأفعال"، والفارابي في "ديوان الأدب"، ويعقوب في "الألفاظ"، وكراع في "المنتخب"، وغيرهم: النضح: الرش.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن قابوس بن المخارق، عن لُبَابة بنت الحارث: "أن الحسين بن عليّ ﵄ بال على النبي ﵇، فقلت: أعطني أغسله. فقال: إنما يغسل من الأنثى وينضح من بول الذكر".
ش: إسناده صحيح، وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، وأبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي.
وقابوس بن المخارق الكوفي ثقة.
стр. 754
ولُبَابَة بنت الحارث بن حزن أم الفضل الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﵇ وهي زوجة العباس بن عبد المطلب.
وأخرجه أبو داود (١): نا مسدد والربيع بن نافع أبو توبة، قالا: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن قابوس، عن لُبَابَة بنت الحارث قالت: "كان الحسن بن علي في حجر رسول الله ﷺ فبال عليه، فقلت: الْبس ثوبا، وأعطني إزارك حتى أغسله، قال: إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر".
وأخرجه البيهقي في "سننه" (٢): من وجوه، وفي أحدها: "جاءت أم الفضل -يعني لُبَابَة- إلى النبي ﵇.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا أبو الأحوص ... فذكره مثله بإسناده.
ش: هذا طريق اخر، وهو أيضًا صحيح، عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي شيبة صاحب "المصنف" و"المسند"، عن أبي الأحوص سلام ... إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٣): نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن قابوس بن أبي المخارق، عن لُبَابَة بنت الحارث، قالت: "بال الحسين بن علي في حجر النبي ﵇ فقلت: يا رسول الله، أعطني ثوبك والبَسْ ثوبا غيره، فقال: إنما ينضح من بول الذكر، ويغسل من بول الأنثى".
وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (٤) والكجي في "سننه".
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني مالكٌ والليث وعمرو ويونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أم قيس ابنة محصن:
стр. 755
"أنها أتت بابن لها لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فأجلسه رسول الله ﵇ في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه، وثم يغسله".
ش: هؤلاء كلهم رجال الصحيح، ويونس هو ابن عبد الأعلى، وابن وهب عبد الله، وعمرو هو ابن الحارث المصري، ويونس هو ابن يزيد الأيلي، وابن شهاب هو محمَّد بن مسلم الزهري، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله الفقيه الأعمى المدني أحد الفقهاء السبعة بالمدينة.
وأخرجه الجماعة: فالبخاري (١): عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله ... إلى آخره نحوه.
ومسلم (٢) عن محمَّد بن عبيد الله بن المهاجر، عن الليث، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أم قيس بنت محصن: "أنها أتت رسول الله ﵇ بابن لها لم يأكل الطعام، فوضعته في حجره فبال، قال: فلم يزد على أن نضح بالماء".
وفي رواية لمسلم (٣): "فدعا بماء فرشه".
وأبو داود (٤)، عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
والترمذي (٥): عن قتيبة وابن منيع، كلاهما عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أم قيس بنت محصن، قالت: "دخلت بابن لي على النبي ﵇ لم يأكل الطعام، فبال عليه، فدعا بماء فرشه عليه".
والنسائي (٦): عن قتيبة، عن مالك، عن ابن شهاب ... إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
стр. 756
وابن ماجه (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح، كلاهما عن سفيان ابن عيينة، عن الزهري .. إلى آخره، نحو رواية الترمذي.
وأخرجه الطبراني (٢): بأتم منه، نا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق، عن معمر وابن جريج وابن عيينة، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة: "أن أم قيس بنت محصن، وكانت من المهاجرات الأول اللاتي بايعن رسول الله ﵇ فأخبرتني أنها أتت رسول الله ﵇ بابن لها لما يبلغ أن يأكل الطعام، وقد أغلَقَت عليه من العُذرة رفعتها بيدها فقال رسول الله ﵇: عَلامَ تذعرن أولادكن بهذه العلائق، عليكم بهذا العود الهذي يعني القُسط، فإن فيه سبعة أشفية، منها ذات الجنُب.
قال عبيد الله: فأخبرتني أم قيس أن ابنها بال في حجر النبي ﵇، فدعا رسول الله ﵇ بماء، فصبه على بوله ولم يغسله".
قوله: "أم قيس" قال السهيلي: اسمها آمنة بنت وهب بن مِحْصن، وقال أبو عمر: اسمها جُذامة، وهي أخت عكاشة بن محصن.
قوله: "في حجره" بفتح الحاء وكسرها لغتان مشهورتان.
قوله: "فبال على ثوبه" الظاهر أن الضمير في "ثوبه" يرجع إلى النبي ﵇، وقد قيل: إنه يرجع إلى الابن، أي بال الابن على ثوب نفسه، وهو في حجره ﵇، فنضح عليه الماء خوفا أن يكون طار على ثوبه منه شيء.
قلت: وهذا تأييد لقول الحنفية، فافهم.
قوله: "أعلقت عليه" رفعتها بيدها.
стр. 757
"والعذرة" بضم العين المهملة، وسكون الذال المعجمة: وجع الحلق من الدم، وذلك الموضع أيضًا سمي عذرة، وهو قريب من اللَّهاة.
قوله: "تذعرن" من ذَعَرْتُه أَذْعَره ذَعْرا: أفزعته، والاسم الذُّعر بالضم.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري ... فذكر مثله بإسناده.
ش: هذا طريق آخر عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد ابن مسلم الزهري .... إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا سفيان بن عُيينة، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أم قيس بنت محصن قالت: "دخلتُ على النبي ﵇ بابن لي لم يطعم فبال عليه، فدعا بماء، فرشه عليه".
وأخرجه الدارمي في "سننه" (٢): أنا عثمان بن عمر، أنا مالك بن أنس، وحدثناه عن يونس أيضًا، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أم قيس بنت محصن: "أنها أتت النبي ﵇ بابن لها لم يبلغ أن يأكل الطعام، فأجلسته في حجره، فبال عليه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله".
ص: حدثنا ابن خزيمة، قال: نا عبد الله بن رجاء، قال: نا زائدة، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: "أتى النبي ﵇ بصبي يحنكه، ويدعو له، فبال عليه، فدعى بماء فنضحه، ولم يغسله".
ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وأخرجه البخاري (٣): نا عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: "أتى النبي ﵇ بصبي فبال على ثوبه، فدعا بماء فأتبعه إياه".
стр. 758
ومسلم (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب، قالا: نا عبد الله بن نُمَيْر، قال: نا هشام، عن أبيه، عن عائشة: "أن رسول الله ﵇ كان يؤتى بالصبيان فيُبرِّك عليهم ويحنِّكهم، فأتى بصبي فبال عليه، فدعاء بماء فأتبعه بوله ولم يغسله" وفي رواية: "فصبَّه عليه".
والنسائي (٢): عن قتيبة، عن مالك ... إلى آخره نحو رواية البخاري.
وابن ماجه (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمَّد، قالا: ثنا وكيع، نا هشام بن عروة .. إلى آخره نحو رواية مسلم.
قوله: "بصبي" ذكر الدارقطني (٤): من حديث الحجاج بن أرطاة أن هذا الصبي هو عبد الله بن الزبير، وأنها قالت: "فأخذته أخذا عنيفا، فقال ﵇: إنه لم يأكل الطعام فلا يضر بوله" وفي لفظ: "فإنه لم يطعم الطعام فلا يقذر بوله".
وقد قيل: إنه الحسن. وقيل: إنه الحسين.
قلت: كل ذلك يحتمل، لروايات جاءت في ذلك.
الصبيُّ اسم لمن يولد إلى أن يبلغ، وذكر ابن سيدة في "المخصص"، عن ثابت: يكون صبيا ما دام رضيعا، وقال كراع في "المنتخب": أول ما يولد الولد يقال له: وليد، وطفل، وصبي، وعن الأصمعي: أول ما يولدُ: صبيُّ، ثم طفل.
وقال ابن دريد: جمعه صبيان، وصبوان وهذه أضعفها بناء مُكبَّره. وقال ابن السكيت: صبية، وصبوة.
وقال سيبويه: ومما حقر على غير بناء مُكبره قولهم في صِبْيَة: أُصَيبية.
стр. 759
وفي "المحكم": صبية، وصُبية، وصبوان، وصُبْوان، وأما قول بعضهم: صُبْيان بضم الصاد، والياء (١)، ففيه من النظر (٢) وفي "الجامع": صبي بين الصباء ممدودا، وفي "الصحاح" إذا مددت فتَحَت، وإذا كسرت قصرت، ولم يقولوا: أصبية استغناء بصِبْيَة، وجمع الصَّبيَّة صَبَايَا.
قوله: "يحنكه" من حَنَكَ الصَّبي، وحنَّكه بالتخفيف، والتشديد، وهو أن يمضغ التمر ونحوه، وذلك به حنكه.
وهذا كما رأيت أخرج الطحاوي في هذا الباب، عن علي، ولبابة بنت الحارث، وأم قيس، وعائشة، وابن أبي ليلى، وقال الترمذي: وفي الباب، عن علي، وعائشة، وزينب، وأبي السمح، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وأبي ليلى.
قلت: وفي الباب، عن أنس، وأبي أمامة، وأم سلمة، وأمر كرز ﵃.
فحديث زينب بنت جحش عند الطبراني في "الكبير" (٣): نا علي بن عبد العزيز، نا أبو نعيم، نا عبد السلام بن حرب، عن ليث، عن ابن القاسم مولى زينب، عن زينب بنت جحش: "أن النبي ﵇ كان نائما عندها، وحسين يحبو في البيت، فغفلت عنه، فحبا حتل بلغ النبي ﵇ فصعد على بطنه ثم وضع ذكره في سرته، قالت: واستيقظ النبي ﵇، فقمت إليه فحططته عن بطنه، فقال النبي ﵇: دعي ابني، فلما قضى بوله أخذ كوزا من ماء فصبه عليه، ثم قال: إنه يُصَبُّ من الغلام ويُغْسل من الجارية. قالت: ثم توضأ، ثم قام يصلي واحتضنه، فكان إذا ركع وسجد وضعه، وإذا قام حمله، فلما جلس جعل يدعو، ويرفع يديه، ويقول، فلما
стр. 760
قضى الصلاة قلت: يا رسول الله، لقد رأيتك تصنع اليوم شيئًا من رأيتك تصنعه! قال: إن جبريل ﵇ أتاني، وأخبرني أن ابني يقتل، قلت: فأرني إذا فأتاني تربة حمراء".
قلت: وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف.
وحديث أبي السمح عند أبي داود (١): نا مجاهد بن موسى وعباس بن عبد العظيم العنبري، قالا: نا عبد الرحمن بن مهدي، قال: نا يحيى بن الوليد، قال: حدثني مُحِلّ بن خليفة، قال: حدثني أبو السَمْح، قال: "كنت أخدم النبي ﵇ فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولِّني قفاك، فأوليه قفاي فأستره به، فأتى بحسن أو حسين فبال على صدره، فجئت أغسله، فقال: يُغسل من بول الجارية، ويُرش من بول الغلام".
وأخرجه النسائي (٢)، وابن ماجه (٣).
وأبو السمح لا يعرف له اسم، ولا يعرف له غير هذا الحديث، كذا قال أبو زرعة الرازي، وقال غيره، اسمه إيادُ، والله أعلم.
وحديث عبد الله بن عمرو وعند الطبراني في "الأوسط" (٤) بإسناد حسن عنه: "أن رسول الله ﵇ أتي بصبي فبال عليه فنضحه، وأتى بجارية فبالت عليه فغسله".
وحديث ابن عباس عند الدارقطني (٥): نا محمَّد بن عمرو بن البختري، نا أحمد بن الخليل، نا الواقدي، نا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "أصاب النبي ﵇ أو جلده بول صبي وهو صغير، فصب عليه من الماء بقدر البول".
стр. 761
وحديث أنس بن مالك عند الطبراني في "الكبير" (١): بإسناده عنه، قال: "بينا رسول الله ﵇ راقد في بعض بيوته على قفاه، إذ جاء الحسن بدرج حتى قعد على صدر النبي ﵇ ثم بال على صدره، فجئت أميُطه عنه، فانتبه رسول الله ﵇ فقال لي: ويحك يا أنس، دع ابني وثمرة فؤادي، فإنه من آذى هذا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ثم دعا رسول الله ﵇ بماء فصبه على البول صبَّا، فقال: يُصَبُّ على بول الغلام، ويغسل بول الجارية".
قلت: وفي إسناده نافع أبو هرمز، وقد أجمعوا على ضعفه.
وحديث أبي أمامة عند الطبراني أيضًا في "الكبير" (٢) عنه: "أن رسول الله ﷺ أتى بالحسين فجعل يقبله، فبال، فذهبوا ليتناولوه، فقال: ذروه، فتركه حتى فرغ من بوله" وفي إسناده [عفير] (٣) بن معان، وقد أجمعوا على ضعفه.
وحديث أم سلمة عند الطبراني أيضًا في "الأوسط" (٤)، عنها: "أن الحسن أو الحسين بال على بطن النبي ﵇ فقال النبي ﵇ لا تُزرموا ابني أو لا تستعجلوه، فتركه حتى قضى بوله، فدعى بماء فصبه عليه" وإسناده حسن.
وحديث أم كرز عند ابن ماجه (٥): نا محمَّد بن بشار، نا أبو بكر الحنفي، نا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أم كرز، أن رسول الله ﵇ قال: "بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل".
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٦).
стр. 762
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى التفريق بين حكم بول الغلام، وبول الجارية قبل أن يأكلا الطعام، فقالوا: بول الغلام طاهر، وبول الجارية نجس.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الحسن، والأوزاعي، وابن وهب، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبا ثور؛ فإنهم فرقوا بين حكم بول الصغير، وبول الصغيرة.
وأعلم أنه أجمع المسلمون أن بول كل آدمي يأكل الطعام نجس، واختلفوا في بول الصبي والصبيَّة إذا كانا رضيعين لا يأكلان الطعام.
فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: بول الصبي والصبية كبول الرجل. وبه قال الثوري، والحسن بن حيّ.
وقال الأوزاعي: لا بأس ببول الصبي مادام يشرب اللبن ولا يأكل الطعام. وهو قول ابن وهب.
وقال الشافعي: بول الصبي ليس بنجس، ولا يبين لي فرق ما بين الصبي والصبية، ولو غُسل كان أحبَّ إلي.
وقال الطيبي: بول الصبية يغسل غسلا، وبول الصبي يتبع بماء، وهو قول الحسن البصري.
وقال النووي: الخلاف في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبي، ولا خلاف في نجاسته، وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي، وأنه لم يخالف فيه إلَّا داود الظاهري، وأما ما حكاه أبو الحسن بن بطال ثم القاضي عياض، عن الشافعي وغيره أنهم قالوا: بول الصبي طاهر وينضح فحكاية باطلة قطعا.
قلت: هذا إنكار من غير برهان، ولم يُنْقَل هذا عن الشافعي وحده، بل نُقِل عن مالك أيضًا، أن بول الصغير الذي لا يطعم طاهر، وكذا نُقِلَ عن الأوزاعي وداود الظاهري.
стр. 763
ثم قال النووي (١): وكيفية طهارة بول الصبي والجارية على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا:
الصحيح المشهور المختار: أنه يكفي النضح في بول الصبي، ولا يكفي في بول الجارية بل لا بد من غسله كغيره من النجاسات.
والثاني: أنه يكفي النضح فيهما.
والثالث: لا يكفي النضح فيهما، وهما شاذان ضعيفان.
وممن قال بالفرق: علي بن أبي طالب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن وهب من أصحاب مالك، ورُوي عن أبي حنيفة.
وأما حقيقة النضح هنا فقد اختلف أصحابنا فيها، فذهب الشيخ أبو محمَّد الجويني والقاضي حسين والبغوي إلى أن معناه: أن الشيء الذي أصابه البول يغمر بالماء كسائر النجاسات، بحيث لو عصر لا يعصر، وذهب إمام الحرمين والمحققون إلى أن النضح: أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء [وتَردُّده] (٢) وتقاطره، بخلاف المكاثرة في غيره، فإنه يشترط فيها أن تكون بحيث يجري بعض الماء ويتقاطر في المحل، وإن لم يشترط عصره، وهذا هو الصحيح المختار.
ثم إن النضح إنما يجزئ ما دام الصبي يُقْتَصَر به على الرضاع، أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية فإنه يجب الغسل بلا خلاف.
وقال ابن حزم في "المحلى": وممن فرق بين بول الغلام وبول الجارية أم سلمة: -أم المؤمنين- وعلي بن أبي طالب ولا مخالف لهما من الصحابة، وبه يقول قتادة، والزهري وقال: مضت السُّنة بذلك، وعطاء بن أبي رباح والحسن والأوزاعي
стр. 764
والشافعي وأحمد إلَّا أنه قد رُوي عن الحسن: التسوية بين بول الغلام والجارية في الرش عليهما جميعا.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فسووا بين بولهما جميعا وجعلوهما نجسين.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: إبراهيم النخعي، وسعيد بن المسيب، والحسن بن حي، والثوري، وأبا حنيفة وأصحابه، ومالكا وأكثر أصحابه، فإنهم لم يفرقوا بين بولي الصغير والصغيرة في نجاسته، وجعلوهما سواء في وجوب غسله منهما.
وقال القاضي عياض: في مذهبنا ثلاثة أقوال:
- قول بنجاسة بولهما وغسلهما، وهو المشهور عن مالك وأصحابه، وهو قول أبي حنيفة والكوفيين.
- وقول بطهارة بول الصبي وحدة ونضحه، ونجاسة بول الجارية، وهو قول الشافعي وأحمد وجماعة من السلف وأصحاب الحديث، وابن وهب من أصحابنا.
- والقول الثالث: رواه الوليد بن مسلم عن مالك، وهو قول الحسن البصري، وقد ذكرنا قوله عن قريب.
ص: وقالوا: قد يحتمل قول النبي ﵇: "بول الغلام ينضح" إنما أراد بالنضح صب الماء عليه؛ فقد تُسمي العرب ذلك نضحا، ومنه قول النبي ﵇: "إني لأعرف مدينة ينضح البحر بجانبه" فلم يعن بذلك النضح الرش، ولكنه أراد: يلزق بجانبها.
قالوا: وإنما فوق بينهما لأن بول الغلام يكون في موضع واحد لضيق مخرجه، وبول الجارية يتفرق لسعة مخرجه، فأمر في بول الغلام بالنضح، ويريد: صب الماء في موضع واحد، وأراد بغسل بول الجارية أن يتتبع بالماء؛ لأنه يقع في مواضع متفرقة، وهذا محتمل لما ذكرناه.
стр. 765
ش: أي قال هؤلاء الآخرون: وأشار به إلى الجواب عن ما قاله أهل المقالة الأولى من تعين النضح لبول الغلام؛ محتجين بحديث علي ﵁ وغيره.
تحريره: أن يقال: يحتمل أن يراد من النضح صب الماء عليه؛ لأن العرب تُسمي ذلك نضحا، كما في قوله ﵇ "إني لأعرف مدينة ينضح البحر بجانبها" فإنه ﵇ لم يرد بذلك النضح الرش، ولكنه أراد أنه يلزق بجانبها ويضربه.
وهذا الحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (١): نا يزيد، أنا جرير، أنا الزبير بن خرِّيت، عن أبي لبيد قال: "خرج رجل من ضاحية مهاجرا -يقال له: بَيْرَح بن أسد- فقدم المدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ بأيام، فرآه عمر ﵁ فعلم أنه غريب، فقال له: ممن أنت؟ فقال: من أهل عمان. قال: من أهل عمان؟ قال: نعم. قال: فأخذ بيده فأدخله على أبي بكر ﵁ فقال: هذا من أهل الأرض التي سمعت رسول الله ﵇ يقول: إني لأعلم أرضا يقال لها: عمان، ينضح بناحيتها البحر، لو أتاهم رسول (٢) ما رموه بسهم ولا حجر".
قلت: رجاله رجال الصحيح.
وأخرجه أبو يعلى أيضًا في "مسنده" (٣): وفيه لمازة بن زبار وهو ثقة.
ومن الدليل على أن النضح هو صب الماء والغسل من غير عرك: قول العرب: [غسلتني] (٤) السماء، وإنما يقولون ذلك عند إنصباب المطر عليهم.
وكذلك يقال: غسلني التراب إذا انصب عليه.
وقال أبو عمر: الظاهر من معنى النضح صب الماء دون الرش؛ لأن الرش لا يزيد النجاسة إلَّا نثرا.
стр. 766
وقد قال بعض من ينصر قول أهل المقالة الثانية: إن النضح قد يذكر ويراد به الغسل، وكذلك الرش يذكر ويراد به الغسل.
أما الأول: فيدل عليه ما رواه أبو داود (١) وغيره: عن المقداد بن الأسود: "أن علي بن أبي طالب ﵁ أمره أن يسأل رسول الله ﵇ عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي، ماذا عليه؟ قال علي: فإن عندي ابنته وأنا استحي أن أسأله. قال المقداد: فسألت رسول ﵇ عن ذلك فقال: إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة".
ثم الذي يدل على أنه أريد بالنضح ها هنا الغسل ما رواه مسلم (٢): وغيره عن علي ﵁ قال: "كنت رجلًا مذاءا، فاستحييت أن أسأل رسول الله ﵇ لمكان ابنته، فأمرت المقداد بن أسود، فسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ".
والقضية واحدة، والراوي عن رسول الله ﵇ واحد.
ومما يدل على أن النضح يذكر ويراد به الغسل: ما رواه الترمذي (٣): وغيره عن سهل بن حنيف قال: "كنت ألقى من المذي شدة، وكنت أكثر منه الاغتسال، فسأل رسول الله ﷺ فقال: إنما يجزئك ذلك الوضوء.
قلت: يا رسول الله، فكيف بما يصيب ثوبي منه؟ فقال: يكفيك أن تأخذ كفّا من ماء فتنضح به من ثوبك حيث ترى أنه أصابه" وأراد بالنضح ها هنا الغسل، فافهم.
وأما الثاني: وهو أن الرش يذكر ويراد به الغسل فقد صح عن ابن عباس ﵁ أنه لما حكى وضوء رسول الله ﵇ أخذ غرفة من ماء فرش على رجله اليمنى حتى غسلها، وأراد بالرش ها هنا: صب الماء قليلا قليلا، وهو الغسل بعينه.
стр. 767
ومما يدل على أن النضح والرش يذكران ويراد بهما الغسل: قوله ﵇ في حديث أسماء ﵂: "تحتُّه، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه" معناه تغسله، هذا في رواية الشيخين (١)، وفي رواية الترمذي (٢): "حُتيَّه، ثم اقرصيه، ثم رشِّيه وصلي فيه" أراد اغسليه، قاله البغوي.
فلما ثبت أن النضح والرش يذكران ويراد بهما الغسل، وجب حمل ما جاء في هذا الباب من النضح والرش على الغسل، بمعنى إسالة الماء عليه من غير عرك؛ لأنه متى صب الماء عليه قليلا قليلا حتى تقاطر وسال، حصل الغسل؛ لأن الغسل هو الإساله، فافهم.
فإن قيل: قد صرح في رواية مسلم وغيره: "فأتبعه بوله، ولم يغسله"، فكيف تحمل النضح والرش على الغسل؟
قلت: معناه: ولم يغسله بالعرك كما يغسل سائر الثياب إذا أصابتها النجاسة، ونحن نقول به.
قوله: "قالوا: وإنما فرق بينهما .. الخ" أي قال أهل المقالة الأولى: إنما فرق في الحديث بين الصغير والصغيرة؛ "لأن بول الغلام ... إلى آخره"، إنما ذكر هذا تأكيدا لما قاله، إنما أراد بالنضح صب الماء عليه؛ لأنهم قالوا في هذه التفرقة: إن المراد بالنضح في بول الغلام صب الماء في موضع واحد، ومن الغسل في بول الجارية أن يتتبع بالماء لأنه يقع في مواضع متفرقة.
وهذا بعينه يؤيد ما ذكرنا من أن المراد بالنضح صب الماء، فلذلك قال: "وهذا محتمل لما ذكرنا"، أي هذا الذي ذكروه من الصب في بول الغلام، وتتابع الماء في بول الجارية مُحْتَمَلُ لما ذكرناه، وهو بفتح الميم، فافهم.
стр. 768
ثم وجه التفرقة بينهما: هو ما ذكروه من أن بول الغلام يقع في موضع واحد لضيق مخرجه وهو الإحليل، وبول الجارية يقع في مواضع لسعة مخرجه، وهو ما بين "اسكتي" (١) الفرج، فأمر في بول الغلام بالنضح، أي الصب في موضع واحد، وبالغسل في بول الجارية لتفرقه.
وقد يقال: إن بول الغلام مثل الماء، وبول الجارية ثخين أصفر يلتصق بالمحل، فقال: "ينضح بول الغلام" أي يسال عليه الماء من غير عرك؛ لسرعة زواله، كما أمر بالنضح على الثوب الذي أصابه المذي، وقال: "يغسل بول الجارية"، أي يصب الماء عليه ويعرك لبُطْء زواله، كما أمر به في غسل الثوب من دم الحيض بقوله ﵇: "حُتيَّه ثم اقرصيه بالماء".
وقال القاضي عياض: وجه التفرقة بين الغلام والجارية: اتباع ما وقع في الحديث، فلا يعلى به ما ورد به، وهذا أحسن من التوجيه بغير هذا المعنى مما ذكروه.
وقال أبو عمر بن عبد البر: حجة من قال بالتفرقة قوله ﵇: "يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام" وهذا عند جميعهم ما لم يأكل الطعام. قال: والقياس أنه لا فرق بين بول الغلام والجارية، كما أنه لا فرق بين بول الرجل والمرأة، إلاَّ أن هذه الآثار -إن صحت ولم يعارضها مثلها- وجب القول بها إلَّا أن رواية من روى الصب على بول الصبي واتباعه الماء أصح وأولى.
وأحسن شيء في هذا الباب ما قالته أم سلمة قالت: "يغسل بول الغلام، يصب عليه الماء صبّا، وبول الجارية يغسل طَعِمَت أو لم تطعم" ذكره البغوي وهو حديث مفسر للأحاديث كلها، مستعمل لما حاشا حديث المُحِل بن خليفة الذي ذكر فيه الرش، وهو حديث لا تقوم به حجة، والمُحِلُّ: ضعيف، انتهى.
стр. 769
قلت: في كلامه نظر من وجوه:
الأول: أن قوله: "إن الذي ذكر فيه الرش ضعيف" غير جيد؛ لأن ابن خزيمة خرجه في "صحيحه" (١) من حديث المحل، وابن حزم (٢) والحاكم (٣)، ورواه ابن ماجه أيضًا (٤) بسند صحيح من غير حديث المحل وفيه: "فدعا بماء فرش عليه"، وكذا في رواية أحمد على ما ذكرناها عن قريب.
الثاني: تضعيفه المحل بن خليفة غير جيد؛ لأنه ممن احتج به البخاري في "صحيحه" في غير موضع، وقال فيه يحيى (وأبو زرعة) (٥) والنسائي والدارقطني، ثقة. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات.
الثالث: ذكره قول أم سلمة موقوفا عليها غير جيد؛ لأن الطبراني في "الأوسط" (٦): رواه من حديث عبد الرحيم بن سليمان، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن أمه، عنها مرفوعا: "إذا كان الغلام لم يطعم الطعام صب على بوله، وإذا كانت الجارية غسل".
ورواه أيضًا (٧): من حديث هشيم، عن يونس، عن الحسن، عن أمه، عنها: "أن الحسن -أو الحسين- بال على النبي ﵇ فذهبوا ليأخذوه، فقال: لا تزرموا ابني أو (لا تعجلوه، فتركه) (٨) حتى قضى بوله، فدعا بماء ... " الحديث.
стр. 770
ورواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" (١) من حديث المبارك بن فضالة عن الحسن بلفظ: "يصب عليه الماء صبّا ما لم يطعم، وبول الجارية يغسل غسلا طعمت أو لم تطعم".
قلت: وبهذا يُرَدُّ ما نقله القاضي عياض أيضًا من قوله: قال بعض علمائنا: ليس قوله في الحديث: "لم يأكل الطعام" لا علة للحكم، وإنما هو وصف حال وحكاية قصة، كما قال في الحديث: "صغير"، وفي الحديث الآخر: "رضيع"، واللبن طعام وحكمه حكمه في كل حال، فأي فرق بينه وبين الطعام؟ والنبي ﵇ لم يعلل بهذا ولا أشار إليه فنكل الحكم فيه إليه.
ويقال: احتمل قوله: "لم يأكل الطعام" أي لم يرضع بعد، وأن المسلمين كانوا يوجهون أبناءهم للنبي ﵇ ليدعو لهم ويتفل في أفواههم؛ ليكون أول ما يدخل في أفواههم ريق النبي ﵇ فيكون قوله ﵇، على هذا: "أجلسه في حجره"، مجازا لوضعه فيه ويحتمل أن يكون الصبي بلغ حد الجلوس وأحضر ليدعو له النبي ﵇ ولكنه بعد لم يفصل عن الرضاع، ولا أكل الطعام انتهى.
فإن قيل: قد قال الكرخي عكس ما نقل الطحاوي عنهم؛ من أن بول الغلام يكون في موضع واحد وبول الجارية متفرق، وهو أن بول الصبي يقع في مواضع وبول الجارية يقع في موضع واحد، فأمر بالرش في بول الصبي والغسل في بول الجارية.
قلت: الذي نقله الطحاوي أقرب إلى الحكمة؛ لأن فم الرحم منكوس، فيخرج منه بالبول متفرقا لسعة المحل، بخلاف إحليل الذكر، فإن مسلك البول فيه مستقيم، فإذا خرج يخرج مجتمعا.
فإن قيل: قول من قال: إن بول الغلام مثل الماء وبول الجارية ثخين، ويؤيد قول الكرخي؛ لأنه وصف بول الجارية بالثخانة، ولا يكون ذلك إلَّا في موضع واحد،
стр. 771
ووصف بول الغلام بأنه كالماء، فإنه يتفرق في مواضع، ولأن الذكر يتحرك، فبالضرورة يتفرق ما يخرج منه، بخلاف الفرج.
ويؤيد هذا أيضًا ما رواه ابن ماجه (١): ثنا أحمد بن موسى بن معقل، نا أبو اليمان المصري، قال: سألت الشافعي، عن حديث النبي ﵇: "يرش من بول الغلام ويغسل من بول الجارية" والماءان جميعا واحد، قال: لأن بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم. ثم قال لي: فهمت؟ قلت: لا. قال: إن الله لما خلق آدم خلق حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم، قال: قال لي: فهمت؟ قلت: نعم. قال: نفعك الله به.
قلت: لا يضرنا ذلك؛ لأن النظر فيما نقله الطحاوي إلى مخرجي بولهما، ولا شك أن مخرج بول الغلام ضيق، فبالضرورة الذي يخرج منه ينزل في موضع واحد، وإن كان في نفسه مائعا كالماء، ومخرج بول الجارية واسع، فبالضرورة الذي يخرج منه يتفرق وينتشر وإن كان في نفسه ثخينا.
ص: وقد روي عن بعض المتقدمين ما يدل على ذلك؛ فمن ذلك ما حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أنه قال: "الرش بالرش والصب بالصب من الأبوال كلها".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، عن حميد، عن الحسن أنه قال: "بول الجارية يغسل غسلا، وبول الغلام يتتبع بالماء".
أفلا ترى أن سعيدا قد سوى بين حكم الأبوال كلها من الصبيان وغيرهم، فجعل ما كان منه رشا يطهر بالرش، وما كان منه صبّا يطهر بالصب، ليس لأن بعضها عنده طاهر وبعضها غير طاهر، ولكنها كلها عنده نجسه، وفرق بين التطهير من نجاستها عنده بضيق مخرجها وسعته.
стр. 772
ش: أي قد روي عن بعض المتقدمين من التابعين ما يدل على أن الأبوال كلها سواء في النجاسة، وأنه لا فرق بين بول الذكر والأنثى، فمن ذلك ما روي عن سعيد بن المسيب.
أخرجه بإسناد صحيح: عن محمد بن خزيمة، عن الحجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، عن قتادة عنه.
ومنه ما رُوي عن الحسن البصري، أخرجه أيضًا بإسناد صحيح: عن ابن خزيمة، عن الحجاج، عن حماد بن سلمة، عن حميد الطويل.
وذلك أن سعيد بن المسيب قد سوى بين حكم الأبوال كلها، سواء كانت من الصغار أو من الكبار، من الذكور والإناث؛ فَحَكَم بأن الذي يرش منه يطهر بالرش، والذي يصب منه يطهر بالصب، وهو معنى قوله: "الرش بالرش" أي الرش من البول يطهر بالرش من الماء، والصب منه يطهر بالصب من الماء، وقوله: "من الأبوال كلها" بيان لهذا.
ثم إنه لم يقل هكذا لكون بعض الأبوال عنده طاهرا وبعضها نجسا، بل الكل عنده نجسة، ولكن الفرق بين التطهير من نجاستها عنده لأجل ضيق مخرج الأبوال وسعته، فإن مخرج بول الصبي ضيق كما قلنا فيرش البول، ومخرج بول الجارية واسع فيصب البول صبّا، فيقابل الرش بالرش، والصب بالصب.
ومن ذلك قال الحسن البصري أيضًا: بول الجارية يغسل غسلا؛ لأنه ينصب فيحتاج إلى صب الماء عليه، وبول الغلام يتتبع بالماء؛ لأنه يرتش، ولا فرق عنده أيضًا في الأبوال، فقال أبو داود: قال هارون بن تميم الراسبي، عن الحسن قال: "الأبوال كلها سواء".
ص: ثم أردنا بعد ذلك أن ننظر في الآثار المأثورة عن رسول الله ﵇: هل فيها ما يدل على شيء مما ذكرنا؟ فنظرنا في ذلك، فإذا محمَّد بن عمرو بن يونس قد حدثنا قال: أنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "كان
стр. 773
رسول الله ﵇ يؤتى بالصييان فيدعو لهم، فأتي بصبي مرة فبال عليه، فقال: صُبُّوا عليه ماء صبّا".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا محمَّد بن خازم ... فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ربيع المؤذن، قال: نا أسد، قال: نا عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "أن النبي ﵇ أتُي بصبي فبال عليه، فأتبعه الماء ولم يغسله".
حدثنا يونس، قال: نا ابن وهب، أن مالكا حدثه عن هشام ... فذكر بإسناده مثله غير أنه لم يقل: "ولم يغسله".
واتباع الماء حكمه حكم الغسل؛ ألا ترى أن رجلًا لو أصاب ثوبه عذرة فاتبعها الماء حتى ذهب بها أن ثوبه قد طهر.
وقد روى هذا الحديث زائدة، عن هشام بن عروة، قال فيه: "فدعا بماء فنضحه عليه".
وقال مالك وأبو معاوية وعَبْدَة، عن هشام بن عروة: "فدعا بماء فصبه عليه" فدل ذلك أن النضح عندهم هو الصب.
ش: "هل فيها" أي في الآثار المذكورة "ما يدل على شيء مما ذكرنا"، من أن النضح في هذه الآثار بمعنى الصب، فوجدنا ذلك في الحديث الذي رواه عروة عن عائشة، حيث صرح فيه بقوله: "صبوا عليه ماء صبا".
وقد مضى في روايتها الأخرى: "فدعا بماء فنضحه عليه" فعلم أن الراد من النضح هو الصب؛ لأن هذا الحديث قد روي بألفاظ مختلفة كما قد ذكرت، ولكن كلها ترجع إلى معنى واحد وهو الصب؛ لأن بعضها يفسر بعضا، ولأن ما قلنا أقرب إلى المعقول وللمنقول.
وكذلك معنى اتباع الماء في روايتها الأخرى هو معنى الغسل، والدليل عليه: أن رجلًا إذا أصاب ثوبه شيء من النجاسة ثم أتبعه الماء حتى أذهبه، فإن ثوبه قد تطهر بلا خلاف. فعُلم أن معنى هذا أيضًا يرجع إلى الغسل والصب.
стр. 774
قوله: "وقد روى هذا الحديث" أي حديث عائشة الذي رواه عروة عنها: زائدة ابن قدامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة وقال فيه "فدعا بماء فنضحه عليه".
وقد مر هذا فيما مضى في هذا الباب، رواه الطحاوي عن ابن خزيمة، عن عبد الله ابن رجاء، عن زائدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
وقال مالك في روايته: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "فصبه عليه".
وكذا روى أبو معاوية محمَّد بن خازم الضرير في روايته عن هشام، عن أبيه، عن عنها.
وكذا روى عَبْدَة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عنها.
فهذه ألفاظ مختلفة والمعنى واحد.
ومن هذا قال أبو عمر في "التمهيد": هذه الآثار المرفوعة في هذا الباب غير متدافعة ولا متضادة.
يشير به إلى أن حاصل الجميع يرجع إلي معنى واحد وهو الصب.
ويؤيد ذلك أيضًا ما روي عن بعض الصحابة ومن بعدهم، فقد روي عن أم سلمة قالت: "بول الغلام يصب عليه الماء صبّا، وبول الجارية يغسل، طعمت أو لم تطعم" (١) ذكره البغوي والقرطبي في "مختصر التمهيد".
وذكره الطبراني في "الأوسط" مرفوعا (١)، وقد ذكرناه عن قريب.
وروى أبو داود في "سننه" (٢): ثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر، قال: ثنا عبد الوارث، عن يونس، عن الحسن، عن أمه: "أنها أبصرت أم سلمة تصب على بول الغلام ما لم يطعم، فإذا طعم غسلته، وكانت تغسل بول الجارية".
стр. 775
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا وكيع، عن معن، عن منصور، عن إبراهيم قال: "إن كان طَعِمَ غُسِل، وإن لم يكن طَعِمَ صُبَّ عليه الماء".
ثنا وكيع، عن واقد، عن عطاء قال: "قال له رجل: يحمل أحدنا الصبي فيصيبه من أذاه، قال: إن كان طَعِمَ غُسل، وإن لم يكن طَعِمَ صُبَّ عليه الماء".
ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر قال: "يُصَّبُّ الماء على بول الصبي".
ثنا محمَّد بن بكر، عن ابن جريج قال: "قلت لعطاء: الصبي ما لم يأكل الطعام تغسل ثوبك من بوله وسَلْحِه (٢) أيضًا؟ قال: اَرشش عليه الماء، أو أصبب عليه قال: قلت: فالصبي يلعق قبل أن يأكل الطعام من السمن والعسل وذاك طعام؟ قال: اَرْشُش عليه أو أَصبب عليه".
ثم إنه أخرج حديث عائشة ﵂ هذا من أربع طرق صحاح:
الأول: عن محمد بن عمرو بن يونس التغلبي المعروف بالسُّوسي، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم -بالمعجمتين- الضرير، عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: "أتي رسول الله ﵇ بصبي يرضع، فبال في حجره، فدعا بماء فصبه عليه".
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن خازم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
الثالث: عن ربيع، عن أسد، عن عبدة بن سليمان الكلابي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
وأخرجه العدني في "مسنده" (٣): ثنا محمَّد، ثنا ابن عيينة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﵇ يؤتى بالصبيان يدعو لهم، فأتي بصبي فبال عليه، فأتبع النبي ﵇ الماء بوله".