وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا إبراهيم بن سعد، قال: ثنا أبو نعيم، عن شريك، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: "رأيت عليًّا ﵁ وهو يقول على المنبر: ما عندنا كتاب نقرأه عليكم إلا كتاب الله ، وهذه الصحيفة -صحيفة معلقة في سيفه- وذكر أن فيها فرائض الصدقة التي أخذها في حياة رسول الله ﵇ , ولا نعلم روى طارق بن شهاب عن علي إلا هذا الحديث، وطارق رجل قد رأى النبي ﵇.
وأخرج البخاري (٢): عن محمَّد بن سلام، عن وكيع، عن سفيان، عن مطرف بن طريف، عن الشعبي، عن أبي جحيفة، عن علي: "هل عندكم عن رسول الله ﵇ شيء سوى القرآن؟ قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يعطي الله عبدًا علمًا في كتابه، وما في هذه الصحيفة؟ قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: فكاك الأسير، والعقل، وأن لا يُقْتَل مسلم بكافر".
وأخرجه الترمذي (٣): عن أحمد بن منيع، عن هشيم، عن مطرف، عن الشعبي، أنا أبو جحيفة قال: "قلت لعلي: هل عندكم سوداء في بيضاء ليس في كتاب الله. . . ." الحديث.
والنسائي (٤): عن محمَّد بن منصور، عن سفيان، عن مطرف، عن الشعبي، عن أبي جحيفة، بمعناه.
وابن ماجه (٥): عن علقمة بن عمرو الدارمي، عن أبي بكر بن عياش عن مطرف، عن الشعبي نحوه.
الثاني: عن أبي أمية محمَّد بن إبراهيم الطرسوسي .. إلى آخره.
стр. 7107
وقد أخرجه الطحاوي بعينه في باب: صيد المدينة، عن فهد، عن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: "خطبنا علي ﵁ علي منبر من آجر، وعليه سقف فيه صحيفة معلقة به، فقال: والله، ما عندنا من كتاب نقرأه إلا كتاب الله، وما في هذه الصحيفة، ثم نشرها فإذا فيها: المدينة حرام من عَيْر إلى ثَوْر". وقد ذكرنا هناك أن هذا الحديث أخرجه الجماعة غير النسائي واستقصينا الكلام فيه هناك.
وإبراهيم التيمي هو ابن يزيد التيمي، وأبوه يزيد بن شريك التيمي.
ص: وفي الحديث غير هذا:
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا أبي إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن المغيرة بن حكيم ومجاهد، أنهما سمعا أبا هريرة يقول: "ما كان أحد أحفظ الحديث رسول الله ﵇ مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإني كنت أعي بقلبي وكان يعي بقلبه ويكتب بيده، استأذن النبي ﵇ في ذلك فأذن له".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الرحمن بن سليمان، عن عُقَيل بن خالد، عن عمرو بن شعيب، أن شعيبًا حدثه ومجاهدًا، عن عبد الله بن عمرو قال: "قلت: يا رسول الله، أكتب ما سمعت منك؟ قال: نعم، قلت: عند الغضب والرضا؟ قال: نعم، إنه لا ينبغي لي إلا أن أقول حقًا".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يعني عبد الرحمن بن سليمان، عن عُقَيل بن خالد، عن المغيرة بن حكيم، أنه سمع من أبي هريرة. . . . فذكر نحوًا من ذلك.
حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا ابن أبي مريم قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك أشياء أخاف [أن] (١) أنساها، أفتأذن لي أن أكتبها؟ قال: نعم".
стр. 7108
وفي هذه الآثار الإباحة لكتابة العلم، وخلاف حديث أبي سعيد الذي ذكرناه في أول هذا الباب.
ش: أي وجاء في حديث النبي ﵇ غير ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري، وهو ما يدل على إباحة كتابة العلم.
وأخرج في ذلك عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص.
أما عن أبي هريرة فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الكندي الوهبي، عن محمَّد بن إسحاق، عن المغيرة بن حكيم الصعاني الأبناوي، وثقه يحيى والعجلي والنسائي، وروى له مسلم، واستشهد به البخاري.
وأخرجه البيهقي في كتاب "المدخل" (١): أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر القاضي وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالوا: ثنا أبو العباس -هو الأصم- ثنا أبو زرعة الدمشقي، ثنا أحمد بن خالد، نا محمَّد بن إسحاق (ح).
وثنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو عمرو السماك، نا حنبل بن إسحاق، نا أحمد بن عبد الملك الحراني سأله أبو عبد الله عنه فحدثه به، قال: نا محمَّد بن سلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن مجاهد والمغيرة بن حكيم، قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: "ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله ﵇ مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتبه بيده ويعيه بقلبه وكنت أعي ولا أكتب، واستأذن رسول الله ﵇ في الكتاب عنه، فأذن له".
قوله: "أعي بقلبي" أي أحفظ، من وَعَى يَعِي وَعْيًا أي حفظ يحفظ، وأصل أعي: أوْعى، حذفت "الواو" تبعًا لحذفها من يعي؛ لأنها حذفت فيه لوقوعها بين الكسرة والياء. فافهم.
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الرحمن بن
стр. 7109
سَلمان -بفتح السين وسكون اللام- الرعيني الحجري المصري، وثقه ابن يونس، وروى له مسلم والنسائي.
عن عُقَيل- بضم العين- بن خالد الأيلي، عن المغيرة بن حكيم، عن أبي هريرة.
وأخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده".
وأما عن عبد الله بن عمرو فأخرجه أيضًا من طريقين:
الأول: بإسناد صحيح. عن يونس بن عبد الأعلى. . . . إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "المدخل" (١): أنا أبو عبد الله بن البياع الحافظ، نا أبو العباس محمَّد بن يعقوب، أنا محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنا ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن سَلْمان، عن عُقَيل بن خالد. . . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج، عن سعيد بن الحكم -المعروف بابن أبي مريم شيخ البخاري- عن يحيى بن أيوب الغافقي، عن عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخرساني أبي مسعود المقدسي، ضعفه مسلم. وقال: عمرو بن علي: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. روى له ابن ماجه، وهو يروي عن أبيه عطاء الخراساني، روى له الجماعة إلا البخاري.
وقوله: "ففي هذه الآثار" أراد بها أحاديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو.
ص: وهذا أولى بالنظر؛ لأن الله قال في الدَّيْن: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ (٢)، فلما أمر الله بكتابة الدين خوف الرَّيْب؛ كان العلم الدي حفظه أصعب من حفظ الدَّيْن أحرى أن تباح كتابته (فيه وأشد) (٣)، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.
стр. 7110
ش: أي هذا الذي ذهب إليه أهل المقالة الثانية أولى بالنظر والقياس، ووجه ذلك ظاهر.
قوله: "وهذا قول أبي حينفة" أي ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية هو قول أبي حنيفة وأصحابه، وهو أيضًا قول مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم.
ص: وقد روي في ذلك أيضًا من بعد رسول الله ﷺ ما يوافق هذا:
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا حفص بن عمر العدني، ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أنَّ ناسًا من أهل الطائف أتوه بصحف من صحفه [ليقرأها] (١) عليهم، فلما أخذها لم ينطلق قال: إني لما ذهب بصري بُلهْتُ فاقرءوها عليَّ ولا يكن في أنفسكم من ذلك حرج، فإن قراءتكم عليَّ كقراءتي عليكم".
حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أنا سليمان التيمي، عن طاوس قال: "كان سعيد بن جبير يكتب عند ابن عباس، فقيل له: إنهم يكتبون، فقال: يكتبون، وكان أحسن شيء خلقًا".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو الربيع الزهراني، قال: ثنا يعقوب القُمِّي قال: ثنا عبد الله بن محمَّد بن عقيل قال: "كنا نأتي جابر بن عبد الله فنسأله عن [سنن] (٢) رسول الله ﵇ فنكتبها".
حدثنا حسين، قال: ثنا نعيم، قال: ثنا ابن المبارك، قال: أنا سليمان التيمي عن ثابت، عن أنس، قال: ثنا محمود [بن] (٢) الربيع عن عتبان بن مالك قال أنس: "فلقيت عتبان فحدثني به فأعجبني، فقلت لابني: اكتبه، فكتبه".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد (ح).
وحدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال ثنا سفيان، عن عمرو، عن وهب بن منبه، عن أخيه، سمع أبا هريرة يقول: "ليس أحد من
стр. 7111
أصحاب رسول الله ﵇ أكثر حديثًا عن رسول الله ﵇ مني ما خلا عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب".
حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا شعيب بن إسحاق الدمشقي، عن عمران بن حدير، عن بشير بن نهيك قال: "كنت آخذ الكتب من أبي هريرة فأكتبها، فإذا فرغتُ قرأتها عليه، فأقول الذي قرأته بها عليك أسمعته منك؟ فيقول: نعم".
ش: أي قد روي في إباحة كتابة العلم أيضًا من بعد النبي ﵇ عن الصحابة والتابعين ما يوافق ما روي من أحاديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص.
وأخرج في ذلك عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة وبشير بن نهيك ﵃.
أما عن ابن عباس فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن صالح بن عبد الرحمن. . . . إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "المدخل": أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا بكر بن محمَّد بن حمدان الصيرفي بمرو، ثنا عبد الصمد بن الفضل البلخي، ثنا حفص بن عمر العدني، ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "جاء ناس من أهل الطائف، فقالوا: إن معنا كتبًا أو علمًا من علمك فنحب أن تقرأه علينا، فأخذ ابن عباس الكتب فجعل يقدم ويؤخر، فقال: إني قد بُلِهْت منذ ذهب بصري، ولكن اقرؤا عليّ، وإن قراءتكم إياه عليّ كقراءتي إياه عليكم، ولا يكن في أنفسكم من ذلك شيء".
قوله: "بُلهت" بكسر اللام من بَلِهَ يبْلَهُ بلاهة، ومنه رجل أبله، وهو الذي غلبت عليه سلامة الصدر وبلهت هنا: تغيرتُ عما كنت عليه.
ويستفاد منه:
جواز كتابة العلم، وأن قراءة الشيخ على التلميذ وعكسه سواء.
الثاني: عن حسين بن نصر. . . . إلى آخره.
стр. 7112
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا ابن نمير، عن عثمان بن حكيم، عن سعيد بن جبير: "أنه كان يكون مع ابن عباس فيسمع منه الحديث في أوسط الرحل فإذا نزل نَسَخَه".
وقال البيهقي (٢): أنا أبو الحسن، أنا أبو عمرو، ثنا حنبل، نا حسن بن الربيع، ثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد بن جبير قال: "كنت أكتب عند ابن عباس في صحيفتي حتى أملأها، ثم كتب في ظهر نعلي، ثم أكتب في كفيِّ".
وأما عن جابر: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي الربيع سليمان ابن داود الزهراني، شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، عن يعقوب بن عبد الله بن سعيد القمي الأشعري، وثقه ابن حبان، وروى له الأربعة والبخاري مستشهدًا، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل بن أبي طالب القرشي المدني، فيه مقال؛ فعن يحيى: ليس حديثه بحجة. وعنه: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: ليِّن الحديث.
وأخرج البيهقي في "المدخل" (٣): ثنا عثمان، نا علي بن هاشم، عن محمَّد بن علي السلمي، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل قال: "كنت أختلف أنا وأبو جعفر إلى جابر بن عبد الله، نكتب عنه في ألواح".
وأما عن أنس: فأخرجه عن حسين بن نصر، عن نعيم بن حماد المروزي، عن عبد الله بن المبارك، عن سليمان التيمي، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: حدثنا محمود بن الربيع بن سراقة الخزرجي الأنصاري الصحابي، فإنه عقل عن النبي ﵇ مجة مجها في وجهه من دلوٍ من بئر في دارهم وهو يوري عن عتبان بن مالك ابن عمرو العجلاني الصحابي وهؤلاء ثلاثة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض.
وأما عن أبي هريرة فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسي، عن سفيان الثوري،
стр. 7113
عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه بن كامل الصنعاني الذماري وثقه يحيى وأبو زرعة والنسائي، وروي له الجماعة، ابن ماجه في التفسير، عن أخيه همام بن منبه، روى له الجماعة.
وأخرجه البخاري (١): عن علي بن المديني، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: "ما أحد أكثر حديثًا عن رسول الله ﵇ مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب".
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن إبراهيم بن بشار الرمادي، عن سفيان. . . . إلى آخره.
وأخرجه أبو بكر الإسماعيلي، عن أحمد بن حمدان العسكري، عن علي بن المديني. . . . نحو رواية البخاري.
وأخرجه البيهقي (٢): عن أبي عمرو الأديب، عن أبي بكر الإسماعيلي.
وأما عن بشير بن نهيك السدوسي البصري: فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلي، عن علي بن معبد بن شداد العبدي، وثقه أبو حاتم، عن شعيب بن إسحاق بن إبراهيم الدمشقي مولى رملة بنت عثمان بن عفان ﵁ روي له الجماعة سوى الترمذي، عن عمران بن حدير السدوسي البصري -وثقه يحيى والنسائي، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا وكيع، عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز، عن بشير بن نهيك قال: "كنت أكتب ما أسمعه من أبي هريرة، فلما أردت أن أفارقه أتيته بكتابي فقلت: هذا سمعته منك؟ قال: نعم".
стр. 7114
ص: باب: الكي هل هو مكروه أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم الكي بالنار هل يكره أم لا؟ وأصل كي: كوى علي وزن فعل؛ لأنه مصدر من كَوى يكْوِي، اجتمعت الواو الياء وسُبِقَت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياءً، وأدغمت الياء في الياء، يقال: كويته فاكتوى.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: "أن ناسًا أتوا النبي ﵇ بصاحب لهم، فسألوه: أنكويه؟ فسكت، فسألوه فسكت، فسألوه فسكت، ثم سألوه فقال: ارضفوه أو حرقوه، وكره ذلك".
ش: إسناده صحيح.
وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي.
وأبو الأحوص عوف بن مالك.
وأخرجه البيهقي (١) من حديث معمر، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: "جاء نفر إلى رسول الله ﵇[فقالوا] (٢): إن صاحبنا اشتكى أفنكويه؟ فسكت ساعةً، ثم قال: إن شئتم فاكووه، وإن شئتم فارضفوه -يعني بالحجارة".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا محمد بن عبد الله، ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: "أتي النبي ﵇ برجل نُعِتَ له الكي، فقال له النبي ﵇: اكووه أو ارضفوه".
قوله: "ارضفوه" أي كمدوه بالرضف وهو الحجر المحمي، قال الجوهري: الرضف بالحجارة المحماة يوغر بها اللبن، واحدها رضفة.
стр. 7115
ص: حدثنا رييع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﵁ قال: "أتى رسول الله ﵇ ثلاثة نفر فقالوا: إن صاحبًا لنا مريض وُصِفَ له الكيّ، أفنكويه؟ فسكت، ثم عادوا، فسكت، ثم قال لهم في الثالثة: اكووه إن شئتم، وان شئتم فارضفوه بالرضف".
ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: "أن قومًا أتوا النبي ﵇ فقالوا: صاحب لنا يشتكي، أنكويه؟ قال: فسكت، ثم [قالوا] (٢): أنكويه؟ فسكت، ثم قال: أنكويه؟ فسكت فقال: اكووه وارضفوه بالرضف رضفًا".
ص: قال أبو جعفر ﵀: ومعنى هذا عندنا على الوعيد الذي ظاهره الأمر وباطنه النهي، كما قال الله : ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ. . .﴾ (٣) الآية، وكقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٤).
ش: أي معنى هذا الحديث، وأشار به إلى أن الأمر المذكور في حديث عبد الله ليس علي حقيقته، وإنما ظاهره الأمر، ولكن باطنه النهي بطريق الوعيد والتهديد، ذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ (٣)؛ وذلك لأن الله تعالى لا يأمر الشيطان باستفزاز من يستطيعه، والاستفزاز: الاستخفاف، وكذلك في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (٤) ليس علي حقيقته بأن يكون أمرًا منه بأن يعملوا كل ما يشاءون، ومنه ما يقال لعبد شتم مولاه وقد أدبه: اشتم مولاك؛ فإنه ليس يأمر بالشتم ولكنه تهديد.
стр. 7116
ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو سعيد محمَّد بن أسعد التغلبي، ثنا زهير بن معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵇ قال: "إن كان في شيء مما تداوون به شفاء ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة نار، وما أحب أن أكتوي".
ش: علي بن عبد الرحمن بن محمَّد الكوفي المعروف بعلَّان.
ومحمد بن أسعد التغلبي أبو سعيد المصيصي، وثقه ابن حبان، وقال أبو زرعة: منكر الحديث.
وعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁، عن ابن معين والعجلي: ثقة، وقال ابن عدي: لا بأس به، صدوق في رواياته.
وأخرجه البزار في "مسنده": عن بشر بن خالد العسكري، عن محمَّد بن أسعد التغلبي، عن زهير بن معاوية، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع نحوه.
قوله: "شرطة محجم" مِن شرطَ الحجام يَشْرِطُ ويَشْرُط -بضم عين الفعل في المضارع وكسرها- إذا بزغ، ومنه: المِشرط بكسر الميم، وهو المبضع، والمحجم بكسر الميم، والمحجمة: قارورة الحجام.
قوله: "أو لدغة نار" أراد بها الكي بالنار، وهو بالدال المهملة والغين المعجمة (١).
стр. 7117
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا هشام بن حسان، عن الحسن، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله ﷺ : "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون، وعلي ربهم يتوكلون".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين قال: "نُهينا عن الكي".
ش: هذان إسنادان صحيحان:
الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي. . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): عن يحيى بن خلف، عن المعتمر بن سليمان، عن هشام، عن محمَّد، عن عمران قال: قال رسول الله ﵇: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، قيل: مَن هم؟ قال: هم الذي لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون".
وأخرجه ابن أبي شيبة (٢): عن الحسن، عن عمران بن الحصين، عن ابن مسعود قال: "تحدثنا عند رسول الله ﵇، قال: فقال النبي ﵇: سبعون ألفًا يدخلون الجنة لا حساب عليهم: الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلي ربهم يتوكلون".
قوله: "لا يتطيرون" أي لا يتشاءمون بشيء.
قوله: "ولا يسترقون" من الاسترقاء وهو العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات، وكذلك الرقية.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي عمر حفص بن عمر، شيخ البخاري وأبي داود.
стр. 7118
وأخرجه الترمذي (١): عن عبد القدوس بن محمَّد عن عمرو بن عاصم، عن همام، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران قال: "نُهينا عن الكي".
وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه أيضًا (٢): عن محمَّد بن بشار، عن غندر، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران: "أن النبي ﵇ نهى عن الكي".
وأخرجه أبو داود (٣): عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن ثابت، عن مطرف، عن عمران بن حصين، قال: "نهى رسول الله ﵇ عن الكي، فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا".
وأخرجه ابن ماجه (٤) أيضًا.
ص: حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عقبة بن عامر: "أن رسول الله ﵇ نهى عن الكي".
ش: ابن لهيعة: عبد الله، فيه مقال.
وابن هبيرة: عبد الله بن هبيرة بن أسعد السبائي الحضرمي البصري، روى له الجماعة سوى البخاري.
وعبد الرحمن بن جبير المصري المؤذن مولى نافع بن عمرو، روى له مسلم.
وأخرجه الطبراني (٥):
ثنا يحيى بن أيوب العلاف، نا سعيد بن أبي مريم، ثنا ابن لهيعة، نا الحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن جبير، أنه سمع عقبة بن عامر يقول: "نهى
стр. 7119
رسول الله ﵇ عن الكي، وكان يكره ماء الحميم، وكان إذا اكتحل اكتحل وترًا، وإذا استجمر استجمر وترًا".
ص: فذهب قوم إلى أن الكي مكروه، وأنه لا يجوز لأحد أن يفعله علي حال من الأحوال، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشعبي وأبا مجلز لاحق بن حميد والحسن البصري ومجاهدًا؛ فإنهم كرهوا الكي ولم يجوزوا لأحد أن يفعله، واحتجوا في ذلك بالأحاديث المذكورة.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس بالكي لِمَا عِلاجُهُ الكيّ.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: قتادة ومحمد بن الحنفية والحسن بن سعد وعطاء بن السائب والثوري والنخعي وأبا حنيفة ومالكًا والشافعي وأحمد، فإنهم (قالوا) (١): لا بأس بالكي للمرض الذي عِلاجُهُ الكي.
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: ما حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا محمَّد بن خازم، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر ﵁ قال: "اشتكي أُبيِّ بن كعب، فأرسل إليه رسول الله ﵇ طبيبًا فقطع منه عرقًا ثم كواه عليه".
حدثنا فهد، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: ثنا أبي، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: "اشتكي أُبىِّ بن كعب، فبعث إليه رسول الله ﵇ طبيبًا، فَقَدَّ عرقه الأكحَل وكواه".
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لهؤلاء الآخرين فيما ذهبوا إليه: حديث جابر ﵁.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن ربيع، عن أسد بن موسي، عن محمَّد بن خازم -بالخاء والزاي المعجمتين- أبي معاوية الضرير، عن سليمان الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر.
стр. 7120
وأخرجه أبو داود (١): ثنا محمَّد بن سليمان الأنباري، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: "بعث النبي ﵇ إلى أُبيِّ طبيبًا، فقطع منه عرقًا".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن عمر بن حفص، عن أبيه حفص بن غياث، عن سليمان الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٢): عن عمرو بن رافع، عن محمَّد بن عبيد، عن الأعمش، به.
قوله: "اشتكى" أي مَرِضَ.
قوله: "فَقَدَّ عرقه الأكحل". أي قطعه، والأكحل عرق في اليد يفصد، قال الجوهري: لا يقال: عرق الأكحل.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زهير، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر قال: "رمي سعد بن معاذ في أكحله فَحَسَمَهُ رسول الله ﵇ بيده بمشقص، ثم وَرِمَتْ فَحَسَمَهُ الثانية".
ش: إسناده صحيح.
وأحمد بن يونس شيخ البخاري ومسلم، وزهير هو ابن معاوية، وأبو الزبير محمَّد بن مسلم المكي.
وأخرجه مسلم (٣): ثنا أحمد بن يونس. . . . إلى آخره نحوه.
قوله: "فَحَسَمَهَ" بالحاء والسين المهملتين، أي قطع الدم عنه بالكي.
قوله: "بمشقص" بكسر الميم، وهو نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض، فإذا كان عريضًا فهو المِعْبَلَة.
стр. 7121
قوله: "ثم وَرِمَت" بكسر الراء. أي انتفخت.
ص: حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁: "أن أُبيِّ بن كعب -أو سعدًا- رمي رمية في يده، فأمر رسول الله ﵇ طبيبًا فكواه عليها".
حدثنا ربيع المؤذن قال: ثنا شعيب، قال: ثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ ﵁ فقطعوا أكحَلَهُ، فَحَسَمَهُ رسول الله ﵇ بالنار، فانتفخت يده، فَحَسَمَهُ مرةً أخرى".
ش: هذان طريقان آخران:
الأول: فيه عبد الله بن لهيعة، فيه مقال.
وأخرجه أبو داود (١): عن موسى، عن حماد، عن أبي الزبير، عن جابر: "أن النبي ﵇ كوى سعد بن معاذ من رميته".
الثاني: عن ربيع أيضًا، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن أبي الزبير محمَّد مسلم، عن جابر.
وأخرجه ابن ماجه (٢) وأحمد (٣).
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: ثنا يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أنس: "أن النبي ﵇ كوى أسعد بن زرارة (من شوكة) (٤) ".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا محمَّد بن المنهال، قال: ثنا يزيد بن زريع. . . . فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "من شوصة".
стр. 7122
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن مرزوق، قال: ثنا عمران، عن قتادة، عن أنس قال: "كواني أبو طلحة ورسول الله ﵇ بين أظهرنا، فما نهيت عنه".
ش: هذه ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد، عن يزيد بن زريع، عن معمر بن راشد، عن محمَّد بن مسلم الزهري.
وأخرجه الترمذي (١): نا حميد بن مسعدة، ثنا يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أنس: "أن النبي ﵇ كوى أسعد بن زرارة من الشوكة".
وقال: هذا حديث حسن غريب.
قوله: "من شوكة" هي حمرة تعلو الوجه والجسد، يقال منه: شِيكَ الرجل، فهو مَشُوك، وكذا إذا دخل في جسمه شوكة.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن محمَّد بن منهال الحافظ البصري، شيخ البخاري ومسلم، عن يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن أنس.
قوله: "من شوصة" وهي وجع الضرس، وقيل: وجع في البطن من ريح ينعقد تحت الأضلاع.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود أيضًا، عن عمرو بن مرزوق البصري، شيخ أبي داود والبخاري في التعليقات، عن عمران بن داود القطان البصري، ضعفه أبو داود، ووثقه ابن حبان، وروي له الجماعة غير مسلم، ولكن البخاري مستشهدًا.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا ابن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: "كواني أبو طلحة، واكتوى من (اللقوة) (٣) ".
стр. 7123
وأبو طلحة اسمه زيد بن سهل الأنصاري زوج أم أنس بن مالك ﵃.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زهير، قال: ثنا أبو الزبير، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن بعض أصحاب النبي ﵇ قال: "كَوَى رسول الله ﵇ سعدًا -أو أسعد بن زرارة- من الذبحة في حلقه".
ش: إسناده صحيح.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا حسن، ثنا زهير، عن أبي الزبير، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن بعض أصحاب النبي ﵇ قال: "كوى رسول الله ﵇ سعدًا -أو أسعد بن زرارة- في حلقه من الذبحة، وقال: لا أدع في نفسي حرجًا من سعد -أو أسعد بن زرارة".
قوله: "من الذُّبَحَةُ" بضم الذال المعجمة وفتح الباء وقد تسكن، وهو وجع يعرض في الحلق من الدم. وقيل: هي قرحة تظهر فيه فينسد معها وينقطع النفس فتقتل.
ص: ففي هذه الأخبار إباحة الكي للداء المذكور فيها، وفي الآثار الأُوَل النهي عن الكي، فاحتمل أن يكون المعنى الذي كانت له الإباحة في هذه الآثار غير المعنى الذي كان له النهي في الآثار الأُوَل؛ وذلك أن قومًا كانوا يكتوون قبل نزول البلاء بهم يرون أن ذلك يَمْنع البلاء أن ينزل بهم كما يفعل الأعاجم، فهذا مكروه؛ لأنه ليس على طريق العلاج، وهو شرك؛ لأنهم يفعلونه لدفع قدر الله عنهم، فأما ما كان بعد نزول البلاء إنما يراد به العلاج، والعلاج مباح مأمور به، وقد بيَّن ذلك جابر بن عبد الله في حديث رواه عن رسول الله ﵇:
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا عبد الرحمن بن سليمان، عن عاصم، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﵇ قال: "إن يكن في شيء من أدويتكم هذه خير ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو [لذعة] (٢) نار توافق داءً، وما أحب أن أكتوي".
стр. 7124
فإذا كان في هذا الحديث أن لذعة النار التي توافق الداء مباحة، والكي مكروه، وكانت اللدغة بالنار كيَّةً؛ ثبت أن الكي الذي يوافق الداء مباح، وأن الكي الذي لا يوافق الداء مكروه.
ش: أراد بهذه الأخبار: أحاديث جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وبعض أصحاب النبي ﵇، وأشار بهذا الكلام إلى بيان وجه التوفيق بين أحاديث الفصلين؛ لأن أحاديث الفصل الأول تنهى عن الكي، وأحاديث الفصل الثاني تبيحه، فبينهما تعارض ظاهرًا، وجه التوفيق بينها أن يقال: إن المعنى الذي أبيح بسببه الكي غير المعنى الذي نهي عنه من جهة مختلفة، فاندفع التعارض؛ لأن من شرط التعارض اتحاد الجهة، وقد بين الطحاوي ذلك.
وقال الخطابي ﵀: الكَيُّ من العلاج الذي يعرفه العامة والخاصة، والعرب تستعمل الكيَّ كثيرًا فيما يعرض لها من الأدواء، ومن أمثالهم: آخر الطب: الكَيَّ.
فأما حديث عمران في النهي عنه فقد يحتمل وجوهًا:
أحدها: أن يكون من أجل أنهم كانوا يعظمون أمره ويقولون: آخر الدواء الكي، ويريدون أنه يحسم الداء، وإذا لم يفعل ذلك عطب صاحبه وهلك، فنهاهم عن ذلك إذا كان علي هذا الوجه، وأباح لهم استعماله علي معنى التوكل علي الله سبحانه، وطلب الشفاء، والترقي للبرء وما يُحْدِثُ الله من صنعه فيه، وتخلفه من الشفاء علي إثره، وهو أمر قد يكثر شكوك الناس فيه وتخطئ فيه ظنونهم وأوهامهم، فما أكثر ما تسمعهم يقولون: لو أقام فلان في أرضه وبلده لم يهلك، ولو شرب الدواء لم يهلك، ونحو ذلك من تجريد إضافة الأمور إلى الأسباب دون تسليط القضاء علينا، فتكون الأسباب أمارات لتلك الكوائن لا موجبات لها؛ قال الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (١)، وقال حكاية عن الكفار: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ (٢).
стр. 7125
وفيه وجه آخر: وهو أن يكون نهيه عن الكي: هو أن يفعله احترازًا عن الداء قبل وقوع الضرورة ونزول البلية، وذلك مكروه، وإنما أبيح العلاج والتداوي عند وقوع الحاجة والضرورة إليه، ألا ترى أنه كوى سعدًا حين حاق عليه الهلاك من النزف؟ وقد يحتمل أن يكون إنما نهى عمران خاصة عن الكي في علة بعينها لعلمه أنه لا ينجع (١)، ألا تراه يقول: "ما أفلحنا ولا أنجحنا" وقد كان به الناسور، ولعله إنما نهاه عن استعمال الكي في موضعه من البدن، والعلاج إذا كان فيه الخطر العظيم كان محظورًا، والكي في بعض الأعضاء يعظم خطره وليس ذلك في بعض الأعضاء، فيشبه أن يكون [النهي] (٢) منه صرفًا إلى النوع المخوف منه. والله أعلم.
قوله: "وقد بين ذلك" أي ما ذكرنا من أن الكي بعد نزول البلاء لإرادة العلاج والتداوي؛ مباح مأمور به.
وقوله: "حديث جابر" فاعل لقوله: "بيَّن".
وأخرجه بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن عبد الرحمن بن سليمان -هو عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حنظلة بن راهب المدني، روى له الجماعة، عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأنصاري المدني، روى له الجماعة.
وأخرجه البخاري (٣): عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: سمعنا النبي ﵇ يقول: "إن كان في شيء من أدويتكم -أو يكون في شيء من أدويتكم- خير ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لَدْغَةٌ بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي".
стр. 7126
ص: ويحتمل أن يكون الكي منهيًا عنه على ما في الآثار الأُوَل، ثم أبيح بعد ذلك علي ما في هذه الآثار الأُخَر، وذلك أن ابن أبي داود حدثنا، قال: ثنا خطاب بن عثمان، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن سليمان بن سليم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "جاء رجل إلي رسول الله ﵇ يستأذنه في الكي فقال: لا تَكْتَوِ، فقال: يا رسول الله، بلغ بي الجَهْدُ، ولا أجدُ بدًّا من أن أكتوي، قال: ما شئت، أَمَا إنه ليس من جرح إلا هو آتي الله يوم القيامة يدمي يشكو الألم الذي كان بسببه، وإن جَرْحَ الكي يأتي يوم القيامة يذكر أن سببه كان من كراهة لقاء الله ، ثم أمره أن يكتوي".
ففي هذا الحديث نهي رسول الله ﵇ عن الكي وإباحته إياه بعد ذلك، فاحتمل أن يكون ما في الآثار الأُوَل كان من رسول الله ﵇ في حال النهي المذكور في هذا الحديث، وما كان من الإباحة في الآثار الأُخَر كان عندما كان منه من الإباحة المذكورة في هذا الحديث، فتكون الإباحة ناسخة للنهي.
ش: هذه إشارة إلى بيان وجه آخر في التوفيق بين أحاديث هذه الباب، وحاصله أن أحاديث النهي عن الكي تكون منسوخة بأحاديث الإباحة، والأصل أن المحرم والمبيح إذا اجتمعا يكون الحكم للمحرم احتياطًا، لكن فيما إذا لم يكن يعلم المتقدم والتأخر، فإذا علم التقدم والتأخر يكون المبيح ناسخًا إذا تقدم، وهاهنا إباحة النبي ﵇ الكي بعد منعه، فدل علي أنه كان ناسخًا، والدليل علي ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن خطاب بن عثمان الفَوْزي، شيخ البخاري، عن إسماعيل بن عياش -بالياء المشددة آخر الحروف، وبالشين المعجمة- الشامي الحمصي، قال دحيم: ثقة في الشاميين وخلط عن المدنيين. وقال البخاري: إذا حدث عن أهل بلده فصحيح، وإذا حدث عن غيره ففيه نظر. واحتجت به الأربعة.
стр. 7127
عن سليمان بن سليم الكناني الحمصي -قال الدارقطني: ثقة. وروى له الأربعة، عن عمرو بن شعيب، وثقه العجلي والنسائي، عن أبيه شعيب بن محمَّد، وثقه ابن حبان وغيره، عن جده عبد الله بن عمرو وقد مَرَّ الكلام غير مرة في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده.
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ أنه كوى سارقًا بعدما قطعه.
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا أبو بكر بن علي، قال: ثنا الحجاج بن أرطاة، عن مكحول، عن ابن محيريز قال: "قلت لفضالة بن عبيد: أمِنَ السنة أن تقطع يد السارق وتعلق في عنقه؟ فقال: نعم؛ إن رسول الله ﵇ أتي بسارق، فأمر به فقطعت يده، ثم حَسَمَهُ، ثم علقها في عنقه".
حدثنا حسين بن نصر، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن يزيد بن خصيفة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: "أتي النبي ﵇ برجل سرق شملة، فقال: أسرقت؟ ما إخاله سرق، قال: بلى يا رسول الله، قال: اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم قال: تب إلي الله".
ففي هذا أيضًا دليل علي إباحة الكيِّ الذي يراد به العلاج؛ لأنه دواء.
ش: ذكر هذين الحديثين شاهدين لما ذكره من أن الكي الذي يوافق الداء مباح.
فالأول: أخرجه عن محمَّد بن خزيمة، عن مسلم بن إبراهيم القطان شيخ البخاري، عن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي البصري، روى له النسائي، عن الحجاج بن أرطاة النخعي القاص، قال أبو حاتم: صدوق يدلس عن الضعفاء. وقال النسائي: ليس بالقوي. روى له الجماعة؛ البخاري في غير "الصحيح" ومسلم مقرونًا بغيره، عن محكول الشامي، عن عبد الرحمن بن محيريز بن جنادة المكي، روى له الأربعة.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا عمر بن علي، قال: ثنا
стр. 7128
الحجاج، عن مكحول، عن عبد الرحمن بن محيريز قال: "سألنا فضالة بن عبيد عن تعليق اليد في العنق للسارق؛ أمِنَ السنة هو؟ قال: أتي رسول الله ﵇ بسارق فقطعت يده، ثم أمر بها فعلقت في عنقه".
وأخرجه الترمذي (١): ثنا قتيبة، قال: ثنا عمر بن علي .. إلى آخره نحوه.
وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن علي المقدمي، عن الحجاج بن أرطاة، وعبد الرحمن أخو عبد الله بن محيريز.
وأخرجه النسائي (٢): أنا ابن بشار، عن عمر بن علي .. إلى آخره نحوه.
ثم قال النسائي: الحجاج بن أرطاة ضعيف لا يحتج بحديثه.
وأخرجه ابن ماجه (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وبكر بن خلف ومحمد بن بشار وأبو سلمة يحيى بن خلف، قالوا: ثنا عمر بن علي. . . . إلى آخره نحوه.
قوله: "أمِنَ السنة" الهمزة فيه للاستفهام.
قوله: "ثم حَسَمَهُ" أي قطع دمه بالكي.
ويستفاد منه أحكام وهي: أن السارق تقطع يده.
وأن يده تحسم بعد القطع لأجل قطع الدم.
وأن يده تعلق في عنقه، قال بعضهم: كأنه من باب التطويف والإشارة بذكره ليرتدع به غيره، ولو ثبت لكان حسنًا صحيحًا ولكنه لم يثبت.
والثاني: أخرجه عن حسين بن نصر، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن يزيد بن عبد الله بن خصيفة الكندي المدني، روى له الجماعة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشي العامري، روى له الجماعة.
وهذا مرسل.
стр. 7129
وأخرجه البزار في "مسنده" مسندًا متصلًا: ثنا أحمد بن أبان القرشي، ثنا عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، عن يزيد بن خصيفة، عن محمَّد بن عبد الرحمن ابن ثوبان -ولا أعلمه إلا عن أبي هريرة- قال: "أتي النبي ﵇ بسارق، قالوا: سرق، قال: ما إخاله سرق، قال: بلى قد فعلت يا رسول الله، قال: اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه، ثم ائتوني به، فَذُهِبَ به فَقُطِع، ثم حسم ثم أُتي به النبي ﵇ فقال: تب إلي الله، قال: تُبت إلي الله، قال: تاب الله عليك -أو قال: اللهم تب عليه".
وهذا الحديث لا نعلمه يروي عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.
وأخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" (١) من حديث الدراوردي، أخبرني يزيد بن خصيفة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ أتي بسارق سرق شملة، قالوا: يا رسول الله، إن هذا سرق، فقال رسول الله ﵇: ما إخاله سرق، قال السارق: بلي يا رسول الله، فقال: اذهبوا به فاقطعوه، ثم احسموه ثم ائتوني به، فقطع، فأتي به، فقال: تب إلى الله، قال: تبت إلى الله، قال: تاب الله عليك".
كذا رواه (٢) يعقوب الدورقي وغيره عنه، ورواه ابن المديني عنه فأرسله، ثم قال عليّ: وحدثنيه عبد العزيز بن أبي حازم، أخبرني يزيد بن خصيفة، عن ابن ثوبان، وثنا سفيان، ثنا ابن خصيفة، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان، فذكره مرسلًا، قال علي: لم يسنده واحد منهم.
قال: وبلغني عن أبي إسحاق أنه رواه عن يزيد بن خصيفة، عن ابن ثوبان، عن أبي هريرة. ولا أراه حفظه.
ص: وقد سأل الأعراب رسول الله ﵇ فقالوا: ألا نتداوى؟ فكان جوابه في ذلك ما حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا إبراهيم بن بشار، قال: ثنا سفيان، قال:
стр. 7130
ثنا زياد بن علاقة، قال: سمعت أسامة بن شريك يقول: "شهدت النبي ﵇ والأعراب يسألونه فقالوا: هل علينا جناح أن نتداوى؟ فقال: تَدَاوَوْا عباد الله؛ إن الله لم يضع داءً إلا وضع له دواءً إلا الهرم".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: حدثني طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس أن رسول الله ﵇ قال: "يا أيها الناس تَدَاوَوْا، فإن الله لم يخلق داءً إلا خلق له شفاء إلا السام، والسام: الموت".
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن عبد ربه بن سعيد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ عن رسول الله ﵇ قال: "لكل داءٍ دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله".
فأباح لهم رسول الله ﵇ أن يتداووا والكَيُّ مما كانوا يتداوون به.
ش: ذكر هذه الأحاديث أيضًا شاهدة لصحة ما ذكره أن الكي إذا كان يوافق الداء يباح استعماله، ألا ترى أن الأعراب سألوا رسول الله ﵇ فقالوا: "هل علينا جناح أن نتداوى؟ فأمرهم رسول الله ﵇ بالتداوى وقال: إن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء إلا الهرم" وفي رواية: "إلا السام وهو الموت"، فأباح لهم التداوي مطلقًا والكيّ يدخل فيه؛ لأنه من جملة ما كانوا يتداوون به، ولاسيما أهل الوبر؛ فإن غالب الطب عندهم بالنار.
وأخرجها عن ثلاثة من الصحابة:
الأول: عن أسامة بن شريك، وأخرجه بإسناد صحيح، وأخرجه الأربعة:
فأبو داود (١): عن حفص بن عمر النمري، عن شعبة، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك، قال: "لقيت النبي ﵇ وأصحابه كأنما علي رءوسهم الطير، فسلمت ثم قعدت، فجاء الأعراب من هاهنا وهاهنا فقالوا: يا رسول الله نتداوى؟ فقال: تداووا؛ فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواءٍ غير داءٍ واحد: الهرم".
стр. 7131
والترمذي (١): عن بشر بن معاذ العقدي البصري، عن أبي عوانة، عن زياد بن علاقة. . . . بنحوه. وأوله: "قالت الأعراب: يا رسول الله، ألا نتداوى؟ " وقال: حسن صحيح.
والنسائي (٢): عن محمَّد بن عبد الأعلي، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن زياد بن علاقة نحوه مختصرًا.
وابن ماجه (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار، عن سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة نحوه.
الثاني: عن ابن عباس:
أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن طلحة بن عمرو ابن عثمان الحضرمي المكي، قال: يحيى فيه: لا شيء، ضعيف. وقال البخاري: ليس بشيء. وقال: النسائي: متروك الحديث.
وهو يروي عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس.
الثالث: عن جابر بن عبد الله:
أخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عبد ربه بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني أخي يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه مسلم (٤): ثنا هارون بن معروف وأبو طاهر وأحمد بن عيسى، قالوا: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو -هو ابن الحارث- عن عبد ربه بن سعيد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﵇ أنه قال: "لكل داء دواء، فإذا أصيبَ دواءُ الداءِ برأ بإذن الله تعالى".
стр. 7132
قوله: "فإذا أصيب دواء الداء" بإضافة الدواء إلى الداء. والدواء بفتح الدال ممدود، وحكي جماعة -منهم الجوهري- فيه لغة بكسر الدال، قال عياض: هي لغة الكلابين وهي شاذة.
وفي هذه الأحاديث:
إثبات الطب والعلاج.
وأن التداوي غير مكروه كما ذهب إليه بعض الناس.
وفيه أنه جعل الهرم داء وإنما هو ضعف الكبر وليس من الأدواء التي هي أسقام عارضة للأبدان من قبل اختلاف الطبائع وتغير الأمزجة؛ وإنما شُبِّة بالداء؛ لأنه جالب للتلف كالأدواء التي يعقبها الهلاك، قال النمر بن تولب:
دعوت ربي بالسلامة جاهدًا ... ليصحني فإذا السلامة داء
يريد أن العمر لما طال به أداه إلى الهرم فصار بمنزلة المريض الذي قد أدلقه المرض.
قلت: وفي هذا الباب عن أنس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وابن مسعود وأبي خِزامة عن أبيه، وأبي الدرداء وبريدة.
أما حديث أنس ﵁ فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يونس بن محمَّد، قال: نا حرب بن ميمون، قال: سمعت عمران العمي يقول: سمعت أنسًا يقول: إن رسول الله ﵇ قال: "إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء؛ فَتَدَاوَوْا".
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري (٢): ثنا محمَّد بن المثني، نا أبو أحمد الزبيري، نا [عمر] (٣) بن سعيد بن أبي حسين، قال: حدثني عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء".
стр. 7133
وأما حديث أبي سعيد فأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا هاشم بن القاسم، قال: ثنا شبيب بن شيبة، قال: نا عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵇ قال: "إن الله لم ينزل داءً -أو لم يخلق داء- إلا وقد أنزل -أو قد خلق- له دواءً، علمه مَن علمه وجهله مَن جهله إلا السام، قالوا: يا رسول الله، وما السام؟ قال: الموت".
وأما حديث ابن مسعود فأخرجه ابن ماجه (٢): من حديث ابن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن ابن مسعود يبلغ به النبي ﵇ قال: "ما أنزل الله من داءٍ إلا أنزل له شفاء، عَلِمَهُ مَن عَلِمَهُ وجَهِلَهُ مَن جَهِلَهُ".
وأما حديث أبي خِزامة عن أبيه فأخرجه أبو بكر بن أبي عاصم (٣) قال: ثنا الحسن بن علي، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، نا أبي، عن صالح بن كيسان، عن الزهري، أن أبا خزامة -أحد بني الحارث بن سعد هُذَيم- أخبره، عن أبيه: "أنه أتى النبي ﵇، فقال: يا رسول الله، أرأيت دواءً نتداوى به وتقاة نتقيها هل يرد ذلك من قدر الله؟ قال: إنها من قدر الله".
قال ابن أبي عاصم: قد اختلفوا فيه، فقالوا: خزيمة وخزينة وأبو خزانة وأبو خزامة وابن أبي خزامة، واختلفوا في الرفع والنصب والخفض، وقال ابن الأثير في ترجمة خزامة بن معمر الليثي، واختلف على الزهري فيه، فقيل: خزامة ابن معمر عن أبيه، وقيل: عن أبي خزامة بن زيد بن الحارث، عن أبيه".
وأخرجه عبد الله بن أحمد (٤): حدثني أبي، ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن ابن أبي خزامة، عن أبيه قال: "قلت: يا رسول الله -قال سفيان مرة: سألت
стр. 7134
رسول الله ﵇ أرأيت دواءً نتداوى به، ورقي نسترقيها، وتقاة نتقيها، أيرد ذلك من قدر الله؟ قال: إنها من قدر الله".
وأخرجه الترمذي (١): نا ابن أبي عمر، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه قال: "سألت رسول الله ﵇ قلت: يا رسول الله، أرأيت رقاة نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل يرد من قدر الله شيئًا؟ قال: هي من قدر الله" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
ثنا سعيد (٢) بن عبد الرحمن المخزومي، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن ابن أبي خزامة، عن أبيه. وقال بعضهم: عن أبي خزامة، عن أبيه. وقد روي غير ابن عيينة هذا الحديث عن الزهري، عن أبي خزامة، عن أبيه.
وهذا أصح، ولا نعرف لأبي خزامة غير هذا الحديث.
وقال ابن الأثير: يَعْمُر السعدي سعد هذيم، ثم من بني الحارث بن سعد، والحارث أخو عروة بن سعد وكنيته: أبو خرامة، قاله أبو نعيم، وقيل: هو والد أبي خزامة. وهو الصواب، قاله ابن منده.
وقال الحافظ ابن عساكر: يقال: أبو خزامة، ويقال: والد أبي خزامة، ويقال: أبو سعد، ويقال: اسمه الحارث، وهو أحد بني الحارث بن سعد بن هذيم السعدي.
وأما حديث أبي الدرداء: فأخرجه أبو داود بإسناده إليه، قال: قال رسول الله ﵇: "إن الله أنزل الداء والدواء، فَتَدَاوَوْا, ولا تداووا بالحرام".
وأما حديث بريدة فأخرجه ابن أبي عاصم بسند صحيح عنه قال: قال رسول الله ﵇: "تَدَاوَوْا عباد الله؛ فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء".
стр. 7135
ص: وقد اكتوى أصحاب النبي ﵇ من بعده، فممن روي عنه في ذلك: ما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل بن إسماعيل، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا ابن أبجر، عن أبي حمزة، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير قال: "أقسم عَليَّ عمر ﵁ لأكتوي".
حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن يونس، قال: ثنا زهير، قال: ثنا أبو الزبير، قال: "رأيت عبد الله بن عمر اكتوى من اللقوة في أصل أذنيه، اللقوة: مرض يعرض للوجه فيميله إلى أحد جانبيه".
حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا زهير، قال: ثنا موسى بن عقبة، عن نافع: "أن ابن عمر اكتوى من اللقوة".
حدثنا شعيب بن إسحاق بن يحيى، قال: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: ثنا أبو حنيفة، عن نافع: "أن ابن عمر اكتوى من اللقوة، ورقي من العقرب".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن نافع، عن ابن عمر، مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب قال: "دخلت علي خباب ﵁ وقد اكتوى".
حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا موسى بن أعين، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، عن خباب: "أنه أتاه يعوده وقد اكتوى سبعًا في بطنه".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، عن أبيه، قال: سمعت حميدًا -قال ابن مرزوق: أظنه عن مطرف- قال: قال لي عمران بن الحصين ﵁: "أشعرت أنه كان يُسَلَّمُ عَلَيَّ، فَلَمَّا أكتويت؛ انقطع عني التسليم".
ش: أخرج في ذلك عن جماعة من الصحابة وهم: عمر بن الخطاب، وعبد الله ابن عمر، وخباب بن الأرَت، وعمران بن الحصين ﵃:
стр. 7136
أما عن عمر ﵁ فأخرجه بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن مؤمل بن إسماعيل القرشي، عن سفيان الثوري، عن عبد الملك بن سعيد بن حيان بن أبجر الهمداني الكوفي، وثقه يحيى والنسائي، وروى له مسلم، وفي الأربعة غير ابن ماجه -عن أبي حمزة، الحاء والزاي- واسمه سَّيار، وثقه ابن حبان، عن قيس بن أبي حازم حُصَين، روى له الجماعة، عن جرير بن عبد الله البجلي الصحابي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن عبد الملك بن أبجر، عن سيار، عن قيس، عن جرير قال: "أقسم عَلَيَّ عمر ﵁ لأكتوي".
وأما عن ابن عمر فأخرجه من أربع طرق صحاح.
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم. . . . إلى آخره.
وأخرجه البيهقي (٢) نحوه من حديث الزهري، عن سالم: "أن ابن عمر اكتوى من اللقوة، وكوى ابنه واقدًا".
الثاني: عن فهد أيضًا، عن أحمد بن يونس، عن زهير بن معاوية، عن موسي بن عقبة. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣): ثنا علي بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه اكتوي من اللقوة، واسترقي من العقرب".
الثالث: عن شعيب بن إسحاق بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن زيد القصير المقرئ، شيخ البخاري، عن الإمام أبي حنيفة نعمان بن ثابت، عن نافع. . . . إلى آخره.
стр. 7137
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر نحوه.
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن مالك، عن نافع .. إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٢).
وأما عن خباب فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن حارثة بن مضرب العبدي الكوفي، وثقه يحيى وغيره.
وأخرجه عبد الرزاق نحوه (٣).
الثاني: عن محمَّد بن حميد الرعيني، عن علي بن معبد بن شداد، عن موسى بن أعين، عن إسماعيل بن أبي خالد البجلي، عن قيس بن أبي حازم .. إلي آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤): ثنا وكيع، قال: ثنا إسرائيل، عن قيس بن أبي حازم قال: "دخلنا علي خباب نعوده، وقد اكتوى سبعًا في بطنه".
وأما عن عمران فأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن حميد الطويل، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير. . . . إلى آخره.
قوله: "أَشَعَرْتَ" الهمزة فيه للاستفهام، أي هل علمت "أنه كان يُسَلَّمُ عَلَيَّ" وهو علي صيغة المجهول، وأراد أن الملائكة كانوا يسلمون عليه، فلما اكتوى قطعوا سلامهم عنه؛ وذلك لأنه بالكي كأنه خرج عن حد التوكل.
стр. 7138
ص: فهؤلاء أصحاب رسول الله ﵇ قد اكْتَوَوْا، وكَوَوْا غيرهم، وفيهم ابن عمر ﵄، وقد روينا عنه أن رسول الله ﵇ قال: "ما أحب أن اكتوي، فدل فعله ذلك علي ثبوت نسخ ما كان النبي ﵇ كرهه من ذلك، وفيهم عمران بن حصين وهو الذي روى عن النبي ﵇ مدحه للذين لا يكتوون، فدل ذلك أيضًا علي علمه بإباحة رسول الله ﵇ لذلك".
ش: أشار بهؤلاء إلى الصحابة الذين أخرج عنهم إباحة الكي.
قوله: "وفيهم عبد الله بن عمر" أي والحال أن فيهم عبد الله بن عمر، والحال أَنَّا قد روينا عنه أن رسول الله ﵇ قال: "ما أحب أن أكتوي" فمباشرة ابن عمر فعل الكي بعد روايته هذا تدل علي ثبوت نسخ ما روي عنه ﵇ من كراهته، وكذلك فعل عمران بن حصين؛ فإنه أيضًا قد روى عن النبي ﵇ مدحه لمن لا يكتوي؛ فدل علي ثبوت النسخ عنده.
ص: فإن قال قائل: فكيف يكون ذلك وقد روي عن عمران بن حصين. . . . فذكر ما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا أبو جابر، قال: ثنا عمران بن حدير، عن أبي مجلز قال: "كان عمران بن حصين ينهى عن الكي، فابتلي فكان يقول: لقد اكتويت كيةً بنارٍ فما أبرأتني من إثم ولا شفتني من سقم".
قيل له: يجوز أن يكون الكي الذي كان عمران ينهى عنه [هو] (١) الكي يراد به [لا] (٢) العلاج من البلاء الذي قد حل، ولكن لما يفعل قبل حلول البلاء، مما كانوا يرون أنه يدفع البلاء، فلما ابتلي بما كان ابتلي به؛ اكتوى علي أن ذلك علاج لما به من البلاء، فلما لم يبرأ بذلك، علم أن كيه لم يوافق بلاءه ولم يكن علاجًا له، فأشفق أن يكون بها آثما فقال: "ما شفتني من سقم ولا أبرأتني من إثم"، أي لم أعلم أني بريء من الإثم مع أنه لم يحقق أنه صار آثمًا بها؛ لأنه إنما كان أراد بها الدواء لا غير ذلك، والدواء مباح للناس جميعًا، وهم مأمورون به.
стр. 7139
ش: تقرير السؤال أن يقال: كيف يجوز ما ذكرت من فعل عمران على انتساخ ما نهى عنه من الكي والحال أنه قد روي عنه أن كان ينهى عن الكي؟!
أخرجه عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن أبي جابر محمد بن عبد الملك الأزدي صاحب شعبة، قال أبو حاتم: ليس بقوي.
عن عمران بن حدير، عن أبي مجلز لاحق بن حميد، ثقة كبير.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا عمران بن حدير، عن أبي مجلز قال: "كان عمران بن حصين ينهى عن الكي، فابتلي، فاكتوي، فجعل بعد ذلك يعجُّ يقول: اكتويت كية بنارٍ ما أبرأتْ من ألم ولا شفت من سقم".
قوله: "قيل له" جواب عن السؤال المذكور، وهو ظاهر.
قوله: "فأشفق" أي خاف من والإشفاق هو الخوف.
ص: وقد جاءت عن رسول الله ﷺ آثار تنهى عن التمائم، فمما روي في ذلك ما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أم قيس بنت محصن قالت: "دخلت علي رسول الله ﷺ بابن لي وقد أعلقت عليه من العذرة، فقال: علام تدغرين أولادك بهذا العلاق؟ عليكن بهذا العود الهندي؛ فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب، يسعط من العذرة ويُلَدُّ من ذات الجنب".
فقد يحتمل أن يكون ذلك العلاق كان مكروهًا في نفسه؛ لأنه كتب فيه ما لا يحل كتابته؛ فكرهه رسول الله ﵇ لذلك لا لغيره.
ش: ذكر هذا تأييدًا للجواب المذكور؛ لأنه نظير قضية عمران بن حصين في كون كل منهما فعل قبل نزول البلاء لدفع القدر، وهذا لا يجوز، أما قضية عمران فقد
стр. 7140
ذكرناها، وأما قضية أم قيس بنت محصن فإن معناها أنها أعلقت علي ابنها من العذرة قبل نزول البلاء لدفع القدر في نزول البلاء، فافهم.
ورجال حديثها كلهم رجال الصحيح.
وسفيان هو ابن عيينة، والزهري محمَّد بن مسلم، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود، وأم قيس بنت محصن أخت عكاشة بن محصن، لها صحبة، أسلمت قديمًا وهاجرت إلى المدينة.
وأخرجه الجماعة، فقال: البخاري (١): ثنا صدقة بن الفضل، أنا ابن عيينة قال: سمعت الزهري، عن عبيد الله، عن أم قيس بنت محصن قالت: سمعت النبي ﵇ يقول: "عليكم بهذا العود الهندي؛ فإن فيه سبعة أشفية: يُسعط به من العذرة، ويُلَدُّ به من ذات الجنب. ودخلت على النبي ﵇ بابن لي لم يأكل الطعام، فبال عليه فدعى بماء، فرش عليه".
وقال أيضًا (٢): ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، عن الزهري، أخبرني عبيد الله، عن أم قيس قالت: "دخلت بابن لي علي رسول الله ﵇ وقد أعلقت عليه من العذرة، فقال: علي ما تدغرن أولادكن بهذا العلاق، عليكن بهذا العود الهندي؛ فإن فيه سبعة أشفية منها: ذات الجنب، يُسعط من العذرة، ويُلدُّ من ذات الجنب".
وقال مسلم (٣): ثنا حرملة بن يحيى، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس ابن يزيد، أن ابن شهاب أخبره، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: "إن أم قيس ابنة محصن كانت من المهاجرات الأُول اللاتي بايعن رسول الله ﵇، أخت عكاشة بن محصن أحد بني أسد بن خزيمة، قال: أخبرتني أنها أتت رسول الله ﵇ بابن لها لم يبلغ أن يأكل طعام، وقد أعلقت عليه من العذرة -قال
стр. 7141
يونس: أعلقت: غمرت فهي تخاف أن يكون به عذرة- قالت: فقال رسول الله ﵇: علامه تدغرن أولادكن بهذه الأعلاق؟! عليكم بهذا العود الهندي -يعني به الكُسْت- فإن فيه سبعة أشفية منها: ذات الجنب. . . ." الحديث.
وقال أبو داود (١): ثنا مسدد وحامد بن يحيى، قالا: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أم قيس. . . . إلى آخره نحوه.
وقال ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح، قالا: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أم قيس. . . . إلى آخره نحوه.
والترمذي (٣) والنسائي (٤) لم يخرجا إلا قضية البول فقط.
قوله: "وقد أعلقت" من الإعلاق وهو معالجة عذرة الصبي وحقيقة ذلك: أعلقت عنه، أي أزلت العلوق، وهي الداهية.
قال الخطابي: المحدثون يقولون: أعلقت عليه وإنما هو أعلقت عنه أي دفعت عنه، ومعنى أعلقت عليه: أوردت عليه العَلُوق أي ما عَذَّبَتْهُ به من دَغْرها.
ومنه قولهم: أعلقت عليّ: إذا أدخلت يدي في حلقي أتقيأ.
وقال الأصمعي: الإعلاق أن ترفع العذرة باليد.
و"العُذرة" -بضم العين- وجع في الحلق يَهيجُ من الدم، وقيل: هي قرحة تخرج في الخَرْم الذي بين الأنف والحلق تعرض للصبيان عن طلوع العذرة، فتعمد المرأة إلى خِرقة فتفتلها فتلًا شديدًا، وتدخلها في أنفه، فَتَطْعَن ذلك الموضع فينفجر منه دم أسود، وربما أقرحه وذلك الطعن يسمى الدَّغْر، يقال: عَذَرَت المرأة الصبي: إذا غمزت حلقه من العذرة أو فعلت به ذلك، وكانوا بعد ذلك يعلقون عليه علاقًا كالعوذة، وقوله: عند طلوع العذرة هي خمسة كواكب تحت الشِّعْرى
стр. 7142
العَبُور وتسمى العَذَاري وتطلع في وسط الحرِّ. وفي المحكم: العذرة نجم إذا اطلع اشتد الحر، والعذرة والعاذور داء في الحلق، ورجل معذور: أصابه ذلك.
قوله: "من العذرة" أي من أجلها، وكلمة "من" للتعليل.
قوله: "عَلَام تَدْغَرن أولادكن" أصله: "على ما" حذفت الألف من "ما"، وكلمة "على" تعليل كما في قوله تعالى: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (١).
قوله: "تَدْغَرن" خطاب لجمع المؤنث؛ أي عَلي ما تغمزن حلق الصبي بأصابعكن، والدغر هو غمز حلق الصبي بالأصبع وكبسه، قال القرطبي: الرواية الصحيحة بالدال المهملة وغين معجمة، ومعناه رفع اللهاة، واللهاة هي اللحمة الحمراء التي في آخر الفم وأول الحلق، وذكره أبو عبيد في باب الدال المهملة مع الغين المعجمة وقال: الدَّغر: غمز الحلق بالأصبع؛ وذلك أن الصبي تأخذه العذرة وهي وجع يهيج في الحلق من الدم، فتدخل المرأة أُصبعها فتدفع بها ذلك الموضع وتكبسه.
قوله: "بهذا العِلَاق" المعروف الإعْلَاق، وهو مصدر أَعْلَقْت، وأما العِلَاق فهو اسم منه، وأراد به هاهنا ما يعلق على الصغير من تميمة، وهي الخرزة التي تعلق على الصغير لدفع عين أو مرض أو نحو ذلك، أو رقعة مكتوب فيها أشياء من اللسان وغيرها، فكره رسول الله ﵇ لاحتمال أن يكون كتب فيها ما لا يحل كتابته.
قوله: "عليكن بهذا العود الهندي" وهو القُسْط البحري، وقيل: العود الذي يتبخر به. القسط بضم القاف، قال الجوهري: هو من عقاقير البحر، وقال ابن السكيت: القاف بدل من الكاف، وفي "المنتهى" لأبي المعالي: الكست والقسط والكسط ثلاث لغات وهو جزر البحر، وقال ابن البيطار: أجوده ما كان من بلاد المغرب وكان أبيض خفيفًا وهو البحري، وبعده الذي من بلاد الهند وهو غليظ أسود خفيف مثل القثاء، وبعده الذي من بلاد سوريا وهو ثقيل ولونه لون البقس
стр. 7143
ورائحته ساطعة، وأجودها ما كان حديثًا أبيض ممتلئًا غير متآكل ولا زهم يلدغ اللسان وقوته مسخنة مدرة للبول والطمث، وينفع من أوجاع الأرحام إذا استعمل، وشربه ينفع من لدغ الأفعي ويحرك شهوة الجماع، ويخرج حب القرع ويعمل لطوخًا بالزيت لمن نافض قبل أخذ الحمى ولمن به فالج وينقي الكلف ويقلعه إذا لطخ بماء أو بعسل وينفع من العلة المعروفة بالنسا، وهو جيد للزكام البارد إذا بخر به الأنف، ودهنه ينفع العصب والرعشة، وإذا سحق بالعسل أو الماء نفع من التشنج الذي في الوجه والسعفة، وإذا سحق وذُرَّ على القروح الرطبة خففها وهو يفتح السُّدَد الحادثة في الكبد شربًا، وينشف البلغم الذي في الرأس، وينفع من ضعف الكبد والغدة وبردهما، والأبيض فيه منفعة عظيمة من الأوجاع العتيقة التي تكون في الرأس ويطرد الرياح من الدماغ، وإذا دهن به في قمع قتل الولد وأدرَّ الحيض، وبخوره نافع من النزلات ومن الوباء الحادث عن التعفن، وإذا ضمدت به الأوجاع الباردة سكنَّهَا وكذلك دهنه، وإن قطر من دهنه في الأذن سكن أوجاعها الباردة وفتح سددها، وإذا خلط وعجن بالعسل وشرب نفع من أوجاع المعدة والمغص ومن أوجاع ذات الجنب، وهو نافع لكل عضو يحتاج أن يسخن، وينفع من أوجاع الصدر، ومن النهوش كلها.
قوله: "فإن فيه سبع أشفية" الأشفية: جمع شفاء، سمي منها رسول الله ﵇ اثنين ووكل باقيها إلي طلب المعرفة أو إلى الشهرة فيها، وقد عدَّ الأطباء فيها منافع كثيرة وقد ذكرناها الآن.
فإن قلتَ: إذا كان فيه ما ذكرت من المنافع الكثيرة فما وجه تخصيصه ﵇ منافعه بسبع؟
قلتُ: هذه السبع هي التي علمها ﵇ بالوحي وتحققها، وغيرها من المنافع علمت بالتجربة، فذكر ﵇ ما علمه بالوحي دون غيره.
أو نقول: بيَّن ﵇ ما دعت الحاجة والضرورة إليه وسكت عن الباقي؛ لأنه لم يُبعث لبيان تفاصيل الطب ولا لتعليم صنعته، وإنما تكلم ما تكلم به منه ليرشد إلى
стр. 7144
الأخذ منه والعمل به، وعيَّن من الأدوية والعقاقير التي يُنتفع بها ما دعت حاجتهم إليه في ذلك الوقت وبحسب أولئك الأشخاص.
قوله: "منها ذات الجنب" قال الترمذي: هو السل، وفي "البارع": هو الذي يطول مرضه، وعن النضر: هو الدبيلة، وهي قرحة تثقب البطن، وقيل: هي الشوصة.
وفي "المنتهى": الجُناب -بالضم- داء في الجنب، وأما الأطباء فإنهم يقولون: ذات الجنب: ورم حارٌّ يكون إما في الحجاب الحاجز أو في الغشاء المستبطن للصدر وهما خالصان، وإما في الغشاء المجلل للأضلاع أو العضل الخارج، وهما غير خالصين.
والخالص يلزمه أعراض خمسة: حمى لازمة، ووجع ناخس، وضيق نَفَسٍ مع صفير وتواتر ونبض منشاري، وسعال نافث.
وغير الخالص: ربما أدركه حس الطبيب وقد يكون بلا حمى، وقد يقال لورم الحجاب: برسامًا , ولورم العضل الخارج: شوصة.
قوله: "يسعط من العذرة" قال الأزهري: السُّعوط والنُّشُوق والنُّسُوغ في الأنف، ولخيته ولخوته وألخيته: إذا سعطته ويقال: أسعطته، وكذلك وحرته وأوحرته لغتان، وأما النشوق فيقال: أنشقته إنشاقًا وهو طيب السعوط والسعاط والإسعاط، وفي "المحكم": سَعَطَهُ الدواء يَسْعَطُه ويَسْعُطِه، والضم أعلى، والصاد في كل ذلك لغة، والسعوط اسم الدواء، والسعيط: المُسعط، والسعيط: دهن الخردل، والسعيط دهن البان والسَّعُوط من السَّعْطِ كالنُّشُوق من النشق، وفي "الصحاح": اسعطته واستعط هو بنفسه، وفي "الجامع": السَّعَوط والمُسْعَط والسَّعِيط: الرجل الذي يُفْعَل به ذلك والسعطة: المرة الواحدة من الفعل، والإسعاطة مثلها، قال أبو الفرج: الإسعاط هو تحصيل الدهن أو غيره في أقصى الأنف سواء كان بجذب النفس أو بالتفريغ فيه.
стр. 7145
قوله: "ويُلَدُّ" من الإلداد، وقد لُدَّ الرجل فهو ملدود وألددته أنا، واللديدان: جانبا الوادي. قاله الأصمعي، وفيه؛ أحد اللدود، وهو ما يُصَبُّ من الأدوية في أحد شقي الفم، وتجمع علي ألدة، وقال ابن الأثير: لديدا الفم: جانباه، واللدود -بفتح اللام- من الأدوية: ما يسقاه المريض في أحد شقي الفم.
ويستنبط منه أحكام:
فيه: جواز التداوي بالأدوية، وأنه لا ينافي التوكل؛ ردًّا على بعض المتصوفة.
وفيه: كراهة دَغَر العذرة.
وفيه: بيان فضيلة العود الهندي وأنه ينفع من أدواء كثيرة كما ذكرنا.
وفيه: بيان معالجة العذرة بالإسعاط، وذات الجنب بالإلداد.
وفيه: جواز التطبب، والإخبار عن طبائع الأدوية ومنافعها ومضارها عند العلم.
وفيه: أنه ﵇ كان عالمًا بعلم الطب أيضًا وبمنافع الأدوية؛ وإن كان مبعوثًا بعلم الدين فإنه ﵇ كان كاملًا في كل شيء.
وفيه: أن كل منفعة أخبر بها النبي ﵇ من الأدوية فهي كذلك من غير ريب، بخلاف كلام سائر الأطباء؛ فإن كلامهم على الظن والتجربة، فخطأهم في ذلك أكثر من صوابهم.
وفيه: أن من أنكر ما قاله ﵇ من منفعة دواء من الأدوية أو قال: بخلاف ذلك فقد كفر؛ نعوذ بالله من ذلك.
ص: وقد روي في ذلك أيضًا ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن بكر بن سوادة، عن رجل من صداء قال: "أتينا النبي ﷺ اثنى عشر رجلًا، فبايعنا وترك رجلًا منا لم يبايعه، فقلنا: بايعه يا نبي الله، فقال: لن أبايعه حتى ينزع الذي عليه، إنه مَن كان منَّا عليه مثل الذي عليه كان مشركًا ما كانت عليه، فنظرنا فإذا في عضه سير من لحاء شجرة، أو شيء من الشجرة".