يونس: أعلقت: غمرت فهي تخاف أن يكون به عذرة- قالت: فقال رسول الله ﵇: علامه تدغرن أولادكن بهذه الأعلاق؟! عليكم بهذا العود الهندي -يعني به الكُسْت- فإن فيه سبعة أشفية منها: ذات الجنب. . . ." الحديث.
وقال أبو داود (١): ثنا مسدد وحامد بن يحيى، قالا: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أم قيس. . . . إلى آخره نحوه.
وقال ابن ماجه (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح، قالا: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أم قيس. . . . إلى آخره نحوه.
والترمذي (٣) والنسائي (٤) لم يخرجا إلا قضية البول فقط.
قوله: "وقد أعلقت" من الإعلاق وهو معالجة عذرة الصبي وحقيقة ذلك: أعلقت عنه، أي أزلت العلوق، وهي الداهية.
قال الخطابي: المحدثون يقولون: أعلقت عليه وإنما هو أعلقت عنه أي دفعت عنه، ومعنى أعلقت عليه: أوردت عليه العَلُوق أي ما عَذَّبَتْهُ به من دَغْرها.
ومنه قولهم: أعلقت عليّ: إذا أدخلت يدي في حلقي أتقيأ.
وقال الأصمعي: الإعلاق أن ترفع العذرة باليد.
و"العُذرة" -بضم العين- وجع في الحلق يَهيجُ من الدم، وقيل: هي قرحة تخرج في الخَرْم الذي بين الأنف والحلق تعرض للصبيان عن طلوع العذرة، فتعمد المرأة إلى خِرقة فتفتلها فتلًا شديدًا، وتدخلها في أنفه، فَتَطْعَن ذلك الموضع فينفجر منه دم أسود، وربما أقرحه وذلك الطعن يسمى الدَّغْر، يقال: عَذَرَت المرأة الصبي: إذا غمزت حلقه من العذرة أو فعلت به ذلك، وكانوا بعد ذلك يعلقون عليه علاقًا كالعوذة، وقوله: عند طلوع العذرة هي خمسة كواكب تحت الشِّعْرى
стр. 7142
العَبُور وتسمى العَذَاري وتطلع في وسط الحرِّ. وفي المحكم: العذرة نجم إذا اطلع اشتد الحر، والعذرة والعاذور داء في الحلق، ورجل معذور: أصابه ذلك.
قوله: "من العذرة" أي من أجلها، وكلمة "من" للتعليل.
قوله: "عَلَام تَدْغَرن أولادكن" أصله: "على ما" حذفت الألف من "ما"، وكلمة "على" تعليل كما في قوله تعالى: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (١).
قوله: "تَدْغَرن" خطاب لجمع المؤنث؛ أي عَلي ما تغمزن حلق الصبي بأصابعكن، والدغر هو غمز حلق الصبي بالأصبع وكبسه، قال القرطبي: الرواية الصحيحة بالدال المهملة وغين معجمة، ومعناه رفع اللهاة، واللهاة هي اللحمة الحمراء التي في آخر الفم وأول الحلق، وذكره أبو عبيد في باب الدال المهملة مع الغين المعجمة وقال: الدَّغر: غمز الحلق بالأصبع؛ وذلك أن الصبي تأخذه العذرة وهي وجع يهيج في الحلق من الدم، فتدخل المرأة أُصبعها فتدفع بها ذلك الموضع وتكبسه.
قوله: "بهذا العِلَاق" المعروف الإعْلَاق، وهو مصدر أَعْلَقْت، وأما العِلَاق فهو اسم منه، وأراد به هاهنا ما يعلق على الصغير من تميمة، وهي الخرزة التي تعلق على الصغير لدفع عين أو مرض أو نحو ذلك، أو رقعة مكتوب فيها أشياء من اللسان وغيرها، فكره رسول الله ﵇ لاحتمال أن يكون كتب فيها ما لا يحل كتابته.
قوله: "عليكن بهذا العود الهندي" وهو القُسْط البحري، وقيل: العود الذي يتبخر به. القسط بضم القاف، قال الجوهري: هو من عقاقير البحر، وقال ابن السكيت: القاف بدل من الكاف، وفي "المنتهى" لأبي المعالي: الكست والقسط والكسط ثلاث لغات وهو جزر البحر، وقال ابن البيطار: أجوده ما كان من بلاد المغرب وكان أبيض خفيفًا وهو البحري، وبعده الذي من بلاد الهند وهو غليظ أسود خفيف مثل القثاء، وبعده الذي من بلاد سوريا وهو ثقيل ولونه لون البقس
стр. 7143
ورائحته ساطعة، وأجودها ما كان حديثًا أبيض ممتلئًا غير متآكل ولا زهم يلدغ اللسان وقوته مسخنة مدرة للبول والطمث، وينفع من أوجاع الأرحام إذا استعمل، وشربه ينفع من لدغ الأفعي ويحرك شهوة الجماع، ويخرج حب القرع ويعمل لطوخًا بالزيت لمن نافض قبل أخذ الحمى ولمن به فالج وينقي الكلف ويقلعه إذا لطخ بماء أو بعسل وينفع من العلة المعروفة بالنسا، وهو جيد للزكام البارد إذا بخر به الأنف، ودهنه ينفع العصب والرعشة، وإذا سحق بالعسل أو الماء نفع من التشنج الذي في الوجه والسعفة، وإذا سحق وذُرَّ على القروح الرطبة خففها وهو يفتح السُّدَد الحادثة في الكبد شربًا، وينشف البلغم الذي في الرأس، وينفع من ضعف الكبد والغدة وبردهما، والأبيض فيه منفعة عظيمة من الأوجاع العتيقة التي تكون في الرأس ويطرد الرياح من الدماغ، وإذا دهن به في قمع قتل الولد وأدرَّ الحيض، وبخوره نافع من النزلات ومن الوباء الحادث عن التعفن، وإذا ضمدت به الأوجاع الباردة سكنَّهَا وكذلك دهنه، وإن قطر من دهنه في الأذن سكن أوجاعها الباردة وفتح سددها، وإذا خلط وعجن بالعسل وشرب نفع من أوجاع المعدة والمغص ومن أوجاع ذات الجنب، وهو نافع لكل عضو يحتاج أن يسخن، وينفع من أوجاع الصدر، ومن النهوش كلها.
قوله: "فإن فيه سبع أشفية" الأشفية: جمع شفاء، سمي منها رسول الله ﵇ اثنين ووكل باقيها إلي طلب المعرفة أو إلى الشهرة فيها، وقد عدَّ الأطباء فيها منافع كثيرة وقد ذكرناها الآن.
فإن قلتَ: إذا كان فيه ما ذكرت من المنافع الكثيرة فما وجه تخصيصه ﵇ منافعه بسبع؟
قلتُ: هذه السبع هي التي علمها ﵇ بالوحي وتحققها، وغيرها من المنافع علمت بالتجربة، فذكر ﵇ ما علمه بالوحي دون غيره.
أو نقول: بيَّن ﵇ ما دعت الحاجة والضرورة إليه وسكت عن الباقي؛ لأنه لم يُبعث لبيان تفاصيل الطب ولا لتعليم صنعته، وإنما تكلم ما تكلم به منه ليرشد إلى
стр. 7144
الأخذ منه والعمل به، وعيَّن من الأدوية والعقاقير التي يُنتفع بها ما دعت حاجتهم إليه في ذلك الوقت وبحسب أولئك الأشخاص.
قوله: "منها ذات الجنب" قال الترمذي: هو السل، وفي "البارع": هو الذي يطول مرضه، وعن النضر: هو الدبيلة، وهي قرحة تثقب البطن، وقيل: هي الشوصة.
وفي "المنتهى": الجُناب -بالضم- داء في الجنب، وأما الأطباء فإنهم يقولون: ذات الجنب: ورم حارٌّ يكون إما في الحجاب الحاجز أو في الغشاء المستبطن للصدر وهما خالصان، وإما في الغشاء المجلل للأضلاع أو العضل الخارج، وهما غير خالصين.
والخالص يلزمه أعراض خمسة: حمى لازمة، ووجع ناخس، وضيق نَفَسٍ مع صفير وتواتر ونبض منشاري، وسعال نافث.
وغير الخالص: ربما أدركه حس الطبيب وقد يكون بلا حمى، وقد يقال لورم الحجاب: برسامًا , ولورم العضل الخارج: شوصة.
قوله: "يسعط من العذرة" قال الأزهري: السُّعوط والنُّشُوق والنُّسُوغ في الأنف، ولخيته ولخوته وألخيته: إذا سعطته ويقال: أسعطته، وكذلك وحرته وأوحرته لغتان، وأما النشوق فيقال: أنشقته إنشاقًا وهو طيب السعوط والسعاط والإسعاط، وفي "المحكم": سَعَطَهُ الدواء يَسْعَطُه ويَسْعُطِه، والضم أعلى، والصاد في كل ذلك لغة، والسعوط اسم الدواء، والسعيط: المُسعط، والسعيط: دهن الخردل، والسعيط دهن البان والسَّعُوط من السَّعْطِ كالنُّشُوق من النشق، وفي "الصحاح": اسعطته واستعط هو بنفسه، وفي "الجامع": السَّعَوط والمُسْعَط والسَّعِيط: الرجل الذي يُفْعَل به ذلك والسعطة: المرة الواحدة من الفعل، والإسعاطة مثلها، قال أبو الفرج: الإسعاط هو تحصيل الدهن أو غيره في أقصى الأنف سواء كان بجذب النفس أو بالتفريغ فيه.
стр. 7145
قوله: "ويُلَدُّ" من الإلداد، وقد لُدَّ الرجل فهو ملدود وألددته أنا، واللديدان: جانبا الوادي. قاله الأصمعي، وفيه؛ أحد اللدود، وهو ما يُصَبُّ من الأدوية في أحد شقي الفم، وتجمع علي ألدة، وقال ابن الأثير: لديدا الفم: جانباه، واللدود -بفتح اللام- من الأدوية: ما يسقاه المريض في أحد شقي الفم.
ويستنبط منه أحكام:
فيه: جواز التداوي بالأدوية، وأنه لا ينافي التوكل؛ ردًّا على بعض المتصوفة.
وفيه: كراهة دَغَر العذرة.
وفيه: بيان فضيلة العود الهندي وأنه ينفع من أدواء كثيرة كما ذكرنا.
وفيه: بيان معالجة العذرة بالإسعاط، وذات الجنب بالإلداد.
وفيه: جواز التطبب، والإخبار عن طبائع الأدوية ومنافعها ومضارها عند العلم.
وفيه: أنه ﵇ كان عالمًا بعلم الطب أيضًا وبمنافع الأدوية؛ وإن كان مبعوثًا بعلم الدين فإنه ﵇ كان كاملًا في كل شيء.
وفيه: أن كل منفعة أخبر بها النبي ﵇ من الأدوية فهي كذلك من غير ريب، بخلاف كلام سائر الأطباء؛ فإن كلامهم على الظن والتجربة، فخطأهم في ذلك أكثر من صوابهم.
وفيه: أن من أنكر ما قاله ﵇ من منفعة دواء من الأدوية أو قال: بخلاف ذلك فقد كفر؛ نعوذ بالله من ذلك.
ص: وقد روي في ذلك أيضًا ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن بكر بن سوادة، عن رجل من صداء قال: "أتينا النبي ﷺ اثنى عشر رجلًا، فبايعنا وترك رجلًا منا لم يبايعه، فقلنا: بايعه يا نبي الله، فقال: لن أبايعه حتى ينزع الذي عليه، إنه مَن كان منَّا عليه مثل الذي عليه كان مشركًا ما كانت عليه، فنظرنا فإذا في عضه سير من لحاء شجرة، أو شيء من الشجرة".
стр. 7146
ش: أي قد روي في كون التمائم مكروهًا أيضًا: ما حدثنا يونس -وهو ابن عبد الأعلى- يروي عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن عبيد الله بن زحْر الضمري الأفريقي، فيه مقال؛ فعن يحيى بن معين: ليس بشيء. وعن ابن المديني: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس. روى له الأربعة.
عن بكر بن سوادة بن ثمامة المصري، ثقة، روى له الجماعة؛ البخاري في غير الصحيح.
عن رجل من صداء. . . . إلى آخره.
قوله: "من لِحَاء شجرة" بكسر "اللام" وبالمد، أي من قشر شجرة، يقال: لحوت الشجرة ولحيتها والتحيتها إذا أخذت لحائها وهو قشرها.
ص: حدثنا إبراهيم بن منقذ، قال: ثنا المقرئ، عن حيوة، قال: أخبرني خالد بن عبيد، قال: سمعنا مشرح بن هاعان يقول: سمعت عقبة بن عامر الجهني يقول: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومَن تعلق ودعةَ فلا ودع الله له".
ش: إبراهيم بن منقذ العصفري من أصحاب ابن وهب، قال ابن يونس: ثقة رضّى.
والمقرئ هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد، شيخ البخاري.
وحيوة هو ابن شريح بن صفوان التجيبي المصري الفقيه العابد.
وخالد بن عبيد المعافري، سكتوا عنه.
ومشرح بن هاعان المعافري المصري، وثقه يحيى.
وأخرجه ابن يونس في ترجمة خالد بن عبيد: حدثني أبي، عن جدي أنه حدثه، ثنا ابن وهب، أخبرني حيوة بن شريح، عن خالد بن عبيد المعافري، عن مشرح بن هاعان قال: سمعت عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﵇ قال: "من علق تميمة فلا أتم الله له، ومَن علق ودعة فلا ودع الله له".
стр. 7147
وأخرجه البيهقي (١): من حديث حيوة بن شريح. . . . إلى آخره نحوه.
وقال الذهبي في "مختصر سنن البيهقي" عقيب هذا الحديث: قلت: أخرجه ابن وهب في كتبه عنه، وخالد لم يضعف، تفرد به.
قوله: "تميمة" تجمع علي تمائم، وهي خرزات كانت العرب تعلقها علي أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطله الإِسلام.
و"والودعة": شيء أبيض يُجْلب من البحر، يعلق في طوق الصبيان ونحرهم، ويجمع علي وَدَع بفتح الدال وسكونها.
قوله: "فلا ودع الله له" أي لا جعله في دعة وسكون، وقيل: هو لفظ مبني من الودَعة، أي: لا خفف الله عنه ما يخافه، وإنما نهى عنها؛ لأنهم كانوا يعلقونها مخافة العين.
ثم اعلم أن قوله: "لا ودع الله" يرد علي أهل التصريف قولهم: أماتوا ماضي يَدَعُ، واستغنوا عنه بـ"تَرَك" والنبي ﵇ أفصح العرب، وإنما حمل قولهم علي قلة استعماله فهو شاذ في الاستعمال، صحيح في القياس، يقال: وَدَعَ الشيء يَدَعَهُ وَدَعًا إذا تركه، وقرئ قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (٢) بالتخفيف.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، أن أبا بشير الأنصاري أخبره: "أنه كان مع رسول الله ﵇ في بعض أسفاره -قال عبد الله بن أبي بكر: حسبت أنه قال: والناس في مبيتهم- فأرسل رسول الله ﵇ مناديًّا ألَّا لا يَبقَيَن في عنق بعير قلادة ولا وتر إلا قُطعه". قال مالك: أرى أن ذلك العين".
ش: إسناده صحيح.
وأبو بشير الأنصاري المازني، ويقال: الحارثي المدني صحابي، قيل اسمه قيس ابن عبيد بن الحرير.
стр. 7148
والحديث أخرجه البخاري (١): عن عبد الله بن يوسف عن مالك، عن عبد الله ابن أبي بكر، عن عباد به.
وأخرجه أبو داود (٢): عن القعنبي، عن مالك.
والنسائي (٣): عن قتيبة، عن مالك.
قوله: "قلادة ولا وتر" القلادة معروفة، والوتر وتر القوس، نهاهم عن ذلك؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن تقليد الدواب بالأوتار يدفع عنها العين والأذى، فتكون كالعوذة لها، فنهاهم عن ذلك، وأعلمهم أنها لا تدفع ضررًا ولا تصرف حدرًا.
وقال أبو عمر: قد فسر مالك هذا الحديث أنه من أجل العين، وهو عند جماعة أهل العلم كما قال مالك، لا يجوز عندهم أن يعلق على الصحيح من البهائم أو بني آدم شيء من العلائق خوف نزول العين؛ لهذا الحديث وشبهه، ويحمل ذلك عندهم فيما علق قبل نزول البلاء خشية نزوله، فهذا هو المكروه من التمائم، وكل ما يعلق بعد نزول البلاء من أسماء الله تعالى وكتابه رجاء الفرج والبُرءْ من الله تعالى فهو كالرقي المباح الذي وردت السنة بإباحته من العين وغيرها.
وقد قال مالك: لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء الله تعالى على أعناق المرضي علي وجه التبرك بها إذا لم يُرِدْ معلقها بتعليقها مدافعة العين، وهذا معناه قبل أن ينزل به شيء من العين، ولو علم العائن لكان الوجه في ذلك اغتسال العائن للمعين.
وأما تخصيص الأوتار بالقطع وأن لا يعلقه الدواب شيئًا من ذلك قبل البلاء وبعده، فقيل: إن ذلك لئلا تختنق بالوتر في خشبة أو شجرة فتقتلها، فإذا كان خيطًا انقطع سريعًا، وروي عن عائشة ﵂ "أنها كانت تكره ما تعلق النساء على
стр. 7149
أنفسهن وعلى صبيانهم من خلخال الحديد من العين، وتنكر ذلك على مَن فعله" قال أبو عمر: قد كره بعض أهل العلم تعليق التميمة على كل حال، قبل نزول البلاء وبعده، والقول الأول أصح في النظر والأثر.
ص: فكل ذلك عندنا -والله أعلم- على ما علق قبل نزول البلاء لدفع نزول البلاء، وذلك ما [لا] (١) يستطيعه غير الله ، فنهى عن ذلك لأنه شرك، فأما ما كان بعد نزول البلاء فلا بأس؛ لأنه علاج. وقد روي هذا الكلام بعينه عن عائشة ﵂:
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث وابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن القاسم بن محمَّد، أن عائشة زوج النبي ﵇ قالت: "ليست بتميمة ما علق بعد أن يقع البلاء".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو الوليد، عن عبد الله بن المبارك، عن طلحة بن أبي سعيد -أو سعد- عن بكير. . . . فذكر بإسناده مثله.
فقد يحتمل أن يكون أيضًا الكي نهى عنه إذا فعل قبل نزول البلاء وأبيح إذا فعل بعد نزول البلاء؛ لأن ما فُعِلَ بعد نزول البلاء فإنما هو علاج، وقد روي عن رسول الله ﵇ في العلاج ما قد ذكرناه في هذا الباب.
ش: أي فكل ما روي من النهي عن تعليق التمائم والقلائد والأوتار ونحو ذلك محمول على ما إذا فعل ذلك قبل نزول البلاء لأجل دفع القضاء والقدر حتى لا ينزل البلاء، وليس ذلك إلا في قدرة الله تعالى، فنهى عن ذلك لأنه شرك، وأما إذا فعل من ذلك شيء بعد نزول البلاء فلا بأس به؛ لأنه يكون من باب العلاج وقد ورد عن النبي ﵇ إباحة العلاج والتداوي مطلقًا على ما مَرَّ.
قوله: "وقد روي هذا الكلام بعينه" أراد به ما قاله من قوله: "وكل ذلك عندنا والله أعلم. . . ." إلي آخره، وبيَّن ذلك بقوله: حدثنا يونس. . . . إلى آخره.
стр. 7150
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث وعبد الله بن لهيعة، كلاهما عن بكير بن الأشج، عن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵁.
وابن لهيعة ذكر متابعةً.
وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث ابن وهب، أخبرني عمرو، عن بكير، عن القاسم، عن عائشة نحوه.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن عبد الله بن المبارك العابد الزاهد عن طلحة بن أبي سعيد -أو سعد- الإسكندري، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن القاسم، عن عائشة.
وأخرجه البيهقي أيضًا (٢): من حديث ابن المبارك، عن طلحة بن أبي سعيد، عن بكير بن الأشج، عن القاسم، عن عائشة: "ليست التميمة مما يعلق قبل البلاء، وإنما التميمة ما يعلق بعد البلاء ليدفع بها المقادير".
ص: وقد روي عنه أيضًا ما حدثنا أبو بشر الرقي، قال: ثنا الفريابي، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء، فعليكم بألبان البقر؛ فإنها تَرُمُّ من كل الشجر".
حدثنا إبراهيم بن محمَّد بن يونس، قال: ثنا المقرئ، قال: ثنا أبو حنيفة. . . . فذكر بإسناد مثله.
стр. 7151
ش: أي وقد روي عن النبي ﵇ أيضًا في العلاج والتداوي ما حدثنا. . . . إلى آخره.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن محمَّد بن يوسف الفريابي شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن قيس بن مسلم الجدلي العدواني، عن طارق بن شهاب الصحابي، عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه النسائي (١): من طريق الثوري عن قيس مثله، ولكن رواه ابن مهدي عن الثوري فأرسله.
ورواه الربيع بن لوط، عن قيس [فوصله] (٢). وله طرق كثيرة (٣).
الثاني: عن إبراهيم بن محمَّد بن موسي بن مروان؛ عن أبي عبد الرحمن عبيد الله ابن يزيد المقرئ شيخ البخاري، عن الإمام أبي حنيفة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله.
وأخرجه الطبراني نحوه من طريق المقرئ، عن أبي حنيفة. . . . إلى آخره.
قوله: "فإنها تَرُمُّ من كل الشجر" أي فإنها تأكل مِن رَمَمَ يَرْمُمُ باب نصر يَنْصُر، وفي رواية ترتم وهي بمعناها يقال: رمت الشاة من الأرض وإذا ولدت والمِرَمَّة -بكسر الميم وفتحها- من ذوات الظِّلْفِ كالفم من الإنسان.
وفي رواية أبي نعيم (٤) من طريق إبراهيم بن مهاجر: "تداووا بألبان البقر؛ فإني أرجو أن يجعل الله تعالى فيه شفاء أو بركة؛ فإنها تأكل من كل الشجر".
стр. 7152
وفي لفظ (١): "تداووا عباد الله؛ فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل معه شفاء إلا السام والهرم، فعليكم بألبان البقر؛ فإنها تخبط من كل الشجر".
ص: وقد كره قوم الرقي، واحتجوا في ذلك بحديث عمران بن حصين الذي ذكرته في الفصل الأول.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشعبي وقتادة وسعيد بن جبير وآخرين؛ فإنهم كرهوا الرقي، وقالوا: الواجب على المؤمن أن يترك ذلك اعتصامًا بالله وتوكلًا عليه وثقة به، وعلمًا بأن الرقية لا تنفعه وأن تركها لا يضره إذ قد علم الله أيام المرض وأيام الصحة، فلو حرص الخلق على تقليل أيام المرض وزمن الداء وعلي تكثير أيام الصحة ما قدروا على ذلك؛ قال الله : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٢).
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فلم يروا بها بأسًا، واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو الأحوص، عن مغيرة وإبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، عن النبي ﵇: "أنه رخص في رقية الحية والعقرب".
ففي هذا الحديث الرخصة في رقية الحية والعقرب، والرخصة لا تكون إلا بعد النهي، فدل ذلك أن ما أبيح من ذلك نسخ ما كان في حديث عمران بن الحصين.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الحسن البصري وإبراهيم النخعي والزهري والثوري والأئمة الأربعة وآخرين كثيرين؛ فإنهم قالوا: لا بأس بالرقى.
قال أبو عمر (٣): ذهب جماعة من العلماء إلى إباحة الاسترقاء والمعالجة والتداوي، وقالوا: إن من سُنة المسلمين التي يجب عليهم لزومها لروايتهم لها عن نبيهم ﵇
стр. 7153
الفزع إلى الله عند الأمر يعرض لهم وعند نزول البلاء بهم في التعوذ بالله من كل شر وإلى الاسترقاء وقراءة القرآن والذكر والدعاء.
قوله: "احتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عائشة ﵂.
أخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي الحافظ، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي، عن المغيرة بن مقسم الضبي، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد النخعي، عن عائشة.
وأخرجه ابن ماجه (١): عن عثمان بن أبي شيبة، وهناد بن السري، عن أبي الأحوص. . . . إلى آخره نحوه.
قوله: "في رقية الحية" الرقية -بضم الراء: العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات، وقد جاء في بعض الأحاديث جوازها وفي بعضها النهي عنها، فمن الجواز قوله: "استرقوا لها فإن بها النظرة" أي اطلبوا لها مَن يرقيها. ومن النهي قوله: "لا يسترقون ولا يكتوون". والأحاديث في القسمين كثيرة، ووجه الجمع بينهما أن الرقي يكره منها ما كان بغير اللسان العربي وبغير أسماء الله تعالى وصفاته وكلامه في كتبه المنزلة، وأن يُعْتَقَد أن الرقيا نافعة لا محالة فَيُتَّكل عليها، وإياها أراد بقول: "ما توكل من استرقى" ولا يكره منها ما كان في خلاف ذلك كالتعوذ بالقرآن وأسماء الله تعالى والرقى المروية؛ ولذلك قال للذي رقى بالقرآن وأخذ عليه أجرًا: "من أخذ برقية باطل فقد أخذت برقية حق"، وكقوله في حديث جابر أنه ﵇ قال: "اعرضوها عليَّ، فعرضناها فقال: لا بأس بها، إنما هي مواثيق"، كأنه خاف أن يقع فيها شيء مما كانوا يتلفظون به ويعتقدونه من الشرك في الجاهلية، وما كان بغير اللسان العربي مما لا يعرف له ترجمة ولا يمكن الوقوف عليه ولا يجوز استعماله.
стр. 7154
وأما قوله ﵇: "لا رقية إلا من عين أو حُمَّة" فمعناه لا رقية أولى وأنفع، وهذا كما قيل: لا فتًى إلا علي ﵁ وقد أمر ﵇ غير واحد من أصحابه بالرقية، وسمع جماعة يرقون فلم ينكر عليهم.
وأما الحديث الآخر في صفة أهل الجنة الذين يدخلون بغير حساب، وهم الذين يسترقون ولا يكتون وعلي ربهم يتوكلون، فهذا من صفات الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا، الذي لا يلتفتون إلى شيء من علائقها، وتلك درجة الخواص لا يبلغها غيرهم، فأما العوام فمرخص لهم في التداوي والمعالجات، ومن صبر على البلاء وانتظر الفرج من الله بالدعاء كان من جملة الخواص والأولياء، ومَن لم يصبر رخص له في الرقية والعلاج والدواء؛ ألا ترى أن الصديق ﵁ لما تصدق بجميع ماله لم يُنكِر عليه؛ علمًا منه بيقينه وصبره، ولما أتاه الرجل بمثل بيضة الحمام من الذهب وقال: لا أملك غيره صرفه به، بحيث لو أجابه عقره، وقال فيه ما قال.
قوله: "ففي هذا الحديث" أي حديث عائشة: الرخصة من النبي ﵇ في الرقية للحية والعقرب، والرخصة لا تكون إلا بعد النهي عن شيء، فدل ذلك أن ما كان في حديث عمران بن حصين من قوله: "ولا يسترقون" ليس على حاله، والذي حققناه آنفًا هو الفيصل بين هذه الأحاديث؛ فافهم.
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ في الأمر بالرقية للدغة العقرب ما حدثنا محمَّد بن سليمان الباغندي، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا ملازم بن عمرو، قال: ثنا عبد اللهَ بن بدر، عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: "كنت عند رسول الله ﵇ فلدغتني عقرب، فجعل يمسحها ويرقيه".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: ثنا ملازم. . . . فذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن الباغندي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، عن ملازم ابن عمرو بن عبد الله اليمامي، عن عبد الله بن بدر بن عميرة بن الحارث اليمامي
стр. 7155
جد ملازم بن عمرو لأبيه، وقيل: لأمه، وثقه يحيى وغيره، وروى له الأربعة، عن قيس بن طلق بن علي الحنفي اليمامي، وثقه العجلي وغيره، وروى له الأربعة، عن أبيه طلق بن علي بن المنذر الحنفي اليمامي الصحابي.
وأخرجه عبد الله بن أحمد (١) وقال: وجدت في كتاب أبي بخط يده: حدثني بعض أصحابنا، قال: ثنا عارم، قال: نا عبد الله بن بدر، عن قيس ابن طلق، عن أبيه طلق بن علي قال: "لدغتني عقرب عند رسول الله ﵇ فرقاني ومسحها".
الثاني: عن محمَّد بن خزيمة، عن محمَّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب البصري شيخ مسلم والترمذي وابن ماجه، عن ملازم بن عمرو. . . . إلى آخره.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (٢): ثنا إبراهيم بن متويه الأصبهاني، ثنا الحسن بن قزعة، ثنا ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، عن طلق بن علي قال: "لدغت طلقًا عقرب عند النبي ﵇ فرقاه النبي ﵇ ومسحه بيده".
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: "لدغت رجلًا مِنَّا عقرب عند النبي ﵇، فقال رجل: يا رسول الله، أرقه؟ فقال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا شعيب، قال: ثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، نحوه.
ففي حديث جابر ﵁ ما يدل على أن كل رقية تكون فيها منفعة فهي مباحة؛ لقول النبي ﵇: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
стр. 7156
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر.
وأخرجه مسلم (١): حدثني محمَّد بن حاتم، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبي الزبير، سمع جابر بن عبد الله يقول: "لدغت رجلًا منا عقرب ونحن جلوسٌ مع رسول الله ﵇، فقال رجل: يا رسول الله أأرقي؟ قال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم، عن جابر ﵁.
ص: وقد روي عن رسول الله ﷺ في إباحة الرقية من النملة:
حدثنا فهد، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: ثنا أبو معاوية، عن عبد العزيز بن عمر، عن صالح بن كيسان، عن أبي بكر بن أبي خيثمة، عن الشفاء وكانت بنت عَمٍّ لعمر ﵁ قالت: "كنت عند حفصة، فدخل علينا رسول الله ﵇ فقال: ألا تعلميها رقية النملة كما علمتيها الكتابة؟ ".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن محمَّد بن المنكدر، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمَة، عن حفصة: "أن امرأة من قريش يقال لها: الشفاء، كانت ترقي من النملة، فقال النبي ﵇: علميها حفصة".
ففي هذا الحديث إباحة الرقية من النملة، فاحتمل أن يكون ذلك بعد النهى فيكون ناسخًا للنهي، أو يكون النهي بعده فيكون ناسخًا له.
стр. 7157
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ابن مروان بن الحكم القرشي الأموي المدني، روى له الجماعة، عن صالح بن كيسان المدني، روى له الجماعة، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، واسم أبي حثمة: عبد الله بن حذيفة، روى له الجماعة سوى ابن ماجه، عن الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس القرشية الصحابية، قال أحمد بن صالح: اسمها ليلى وغلب عليها الشفاء.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي، قال: ثنا علي بن مسهر، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن صالح بن كيسان، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن الشفاء بنت عبد الله قالت: "دخل على النبي ﵇ وأنا عند حفصة ﵂ فقال لي: ألا تعلمين هذه رقية النملة، كما علمتيها الكتابة؟ ".
الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عامر بن عبد الملك بن عمرو العقدي، عن سفيان الثوري. . . . إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا عبد الله بن عمرو، ثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن حفصة: "أن امرأة من قريش يقال لها: الشفاء، كانت ترقي [من] (٣) النملة، فقال النبي [لها] (٣) ﵇: علميها حفصة".
قوله: "رقية النملة" قال ابن الأثير: رقية النملة شيء كانت النساء تستعمله يَعْلَمُ كُلُّ من سمعه أنه كلام لا يضرُّ ولا ينفع، ورقية النملة التي كانت تعرف بينهن أن
стр. 7158
يقال: العروس تحتفل وتختضب وتكتحل وكل شيء تفتعل، غير أن لا تعصي الرجل، ويروى عوض تفتعل: تنتعل، وعوض تختضب: تَقْتال، فأراد ﵇ بهذا المقال تأنيب حفصة؛ لأنه ألقى إليها سرًا فأفشته.
وقال الخطابي: النملة: قروح تخرج في الجنبين، ويقال أيضًا: أنها تخرج في غير الجنب، ترقى فتذهب بإذن الله تعالى.
وفي الحديث دليل على أن تعليم النساء الكتابة غير مكروه.
قوله: "فاحتمل أن يكون ذلك بعد النهي. . . ." إلى آخره. إشارة إلى أن هذا الحديث وإن كان فيه إباحة الرقية ولكنه يحتمل أن يكون بعد النهي، فيكون ناسخًا للنهي، وأن يكون قبل النهي فيكون منسوخًا، فبهذا الاحتمال لا تثبت الحجة، ولكن وردت أحاديث أخر تدل على أن النهي منسوخ؛ على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ في إباحة الرقية من الجنون: ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا المقدمي، قال: ثنا فضيل بن سليمان، عن محمَّد بن زيد، عن عُمير مولى آبي اللحم قال: "عَرَضْتُ على النبي ﵇ رقية كنت أرقي بها من الجنون، فأمرني ببعضها ونهاني عن بعضها، وكنت أرقي بالذي أمرني به رسول الله ﵇". فهذا يحتمل أيضًا ما ذكرنا في الرقية من النملة.
ش: إسناده صحيح.
والمقدمي هو: محمَّد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي، شيخ البخاري ومسلم.
وعُمير مولى آبي اللحم الغفاري الصحابي.
وأخرجه الطبراني (١): نا المقدام بن داود، ثنا أسد بن موسى، نا ابن لهيعة، نا نصر -يعني بن طريف- عن عبد الرحمن بن زياد، عن محمد بن زيد، عن عمير
стр. 7159
مولى آبي اللحم قال: "عرضت على النبي ﵇ رقية كنت أرقي من الجنون، فجعل يقول: خذ منها كذا وزد فيها كذا"، وله في رواية أخرى (١): "اطرح منها كذا، واطرح منها كذا، وارق فيها كذا".
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ في الرقية من العين: ما حدثنا حسين بن نصر، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن معبد بن خالد، قال: سمعت عبد الله بن شداد، عن عائشة ﵂ قالت: "أمرني رسول الله ﵇ أن استرقي من العين".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا مؤمل، قال: ثنا سفيان، عن معبد، عن عبد الله بن شداد، عن عائشة، مثله.
أو قال: قال عبد الله بن شداد: "أمر رسول الله ﵇ عائشة أن تسترقي من العين".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن حسين بن نصر، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن معبد بن خالد، عن عبد الله بن شداد، عن عائشة.
وأخرجه مسلم (٢): عن ابن نمير، عن أبيه، عن سفيان، عن معبد بن خالد، عن عبد الله بن شداد، عن عائشة نحوه.
وأخرجه البخاري (٣): عن محمَّد بن كثير، عن سفيان. . . . إلى آخره.
الثاني: عن أبي بكرة بكار، عن مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان الثوري. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (٤): عن علي بن محمَّد، عن وكيع، عن سفيان. . . . إلى آخره نحوه.
стр. 7160
ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا عبد الرزاق ابن همام، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله: "أن النبي ﵇ قال لأسماء بنت عميس: ما لي أرى أجسام بني أخي صارعة نحيفة، أتصيبهم الحاجة؟ قالت: لا, ولكن العين تسرع إليهم، أفأرقيهم؟ فقال: بماذا؟ فعرضت عليه كلامًا لا بأس به، فقال: ارقيهم".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان وأحمد بن يونس، قالا: ثنا زهير، قال: ثنا ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن باباه، عن أسماء بنت عميس قالت: "قلت: يا رسول الله إن العين تسرع إلى بني جعفر، فأسترقي لهم؟ قال: نعم، فلو أن شيئًا يسبق القدر لقلت: إن العين تسبقه".
فهذا يحتمل ما ذكرنا في رقية النملة والجنون.
ش: هذان إسنادان صحيحان:
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا شيخ الطحاوي.
وأخرجه مسلم (١): حدثني عقبة بن مكرم العمي قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "رخص النبي ﵇ لآل حزم في رقية الحية، وقال لأسماء ابنة عميس: ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة تصيبهم الحاجة؟ قالت: لا, ولكن العين تسرع إليهم، قال: ارقيهم، قالت: فعرضت عليه، فقال: ارقيهم".
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري وأحمد بن يونس، شيخ البخاري ومسلم وأبي داود، كلاهما عن زهير بن معاوية، عن محمَّد بن إسحاق المدني، عن عبد الله بن أبي نجيح -واسم أبي نجيح يسار، عن عبد الله بن باباه -ويقال له: ابن بابي، ويقال: ابن بابيه- المكي، روى له الجماعة سوى البخاري.
стр. 7161
وأخرجه الترمذي (١): ثنا ابن أبي عمر، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عبيد بن رفاعة الزرقي: "أن أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله، إن ولد جعفر تسرع إليه العين، أفأسترقي لهم؟ قال: نعم، فإنه لو كان شيء سابق القدر لسبقه العين".
وفيه من الفوائد: جواز الرقية للجن، وإصابة العين، وأن الرقية لا تجوز إلا بما ليس فيه شيء يخالف الكتاب والسنة.
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ الرخصة في الرقية مِن كل ذي حمة.
حدثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا أسباط بن محمَّد، عن الشيباني، عن عبد الرحمن ابن الأسود، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: "رخص رسول الله ﵇ في الرقية من كل ذي حمة".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا خالد بن عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الشيباني. . . . فذكر بإسناده مثله.
فهذا فيه دليل على أنه كان بعد النهي؛ لأن الرخصة لا تكون إلا من شيء محظور.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن محمَّد بن عمرو بن يونس، عن أسباط بن محمَّد الكوفي، عن أبي إسحاق سليمان بن فيروز الشيباني الكوفي، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه الأسود بن يزيد النخعي، عن عائشة.
وأخرجه البخاري (٢): نا موسى بن إسماعيل، قال: نا عبد الواحد، نا سليمان الشيباني، ثنا عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: "سألت عائشة عن الرقية من الحمة، فقالت: رخص رسول الله ﵇[في] (٣) الرقية من كل ذي حمة".
стр. 7162
وأخرجه مسلم (١): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، عن الشيباني. . . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني المروزي، عن سفيان الثوري، عن سليمان الشيباني. . . . إلى آخره.
قوله: "من كل ذي حمة" بضم الحاء وفتح الميم المخففة وهو السم، وقد تشدد الميم وأنكره الأزهري، ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة؛ لأن السم منها يخرج، وأصلها: حُمَوٌ أو حُمَيٌّ بوزن صُردَ، والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة أو الياء.
وقال الخطابي: الحمة كل شيء يلدغ أو يلسع. ويقال: هي شوكة العقرب.
وقال ابن سيده: قال بعضهم: هي الإبرة التي تضرب بها الحية والعقرب والزنبور أو يلدغ بها، والجمع: حُمَاةٌ وحُمَىً، وفي كتاب "الحيوان" لعمرو بن بحر: من سمى إبرة العقرب حُمَةٌ فقد أخطأ، وإنما الحمة سموم ذوات الشعر كالدبر، وذوات الأنياب والأسنان كالأفاعي وسائر الحيات، وكسموم ذوات الإبر من العقارب، وأما النهس وما أشبهه من السموم فليس يقال له حمة.
وفي كتاب "اليواقيت" للمطرز: حُمَّة -بالتشديد- وقال كراع: جمعها: حُمون وحُمات، كما قالوا: برون وبرات، قال: وكأنها مأخوذة من حميت النار تحمي إذا اشتدت حرارتها.
قوله: "فهذا فيه دليل" أي قول عائشة ﵂: "رخص رسول الله ﵇ في الرقية" دليل صريح على أنه كان بعد النهي؛ لأن الرخصة لا تكون إلا من شيء نهي عنه فحرم، فدل ذلك أيضًا على أن حديث الشفاء وعمير مولى آبي اللحم ونحو ذلك كله من باب الترخيص الدال على نسخ ما تقدم من النهي. فافهم.
стр. 7163
ص: وقد روي عن رسول الله ﷺ في إباحة الرقي كلها ما لم تكن شركًا: ما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: "كنا نَرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كنا نَرقي في الجاهلية فما ترى في ذلك؟ قال: اعرضوا عليّ رقاكم، فلا بأس بالرقى ما لم تكن شرك".
فهذا يحتمل أيضًا ما احتمله ما روينا قبله، فاحتجنا أن نعلم: هل هذه الإباحة للرقى متأخرة لما روي في النهي عنها، أو ما روي في النهي عنها يكون متأخرًا فيكون ناسخًا لها، فنظرنا في ذلك، فإذا ربيع المؤذن قد حدثنا، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر: "أن عمرو بن حزم دُعِي لامرأة بالمدينة لدغتها حية ليرقيها فأبى، فأخبر بذلك رسول الله ﵇ فدعاه، فقال عمرو: يا رسول الله، إنك تزجر عن الرقي، فقال: اقرأها علي، فقرأها عليه، فقال رسول الله ﵇: لا بأس بها، إنما هي مواثيق فارق بها".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا وكيع، قال: عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر ﵁ قال: "لما نهى رسول الله ﵇ عن الرقي أتاه خالي، فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقي وإني أرقي من العقرب، قال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا يحيى بن حماد، قال: ثنا أبو عوانة، عن سليمان، عن أبي سفيان، عن جابر قال: "كان أهل بيت من الأنصار يرقون من الحية، فنهى رسول الله ﵇ عن الرقى، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، إني كنت أرقي من العقرب وإنك نهيت عن الرقى، فقال رسول الله ﵇ من استطاع منكم أن [ينفع] (١) أخاه فليفعل. قال: وأتاه رجل كان يرقي من الحية، فقال: اعرضها عليَّ، فعرضها عليه، فقال: لا بأس بها إنما، هي مواثيق".
стр. 7164
فثبت بما ذكرنا أن ما روي في إباحة الرقي ناسخ لما روي في النهي عنها، ثم أردنا أن ننظر في تلك الرقى كيف هي؟ فإذا عوف بن مالك حدث عن رسول الله ﵇: "أنه لا بأس بها ما لم تكن شرك".
ش: ملخص هذا الكلام إثبات الإباحة في الرقى ما لم تكن فيها ألفاظ تؤدي إلى الشرك وبيان أن ما روي من إباحة ذلك قد نسخ ما روي من النهي عنها.
وأخرج في ذلك عن عوف بن مالك الأشجعي وجابر بن عبد الله الأنصاري.
أما عن عوف فأخرجه بإسناد صحيح.
وأخرجه مسلم (١): نا أبو الطاهر، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: "كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله، كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك".
وأما عن جابر: فأخرجه من ثلاث طرق:
الأول: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر.
الثاني: إسناده صحيح. عن ربيع بن سليمان أيضًا، عن أسد السنة، عن وكيع، عن سليمان الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشج، قالا: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: "كان لي خال يرقي من العقرب، فنهى رسول الله ﵇ عن الرقى، قال: فأتاه فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى وأنا أرقي من العقرب، فقال: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
стр. 7165
الثالث: إسناده صحيح أيضًا. عن أبي بكرة بكار القاضي، عن يحيى بن حماد بن أبي زياد الشيباني البصري ختن أبي عوانة، شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن سليمان الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١): ثنا زهير، قال: ثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: "كان جار لي من الأنصار يرقي من الحمة، فنهى رسول الله ﵇ عن الرقي، فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى وإني كنت أرقي من الحمة، فقال رسول الله ﵇: اعرضها علي، قال: فعرضها فقال: لا بأس بهذا، هذه من المواثيق".
وأخرج عن عبد الله بهذا الإسناد (٢) قال: "كان رجل من الأنصار يرقي من العقرب، فنهى رسول الله ﵇ عن الرقي، فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقي وإني كنت أرقي من العقرب، فقال رسول الله ﵇: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل".
قوله: "إنما هي مواثيق" أي عهود، وهو جمع ميثاق، إفتعال من الوثاق وهو في الأصل حبل وقيد يشُدَّ به الأسير والدابة.
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ في ذلك أيضًا ما حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا الحماني، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا عثمان بن حكيم قال: حدثتني الرباب، قالت: سمعت سهل بن حنيف يقول: مررنا بسيل، فدخلنا نغتسل، فخرجت منه وأنا محموم فنمي ذلك إلى رسول الله ﵇، فقال: مروا أبا ثابت فليتعوذ فقلت، يا سيدي إن الرقى صالحة؟ فقال: لا رقية إلا من ثلاثة: من النظرة، والحمة، واللدغة".
стр. 7166
فاحتمل أن يكون ما أباح رسول الله ﵇ من الرقي هو التعوذ، فأما قول سهل: "لا رقيه إلا من ثلاثة" فيحتمل أن يكون علم ذلك من إباحة رسول الله ﵇ بعد نهيه المتقدم ولم يعلم ما سوى ذلك مما روينا عن غيره أن رسول الله ﵇ رخص فيه.
ش: أي قد روي عن النبي ﵇ في إباحة الرقي أيضًا ما حدثنا. . . . إلى آخره. وهو حديث سهل بن حنيف.
وأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني الكوفي -ثقة (١) - عن عبد الواحد بن زياد العبدي البصري، روى له الجماعة، عن عثمان بن حكيم بن عباد بن حنيف الأنصاري الكوفي، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا، عن الرباب -بفتح الراء، وبباءين موحدتين بينهما ألف ساكنة- وهي جدة عثمان بن حكيم.
وأخرجه أبو داود (٢): ثنا مسدد، قال: ثنا عبد الواحد بن زياد، قال: ثنا عثمان بن حكيم، قال: حدثتني جدتي الرباب، قالت: سمعت سهل بن حنيف يقول: "مررنا بسيل، فدخلت فاغتسلت منه فخرجت محمومًا، فنمي ذلك إلى رسول الله ﵇ فقال: مروا أبا ثابت يتعوذ، قالت: فقلت: يا سيدي، والرقي صالحة؟ فقال: لا رقية إلا من عين أو حمة أو لدغة".
قوله: "وأنا محموم" الواو فيه للحال، والمحموم من الحمي.
قوله: "فنمي ذلك" من نميت الحديث إليه إذا بَلَّغْتُه على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإذا بَلَّغْتُه على وجه الإفساد والنميمة قلت: نَمَّيْتُهُ -بالتشديد- قاله أبو عبيد وابن قتيبة.
قوله: "مروا أبا ثابت" وهي كنية سهل بن حنيف.
стр. 7167
قوله: "من النظرة" أي نظرة العين، يقال: هذا منظور، إذا أصابته العين، وقد مرَّ تفسير الحمة.
و"اللدغة" باللام والدال المهملة والغين المعجمة من لدغته العقرب.
قوله: "فأما قول سهل. . . ." إلي آخره. جواب عن سؤال مقدر، تقريره أن يقال: كيف يدل حديث سهل هذا على إباحة مطلق الرقية، وقد قال سهل: "لا رقية إلا من ثلاثة" وقد حصرها على هذه الثلاثة؟
وأجاب عنه بقوله: "فيحتمل أن يكون علم ذلك. . . ." إلى آخره. وهو ظاهر.
وقد يجاب عن هذا بما أجبنا عن قوله: "لا رقية إلا عن عين أو حمة" وقد مَرَّ فيما مضى عن قريب.
ص: حدثنا محمَّد بن علي بن داود، قال: ثنا عفان، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا عبد العزيز بن صهيب، قال: ثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد "أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فقال: أشتكيت يا محمَّد؟ قال: نعم، قال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل ذي نفس وعين، الله يشفيك، بسم الله أرقيك".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن أزهر بن سعيد، عن عبد الرحمن بن السائب بن أخي ميمونة، قالت له: "ألا أرقيك" (١) المنهي عنه خلاف هذا.
ش: ذكر هذا الحديث شاهدًا لما قاله أهل المقالة الثانية من أن السمر إذا كان في شيء فيه قربة أو مصلحة للمسلمين فهو مباح غير مكروه، ألا ترى كيف بَيَّنَ عبد الله بن مسعود في حديثه هذا كيفية سمر رسول الله ﵇؟
وأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن محمَّد الصيرفي، عن أبي الوليد هشام ابن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن أبي معاوية الضرير محمَّد بن خازم، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن ابن مسعود.
стр. 7168
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: "كان رسول الله ﵇ يسمُر عند أبي بكر الليلة كذلك في أمر من أمر المسلمين وأنا معه، وأنه سمر عنده ذات ليلة وأنا معه".
قوله: "ربما سمر" من السَّمَر -بفتحتين- وهو الحديث بعد العشاء وربما تسكن الميم فتكون حينئذ مصدرًا من سَمَرَ يَسمُر سمرًا، وأصل السمر: لون ضوء القمر؛ لأنهم كانوا يتحدثون فيه.
ص: وقد روي في ذلك أيضًا عن عمر ﵁ ما حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: "جَدَب لنا عمر السمر بعد العشاء الآخرة".
ففي هذا الحديث أن عمر ﵃ جدب لهم السمر بعد العشاء الآخرة، ولم يبيِّن لنا في هذا الحديث أي سمر ذلك السمر؟ فنظرنا في ذلك، فإذا سليمان بن شعيب قد حدثنا، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن الجريري، قال: سمعت أبا نضرة، عن أبي سعيد مولى الأنصار قال: "كان عمر ﵁ لا يدع سامرًا بعد العشاء الآخرة، يقول: ارجعوا لعل الله يرزقكم صلاةً أو تهجدًا، فانتهى إلينا وأنا قاعد مع ابن مسعود وأبي بن كعب وأبي ذر ﵃ فقال: ما يقعدكم؟ قلنا: أردنا أن نذكر الله، فقعد معهم".
فهذا عمر ﵁ قد كان ينهاهم عن السمر بعد العشاء ليرجعوا إلي بيوتهم ليصلوا، أو ليناموا نومًا ثم يقومون لصلاة يكونون بذلك متهجدين، فلما سألهم ما الذي أقعدهم؟ فأخبروه أنه ذِكْرُ الله، لم ينكر ذلك عليهم وقعد معهم؛ لأن ما كان يقيمهم له هو الذي هم قعود له.
فثبت بذلك أن السمر الذي في حديث أبي وائل عن عبد الله أن رسول الله ﵇ وعمر ﵁ جَدَبا لهم هو الذي فيه قربة إلي الله , والمنهي عنه في حديث أبي برزة هو الذي لا قربة فيه لتستوي معاني هذه الآثار فتتفق ولا تتضاد.
стр. 7169
ش: أي وقد روي في حكم السمر أيضًا عن عمر بن الخطاب ﵁ ما حدثنا محمَّد بن خزيمة. . . . إلى آخره.
وأخرجه بإسناد صحيح: عن ابن خزيمة، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري، عن حماد بن سلمة، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود.
قوله: "ولم يبيِّن لنا عمر. . . ." إلى آخره. أشار بهذا الكلام إلي بيان المراد من قول عبد الله بن مسعود: "إن رسول الله ﵇ جَدَب لنا السمر بعد صلاة العتمة، وكذا عمر بن الخطاب أنه جَدَب لنا السمر بعد العشاء" أن النبي ﵇ وعمر ما أرادا من السمر، وأي سمر هو؟
فنظرنا في ذلك فإذا أبو سعيد مولى الأنصار بيَّن ذلك في حديثه، من أن المراد من ذلك هو السمر الذي فيه قربة إلى الله ، وأنه غير مكروه.
وأخرج ذلك بإسناد صحيح، عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن ابن زياد الثقفي، عن شعبة، عن سعيد بن إياس الجُرَيري -بضم الجيم وفتح الراء الأولى- نسبة إلى جُرير بن عباد أخي الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن بكر بن وائل، عن أبي نضرة -بالنون والضاد المعجمة- هو المنذر بن مالك العوفي، روى له الجماعة؛ البخاري مستشهدًا، عن أبي سعيد مولى الأنصار، ذكره ابن حبان في الثقات التابعين، ولم يذكر له اسمًا، وقال: مولى لبني أسد الأنصاري.
قوله: "لا يدع سامرًا" أي لا يتركه.
قوله: "فثبت بذلك، أي بما ذكرنا من أثر أبي سعيد مولى الأنصار أن السمر الذي في حديث أبي وائل عن عبد الله "أن النبي ﵇ جدب لنا السمر. . . ." الحديث، وعن أبي وائل عن عبد الله قال: "جدب لنا عمر السمر. . . ." إلي آخره هو السمر الذي فيه قربة إلي الله فهذا الكلام ينادي بأعلي صوته؟؟؟ وغيره فافهم؛ فإنه موضع التأمل.
стр. 7170
ص: وقد روينا عن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة ﵃: "أنهما سمرا إلي طلوع الثريا".
فذلك عندنا على السمر الذي هو قربة إلي الله ، وقد ذكرنا ذلك الحديث بإسناده فيما تقدم من كتبانا هذا.
ش: أخرج الطحاوي هذا في باب "الوتر من كتاب الصلاة".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا عبد الله بن إدريس، عن حصين، عن زياد بن يحيى، عن ابن عباس: "أنه والمسور بن مخرمة سمرا".
ص: وقد روي عن عائشة ﵂ أيضًا من طريق ليس مثله يثبت: أنها قالت: "لا سمر إلا لمصلٍ أو مسافرٍ" فذلك عندنا إن ثبت غير مخالف لما روينا؛ وذلك لأن المسافر يحتاج إلي ما يدفع النوم عنه ليسير، فأبيح بذلك السمر وإن كان ليس بقربة ما لم يكن معصية لاحتياجه إلي ذلك، معنى قولها: "أو مصلٍ"، فمعناه عندنا على المصلي بعد ما سمر فيكون نومه إذا نام بعد ذلك على الصلاة لا على السمر، فقد عاد هذا المعنى إلى المعنى الذي صرفنا إليه معاني الآثار الأول.
ش: أخرج حديث عائشة هذا معلقا.
وأخرج البيهقي (٢) مثله: عن ابن مسعود، من طريق الثوري، عن منصور، عن خيثمة، عمن سمع ابن مسعود يقول: قال رسول الله ﵇: "لا سمر بعد الصلاة إلا لمصلٍ أو مسافر".
وفي إسناده مجهول.
وأشار الطحاوي بقوله: "من طريق ليس مثله يثبت" إلى أن حديث عائشة المذكور ضعيف، ثم أجاب عنه على تقدير ثبوته بقوله: "فذلك عندنا -إن ثبت- غير مخالف .. إلى آخره، وهو ظاهر.
стр. 7171
ص: باب: نظر العبد إلى شعور الحرائر
ش: أي هذا باب في بيان حكم نظر العبد إلى شعور مولاته الحرة هل يجوز ذلك أم لا؟
ص: حدثنا المزني، قال: ثنا الشافعي، قال: ثنا سفيان، عن الزهري، عن نبهان مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان لإحداكن مكاتبًا، وكان عنده ما يؤدي، فلتحتجب منه" قال سفيان: سمعته من الزهري وثَبتنِيهِ معمر.
ش: إسناده صحيح.
المزني هو إسماعيل بن يحيى، والشافعي هو محمَّد بن إدريس الإِمام، وسفيان هو ابن عيينة، والزهري هو محمَّد بن مسلم.
ونبهان -بفتح النون وسكون الباء الموحدة مولى أم سلمة- وثقه ابن حبان.
وأم سلمة زوج النبي ﵇، واسمها هند بنت أبي أمية.
وأخرجه الأربعة:
فأبو داود (١): عن مسدد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن نبهان مكاتب لأم سلمة، قال: سمعت أم سلمة تقول: "قال لنا رسول الله ﵇: إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي؛ فلتحتجب منه".
والترمذي (٢): عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن نبهان، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﵇: "إذا كان عند مكاتب إحداكن ما يؤدي، فلتحتجب منه".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 7172
والنسائي (١): عن محمَّد بن منصور، قال: ثنا سفيان، عن الزهري. . . . إلى آخره نحوه.
وابن ماجه (٢): عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا سفيان، عن الزهري .. إلى آخره.
وقال الترمذي: معنى هذا الحديث عند أهل العلم على التورع، وقالوا: لا يعتق المكاتب وإن كان عنده ما يؤدي حتى يؤدي.
قلت: يستفاد منه: جواز الكتابة، وأن المكاتب قد توجه إليه الحرة؛ فلذلك أمر- ﵇ لمن كان لها مكاتب من النساء أن تحتجب عنه.
واحتج به قوم على أن العبد لا بأس أن ينظر إلى شعر مولاته ووجهها وإلى ما ينظر إليه ذو محرمها منها.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم من أهل المدينة إلي أن العبد لا بأس أن ينظر إلي شعر مولاته ووجهها، وإلي ما ينظر إليه ذو محرمها منها، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث وقالوا في قول النبي ﵇ لأم سلمة: "فلتحتجب منه" دليل على أنها قد كانت قبل ذلك غير محتجبة منه.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عمرو بن شعيب ويزيد بن عبد الله بن قسيط المدني والقاسم بن محمَّد وعبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن رافع وعمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية؛ فإنهم قالوا: لا بأس للعبد أن ينظر. . . . إلى آخره.
وقال أبو بكر بن العربي في "الأحكام": العبد إذا كان فحلًا كبيرًا أو وَغْدًا تملكه لا هيئة له ولا منظر فلينظر إلى شعرها.
قال القاضي: كما قال ابن عباس: لا بأس أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته.
وقال أشهب عن مالك: ينظر الغلام الوغد إلى شعر سيدته، ولا أحبه لغلام الزوج.
стр. 7173
وأطلق علماؤنا المتأخرون القول بأن غلام المرأة من ذوي محارمها يحل له منها ما يحل لذي المحرم، وهو صحيح في القياس، وقول مالك في الاحتياط أعجب إليَّ.
قلت: الوغد -بفتح الواو وسكون الغين المعجمة وفي آخره دال مهملة-: الرجل الدنيء الذي يخدم طعام بطنه، تقول منه: وَغُد الرجل بالضم.
قوله: "واحتجوا في ذلك بهذا الحديث" أي احتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه بحديث أم سلمة المذكور.
ص: وقالوا: قد روي ذلك عن ابن عباس، وعمل به أزواج النبي ﵇: حدثنا فهد، قال: ثنا ابن الأصبهاني، قال: أنا شريك، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس: "لا بأس أن ينظر العبد إلى شعر مولاته".
ش: أي قال هؤلاء القوم: قد روي جواز نظر العبد إلي شعر مولاته عن ابن عباس.
أخرج ذلك بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن محمد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله القاضي، عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي الأعور الكوفي، عن أبي مالك الغفاري غزوان الكوفي، عن عبد الله بن عباس.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا شريك، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس، قال: "لا بأس أن ينظر المملوك إلي شعر مولاته".
ص: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني ميمون بن يحيى -من آل الأشج- عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب ويزيد بن عبد الله وعمرة بنت عبد الرحمن، أنهم قالوا: "لو أن امرأة جلست عند عبد زوجها بغير خمار لم يكن بذلك بأس".
стр. 7174
قال بكير: وأخبرني عبد الرحمن بن القاسم: "أن أسماء بنت عبد الرحمن كانت تجلس عند عبيد القاسم -وهو زوجها- بغير خمار".
قال بكير: عن عمرة بنت عبد الرحمن قال: "كانت عائشة ﵂ يراها العبيد لغيرها".
قال بكير: قالت أم علقمة مولاة عائشة: "قد كانت عائشة يدخل عليها عبيد المسلمين، قالت أم علقمة: وإن كان عبيد الناس لَيَرون عائشة بعد أن يحتلم أحدهم وإنها لتمتشط".
قال بكير: عن عبد الله بن رافع: "لم تكن أم سلمة تحتجب من عبيد الناس".
ش: هذا بيان لقوله: "وعمل به أزواج النبي ﵇".
أخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلي، عن عبد الله بن وهب، عن ميمون بن يحيى بن مسلم بن الأشج مولى بني زهرة، عن مخرمة بن بكير بن عبد الله بن الأشج، روى له مسلم وأبو داود والنسائي، قال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا وهو حديث الوتر. وقال ابن معين: يقال: وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمع منه شيئًا.
وأبوه بكير بن عبد الله، روى له الجماعة.
وعمرو بن شعيب: ثقة.
ويزيد بن عبد الله بن قسيط الليثي المدني الأعرج، روى له الجماعة.
وعمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية: تابعية ثقة.
وعبد الرحمن بن القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصديق ﵃ روى له الجماعة.
وأسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. ذكرها ابن حبان في الثقات، وكانت في حجر عائشة ﵂.
стр. 7175
وأم علقمة (١).
وعبد الله بن رافع بن خديج الأنصاري: وثقه ابن حبان.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا ينظر العبد من الحرة إلا إلى ما ينظر إليه منها الحر الذي لا محرم بينه وبينها.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عامرًا الشعبي والحسن البصري وطاوسًا ومجاهدًا ومحمد بن سيرين وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا والشافعي، فإنهم قالوا: لا ينظر العبد من مولاته إلا إلى من ينظر إليه منها الأجنبي.
وقال البيهقي: وكان الحسن والشعبي وطاوس ومجاهد يكرهون أن ينظر العبد إلى شعر سيدته، وكلهم عَدُّوا الشعر من الزينة التي لا تبديها لعبدها، كما عده ابن عباس فيما روينا عنه من الزينة التي لا تبديها لمحارمها.
وقال الجصاص في "الأحكام": وقال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب: إن العبد لا ينظر إلى شعر مولاته. وهو مذهب أصاحبنا إلا أن يكون ذا محرم منها، وتأولوا قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (٢) على الإماء؛ لأن العبد والحر في التحريم سواء، فهي وإن لم يجز لها أن تتزوجه وهو عبدها فإن ذلك تحريم عارض كمن تحته امرأة أختها محرمة عليه، ولا يبيح له ذلك النظر إلى شعرها.
стр. 7176
ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن قول النبي ﵇ الذي ذكروا في حديث أم سلمة لا يدل على ما قال أهل تلك المقالة؛ لأنه قد يجوز أن يكون أراد بذلك حجاب أمهات المؤمنين، فإنهن قد كن حجبن عن الناس جميعًا إلا من كان منهم ذو رحم محرم، فكان لا يجوز لأحد أن يراهُنَّ أصلًا إلا من كان بينه وبينهن رحم محرم، وغيرهن من النساء لسن كذلك؛ لأنه لا بأس أن ينظر الرجل من المرأة التي لا رحم بينه وبينها وليست عليه بمحرمة إلى وجهها وكفيها، وقد قال الله : ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١)، فقيل في ذلك ما حدثنا سليمان، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: " ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١) قال: الزينة: القُرط والقلادة والسوار والخلخال والدُملُج وما ظهر من الثياب والجلباب".
حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا موسى بن أعين، عن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١): الكحل والخاتم".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم " ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ ـ (١) قال: هو ما فوق الدرع".
فأبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن، وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي ﵇ لما نزلت آية الحجاب، فَفُضِّلْنَ بذلك على سائر النساء.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه: "أن قول النبي ﵇. . . ." إلى آخره. أراد به منع استدلال أهل المقالة الأولى بحديث أم سلمة، وهو أنه لا يستقيم استدلالهم به؛ لأنه قد يجوز أن يكون أراد بذلك حجاب أمهات المؤمنين؛ وذلك لأنهن قد حجبن عن الناس جميعًا إلا مَن كان منهم ذو رحم محرم،
стр. 7177
وقد فُضِّلْنَ بذلك على سائر النساء وهن لسن كذلك؛ لأنه يجوز أن ينظر الرجل إلى وجه الأجنبية وكفيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١)، قالوا: وما ظهر منها هو الكحل والخاتم؛ فالكحل في العينين والخاتم في الأصبع، وكني بذلك عن الوجه والكفين، وقد اختلف العلماء في ذلك، أشار إليه بقوله: "فقيل في ذلك"، وهو قول عبد الله بن مسعود ﵁.
أخرجه بإسناد صحيح، عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبي الأحوص عوف بن مالك الأشجعي، عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه الطبراني (٢): ثنا عبد الله بن محمَّد بن سعيد بن أبي مريم، ثنا الفريابي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله " ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١) قال: الزينة: القرط والدُّمْلُج والخلخال والقلادة".
حدثنا (٣) محمَّد بن علي الصائغ، ثنا سعيد بن منصور، ثنا حديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله "في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (١) قال: الزينة: السوار والدُّمْلُج والخلخال والقرط والقلادة وما ظهر منها: هي الثياب والجلباب".
وقال ابن عباس: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١) الكحل والخاتم".
أخرجه بإسناد صحيح، عن محمَّد بن حميد، عن علي بن معبد بن شداد، عن موسى ابن أعين، عن مسلم بن عمران -ويقال: ابن أبي عمران- البطين الكوفي، روى له الجماعة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (٤): ثنا حفص، عن عبد الله بن مسلم، عن
стр. 7178
سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١) قال: وجهها وكفاها".
وقال إبراهيم النخعي: "هو ما فوق الدرع".
أخرجه بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك ابن مخلد، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: " ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (٣) قال: ما فوق الدرع إلا ما ظهر منها".
قوله: "القُرط": بضم القاف وسكون الراء وفي آخره طاء مهملة، وهو نوع من حَلي الأذن معروف، ويجمع على أقراط وقِرَطَة وأقرطة، وقال الجوهري: القرط الذي يعلق في شحمة الأذن، والجمع قِرَطةٌ وقراط مثل رمح ورماح.
و"السِّوار": بكسر السين وهو من الحلي معروف، وقال ابن الأثير: وبكسر السين وتضم، وجمعه أسورة ثم أساور وأساورة، وسَوَّرْتُه السِّوار إذا ألبسته إياه.
و"الخلخال": واحد خلاخل النساء، والخلخل لغة فيه أو مقصور منه، قاله الجوهري.
و"الدُّمْلُج": بضم الدال واللام هو: المعضد من الحلي، ويقال له: الدُّمْلُوج أيضًا، ويجمع على دمالج ودماليج.
و"الجلباب": بكسر الجيم: الإزار والرداء، وقيل: الملحفة، وقيل: هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها، ويجمع على جلابيب. وقال الجوهري: الجلباب الملحفة.
стр. 7179
قوله: "فأبيح للناس" من كلام الطحاوي. . . . إلى آخره. وهو ظاهر.
ص: حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا عبد الله بن بكر السهمي، قال: ثنا حميد، عن أنس، قال: قال عمر ﵁: "قلت: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو حجبت أمهات المؤمنين. فأنزل الله آية الحجاب".
حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا حميد. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة، عن عائشة: "أن أزواج النبي ﵇ كن يخرجن بالليل إلى المناصع وهو صعيد أَفْيَح، وكان عمر ﵁ يقول لرسول الله ﵇: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله ﵇ يفعل، فخرجت سودة ذات ليلة -وكانت امرأة طويلة- فناداها عمر، ألا قد عرفناك يا سودة، حرصًا على أن تنزل آية الحجاب، قالت عائشة: فأنزل الحجاب".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني الليث. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا روح، قال: ثنا يحيى، قال: حدثني الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁ قال: "كنت أعلم الناس بشأن الحجاب فيما أنزل؟ وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله ﵇ بزينب بنت جحش، أصبح بها عروسًا فدعى القوم، فأصابوا من الطعام ثم خرجوا، وبقي رهط منهم عند رسول الله ﵇ فأطالوا المكث، فقام رسول الله ﵇ فخرج وخرجت معه حتى جاء عتبة حجرة عائشة ﵂ ثم ظن رسول الله ﵇ أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه حتى دخل على زينب، فإذا هم جلوس، فرجع رسول الله ﵇ ورجعت معه حتى إذا بلغ عتبة حجرة عائشة وظن أنهم خرجوا رجع ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرب رسول الله ﵇ بيني وبينه بالستر، وأُنْزِلَ الحجاب".
стр. 7180
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عبد الله بن بكر، قال: ثنا حميد الطويل، عن أنس قال: "أَوْلَمَ رسول الله ﵇ حين بنى بزينب بنت جحش، ثم خرج إلى حُجَر أمهات المؤمنين، فلما رجع إلى بيته رأى رجلين قد مدَّ بهما الحديث، فوثبا مسرعين، فرجع حتى دخل البيت، وأرخى الستر، وأُنزِلت آية الحجاب".
حدثنا إبراهيم بن منقذ، قال: ثنا المقرئ، عن جرير، عن سلم العلوي، عن أنس بن مالك قال: "كنت خادم رسول الله ﵇ فكنت أدخل عليه بغير إذن، فجئت يومًا أدخل فقال: كما أنت، فإنه قد حدث بعدك أمرٌ، فلا تدخل علينا إلا بإذن".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد، عن سلم العلوي، عن أنس بن مالك، قال: "لما أنزلت آية الحجاب جئت أدخل كما كنت أدخل، فقال النبي ﵇: رويدًا، وراءك يا بني".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي مجلز، عن أنس بن مالك قال: "لما تزوج النبي ﵇ زينب بنت جحش، ودعى القوم فطمعوا ثم جلسوا يتحدثون، فأخذ كأنه يتهَيَّأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام وقام من قام معه من القوم، وقعد الثلاثة، ثم إن النبي ﵇ جاء فدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا وانطلقوا، فجئت فأخبرت النبي ﵇ أنهم قد انطلقوا، فجاء فدخل، وأنزلت آية الحجاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ (١) ".
قال أبو جعفر ﵀: فكن أمهات المؤمنين قد خصصن في الحجاب ما لم يجعل فيه سائر النساء مثلهن.
ش: ذكر هذه الأحاديث لبيان قوله: "ففضلن بذلك على سائر النساء".