ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن قول النبي ﵇ الذي ذكروا في حديث أم سلمة لا يدل على ما قال أهل تلك المقالة؛ لأنه قد يجوز أن يكون أراد بذلك حجاب أمهات المؤمنين، فإنهن قد كن حجبن عن الناس جميعًا إلا من كان منهم ذو رحم محرم، فكان لا يجوز لأحد أن يراهُنَّ أصلًا إلا من كان بينه وبينهن رحم محرم، وغيرهن من النساء لسن كذلك؛ لأنه لا بأس أن ينظر الرجل من المرأة التي لا رحم بينه وبينها وليست عليه بمحرمة إلى وجهها وكفيها، وقد قال الله : ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١)، فقيل في ذلك ما حدثنا سليمان، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: " ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١) قال: الزينة: القُرط والقلادة والسوار والخلخال والدُملُج وما ظهر من الثياب والجلباب".
حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا موسى بن أعين، عن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١): الكحل والخاتم".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم " ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ ـ (١) قال: هو ما فوق الدرع".
فأبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن، وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي ﵇ لما نزلت آية الحجاب، فَفُضِّلْنَ بذلك على سائر النساء.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه: "أن قول النبي ﵇. . . ." إلى آخره. أراد به منع استدلال أهل المقالة الأولى بحديث أم سلمة، وهو أنه لا يستقيم استدلالهم به؛ لأنه قد يجوز أن يكون أراد بذلك حجاب أمهات المؤمنين؛ وذلك لأنهن قد حجبن عن الناس جميعًا إلا مَن كان منهم ذو رحم محرم،
стр. 7177
وقد فُضِّلْنَ بذلك على سائر النساء وهن لسن كذلك؛ لأنه يجوز أن ينظر الرجل إلى وجه الأجنبية وكفيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١)، قالوا: وما ظهر منها هو الكحل والخاتم؛ فالكحل في العينين والخاتم في الأصبع، وكني بذلك عن الوجه والكفين، وقد اختلف العلماء في ذلك، أشار إليه بقوله: "فقيل في ذلك"، وهو قول عبد الله بن مسعود ﵁.
أخرجه بإسناد صحيح، عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أبي الأحوص عوف بن مالك الأشجعي، عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه الطبراني (٢): ثنا عبد الله بن محمَّد بن سعيد بن أبي مريم، ثنا الفريابي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله " ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١) قال: الزينة: القرط والدُّمْلُج والخلخال والقلادة".
حدثنا (٣) محمَّد بن علي الصائغ، ثنا سعيد بن منصور، ثنا حديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله "في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (١) قال: الزينة: السوار والدُّمْلُج والخلخال والقرط والقلادة وما ظهر منها: هي الثياب والجلباب".
وقال ابن عباس: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١) الكحل والخاتم".
أخرجه بإسناد صحيح، عن محمَّد بن حميد، عن علي بن معبد بن شداد، عن موسى ابن أعين، عن مسلم بن عمران -ويقال: ابن أبي عمران- البطين الكوفي، روى له الجماعة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا في "مصنفه" (٤): ثنا حفص، عن عبد الله بن مسلم، عن
стр. 7178
سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١) قال: وجهها وكفاها".
وقال إبراهيم النخعي: "هو ما فوق الدرع".
أخرجه بإسناد صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك ابن مخلد، عن سفيان الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٢): ثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: " ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (٣) قال: ما فوق الدرع إلا ما ظهر منها".
قوله: "القُرط": بضم القاف وسكون الراء وفي آخره طاء مهملة، وهو نوع من حَلي الأذن معروف، ويجمع على أقراط وقِرَطَة وأقرطة، وقال الجوهري: القرط الذي يعلق في شحمة الأذن، والجمع قِرَطةٌ وقراط مثل رمح ورماح.
و"السِّوار": بكسر السين وهو من الحلي معروف، وقال ابن الأثير: وبكسر السين وتضم، وجمعه أسورة ثم أساور وأساورة، وسَوَّرْتُه السِّوار إذا ألبسته إياه.
و"الخلخال": واحد خلاخل النساء، والخلخل لغة فيه أو مقصور منه، قاله الجوهري.
و"الدُّمْلُج": بضم الدال واللام هو: المعضد من الحلي، ويقال له: الدُّمْلُوج أيضًا، ويجمع على دمالج ودماليج.
و"الجلباب": بكسر الجيم: الإزار والرداء، وقيل: الملحفة، وقيل: هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها وصدرها، ويجمع على جلابيب. وقال الجوهري: الجلباب الملحفة.
стр. 7179
قوله: "فأبيح للناس" من كلام الطحاوي. . . . إلى آخره. وهو ظاهر.
ص: حدثنا أبو بكرة وابن مرزوق، قالا: ثنا عبد الله بن بكر السهمي، قال: ثنا حميد، عن أنس، قال: قال عمر ﵁: "قلت: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو حجبت أمهات المؤمنين. فأنزل الله آية الحجاب".
حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا حميد. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة، عن عائشة: "أن أزواج النبي ﵇ كن يخرجن بالليل إلى المناصع وهو صعيد أَفْيَح، وكان عمر ﵁ يقول لرسول الله ﵇: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله ﵇ يفعل، فخرجت سودة ذات ليلة -وكانت امرأة طويلة- فناداها عمر، ألا قد عرفناك يا سودة، حرصًا على أن تنزل آية الحجاب، قالت عائشة: فأنزل الحجاب".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: حدثني الليث. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا روح، قال: ثنا يحيى، قال: حدثني الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك ﵁ قال: "كنت أعلم الناس بشأن الحجاب فيما أنزل؟ وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله ﵇ بزينب بنت جحش، أصبح بها عروسًا فدعى القوم، فأصابوا من الطعام ثم خرجوا، وبقي رهط منهم عند رسول الله ﵇ فأطالوا المكث، فقام رسول الله ﵇ فخرج وخرجت معه حتى جاء عتبة حجرة عائشة ﵂ ثم ظن رسول الله ﵇ أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه حتى دخل على زينب، فإذا هم جلوس، فرجع رسول الله ﵇ ورجعت معه حتى إذا بلغ عتبة حجرة عائشة وظن أنهم خرجوا رجع ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرب رسول الله ﵇ بيني وبينه بالستر، وأُنْزِلَ الحجاب".
стр. 7180
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عبد الله بن بكر، قال: ثنا حميد الطويل، عن أنس قال: "أَوْلَمَ رسول الله ﵇ حين بنى بزينب بنت جحش، ثم خرج إلى حُجَر أمهات المؤمنين، فلما رجع إلى بيته رأى رجلين قد مدَّ بهما الحديث، فوثبا مسرعين، فرجع حتى دخل البيت، وأرخى الستر، وأُنزِلت آية الحجاب".
حدثنا إبراهيم بن منقذ، قال: ثنا المقرئ، عن جرير، عن سلم العلوي، عن أنس بن مالك قال: "كنت خادم رسول الله ﵇ فكنت أدخل عليه بغير إذن، فجئت يومًا أدخل فقال: كما أنت، فإنه قد حدث بعدك أمرٌ، فلا تدخل علينا إلا بإذن".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا حماد، عن سلم العلوي، عن أنس بن مالك، قال: "لما أنزلت آية الحجاب جئت أدخل كما كنت أدخل، فقال النبي ﵇: رويدًا، وراءك يا بني".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عبيد الله بن معاذ، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي مجلز، عن أنس بن مالك قال: "لما تزوج النبي ﵇ زينب بنت جحش، ودعى القوم فطمعوا ثم جلسوا يتحدثون، فأخذ كأنه يتهَيَّأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام وقام من قام معه من القوم، وقعد الثلاثة، ثم إن النبي ﵇ جاء فدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا وانطلقوا، فجئت فأخبرت النبي ﵇ أنهم قد انطلقوا، فجاء فدخل، وأنزلت آية الحجاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ (١) ".
قال أبو جعفر ﵀: فكن أمهات المؤمنين قد خصصن في الحجاب ما لم يجعل فيه سائر النساء مثلهن.
ش: ذكر هذه الأحاديث لبيان قوله: "ففضلن بذلك على سائر النساء".
стр. 7181
وأخرجها من تسع طرق:
الأول: إسناده صحيح. عن أبي بكرة بكار القاضي، وإبراهيم بن مرزوق، كلاهما عن عبد الله بن بكر السهمي، عن حميد الطويل، عن أنس.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١) بأتم منه: ثنا هشيم، أنا حميد، عن أنس ﵁ قال: قال عمر ﵁: "وافقت ربي في ثلاث؛ قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٢) وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب، واجتمع على رسول الله ﵇ نساءه في الغيرة، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن، قال: فنزلت كذلك" (٣).
وأخرجه البخاري (٤): ثنا مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن حميد، عن أنس قال: قال عمر: "وافقت الله في ثلاث -أو وافقني ربي في ثلاث- فقلت: يا رسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى. . . ." الحديث.
الثاني: أيضًا صحيح، عن حسين بن نصر، عن يزيد بن هارون شيخ أحمد، عن حميد الطويل، عن أنس.
وأخرجه البزار في "مسنده" (٥) نحوه: عن عمرو بن على، عن يزيد بن زريع، عن حميد، عن أنس ﵁.
الثالث: رجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا شيخ الطحاوي.
وعُقيل -بضم العين- ابن خالد الأيلي.
стр. 7182
وأخرجه مسلم (١): ثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي، عن جدي، قال: حدثني عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب. . . . إلى آخره نحوه.
قوله: "إلى المناصع" وهي المواضع التي يتخلى فيها لقضاء الحاجة، واحدها منصع؛ لأنه يُبرز إليها ويطهر، قال الأزهري: أراها مواضع مخصوصة خارج المدينة، ومنه الحديث: "إن المناصع صعيد أفيح خارج المدنية".
قوله: "أفيح" أي واسع، وكل موضع واسع يقال له: أفيح، وروضة فيحاء أي واسعة، وبيت فياح أي واسع.
قوله: "سودة" وهي بنت زمعة بن قيس القرشية العامرية، أم المؤمنين زوج النبي ﵇.
قوله: "حرصًا" نصب على التعليل، أي لأجل الحرص على نزول آية الحجاب.
الرابع: أيضًا صحيح. عن روح بن الفرج القطان شيخ الطبراني، عن يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي المصري شيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
الخامس: أيضًا صحيح.
وأخرجه مسلم (٢): حدثني عمرو الناقد، قال: ثنا يعقوب بن سعد، قال: نا أبي، عن صالح، قال ابن شهاب: إن أنس بن مالك قال: "أنا أعلم الناس بالحجاب، لقد كان أبي بن كعب يسألني عنه، قال أنس: أصبح رسول الله ﵇ عروسًا بزينب بنت جحش، قال: وكان تزوجها بالمدينة، فدعى الناس للطعام بعد ارتفاع النهار، فجلس رسول الله ﵇ وجلس معه رجال بعدما قام القوم، حتى قام رسول الله ﵇ فمشى، فمشيت معه حتى بلغ حجرة عائشة ﵂ ثم ظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، وإذا هم جلوس مكانهم،
стр. 7183
فرجع فرجعت الثانية حتى بلغ حجرة عائشة، فرجع فرجعت، فإذا هم قد قاموا، فضرب بيني وبينه بالستر، وأنزل الله آية الحجاب".
قوله: "في مبتنى رسول الله ﵇" من الابتناء، الابتناء والبناء: الدخول بالزوجة، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها، فيقال: بني الرجل على أهله، قال الجوهري: ولا يقال: بنى بأهله.
وهذا القول فيه نظر، فإن قد جاء في غير موضع من الحديث وغير الحديث، وعاد الجوهري استعمله في كتابه.
والمبتنى هاهنا يراد به الابتناء، فأقامه مقام المصدر.
قوله: "وبقي رهط منهم" الرهط ما دون العشرة من الرجال، لا يكون فيهم امرأة، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ (١) فجمع وليس لهم واحد من لفظه مثل ذَوْد، والجمع: أَرْهُط، وأَرَهاط، وأَرَاهط، كأنه جمع أرهط وأراهيط.
قوله: "فإذا هم جلوس" أي جالسون، كالركوع جمع راكعين.
السادس: أيضًا صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي.
وأخرجه البخاري بأتم منه (٢): ثنا إسحاق بن منصور، أنا عبد الله بن بكر السهمي، ثنا حميد، عن أنس قال: "أَوْلَمَ رسول الله ﵇ حين بنى بزينب ابنة جحش، فأشبع الناس خبزًا ولحمًا، ثم خرج إلى حُجَر أمهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه، فيسلم عليهن ويدعو لهن، ويسلمن عليه ويدعون له، فلما رجع إلى بيته، رأى رجلين جرى بهما الحديث، فلما رآهما رجع عن بيته، فلما رأى الرجلان نبي الله ﵇ رجع عن بيته وثبا مسرعين، فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أم أُخبر؟ فرجع حتى دخل البيت، وأرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب".
стр. 7184
السابع: عن إبراهيم بن منقذ العصفري، عن عبد الله بن يزيد المقرئ القصير شيخ البخاري، عن جرير بن حازم، عن سلم بن قيس العلوي البصري -وليس هو من ولد على بن أبي طالب ﵁ وعن يحيى: ضعيف. قال البخاري: تكلم فيه شعبة. وقال النسائي: ليس بالقوي.
الثامن: عن إبراهيم بن مرزوق، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن سلم العلوي.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا أبو كامل مظفر بن مدرك قال: ثنا حماد بن زيد، عن سلم العلوي، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "لما نزلت آية الحجاب جئت أدخل كما كنت أدخل، فقال النبي ﵇: وراءك يا بني".
وأخرجه أبو يعلى (٢) أيضًا: عن أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن سلم العلوي. . . . إلى آخره نحوه.
قوله: "رويدًا" نصب على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره: تأخر تأخرًا رويدًا وراءك.
التاسع: إسناد صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عبيد الله بن معاذ العنبري البصري -شيخ مسلم وأبي داود- عن المعتمر بن سليمان التيمي البصري، روى له الجماعة، عن أبيه سليمان بن طرخان التيمي، روى له الجماعة، عن أبي مجلز لاحق بن حميد الأعور البصري، روى له الجماعة، عن أنس بن مالك ﵁.
وأخرجه مسلم (٣): نا يحيى بن حبيب الحارثي، وعاصم بن النضر التميمي ومحمد بن عبد الأعلى، كلهم عن معتمر -واللفظ لابن حبيب- قال: نا معتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي، قال: نا أبو مجلز، عن أنس بن مالك قال: "لما تزوج
стр. 7185
النبي ﵇ زينب بنت جحش دعى القوم، فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، قال: فأخذ النبي يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام، قام مَن قام من القوم -زاد عاصم وابن عبد الأعلى في حديثهما قال: "فقعد ثلاثة وإن النبي ﷺ جاء ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقوا، قال: فجئت، فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا. قال: فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه. قال: فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (١). انتهى.
[واعلم أن هذه الآية تضمنت أحكامًا:
منها: النهي عن دخول بيت رسول الله ﵇ إلا بأذن، وأنهم إذا أذن لهم لا يقعدون للحديث.
ومنها: النهي عن انتظار وقت طعام لم يحضر ولم ينضج في بيت رجل؛ لأن ذلك مما يؤذي صاحب البيت.
ومنها: اختصاص أمهات المؤمنين في الحجاب بما لم يجعل فيه غيرهن مثلهن.
فإن قيل: كيف أضاف البيوت هاهنا إلى النبي ﵇ وأضافها إلى نسائه في قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤].
قلت: إضافة البيوت إلى النبي ﵇ إضافة ملك، وإضافتها إلى الأزواج إضافة محل؛ بدليل أنه جعل فيها الإذن للنبي ﵇، والإذن إنما يكون للمالك] (٢).
ص: فإن قال قائل: فقد قال الله : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٣)، ثم
стр. 7186
قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (١) فجعل ما ملكت أيمانهن كذي الرحم المحرم فيهن قيل له: ما جعلهن كذلك ولكنه ذكر جماعة مستثنين من قوله : ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (١) فذكر البعول وذكر الآباء ومن ذكر معهم مثل ما ذكره وما ملكت أيمانهم، فلم يكن جمعه بينهم بدليل على استواء أحكامهم، لأنا قد رأينا البعل قد يجوز له أن ينظر من امرأته إلى ما لا ينظر إليها أبوها منها.
ثم قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (١) فلا يكون ضمه أولئك مع ما قبلهم بدليل أن حكمهم مثل حكمهم، ولكن الذي أبيح بهذه الآية للمملوكين من النظر إلى النساء إنما هو ما ظهر من الزينة وهو الوجه والكفّان، وفي إباحته ذلك للمملوكين وليسوا بذوي أرحام محرمة دليل على أن الأحرار الذين ليسوا بذوي أرحام محرمة من النساء في ذلك كذلك، وقد بين هذا المعنى ما في حديث عبد بن زمعة من قول رسول الله ﷺ لسودة: "احتجبي منه" فأمرها بالحجاب منه وهو ابن وليدة أبيها، وليس يخلو أن يكون أخاها أو ابن وليدة أبيها فيكون مملوكًا لها ولسائر ورثة أبيها، فعلمنا أن النبي ﵇ لم يحجبها منه؛ لأنه أخوها ولكن لأنه غير أخيها وهو في ذلك الحال مملوك فلم يحل له -بِرقِّهِ- النظر إليها، فقد ضاد هذا الحديث حديث أم سلمة وخالفه، وصارت الآية التي ذكرنا على قول هذا الذاهب إلى حديث سودة أنها على سائر النساء دون أمهات المؤمنين، وأن عبيد أمهات المؤمنين كانوا في حكم النظر إليهن في حكم الغرباء منهن الذين لا رحم بينهم وبينهن، لا في حكم ذوي الأرحام منهن المحرمة، فكل من كان بينهن وبينهم محرم فهو عندنا في حكم ذوي الأرحام منهن المحرمة في منع ما وصفنا.
стр. 7187
ثم رجعنا إلى النظر لنستخرج به من القولين قولًا صحيحًا، فرأينا ذا الرحم لا بأس أن ينظر إلى المرأة التي هو لها محرم إلى وجهها وصدرها وشعرها وما دون ركبتيها، ورأينا القريب منها ينظر إلى وجهها وكفيها فقط، ثم رأينا العبد حرام عليه -في قولهم جميعًا- أن ينظر إلى صدر المرأة مكشوفًا أو إلى ساقيها، وسواء كان رِقُّه لها أو لغيرها، فلما كان فيما ذكرنا كالأجنبي منها لا كذي رحمها المحرم عليها؛ كان في النظر إلى شعرها أيضًا كالأجنبي لا كذي رحمها المحرم عليها.
فهذا هو النظر في هذا الباب، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏، وقد وافقهم في ذلك من المتقدمين الحسن والشعبي.
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا مغيرة عن الشعبي، ويونس عن الحسن: "أنهما كرها أن ينظر العبد إلى شعر مولاته".
ش: تقرير السؤال أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ (١). . . . الآية يدل على جواز نظر العبد إلى شعر مولاته؛ وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١) ثم استثنى من ذلك البعولة والآباء ومن ذُكر معهم، وذكر في جملة ذلك ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (١) فجعل ما ملكت أيمانهن كذي الرحم المحرم منهن.
وتقرير الجواب أن يقال: لا نُسَلِّم أنه جعل ما ملكت أيمانهن كذلك، بل ذكر جماعةً واستثناهم من قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ (١). فذكر البعولة وهو جمع بعل وهو الزوج، وكذلك ذكر الآباء وجماعة معهم قبل ذكر قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ (١) وليس جمعه إياهم في الذكر دليلًا على استواء أحكامهم، ألا ترى أن البعل الذي هو الزوج قد يجوز له أن ينظر من إمرأته إلى ما لا يجوز له نظر أبيها إليه منها، يدل ذلك على أن الجمع بينهم في الذكر لا يدل على استواء الحكم.
стр. 7188
وقال الجصاص في هذه الآية: قال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب: إن العبد لا ينظر إلى شعر مولاته، وهو مذهب أصحابنا إلا أن يكون ذا رحم محرم منها، وتأولوا قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم﴾ (١) على الإماء؛ لأن العبد والحر في التحريم سواء، فهي وإن لم يجز لها أن تتزوجه وهو عبدها؛ فإن ذلك تحريم عارض، ثم قال: فإن قال قائل: هذا يؤدي إلى إبطال فائدة ذكر ملك اليمين في هذا الموضع.
قيل له: ليس كذلك؛ لأنه قد ذكر النساء في الآية بقوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (١)، وأراد بهن الحرائر المسلمات، فجاز أن يَظُن ظانٌّ أن الإماء لا يجوز لهن النظر إلى شعر مولاتهن وإلى غيره مما يجوز للمُحَرَّم النظر إليه منها، فأبان الله تعالى أن الأمة والحرة في ذلك سواء، وإنما خص نسائهن بذكر في هذا الموضع؛ لأن جميع من ذكر قبلهن هم الرجال، بقوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ (١). . . . إلى آخر ما ذكر، فكان جائز أن يظن ظان أن الرجال مخصوصون بذلك إذا كانوا ذوي محارم، فأبان تعالى إباحة النظر إلى هذه المواضع من نسائهن سواء كُنَّ ذوات محارم أو غير ذوات محارم، ثم عطف على ذلك الإماء بقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم﴾ (١) لئلا يظن ظان أن الإباحة مقصورة على الحرائر من النساء، إذ كان ظاهر قوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ (١) يقتضي الحرائر دون الإماء، كما كان قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٢) على الحرائر دون المماليك، وقوله: ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ﴾ (٣) على الحرائر، ثم عطف عليهن الإماء، فأباح لهن مثل ما أباح في الحرائر. انتهى.
قوله: "وليسوا بذوي أرحام" الواو فيه للحال.
قوله: "وقد بين هذا المعنى" أراد به المعنى الذي ذكره بقوله: "وفي إباحة ذلك للمملوكين. . . ." إلى آخره.
стр. 7189
قوله: "وهو ابن وليدة أبيها" أي ابن أمة أبيها، وهذا باب فيه كلام كثير يأتي تحقيقه في باب: الأمة يطأها مولاها ثم يموت. إن شاء الله تعالى.
قوله: "فقد ضاد هذا الحديث" أراد به حديث عبد بن زمعة، وأراد بحديث أم سلمة هو الحديث المذكور في أول الباب الذي احتجت به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من جواز نظر العبد إلى شعر مولاته.
وجه التضاد بينهما ظاهر يُعلم بأدنى تأمل.
قوله: "ثم رجعت إلى النظر" أي إلى وجه النظر والقياس "لنستخرج به" أي بالنظر والرأي "من القولين" وهما قول أهل المقالة الأولى المحتجين بحديث أم سلمة، وقول أهل المقالة الثانية.
قوله: "وقد وافقهم في ذلك" أي: وقد وافق أبا حنيفة وصاحبيه فيما ذهبوا إليه من المتقدمين: الحسن البصري وعامر بن شراحيل الشعبي.
وخرج ذلك عنهما بإسناد صحيح، عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير، عن المغيرة بن مقسم الضبي الكوفي عن عامر الشعبي وعن المغيرة عن يونس بن عبيد بن دينار البصري، عن الحسن البصري.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن أبي الأحوص، عن مغيرة نحوه.
стр. 7190
ص: باب: التكني بأبي القاسم هل يصلح أم لا ؟
ش: أي هذا باب في بيان تكني الرجل بأبي القاسم، هل يصلح ذلك أم لا؟
ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا علي بن قادم، قال: ثنا فطر، عن منذر الثوري، عن محمَّد بن الحنفية، عن علي ﵁ قال: "قلت: يا رسول الله، إن وُلِدَ لي ابنُ أسميه باسمك، وأكنيه بكنيتك؟ قال: نعم، قال: وكانت رخصة من رسول الله ﵇ لعلي ﵁".
ش: أبو أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي شيخ النسائي وأبو عوانة الإسفراييني وأبي حاتم الرازي.
وعلي بن قادم الخزاعي الكوفي، عن يحيى: ضعيف. وذكره ابن حبان في "الثقات".
وفطر هو ابن خليفة القرشي الكوفي الحناط بالنون، ثقة على قليل تشيع فيه، روى له البخاري مقرونًا بغيره؛ والأربعة.
ومنذر هو ابن يعلى الثوري الكوفي، روى له الجماعة.
ومحمد بن على بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية.
وأخرجه أبو داود (١): ثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة قالا: ثنا أبو أسامة، عن فطر، عن منذر، عن محمَّد بن الحنفية قال: قال عليٌّ ﵁: "قلت: يا رسول الله، إن وُلِدَ لي بعدك ولد، أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: نعم". ولم يقل أبو بكر يعني ابن أبي شيبة: قلت: قال علي للنبي ﵇".
وأخرجه الترمذي (٢): عن ابن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن فطر بن خليفة. . . . إلى آخره نحوه.
стр. 7191
وقال: حديث صحيح.
ويستفاد منه: جواز تسمية الرجل ابنه باسم محمَّد، وجواز تكنيته بكنيته، وجواز الجمع بينهما على ما ذهب إليه قوم.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أنه لا بأس بأن يكتني الرجل بأبي القاسم وأن يتسمى مع ذلك بمحمد، واحتجوا في ذلك بما روي عن النبي ﵇ في هذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: محمَّد بن الحنفية ومالكًا وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: لا بأس للرجل أن يكتني بأبي القاسم ويتسمى بمحمد. وقال المنذري: وقد أجاز مالك بن أنس أن يجمع بين التكني بأبي القاسم والتسمي بمحمد.
قوله: "واحتجوا في ذلك" أي احتج هؤلاء القوم فيما ذهبوا إليه بالحديث المذكور.
ص: وقالوا: أما ما ذكر من أن ذلك كان رخصة لعلي ﵁ فلم يذكر ذلك في الحديث عن رسول الله ﵇، ولا ذكر عن على ﵁ أن ذلك كان رخصة من رسول الله ﵇ له، وإنما هو قول ممن بعد على ﵁ قد يجوز أن يكون ذلك على ما قال، ويجوز أن يكون على خلاف ذلك، والدليل على أنه خلاف ذلك: أنه قد كان في زمن أصحاب رسول الله ﵇ جماعة قد كانوا مسمون بمحمد، مكتنين بأبي القاسم، منهم: محمَّد بن طلحة، ومحمد بن الأشعب، ومحمد بن أبي حذيفة، فلو كان ما أمر به النبي ﵇ في الحديث الأول خاصًّا له؛ إذًا لما سوغه غيره؛ ولأنكره على فاعله وأنكره معه مَن كان بحضرته من أصحاب النبي ﵇.
ش: هذا جواب عن سؤال مقدر تقديره: أن يقال للقوم المذكورين: كيف تحتجون بالحديث المذكور، وفيه قال: "وكانت رخصة من رسول الله ﵇ لعلي ﵁" أي كان الجمع بين التسمِّي بمحمد والتكني بأبي القاسم رخصة من النبي ﵇ لعلي ﵁ فإذا كان كذلك فقد صار ذلك مخصوصًا لعلي ﵁ فلا يجوز لغيره؟! وتقرير الجواب أن يقال: إن هذه الزيادة لم يذكر أنها من
стр. 7192
النبي ﵇، ولا عن علي ﵁ أن ذلك كان رخصةً منه له، وإنما هي قول ممن كانوا بعد علي ﵁.
فإن قيل: هذا احتمال؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك عن النبي ﵇ أو عن علي ﵁ ويحتمل أن يكون ممن بعد علي ﵁ فلا يصح به الاحتجاج بالحديث المذكور.
وأشار إلى الجواب عن ذلك بقوله: "والدليل على أنه خلاف ذلك أنه قد كان في زمن الصحابة ﵃ جماعة مسمون بمحمد مكتنون بأبي القاسم"، فلو كان قول النبي ﵇: "نعم" لعلي ﵁ حين سأله ما سأل مخصوصًا له؛ لكان على ﵁ لم يجوز ذلك لغيره، ولا سوغه غيره، ولكان أنكر ذلك مَن كان معه من الصحابة في ذلك الوقت، فسكوتهم على ذلك وترك إنكارهم، يدل على أن ذلك لم يكن مخصوصًا له، وأنه يجوز لغيره كما جاز له.
قوله: "منهم: محمد بن طلحة" هو محمد بن طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشي التيمي، ذكره ابن الأثير في "الصحابة" وقال: حمله أبوه إلى رسول الله ﵇، فمسح رأسه وسماه محمدًا، وكان يكنى أبا القاسم.
وأمه حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش زوج النبي ﵇ وقيل: إن رسول الله ﵇ كناه أبا سليمان، فقال طلحة: "يا رسول الله أكُنِّه أبا القاسم؟ فقال: لا أجمعهما له هو أبو سليمان" والأول أصح، وكان محمَّد بن طلحة يلقب: السجَّاد؛ لكثرة صلاته وشدة اجتهاده في العبادة، قتل يوم الجمل مع أبيه سنة ست وثلاثين، وكان هواه مع علي ﵁ إلا أنه أطاع أباه فلما رآه علي ﵁ قال: هذا السجاد قتله بره بأبيه.
قوله: "ومحمد بن الأشعث" هو محمَّد بن الأشعث بن قيس الكندي، قيل: إنه وُلِدَ على عهد النبي ﵇، وروى عن عائشة ﵂.
стр. 7193
قال أبو نعيم: لا تصح له صحبة، وروى الزبير بن بكار، عن محمَّد بن الحسن قال: "المحمدون الذين اسمهم محمَّد وكَناهم أبو القاسم: محمد بن طلحة، ومحمد بن علي، ومحمد بن الأشعث، ومحمد بن سعد".
قوله: "ومحمد بن أبي حذيفة" هو محمَّد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي، كنيته أبو القاسم، ولد بأرض الحبشة على عهد رسول الله ﵇ وأمه: سهلة بنت سهل بن عمرو العامرية، وهو ابن خال معاوية بن أبي سفيان، ولما قتل أبوه أبو حذيفة أخذه عثمان بن عفان ﵁ وكَفَلَهُ إلى أن كبر، ثم سار إلى مصر، فصار من أشد الناس بأسًا على عثمان ﵁.
وقال أبو نعيم: هو أحد من دخل على عثمان حين حوصر فقتل، ولما استولى معاوية على مصر أخذ محمدًا في الرهن وحبسه، فهرب من السجن، فظفر به رشدين مولى معاوية فقتله، وانقرض ولد أبي حذيفة وولد أبيه من عتبة إلا من قبل الوليد بن عتبة، فإن منهم طائفة في الشام. قاله أبو عمر.
ومِن جملة من تسمى بمحمد وتكنى بأبي القاسم من أبناء وجوه الصحابة: محمَّد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن حاطب، ومحمد بن المبشر، ذكرهم البيهقي في "سننه" (١) في باب: من رخص في الجمع بين التسمي بمحمد والتكني بأبي القاسم.
ص: فقال الذين ذهبوا إلى أن ذلك كان خاصًّا بعلي ﵁: قد روي عن رسول الله ﷺ ما يدل على ما قلنا، فذكروا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا روح بن أسلم، قال: ثنا أيوب بن واقد، قال: ثنا فطر بن خليفة، عن منذر الثوري، عن محمد بن الحنفية، عن علي ﵁ قال: "قال لي رسول الله ﵇: إن وُلِدَ لك بعدي ابن فَسَمِّه باسمي وكنِّه بكنيتي، وهي لك خاصَّةً دون الناس".
стр. 7194
قالوا: ففي هذا الحديث الخصوصية من الرسول ﵇ لعلي ﵁ بذلك دون الناس.
ش: أراد بهؤلاء الذاهبين الجماعة من أهل العلم الذي خالفوا أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه.
قوله: "إلى أن ذلك" أي الجمع بين التسمي بمحمد والتكني بأبي القاسم "كان خاصًّا" أي مخصوصًا بعلي ﵁ واحتجوا على ذلك بما أخرجه الطحاوي، عن إبراهيم بن مرزوق، عن روح بن أسلم الباهلي البصري، فيه مقال، فقال أبو حاتم: عن محمَّد بن عبد الله بن أبي الثلج: سمعت عفان يقول: روح بن أسلم كذاب. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سئل يحيى بن معين عنه فقال: ليس بذاك لم يكن من أهل الكذب. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وروى له الترمذي.
وهو يروي عن أيوب بن واقد الكوفي أبي سهل، نزيل البصرة، فيه مقال، فعن يحيى: ليس بثقة. وعن البخاري: حديثه ليس بالمعروف، منكر الحديث. وكذا قال الدارقطني.
وهو يروي عن فطر بن خليفة .. إلى آخره.
قوله: "قالوا: ففي هذا الحديث" أي قال هؤلاء الذين ذهبوا إلى أن ذلك كان خاصًا بعلي ﵁: ففي هذا الحديث الخصوصية ثابتة لعلي ﵁ بذلك من النبي ﵇، فلا تجوز لغيره من الناس.
ص: قيل لهم: هذا كما ذكرتم لو ثبت هذا الحديث على ما رويتم، ولكنه ليس بثابت عندنا؛ لأن أيوب بن واقد لا يقوم مقام من خالفه في هذا الحديث ممن رواه عن فطر؛ على ما ذكرنا في أول الباب.
ش: أي قيل لهؤلاء الذاهبين المذكورين، وأراد به الجواب عن حديثهم الذي احتجوا به من خصوصية ذلك الحكم لعلي ﵁ وبيانه أن يقال: هذا الذي ذكرتم مُسَلَّم لو كان الحديث الذي رويتم ثابتًا صحيحًا على الوجه الذي رويتم، ولكنه لم
стр. 7195
يثبت ذلك كذلك؛ لأن في "سنده" أيوب بن واقد، وقد ذكرنا أنه ليس بثقة، وحديثه منكر، فلا يعارض به السند الصحيح المذكور في أول الباب. وقال البيهقي: روي هذا الحديث من غير وجه وهو مختلف في وصله. وقال الذهبي: هو بهيئة المرسل.
قلت: رواه الترمذي موصولًا وصححه كما ذكرناه.
فإن قيل: كيف لا يقوم أيوب بن واقد مقام من خالفه في هذا الحديث ممن رواه عن فطر، والراوي عن فطر هو علي بن قادم، وقد ذكرنا أن يحيى بن معين قد ضعفه.
قلت: وقد روى عنه يحيى بن سعيد أيضًا على ما في رواية الترمذي، روى عنه أبو أسامة فافهم.
ص: فقال الذين ذهبوا إلى أن ذلك كان خاصًّا لعلي ﵁ بعد أن افترقوا فرقتين، فقالت فرقة: لا ينبغي لأحد أن يتكنى بأبي القاسم كان اسمه محمدًا أو لم يكن.
وقالت الفرقة الأخرى: لا ينبغي لمن تسمى محمدًا أن يتكنَّى بأبي القاسم ولا بأس لمن لم يتسمَّ محمدًا أن يتكنى بأبي القاسم.
ش: أراد بهؤلاء الذاهبين: الجماعة الذين خالفوا أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من جواز الجمع بين التسمي بمحمد والتكني بأبي القاسم. وأراد بقوله: "فقالت فرقة": محمَّد بن سيرين وإبراهيم النخعي والشافعي، وأراد بالفرقة الأخرى: طائفة من أهل الحديث منهم: أحمد في رواية، وطائفة من الظاهرية.
ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ ما يدل على ما قلنا من تخصيص رسول الله ﵇ بذلك عليًّا ﵁ فذكروا ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن يزيد النخعي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "تَسَمُّوا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي".
стр. 7196
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا وهب، قال: ثنا هشام، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله، غير أنه قال: "سموا باسمي".
حدثنا أبو أمية، قال: ثنا الحسين بن محمَّد قال: ثنا جرير بن حازم، عن محمَّد، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب وابن نافع، قالا: ثنا داود بن قيس (ح).
وحدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا القعنبي، قال: ثنا داود بن قيس، عن موسى بن يسار، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي، فإني أنا أبو القاسم".
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا أحمد بن أشكيب الكوفي، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي".
حدثنا محمَّد، قال: ثنا أبو ربيعة، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي حَصِين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن قتادة.
ومنصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، عن النبي ﵇ مثله.
قالوا: فقد نهى رسول الله ﵇ أن يتكنى بكنيته، وأباح أن يتسمى باسمه، وجاء ذلك عنه مجيئًا ظاهرًا متواترًا، فدل ذلك على خصوصية ما خالفه.
ش: هذه كلها حجج الفرقة الأولى، والفرقة الثانية من أهل المقالة الثانية في دعواهم خصوصية رسول الله ﵇ عليًّا ﵁ بالجمع بين التسمي باسمه والتكني بكنيته، وهي ما روي عن أبي هريرة وجابر بن عبد الله ﵃.
وأخرج عن أبي هريرة من ستة طرق:
الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن مرزوق، وأبو زرعة بن عمرو اسمه عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقد مَرَّ ذكره غير مرة.
стр. 7197
وهذا الحديث أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) وابن ماجه (٤) بأسانيد مختلفة وألفاظ متغايرة.
وقوله: "تَسَمَّوْا" بفتح الميم أمر من تَسَمَّى يتَسَمَّى.
قوله: "ولا تكنوا" من كَنَى يُكْنَي، وَكنَى يكنو، يقال: كَنَيتُ زيدًا -بالتخفيف وكنيته بالتشديد- تكنيةً، والكنية بضم الكاف علم مُصَدَّر بأب أو أم، والكِنْيَة بالكسر واحدة الكنى، قاله الجوهري.
الثاني: أيضًا رجاله رجال الصحيح ما خلا أبا بكرة بكار القاضي.
وأخرجه الدارمي في "مسنده": عن سعيد بن عامر، عن هشام، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة نحوه.
قوله: "سموا" أمر من سمى يسمي تسميةً وهو بفتح السين وضم الميم، فإذا فتحت الميم يكون ماضيًا. فافهم.
الثالث: أيضًا رجاله رجال الصحيح ما خلا أبا أمية محمَّد بن إبراهيم الطرسوسي.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٥): عن حسين بن محمَّد، عن جرير، عن محمَّد، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ أنه قال: "تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي".
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب وعبد الله بن نافع الصائغ، كلاهما عن داود بن قيس الفراء الدباغ المدني، عن موسى بن يسار القرشي المطلبي، عن أبي هريرة.
وهذا أيضًا إسناد صحيح.
стр. 7198
الخامس: أيضًا صحيح عن ربيع بن سليمان الجيزى، عن عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب القعنبي شيخ الشيخين، عن داود بن قيس. . . . إلى آخره.
وأخرجه البزار "مسنده": ثنا عمرو بن علي، قال: نا عبد الرحمن بن مهدي قال: ثنا داود بن قيس، قال: حدثني موسى بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "من تسمى باسمي فلا يكتني بكنيتي؛ فإني أَنا أبو القاسم".
السادس: عن محمَّد بن خزيمة، عن أبي ربيعة القطعي زيد بن عوف، ليس ثقة، وقال مسلم: متروك الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف.
يروي عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، عن أبي حَصين -بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي، عن أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة.
وأخرجه البخاري بأتم منه (١): عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﵇: "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي، ومن رآني في المنام. . . ." الحديث.
وأخرجه مسلم (٢): عن محمَّد بن عبيد، عن أبي عوانة. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرج عن جابر ﵁ من طريقين صحيحين:
الأول: عن محمَّد بن خزيمة، عن أحمد بن أشكيب -ويقال له: إشكاب الحضرمي الكوفي نزيل مصر وشيخ البخاري، عن أبي معاوية محمَّد بن خازم الضرير، عن سليمان الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر.
وأخرجه ابن ماجه (٣): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﵇: "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي".
стр. 7199
الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الله بن زياد الثقفي، عن شعبة، عن قتادة ومنصور بن المعتمر، كلاهما عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر.
وأخرجه مسلم (١): عن محمد بن مثنى ومحمد بن بشار، كلاهما عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن سالم، عن جابر بن عبد الله: "أن رجلًا من الأنصار وُلد له غلام فأراد أن يسميه محمدًا، فأتى النبي ﵇ فسأله، فقال: أحسنت الأنصار، سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي".
وأخرجه مسلم (١) بطرق متعددة.
قوله: "قالوا: فقد نهى" أي قالت الفرقة الأولى والفرقة الثانية من أهل المقالة الثانية: فقد نهى النبي ﵇ عن التكني بكنيته وأباح التسمي باسمه.
قوله: "وجاء ذلك عنه" أي عن النبي ﵇، أراد بذلك أن حديث أبي هريرة وحديث جابر من الأحاديث الصحيحة الظاهرة الدالة على جواز التسمي باسم محمَّد، ومنع التكني بأبي القاسم، سواء كان اسمه محمدًا أو لم يكن.
ص: ثم رجعنا إلى الكلام بين الذين ذهبوا إلى ما كان من رسول الله ﵇ في حديث ابن الحنفية أنه كان خاصًّا بعلي ﵁ فكان من حجة الفرقة التي ذهبت إلى أن النهي المذكور في حديث أبي هريرة وجابر إنما هو على الكنية خاصةً كان اسم المكتني بها محمدًا أو لم يكن؛ ما قد روي عن رسول الله ﵇:
حدثنا بكار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا ابن جريج، قال: أخبرني عبد الكريم، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﵇ أن يكتني بكنيته".
فقصد بالنهي في هذا الحديث إلى الكنية خاصةً، فدل ذلك أن ما قصد بالنهي إليه في الآثار التي ذكرناها قبله هي الكنية أيضًا.
стр. 7200
ش: أشار بهذا الكلام إلى بيان حجج كل واحدة من الفرقتين من أهل المقالة الثانية فيما ذهب إليه، وبيَّن أولًا حجج الفرقة الأولى، وهو قوله: "فكان من حجة الفرقة التي ذهبت. . . ." إلى آخره.
قوله: "ما قد روي عن رسول الله ﵇" في محل الرفع على أنه اسم كان.
وقوله: "من حجة الفرقة" مقدمًا خبره، بيان ذلك أنهم قالوا: النهي المذكور في حديث أبي هريرة وجابر إنما هو على التكني بكنية النبي ﵇ خاصةً سواء كان اسم الذي اكتنى به محمدًا أو لم يكن، والدليل على ذلك ما روي عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله ﵇ أن يكتني بكنيته" فنص في هذا على النهي عن الكنية، فدل على أن المنهي هو التكني بكنيته مطلقًا.
وأخرج ذلك بإسناد صحيح، عن القاضي بكار، عن أبي عاصم النبيل الضحاك ابن مخلد شيخ البخاري، عن عبد الملك بن جريج، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة -واسم أبي عمرة: بشير- بن عمرو بن محصن النجاري الأنصاري المدني الصحابي. وابنه عبد الرحمن ثقة، روى له الجماعة إلا النسائي.
يروي عن أبي هريرة.
وفي بعض النسخ: عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عمه، عن أبي هريرة.
وفي رواية ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عمه قال: قال رسول الله ﵇: "لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي".
رواه عن وكيع عن سفيان، عن عبد الكريم، عن عبد الرحمن به. ولم يذكر في روايته: أبا هريرة.
وعَمُّ عبد الرحمن هو ثعلبة بن عمرو بن محصن الأنصاري الصحابي ﵁.
стр. 7201
ص: وقد دل على ذلك أيضًا ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي؛ أنا أبو القاسم، الله يعطي وأنا أقسم".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة وحسين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "ولد لرجل من الأنصار غلام فسماه محمدًا، فقال النبي ﵇: أحسنت الأنصار، تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي".
حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا محمَّد بن خازم، عن الأعمش، عن ابن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﵇: "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي؛ فإنما جعلت قاسمًا أقسم بينكم".
فقد أخبر رسول الله ﵇ بالمعنى الذي من أجله نهى أن يكتني بكنيته؛ وإنما هو لأنه يقسم بينهم.
فثبت بذلك أن ما قصده كان في النهي إلى الكنية دون الجمع بينها وبين الاسم.
ش: أي: وقد دل أيضًا على أن ما قصد بالنهي في الأحاديث السالفة هو التكني بكنيته مطلقًا: ما حدثنا. . . . إلى آخره.
وأخرج في ذلك عن أبي هريرة وجابر.
أما عن أبي هريرة فأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن محمَّد بن عجلان، عن أبيه عجلان مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، عن أبي هريرة.
وأخرجه الترمذي (١): عن قتيبة، عن الليث، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة: "أن النبي ﵇ نهى أن يجمع أحد بين اسمه وكنيته، وسمى محمدًا وأبا القاسم".
стр. 7202
قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.
وأخرجه أبو يعلى في "مسنده": ثنا أبو خيثمة، نا يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي، الله المعطي وأنا أقسم".
وأما عن جابر فأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن سليمان عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي، عن سفيان، عن حصين بن عبد الرحمن السلمي، عن سالم. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): عن هناد بن السَّري، عن عبثر، عن حصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله قال: "وُلد لرجل منا غلام فسماه محمدًا، فقلنا: لا نكنيك برسول الله ﵇ حتى نستأمره، فأتاه فقال: إنه ولد لي الليلة غلام فسميته برسول الله ﵇، وإن قومي أَبَوْا أن يكنوني به حتى نستأذن النبي ﵇، وقال: سموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي؛ فإنما بعثت قاسمًا أقسم بينكم".
الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن خازم -بالخاء والزاي المعجمتين- أبي معاوية الضرير، عن سليمان الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر.
وأخرجه مسلم (١) أيضًا عن أبي كريب، عن أبي معاوية، عن الأعمش نحوه.
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما حدثنا عبد الغني بن أبي عقيل، وحسين بن نصر، قالا: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، عن حميد الطويل، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: "كان النبي ﵇ في السوق فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول الله ﵇، فقال الرجل: إنما أدعو ذاك، فقال رسول الله ﵇: تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي".
стр. 7203
حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا حميد، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله.
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الأنصاري، قال: ثنا حميد، عن أنس، عن النبي ﵇ مثله.
فهذا يدل على أن نهي رسول الله ﵇ إنما هو التكني بكنيته خاصةً دون الجمع بينها وبين التسمية.
ش: أي احتجت الفرقة الأولى من أهل المقالة الثانية أيضًا بحديث أنس.
وأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن عبد الغني بن أبي عقيل المصري شيخ أبي داود، وعن حسين بن نصر، كلاهما عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي، عن شعبة، عن حميد الطويل، عن أنس.
وأخرجه مسلم (١): حدثني أبو كريب محمَّد بن العلاء، وابن أبي عمر -قال: أبو كريب: نا وقال ابن أبي عمر: ثنا واللفظ له- قال: ثنا مروان -يعنيان- الفزاري، عن حميد، عن أنس قال: "نادى رجل رجلًا بالبقيع: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول الله ﵇ فقال: يا رسول الله، إني لم أَعْنِكَ، إنما دعوت فلانًا، فقال رسول الله ﵇: تسموا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي".
الثاني: عن حسين بن نصر. . . . إلى آخره.
وأخرجه الترمذي (٢): عن الحسن بن علي الخلال، عن يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس، عن النبي ﵇: "أنه سمع رجلًا في السوق ينادي: يا أبا القاسم، فالتفت إليه النبي ﵇، فقال: لم أعنك، فقال النبي ﵇: لا تكتنوا بكنيتي".
стр. 7204
الثالث: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن محمَّد بن عبيد الله الأنصاري. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (١): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الوهاب الثقفي، عن حميد، عن أنس قال: "كان رسول الله ﵇ بالقيع، فنادى رجل رجلًا: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول الله ﵇، فقال: إني لم أعنك، فقال رسول الله ﵇: تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي".
ص: وقد ذهب إلى هذا المذهب إبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين: حدثنا أحمد بن الحسن الكوفي، قال: ثنا وكيع بن الجراح، عن مُحِلّ قال: "قلت لإبراهيم: أكانوا يكرهون أن يكنى الرجل بأبي القاسم وإن لم يكن اسمه محمدًا؟ قال: نعم".
فهذا إبراهيم يحكي هذا أيضًا عن مَن قبله، يريد بذلك أصحاب عبد الله أو مَن فوقهم.
وقد حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب، قال: ثنا يزيد بن إبراهيم، عن محمَّد بن سيرين، أن رسول الله ﵇ قال: "تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي قال: ورأيت محمَّد بن سيرين يكره أن يكتني الرجل أبا القاسم، كان اسمه محمدا أو لم يكن".
ش: أشار بهذا المذهب إلى قول الفرقة الأولى من أهل المقالة الثانية.
وأخرج عن إبراهيم النخعي من طريق أحمد بن الحسن بن القاسم بن سمرة الكوفي، فيه مقال، عن وكيع، عن مُحِلّ -بضم الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام- أبي محرز الضبي الكوفي الأعور -وثقه أحمد وابن معين.
وأخرج عن محمَّد بن سيرين: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخَصِيب -
стр. 7205
بفتح الخاء المعجمة وكسر الصاد المهملة- بن ناصح الحارثي البصري نزيل مصر، وثقه ابن حبان، عن يزيد بن إبراهيم القشيري البصري، روى له الجماعة.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع، عن ابن عون، قال: "قلت لمحمد: "أكان يكره أن يكنى الرجل بأبي القاسم وإن لم يكن اسمه محمدًا؟ قال: نعم".
قوله: "أكانوا يكرهون" الهمزة فيه للاستفهام، وأراد به أصحاب عبد الله بن مسعود مثل: علقمة بن قيس والأسود بن يزيد وشقيق بن سلمة ومسروق وأضرابهم. وأراد بقوله: "أوْ من فوقهم": الصحابة ﵃ لأن أصحاب عبد الله تابعين، ومَن فوق التابعين صحابة ﵃ وحكى البيهقي أن هذا هو مذهب الشافعي أيضًا.
وقال المنذري: اختلف هل النهي عام أو خاص؟
فذهبت طائفة من السلف إلى أن التكني وحده بأبي القاسم ممنوع كيف كان الاسم. وذهب آخرون من السلف إلى منع التكني بأبي القاسم وكذلك تسمية الولد بالقاسم، لئلا يكون سببًا للتكنية.
وذهب آخرون من السلف إلى أن الممنوع الجمع بين التكنية والاسم، وأنه لا بأس بالتكني بأبي القاسم مجردًا ما لم يكن الاسم محمدًا أو أحمد. وذهب آخرون -وشذوا- إلى منع التسمية باسم النبي ﵇ جملة وكيف ما كان يكنى. وذهب آخرون إلى أن النهي في ذلك منسوخ.
ص: وكان من حجة من ذهب إلى أن النهي في ذلك إنما هو على الجمع بين الكنية والاسم جميعًا: ما قد حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا عبد العزيز بن خطاب الكوفي، قال: ثنا قيس، عن ابن أبي ليلى، عن حفصة بنت البراء بن عازب، عن عمها عبيد بن عازب: "أن رسول ﵇ نهى أن يجمع بين اسمه وكنيته".
стр. 7206
حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني محمَّد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم الأزدي، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، قال: ثنا أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن سُمِّيَ باسمي فلا يكتني بكنيتي، ومَن اكتنى بكنيتي فلا يتسمى باسمي".
قالوا: فثبت بهذه الآثار أن ما نهى عنه رسول الله ﵇ من ذلك هو الجمع بين كنيته مع اسمه، وفي حديث جابر إباحة التكني بكنيته إذا لم يتسمَّ معها باسمه.
ش: أراد بهؤلاء الذين ذهبوا إلى أن النهي في ذلك هو الجمع بين التسمي والتكني: الفرقة الثانية من أهل المقالة الثانية.
قوله: "ما حدثنا" في محل الرفع على أنه اسم كان.
قوله: "من حجة" مقدمًا خبره، وأخرج لهم عن ثلاثة من الصحابة ﵃:
الأول: عن عبيد بن عازب.
أخرجه عن أحمد بن داود المكي، عن عبد العزيز بن خطاب الكوفي -نزيل البصرة، قال أبو حاتم: صدوق. روى له ابن ماجه والنسائي في "خصائص على ﵁" عن قيس بن الربيع الأسدي الكوفي، فيه كلام كثير، فعن يحيى: ضعيف. وعنه: ليس بشيء. وقال الجوزجاني: ساقط.
عن محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي القاضي، فيه مقال، عن حفصة بنت البراء بن عازب، عن عمها عبيد بن عازب الصحابي.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): أنا العباس بن الفضل الأسفاطي، ثنا عبد العزيز بن الخطاب، نا قيس بن الربيع، عن ابن أبي ليلى، عن حفصة بنت البراء بن عازب، عن عمها عبيد بن عازب، قال: قال رسول الله ﵇: "لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي".
стр. 7207
الثاني: عن أبي هريرة.
أخرجه بإسناد صحيح. عن فهد بن سليمان، عن سعيد بن الحكم المعروف -بابن أبي مريم المصري- شيخ البخاري، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن محمَّد بن عجلان المدني، عن أبيه عجلان مولى فاطمة بنت عتبة، عن أبي هريرة.
وأخرجه الترمذي (١) وأبو يعلى، وقد ذكرناه آنفًا.
الثالث: عن جابر بن عبد الله.
أخرجه بإسناد صحيح أيضًا، عن محمَّد بن خزيمة، عن مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب شيخ البخاري وأبي داود، عن هشام الدستوائي، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر.
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا الحسين بن حريث، قال: نا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﵇: "إذا سميتم باسمي فلا تكتنوا بكنيتي".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
ص: فكان من الحجة عليهم لأهل المقالة الأولى: أنه قد يحتمل أن يكون رسول الله ﵇ قصد بنهيه ذلك المذكور في حديث عبيد وأبي هريرة وجابر إلى الجمع بين الاسم والكنية، وأباح إفراد كل واحد منهما، ثم نهى بعد ذلك عن التكني بكنيته، فكان ذلك زيادة فيما تقدم من نهيه في ذلك.
ش: أي فكان من الدليل والبرهان على الفرقة الثانية من أهل المقالة الثانية؛ لأهل المقالة الأولى: أنه أي أن الشأن قد يحتمل، وأراد بهذا: الجواب عما احتج به هؤلاء فيما ذهبوا إليه بأحاديث عبيد بن عازب وأبي هريرة وجابر. وهو ظاهر.
стр. 7208
ص: فإن قال قائل: فما جَعَلَ ما قلتَ أولى من أن يكون نهى عن التكني بكنيته ثم نهى عن الجمع بين اسمه وكنيته، وكان ذلك إباحة لبعض ما كان وقع عليه نهيه قبل ذلك؟
قيل له: لأن نهيه عن التكني بكنيته في حديث أبي هريرة فيما ذكرنا معه من الآثار لا يخلو من أحد وجهين:
إما أن يكون متقدمًا للمقصود فيه إلى الجمع بين الاسم والكنية، أو متأخرًا عن ذلك، فإن كان متأخرًا عنه فهو زائد عليه غير ناسخ له، وإن كان متقدمًا له فقد كان ثابتًا ثم روي هذا بعده فنسخه، فلما احتمل ما قصد فيه إلى النهي عن الكنية أن يكون منسوخًا بعد علمنا بثبوته كان عندنا على أصله المتقدم وعلى أنه غير منسوخ حتى نعلم يقينًا أنه منسوخ، فهذا وجه النظر من طريق معاني الآثار.
ش: هذا السؤال وارد على قوله: "وأباح إفراد كل واحد منهما. . . ." إلى آخره. [وهو ظاهرٌ غنيٌّ عن مزيد بيان] (١).
قوله: "فما جعل" أي: أيُّ شيءٍ جعل ما قلتَ أولى من أن يكون. . . . إلى آخره.
قوله: "فهذا وجه هذا الباب. . . ." إلى آخره. أي: هذا الذي ذكرنا إلى هنا من طريق "شرح معاني الآثار".
ص: وأما وجهه من طريق النظرة فقد رأينا الملائكة لا بأس أن نتسمى بأسمائهم، فكذلك سائر الأنبياء ﵈ غير نبينا ﵇ فلا بأس أن يتسمى بأسمائهم ويُكنى بكناهم ويجمع بين اسم كل واحد منهم وكنيته، فهذا نبينا ﷺ لا بأس أن يتسمى باسمه، فالنظر على ذلك أن لا بأس أن يتكنى بكنيته، وأن لا بأس أن يجمع بين اسمه وكنيته، فهذا هو النظر في هذا الباب، غير أن اتباع ما ثبت عن رسول الله ﵇ أولى.
стр. 7209
فقد روي عن رسول الله ﵇ في ذلك أيضًا ما حدثنا يونس، قال: ثنا سفيان، عن ابن المنكدر سمع جابر بن عبد الله يقول: "ولد لرجل منا غلام فسماه القاسم، فقلت: لا نكنيك أبا القاسم ولا ننعمك عينًا. فأتى النبي ﵇، فذكر ذلك له، فقال: سم ابنك عبد الرحمن" فهذه الأنصار قد أنكرت على هذا الرجل أن يسمي ابنه القاسم، لئلا يكتني به وقصدوا بالكراهة في ذلك إلى الكنية خاصة، ثم لم ينكر ذلك عليهم رسول الله ﵇ لما بلغه، فدل ذلك أن نهي رسول الله ﵇ عن التكني بكنيته على أن لا يتكنى أحد بكنيته يتسمى مع ذلك باسمه أو لم يتسم به.
ش: أي: وأما وجه هذا الباب من طريق النظر والقياس، أراد أن [القياس يقتضي أن يباح] (١) التسمي باسم محمَّد والتكني بكنيته، كما يباح ذلك بأسماء سائر الأنبياء ﵈ وكناهم، وكما يتسمى بأسماء الملائكة، ولكن ما ثبت عن النبي ﵇ فالاتباع به أولى ويرفع به القياس، وقد ثبت عنه ﵇ أنه نهى عن التكني بكنيته سواء تسمّي مع ذلك باسمه أو لم يتسم، وقد أوضح ذلك الطحاوي بقوله: "فقد روي عن رسول الله ﵇".
وأخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن عيينة، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا عمرو الناقد محمَّد بن عبد الله بن نمير جميعًا عن سفيان، قال عمرو: ثنا سفيان بن عيينة، قال: ثنا ابن المنكدر، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "ولد لرجل منا. . . ." إلى آخره نحوه سواء.
فدل ذلك أن النهي من رسول الله ﵇ عن التكني بكنيته مطلقًا سواء تسمى مع ذلك باسمه أو لم يتسم.
قوله: "لا نكنيك" من كناه بكنيته بالتخفيف.
стр. 7210
قوله: "ولا ننعمك عينًا" بضم النون الأولى وسكون الثانية، والمعنى: لا تقر به عين، وهو نصب على التمييز، ومنه: أنعم الله بك عينًا، والمعنى: نعمك الله عينًا، أي: نعّم عينيك وأقرها، والألف زائدة وقد يحذ فوقها ويقولون: نعّمك الله عينًا.
ص: فإن قال قائلٌ: ففي هذا الحديث ما يدل على كراهة التسمّي بالقاسم.
قيل له: قد يجوز أن يكون ذلك مكروهًا كما ذكرت لقول رسول الله ﵇: "إنما أنا قاسم أقسم بينكم".
وقد يجوز أن يكون كره ذلك لأنهم كانوا يكنون الآباء بأسماء الأبناء، وقد كان أكثرهم لا يكتني حتى يولد له فيكتني باسم ابنه.
ش: أراد بهذا الحديث حديث جابر المذكور آنفًا.
والسؤال ظاهر، والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أن الكراهة تجوز أن تكون لقوله ﵇: "إنما أنا قاسم أقسم بينكم" فاختص باسم القاسم لذلك فكره أن يسمي غيره به.
والآخر: أن تكون الكراهة بسبب أنه تكون التسمية به ذريعة أن يكنى الآباء به، وقد نهى عن التكنية به كما مر فافهم.
ص: والدليل على ذلك ما حدثنا يونس، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله ابن عمرو، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن حمزة بن صهيب، عن أبيه صهيب ﵁ قال: قال لي عمر ﵁: "نعم الرجل أنت يا صهيب لولا خصال فيك ثلاث، قلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: تكنيت ولم يولد لك، وفيك سرف في الطعام، وانتميت إلى العرب ولست منهم.
قلت: أما قولك: تكنيت ولم يولد لك؛ فإن رسول الله ﵇ كناني أبا يحيى، وأما قولك: انتميت إلى العرب ولست منهم؛ فإني رجل من بني النمر بن قاسط سَبَتْنَا الروم من الطائف بعدما عقلت أهلي ونسبي.
وأما قولك: فيك سرف في الطعام؛ فإن رسول الله ﵇ قال: خياركم مَن أطعم الطعام".
стр. 7211
فهذا عمر ﵁ قد أنكر على صهيب أن يتكنى قيل أن يولد له، فدل ذلك أنهم أو أكثرهم لا يكتنون حتى يولد لهم فيكتنون بأبنائهم، فلما ولد لذلك الأنصاري ابن فَسُمِّي القاسم، أنكرت الأنصار ذلك عليه؛ لأنه إنما سمى به ليكنوه به، فأبوا ذلك وأنكروه عليه، فأثنى عليهم رسول الله ﵇ لذلك.
ش: أي الدليل على ما ذكرنا من أنهم أو أكثرهم كانوا لا يكتنون حتى يولد له. وهذا باب قد اختلفوا فيه، والصحيح أن ذلك يجوز.
والدليل على ذلك ما رواه البخاري وغيره من الجماعة (١) من حديث أنس قال: "كان رسول الله ﵇ يدخل علينا ولي أخ صغير يكنى أبا عمير، وكان له نغر يلعب به. . . ." الحديث.
قوله: "ما حدثنا" في محل الرفع على أنه خبر لقوله: "والدليل على ذلك".
ويونس هو ابن عبد الأعلى، يروي عن علي بن معبد بن شداد الرقي نزيل مصر من أصحاب محمَّد بن الحسن الشيباني، وثقه أبو حاتم وغيره.
عن عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الرقي، روى له الجماعة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب المدني، فيه مقال، فعن يحيى بن معين: ضعيف الحديث. وعنه: ليس بذاك. وقال البخاري: مقارب الحديث.
عن حمزة بن صهيب بن سنان المدني، وثقه ابن حبان، عن أبيه صهيب الصاحبي ﵁.
وأخرجه ابن ماجه (٢) مختصرًا: ثنا أبو بكر، قال: ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا زهير بن محمَّد، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن حمزة بن صهيب:
стр. 7212
"أن عمر ﵁ قال لصهيب: ما لك تكتني بأبي يحيى وليس لك ولد؟ قال: كناني رسول الله ﵇ بأبي يحيى".
وأخرجه ابن حبان مختصرًا معلقًا في ترجمة حمزة بن صهيب.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا محمَّد بن عمرو بن خالد الحراني، قال: ثنا أبي (ح).
وحدثنا جعفر بن محمَّد الفريابي، ثنا أبو جعفر النفيلي، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن حمزة بن صهيب، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب ﵁ قال له: يا صهيب، اكتنيت وليس لك ولد، وانتميت إلى العرب وأنت رجل من الروم؟! فقال: يا أمير المؤمنين، أما قولك: اكتنيت وليس لك ولد؛ فإن رسول الله ﵇ كناني بأبي يحيى، وأما قولك: انتميت إلى العرب وأنت رجل من الروم؛ فإني رجل من النمر بن قاسط سُبيتُ من الموصل بعد أن كنت غلامًا قد عرفت أهلي ونسبي".
قوله: "وفيك سَرَفٌ" بفتحتين أي إسراف وتبذير في النفقة.
قوله: "وانتميت" من الانتماء وهو الانتساب.
قوله: "من بني النَّمِر بن قاسط" ونَمِر -بفتح النون وكسر الميم أبو قبيلة، وهو نمر بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دُعْمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة، والنسبة إليه نَمُرِي بفتح الميم؛ استحسانًا لتوالي الكسرات؛ لأن فيه حرفًا واحدًا غير مكسور.
ص: وقد دل على ذلك أيضًا ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أسامة بن زيد، أن أبا الزبير المكي أخبر عن جابر بن عبد الله قال: "ولد لرجل منا غلام، فسماه القاسم وتكنى به، فأبت الأنصار أن تكنيه بذلك، فبلغ ذلك رسول الله ﵇ فقال: أحسنت الأنصار، تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي".
стр. 7213
ففي هذا الحديث ما قد دل على أن رسول الله ﵇ إنما حول اسم ذلك الصبي؛ لأن أباه تكنى به، فحوله إلى اسم يجوز لأبيه التكني به. وفيه ما يدل على أن النهي إنما قصد به إلى الكنية خاصة لا إلى الجمع بينها وبين الاسم. والله تعالى أعلم.
ش: [وقد دل على أن النهي إنما قصد به التكني] (١) خاصة: ما حدثنا إبراهيم ابن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن خالد [بن فروخ شيخ البخاري، عن عبد الله ابن لهيعة] (١) فيه مقال، عن أسامة بن زيد، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر.
[وأخرجه مسلم بطرق متعددة، وقد] (١) ذكرناه.
стр. 7214
ص: باب: السلام على أهل الكفر
ش: أي: هذا باب في بيان حكم السلام على أهل الكفر؛ هل يجوز أم لا؟
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن عمر بن رومي، قال: ثنا محمَّد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد: "أن النبي ﷺ مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين واليهود والمشركين من عبدة الأوثان، فسلم عليهم".
ش: [محمد بن عمر بن عبد الله بن رومي روى عنه البخاري] (١)، قال أبو زرعة: فيه لين. وقال أبو داود: ضعيف. ومحمد بن [ثور الصنعاني وثقه يحيى والنسائي] (١) وابن حبان. ومعمر هو ابن راشد، والزهري هو محمَّد بن مسلم.
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا يحيى بن موسى، ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن عروة، أن أسامة بن زيد أخبره: "أن النبي ﵇ مرَّ بمجلس فيه أخلاط من المسلمين واليهود، فسلم عليهم".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
قوله: "أخلاط" [جمع خلط بكسر الخاء، وأراد بها] (١) أنواع الناس والجماعات المتفرقة من المسلمين وأهل الكفر.
قوله: "من عبدة الأوثان" [العبدة جمع عابد، والأوثان] (١) جمع وثن، وهو الصنم، قاله الجوهري.
ويقال: الصنم ما يكون من الخشب أو [النحاس ونحوه من المعدنيات] (١) والوثن ما يكون من اللبد ونحوه.
стр. 7215
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أنه لا بأس أن يبتدأ أهل الكفر بالسلام، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عامرًا الشعبي وإبراهيم النخعي، وابن وهب، ومحمد بن كعب، ومحمد بن عجلان فإنهم قالوا: لا بأس بأن يبدأ المسلم أهل الكفر بالسلام، واحتجوا في ذلك بحديث أسامة بن زيد المذكور، وروي ذلك عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء وأبي أمامة وفضالة بن عبيد.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا إسماعيل بن عياش، عن محمَّد بن زياد الألهاني وشرحبيل بن مسلم عن أبي أمامة: "أنه كان لا يمر بمسلم ولا يهودي ولا نصراني إلا بدأه بالسلام".
حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ابن عجلان: "أن عبد الله وأبا الدرداء وفضالة ابن عبيد كانوا يبدأون أهل الشرك بالسلام" (٢).
حدثنا يحيى بن [هانئ] عن ابن عجلان، عن أبي عيسى قال: قال عبد الله: "إن من رأس التواضع أن تبدأ بالسلام من لقيت" (٣).
حدثنا وكيع، عن [سفيان]، عن عمار الدهني، عن رجل عن ابن عباس: "أنه كتب إلى رجل من أهل الكتاب: السلام عليك" (٤).
ص: وخالفهم في ذلك آخرون؛ فكرهوا أن يبتدأوا بالسلام، وقالوا: لا بأس بأن يرد عليهم إذا سلموا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: عمر بن عبد العزيز، ومجاهدًا والحسن البصري، والثوري وأبا حنيفة، وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا