فهذا عمر ﵁ قد أنكر على صهيب أن يتكنى قيل أن يولد له، فدل ذلك أنهم أو أكثرهم لا يكتنون حتى يولد لهم فيكتنون بأبنائهم، فلما ولد لذلك الأنصاري ابن فَسُمِّي القاسم، أنكرت الأنصار ذلك عليه؛ لأنه إنما سمى به ليكنوه به، فأبوا ذلك وأنكروه عليه، فأثنى عليهم رسول الله ﵇ لذلك.
ش: أي الدليل على ما ذكرنا من أنهم أو أكثرهم كانوا لا يكتنون حتى يولد له. وهذا باب قد اختلفوا فيه، والصحيح أن ذلك يجوز.
والدليل على ذلك ما رواه البخاري وغيره من الجماعة (١) من حديث أنس قال: "كان رسول الله ﵇ يدخل علينا ولي أخ صغير يكنى أبا عمير، وكان له نغر يلعب به. . . ." الحديث.
قوله: "ما حدثنا" في محل الرفع على أنه خبر لقوله: "والدليل على ذلك".
ويونس هو ابن عبد الأعلى، يروي عن علي بن معبد بن شداد الرقي نزيل مصر من أصحاب محمَّد بن الحسن الشيباني، وثقه أبو حاتم وغيره.
عن عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الرقي، روى له الجماعة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب المدني، فيه مقال، فعن يحيى بن معين: ضعيف الحديث. وعنه: ليس بذاك. وقال البخاري: مقارب الحديث.
عن حمزة بن صهيب بن سنان المدني، وثقه ابن حبان، عن أبيه صهيب الصاحبي ﵁.
وأخرجه ابن ماجه (٢) مختصرًا: ثنا أبو بكر، قال: ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا زهير بن محمَّد، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن حمزة بن صهيب:
стр. 7212
"أن عمر ﵁ قال لصهيب: ما لك تكتني بأبي يحيى وليس لك ولد؟ قال: كناني رسول الله ﵇ بأبي يحيى".
وأخرجه ابن حبان مختصرًا معلقًا في ترجمة حمزة بن صهيب.
وأخرجه الطبراني (١): ثنا محمَّد بن عمرو بن خالد الحراني، قال: ثنا أبي (ح).
وحدثنا جعفر بن محمَّد الفريابي، ثنا أبو جعفر النفيلي، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن حمزة بن صهيب، عن أبيه: "أن عمر بن الخطاب ﵁ قال له: يا صهيب، اكتنيت وليس لك ولد، وانتميت إلى العرب وأنت رجل من الروم؟! فقال: يا أمير المؤمنين، أما قولك: اكتنيت وليس لك ولد؛ فإن رسول الله ﵇ كناني بأبي يحيى، وأما قولك: انتميت إلى العرب وأنت رجل من الروم؛ فإني رجل من النمر بن قاسط سُبيتُ من الموصل بعد أن كنت غلامًا قد عرفت أهلي ونسبي".
قوله: "وفيك سَرَفٌ" بفتحتين أي إسراف وتبذير في النفقة.
قوله: "وانتميت" من الانتماء وهو الانتساب.
قوله: "من بني النَّمِر بن قاسط" ونَمِر -بفتح النون وكسر الميم أبو قبيلة، وهو نمر بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دُعْمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة، والنسبة إليه نَمُرِي بفتح الميم؛ استحسانًا لتوالي الكسرات؛ لأن فيه حرفًا واحدًا غير مكسور.
ص: وقد دل على ذلك أيضًا ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن خالد، قال: ثنا ابن لهيعة، عن أسامة بن زيد، أن أبا الزبير المكي أخبر عن جابر بن عبد الله قال: "ولد لرجل منا غلام، فسماه القاسم وتكنى به، فأبت الأنصار أن تكنيه بذلك، فبلغ ذلك رسول الله ﵇ فقال: أحسنت الأنصار، تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي".
стр. 7213
ففي هذا الحديث ما قد دل على أن رسول الله ﵇ إنما حول اسم ذلك الصبي؛ لأن أباه تكنى به، فحوله إلى اسم يجوز لأبيه التكني به. وفيه ما يدل على أن النهي إنما قصد به إلى الكنية خاصة لا إلى الجمع بينها وبين الاسم. والله تعالى أعلم.
ش: [وقد دل على أن النهي إنما قصد به التكني] (١) خاصة: ما حدثنا إبراهيم ابن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن خالد [بن فروخ شيخ البخاري، عن عبد الله ابن لهيعة] (١) فيه مقال، عن أسامة بن زيد، عن أبي الزبير محمَّد بن مسلم المكي، عن جابر.
[وأخرجه مسلم بطرق متعددة، وقد] (١) ذكرناه.
стр. 7214
ص: باب: السلام على أهل الكفر
ش: أي: هذا باب في بيان حكم السلام على أهل الكفر؛ هل يجوز أم لا؟
ص: حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن عمر بن رومي، قال: ثنا محمَّد بن ثور، قال: ثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد: "أن النبي ﷺ مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين واليهود والمشركين من عبدة الأوثان، فسلم عليهم".
ش: [محمد بن عمر بن عبد الله بن رومي روى عنه البخاري] (١)، قال أبو زرعة: فيه لين. وقال أبو داود: ضعيف. ومحمد بن [ثور الصنعاني وثقه يحيى والنسائي] (١) وابن حبان. ومعمر هو ابن راشد، والزهري هو محمَّد بن مسلم.
وأخرجه الترمذي (٢): ثنا يحيى بن موسى، ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن عروة، أن أسامة بن زيد أخبره: "أن النبي ﵇ مرَّ بمجلس فيه أخلاط من المسلمين واليهود، فسلم عليهم".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
قوله: "أخلاط" [جمع خلط بكسر الخاء، وأراد بها] (١) أنواع الناس والجماعات المتفرقة من المسلمين وأهل الكفر.
قوله: "من عبدة الأوثان" [العبدة جمع عابد، والأوثان] (١) جمع وثن، وهو الصنم، قاله الجوهري.
ويقال: الصنم ما يكون من الخشب أو [النحاس ونحوه من المعدنيات] (١) والوثن ما يكون من اللبد ونحوه.
стр. 7215
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أنه لا بأس أن يبتدأ أهل الكفر بالسلام، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: عامرًا الشعبي وإبراهيم النخعي، وابن وهب، ومحمد بن كعب، ومحمد بن عجلان فإنهم قالوا: لا بأس بأن يبدأ المسلم أهل الكفر بالسلام، واحتجوا في ذلك بحديث أسامة بن زيد المذكور، وروي ذلك عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود، وأبي الدرداء وأبي أمامة وفضالة بن عبيد.
وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا إسماعيل بن عياش، عن محمَّد بن زياد الألهاني وشرحبيل بن مسلم عن أبي أمامة: "أنه كان لا يمر بمسلم ولا يهودي ولا نصراني إلا بدأه بالسلام".
حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ابن عجلان: "أن عبد الله وأبا الدرداء وفضالة ابن عبيد كانوا يبدأون أهل الشرك بالسلام" (٢).
حدثنا يحيى بن [هانئ] عن ابن عجلان، عن أبي عيسى قال: قال عبد الله: "إن من رأس التواضع أن تبدأ بالسلام من لقيت" (٣).
حدثنا وكيع، عن [سفيان]، عن عمار الدهني، عن رجل عن ابن عباس: "أنه كتب إلى رجل من أهل الكتاب: السلام عليك" (٤).
ص: وخالفهم في ذلك آخرون؛ فكرهوا أن يبتدأوا بالسلام، وقالوا: لا بأس بأن يرد عليهم إذا سلموا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: عمر بن عبد العزيز، ومجاهدًا والحسن البصري، والثوري وأبا حنيفة، وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا
стр. 7216
والشافعي وأحمد وإسحاق، فإنهم قالوا: يكره أن يبتدئ المسلم أهل الكفر بالسلام، فإذا سلم عليه أحد من أهل الكفر يرد عليه ولا يزيد على قوله: وعليكم.
قال الحافظ المنذري: اختلف العلماء في رد السلام على أهل الذمة؛ فقالت طائفة: ردُّ السلام فريضة على المسلمين والكفار.
قالوا: وهذا تأويل قوله : ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (١) قال ابن عباس وقتادة وغيرهم: هي عامة في ردِّ السلام على المسلمين والكفار.
قال: وقوله تعالى: ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ يقول: وعليكم، للكفار، قال ابن عباس: ومن سلم عليك من خلق الله فاردد عليه ولو كان مجوسيًّا، وقالت طائفة أخرى: لا يرد السلام على أهل الذمة السلام المشروع وليرده عليهم بما جاء في الحديث: عليكم، وهذا قول أكثر العلماء. وقال ابن طاوس: يقول: علاك السلام أي ارتفع عنك، وفيما قاله نظر.
ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا فهد، قال: ثنا محمَّد بن سعيد، قال: أنا شريك وأبو بكر -يعني ابن عياش- عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "لا تبدءوهم بالسلام -يعني اليهود والنصارى".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا سفيان، عن سهيل. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: حدثني يحيى بن أيوب، عن سهيل. . . . فذكر بإسناده مثله.
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عياش الرقَّام، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني، عن
стр. 7217
أبي عبد الرحمن الجهني قال: قال رسول الله ﵇: "أنا راكب غدًا إلى يهود، فلا تبدئوهم، فإذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي قال: ثنا عبد الرحيم، عن محمَّد بن إسحاق. . . . فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: "فلا تبدءوهم بالسلام".
حدثنا فهد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن يزيد بن عبد الله اليزني، عن أبي بصرة الغفاري، عن رسول الله ﵇ مثله، غير أنه لم يقل: "بالسلام".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، أنه سمع أبا بصرة الغفاري يقول: إنه سمع رسول الله ﵇ يقول: "إني راكب إلى يهود؛ فإذا أتيتموهم فسلموا عليكم فقولوا: وعليكم".
حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عبد الحميد بن جعفر، قال: أخبرني يزيد بن أبي حبيب. . . . فذكر بإسناده مثله.
ففي هذه الآثار النهي عن ابتداء اليهود والنصارى بالسلام من قول رسول الله ﵇.
وفي الحديث الأول أن النبي ﵇ سَلَّمَ عليهم من قول أسامة؛ فقد يجوز أن يكون النبي ﵇ أراد بسلامِهِ مَن كان فيهم من المسلمين، ولم يُرِدْ اليهود والنصارى ولا عبدة الأوثان، حتى لا تتضاد هذه الآثار، وهذا الذي وصفنا جائز، فقد يجوز أن يسلم رجل على جماعة وهو يريد بعضهم، وقد يحتمل أن يكون النبي ﵇ سلم عليهم وأراد جميعهم؛ لأن ذلك كان في وقت قد أمر فيه أن لا يجادلهم إلا بالتي هي أحسن، فكان السلام من ذلك، ثم أُمر بقتالهم ومنابذتهم، فنسخ ذلك ما كان تقدم من سلامه عليهم.
ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث أبي هريرة وأبي عبد الرحمن الجهني وأبي بصرة الغفاري.
стр. 7218
أما حديث أبي هريرة فأخرجه من أربع طرق صحاح:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني، عن شريك بن عبد الله وأبي بكر بن عياش -بالياء آخر الحروف والشين المعجمة- كلاهما عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي هريرة.
وأخرجه مسلم (١): ثنا قتيبة بن سعيد، نا عبد العزيز -يعني الدراوردي- عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "لا تبدئوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيفه".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن سهيل. . . . إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": عن وكيع، عن سفيان، عن سهيل. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه مسلم (٢): عن محمد بن مثنى، عن محمد بن منصور، عن شعبة، عن سهيل. . . . إلى آخره نحوه.
الرابع: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وأخرجه ابن وهب في "مسنده".
وأخرجه أبو داود [. .] (٣).
قال ابن سعد: أسلم وصحب النبي وروى عنه [. .] (٣)، وسكن مصر [وأخرجه] (٣) من طريقين صحيحين:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن [. .] (٣) معمر بن الوليد القطان شيخ [. .] (٣).
стр. 7219
وأخرجه الطبراني: عن محمَّد بن عبد الله الحضرمي، عن يحيى الحماني، عن إسحاق بن عبد [. .] (١)، عن مرثد بن عبد الله. . . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي [. .] (١) عن عبد الرحيم [. .] (١) عن محمَّد بن إسحاق. . . . إلى آخره.
وأخرجه [. .] (١) رسول الله ﵇[. .] (١) بصرة بالباء الموحدة وسكون الصاد المهملة [. .] (١) وفتح الميم، وقيل: جميل بالجيم. والأول أصح.
وأخرجه من ثلاثة طرق:
الأول: إسناده صحيح، عن فهد بن سليمان، عن علي بن معبد، عن عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الرقّي، عن محمَّد بن إسحاق [. .] (١) عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي بصرة، عن رسول الله ﵇ قال: "أنا راكب إلى يهود [. .] (١) سلموا عليكم، فقولوا: وعليكم".
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن لهيعة المصري فيه مقال، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني.
الثالث: إسناده صحيح، عن أبي بكرة بكار القاضي، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد الحميد الأنصاري، عن يزيد بن أبي حبيب. . . . إلى آخره.
قوله: "ففي هذه الآثار" أراد بها الأحاديث التي رواها عن هؤلاء الثلاثة من الصحابة ﵃.
قوله: "فقد يجوز أن يكون النبي ﵇. . . ." إلى آخره.
إشارة إلى بيان وجه التوفيق بين هذه الأحاديث وبين حديث أسامة بن زيد المذكور في أول الباب.
стр. 7220
وبين ذلك من وجهين:
الأول: يجوز أن يكون ﵇ أراد بسلامه من كان المسلمين ولم يرد غيرهم من أهل الكفر.
والثاني: يجوز أن يكون قد سلم عليهم وأراد الجمع لأنه كان في ذلك الوقت مأمورًا بأن لا يجادلهم إلا بالتي هي أحسن، فكان السلام عليهم من الحسن ثم إن الله تعالى أمره بقتالهم ومنابذتهم، فنسخ ذلك [. .] (١) تقدم من سلامه عليهم، فيكون ما في حديث أسامة منسوخًا بالأحاديث المذكورة فافهم.
ص: فنظرنا في ذلك، فإذا ابن أبي داود قد حدثنا قال: ثنا أبو اليمان، قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد أخبره: "أن النبي ﷺ ركب على حمار، عليه إكاف على قطيفة، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن خزرج قبل وقعة بدر، فسار حتى مرّ بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي بن سلول، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر ابن أبي بن سلول أنفه بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا. فسلم النبي ﵇، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ القرآن قال عبد الله بن أبي بن سلول أيها المرء لا أحسن مما تقول إن كان حقًّا فلا تؤذينا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمَن جاءك فاقصص عليه، قال عبد الله بن رواحة: بل يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا؛ فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي ﵇ يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي ﵇ دابته، فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي ﵇: يا سعد، ألم تسمع إلى ما يقول أبو حباب، يعني ابن سلول؟ قال: كذا وكذا، قال سعد: يا رسول الله، اعف عنه واصفح، فوالذي نَزَّل عليك الكتاب، لقد جاءك الله بالحق الذي أُنزل عليك.
стр. 7221
ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يُتوِّجوه فَيُعَصِّبوه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شَرِقَ بذلك فذلك فعل به ما رأيت، فعفى عنه النبي ﵇، وكان النبي ﵇ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى؛ قال الله : ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١)، وقال الله : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ. . . .﴾ الآية (٢)، وكان النبي ﵇ يتأول العفو كما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم، فلما غزا النبي ﵇ بدرًا فقتل الله به مَن قتل مِن صناديد كفار قريش، قال أبي بن أبي سلول ومَن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه فبايعوا رسول الله ﵇ وأسلموا".
ففي هذا الحديث أن ما كان من تسليم النبي ﵇ كان في الوقت الذي أمره الله بالعفو عنهم والصفح، وترك مجادلتهم إلا بالتي هي أحسن، ثم نسخ الله ذلك، وأمره بقتالهم، فنُسخ مع ذلك السلام عليهم، وثبت قوله: "لا تبتدئوا اليهود ولا النصارى بالسلام، ومَن سلم عليكم، منهم فقالوا: وعليكم، حتى تردوا عليه ما قال" ونُهوا أن يزيدوهم على ذلك.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا ابن عون، عن حميد بن زاذويه، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "نُهينا أن نزيد أهل الكتاب على: وعليكم".
فبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏.
ش: أي نظرنا فيما ذكرنا من قولنا: ويحتمل أن يكون النبي ﵇ سلم عليهم. . . . إلى آخره، وأراد بذلك أنه لما نظر في ذلك المعنى وجد حديث أسامة بن زيد قد
стр. 7222
دل على أن ما كان من تسليمه ﵇ كان في الوقت الذي أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين وترك مجادلتهم إلا بالتي هي أحسن، ثم إن الله نسخ ذلك وأمره بقتال أهل الكفر ونسخ معه السلام عليهم، وثبت الأمر على قوله: "لا تبدئوا اليهود ولا النصارى بالسلام، ومَن سلم عليكم منهم فقولوا: وعليكم، حتى تردوا عليه ما قال".
وأخرج حديث أسامة بن زيد بإسناد صحيح عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي اليمان الحكم بن نافع البهراني الحمصي شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة دينار، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أسامة بن زيد.
وأخرجه البخاري (١) في تفسير سورة آل عمران: ثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد أخبره: "أن رسول الله ﵇ ركب على حمار على قطيفة فدكيَّة وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن خزرج قبل وقعة بدر، قال: حتى مرَّ بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول -وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين وعبدة الأوثان واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة. . . ." إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء.
وأخرجه البخاري أيضًا في الجهاد (٢) وفي اللباس (٣) عن قتيبة، عن أبي صفوان -وهو عبد الله بن سعيد الأموي- عن يونس.
وفي الأدب (٤) عن أبي اليمان، عن شعيب.
وفي الطب (٥) عن ابن بكير، عن الليث، عن عقيل.
стр. 7223
وفي الأدب (١) عن إسماعيل، عن أخيه، عن سليمان، عن محمَّد بن عتيق.
وفي الاستئذان (٢) عن إبراهيم بن موسى، عن هشام، عن معمر، كلهم عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بهذا.
وأخرجه مسلم (٣) في المغازي: عن إسحاق بن راهويه، ومحمد بن رافع وعبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر.
وعن (٤) محمَّد بن رافع، عن حجين بن المثنى، عن الليث، عن عقيل، كلهم عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بهذا.
قوله: "على حمار على إكاف على قطيفة". "الإكاف" بكسر الهمزة ما يشد على الحمار تحت الراكب، وكذلك الوكاف، ويجمع على آكف، يقال: أكفت الحمار وأوكفته إن شددت عليه الإكاف. و"القطيفة": كساء له خمل.
فإن قلت: ما موقع "على إكاف" وموقع "على قطيفة"؟.
قلت: الجملتان وقعتا حالين من الضمير الذي في "ركب" ولا يجوز أن يكون قوله: "على قطيفة" في محل الجر على أنها صفة لقوله: "إكاف"، والتقدير: على إكاف كائنة على قطيفة، لأن القطيفة فوق الإكاف.
فإن قيل: لم لا يجوز أن تكون على قطيفة بدلًا من قوله: على إكاف؛ لأن الإكاف هي القطيفة؟ والدليل عليه ما في رواية البخاري: "ركب على حمار على قطيفة فدكية".
قلت: قد جاء في رواية لأحمد (٥): "ركب حمارًا على إكاف عليه قطيفة فركية". فدل هذا على أنه كان على الحمار إكاف وفوقها قطيفة، وعلى أن في رواية البخاري اختصارًا. فافهم.
стр. 7224
قوله: "يعود" جملة حالية.
قوله: "أخلاط" أي جماعات من المسلمين وغيرهم.
قوله: "فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة" أي: فلما غلبت المجلس غبار الدابة، مِن غشي غشيانًا، والعجاج: الغبار والدخان أيضًا، والعجاج أخص منه.
قوله: "خمَّر" أي غطى. يقال: خمرت الإناء إذا غطيتها من التخمير وهو التغطية، ومنه اشتق الخمار والخَمْر.
قوله: "فاغشنا" أي أقرب إلينا، مِن غَشِيَه: إذا جاءه.
قوله: "يتثاورون" أي [يتوثبون] (١)، من المثاورة وهي [المثواثبة] (٢) وأصله من ثار الغبار يثور ثورًا وثورانًا إذا سطع، وأثاره غيره.
قوله: "أبو حباب" بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة كنية عبد الله بن أبي بن سلول، وكان حُبَاب اسم ابنه عبد الله بن عبد الله بن أُبي، وكان أبوه يكنى به، فلما أسلم حباب سماه رسول الله ﵇ عبد الله وكان من خيار الصحابة وفضلائهم، وكان أبوه عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين وهو الذي قال في غزوة بني المصطلق: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (٣).
قوله: "أهل هذه البحيرة" البحيرة مدينة الرسول ﵇، وهي تصغير البحرة، وقد جاء في رواية مُكَبَّرًا، والبَحْرة: البلدة، والعرب تسمي المدن والقرى: البحار.
قوله: "على أن يُتَوِّجُوه" من تَوَّجْتُه إذا ألبسته التاج، وأراد أنهم كانوا أرادوا أن يُوَلُّوه ملكًا عليهم، ويلبسونه تاج المملكة.
قوله: "فَيُعَصِّبوه" أي فيسودوه ويملكوه، وكانوا يسمون السيد المطاع معصبًا؛ لأنه يُعَصَّب بالتاج، أو يُعَصَّب أمور الناس: أي ترد عليه وتدار به.
стр. 7225
و"العمائم": تيجان العرب، وتسمى العصائب، واحدتها عصابة.
قوله: "شرقِ" بكسر الراء، أي غُص وشرق بريقه أو شرق، وهو مجاز عما ناله من أمر رسول الله ﵇ وحل به حتى كأنه شيء لم يقدر على إساغته وابتلاعه فغص به.
قوله: "وكان النبي ﵇ يتأول العفو" يعني يأخذه من قول الله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ (١) قوله: "من صناديد" جمع صنديد القوم، وهو سيدهم وكبيرهم.
ويستفاد منه أحكام:
فيه: الحث على التواضع والمسكنة؛ لأن ركوبه ﵇ الحمار من غاية تواضعه.
وفيه: جواز الارتداف على الدابة.
وفيه: عيادة المريض سُنَّة.
وفيه: جواز السلام على جماعة من المسلمين والكفار مختلطين، ولكن ينوي به المسلمين.
وفيه: أن الإِمام إذا رأى جماعة في موقع قاعدين يقف عندهم ويعظ لهم ويعلمهم ما يحتاجون لأمور دينهم.
وفيه: أنه إذا رآهم قد شرعوا في الضراب والنزل يُخَفِّضهم، ويصلح بينهم.
وفيه: الإشارة إلى استحباب العفو والصفح عن مَن ظلمه وآذاه.
وفيه: الدلالة على جواز اجتماع المسلمين مع أهل الكفر في موضع.
وفيه: أن الذي يأتي إلى قوم يسلم عليهم: فالراكب على الماشي والقائم على القاعد.
стр. 7226
وفيه: جواز بث ما فعله الظالم من فعله وقوله عند غيره في غيبته.
قوله: "ونهوا أن يزيدوهم على ذلك" أي: نُهى المسلمون أن يزيدوا أهل الكفر على قولهم: "وعليك" في رد السلام عليهم.
قوله: "حدثنا علي بن شيبة. . . ." إلى آخره بيان لقوله: ونهوا أن يزيدوهم على ذلك.
وإسناده صحيح.
وابن عون هو عبد الله بن عون المزني البصري، روى له الجماعة.
وحميد بن زاذويه -ويقال: ابن أبي زاذويه- مولى خزاعة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، التابعين وليس هذا بحميد الطويل.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا وكيع وأبو أسامة، عن ابن عون، عن حميد بن زاذويه، عن أنس قال: "نهينا أو أمرنا أن لا نزيد (على) (٢) أهل الكتاب على (وعليكم) ".
وروي أيضًا في هذا الباب عن عبد الله بن عمر ﵄.
أخرجه مسلم (٣): حدثني زهير بن حرب، قال: ثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﵇: "أن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم، فقولوا: وعليكم".
وأخرجه أبو داود (٤) أيضًا. وقال أبو داود: وكذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينار، ورواه الثوري عن عبد الله بن دينار قال فيه: "وعليكم".
стр. 7227
وأخرجه الترمذي (١) والنسائي (٢) أيضًا، وفي لفظ الترمذي ولفظ لمسلم والنسائي: "فقل: عليك" بغير واوٍ، قال الخطابي: هكذا يرويه عامة المحدثين: وعليكم بالواو، وكان سفيان بن عيينة يرويه: عليكم بحذف الواو وهو الصواب، وذلك أنه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودًا عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه؛ لأن الواو حرف العطف والاجتماع بين الشيئين.
قلت: قد أخرجه مسلم (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٢) من حديث إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار بغير واو أيضًا.
وقال بعضهم: أما من فسر السام بالموت فلا يبعد الواو، ومن فسره بالسآمة وهي الملالة أي يسأمون دينكم، فإسقاط الواو هو الوجه.
واختار بعضهم أن يُرَدُّ عليهم "السِّلام" -بكسر السين- وهي الحجارة ويقال: الأول أولى؛ لأن السنن وردت بما ذكرناه؛ ولأن الرد إنما يكون بجنس المردود لا بغيره. والله أعلم.
стр. 7228
ص: كتاب الصرف
ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الصرف، وهو من صرفت الدارهم بالدنانير، وبين الدرهمين صرف -أي فضل- لجودة فضة أحدهما.
والصرف عند الفقهاء هو بيع الثمن بالثمن، وفي اللغة هو النقل مما فيه نقل من يد إلى يد؛ ولهذا سمي مَنْ يتصرف فيه بالنقل صرَّافًا وصيرافًا وصيرفيًّا.
قال الجوهري: الصيرف: المحتال المتصرف فيه الأمور، والصيرفي: الصراف من المصارفة، وقوم صيارفة، والياء للنسبة، وقد جاء في الشعر: الصياريف، وقال (١):
تَنْفِي يَدَاها الحَصَى في كلِّ هاجرةٍ ... نَفْيَ الدراهم تَنْقَادُ الصياريف
لما احتاج إلى إتمام الوزن أشبع الحركة ضرورة حتى صارت حرفًا.
ولما كانت الحاجة ماسة إلى علم أحكام الصرف لما فيه من بيان أحكام الربا أيضًا أفرده بالذكر بكتاب مستقل غير تابع لكتاب البيوع وإلا كانت المناسبة تقتضي ذكره في كتاب البيوع.
فإن قيل: إن إفراده بالذكر لما ذكرت، ولكن المناسبة ذكره عقب كتاب البيوع؛ لأنه نوع من أنواع البيوع.
قلت: نعم، الأمر كذلك، ولكن اختار ذكره عقيب كتاب الكراهية الذي هو مشتمل على المحظورات والمباحات، فكذلك كتاب الصرف مشتمل على ما فيه الحظر وما فيه الإباحة. فافهم.
стр. 7229
ص: باب: الربا
ش: أي هذا باب في بيان أحكام الربا، وهو مصدر من رَبَى الشيء يربو إذا زاد، قال ابن الأثير: والأصل فيه الزيادة، رَبا المالُ يربوُ رَبْوًا إذا زاد وارتفع. والاسم: الرِّبَا مقصور. وفي الشرع: الزيادة على أصْل المال من غير عَقْد تَبَايُع، وله أحكام كثيرة في الفقه، يقال: أربَى الرجل يُربي فهو مُرْبٍ، ومنه الحديث: "من أجْبَي فقد أَرْبى" (١).
ص: حدثنا فهد بن سليمان بن يحيى، قال: ثنا محمَّد بن سعيد الأصبهاني، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد، أن رسول الله ﵇ قال: "إنما الربا في النسيئة".
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا حماد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن أسامة، عن رسول الله ﵇ مثله.
حدثنا إبراهيم بن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: ثنا خالد -هو ابن عبد الله الواسطي- عن خالد -هو الحذاء- عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﵇ قال: "لا ربا إلا في النسيئة".
حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن عطاء: "أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس ﵃ فقال: أرأيت قولك في الصرف يعني الذهب بالذهب بينهما فضل، أشيءٌ سمعته من رسول الله ﵇ أو شيء وجدته في كتاب الله ؟ فقال ابن عباس: أما كتاب الله فلا أعلمه، وأما رسول الله ﵇ فأنتم أعلم به، ولكن حدثني أسامة بن زيد أن رسول الله ﵇ قال: إنما الربا في النسيئة".
стр. 7230
حدثنا يونس، قال: أخبرني عبد الله بن نافع، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد قال: "قلت لابن عباس: أرأيت الذي تقول: الدينارين بالدينار والدرهمين بالدرهم؟ أشهد سمعت رسول الله ﵇ يقول: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، فقال ابن عباس: أنت سمعت هذا من رسول الله ﵇؟ فقلت: نعم، قال: فإني لم أسمع هذا، إنما أخبرنيه أسامة بن زيد، قال أبو سعيد: ونزع عنها ابن عباس".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون، قال: أنا قيس -هو ابن الربيع- عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح السمان قال: "قلت لأبي سعيد: أنت تنهى عن الصرف، وابن عباس يأمر به؟! فقال: لقد لقيت ابن عباس فقلت: ما هذا الذي نفتي به في الصرف أشيء وجدته في كتاب الله أو سمعته من رسول الله ﵇؟! قال: أنتم أقدم صحبة لرسول الله ﵇ مني، وما أقرأ من القرآن إلا ما تقرءون، ولكن أسامة بن زيد حدثني أن رسول الله ﵇ قال: لا ربا إلا في النسيئة".
ش: هذه ستة طرق:
الأول: رجاله رجال الصحيح ما خلا فهدًا.
وأخرجه مسلم: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم وعمرو الناقد، وابن أبي عمر - واللفظ لعمرو- قال إسحاق: أنا، وقال الآخرون: ثنا -سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: أخبرني أسامة بن زيد، عن النبي ﵇ قال: "إنما الربا في النسيئة".
وأخرجه النسائي (١): عن عمرو بن علي، عن سفيان بن عيينة، نحوه.
الثاني: إسناده صحيح أيضًا، عن نصر بن مرزوق. . . . إلى آخره.
وأخرجه أبو يعلى والبزار (٢) في "مسنديهما".
стр. 7231
الثالث: أيضًا صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن عون الواسطي البزاز، شيخ البخاري في كتاب الصلاة، عن خالد الطحان، عن خالد الحذاء. . . . إلى آخره.
وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا إسماعيل، قال: ثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﵇: "إنما الربا في النسأ".
الرابع: أيضًا صحيح، عن محمَّد بن عبد الله بن ميمون الإسكندراني شيخ أبي داود والنسائي، عن الوليد بن مسلم القرشي الدمشقي، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح المكي، عن أبي سعيد الخدري سعد بن مالك.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا الحكم بن موسى، قال: ثنا هقل، عن الأوزاعي، قال: حدثني عطاء بن أبي رباح: "أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس، فقال له: أرأيت قولك في الصرف، أشيئًا سمعته من رسول الله ﵇ أم شيئًا وجدته في كتاب الله ؟ قال ابن عباس: كلا، لا أقول، أما رسول الله ﵇ فأنتم أعلم به، وأما كتاب الله فلا أعلمه، ولكن حدثني أسامة بن زيد أن رسول الله ﵇ قال: ألا إنما الربا في النسيئة".
الخامس: أيضًا صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى. . . . إلى آخره.
قوله: "ونزع عنها ابن عباس" أي هذه الفتيا التي كان يفتي بها، وقد عقد الطبراني في "معجمه الكبير" (٣) لذلك بابًا فقال: باب البيان في نسخ ذلك ورجوع ابن عباس عن الصرف ونهيه عنه، ثم أخرج فيه أحاديث منها ما رواه عن علي بن عبد العزيز قال: ثنا أبو نعيم، ثنا عبد السلام بن حرب، عن مغيرة -يعني ابن
стр. 7232
مقسم- عن عبد الرحمن بن أبي نعم: "أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس، فشهد على رسول الله ﵇ أنه قال: الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلًا بمثل، فمن زاد فقد أربى. فقال ابن عباس: أتوب إلى الله تعالى مما كنت آمر به، ثم رجع".
وقال البزار في "مسنده" (١): وحديث أسامة الذي روي في ذلك لا نعلم أحدًا قال به إلا الناقل له، وقد أنكر أبو سعيد الخدري كل ذلك على ابن عباس وحدثه في ذلك بما توقف عنه ابن عباس في ذلك الوقت برواية أبي سعيد عن النبي ﵇، ولا نعلم أحدًا بعد من فقهاء الأمصار في جميع الأقطار قال بحديث أسامة.
السادس: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن عمرو بن عون الواسطي، عن قيس بن الربيع الكوفي، فيه مقال، عن حبيب بن أبي ثابت دينار، عن أبي صالح ذكوان الزيات. . . . إلى آخره.
وأخرجه الطبراني (٢): ثنا الحسين بن علي اليعمري، قال: ثنا القاسم بن عيسى الطائي، ثنا هشيم، عن سهل بن سالم، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح ذكوان: "أنه سأل ابن عباس عن بيع الذهب والفضة فقال: هو حلال بزيادة أو نقصان إذا كان يدًا بيد. قال أبو صالح: فسألت أبا سعيد الخدري عن ذلك فقال: هو حرام إلا مثلا بمثل، فأخبرت أبا سعيد بما قال ابن عباس وأخبرت ابن عباس بما قال أبو سعيد، فالتقيا وأنا معهما، فابتدأه أبو سعيد فقال: يا ابن عباس ما هذه الفتيا التي تفتي بها الناس في بيع الذهب والفضة تأمرهم أن يشتروه بنقصان أو زيادة ويدًا بيد؟! فقال ابن عباس: ما أنا أقدمكم صحبةً لرسول الله ﵇ وهذا أسامة بن زيد والبراء بن عازب يقولان: سمعنا النبي ﵇".
قوله: "في النسيئة" أي إنما الربا حاصل في النسيئة، وهي البيع إلى أجل معلوم، يريد أن بيع الربويات بالتأخير من غير تقابض هو الربا، وإن كان بغير زيادة، وأصلها من نسأت الشيء: أخرته، وكذلك أنسأته، فعلت وأفعلت بمعنى.
стр. 7233
والنُّساءة -بضم النون: التأخير، وكذلك النسيئة على وزن فعيلة، تقول: نسأته البيع وأنسأته وبعته بنساءة وبعته بِكُلأَة أي بأخرة، وكذلك بعته بنسيئة أي بأخرة، وقد ذكره الجوهري في نسأ مهموز، ثم هذه العبارة تقتضي أن تقتصر حرمة الربا في النسيئة؛ لأنه ذكرها بأداة القصر، فتقتضي جواز بيع الربويات متفاضلة مع التقابض كما ذهب إليه ابن عباس وطائفة من أهل العلم، كما نذكره إن شاء الله تعالى، ولكن المراد منه ربا القرآن الذي كان في النسيئة كما سيجيء مستقصًى إن شاء الله.
وقال عياض: جاء في رواية مسلم (١): "الربا في النسيئة" وفي بعض طرقه: "إنما الربا في النسيئة"، وفي بعض طرقه: "لا ربا فيما كان يدًا بيد".
وروى البخاري (٢): "لا ربا إلا في النسيئة".
فإن قيل: كيف الوجه في بناء هذه الأحاديث مع قوله: "الذهب بالذهب. . . . الحديث". وفي آخره: "مِثْلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد" فقد أثبت الربا مع كونه يدًا بيد وهذا يمنع من حمله على أن المراد به النسيئة، حتى يكون مطابقًا لما تعلق به ابن عباس.
قيل: عنه ثلاثة أجوبة:
الأول: معناه لا ربا؛ لأنه العروض وما في معناها مما هو خارج عن الستة المنصوص عليها وعن ما يقاس عليه، ولا شك أن العروض يدخلها الربا نسيئة.
والثاني: أن يكون المراد الأجناس المختلفة من هذه الستة وأما ما في معناها فإنه لا ربا فيها إلا مع النسيئة، فيحمل ما تعلق به ابن عباس على هذا؛ حتى لا يكون بين الأحاديث تعارض.
стр. 7234
والثالث: أراد به إثبات حقيقة الربا، وحقيقته أن يكون في الشيء نفسه، وهو الربا المذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (١)؛ لأنهم كانوا يقولون: إما أن تقضي أو تربي.
قوله: "أرأيت" معناه: أخبرني.
قوله: "أشيء سمعته" وقد جاء في رواية مسلم (٢) الوجهان الرفع والنصب.
قوله: "أما كتاب الله فلا أعلمه" معناه لا أعلمه فيه مذكورًا.
ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب مثلين بمثل جائز إذا كان يدًا بيد، واحتجوا في ذلك بما رويناه عن أسامة بن زيد، عن النبي ﵇.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: أبا مجلز لاحق بن حميد والحكم بن عتيبة وطاوسًا؛ فإنهم قالوا: بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب متفاضلا يجوز إذا كان يدًا بيد، وروي ذلك عن ابن عباس وأسامة بن زيد ﵃.
ص: وخالفهم في ذلك أكثر العلماء، فقالوا: لا يجوز بيع الفضة بالفضة ولا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل سواءً بسواءٍ يدًا بيدٍ.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم منهم الأئمة الأربعة وأصحابهم، وقالوا: لا يجوز بيع الجنس بالجنس من أحد النقدين إلا متماثلين يدًا بيدٍ.
ص: وكان من الحجة لهم في تأويل حديث ابن عباس عن أسامة ﵃ الذي ذكرناه في الفصل الأول أن ذلك الربا إنما عنى به ربا القرآن الذي كان أصله في النسيئة؛ وذلك أن الرجل كان يكون له على صاحبه الدين، فيقول له: أجلني به إلى كذا وكذا، بكذا وكذا درهمًا أزيدكها في دينك؛ فيكون مشتريًا للأجل بمال،
стр. 7235
فنهاهم الله عن ذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)، ثم جاءت السنة بعد ذلك بتحريم الربا في الفضل في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، وسائر الأشياء من المكيلات والموزونات على ما ذكره عبادة بن الصامت ﵁ عن رسول الله ﵇ فيما روينا عنه فيما تقدم من كتابنا هذا في باب بيع الحنطة بالشعير، فكان ذلك ربا حُرِّم بالسُّنة وتواترت به الآثار عن رسول الله ﵇ حتى قامت به الحجة، والدليل على أن ذلك الربا المحرم في هذه الآثار هو عين الربا الذي رواه ابن عباس عن أسامة عن رسول الله ﵇: رجوع ابن عباس إلى ما حدثه به أبو سعيد عن رسول الله ﵇ مما قد ذكرنا في هذا باب، فلو كان ما حدثه به أبو سعيد من ذلك في المعنى الذي كان أسامة حدثه به إذًا لما كان حديث أبي سعيد عنده بأولى من حديث أسامة، ولكنه لم يكن له علم بتحريم رسول الله ﵇ هذا الربا حتى حدثه به أبو سعيد، فعلم أن ما كان حدثه به أسامة عن رسول الله ﵇ كان في ربا غير ذلك الربا.
ش: أي: وكان من الدليل والبرهان لأهل هذه المقالة، وأراد به الجواب عن حديث أسامة بن زيد الذي رواه عن ابن عباس، وهو ظاهر.
قوله: "على ما ذكره عبادة بن الصامت" أخرج الطحاوي حديثه في باب بيع الحنطة بالشعير مرفوعًا من ستة طرق، وموقوفًا عليه، وقد ذُكِرَت هناك مفصلة، وقد ذكرنا أن مسلمًا وإسحاق بن راهوية والترمذي والنسائي أخرجوه، وقال الترمذي: على حديث أبي سعيد العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﵇ وغيرهم، وقال ابن قدامة: حديث الربا في النسيئة محمول على الجنسين، ولأنه مجمل وغير مفصل.
قوله: "والدليل" مبتدأ، وخبره قوله: "رجوع ابن عباس"، وقد ذكرنا عن قريب عن الطبراني روايته في رجوع ابن عباس، فروى إسحاق بن راهويه أيضًا عن روح،
стр. 7236
ثنا حيان بن عبيد الله -وكان رجل صدق- قال: "سألت أبا مجلز عن الصرف، فقال: يدًا بيد، كان ابن عباس لا يرى به بأسًا ما كان منه يدًا بيد، فأتاه أبو سعيد فقال له: ألا تتقي الله، حتى متى يأكل الناس الربا، أَوَ ما بلغك أن رسول الله ﵇ قال: التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والذهب بالذهب والفضة بالفضة؛ يدًا بيد عينًا بعين مثلًا بمثل، فما زاد فهو ربا؟! ثم قال: وكذلك ما يكال أو يوزن أيضًا، فقال ابن عباس لأبي سعيد: جزاك الله الجنة؛ ذكرتني أمرًا قد كنت أنسيته، فأنا أستغفر الله وأتوب إليه. فكان ينهى عنه بعد ذلك".
ص: فمما روي عن رسول الله ﷺ في نحو ما ذكره أبو سعيد: ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، قال: ثنا مالك بن أنس، عن مولى لهم، عن مالك بن أبي عامر، عن عثمان بن عفان ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين".
ش: "ما حدثنا" في محل الرفع على الابتداء، وخبره قوله: "فمما [روي] (١) عن رسول الله ﵇".
ورجاله ثقات غير أن يعقوب بن حميد فيه مقال، ومالك بن أبي عامر جد مالك بن أنس، روى له الجماعة.
والحديث أخرجه مالك في "موطإه" (٢) عن جده بلفظٍ بلغه عن جده مالك بن أبي عامر .. إلى آخره.
قال أبو عمر: هكذا هذا الحديث في "الموطإ" عند جماعة رواته فيما علمت.
ورواه ابن أبي حازم عن مالك، عن مولى لهم، عن مالك بن أبي عامر. وابن أبي حازم من كبار أصحاب مالك، ويقال: إن اسم هذا المولى سنان. ولا يصح.
стр. 7237
ويروي هذا الحديث بُكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن مالك بن أبي عامر، عن عثمان، مسندًا.
وأخرجه البزار في "مسنده" (١): ثنا عمرو بن مالك، قال: ثنا عبد الله بن وهب، قال: ثنا مخرمة -يعني ابن بكير- عن أبيه، قال: أخبرني سليمان بن يسار، أن مالك بن أبي عامر حدثه، عن عثمان بن عفان، عن النبي ﵇ قال: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين".
وهذا الحديث قد رواه أبو سهيل بن مالك، عن أبيه، عن عثمان، رواه عاصم بن عبد العزيز، وعاصم فليس بالقوي، ولا نعلم يروى عن عثمان إلا من حديث مالك بن أبي عامر عنه.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، أن حميد بن قيس حدثه، عن مجاهد المكي: "أن صائغًا سأل عبد الله بن عمر: إني أصوغ ثم أبيع الشيء بأكثر من وزنه ذلك، واستفضل من ذلك قدر علمي، فنهاه عبد الله بن عمر عن ذلك، فجعل الصائغ يرد عليه المسألة، ويأباه عليه عبد الله بن عمر، حتى انتهى إلى دابته أو إلى باب المسجد، فقال له عبد الله: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا ﵇ إلينا، وعهدنا إليكم".
ش: إسناده صحيح ورجاله ثقات.
وأخرجه مالك في "موطإه" (٢). وفيه:
النهي عن التفاضل بالدنانير والدراهم إذا بيع شيء منها بجنسه.
قال أبو عمر (٣): قوله: "الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم" إشارة إلى جنس الأصل لا إلى المضروب دون غيره، بدليل إرسال ابن عمر الجواب على
стр. 7238
سؤال الصائغ له عن الذهب المصوغ، بدليل قوله ﵇: "الفضة بالفضة والذهب بالذهب مثلًا بمثل وزنًا بوزن ولا أعلم أحدًا من العلماء حرم التفاضل في المضروب العين من الذهب والفضة المدرهمة دون التبر والمصوغ منهما إلا شيء جاء عن معاوية بن أبي سفيان روي عنه من وجوه، وقد أجمعوا على خلافه، فأغني إجماعهم على ذلك عن الاستشهاد فيه بغيره.
ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عفان، قال: ثنا همام، قال: ثنا قتادة، عن أبي الخليل، عن مسلم المكي، عن أبي الأشعث الصنعاني: أنه شهد خطبة عباة، أنه حدث عن النبي ﵇، أنه قال: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، والبر بالبر كيلًا بكيل، والشعير بالشعير، ولا بأس ببيع الشعير بالتمر والتمر أكثرهما يدًا بيد، والتمر بالتمر، والملح بالملح من زاد أو استزاد فقد أربى".
ش: أخرجه الطحاوي في باب بيع الشعير بالحنطة، عن سليمان بن شعيب، عن الخصيب بن ناصح، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم البصري، عن مسلم بن يسار المكي، عن أبي الأشعث شراحيل بن آدة الصنعاني، عن عبادة.
وهؤلاء كلهم ثقات، وقد ذكرنا هناك أن النسائي (١) أخرجه، واستوفينا الكلام في معناه وحكمه.
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: أنا حسين بن حفص الأصبهاني، قال: ثنا سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن عبادة بن الصامت، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، والبر بالبر مثلًا بمثل، والتمر بالتمر مثلًا بمثل، والملح بالملح مثلًا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى".
стр. 7239
ش: هذا أيضًا أخرجه في الباب المذكور، عن سليمان بن شعيب، عن وهيب، عن همام، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن عبادة.
وأخرجه الترمذي (١): ثنا سويد بن نصر، قال: أنا عبد الله بن المبارك، قال: أنا سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﵇. . . . إلى آخره نحوه. وقال: حديث حسن صحيح.
وأبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، أحد الأئمة الأعلام.
وأبو الأشعث شراحيل بن آدة الصنعاني.
ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا الفضل بن حبيب السراج، قال: ثنا حيان أبو زهير، عن ابن بريدة، عن أبيه: "إن النبي ﵇ اشتهى تمرًا فأرسل بعض أزواجه -ولا أراها إلا أم سلمة- بصاعين من تمر، فأتوا بصاع من عجوة، فلما رآه النبي ﵇ أنكره، فقال: من أين لكم هذا؟ قالوا: بعثنا بصاعين فأتينا بصاع، فقال: ردوه، فلا حاجة لي فيه".
ش: الفضل بن حبيب السراج مولى الأزد، ذكره ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل" وسكت عنه.
وحيَّان -بالحاء المهملة وتشديد الياء آخر الحروف- بن عبيد الله أبو زهير مولى بن عدي -ذكره ابن حبان في "الثقات".
وابن بريدة هو عبد الله بن بريدة، روى له الجماعة.
وأبوه بريدة بن الحصيب ﵁.
وأخرجه (ابن عدي) (٢) في ترجمة حيان.
стр. 7240
ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا عمر بن يونس، قال: ثنا عاصم بن محمَّد، قال: حدثني زيد بن محمَّد، قال: حدثني نافع، قال: "مشى عبد الله بن عمر إلى رافع بن خديج في حديث بلغه عنه في شأن الصرف، فأتاه فدخل عليه فسأله عنه، فقال رافع: سمعت رسول الله ﵇ يقول: لا تشفوا الدينار على الدينار، ولا الدرهم على الدرهم، ولا تبيعوا غائبًا منها بناجز، وإن استنظرك حتى يدخل عتبة بابه".
ش: أبو بكرة بكار القاضي، وعمر بن يونس بن القاسم الحنفي قاضي اليمامة، روى له الجماعة عن عاصم بن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، روى له الجماعة، وزيد بن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أخو عاصم بن محمَّد المذكور، روى له مسلم والنسائي.
قوله: "لا تَشِفُّوا" أي لا تزيدوا، يقال: شَفَّ الشيء يَشِفُّ، مثال حَمَلَ يَحْمِلُ حملًا إن زاد، والشَّف والشِّف: الثوب الرقيق، وقال الكسائي: شف الثوب يشفِ -بكسر- شفوفًا وشفيفًا إذا رقَّ حتى حكى ما تحته، وقال ابن السكيت: الشف أيضًا النقصان، وهو من الأضداد، يقال: هذا درهم يَشفُّ قليلًا أي ينقص، وقال ابن عباد: شف الشيء يشف إن تحرك وشف جسمه، يشف شفوفًا أي نحل، وشفه الهم يشُفَّه -بالضم- أي هزله، والشُّفافة -بالضم- بقية الماء في الإناء، والشفشاف الريح الباردة، وثوب شفشاف إذا لم يحكم عمله.
قوله: "بناجز" أي: حالٍ وحاضرٍ.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عارم، قال: أنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع قال: "انطلقت مع عبد الله بن عمر إلى أبي سعيد. . . . فذكر مثله غير قوله: "وإن استنظرك. . . ." إلى آخر الحديث، فإنه لم يذكره.
حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عبيد الله. . . . فذكر مثله بإسناده.
стр. 7241
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عارم -هو محمَّد بن الفضل السدوسي شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (١): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: نا ليث، ونا محمَّد بن رمح قال: أنا الليث، عن نافع: "أن ابن عمر قال له رجل من بني الليث: إن أبا سعيد الخدري يأثر هذا عن رسول الله ﵇-في رواية قتيبة- فذهب عبد الله ونافع معه -وفي حديث ابن رمح: قال نافع: فذهب عبد الله وأنا معه- والليثي حتى دخل على أبي سعيد الخدري فقال: إن هذا أخبرني أنك تخبر أن رسول الله ﵇ نهى عن بيع الورق بالورق إلا مثلا بمثل، وعن بيع الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، فأشار أبو سعيد بأصبعيه إلى عينيه وأذنيه فقال: أبصرت عيناي وسمعت أذناي رسول الله ﵇ يقول: لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثل، ولا تَشِفُّوا بعضه على بعض، ولا تبيعوا شيئًا غائبًا منه بناجز، إلا يدًا بيد".
الثاني: عن محمَّد بن نصر، عن أسد بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن عبيد الله ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع. . . . إلى آخره.
وأخرجه البزار في "مسنده": نا عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد بن سلمة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه لقي أبا سعيد الخدري، فحدثه أن رسول الله ﵇ قال: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم يدًا بيد مثلًا بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى".
وأخرج الطحاوي نحوه من حديث سالم بن عبد الله.
ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن حكيم بن جابر، عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: سمعت رسول الله ﵇ يقول: "الذهب بالذهب مثلًا بمثل الكفة بالكفة، والفضة بالفضة
стр. 7242
مثلًا بمثل الكفة بالكفة، والبر بالبر مثلا بمثل يدا بيد، والشعير بالشعير مثلا بمثل يدًا بيد، والتمر بالتمر مثلا بمثل يدًا بيد، حتى ذكر الملح".
ش: إسناده صحيح.
وحكيم بن جابر بن طارق الأحمسي، وثقه يحيى بن حبان.
وهذا الطريق أخرجه الطحاوي عن عبادة بن الصامت، في باب: "بيع الشعير بالحنطة متفاضلًا" من سبع طرق خلاف هذا الطريق.
وبهذا الطريق أخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" (١).
وأخرجه النسائي (٢) وساقه من وجه آخر، عن حكيم، قال: أخبرت عن عبادة. وقد شرحنا هذا الحديث هناك مستقصًى.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن، أن سهيل بن أبي صالح أخبره، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﵇ قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورِق بالورِق إلا وزنًا بوزن مثلًا بمثل سواءً بسواءٍ".
حدثنا ابن مرزوق قال: ثنا أبو عاصم، عن ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "الدرهم بالدرهم لا زيادة، والدينار بالدينار، ولا تَشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا غائبًا منها بناجز".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه أبي صالح ذكوان الزيات، عن أبي سعيد الخدري.
و"الوَرِق" بفتح الواو وكسر الراء: الفضة.
стр. 7243
قوله: "سواءً بسواءٍ" أي متساوية.
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد، عن عبد العزيز بن أبي رواد ميمون المكي، عن نافع .. إلى آخره.
وأخرجه البزار في "مسنده": نا محمَّد بن معمر، نا أبو عاصم، نا عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵇ أنه قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلًا بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى".
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني رجال من أهل العلم منهم مالك بن أنس، أن نافعًا مولى ابن عمر حدثهم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﵇ مثله.
ش: هذا طريق آخر وهو أيضًا صحيح.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١).
وأخرجه مسلم (٢): عن يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﵇ قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تَشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورِق بالورِق إلا مثلًا بمثل ولا تَشِفُّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز".
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا أخبره، عن عبد المجيد بن سهيل، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري، وعن أبي هريرة: "أن رسول الله ﵇ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال له رسول الله ﵇: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله؛ إنا لنأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاث، فقال رسول الله ﵇: فلا تفعل، بع الجميع بالدراهم ثم اشتر بالدراهم جنيبًا".
стр. 7244
ش: إسناد صحيح. ورجاله كلهم رجال الصحيح.
وأخرجه مالك في "موطإه" (١)، والبخاري (٢) ومسلم (٣) من حديث مالك نحوه.
وعبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري المدني.
قال أبو عمر: اختلف على مالك في اسم هذا الرجل، فقال يحيى بن يحيى عنه فيه: عبد الحميد، وتابعه ابن نافع وعبد الله بن يوسف التنيسي، وروى بعض أصحاب ابن عيينة عن ابن عيينة عنه حديثه هذا فقال فيه: عبد الحميد، كما قال يحيى وابن نافع والتنيسي.
وقال جمهور رواة "الموطإ" عن مالك فيه: عبد المجيد، وهو المعروف عند الناس، كذلك قال فيه الدراوردي وسليمان بن بلال وابن عيينة في غير هذا الحديث.
وقال أيضًا: ذكر أبي هريرة في هذا الحديث لا يوجد من غير رواية عبد الحميد ابن سهيل، وإنما يحفظ هذا الحديث لأبي سعيد الخدري، كذلك رواه قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري. انتهى.
وأخرج البيهقي (٤) هذا الحديث من حديث سليمان بن بلال، عن عبد المجيد بن سهيل، أنه سمع ابن المسيب، أن أبا هريرة وأبا سعيد حدثاه: "أن رسول الله ﵇ بعث أخا بني عدي الأنصاري، فاستعمله على خيبر فقدم معه جنيب، فقال: له رسول الله ﵇: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله؛ إنا نشتري الصاع بالصاعين من الجمع، فقال: لا تفعلوا، ولكن مثلا بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا وكذلك الميزان".
وقال أبو عمر (٥): كل من روى حديث عبد الحميد بن سهل هذا عنه بإسناده
стр. 7245
عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة وأبي سعيد، عن النبي ﵇، ذكر في آخره: "وكذلك الميزان"، إلا أن مالكًا لم يذكره في حديثه وهو أمر مجمع عليه لا خلاف بين أهل العلم فيه، كل يقول على أصله أن ماذا حكمه في الجنس الواحد من جهة التفاضل والزيادة لم يجز فيه الزيادة والتفاضل لا في كيل ولا في وزن، والوزن والكيل عندهم في ذلك سواء إلا ما كان أصله الكيل لا يباع إلا كيلًا وما كان أصله الوزن لا يباع إلا وزنًا، وما كان أصله الكيل فبيع وزنًا فهو عندهم مماثلة وإن كرهوا ذلك، وما كان موزونًا فلا يجوز (أن يباع) (١) كيلًا عندهم أجمعين؛ لأن المماثلة لا تدرك بالكيل إلا فيما كان كيلًا لا وزنًا اتباعًا للسنة، قال ﷺ : "البر بالبر مُدَّيْن بِمْدَّين".
وأجمعوا أن الذهب والورق والنحاس وما أشبه ذلك لا يجوز شيء من هذا كله كيلًا بكيل بوجه من الوجوه، وكذلك كل موزون لا يباع كيلًا بكيل على كل حال من الأحوال.
وأجمعوا أيضًا أن التمر بالتمر لا يجوز بعضه ببعض إلا مثلًا بمثل، وسواءٌ فيه الطيب والدون، وأما الجنيب من التمر فقيل: هو الجنس الواحد غير المختلط، والجمع المختلط، وقيل: الجنيب التمر الذي قد أخرج منه حشفه ورديئه، وبيع التمر الجمع بالدراهم وشراء الجنيب من رجل واحد يدخله ما يدخل الصرف في بيع الذهب بدراهم، والشراء بتلك الدراهم دنانير من رجل واحد في وقت واحد، والمراعاة في ذلك كله واحدة.
قلت: "الجنيب" -بفتح الجيم، وكسر النون، بعدها ياء آخر الحروف ساكنة، وفي آخره باء موحدة- قال ابن الأثير: هو نوع جيد معروف من أنواع التمر.
و"الجمع": بفتح الجيم وسكون الميم. قال ابن الأثير: كل لون من النخل لا يعرف اسمه فهو جمع، وقيل: الجمع تمر مختلط من أنواع متفرقة وليس مرغوبًا فيه وما يخلط إلا لردائته.
стр. 7246
ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا المعلى بن المنصور الرازي، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا أبو النضر، عن عبد الله بن حنين: "أن رجلًا من أهل العراق قال لعبد الله ابن عمر: "إن ابن عباس ﵃ قال -وهو علينا أمير: من أُعطي بالدرهم مائة درهم فليأخذها، فقال عبد الله بن عمر: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﵇: الذهب بالذهب وزنًا بوزن مثلًا بمثل فمن زاد فهو ربا. وقال ابن عمر: إن كنت في شك فاسأل أبا سعيد الخدري عن ذلك، فسأله، فأخبره أنه سمع ذلك من رسول الله ﵇، فقيل لابن عباس ما قال ابن عمر، فاستغفر ربه وقال: إنما هو رأى مني".
ش: أبو أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، شيخ النسائي وأبي عوانة الإسفراييني، وثقه أبو داود.
والمعلى بن منصور الرازي شيخ البخاري في غير الصحيح، وهو أحد أصحاب أبي حنيفة الأعلام، له ذكر في "الهداية"، قال العجلي: ثقة صاحب سنة، روى له الجماعة.
وابن لهيعة عبد الله بن لهيعة المصري، فيه مقال.
وأبو النضر -بالنون والضاد المعجمة- سالم بن أبي أمية القرشي المدني، روى له الجماعة.
وعبد الله بن حنين القرشي الهاشمي، مولى العباس بن عبد المطلب، روى له الجماعة.
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: "أن رجلًا أتى النبي ﵇ بتمر أنكره فقال: أنَّي لك هذا؟! قال: اشتريته بصاعين من تمر، قال: أضعفت أربيت -أو أربيت أضعفت".
حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خُشَيْش، قال ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام قال: ثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري، قال: "أتي النبي ﵇ بصاع تمر ريَّان، وكان تمر النبي ﵇ بقلًا، فقال: أنَّى لكم هذا؟ فقالوا:
стр. 7247
يا رسول الله، بِعْنَا صاعين من تمر بصاع من هذا، فقال: لا تفعلوا ذلك ولكن بيعوا تمركم واشتروا من هذا".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵇: "دينار بدينار، ودرهم بدرهم، وصاع تمر بصاع تمر، وصاع بُرٍّ بصاع بُرٍّ، وصاع شعير بصاع شعير لا فضل بين شيء من ذلك".
حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد، عن الأوزاعي عن يحيى قال: حدثني عقبة بن عبد الغافر، قال: حدثني أبو سعيد الخدري، قال: قال النبي ﷺ : "لا صاع تمر بصاعين، ولا حنطة بصاعين، ولا درهم بدرهمين".
ش: هذه أربعة طرق صحاح:
[. .] (١) عن يحيى بن سعيد القطان الأحول، عن [. .] (١).
وأخرجه أحمد في "مسنده" نا معتمر، عن [. .] (١) أتى رسول الله ﵇ بتمر فأنكره، فقال: أنى لك هذا؟ قال: اشتريته بصاعين تمر [. .] (١) ﷺ : أربيتم".
الثاني: رجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا ابن خشيش [. .] (١).
وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يحيى بن حبيب بن عربي قال: نا خالد بن الحارث، نا سعيد -يعني: ابن أبي عروبة- عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري: "أن النبي ﵇ أتي بتمر ريان -وكان تمر نبي الله ﵇ بعلًا فيه يبس- فقال: أنى لكم هذا التمر؟ فقالوا: ابتعنا صاعًا بصاعين من تمرنا. قال: لا، ولكن بع تمرك ثم ابتع حاجتك".
[. .] (١) من روى يروي من باب عمل يعلم وأراد به التمر الذي [. .] (١) بفتح الباء الموحدة وسكون العين المعجمة، أو هو التمر الذي [. .] (١) ولا غيرها، وفي تمرها يابسًا له صوت.
стр. 7248
الثالث: رجاله كلهم رجال الصحيح، [. .] (١) عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن الحارث بن عبد الرحمن القرشي العامري خال ابن أبي ذئب وثقه ابن حبان، وروى له الأربعة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي سعيد سعد بن مالك.
الرابع: عن محمَّد بن عبد الله، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن ابن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن عقبة بن عبد الغافر الأزدي العوذي البصري، روى له البخاري ومسلم.
وأخرجه مسلم (٢): ثنا إسحاق بن منصور قال: ثنا يحيى بن صالح الوحاظي قال: ثنا معاوية.
وحدثني محمَّد بن سهل التميمي وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي واللفظ لهما جميعًا، عن يحيى بن حسان قال: نا معاوية -وهو ابن سلام- قال: أخبرني يحيى -وهو: ابن أبي كثير- قال: سمعت عقبة بن عبد الغافر يقول: سمعت أبا سعيد يقول: "جاء بلال بتمر برني، فقال له رسول الله ﵇: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع لمطعم التيي، فقال رسول الله ﵇ عند ذلك: أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر، ثم اشتريه" لم يذكر ابن سهل في حديثه: "عند ذلك".
ص: حدثنا ابن مرزوق قال: نا عثمان بن عمر قال: أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسروق، عن بلال قال: "كان عندي مدّ تمر للنبي ﵇، فوجدت أطيب منه صاعًا بصاعين فاشتريت، فأتيت به النبي ﵇، فقال: من أين لك هذا يا بلال؟ فقال: اشتريته صاعًا بصاعين. فقال: رده، وردّ علينا تمرنا".
ش: إسناده صحيح. وإسرائيل هو ابن يونس بن [. .] (١) أبي إسحاق هو أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، ومسروق هو ابن الأجدع.
стр. 7249
وأخرجه الطبراني (١): نا محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا يحيى بن معين، ثنا عثمان بن عمر، نا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسروق، عن بلال ﵁ قال: "كان عندي تمر لرسول الله ﵇، فوجدت ما هو خير منه صاعًا بصاعين، فاشتريته، فأتيت به رسول الله ﵇، فقال: ما هذا؟ فقلت: اشتريت صاعًا بصاعين. فقال: رد علينا تمرنا (٢).
ص: رسول الله ﵇ يوم خيبر يبايع اليهود وفيه: "الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول الله ﵇: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن".
ش: عبد الله بن لهيعة فيه مقال.
وعامر بن يحيى بن جَشِيب الشرعبي المصري، وثقه أبو داود والنسائي، وروى له مسلم والترمذي وابن ماجه.
وخالد بن أبي عمران التجيبي التونسي قاضي إفريقية، قال ابن سعد: كان ثقة، روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
و"حَنَش" -بفتح الحاء المهملة والنون وفي آخره شين معجمة- بن عبد الله أبو رشدين الصنعاني، قال العجلي وأبو زرعة: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري.
و"السَّبَائي" -بفتح السين المهملة والباء الموحدة- نسبة إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
وفضالة بن عبيد بن نافذ الأنصاري الأوسي الصحابي ﵁.
وأخرجه أبو داود (٣): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا الليث، عن ابن أبي جعفر، عن الجلاح أبي كثير، قال: حدثني حنش الصنعاني، عن فضالة بن عبيد قال: "كنا مع رسول الله ﵇ يوم خيبر نبايع اليهود، الأوقية من الذهب بالدينار -قال غير
стр. 7250
قتيبة: بالدينارين والثلاثة- وقال رسول الله ﵇: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن".
ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا المعلى بن منصور، قال: أنا عباد وعبد العزيز ابن المختار، عن يحيى بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: "نهى النبي ﷺ أن نبيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، وأمرنا أن نبيع الذهب بالفضة، والفضة بالذهب كيف شئنا".
ش: المعلى قد مَرَّ عن قريب.
وعباد هو ابن العوام أبو سهل الواسطي، روى له الجماعة.
وعبد العزيز بن المختار الأنصاري الدباغ البصري، روى له الجماعة.
ويحيى بن أبي إسحاق الحضرمي البصري، روى له الجماعة.
وعبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي، روى له الجماعة.
وأبوه أبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي الصحابي ﵁.
وأخرجه النسائي (١): عن أحمد بن منيع، عن عباد بن العوام، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه نحوه.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا نافع بن يزيد، قال: أنا ربيعة بن سليم مولى عبد الرحمن بن حيان التجيبي، أنه سمع حنش الصنعاني يحدث عن رويفع بن ثابت في غزوة إياس قِبَلَ المغرب يقول: إن رسول الله ﷺ قال في غزوة خيبر: "بلغني أنكم تتبايعون المثقال بالنصف والثلثين، وإنه لا يصلح إلا المثقال بالمثقال والوزن بالوزن".
ش: ابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم المصري -شيخ البخاري.
ونافع بن يزيد الكلاعي المصري، روى له البخاري مستشهدًا، والباقون سوى الترمذي.