← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13667

نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار

بدر الدين العيني

Полный текст (8 697 стр.). Показаны 7246–7285 · переход к 7251.

стр. 7246

ص: حدثنا أبو أمية، قال: ثنا المعلى بن المنصور الرازي، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا أبو النضر، عن عبد الله بن حنين: "أن رجلًا من أهل العراق قال لعبد الله ابن عمر: "إن ابن عباس ﵃ قال -وهو علينا أمير: من أُعطي بالدرهم مائة درهم فليأخذها، فقال عبد الله بن عمر: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: قال رسول الله ﵇: الذهب بالذهب وزنًا بوزن مثلًا بمثل فمن زاد فهو ربا. وقال ابن عمر: إن كنت في شك فاسأل أبا سعيد الخدري عن ذلك، فسأله، فأخبره أنه سمع ذلك من رسول الله ﵇، فقيل لابن عباس ما قال ابن عمر، فاستغفر ربه وقال: إنما هو رأى مني". ش: أبو أمية محمَّد بن إبراهيم بن مسلم الطرسوسي، شيخ النسائي وأبي عوانة الإسفراييني، وثقه أبو داود. والمعلى بن منصور الرازي شيخ البخاري في غير الصحيح، وهو أحد أصحاب أبي حنيفة الأعلام، له ذكر في "الهداية"، قال العجلي: ثقة صاحب سنة، روى له الجماعة. وابن لهيعة عبد الله بن لهيعة المصري، فيه مقال. وأبو النضر -بالنون والضاد المعجمة- سالم بن أبي أمية القرشي المدني، روى له الجماعة. وعبد الله بن حنين القرشي الهاشمي، مولى العباس بن عبد المطلب، روى له الجماعة. ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: "أن رجلًا أتى النبي ﵇ بتمر أنكره فقال: أنَّي لك هذا؟! قال: اشتريته بصاعين من تمر، قال: أضعفت أربيت -أو أربيت أضعفت". حدثنا عبد الله بن محمَّد بن خُشَيْش، قال ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام قال: ثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري، قال: "أتي النبي ﵇ بصاع تمر ريَّان، وكان تمر النبي ﵇ بقلًا، فقال: أنَّى لكم هذا؟ فقالوا:

стр. 7247

يا رسول الله، بِعْنَا صاعين من تمر بصاع من هذا، فقال: لا تفعلوا ذلك ولكن بيعوا تمركم واشتروا من هذا". حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﵇: "دينار بدينار، ودرهم بدرهم، وصاع تمر بصاع تمر، وصاع بُرٍّ بصاع بُرٍّ، وصاع شعير بصاع شعير لا فضل بين شيء من ذلك". حدثنا محمَّد بن عبد الله بن ميمون، قال: ثنا الوليد، عن الأوزاعي عن يحيى قال: حدثني عقبة بن عبد الغافر، قال: حدثني أبو سعيد الخدري، قال: قال النبي ﷺ : "لا صاع تمر بصاعين، ولا حنطة بصاعين، ولا درهم بدرهمين". ش: هذه أربعة طرق صحاح: [. .] (١) عن يحيى بن سعيد القطان الأحول، عن [. .] (١). وأخرجه أحمد في "مسنده" نا معتمر، عن [. .] (١) أتى رسول الله ﵇ بتمر فأنكره، فقال: أنى لك هذا؟ قال: اشتريته بصاعين تمر [. .] (١) ﷺ : أربيتم". الثاني: رجاله كلهم رجال الصحيح ما خلا ابن خشيش [. .] (١). وأخرجه أحمد في "مسنده" (٢): ثنا يحيى بن حبيب بن عربي قال: نا خالد بن الحارث، نا سعيد -يعني: ابن أبي عروبة- عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري: "أن النبي ﵇ أتي بتمر ريان -وكان تمر نبي الله ﵇ بعلًا فيه يبس- فقال: أنى لكم هذا التمر؟ فقالوا: ابتعنا صاعًا بصاعين من تمرنا. قال: لا، ولكن بع تمرك ثم ابتع حاجتك". [. .] (١) من روى يروي من باب عمل يعلم وأراد به التمر الذي [. .] (١) بفتح الباء الموحدة وسكون العين المعجمة، أو هو التمر الذي [. .] (١) ولا غيرها، وفي تمرها يابسًا له صوت.

стр. 7248

الثالث: رجاله كلهم رجال الصحيح، [. .] (١) عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب المدني، عن الحارث بن عبد الرحمن القرشي العامري خال ابن أبي ذئب وثقه ابن حبان، وروى له الأربعة، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي سعيد سعد بن مالك. الرابع: عن محمَّد بن عبد الله، عن الوليد بن مسلم الدمشقي، عن عبد الرحمن ابن عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير الطائي، عن عقبة بن عبد الغافر الأزدي العوذي البصري، روى له البخاري ومسلم. وأخرجه مسلم (٢): ثنا إسحاق بن منصور قال: ثنا يحيى بن صالح الوحاظي قال: ثنا معاوية. وحدثني محمَّد بن سهل التميمي وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي واللفظ لهما جميعًا، عن يحيى بن حسان قال: نا معاوية -وهو ابن سلام- قال: أخبرني يحيى -وهو: ابن أبي كثير- قال: سمعت عقبة بن عبد الغافر يقول: سمعت أبا سعيد يقول: "جاء بلال بتمر برني، فقال له رسول الله ﵇: من أين هذا؟ فقال بلال: تمر كان عندنا رديء، فبعت منه صاعين بصاع لمطعم التيي، فقال رسول الله ﵇ عند ذلك: أوه عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر، ثم اشتريه" لم يذكر ابن سهل في حديثه: "عند ذلك". ص: حدثنا ابن مرزوق قال: نا عثمان بن عمر قال: أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسروق، عن بلال قال: "كان عندي مدّ تمر للنبي ﵇، فوجدت أطيب منه صاعًا بصاعين فاشتريت، فأتيت به النبي ﵇، فقال: من أين لك هذا يا بلال؟ فقال: اشتريته صاعًا بصاعين. فقال: رده، وردّ علينا تمرنا". ش: إسناده صحيح. وإسرائيل هو ابن يونس بن [. .] (١) أبي إسحاق هو أبو إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، ومسروق هو ابن الأجدع.

стр. 7249

وأخرجه الطبراني (١): نا محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة قال: ثنا يحيى بن معين، ثنا عثمان بن عمر، نا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسروق، عن بلال ﵁ قال: "كان عندي تمر لرسول الله ﵇، فوجدت ما هو خير منه صاعًا بصاعين، فاشتريته، فأتيت به رسول الله ﵇، فقال: ما هذا؟ فقلت: اشتريت صاعًا بصاعين. فقال: رد علينا تمرنا (٢). ص: رسول الله ﵇ يوم خيبر يبايع اليهود وفيه: "الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول الله ﵇: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن". ش: عبد الله بن لهيعة فيه مقال. وعامر بن يحيى بن جَشِيب الشرعبي المصري، وثقه أبو داود والنسائي، وروى له مسلم والترمذي وابن ماجه. وخالد بن أبي عمران التجيبي التونسي قاضي إفريقية، قال ابن سعد: كان ثقة، روى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. و"حَنَش" -بفتح الحاء المهملة والنون وفي آخره شين معجمة- بن عبد الله أبو رشدين الصنعاني، قال العجلي وأبو زرعة: ثقة. روى له الجماعة إلا البخاري. و"السَّبَائي" -بفتح السين المهملة والباء الموحدة- نسبة إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وفضالة بن عبيد بن نافذ الأنصاري الأوسي الصحابي ﵁. وأخرجه أبو داود (٣): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا الليث، عن ابن أبي جعفر، عن الجلاح أبي كثير، قال: حدثني حنش الصنعاني، عن فضالة بن عبيد قال: "كنا مع رسول الله ﵇ يوم خيبر نبايع اليهود، الأوقية من الذهب بالدينار -قال غير

стр. 7250

قتيبة: بالدينارين والثلاثة- وقال رسول الله ﵇: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن". ص: حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا المعلى بن منصور، قال: أنا عباد وعبد العزيز ابن المختار، عن يحيى بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: "نهى النبي ﷺ أن نبيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، وأمرنا أن نبيع الذهب بالفضة، والفضة بالذهب كيف شئنا". ش: المعلى قد مَرَّ عن قريب. وعباد هو ابن العوام أبو سهل الواسطي، روى له الجماعة. وعبد العزيز بن المختار الأنصاري الدباغ البصري، روى له الجماعة. ويحيى بن أبي إسحاق الحضرمي البصري، روى له الجماعة. وعبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي، روى له الجماعة. وأبوه أبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي الصحابي ﵁. وأخرجه النسائي (١): عن أحمد بن منيع، عن عباد بن العوام، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه نحوه. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا نافع بن يزيد، قال: أنا ربيعة بن سليم مولى عبد الرحمن بن حيان التجيبي، أنه سمع حنش الصنعاني يحدث عن رويفع بن ثابت في غزوة إياس قِبَلَ المغرب يقول: إن رسول الله ﷺ قال في غزوة خيبر: "بلغني أنكم تتبايعون المثقال بالنصف والثلثين، وإنه لا يصلح إلا المثقال بالمثقال والوزن بالوزن". ش: ابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم المصري -شيخ البخاري. ونافع بن يزيد الكلاعي المصري، روى له البخاري مستشهدًا، والباقون سوى الترمذي.

стр. 7251

وربيعة بن سُليم -ويقال: ابن أبي سليم، ويقال: ابن سُليمان، ويقال: ابن أبي سليمان- التجبي المصري، وثقه ابن حبان. وحنش مَرَّ ذكره عن قريب. ورويفع بن ثابت بن سكن الأنصاري، نزيل مصر، توفي ببرقة وهو أمير عليها. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١): ثنا يحيى بن أيوب الملائي، ثنا سعيد بن أبي مريم، ثنا نافع بن يزيد. . . . إلى آخره نحوه سواء. ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: سمعت مالكًا يقول: حدثني موسى بن أبي تميم، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة أن رسول الله ﵇ قال: "الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا زهير بن محمَّد، عن موسى بن أبي تميم. . . . فذكر بإسناده مثله. ش: هذان طريقان صحيحان: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك. . . . إلى آخره. وأخرجه مالك في "موطإه" (٢). ومسلم (٣): عن أبي الطاهر عن ابن وهب، عن مالك. . . . إلى آخره نحوه. الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن زهير بن محمَّد التميمي العنبري الخرقي، عن موسى بن أبي تميم، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة.

стр. 7252

وأخرجه مسلم (١): عن عبد الله بن مسلمة، قال: ثنا سليمان -يعني ابن بلال- عن موسى بن أبي تميم، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﵇ قال: "الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما". وهذا كما رأيت قد أخرج الطحاوي أحاديث هذا الباب عن اثني عشر نفرًا من الصحابة ﵃ وهم: عثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وعبادة بن الصامت وبريدة ابن الخصيب، ورافع بن خديج وأبو سعيد الخدري وعمر بن الخطاب وبلال المؤذن وفضالة بن عبيد وأبو بكرة نفيع بن الحارث ورويفع بن ثابت وأبو هريرة ﵃. قلت: وفي الباب عن أبي بكر حديثه عند البزار، وهشام بن عامر حديثه عند الطبراني، والبراء بن عازب حديثه عند الشيخين، وزيد بن عاصم حديثه عند الشيخين أيضًا، وأبي الدرداء حديثه عند النسائي. وقد ذكرنا الجميع بأسانيده في باب بيع الشعير بالحنطة متفاضلًا. ص: قال أبو جعفر ﵀: فثبتت بهذه الآثار المتواترة عن رسول الله ﵇ النهي عن بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب متفاضلة. وكذلك سائر الأشياء التي قد ذكرت في هذه الآثار التي رويناها، فالعمل بها أولى من العمل بحديث أسامة الذي قد يجوز أن يكون تأويله على ما قد ذكرنا في هذا الباب. ش: أراد بهذه الآثار: الأحاديث التي أخرجها عن الصحابة المذكورين، وأراد بالتواتر التكاثر والظهور، والتأويل الذي ذكره في حديث أسامة هو قوله: وكان من الحجة لهم في تأويل حديث ابن عباس عن أسامة ﵃ وقد مَرَّ مستوفًى. ص: ثم هذا أصحاب رسول الله ﵇ من بعده قد ذهبوا في ذلك إلى ما تواترت به الروايات عن رسول الله ﵇ أيضًا: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن جبلة بن سحيم، قال: سمعت ابن عمر ﵄ يقول: "خطب عمر ﵁ فقال: لا يشتري أحدكم دينارًا

стр. 7253

بدينارين ولا درهمًا بدرهمين ولا نقيرًا بنقيرين، إني أخشى عليكم الرماء، وإني لا أوتى بأحد فعله إلا قد أوجعته عقوبةً في نفسه وماله". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، عن شعبة، عن الأشعث، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال عمر ﵁: "لا يأخذ أحدكم درهما بدرهمين؛ فإني أخشى عليكم الرماء". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا أبي، قال: سمعت نافعًا، قال: حدثني ابن عمر، قال: خطب عمر ﵁ فقال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورِق بالورِق إلا مثلًا بمثل، ولا تَشِفُّوا بعضها على بعض؛ فإني أخاف عليكم الرماء". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عارم، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر ﵁ مثله. قال أبو جعفر: فهذا عمر بن الخطاب يخطب بهذا على منبر رسول الله ﵇ بحضرة أصحابه، فلا ينكره عليه مُنْكِر، فدل ذلك على موافقتهم له عليه. ش: أراد أن الصحابة ﵃ قد ذهبوا في ذلك أي في بيع أحد النقدين بالآخر إلى ما تواترت -أي تكاثرت- به الروايات عن النبي ﵇ أيضًا. وأخرج في ذلك عن عمر بن الخطاب من أربع طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن شعبة، عن جبلة بن سحيم التيمي الكوفي، عن عبد الله بن عمر. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): ثنا علي بن مسهر، عن الشيباني، عن جبلة بن سحيم، عن عبد الله بن عمر، عن عمر قال: "أيها الناس لا تشتروا دينارًا بدينارين ولا درهمًا بدرهمين، فإني أخاف عليكم الرماء، قيل: وما الرماء؟ قال: هو الذي تدعونه الربا".

стр. 7254

الثاني: عن ابن مرزوق أيضًا، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن الأشعث بن أبي الشعثاء الكوفي، عن أبيه أبي الشعثاء سُليم بن أسود بن حنظلة المحاربي الكوفي، عن عبد الله بن عمر. الثالث: عن ابن مرزوق أيضًا، عن وهب بن جرير، عن أبيه جرير بن حازم، عن نافع، عن ابن عمر ﵄. وأخرجه البيهقي في "سننه" (١): من حديث جرير بن حازم، سمعت نافعًا يقول: "كان ابن عمر يحدث عن عمر في الصرف ولم يسمع فيه من النبي ﵇ شيئًا، قال: قال عمر ﵁: "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الوَرِق بالوَرِق إلا مثلًا بمثل سواءً، ولا تَشِفُّوا بعضه على بعض؛ إني أخاف عليكم الرماء. قلت لنافع: وما الرماء؟ قال: الربا". الرابع: عن ابن مرزوق أيضًا، عن عارم -وهو محمَّد بن الفضل السدوسي- شيخ البخاري، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر. قوله: "الرماء" بفتح الراء والميم ممدودا، وهي الزيادة على ما لا يحل، ويروى: الأرماء، يقال: أرمى على الشيء إرماءً إذا زاد عليه، كما يقال: أربى إرباء. قوله: "ولا تَشِفُّوا" أي لا تفضلوا، من الشف وهو الربح والزيادة، وقد حققناه مرة. ص: ثم قد روي في ذلك أيضًا عن أبي بكر وعلي وغيرهما من أصحاب رسول الله ﵇ ما يوافق ذلك أيضًا: حدثنا بحر بن نصر، عن شعيب بن الليث، عن موسى بن عُلَيّ، حدثه عن أبيه، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص قال: "كتب أبو بكر الصديق ﵁ إلى أمراء الأجناد حين قدموا الشام: أما بعد، فإنكم قد هبطتم أرض الربا فلا تتبايعوا الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن، ولا الورق بالورق إلا وزنًا بوزن، ولا الطعام

стр. 7255

بالطعام إلا كيلًا بكيل. قال أبو قيس: قرأت كتابه". ش: أي: ثم قد روي في النهي عن بيع أحد النقدين بالآخر متفاضلا، عن أبي بكر وعلي بن أبي طالب ما يوافق ما روي عن عمر بن الخطاب ﵃. وإسناد ما رواه عن أبي بكر صحيح. وموسى بن عُلَيّ -بضم العين وفتح اللام- أبو عبد الرحمن المصري أمير مصر لأبي جعفر المنصور، وثقه يحيى وأحمد والنسائي. وأبوه: عُلي بن رباح اللخمي أبو موسى المصري، قال العجلي: مصري تابعي ثقة. روى له الجماعة؛ البخاري في غير "الصحيح". وأبو قيس مولى عمرو بن العاص اسمه عبد الرحمن بن ثابت، روى له الجماعة. ص: حدثنا فهد، قال: ثنا الحسن بن الربيع، قال: ثنا أبو إسحاق الفزاري، عن المغيرة بن مقسم، عن أبيه، عن أبي صالح السمان قال: "كنت جالسًا عند علي بن أبي طالب ﵁ فأتاه رجل فقال: تكون عندي الدراهم فلا تنفق في حاجتي، أفأشتري بها دراهم تجوز عني وأُهْضَمُ فيها؟ قال: فقال علي ﵁: لا، اشتر بدراهمك ذهبًا ثم اشتر بذهبك وَرِقًا ثم أنفقها فيما شئت". ش: الحسن بن ربيع البجلي، شيخ الجماعة غير الترمذي. وأبو إسحاق الفزاري اسمه إبراهيم بن محمَّد بن الحارث الكوفي روى له الجماعة. والمغيرة بن مقسم الضبي الكوفي الفقيه الأعمى، روى له الجماعة. وأبوه: مقسم الضبي، مسكوت عنه (١). وأبو صالح السمان اسمه ذكوان، روى له الجماعة. قوله: "فلا تُنْفَق" على صيغة المجهول، أراد أنها لا تروج ولا تؤخذ في البيع والشراء.

стр. 7256

قوله: "أفأشتري بها" الهمزة فيه للاستفهام، أي: هل أشتري بتلك الدراهم التي لا تنفق دراهم نافقة وهو معنى قوله: "تجوز عني". وقوله: "واهضم فيها" أي أترك منها شيئًا، من قولهم: هضمت لك من حقي طائفة أي: تركت، وأصل الهضم: الكسر. قال الجوهري: هضمت الشيء: كسرته، يقال: ... (١) ... أسامة مما لم يثبته منه حديث أسامة مِن كثرة مَن نقله له من رسول الله ﷺ حتى قامت عليه به الحجة ولم يكن ذلك من حديث أسامة؛ لأنه خبر واحدٍ، فرجع إلى ما جاءت به الجماعة الذين تقوم بنقلهم الحجة، وترك ما جاء به الواحد الذي قد يجوز عليه السهو والغلط والغفلة، والذي ثبتنا في الصرف هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: لما أَوَّلَ ما روي عن ابن عباس ﵄ من ذهابه إلى ما رواه عن أسامة بن زيد: "إنما الربا في النسيئة" بالتأويل المذكور؛ أَيَّدَ صحته بما روي عنه أنه رجع عن ذلك، وذلك لا يخلو عن أمرين: أحدهما: أنه كان قد علم أن الذي حدثه أسامة إنما هو ربا القرآن، وعلم أن الربا الذي بالسنة خلاف ذلك. والآخر: أنه كان قد ثبت عنده ما يخالف حديث أسامة، والدليل عليه ما أخرجه عن نصر بن مرزوق، عن الخَصَيب -بفتح الخاء المعجمة- بن ناصح الحارثي البصري، عن حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة المنذر بن مالك العوقي، عن أبي الصهباء صهيب مولى ابن عباس، وثقه ابن حبان، وروى له مسلم وأبو داود والنسائي. وأخرج مسلم (٢): نا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا عبد الأعلى، قال: أنا داود،

стр. 7257

عن أبي نضرة قال: "سألت ابن عمر وابن عباس ﵃ عن الصرف [فلم يريا به بأسًا، فإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري، فسألته عن الصرف] (١)، فقال: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك؛ لقولهما،، فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله ﵇، جاءه صاحب نخله بصاع من تمر طيب، وكان تمر النبي ﵇ هذا اللون، فقال له النبي ﵇: أَنَّى لك هذا؟ قال: انطلقت بصاعين فاشتريت به هذا الصاع، فإن سعر هذا في السوق كذا وسعر هذا كذا، فقال رسول الله ﵇: ويلك؛ أربيت، إذا أردت ذلك فبع تمرك سلعة ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت. قال أبو سعيد: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا أم الفضة بالفضة؟ قال: فأتيت ابن عمر بعد فنهاني، ولم آت ابن عباس، قال: فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عنه بمكة فكرهه". وقال ابن حزم (٢): وروى عنه أبو الصهباء أنه كرهه. وروى عنه طاوس ما يدل على التوقف، وروى الثقة المختص به خلاف ذلك كما حدثنا [هُمَام] (٣)، ثنا عباس بن أصبغ، ثنا محمَّد بن عبد الملك بن أيمن، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبي، نا هشيم، أنا أبو بشر -هو جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "ما كان الربا قط في هاء وهات. وحلف سعيد بن جبير بالله ما رجع عنه حتى مات". قوله: "قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد" وهو قول الشافعي ومالك وأحمد أيضًا، وهو قول جماهير الفقهاء من التابعين.

стр. 7258

ص: باب: القلادة تباع بذهب وفيها خرز وذهب ش. أي: هذا باب فيه بيان حكم القلادة المركبة من الذهب والخرز تباع بذهب كيف يكون حكمه؟ ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عمرو بن عون الواسطي، قال: ثنا هشيم، عن ليث بن سعد، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعاني، عن فضالة بن عبيد قال: "أصبت يوم خيبر قلادة فيها ذهب وخرز، فأردت أن أبيعها، فأتيت النبي ﵇ فذكرت ذلك له، فقال: أفصل بعضها من بعض، ثم بعها كيف شئت". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا الليث بن سعد، قال: حدثني أبو شجاع سعيد بن زيد الحِمْيري، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعاني، عن فضالة بن عبيد صاحب النبي ﵇ قال: "اشتريت يوم خيبر قلادة فيها ذهب وخرز باثني عشر دينارًا، ففصلتها فإذا الذهب أكثر من اثني عشر دينارًا، فذكرت ذلك لرسول الله ﵇ فقال: لا تباع حتى تفصل". حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن يزيد، قال: سمعت خالد بن أبي عمران يحدث، عن حنش عن فضالة بن عبيد قال: "أتي النبي ﵇ يوم خيبر بقلادة فيها خرز معلقة بذهب ابتاعها رجل بسبع -أو بتسع- فأتى النبي ﵇ فذكر ذلك له، فقال: لا، حتى يتميز ما بينهما، فقال: إنما أردت الحجارة، فقال: لا، حتى تميز ما بينهما، فردَّه". ش: هذه ثلاث طرق صحاح: الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي. . . . إلى آخره، وقد مضى ذكر رجاله عن قريب.

стр. 7259

وأخرجه النسائي (١) نحوه: عن عمرو بن منصور، عن محمَّد بن محبوب، عن هشيم، عن الليث، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش، عن فضالة بن عبيد، به. الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى. . . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (٢): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: نا ليث، عن أبي شجاع، عن سعيد بن يزيد، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعاني، عن فضالة. . . . إلى آخره نحوه سواء. الثالث: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر عبد الله بن محمَّد بن أبي شيبة شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه، عن عبد الله بن مبارك المروزي. . . . إلى آخره. وأخرجه الترمذي (٣): عن قتيبة عن ليث، وعن قتيبة عن ابن المبارك جميعًا، عن سعيد بن يزيد. . . . إلى آخره نحوه. وقال هذا حديث حسن صحيح. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن القلادة إذا كانت كما ذكرنا لم يجز أن تباع بالذهب؛ لأن ذلك الثمن وهو ذهب يقسم على قيمة الخرز وعلى الذهب، فيكون كل واحدٍ منهما مبيعًا بما أصابه من الثمن، كالغرضين يباعان بذهب، فكل واحد منهما مبيع بما أصاب قيمته من ذلك الذهب. قالوا: فلما كان ما يصيب الذهب الذي في القلادة إنما يصيبه الحَزْر والظن، وكان الذهب لا يجوز أن يباع بالذهب إلا مثلًا بمثل؛ لم يجز البيع إلا أن يُعلم أن ثمن الذهب الذي في القلادة مثل وزنه من الذهب الذي اشتريت به القلادة، ولا يُعلم بقسمة الثمن، إنما يُعلم بأن يكون على حدة بعد الوقوف على وزنه، وذلك غير موقوف عليه إلا بعد أن يُفصل من القلادة.

стр. 7260

قالوا: فلا يجوز بيع هذه القلادة بالذهب إلا بعد أن يُفصل ذهبها منها؛ لِما قد ذكرنا عن رسول الله ﵇؛ ولما احتججنا به من النظر. ش: أراد بالقوم هؤلاء: سالم بن عبد الله والقاسم بن محمَّد وشريحًا القاضي ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور ﵏ فإنهم قالوا: بيع القلادة إذا كانت على الصفة المذكورة لا يجوز إلا بعد أن يفصل ذهبها منها. وقال عياض: حكم ما كان من الحلي منظومًا: أن يُفصل ويُباع على الانفراد ذهبه وعرضه، ولا يجمعان في عقد واحد على مذهب مالك إلا أن يكون ما مع الذهب تبعًا أو ما مع العروض من الذهب تبعًا، فيباع بخلاف ذلك من العين، ولا يجوز أن يباع بما فيه من العين، فإن كان مصوغًا بالعرض مربوطًا به لا يُفصل منه إلا بفساد أو نفقة ومؤنة، فإن كان مما لا يجوز إتخاذه كان حكمه حكم ما تقدم، وإن كان مما يجوز إتخاذه كلحي النساء والمصحف والسيف والخاتم وجميع آلة الحرب على خلاف عندنا فيما عدا السيف يجوز بيعه، بخلاف ما فيه من العين ناجزًا كيف كان من قلة ما فيه من العين أو كثرته، ويجري في بيعه مجرى الصرف مما يحل ويحرم، وأما بيعه بجنس ما فيه من العين فيجوز إذا كان فيه من العين تبعًا الثلث فأدنى نقدًا عند مالك وجمهور أصحابه وكافة العلماء. وروي عن عمر وابن عمر منع ذلك، وروي عن جماعة من السلف، وقاله محمَّد ابن عبد الحكم من أصحابنا، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. ولو كان ما في السيف من ذلك مُمَوَّهًا بالذهب أو الفضة ومسبوكًا فيه مستهلكًا كان تبعًا بكل حال، وجاز بيعه كيف ما كان، وعلى هذا قاس شيوخنا جواز بيع الثياب المعلمة بالذهب إذا كان فيها من الذهب الثلث من قيمتها فأدنى بالدنانير نقدًا، أو بالدنانير والدراهم نسيئة، قال الإمام أبو عبد الله: مذهب مالك أن الذهب إذا كان معه سلعة فلا يجوز بيعها بذهب، وكذلك إذا كانت فضة وسلعة

стр. 7261

فلا يجوز بيعها بفضة؛ لأن ذلك يؤدي إلى التفاضل بين الذهبين، والذهب المنفرد جميع أجزائه مقابلة للذهب والسلعة، فلم يقع التماثل، ولا بيع الذهب بمثله سواء بسواء ولكن مالكًا استثنى السيف المحلى إذا كانت حليته تبعًا له؛ أن يباع بالفضة، وإن كان حليته فضة انتهى. وقال ابن حزم في "المحلى" (١): فإن كان مع الذهب شيء غيره أي شيء كان من فضة أو من غيرها ممزوج به أو مضاف فيه أو مجموع إليه في دنانير أو في غيرها لم يحل بيعه مع ذلك الشيء ولا دونه بذهب أصلًا، لا بأكثر من وزنه ولا بأقل ولا بمثله إلا حتى يخلص الذهب وحده خالصًا، وكذلك إن كان مع الفضة شيء غيرها كصفر أو ذهب أو غيرهما ممزوج بها أو ملصق معها أو مجموع إليها لم يحل بيعها مع ذلك الشيء ولا دونه بفضة أصلًا، دراهم كانت أو غير دارهم لا بأكثر من وزنها ولا بأقل ولا بمثل وزنها إلا حتى تخلص الفضة وحدها خالصة، سواء في كل ما ذكرنا السيف المحلى والمصحف المحلى والخاتم فيه الفصّ والحلي فيه الفصوص والفضة المذهبة والدنانير فيها خلط صفر أو الفضة أو الدراهم فيها خلط ما، ولا ربا في غير ما ذكرنا أصلًا. انتهى. وقال ابن قدامة (٢): وإن باع شيئًا فيه الربا بعضه ببعض ومعهما أو مع إحداهما من غير جنسه، وصورتها أن يبيع مدًّا ودرهمًا بمدين، أو بمد ودرهم، أو بدرهمين، أو يبيع شيئًا محلى بجنس ما عليه، فالمذهب أنه لا يجوز؛ نصَّ عليه أحمد. وقال ابن أبي موسى في السيف المحلى بالمنطقة والمراكب المحلاة بجنس ما عليها: لا يجوز قولًا واحدًا. وذكر المتأخرون رواية أخرى: أنه يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه.

стр. 7262

قوله: "نصيبه بالحَزْر" بالحاء المهملة وسكون الزاي المعجمة ثم راء مهملة-: وهو الظن والحسبان. قوله: "وكان المذهب" الواو فيه للحال. قوله: "لِما قد ذكرنا" اللام فيه مكسورة وهي للتعليل، وكذا اللام في قوله: "ولِما احتججنا". ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: إن كانت هذه القلادة لا يُعلم مقدار ذهبها أهو مثل وزن جميع الثمن أو أقل من ذلك أو أكثر إلا بأن تُفصل القلادة فيوزن ذلك الذهب الذي فيها فيوقف على وزنه؛ لم يجز بيعها بذهب إلا بعد ما يُفصل ذهبها منها فيُعلم أنه أقل من ذلك الثمن، وإن كانت القلادة يُحيط العلم بوزن ما فيها من الذهب، ويُعلم أنه أقل من الذهب الذي بيعت به، أو لا يحيط العلم بوزنه إلا أنه يعلم في الحقيقة أنه أقل من الثمن الذي بيعت به القلادة وهو ذهب؛ فالبيع جائز؛ وذلك أنه يكون ذهبها بمثل وزنه من الذهب الثمن، ويكون ما فيها من الخرز بما بقي من الثمن، ولا يحتاج في ذلك إلى قسمة الثمن على القيمة كما يحتاج إليه في العروض المبيعة بالثمن الواحد. والدليل على ذلك أنا رأينا الذهب لا يجوز أن يباع بذهب إلا مثلًا بمثل، ورأيناهم لا يختلفون في دينارين أحدهما في الجودة أفضل من الآخر بيعا صفقة واحدة بدينارين متساويين في الجودة، أو بذهب غير مضروبٍ جيدٍ؛ أن البيع جائز، فلو كان ذلك مردودًا إلى حكم القسمة كما ترد العروض من غير الذهب والفضة إذا بيعت بثمن واحد؛ إذا لفسد البيع؛ لأن الدينار نصيبه أقل من وزنه إذا كانت قيمته أقل من قيمة الدينار الآخر، فلما أُجْمع على صحة ذلك البيع، وكانت السنة قد ثبتت عن رسول الله ﷺ بأن الذهب تبره وعينه سواء، ثبت بذلك أن حكم الذهب في البيع إذا كان بذهب على غير القسمة على القيمة، وأنه مخصوص في ذلك بحكمٍ دون حكمِ سائر العروض المبيعة صفقةً واحدةً، وأن ما يصيبه من الثمن هو وزنه لا ما يصيب قيمته؛ فهذا هو ما يشهد لهذا القول من النظر.

стр. 7263

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الشعبي وحماد بن أبي سليمان والثوري والحسن بن حي، وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ﵏ فإنهم قالوا: إن هذه القلادة. . . . إلى آخر ما ذكره. وهو ظاهر. وتحقيق مذهب أبي حنيفة ﵁ أن بيع القلادة المفضوضة يجوز إذا كان بأكثر مما فيها من الفضة كثرت فضتها أو قلت، ولا يجوز مثلها أو أقل منها. وقال صاحب "البدائع" (١): إذا باع سيفًا محلى بفضة أو جارية في عنقها طوق فضة بفضة مفردة، والفضة المفردة أكثر؛ جاز البيع، وكان بحصة الفضة صرفًا، فيراعى فيه شرائط الصرف، وبحصة الزيادة التي هي من خلاف جنسها بيعًا مطلقًا، فلا يشترط له ما يشترط للصرف، فإن وجد التقابض وهو القبض من الجانبين قبل التفرق بالأبدان يجب الصرف والبيع جميعًا، وإن لم يوجد أو وجد القبض من أحد الجانبين دون الآخر بطل الصرف؛ لوجود الافتراق من غير قبض، وهل يبطل البيع المطلق؟ ينظر إن كانت الفضة المجموعة مع غيرها يمكن فصلها وتخليصها من غير ضرر، كالجارية مع الطوق وغير ذلك؛ فالبيع جائز، وفساد الصرف لا يتعدى إلى البيع، وإن كان لا يمكن فصلها وتخليصها إلا بضرر بطل البيع أيضًا؛ لأنه بيع ما لا يمكن تسليمه إلا بضرر، وأنه لا يجوز ابتداءً كبيع الجذع في السقف ونحو ذلك، فكذا في حالة البقاء، فإذا بطل العقد في قدر الصرف بطل في البيع أيضًا. وقال ابن حزم (٢): اتفق الحسن وإبراهيم والشعبي وقالوا: لا بأس بالسيف فيه الحلية والمنطقة والخاتم بأن يبتاعه بأكثر مما فيه أو بأقل ونسيئة. وقال المغيرة: سألت إبراهيم النخعي عن الخاتم أبيعه نسيئة، فقال: أفيه فصّ؟ فقلت: نعم، فكأنه هوَّن فيه.

стр. 7264

واتفق ابن سيرين وقتادة على أنه لا بأس بشراء السيف المفضض، والخِوَان (١) المفضض والقدح بالدراهم. وسأل شعبة حماد بن أبي سليمان عن السيف المحلى يباع بالدراهم، فقال: لا بأس به، وروي هذا أيضًا عن سليمان بن موسى ومكحول، وعن الشعبي: إن كانت الدارهم أكثر من الحلية فلا بأس به. وروي ذلك عن الحسن وإبراهيم والثوري. وقال الأوزاعي: إن كانت الحلية تبعًا وكان الفضل في النصل جاز بيعه بنوعه نقدًا وتأخيرًا. قوله: "ويعلم أنه" أي أن الذهب الذي في القلادة. قوله: "وهو ذهب" أي والحال أنه ذهب. قوله: "وذلك" إشارة إلى الجواز الذي يدل عليه قوله: "فالبيع جائز". قوله: "والدليل على ذلك" أي على ما ذكرنا من قولنا: "ولا يحتاج في ذلك إلى قسمة الثمن على القيمة. . . ." إلى آخره. قوله: "ورأيناهم" أي العلماء الذين اختلفوا في هذا الباب. قوله: "بِيعا" على صيغة المجهول في محل النصب على الحال من قوله: "في دينارين". قوله: "إذًا لفسد البيع" أي حينئذٍ لفسد البيع. قوله: "وكانت السُّنَّة قد ثبتت" الواو فيه للحال، ويجوز أن تكون بمعنى المصاحبة. قوله: "تبره وعينه" مرفوعان على أنهما بدلان من الذهب، و"التبر" القطعة المأخوذة من المعدن.

стр. 7265

قوله: "فهذا هو" أي هذا الذي ذكرنا هو الذي يشهد لهذا القول، أي قول أهل المقالة الثانية من النظر والقياس، أراد بذلك أن السنة تشهد لهذا القول مع القياس. والله أعلم. ص: وقد اضطرب علينا حديث فضالة الذي ذكرنا، فرواه قوم على ما ذكرنا في أول هذا الباب، ورواه أخرون على غير ذلك: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا أبو هانئ، أنه سمع عُلَيّ بن رباح اللخمي يقول: سمعت فضالة بن عبيد الأنصاري يقول: "أتي رسول الله ﵇ وهو بخيبر بقلادة فيها ذهب وخرز وهي من الغنائم تباع، فأمر رسول الله ﵇ بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال رسول الله ﵇: الذهب بالذهب وزنًا بوزن". حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا حميد بن هانئ، عن عُلي، عن فضالة، عن رسول الله ﵇، مثله غير أنه لم يقل: "بخيبر". حدثنا بكر بن إدريس، قال: ثنا المقرئ، قال: ثنا حيوة، عن هانئ. . . . فذكر بإسناده مثله. ففي هذا الحديث غير ما في الحديث الأول، في هذا أن رسول الله ﵇ نزع الذهب فجعله على حدة، ثم قال: "الذهب بالذهب وزنًا بوزن" ليُعَلِّم الناس كيف حكم الذهب بالذهب، فقد يجوز أن يكون رسول الله ﵇ فصل الذهب؛ لأن صلاح المسلمين كان في ذلك، ففعل ما فيه صلاحهم لا لأن بيع الذهب قبل أن ينزع مع غيره في صفقة واحدة غير جائز، وهذا خلاف ما رَوَى مَنْ رَوَى أن رسول الله ﵇ قال: "لا تباع حتى تفصل". ش: هذا جواب عن حديث فضالة بن عبيد الذي احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه؛ حاصله أن هذا حديث مضطرب قد روي على وجوه مختلفة، فرواه قوم وأراد بهم: إبراهيم البرلسي عن عَمرو بن عون، والربيع عن أسد،

стр. 7266

وفهد عن ابن أبي شيبة، فإنهم رووه على ما يقتضى صحة ما ذهب إليه أهل المقالة الأولى من عدم جواز بيع الذهب بالذهب إذا كان مع أحدهما شيء غير الذهب، ورواه آخرون أي قوم آخرون وأراد بهم: يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب، وربيع أيضًا عن أسد عن ابن لهيعة، وبكر بن إدريس عن المقرئ على غير ذلك، أي على غير ما رواه القوم الأولون، وَبَيَّنَ ذلك بإخراجه عن ثلاث طرق: الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن أبي هانئ حميد بن هانئ الخولاني، عن عُلي -بضم العين- بن رباح اللخمي، عن فضالة. وهذا إسناد صحيح. وأخرجه مسلم (١): حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سَرْح قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني أبو هانئ الخولاني، أنه سمع عُلي بن رباح اللخمي يقول: سمعت فضالة بن عبيد الأنصاري يقول: "أتي رسول الله ﵇ وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب -وهي من المغانم- تباع، فأمر رسول الله ﵇ بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول الله ﵇: الذهب بالذهب وزنًا بوزن. الثاني: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي، عن أسد بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة، فيه مقال، عن حميد بن هانئ، عن عُلي بن رباح، عن فضالة .. إلى آخره. الثالث: عن بكر بن إدريس بن الحجاج، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، شيخ البخاري، عن حيوة بن شريح بن صفوان التجيبي المصري الفقيه العابد، عن أبي هانئ حميد بن هانئ، عن عُلي بن رباح، عن فضالة، عن النبي ﵇. قوله: "ففي هذا الحديث" أراد به هذا الحديث الذي أخرجه من هذه الطرق المذكورة. "غير ما في الحديث الأول" وأراد به ما أخرجه في أول الكتاب، وبين

стр. 7267

الغيريَّة بقوله: "في هذا أن رسول الله ﵇ نزع الذهب فجعله على حده. . . ." إلى آخره وهو ظاهر. ص: وقد رواه آخرون على خلاف ذلك أيضًا، فحدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسد، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: ثنا خالد بن أبي عمران، قال: حدثني حنش بن عبد الله الصنعاني: "أنه كان في البحر مع فضالة بن عبيد الأنصاري، فقال حنش: فاشتريت قلادة فيها تبر وياقوت وزبرجد فأتيت فضالة بن عبيد الأنصاري فذكرت له ذلك فقال: لا تأخذ التبر بالتبر إلا مثلًا بمثل؛ فإني كنت مع رسول الله ﵇ بخيبر، فاشتريت قلادة بسبعة دنانير فيها تبر وجوهر، فسألت رسول الله ﵇ عنها، فقال رسول الله ﵇: لا تأخذ التبر بالذهب إلا مثلًا بمثل". ففي هذا الحديث عن رسول الله ﵇ هو في التبر بالذهب مثلًا بمثل، ولم يذكر فساد البيع في القلادة المبيعة بذهب إذا كان فيها ذهب وغيره، فهذا خلاف الأحاديث الأول. ش: أي: وقد روى الحديث المذكور قوم آخرون، وأراد بهم رواة الحديث الذي أخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن، عن أسد بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة، فيه مقال، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش الصنعاني، عن فضالة بن عبيد ﵁. قوله: "على خلاف ذلك" أشار به إلى ما رواه فيما قبله من الطرق الثلاث، وبين هذا الخلاف بقوله: "ففي هذا الحديث عن رسول الله ﵇. . . ." إلى آخره. ص: وقد رواه آخرون أيضًا على خلاف ذلك: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني قرة بن عبد الرحمن وعمرو بن الحارث، أن عامر بن يحيى المعافري أخبرهما، عن حنش أنه قال: "كنت مع فضالة بن عبيد في غزوة، فطارت لي ولأصحابي قلادة فيها ذهب وَوَرِق وجوهر، فأردت أن أشتريها، فسألت فضالة، قال: انزع ذهبها واجعله في الكفة، واجعل ذهبًا في الكفة الأخرى لا تأخذ إلا مثلا بمثل؛ فإنى سمعت رسول الله ﵇ يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلًا بمثل".

стр. 7268

فهذا خلاف لما تقدم من الأحاديث؛ لأن فيه أمر فضالة بنزع الذهب وبيعه وحده، ولم يذكر ذلك عن النبي ﵇، والذي ذكره عن النبي ﵇ هو نهيه عن بيع الذهب بالذهب إلا وزنًا بوزن، فهذا ما لا اختلاف فيه، والأمر بالتفصيل من قول فضالة، فقد يجوز أن يكون أمر بذلك على أن البيع عنده لا يجوز فيها بالذهب حتى يفصل، وقد يجوز أن يكون أمر بذلك لإحاطة علمه أن تلك القلادة لا يوصل إلى علم ما فيها من الذهب ولا إلى مقداره إلا بعد تفصيله منها، فقد اضطرب هذا الحديث، فلم يوقف على ما أريد منه، فليس لأحد أن يحتج بمعنى من المعاني التي روي عليها إلا احتج مخالفة عليه بالمعنى الآخر. ش: أي: وقد روى الحديث المذكور قوم آخرون، وأراد بهم: رواة الحديث الذي أخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب، عن قرة بن عبد الرحمن وعمرو بن الحارث بن يعقوب المصري، كلاهما عن عامر بن يحيى المعافري، عن حنش. . . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): حدثني أبو الطاهر، قال: أنا ابن وهب، عن قرة بن عبد الرحمن المعافري وعمرو بن الحارث وغيرهما، أن عامر بن يحيى المعافري أخبرهم، عن حنش أنه قال: "كنا مع فضالة بن عبيد. . . ." إلى آخره نحو رواية الطحاوي سواء. قوله: "على خلاف ذلك" أشار به إلى ما روي من الاختلاف المذكور فيما مضى في حديث فضالة، وبين هذا الخلاف أيضًا بقوله: فهذا خلاف لما تقدم من الأحاديث. . . . إلى آخره. قوله: "فطارت لي ولأصحابي" أي حصل لنا النصيب قلادة. مأخوذ من طير الإنسان وهو ما حصل له في علم الله مما قدر له.

стр. 7269

قوله: "واجعله في الكفة" قال عياض: الكفة للميزان -بالكسر- ولكل مستدبر وللثوب وللطرية -بالضم- ولكل مستطيل، وقد قيل بالوجهين فيهما جميعًا. ص: وقد قدمنا في هذا الباب كيف وجه النظر في ذلك، وأنه على ما ذهب إليه الذين جعلوا حكم الذهب المبيع مع غيره بالذهب لا على تقسيم الثمن على القيم، ولكن على أن الذهب مبيع بوزنه من الذهب الثمن وما بقي مبيع بما بقى من الثمن، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏. ش: قد ذكر وجه النظر فيما قبل، وهو قوله: "والدليل على ذلك أنا رأينا الذهب. . . ." إلى قوله: "فهذا هو ما يشهد لهذا القول من النظر". ص: وحدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرنى ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة السبائي، عن أبي تميم الجيشاني قال: اشترى معاوية بن أبي سفيان ﵁ قلادة فيها تبر وزبرجد ولؤلؤ وياقوت بستمائة دينار، فقام عبادة بن الصامت ﵁ حين طلع معاوية المنبر -أو حين صلي الظهر- فقال: ألا إن معاوية اشترى الربا وأكله، ألا وإنه في النار إلى حَلْقِه". فقد يجوز أن تكون تلك القلادة كان فيها من الذهب أكثر مما اشتريت به، فكان من عبادة ما كان لذلك، ويجوز أن تكون بيعت بنسيئة فإنه قد روي عن معاوية ﵁ أنه لم يكن يرى بذلك بأسًا". ش: أورد هذا الحديث؛ لأنه كالإيراد على أهل المقالة الثانية، ليجيب عنه نصرة لهم. أما الحديث فإنه أخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة السبائي، عن أبي تميم عبد الله بن مالك الجيشاني. وهؤلاء كلهم مصريون ثقات غير أن ابن لهيعة فيه مقال. والسَّبائي: نسبة إلى سبأ، وقد مَرَّ ذكره عن قريب.

стр. 7270

والجيْشَاني -بفتح الجيم وسكون الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة- نسبة إلى جيشان بن عبدان بن حجر بن ذى رعين الحميري. وأما الجواب فهو قوله: فقد يجوز. . . . إلى آخره. وحاصله على وجهين: الأول: أنه إنما قال عبادة ما قال لاحتمال أن يكون الذهب في القلادة أكثر من الذهب الثمن، فإذا كان كذلك كان مما أُجمع على عدم جوازه. الثاني: يحتمل أن يكون معاوية قد كان اشتراها نسيئة؛ فإن معاوية قد كان يرى بجواز ذلك ويذهب إليه. وهذا هو الوجه الراجح على ما يذكره الآن. ص: وقد روي في ذلك وفي السبب الذي من أجله أنكر عبادة على معاوية في ذلك ما أنكر: ما حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمد بن إدريس، قال: أنا عبد الوهاب بن عبد المجيد، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث قال: "كنا في غزاة علينا معاوية، فأصبنا ذهبًا وفضة، فأمر معاوية رجلًا أن يبيعها الناس في أعطياتهم، قال: فسارع الناس فيها، فقام عبادة فنهاهم فردوها، فأتى الرجل معاوية فشكى إليه، فقام معاوية خطيبًا فقال: ما بال رجال يحدثون عن رسول الله ﵇ أحاديث يكذبون فيها عليه لم نسمعها؟! فقام عبادة ﵁ فقال: والله لنحدثن عن رسول الله ﵇ وإن كره معاوية، قال رسول الله ﵇: لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الفضة بالفضة، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح إلا سواءً بسواءٍ يدًا بيدٍ عينًا بعينٍ". حدثنا إسماعيل بن يحيى، قال: ثنا محمَّد بن إدريس، قال: ثنا عبد الوهاب، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني أنه قال: "قدم أناس في إمارة معاوية يبيعون آنية الذهب والفضة إلى العطاء، فقام عبادة بن الصامت ﵁ فقال: إن رسول الله ﵇ نهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والشعير بالشعير والملح بالملح، إلا مثلًا بمثل، سواء بسواء، فمن زاد أو ازداد فقد أربى".

стр. 7271

فدل ذلك أنما كان من إنكار عبادة على معاوية هو بيع الذهب أو القلادة التي فيها الفضة المبيعة بالفضة، ولا دلالة فيما روينا عنه على حكم ذلك إذا بيع بأكثر من وزن ذهبه أو فضته من الذهب أو الفضة. ش: أي قد روي في تجويز معاوية بيع الذهب والفضة نسيئة، وروي أيضًا في السبب الذي من أجله أنكر عبادة بن الصامت على معاوية بن أبي سفيان فيما يراه من ذلك. قوله: "ما حدثا" في محل الرفع؛ لأنه مسند إلى قوله: "وقد روي". وأخرجه من وجهين صحيحين: الأول: عن إسماعيل بن يحيى المزني، عن الإِمام محمَّد بن إدريس الشافعي، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، عن أبي الأشعث شراحيل بن آدة. وأخرجه مسلم (١): ثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: "كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار فجاء أبو الأشعث: قال: قالوا: أبو الأشعث، أبو الأشعث، فجلس، فقالوا له: حدث أخانا حديث عبادة بن الصامت، قال: نعم، غزونا غزاة وعلى الناس معاوية ﵁، فغنمنا غنائم كثيرة فكان فيما غنمنا أنية من فضة، فأمر معاوية رجلًا أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال: إنى سمعت رسول الله ﵇ نهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواءً بسواءٍ عينًا بعينٍ، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية، فقام خطيبًا فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله ﵇ أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه؟! فقام عبادة فأعاد القصة، فقال: لنحدثن بما سمعنا

стр. 7272

من رسول الله ﵇ وإن كره معاوية -أو قال: وإن رغم- ما أبالي ألا أصحبه في جنده ليلة سوداء، قال حماد هذا أو نحوه". الثاني: عن المزني، عن الشافعي، عن عبد الوهاب الثقفي، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة عبد الله بن زيد، عن أبي الأشعث شراحيل بن آدة. وأخرج الطحاوي هذا الحديث في باب بيع الشعير بالحنطة متفاضلًا من طرق متعددة، واستوفينا الكلام فيه هناك. ص: وقد حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "اشتر السيف المحلى بالفضة". فهذا ابن عباس قد أجاز بيع السيف الذي حليته فضة بفضة. ش: ذكره شاهدًا لما يقوله أهل المقالة الثانية. وأخرجه بإسناد صحيح، عن علي بن شيبة، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، شيخ البخاري، عن إسرائيل بن يونس. . . . إلى آخره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): نا وكيع، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: "لا بأس ببيع السيف المحلى بالدراهم". ص: وقد روي في مثل ذلك أيضًا عن جماعة من التابعين اختلاف: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني حيوة وابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران: "أنه سأل القاسم بن محمَّد وسالم بن عبد الله عن اشتراء الثوب المنسوج بالذهب، فقالا: لا يصلح اشتراؤه بالذهب". حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد: "أنه كان لا يرى بأسًا أن يشتري ذهبًا بذهب أو فضة بذهب وفضة".

стр. 7273

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن مبارك، عن الحسن: "أنه كان لا يرى بأسًا أن يباع السيف المفضض بالدراهم بأكثر مما فيه، فتكون الفضة بالفضة والسيف بالنصل". ثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر، عن إبراهيم: "أنه قال في بيع السيف المحلى: إذا كانت الفضة التي فيه أقل من الثمن فلا بأس بذلك". حدثنا سليمان بن شعيب، عن أبيه، عن محمَّد بن الحسن، عن أبي يوسف، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عامر الشعبي، قال: "لا بأس ببيع السيف المحلي بالدراهم؛ لأن فيه حمائله وجفنه ونصله". ش: أي: وقد روي في جواز بيع السيف المحلي بفضة بثمن فضة عن جماعة من التابعين. وأخرج في ذلك عن القاسم بن محمَّد وسالم بن عبد الله ومجاهد والحسن البصري وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي. أما ما روي عن القاسم بن محمَّد وسالم فأخرجه بإسناد صحيح، عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن حيوة بن شريح المصري وعبد الله بن لهيعة، كلاهما عن خالد بن أبي عمران. . . . إلى آخره. وذكر ابن لهيعة متابعة. وأما ما روي عن مجاهد فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن سفيان الثوري، عن عثمان بن الأسود بن موسى المكي، عن مجاهد. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": عن وكيع، عن سليمان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد نحوه. وأما ما روي عن الحسن، فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن مبارك بن فضالة البصري، عن الحسن البصري.

стр. 7274

وأخرج عبد الرزاق في "مصنفه": عن معمر وسفيان الثوري وحُيي بن عمر قال معمر: عن قتادة، عن الحسن البصري. وقال سفيان: عن المغيرة، عن إبراهيم النخعي، وقال حُيي: عن عبد الكريم بن أبي أمية، عن الشعبي: ثم اتفق الحسن وإبراهيم والشعبي قالوا كلهم: "لا بأس بالسيف فيه الحلية والمنطقة والخاتم بأن يبتاعه بأكثر مما فيه أو بأقل ونسيئة". وأما ما روي عن إبراهيم النخعي فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن أبيه شعيب بن سليمان، عن الإِمام محمَّد بن الحسن الشيباني، عن الإِمام القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن أبي معشر زياد بن كليب التميمي الكوفي، عن إبراهيم النخعي. وقال ابن حزم (١) روينا من طريق شعبة "سألت حماد بن أبي سليمان عن السيف المحلى يباع بالدراهم، فقال: لا بأس به". وروي هذا عن سليمان بن موسى ومكحول أيضًا. ومن طريق سعيد بن منصور: ثنا هشيم، أنا حصين -هو ابن عبد الرحمن- عن الشعبي فقال: "إن كانت الدراهم أكثر من الحلية فلا بأس به" وروينا مثله أيضًا عن الحسن وإبراهيم، وهو قول سفيان الثوري. وأما ما روي عن الشعبي فأخرجه أيضًا بإسناد صحيح عن سليمان. . . . إلى آخره.

стр. 7275

ص: كتاب الهبة والصدقة ش: أي هذا كتاب في بيان أحكام الهبة والصدقة، الهبة: مصدر وهب يهب، وأصل هبة: وهب حذفت الواو تبعًا لمستعمله وعوضت عنه الهاء، كما في: عدة ومقة أصلهما: وَعْد ووَمْقٌ، ومعناها اللغوي: تبرع مطلقًا، ويقال: هي العطية الخالية عن الأعواض والأغراض. وفي الشرع: هي تمليك عين بلا عوض. و"الصدقة": ما تصدقت به على الفقراء. قاله الجوهري. ص: حدثثا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا شعبة وهشام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس أن رسول الله ﵇ قال: "العائد في هبته كالعائد في قيئه". ش: إسناد صحيح ورجاله رجال الصحيح ما خلا إبراهيم بن مرزوق. وأبو عامر: هو عبد الملك بن عمرو والعقدي. وهشام هو الدستوائي. وأخرجه البخاري (١): عن مسلم بن إبراهيم، نا هشام الدستوائي وشعبة، قالا جميعًا: ثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب. . . . إلى آخره نحوه سواء. ومسلم (٢): عن محمَّد بن مثنى ومحمد بن بشار، كلاهما عن محمَّد بن جعفر، عن شعبة. . . . إلى آخره نحوه. وأبو داود (٣): عن مسلم عن أبان وهمام وشعبة، كلهم عن قتادة، عن سعيد بن المسيب. . . . إلى آخره نحوه.

стр. 7276

والنسائي (١): عن أبي موسى، عن عبد الرحمن، عن شعبة، عن قتادة به. وابن ماجه (٢): عن ابن بشار وابن مثنى، عن غندر، عن شعبة، عن قتاده به. قوله: "العائد في هبته" أي الراجع إلى هبته كالراجع إلى قيئه، وكلمة "في" بمعنى "إلى" كما في قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ (٣) وأصل هذا الباب أن يعدي بـ"إلى" تقول عاد إليه يعود عودًا وعودةً: أي رجع، ولما كان العائد إلى قيئه قد أبشع في فعله وتقذر حيث فعل فعلًا يستقذره كل من يراه شبه به العائد في هبته تنبيهًا على عظم هذا الفعل في بلوغه إلى منتهى البخل واللؤم، وعلى سوء هذا الصنيع وقبحه، وإنما أطلق العائد في قيئه ليعمَّ كل عائد من بني آدم وغيرهم، وقد جاء في رواية أخرى مقيدًا وهو: كالكلب يعود إلى قيئه" على ما يجيء إن شاء الله تعالى. وهذا أبلغ في الاستقذار للمشاهد ذلك. وقد احتج به من لم يجوِّز الرجوع في الهبة، وذلك لأن القيء لما كان حرامًا كان العائد إليه كالواقع في الحرام، وسيجيء مزيد الكلام فيه إن شاء الله تعالى. ص: قال أبو جعفر ﵀: فذهب قوم إلى أن الواهب ليس له أن يرجع فيما وهب، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وقالوا: لما كان رسول الله ﵇ قد مثل الرجوع في الهبة كالرجوع في القيء، وكان رجوع الرجل في قيئه حرامًا عليه كان كذلك رجوعه في هبته. ش: أراد بالقوم هؤلاء: طاوس بن كيسان وعكرمة والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: ليس للواهب أن يرجع فيما وهب إلا الذي ينحله الأب لابنه.

стр. 7277

وعند مالك: له أن يرجع في الأجنبي الذي قصد منه الثواب ولم يشبه، وبه قال أحمد في رواية، وغير الأب من الأصول كالأب عند الشافعي في الأصح. وعند مالك: لا، سوى الأم، وعند أحمد: لا الأم أيضًا. وقال ابن حزم في "المحلى" (١): ومن وهب هبة صحيحة لم يجز له الرجوع فيها أصلًا مُذْ تلفظ بها، إلا الوالد والأم فيما أعطيا أو أحدهما لولدهما، ولهما الرجوع فيه أبدًا، الصغير والكبير سواء، وهو قول الشافعي وأبي سليمان وأصحابهما. ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: للواهب أن يرجع في هبته إذا كانت قائمة على حالها لم تستهلك ولم تزد في بدنها بعد أن يكون الموهوب له ليس بذي رحم محرم من الواهب، وبعد أن يكون لم يشبه منها ثوابًا، فإن كان أثابه منها ثوابًا وقَبِلَ ذلك الثواب منه، أو كان الموهوب له ذا رحم محرم من الواهب فليس للواهب أن يرجع فيها، فإن لم يكن الواهب ذا رحم محرم للموهوب له، ولكنها امرأة وهبت لزوجها، أو زوج وهب لمرأته فهما في ذلك كذي الرحم المحرم، وليس لواحد منهم أن يرجع فيما وهب لصاحبه. ش: أي خالف القوم المذكورين، وأراد بهم: سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز وشريحًا القاضي والأسود بن يزيد والحسن البصري وعامرًا الشعبي وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ﵏؛ فإنهم قالوا: للواهب من الأجنبي الرجوع عن هبته ما دامت قائمة ولم يعوض عنها. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وفضالة بن عبيد وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وعبد الله بن عمر ﵃. قوله: "لم يثبه" من الإثابة وهو التعويض والمجازاة، يقال: أثابه يثيبه إثابة، والاسم: الثواب ويكون في الخير والشر، إلا أنه في الخير أخص وأكثر استعمالًا. وقال ابن حزم في "المحلى" (١): قال أبو حنيفة ﵁: من وهب لذي رحم محرمة أو ولده وأقبضه إياه أو وهب أحد الزوجين لصاحبه هبة وأقبضه إياها، فلا رجوع

стр. 7278

لأحد ممن ذكرنا فيما وهب، ومن وهب لأجنبي أو لمولى أو لذي رحم غير محرمة هبة وأقبضه إياها فللواهب أن يرجع فيما وهب متى شاء، وإن طالت المدة ما لم تزد الهبة في بدنها أو ما لم يخرجها الموهوب له عن ملكه، أو ما لم يمت الواهب أو الموهوب له، أو ما لم يُعَوِّض الموهوب له أو غيره عنه الواهب عوضًا يقبله الواهب، فأي هذه الأسباب كان، فلا رجوع للواهب فيما وهب، ولا يجوز الرجوع في الهبة إذا لم يكن شيء مما ذكرنا إلا بتسليم الموهوب ذلك أو بحضرة الحاكم، أحب الموهوب له أم كره، قال: فلو وهب آخر جارية فعلمها الموهوب له القرآن أو الكتابة والخَبْزُ فليس ذلك بمانع من رجوع الواهب فيها. وإن كان عليها دين فأداه الموهوب له عنها، أو كانت كافرة فأسلمت فلا رجوع فيها للواهب. وأما الصدقة فلا رجوع للمتصدق فيها لأجنبي كانت أو لغير أجنبي بخلاف الهبة. وقال مالك: لا رجوع لواهب ولا لمتصدق في هبته أصلًا لا لأجنبي ولا لذي رحم محرمة إلا في هبة الثواب فقط، وفيما وهب الرجل لولده أو ابنته الكبيرين أو الصغيرين ما لم يقل: إنه وهبها لولده لوجه الله تعالى، فإن قال هذا؛ فلا رجوع فيما وهب. فإن لم يقله فله الرجوع فيما وهب ما لم يداين الولد على تلك الهبة، أو ما لم يتزوج الابن أو الابنة عليها، أو ما لم يثب الابن أو الابنة أباهما على ذلك، فأي هذه الوجوه كان فقد بطل رجوع الأب في الهبة، وترجع الأم كذلك فيما وهبت لولدها الكبار كان أبوهم حيًّا أو لم يكن. ص: وكان من الحجة لهم في ذلك "أن رسول الله ﵇ جعل العائد في هبته كالعائد في قيئه، ولم يبين لنأمل مَنْ العائد في قيئه، فقد يجوز أن يكون أراد الرجل العائد في قيئه فيكون قد جعل العائد في هبته كالعائد فيما هو حرام عليه، فثبت بذلك ما قال أهل المقالة الأولى.

стр. 7279

وقد يجوز أن يكون أراد الكلب العائد في قيئه، والكلب غير متعبد بتحريم ولا تحليل فيكون العائد في هبته عائدًا في قذر كالقذر الذي يعود فيه الكلب فلا يثبت بذلك منع الواهب من الرجوع في الهبة. فنظرنا: هل نجد من الآثار ما يدل على مراد رسول الله ﵇ في الحديث الأول ما هو؟ فإذا فهد قد حدثنا، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "ليس لنا مثل السَّوْء؛ الراجع في هبته كالكلب يرجع في قيئه". حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا معلى بن أسد، قال: ثنا وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ قال: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود فيه". فدل هذا الحديث أن رسول الله ﵇ إنما أراد بما قد ذكرناه في الحديث الأول تنزيه أمته عن أمثال الكلاب لا أنه أبطل أن يكون لهم الرجوع في هباتهم. ش: أي: وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية، وهذا جواب عن الحديث الذي احتج به أهل المقالة الأولى من ظاهر حديث ابن عباس. تقرير ذلك أن يقال: إن النبي ﵇ شبه العائد في هبته كالعائد في قيئه، ولكنه لم يبين العائد في قيئه من هو، لأنه أطلقه وهو في نفسه مجمل، ثم إنه يحتمل أن يكون المراد به الرجل العائد في قيئه، فعل هذا الاحتمال يثبت ما قاله أهل المقالة الأولى؛ لأنه حينئذ يكون التشبيه بالعائد فيما هو حرام عليه فيثبت بذلك منع الرجوع في الهبة. ويحتمل أن يكون المراد به الكلب العائد في قيئه أو نحوه من أمثاله فعلى هذا الاحتمال لا يثبت ما قاله أهل المقالة الأولى ولا يرد ما قاله أهل المقالة الثانية؛ وذلك لأنه حينئذ يكون التشبيه بالكلب العائد في قيئه، والكلب غير متعبد بالحلال

стр. 7280

والحرام، فيكون العائد في هبته عائدًا في أمر قذر كالقذر الذي يعود فيه الكلب، فلا يثبت بذلك منع الرجوع في الهبة. فإذا ثبت هذان الاحتمالان رجعنا إلى الآثار هل نجد شيئًا منها يدل على تجريح أحد الاحتمالين؟ فوجدنا حديث ابن عباس قد صرح بأن المراد من العائد في قيئه هو الكلب العائد في قيئه، فصارت إحدى روايتي ابن عباس مفسرة للأخرى، فتعين حينئذ وجه الاحتمال الثاني وترجح، واندفع ما قاله أهل المقالة الأولى. هذا الذي ذكره الطحاوي، وقد يجاب عن ذلك بأن المراد منه التشبيه من حيث ظاهر القبح مروءة وخلقًا لا شرعًا، ألا ترى كيف قال: "كالكلب يقي ثم يعود فيه" وذا لا يوصف بالحرمة الشرعية، لكنه يوصف بالقبح الطبيعي، وكذا أجيب عن قوله ﵇ في الحديث الآخر: "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته. . . ." الحديث. أن المراد منه نفي الحل من حيث المروءة والخلق لا من حيث الحكم، لأن نفي الحل يحتمل ذلك، قال الله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ (١) قيل في بعض التأويلات: لا يحل لك من حيث المروءة والخلق أن تتزوج عليهن بعدما اخترن إياك والدار الآخرة على الدنيا وما فيها من الزينة، لا من حيث الحكم إذ كان يحل له التزوج بغيرهن. ثم إنه أخرج حديث ابن عباس من طريقين صحيحين: الأول: عن فهد بن سليمان، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن عبد الله بن المبارك، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﵇. وأخرجه البخاري (٢): عن عبد الرحمن بن المبارك، عن عبد الوارث، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﵇ نحوه.

стр. 7281

الثاني: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن معلى بن أسد العمي البصري، شيخ البخاري، عن وهيب بن خالد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه طاوس، عن ابن عباس. وأخرجه مسلم (١): عن إسحاق بن إبراهيم المخزومي، عن وهيب، عن عبد الله ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄. ص: وقد روي هذا الكلام أيضًا الذي روينا عن ابن عباس، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح بن عبادة قال: ثنا عوف، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇. وحدثنا أبو بكرة، قال: ثنا روح، قال: ثنا عوف، عن خلاس بن عمرو، عن أبي هريرة، عن النبي ﵇ قال: "مثل الذي يعود في عطائه كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء ثم عاد في قيئه فأكله". ش: أشار بهذا الكلام إلى ما رواه عن ابن عباس يعني روى حديثه عن أبي هريرة أيضًا. وأخرجه من طريقين صحيحين: الأول: عن أبي بكرة بكار القاضي، عن روح بن عبادة، عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن الحسن البصري، عن أبي هريرة. وقيل: إن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. الثاني: عن أبي بكرة أيضًا، عن روح، عن عوف، عن خلاس بن عمرو الهجري البصري، عن أبي هريرة. قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: لم يسمع خلاس من أبي هريرة شيئًا.

стр. 7282

وأخرجه أحمد في "مسنده" (١): ثنا محمَّد بن جعفر، قال: نا عوف، عن خلاس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: "مثل الذي يعود في هبته كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء ثم عاد في قيئه فأكله". ص: وقد روي عن رسول الله ﵇ مثل هذا الكلام في معنى غير هذا المعنى: حدثنا نصر بن مرزوق وابن أبي داود، قالا: ثنا أبو صالح، قال: حدثني الليث، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله: "أن عبد الله بن عمر كان يحدث أن عمر ﵁ تصدق بفرس في سبيل الله فوجده يباع بعد ذلك، فأراد أن يشتريه، فأتى النبي ﵇ فاستأمره في ذلك، فقال له رسول الله ﵇: لا تعد في صدقتك". فلذلك كان ابن عمر لا يرى أن يبتاع مالًا جعله صدقة. حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: "حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده فأردت أن أبتاعه منه فظننت أنه بائعه برخص، فسألت عن ذلك رسول الله ﵇ فقال: لا تبتعه وإن أعطاكه بدرهم واحد، ولا تعد في صدقتك، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه". حدثنا المزني، قال: ثنا الشافعي، قال: ثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر ﵁: "أنه أبصر فرسًا تباع في السوق وكان تصدق بها، فسأل رسول الله ﷺ أن يشتريه، فقال: رسول الله لا تشتره ولا شيئًا من نتاجه". فمنع رسول الله ﵇ عمر أن يبتاع ما كان تصدق به أو شيئًا من نتاجه، وجعله إن فعل ذلك كالكلب يعود في قيئه، فلم يكن ذلك موجب حرمة ابتياع الصدقة على المتصدق بها، ولكن ترك ذلك أفضل، وكذلك ما ذكرنا مثل هذا إنما ذكرنا عن

стр. 7283

رسول الله ﵇ في الرجوع في الهبة ليس على تحريم ذلك، ولكنه لأن تركه أفضل. ش: أي: قد روي عن رسول الله ﵇ مثل قوله: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه" أي معنى غير المعنى المذكور فيه، وهو المعنى الذي كان ورد في العود في الصدقة، وأورد هذا شاهدًا لما قاله في قوله ﵇: "العائد في هبته. . . ." الحديث. من أن ذلك لا يدل على منع الواهب من الرجوع في هبته وإنما ذلك تنزيه أمته عن أمثال الكلاب، وذلك أن منع رسول الله ﵇ عمر بن الخطاب عن ابتياع ما كان تصدق به أو شيئًا من نتاجه لم يكن دالًا على حرمه ذلك، ولكن ترك ذلك كان أفضل، فكذلك ما روي عنه في الهبة. ثم إنه أخرج ما روي عن عمر ﵁ من ثلاث طرق صحاح: الأول: عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي، كلاهما عن أبي صالح عبد الله بن صالح، وراق الليث وشيخ البخاري، عن الليث بن سعد، عن عُقَيل -بضم العين- بن خالد الإيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. . . . إلى آخره. وأخرجه مسلم (١): ثنا ابن أبي عمر وعبد بن حميد -واللفظ لعبد- قال: أنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: "أن عمر حمل على فرس في سبيل الله، ثم رآها تباع فأراد أن يشتريها، فسأل النبي ﵇، فقال رسول الله ﵇ لا تعد في صدقتك يا عمر". وأخرجه النسائي (٢): عن محمَّد بن عبد الله بن المبارك، عن حجين بن مثنى، عن ليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم. . . . إلى آخره نحوه. الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى. . . . إلى آخره.

стр. 7284

وأخرجه مالك في "موطإه" (١). ومسلم (٢): عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، نحوه. وابن ماجه (٣): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام بن سعد، عن زيد، عن أبيه نحوه. الثالث: عن إسماعيل بن يحيى المزني، عن الإِمام محمَّد بن إدريس الشافعي، عن سفيان بن عيينة. . . . إلى آخره. وأخرجه البيهقي من طريق الشافعي (٤). ويستفاد منه أحكام: الأول: أن من حمل على فرس في سبيل الله وغزا به فله أن يفعل فيه بعد ذلك ما يفعل في سائر أمواله: ألا ترى أن رسول الله ﵇ لم ينكر على بائعه بيعه، وأنكر على عمر شرائه؟ ولهذا قال ابن عمر: "إذا بلغت به وادي القرى فشأنك به"، وقال سعيد بن المسيب: إذا بلغ به رأس مغزاه فهو له. قال أبو عمر: اختلف [الفقهاء] (٥) في هذا المعنى، فقال مالك: إذا أعطي فرسًا في سبيل الله فقيل: هو لك في سبيل الله، فله أن يبيعه، وإذا قيل: هو في سبيل الله ركبه ورده. وقال الشافعي وأبو حنيفة: الفرس المحمول عليها في سبيل الله هي لمن يحمل عليها تمليك.

стр. 7285

قالوا: ولو قال له: إذا بلغت رأس مغزاك فهو لك؛ كان تمليكًا على مخاطرة فلم يجز. وقال الليث: من أعطي فرسًا في سبيل الله لم يبعه حتى يبلغ مغزاه، ثم يصنع به ما شاء، إلا أن يكون حبسًا فلا يباع. الثاني: أن كل من يجوز تصرفه في ماله وبيعه وشرائه فجائز له بيع ما شاء من ماله بما شاء من قليل الثمن وكثيره، كان مما يتغابن الناس به أو لم يكن إذا كان ذلك ماله ولم يكن وكيلًا ولا وصيًّا؛ لقوله: "ولو أعطاكه بدرهم". الثالث: اختلف الفقهاء في كراهة شراء الرجل لصدقة الفرض والتطوع، فممن كره ذلك: مالك والشافعي وابن حَيّ، ولم يروا لأحد أن يشتري صدقته، فإن اشترى أحد صدقته لم يفسخوا العقد ولم يردوا البيع، ورأوا له التنزه عنها، وكذلك قولهم في شراء الإنسان لما يخرجه في كفارة اليمين مثل الصدقة سواء. قال أبو عمر: إنما كرهوا بيعها لهذا الحديث ولم يفسخوه؛ لأنه راجع إليه بغير ذلك المعنى. وقال أبو حنيفة والأوزاعي: لا بأس بمن أخرج زكاته وكفارة يمينه أن يشتريه بثمن يدفعه. وقال أبو جعفر الطحاوي: المصير إلى حديث عمر ﵁ في الفرس أولى من قول من أباح شراء صدقته. وقال قتادة: البيع في ذلك فاسد مردود؛ لأني لا أعلم الفيء إلا حرامًا، وكل العلماء يقولون: إن رجعت إليه بالميراث جاز، والله أعلم. ص: وقد حدثنا ابن أبي عمران، قال: ثنا عبيد الله بن عمر القواريري ثنا يزيد بن زريع، عن حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن طاوس، عن ابن عمر وابن عباس ﵃ قالا: قال رسول الله ﵇: "لا يحل لواهب أن يرجع في هبته إلا الوالد لولده".
следующие страницы →